لقد اتخذت المملكة
العربية السعودية مواقف استراتيجية عظيمة ـ رغم صعوبة اتخاد تلك المواقف ـ خلال الحرب
الحالية، وذلك تكريسا للأمن القومي المشترك، ورفضا لتحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية
الحسابات الدولية، وكان آخر تلك المواقف رفضها الحازم لاستخدام مجالها الجوي أو قواعدها
العسكرية لضرب إيران، في إطار ما يسميه ترامب "مشروع الحرية" لتحرير
السفن العالقة، وفتح مضيق هرمز بالقوة.
إن هذا الموقف
النبيل الذي يليق بالمملكة العربية السعودية، كان حاسما في التعليق المفاجئ لمشروع
الحرية، حسب بعض التقارير الصحفية، الشيء الذي يستوجب من الجمهورية الإسلامية
الإيرانية، أن تُسارع في اتخاذ مواقف إيجابية مماثلة تجاه المملكة العربية
السعودية ردا للجميل، وسعيا لبناء المزيد من الثقة بين البلدين، بما يعود بالنفع
على المنطقة العربية والإسلامية بكاملها، في هذه الفاصلة الحرجة من تاريخها.
منذ عام تقريبا، وأنا أنشر مقالات تدعو إلى تأسيس حلف عربي إسلامي،
بدأتها بمقال نُشِر يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، ومع مرور الوقت ترسخت
قناعتي بوجاهة تلك الدعوة، بل وتعاظمت أكثر مع الحرب الجارية حاليا، والتي تؤكد
أننا مقبلون بالفعل على فترة أكثر اضطرابا، وأشد قسوة على الدول والمناطق غير
المحصَّنة استراتيجيا.
وقد
تعززت قناعتي بأن القائد الأجدر في المنطقة بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية
كبرى من هذا النوع هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن
سلمان، وسيبقى ثقل المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي خيرَ معين
له في إنجاح مبادرة من هذا النوع.
في أول مقال من سلسلة المقالات المطالبة بضرورة المسارعة في تأسيس حلف
عربي إسلامي، تحدثت عن الظرفية الدولية البالغة الخطورة والتعقيد، التي يمر بها
العالم اليوم، والتي يطبعها اللايقين، والتي تتسم كما جاء في المقال المذكور بشلل
شبه كامل للأمم المتحدة، وبموت سريري للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي،
وعجزهما البيِّن عن حل قضايا العرب والمسلمين العالقة، وعلى رأس تلك القضايا تحرير
فلسطين والمسجد الأقصى من الاحتلال الغاصب.
لم تستفد الدول العربية والإسلامية من النظام العالمي القائم على
قطبين قبل انهياره، ولم تستفد من نظام القطب الواحد الذي يُصارع حاليا من أجل
البقاء، والذي كانت تقوده أمريكا، بل على العكس من ذلك، فقد تضرر العالم الإسلامي
كثيرا من النظام العالمي القائم على قطبين، وتضرر أكثر في ظل النظام العالمي
القائم على قطب واحد، وكل المؤشرات تقول بأن الضرر سيبلغ ذروته في ظل رئاسة ترامب
لأمريكا.
لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي عسكري واقتصادي
قوي، يُشكل قطبا إسلاميا عالميا يحمي مصالح المسلمين في عالم يسير اليوم ـ وبخطى
متسارعة ـ في اتجاه نظام متعدد الأقطاب، بعد فشل نظام القطب الواحد، ونظام القطبين
قبل ذلك.
من المؤكد أن الدول الإسلامية تمتلك كل المقومات لتشكل قطبا عالميا
قويا قادرا على الدفاع عن مصالح المسلمين في العالم، فمن الناحية العسكرية، هناك
باكستان التي تمتلك سلاحا نوويا، وهناك إيران التي أثبتت مؤخرا أنها قادرة بمفردها
على الصمود في وجه أمريكا وإسرائيل، ومن الناحية الاقتصادية هناك العديد من الدول
الإسلامية التي تمتلك اقتصادات قوية، وموارد مالية هائلة، فهناك الطاقة، وهناك
الممرات البحرية، كمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والتي ثبُتَ خلال الحرب
الحالية، أنها شرايين التجارة العالمية، وأنها تشكل سلاحا قويا لا يمكن للعالم أن
يواجهه، إذا ما تم استخدامه بذكاء واحترافية.
نعم لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي قوي تنخرط فيه
الدول الإسلامية، ويمكن أن تتشكل نواته الأولى من السعودية وباكستان وإيران وتركيا
ومصر، لتشمل بعد ذلك بقية الدول الإسلامية، فبحلف كهذا يمكن أن نحرر فلسطين، وبحلف
كهذا يمكن أن نحل المشاكل التي قد تحدث بين بعض الدول الإسلامية دون الحاجة لتدخل
قوى عظمى، ولتشكيل هذا الحلف وبناء الثقة بين الأطراف المكونة لنواته الصلبة، فلا
بد من توفر ثلاثة شروط، تحدثتُ عنها سابقا في المقال المذكور:
1ـ أن
تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية،
وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا باحترام سيادة الدول العربية، وأن لا تعمل مستقبلا
ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد
من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛
2ـ أن
تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج الارتهان الاقتصادي والعسكري
للسياسات الأمريكية المتذبذبة، مع وقف منح الأموال لترامب، فليس من الحكمة وضع كل
البيض في سلة واحدة، وخاصة إذا كان صاحب تلك السلة هو ترامب المتقلب المزاج، على
أن توجه تلك الأموال للتعزيز من مكانة الحلف الإسلامي المنتظر، أو توجه لدعم بعض
الدول الإسلامية المحتاجة؛
3ـ أن
تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.
وفي الختام، أجدد شكري مرة أخرى للملكة العربية السعودية، وسأبقى على
قناعة، بأن القائد الأجدر في المنطقة، بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من
هذا النوع، هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وجميع بلاد العرب والمسلمين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق