تتكرر دائما مثل هذه المشاهد المؤلمة التي تُصاحب عمليات هدم منازل لمواطنين، شيدوها في مناطق من العاصمة، لا تسمح السلطات بالبناء فيها. ومع تكرر هذه المشاهد، بات من اللازم طرح السؤال: من المسؤول عن ضياع أموال طائلة يخسرها المواطنون مع كل عملية هدم للمباني من هذا النوع؟
فهل المسؤول: المواطن الذي يقول إنه يمتلك وثائق رسمية ـ أو يظنها رسمية ـ للقطعة التي شيَّد عليها منزلا؟ أم السمسار الذي يجمع أرباحا طائلة من بيع قطع أرضية بها إشكالات قانونية؟ أم الموظف الحكومي الذي يُشَرّع قطعا أرضية لا يحق له تشريعها؟ أم السلطات الإدارية التي تمنح رخص البناء ثم تتراجع؟ أم السلطات الأمنية التي لا تتدخل بصرامة لتنفيذ القانون إلا بعد تقدم أو اكتمال البناء، فتكون الخسارة حينها فادحة؟ فلماذا لا يكون تدخل هذه السلطات من اللحظة الأولى، فتمنع المواطن من وضع اللَّبِنة الأولى في مكان يُحظر البناء فيه تفاديا للخسائر؟
ولماذا لا تطلق حملات إعلامية واسعة تحذر المواطنين من تشييد منازل في مناطق يحظر فيها ذلك، قبل أن تبدأ عمليات الهدم؟ وما فائدة الإعلام العمومي إذا لم يقم بهذا الدور التوعوي تجنبا لتشييد منازل في مناطق يحظر فيها ذلك؟
ألا يسيء تكرار عمليات الهدم هذه إلى صورة النظام؟
لقد تابعتُ المشاهد المتداولة مؤخرا، والتي يظهر فيها مواطنون يشْكون ويستنكرون هدم منازلهم، ومع أنني لستُ ضد تطبيق القانون، بل إني من الداعين إلى تطبيقه بصرامة، إلا أن ما لا يمكن قبوله هو أن تقتصر العقوبة على المواطن المسكين لوحده، فيهدم منزله الذي أنفق على تشييده أموالا جمعها بشق الأنفس.
فقبل هدم منزل مواطن بسيط، لا حول له ولا قوة، كان الأولى أن يُبدأ بمحاسبة السمسار المتحايل، والموظف الحكومي المتواطئ، وكل من كان بوسعه من السلطات الإدارية والأمنية أن يمنع البناء من البداية، فلم يفعل.
صحيح أننا شعب تعوَّد على "الكزرة"، وصحيح كذلك أن العاصمة بحاجة إلى حدود عمرانية مضبوطة، ولا يمكن أن تستمر في التمدد والاتساع في كل الجهات، وإلى ما لا نهاية. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا أنه لا يمكن للمواطن أن يدفع لوحده الكلفة في كل مرة، ويخرج المتسببون الحقيقيون من موظفين وسماسرة سالمين غانمين، بعد أن جمعوا أموالا طائلة من التحايل على المواطنين.
إن العدالة الحقيقية لا تكون بهدم منازل المواطنين فقط، بل بمحاسبة كل من شارك في هذه الفوضى العمرانية، من السمسار إلى الموظف الحكومي، مرورا بكل الجهات التي قصرت في التدخل المبكر. أما الاقتصار على معاقبة المواطن (الحلقة الأضعف)، وترك الآخرين، فإن ذلك سيشجع السماسرة والموظفين المتواطئين إلى مزيد من التحايل، وهو ما يعني المزيد من الضحايا في صفوف المواطنين، ويعني كذلك المزيد من تشويه صورة النظام في أعين المواطنين.
أيعقل أن تترك حفنة من الموظفين المفسدين والسماسرة المتحايلين تستمر في جرائمها هذه، دون حساب أو عقاب؟
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق