الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

كيف تُدير العام 2026 بفعالية؟


شغلتني منذ سنوات، الكتابة في الشأن العام عن الكتابة في مجال تنمية وتطوير الذات، مجال اهتمامي الأول. ولكني في السنوات الأخيرة، قررتُ  أن أخصص آخر يوم من كل سنة لكتابة مقال عن إدارة الوقت، علَّه يساعد من قرأه وعمل به في إدارة العام القادم بفعالية أكبر.

وفي مقال هذا العام، سأقدِّم - كما جرت بذلك العادة - عدة نصائح ثمينة في إدارة الوقت، مع التركيز على النصيحة الأخيرة (الثامنة)، وهي النصيحة الأهم، وتتعلق بضرورة ضبط الساعة والبوصلة من أجل إدارة فعَّالة للعام 2026.

وسألحق بالمقال، وهذا هو الجديد في هذا العام، توجيه دعوة للانتساب إلى مشروع تطوعي رائد، هو الأول من نوعه في موريتانيا، ويكفي للانتساب لهذا المشروع الالتزام بالتبرع بساعة واحدة من كل أسبوع للخدمة العامة، وهو ما يعني بالمجمل التبرع ب 52 ساعة خدمة عامة للوطن خلال العام 2026.

وقبل أن أبدأ المقال، فلا بد من الإشارة إلى أن هذا المقال ما هو إلا تفريغ لمحتوى ورشة تدريبية أقدِّمها منذ سنوات عن إدارة الوقت مع نهاية كل عام، وقدَّمتها في آخر عشرة أيام من هذا العام، لأكثر من 100 شاب ناشط في العمل الجمعوي.

وقبل أن استعرض معكم النصائح التي ستُعينكم - بإذن الله - على إدارة فعَّالة للعام 2026، فلا بأس قبل ذلك أن نتوقف قليلا عند قيمة الوقت وخصائصه، مع سرد حكاية رمزية تختزن جوهر ما أريد قوله في هذا المقال.

أولا: قيمة الوقت

الوقت هو أغلى وأنفس وأثمن ما نملك في هذه الحياة الدنيا، ولذلك ينبغي أن نُنفقه بحكمة.

ولفهم قيمة الوقت، دعونا نتأمل قيمة أجزائه ووحداته..

لمعرفة قيمة العام، اسأل طالبا رسب في الباكالوريا، واضطر لإعادة سنة دراسية كاملة.

لمعرفة قيمة الشهر، اسأل مدرسا عُلِّق راتبه لشهر كامل.

لمعرفة قيمة الأسبوع، اسأل رئيس تحرير جريدة أسبوعية قضى أسبوعا كاملا في العمل لإصدار عدد من جريدته، ولكن ذلك العدد صودر في آخر لحظة.

لمعرفة قيمة اليوم، اسأل عاملا أجيرا يُعيل أسرة كبيرة، أضاع يوم عمل فلم يحصل على أجره.

لمعرفة قيمة الساعة، اسأل صاحب مصنع كبير عن حجم الخسارة التي سيتكبدها مصنعه، إذا ما توقف الإنتاج لساعة واحدة.

لمعرفة قيمة الدقيقة، اسأل مسافرا وصل إلى المطار بعد دقيقة واحدة من إقلاع الطائرة.

ولمعرفة قيمة الثانية، اسأل رياضيا شارك في سباقات دولية، وحُرِم من الميدالية الذهبية، بسبب تأخره عن الفائز الأول بثانية واحدة.

والآن، إليكم حكاية السطل والكرات، وهي حكاية رمزية..

يُروى أن أستاذا حكيما جاء يوما إلى طلابه يحمل سطلا ومجموعة من الكرات المتفاوتة في الحجم. أخذ الأستاذ الكرات الأكبر حجما، ووضعها في السطل حتى امتلأ، ثم سأل طلابه:

هل امتلأ السطل؟

فأجابوه: نعم.

ثم أخذ الكرات الأصغر حجما، ووضعها في الفراغات المتبقية بين الكرات الكبيرة، وسألهم مرة أخرى، إن كان السطل قد امتلأ، فأجابوه  للمرة الثانية بنعم.

بعد ذلك، أخذ حفنة من الحصى، وألقاها داخل السطل، وأخذ يرجُّه رجا حتى اختفى الحصى في الفراغات الصغيرة المتبقية بين الكرات، مما يعني أن الحصى وجد مكانا داخل السطل، رغم أنه - وحسب إجابات الطلاب -  كان قد امتلأ مرتين من قبل.

إن العبرة التي يمكن أن نخرج بها من تجربة السطل هي أن العام 2026، بل إن العمر كله، ما هو إلا مجرد وعاء كالسطل، وأن الكرات الصغيرة الأكبر حجما تمثل كل الأشياء الأهم في حياتنا (الأولويات)، بينما تمثل الكرات الأصغر الأمور المهمة في حياتنا، والتي تأتي في الترتيب الثاني، من حيث مستوى الأهمية، بعد الأمور الأهم، في حين تمثل الحصى في حياتنا كل الأشياء الأقل أهمية (الترفيه).

إن الدرس الثمين الذي يمكن أن نخرج به من هذه القصة هو أننا إذا ملأنا السطل (أعمارنا أو العام 2026 تحديدا) بالحصى أولا، أي بالأمور الأقل أهمية (الترفيه)، وهذا ما يفعله  للأسف أغلبنا، فإننا بذلك لن نترك فراغا في السطل للكرات الصغيرة بمختلف أحجامها، أي أننا لن نترك مساحة كافية لإنجاز الأشياء المهمة والأشياء الأهم في حياتنا. ولكننا ـ في المقابل ـ إذا بدأنا بوضع الكرات أولا في السطل، كما فعل الأستاذ الحكيم،  والتزمنا بترتيب وضعها حسب الحجم، فإننا لا محالة سنجد فراغات داخل السطل يمكننا أن نملأها بالحصى، أي أننا إذا بدأنا بالأولويات والأمور المهمة، فإننا لا محالة سنجد وقتا كافيا للأمور الأقل أهمية (الترفيه)، أو حتى للأمور غير المهمة إطلاقا.

الخلاصة: إذا أنجزتَ أولوياتك وأمورك المهمة أولا، ستجد وقتا كافيا بعد ذلك للترفيه.

ثانيا / خصائص الوقت ( التركيز  هنا على العام 2026)

الخاصية الأولى: إن العام 2026 حاله كحال كل السنوات التي سبقته، وتلك التي ستأتي بعده، سيكون عاما سريع الانقضاء، وتلك حقيقة يجب أن نتذكرها دائما، فمما لاشك فيه أن أيامه وأسابيعه وأشهره ستنقضي بسرعة كبيرة، وإذا لم نشد الأحزمة ونسارع في الإنجاز من فاتح يناير 2026، وبما يتناسب مع السرعة الرهيبة التي يسير بها الوقت، فإننا سنجد أنفسنا في نهاية العام على قارعة يوم 31/ 12/ 2026 بلا إنجازات ولا نجاحات تذكر؛

الخاصية الثانية: إن ما مضى من الوقت لن يعود أبدا، ولا تمكن استعادته إطلاقا، حتى ولو ندمنا كثيرا على تضييعه. ليس بإمكان أي واحد منا أن يستعيد في العام 2026، ثانية واحدة من العام 2025؛

الخاصية الثالثة: الوقت هو الحياة، ووحداته هي وحدات قياس العمر، فنحن نقول مثلا مات فلان عن عمر يناهز كذا وكذا، ولا نقول مات فلان ووزنه 60 كيلو غرام، أو مات فلان وطوله 1م و60 سم مثلا؛

الخاصية الرابعة: الوقت من الموارد التي لا يمكن زيادتها، هناك 24 ساعة ستمنح لكل واحد منا في كل يوم من أيام العام 2026 إن كُتبت لنا الحياة، ولا يمكن لنا زيادتها بساعة واحدة ولا بدقيقة واحدة ولا حتى بثانية واحدة، ولا يعني هذا أنه لا يمكننا تمديد هذه الأربع والعشرين ساعة التي تمنح لنا يوميا، و زيادتها ضمنيا من خلال حسن إدارتها، ذلك أمرٌ ممكن، وهو ما سنبينه في فقرة قادمة إن شاء الله.

الخاصية الخامسة: الوقت من الموارد التي يجب إنفاقها بشكل فوري، ولا يمكن ادخارها للمستقبل كما يحصل مع النقود. هناك 24 ساعة تمنح لكل واحد منا يوميا عليه أن ينفقها كاملة في كل يوم، وهو لا يستطيع أن يستبقي أو يدخر منها دقيقة واحدة، ولا حتى ثانية واحدة، ليوم غد أو لما بعد يوم غد. ليس فينا من يمكنه أن يدخر دقيقة واحدة من هذا اليوم لينفقها في أوقات الشدة وضيق الوقت في يوم قادم؛

الخاصية السادسة: الوقت هو المورد الوحيد على هذه الأرض الذي يوزع بين الناس بالتساوي التام في كل يوم، فالناس لا تمنح في نفس اليوم نفس القدر من الصحة، ولا نفس المبلغ من المال، ولكنها تمنح في كل يوم 24 ساعة، أي 1440 دقيقة، أي 86400 ثانية، لا يزيد أي واحد منا عن الآخر بثانية واحدة في اليوم. إننا سَنُمْنَحُ في كل يوم من العام 2026 الوقت نفسه، ولكن الفرق بيننا يتمثل في أن بعضنا سيستغل ذلك الوقت بشكل جيد فيحقق بذلك المزيد من النجاح في العام 2026، وبعضنا الآخر سيضيعه في توافه الأمور فيخسر العام 2026 دنيا وآخرة، وكما خسر أعواما من قبله.

إن الكثير منا، وفي محاولة مكشوفة للتغطية على فشله، وهذا ما يجب لفت الانتباه إليه، يحاول دائما أن يُحَمِّل الوقت مسؤولية فشله، وتعثره في إنجاز واجباته المهنية أو الاجتماعية أو الشخصية.

فأنت عندما تسأل أحد الذين يُحَمِّلون الوقت مسؤولية عدم تمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم المهنية أو الاجتماعية، وليكن موظفا مثلا، فسيكون جوابه في الغالب لم أجد الوقت الكافي لتأدية التزاماتي المهنية، وإن كان تلميذا فسيبرر  ضعف تحضيره للامتحان، بضيق الوقت، وإن كان من سألت شخصا مقصِّرا  في صلة رحمه، فسيقول لك إنه لم يصل رحمه بسبب عدم توفر الوقت.

وبشكل عام، فإن إجابات هؤلاء التبريرية تكون دائما من قبيل: لا يوجد وقت…الوقت يمر بسرعة رهيبة…السنة أصبحت شهرا، والشهر أسبوعا، والأسبوع يوما، واليوم ساعة، والساعة دقيقة، وهكذا... 

إن السؤال الذي يجب علينا أن نطرحه على هؤلاء هو: هل المشكلة فعلا في الوقت؟ أم فيكم أنتم؟ علينا أن نُذَكِّر هؤلاء بأن الموظف الذي ينجز مهامه بإتقان لم يُمنح وقتا إضافيا حُرِموا هم  منه الذين فشلوا في إنجاز مهامهم؛ والتلميذ الذي يتمكن من توفير الوقت الكافي للتحضير الجيد للامتحان، لم يُعطَ أكثر من أربع وعشرين ساعة في اليوم التي أعطيت للتلاميذ الذين يبررون عدم تحضيرهم للامتحان بسبب ضيق الوقت،  ومن يصل رحمه بانتظام، لم يُمنح زمنا أطول من الذي لا يصل رحمه، مبررا ذلك بعدم توفر الوقت.

إن الفرق بيننا يكمن بالأساس في طريقة إدارتنا للوقت، فبعضنا يتمكن من السيطرة على وقته، ويستطيع بالتالي ترويضه وإدارته بشكل جيد وفعَّال، وبعضنا الآخر يتحكم فيه الوقت ويسيطر عليه، فيعيش أيامه ولياليه في فوضى عارمة خالية من أي إنجاز يذكر.

بكلمة واحدة، إن الجميع يتلقَّى القدر نفسه من الوقت، ولكن النتائج تختلف لأن أساليب وإدارة استثمار الوقت تختلف، ويبقى السؤال الأهم: كيف نروض العام 2026 ونديره بشكل جيد؟

ثالثا/ إدارة الوقت

إن إدارة الوقت هي أن تعمل بطريقة أفضل وأكثر فعالية لا بمشقة أكبر.

وكما قلنا سابقا فإنه لا أحد يمكنه أن يمنحك دقيقة إضافية واحدة في العام 2026، وليست هناك طريقة سحرية لزيادة الأربع والعشرين ساعة التي ستمنح لكل واحد منا في كل يوم من العام 2026 إن كُتبت لنا الحياة.. تلك حقيقة علينا أن نتذكرها دائما، ولكن هناك حقيقة أخرى، وهي أن الإدارة الجيدة للوقت ستمكننا من السيطرة عليه بشكل جيد، وتمديده بشكل أفضل، مما يجعله يبدو وكأنه أطول. وسيتيح لنا ذلك أن نعمل بطريقة أكثر فعالية، ومن أجل إدارة جيدة للعام 2026 لخلق فائض من الوقت، فإليكم هذه النصائح السبع:

النصيحة الأولى: فتش عن أماكن هدر وقتك وضياعه في العام 2025 وأغلق المنافذ بشكل فوري في أول يوم من العام 2026، وإذا لم تستطع فعل ذلك، فعليك أن تتوقف الآن عن قراءة هذا المقال، فلا داعي لمواصلة القراءة، واعلم بأنه لا أمل لك في أن تكون من الذين سيديرون العام 2026 بشكل جيد.

بكلمة واحدة، إذا لم تتحكم في وقتك وتسد منافذ هدره، فاعلم أنك لست مؤهلا لإدارة العام 2026 بشكل جيد.

النصيحة الثانية: حدد بداية ونهاية لكل مهمة أو عمل تريد إنجازه

من المهم جدا أن تحدد وقت بداية ونهاية لكل عمل أو مهمة تريد إنجازها، ولا تترك وقت تنفيذ المهام وتأدية الأعمال مفتوحا على طول. إن من الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها أغلبنا هي أننا ننشغل بمهام وأعمال دون أن نحدد لها وقت بداية أو نهاية فنُضيع بذلك أوقاتا ثمينة دون أن نبدأ في تلك المهام ودون أن ننهيها، وبالتالي دون أن يكون بإمكاننا أن نتفرغ لمهام أخرى، فتقع المهمة على المهمة، وتتداخل المهام دون أن ننجز أيا من تلك المهام، فندخل بذلك في فوضى عارمة من التخبط وتشتيت الجهد. لا يعني تحديد وقت بداية ونهاية لكل عمل أن لا تكون هناك مرونة في تغيير ذلك الوقت إذا ما استوجبت الظروف ذلك. لا بأس بشيء قليل من المرونة، ولا بأس بترك هامش قصير لتعديل توقيت البداية والنهاية حسب الضرورة، ولكن ذلك الهامش يجب أن يظل محدود المدة دائما.

النصيحة الثالثة: خصص أوقات ذروة عطائك للأولويات وللأهم ثم الأهم.

إن لكل واحد منا أوقات ذروة وأوقات صفاء ذهني تكون فيها قدرته على الانتاج أكبر، ويكون فيها أكثر حيوية ونشاطا، وأكثر قدرة على العطاء والإنجاز. كما أن لكل واحد منا أوقات خمول يكون فيها غير نشط، وتكون فيها انتاجيته أقل. إن ما يمكن أن ننجزه من أعمال في ساعة واحدة من ساعات أوقات الذروة قد لا نستطيع أن ننجزه في عدة ساعات من أوقات الخمول، ولذا فيجب أن نحرص دائما على أن نخصص أوقات الذروة للأولويات ولكل الأمور المهمة في حياتنا، على أن نترك أوقات الخمول للأمور غير المهمة في حياتنا. وأوقات الذروة في الغالب هي الساعات الأولى من الصباح، وقد تكون في المساء أو الليل بالنسبة للبعض، فعلى الطالب أن يخصص أوقات الذروة للدراسة، وعلى الموظف أن يخصصها لإعداد التقارير، وعلى الأستاذ أن يخصصها للتحضير لدرسه، وعلى الباحث والمفكر والكاتب أن يخصصوها للإنتاج الفكري.

إذا رأيت أحدهم يخصص ساعات الصباح الأولى من شهر يناير  للدردشة في منصات التواصل الاجتماعي، فاعلم أنه سيفشل حتما  في إدارة العام 2026 بفعالية.

النصيحة الرابعة: ركز لتربح المزيد من الوقت

إننا نبدو في زمننا هذا في غاية الانشغال، وعندما تسأل أي واحد منا عن العمل وعن الانشغالات يقول لك إن المهام والانشغالات كثيرة وإن الوقت لا يكفي لتأديتها. على من يقول بذلك أن يركز في عمله ليخلق فائضا من الوقت، فعلى من يعمل مثلا لتسع ساعات في اليوم، ودون أن يتمكن من إنجاز ما كان يريد إنجازه أن يركز في عمله لست ساعات، وعندها سيجد بأنه قد أنجز في تلك الساعات الست ما كان عاجزا عن إنجازه في تسع ساعات. إن التركيز الجيد في العمل سيمكننا من ربح ساعات ثمينة ومن زيادة وقت الفراغ لمن يبحث عن وقت فراغ يخصصه للترفيه.

النصيحة الخامسة: احذر لصوص الوقت

لقد تعودنا في هذه الحياة أن نحرس ممتلكاتنا وأموالنا، وأن لا نتركها عرضة للصوص، فهناك من يأتي إلى منزله بكاميرات مراقبة وبخزائن محصنة، ولكننا لم نتعود ـ في المقابل ـ على حراسة أغلى وأنفس وأثمن ما نملك، أي أوقاتنا. إن وقتك ـ والذي هو أغلى وأنفس ما تملك ـ يحتاج هو أيضا لحراسة مشددة، فهناك لصوص كُثْرٌ يتربصون به، ويريدون سرقته منك، فلا تسمح لهم بذلك. ومن لصوص الوقت الهواتف المتصلة بشبكة الانترنت دائما، والدردشة في مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة المسلسلات ومباريات كرة القدم لساعات طوال، ومن لصوص الوقت كذلك الزيارات المفاجئة والاجتماعات العبثية التي لا تناقش شيئا مفيدا، وعدم القدرة على قول لا لمن يطلب منك تأدية عمل سيكون على حساب أولوياتك.

ولعل من أخطر ما يقوم به لصوص الوقت هو أنهم لا يسرقون وقتك فقط، بل إنهم يسرقون معه تركيزك، ومن أجل استعادة تركيزك بعد كل عملية سرقة، فأنت بحاجة إلى وقت إضافي آخر حتى تستعيد من جديد تركيزك.

لكي تركز أكثر على أي عمل عليك أن تُبعد عنك كل لصوص الوقت خاصة كبيرهم في التلصص، أي الهاتف ..ضع الهاتف على الصامت وابتعد عن الانترنت حتى تنجز أعمالك المهمة.

إن الشخص الذي يحاول أن يحمي وقته من لصوص الوقت، فيترك هاتفه مفتوحا أثناء التركيز على عمل مهم جدا، يتركه مفتوحا ليطلق رنات صوتية كلما وصله إشعار جديد. إن من يفعل ذلك لا يحمي وقته من السرقة، وهو بكل تأكيد لم يحصن أيام وساعات العام 2026 من السرقة.

النصيحة السادسة: لا تقم بعملين مهمين في نفس الوقت.. قد تعتقد مخطئا أن خلط عملين مهمين في وقت واحد يعدُّ استغلالا جيدا للوقت، ولكن، ما يجب أن تعلمه، هو أن ذلك الخلط سيأتي بنتائج سلبية عكسا لما أردت، وسيتسبب في ضياع وقت أكثر من الوقت الذي ستستهلكه إذا ما حاولت أن تنجز كل واحد منهما في وقت خاص به.. خلط الأعمال ينصح به فقط في الأوقات التي تقوم فيها بأعمال غير مهمة، فيمكنك مثلا أن تخلط بين متابعة مسلسل تلفزيوني والدردشة في الفيسبوك، بل إن خلط هذا النوع من الأعمال غير المهمة في وقت واحد يعد من الأمور التي ينصح بها لإدارة الوقت بشكل جيد.

النصيحة السابعة: احذر من التسويف، وابدأ من الآن، والآن تعني الآن...إن مواجهة التسويف تحتاج لأن تستشعر قيمة المهمة التي تقوم بها. وتذكر دائما أن اللحظة التي تعيشها الآن هي أفضل وأنسب توقيت لتبدأ عمل الغد الذي تفكر فيه الآن، والذي كان عليك أن تنجزه غدا. لن أكرر على مسامعك في هذا المقال النصيحة التقليدية في إدارة الوقت ، والتي تقول لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، بل سأقدم لك "نصيحة ثورية" تقول لا تؤجل عمل الغد إلى اليوم، بل حاول دائما أن تنجز عمل الغد في الأمس، وخصص ـ بالتالي ـ اليوم لإنجاز المهام التي برمجتها لما بعد غد، فمن يدري فقد تأتي في الغد وما بعد الغد ظروف وطوارئ تعيق إنجاز المهام التي برمجتَ مسبقا أن تنجزها في الغد وفيما بعد الغد. هذه النصيحة لن تُفهم بشكل جيد إلا إذا استعرضنا مصفوفة الأولويات، وخاصة منها مربع "غير عاجل ومهم"، وهو الشيء الذي لن نتمكن منه الآن، لأن المساحة المخصصة لهذا المقال لا تسمح بذلك.

النصيحة الثامنة: اضبط اتجاه بوصلتك وتوقيت ساعتك بشكل صحيح ودقيق..

لنفترض أن شخصا ما في نواكشوط قرر أن يسافر إلى روصو، فذهب إلى وكالة لتأجير السيارات وأجَّر سيارة في وضعية جيدة تماما، ثم مرَّ بمحطة البنزين وملأ خزان السيارة بالبنزين ثم انطلق بعد ذلك، ولكنه بدلا من أن يسلك طريق روصو سلك طريق الأمل.

بعد ثلاث ساعات وزيادة من السفر دون توقف وجد صاحبنا نفسه في مدينة ألاك بدلا من مدينة روصو.

ولو واصل صاحبنا السفر في نفس الاتجاه فلن يصل إلى روصو، بل على العكس من ذلك فكلما استمر في السفر فسيزداد بعدا من الهدف الذي يسعى إليه، أي الوصول إلى مدينة روصو، ولذا فقد قيل إذا صعدت في القطار الخطأ فعليك أن تنزل عند أول محطة، لأنه كلما زادت المسافة التي تقطع ستزيد كلفة العودة.

الخطأ واضح هنا، وهو أن صاحبنا هذا لم يضبط بوصلته في الاتجاه الصحيح، فبدلا من أن يتجه جنوبا اتجه شرقا، وأنتَ عندما لا تضبط البوصلة في رحلتك في العام 2026، فأن كل ما تقوم به في تلك الرحلة من تجهيزات ومسارعة في قطع المسافات سيأتي بنتائج سلبية..

ففي هذا النوع من الأسفار الذي لا تضبط فيه البوصلة، فإنك كلما أخذت وسيلة نقل أسرع، وكلما زدت السرعة لتصل مبكرا إلى الهدف المنشود فإن النتيجة ستكون هي العكس، أي أنك ستزداد بعدا عن الهدف بشكل أسرع، أي أنك ستفشل بشكل أسرع.

عدم ضبط البوصلة لا يتعلق فقط بالأسفار، فكثيرٌ منا لا يضبط بوصلته في مسار حياته، فلنفترض مثلا أن شابا ما رسم هدفا يتعلق بالتحسين من حالته الصحية ولياقته البدنية في العام 2026، ولكنه في نفس الوقت لم يتوقف عن التدخين، ولم يتبع نظاما غذائيا صحيا، ولم يمارس أي نشاط رياضي..فماذا تتوقعون لهذا الشخص، فهل تعتقدون أنه يسير في اتجاه هدفه الصحي أم أنه يسير عكسه؟

ربما يجد هذا الشاب نفسه في يوم 31 /12/ 2026 وقد أصيب بالسكري، أو أصبح وزنه زائدا أكثر من اللازم، أي أنه أصبح أكثر بعدا من هدفه الذي رسم في بداية العام 2016، وهو الهدف المتمثل في صحة أفضل، ولياقة بدنية أكبر.

وكمثال آخر لنفترض أن  شابا عاطلا عن العمل كان هدفه أن يطلق مشروعه التجاري الصغير بعد سنة، ولكنه استمر خلال سنة 2026 في الاستيقاظ متأخرا، ولم يتعلم في هذه السنة أي مهنة ولا مهارة، ولم يذهب خلالها إلى السوق طلبا للرزق، فمن أين سيحصل هذا العاطل عن العمل على المال الذي سيمكنه من إطلاق مشروعه الخاص؟

هذا عن توجيه بوصلة 2026 في الاتجاه الصحيح، أما بخصوص ضبط ساعة 2026 على التوقيت الصحيح، فلنأخذ هذا المثال..

شاب قطع تذكرته في الطائرة، وكان في سفر إلى مدينة النعمة مثلا، حُدِّد له وقت الوصول إلى المطار، ووقت إقلاع الطائرة، ولكنه لم يضبط ساعته على الوقت الصحيح، مما أدى به أن يصل إلى المطار بعد إقلاع الطائرة بخمس دقائق.

فإذا كان المسافر إلى مدينة روصو لم يضبط بوصلته في الاتجاه الصحيح، فإن المسافر إلى مدينة النعمة لم يضبط ساعته على الوقت الصحيح، وكلاهما لم يصل إلى هدفه، والنجاح لن يتحقق في هذه الحياة لمن لم يضبط ـ وبشكل متزامن ـ بوصلته في الاتجاه الصحيح، وساعته على الوقت الصحيح.

إن ضبط الساعة دون بوصلة يجعلنا نتحرك بسرعة، ولكن في الاتجاه الخطأ، وضبط البوصلة دون ساعة يجعلنا نتحرك نحو الهدف، ولكننا سنصل إليه في الوقت الضائع. وحده الجمع بين الاتجاه الصحيح، والتوقيت الصحيح، مع بداية العام 2026، هو ما سيمكننا من إدارة العام 2026 بفعالية أكبر، والوصول في يوم 2026/12/31 إلى الأهداف التي كنا نسعى لتحقيقها في هذا العام.

بخصوص مشروع ساعة للخدمة العامة، والذي نود إطلاقه في هذا العام، والذي سيشكل إطلالتنا القوية في العمل الجمعوي خلال العام 2026، فسأشرح فكرته في مقال لاحق إن شاء الله.

لنجعل من العام 2026 عاما للخدمة العامة ....

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

تقرير تحليلي عن حوادث السير الأخيرة


تقرير تحليلي عن حوادث السير الأخيرة

أولا: مقدمة

تابعت حملة معا للحد من حوادث السير ببالغ الحزن والأسى، سلسلة الحوادث المميتة التي شهدتها بعض المحاور الطرقية الوطنية خلال الأيام الأخيرة من شهر دجمبر 2025، والتي أسفرت في المجمل، وفي ظرف زمني ومكاني متقارب، عن وفاة تسعة مواطنين بشكل فوري، كان من بينهم ستة أساتذة ومدرسين، وهو ما  يمثِّل خسارة بشرية مؤلمة لموريتانيا عموما، وللقطاع التربوي على وجه الخصوص.

والحملة إذ تجدد تعازيها الصادقة لأسر الضحايا، فإنها ترى أن من واجبها كمنظمة مجتمع مدني فاعلة في مجال  السلامة الطرقية،  أن تقدم قراءة موضوعية ومهنية لأسباب هذه الحوادث الأخيرة، والتنبيه إلى العامل المشترك الأخطر بينها، والذي يتمثل في السرعة المفرطة، بوصفها العامل الذي يحوِّل الحوادث مهما كانت أسبابها إلى مآس وفواجع ذات كلفة بشرية كبيرة.

ثانيا: عرض موجز عن الحوادث::

1. حادث طريق (أكجوجت - نواكشوط)

التاريخ: مساء الأربعاء 24 دجمبر

المكان: على بعد 40 كلم من مدينة أكجوجت

الضحايا: ثلاثة أساتذة من المحظرة الشنقيطية الكبرى

الأسباب المباشرة: تجاوز خطر + سرعة مفرطة.

2. حادث طريق نواذيبو – نواكشوط (الأول)

التاريخ: صباح السبت 27 دجمبر

المكان: على بعد 120 كلم من مدينة نواذيبو

الضحايا: ثلاثة مدرسين

الأسباب المباشرة: انفجار عجلة + سرعة مفرطة.

3. حادث طريق نواذيبو – نواكشوط (الثاني)

التاريخ: صباح الأحد 28 دجمبر

المكان: نفس الطريق ونفس المقطع تقريبا

الضحايا: ثلاثة أشخاص

الأسباب المباشرة: النوم أثناء القيادة + سرعة مفرطة.

 الملاحظة الجوهرية:

رغم اختلاف الأسباب المباشرة لهذه الحوادث، من تجاوز خطر، إلى إنفجار عجلة، إلى نوم السائق، فإن السرعة المفرطة كانت هي  العامل المشترك في هذه الحوادث الثلاثة، وهي التي ضاعفت من حجم الخسائر البشرية والمادية، كما يحدث دائما في الحوادث التي تكون من أسبابها السرعة المفرطة.

ثالثا: معطيات أساسية حول وضعية الطرق

تؤكد المعاينات الميدانية والمعلومات المتوفرة لدينا في الحملة أن الحوادث الثلاثة وقعت على مقاطع طرقية في وضعية مقبولة، حيث لا توجد حفر،  ولا ألسنة رملية، ولا انحرافات حادة، أو ارتفاعات خطرة.

ويُعدُّ هذا المعطى في غاية الأهمية، لأنه ينفي أن تكون حالة الطريق، في هذه الحوادث تحديدا، هي السبب الرئيسي والمباشر.

رابعا: الطريق بين الواقع والمسؤولية

تؤكد الحملة أن تهالك الطرق يعد مشكلة حقيقية، فهو يتسبب في حوادث سير، و يُلحق خسائر اقتصادية جسيمة بالمركبات، ويكبِّد مستخدمي الطرق مشقة ومعاناة مستمرة، هذا فضلا عن كونه يشكل مظهرا لا يليق بدولة تحترم نفسها، لكن، ورغم كل ذلك، فإن تهالك الطرق ليس المتسبب الأول في حوادث السير.

والدليل على ذلك لمسناه في الحملة منذ سنوات، وشكل لنا مفاجأة كبيرة حينها، فعدد حوادث السير على طريق روصو خلال فترة تهالكه، لم تكن أكثر من عددها بعد ترميم هذا الطريق وإصلاحه بشكل كامل.

إن الطريق الجيد يغري السائقين بزيادة السرعة، ويحوِّل أي خطأ بشري بسيط أو عطب فني طارئ إلى حادث مميت، ولهذا، فإن تشييد الطرق وترميمها دون إجراءات مرافقة قد يحول مشاريع البنية التحتية إلى مصائد للموت بدل أن تساهم تلك المشاريع في تعزيز السلامة الطرقية.

خامسا: هناك شرطان أساسييان يجب أن يصاحبا تشييد الطرق وترميمها، وهما:

1. تكثيف التوعية والتحسيس بخطورة السرعة المفرطة، وبخصوص هذه النقطة، فإن هناك تقصيرا واضحا من كل الجهات المعنية تتحمل فيه وزارة التجهيز والنقل المسؤولية الأولى، مع أنها خصصت 160 مليون أوقية قديمة للتوعية والتحسيس في ميزانية 2026، وربما مبالغ أكبر في السنوات الماضية،  ومع ذلك فما زالت التوعية غائبة إن لم تكن معدومة. وفي هذا الإطار، فإن الحملة تؤكد  أنها كفاعل ميداني نشط في مجال التوعية،

لم تحصل على أي دعم من أي نوع خلال السنوات الأخيرة من الوزارة، رغم تخصيصها كل سنة لمبالغ كبيرة للتوعية والتحسيس،

ولا تتوفر لدينا في الحملة أي معلومات عن كيفية صرف هذه المبالغ الكبيرة.

2. فرض رقابة صارمة ومستدامة على السرعة، فمن الملاحظ غياب الردع الحقيقي للسائقين الذين يقودون سياراتهم بسرعة مفرطة، وهو ما يشجع دائما على المزيد من الرعونة والاستهتار  لدى الكثير من السائقين.

إننا في الحملة نرحب بالإجراءات المعلن عنها مؤخرا ضد السرعة المفرطة، ونأمل أن تكون هذه الإجراءات إجراءات جادة، صارمة، ومستدامة.

سادسا: المسؤولية المشتركة

تحاول الجهات المعنية في خطابها تحميل السائقين المسؤولية الكاملة عن الحوادث، بحجة السرعة المفرطة. وهذا صحيح إلى حد ما،  فالسائق هو من يضغط على دواسة الوقود، وهو من يحدد سرعة المركبة،  ولكن الصحيح أيضا هو أن المسؤولية في ذلك مشتركة، فالوزارة والجهات المعنية  تتحمل جزءا مهما من المسؤولية، في كل زيادة مفرطة في السرعة يقوم بها أي سائق، وذلك لكونها لم تقم بتوعية هذا السائق حول خطورة السرعة المفرطة، ولم تعاقبه بشكل صارم عندما زاد من السرعة، وهو ما سيشجعه، ويشجع غيره من السائقين على القيادة بسرعة مفرطة.

سابعا: السرعة المفرطة عامل مضاعف للكلفة البشرية، وفي هذا الإطار تؤكد الحملة أن أسباب الحوادث متعددة ومتشابكة، 

بعضها مرتبط بالطريق، وبعضها بالمركبة، وبعضها بالأخطاء البشرية. لكن السرعة المفرطة تبقى هي العامل الذي يضاعف الكلفة البشرية والمادية لأي حادث. فحتى في وجود طرق متهالكة، وألسنة رملية، وحيوانات سائبة، وغياب الإنارة، فحتى في وجود كل مسببات الحوادث هذه، فإن القيادة بسرعة آمنة ستقلل من عدد الضحايا عند وقوع الحادث، وستحد من كلفته المادية. أما القيادة بسرعة مفرطة، فتحوِّل الحادث الذي كان يفترض في آثاره أن تكون متوسطة إلى مجزرة ذات كلفة بشرية كبيرة.

ثامنا: التوصيات

تدعو حملة معا للحد من حوادث السير إلى:

 1 - العمل على أن يكون الحد من  السرعة المفرطة أولوية الأولويات في السلامة الطرقية؛

2 - إشراك الفاعلين المدنيين الحقيقيين في حملات التوعية؛

3 - تسيير  الميزانيات المخصصة للتوعية والتحسيس في مجال السلامة الطرقية بشفافية تامة، وتقديم كشف سنوي بأوجه صرفها؛

4 - الانتقال من منطق تبادل اللوم إلى منطق تحمل المسؤولية المشتركة؛

5 - ويبقى الحل الأشمل، حسب وجهة نظرنا في الحملة، يتمثل في الأخذ بنداء جوك للسلامة الطرقية، وتنظيم منتديات وطنية لتفعيل بنوده التسعة عشر.

نواكشوط، بتاريخ: 30 دجمبر 2025

حملة معا للحد من حوادث السير.

الأحد، 28 ديسمبر 2025

عاجل...إلى معالي الوزير الأول


على إثر الحوادث الأليمة التي وقعت في الأيام الثلاثة الأخيرة، والتي كانت من بينها الفاجعة الأليمة التي وقعت على طريق (أكجوجت - نواكشوط)، مساء الأربعاء 24 دجمبر، وأدت إلى وفاة ثلاثة أساتذة من المحظرة الشنقيطية الكبرى، والفاجعة الثانية التي وقعت صباح يوم السبت 27 دجمبر، على طريق (نواذيبو - نواكشوط)، والتي أدت هي الأخرى إلى وفاة ثلاثة مدرسين، والفاجعة الثالثة التي وقعت صباح اليوم الأحد 28 دجمبر على نفس الطريق وفي نفس المكان تقريبا، والتي أدت هي كذلك إلى وفاة ثلاثة أشخاص، هذا فضلا عن حوادث سير أخرى أدت إلى إصابات عديدة بعضها وُصف بالإصابات الحرجة، على إثر هذه الحوادث المتزامنة والتي فقدنا فيها تسعة أشخاص، من بينهم ستة أساتذة ومعلمين من الأسرة التربوية، والتي ذكرتنا من جديد، وبشكل ملح، بواقع السلامة الطرقية في بلادنا، فإننا نتوجه إليكم صاحب المعالي بهذه الرسالة العاجلة.

معالي الوزير الأول،

إن هذا الحوادث المؤلمة ليست حوادث معزولة، بل إنها تندرج ضمن نزيف مستمر في الأرواح والممتلكات، تشهده مختلف محاور شبكتنا الطرقية.

 ونظرا لفداحة الخسائر البشرية والمادية خلال الأيام الثلاثة الأخيرة فقط، فإننا نود أن نذكركم بوثيقة أرسلناها لكم يوم 09 أكتوبر 2025، تحمل اسم "نداء جوك للسلامة الطرقية"، وهي وثيقة نعتقد بأنها يمكن أن تشكل خريطة طريق متكاملة في مجال السلامة الطرقية، وقد تم إعدادها بعد عشر سنوات تقريبا من المتابعة الميدانية لحوادث الطرق، والاستماع للسائقين والناقلين والخبراء، والإشراف على قوافل توعوية جابت مختلف ولايات الوطن، وسلكت كل محاور شبكتنا الطرقية.

لقد أعَدْنا يوم الخميس الماضي قراءة هذا النداء من موقع حادث طريق أكجوجت، خلال زيارة ميدانية نظمناها لموقع الحادث، وذلك إيمانا منا بأن الحلول الحقيقية ينبغي أن تولد من رحم المأساة، وأن تأتي من الميدان، وأنه من واجبنا جميعا أن نحول هذا الحزن الواسع الذي أعقب حوادث السير الأخيرة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العمل الواعي والمسؤول، الحكومي والجمعوي، للحد من حوادث السير في بلادنا.

معالي الوزير الأول،

إن نداء جوك للسلامة الطرقية، بمطالبه التسعة عشر، يشكل مسودة أولية جاهزة، يمكن أن يُفتح حولها نقاش وطني مسؤول وبناء حول ملف السلامة الطرقية، تشارك فيه كل الجهات المعنية بالسلامة الطرقية، من أدارات حكومية، وأجهزة أمنية، ونقابات مهنية للسائقين، ومنظمات مجتمع مدني فاعلة في مجال السلامة الطرقية، ويمكن لهذا النقاش أن يشكل منطلقا عمليا لإرساء مقاربة شاملة ومستدامة للسلامة الطرقية، تنقذ الأرواح، وتحفظ الممتلكات، وتخفف الأعباء عن الدولة.

وعليه، فإننا نلتمس من معاليكم:

1- توجيه القطاعات المعنية بدراسة نداء جوك للسلامة الطرقية، وفتح نقاش معمق حول وثيقته الأولية؛

2- الدعوة إلى منتديات وطنية حول السلامة الطرقية، تشكل إطارا لاعتماد خريطة طريق واضحة للحد من حوادث السير في بلادنا؛

3- العمل على أن تكون حوادث السير الأخيرة نقطة تحوُّل حقيقية في التعاطي مع ملف حوادث السير.

وتفضلوا، معالي الوزير الأول، بقبول فائق التقدير والاحترام.

نواكشوط: 28 دجمبر 2025

عن حملة معا للحد من حوادث السير

المنسق العام محمد الأمين الفاضل.

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

خارطة طريق للحد من حوادث السير في بلادنا

 


أولا/ بيان

تعيش موريتانيا منذ فجر يوم أمس حزنا عميقا على إثر الفاجعة الأليمة التي وقعت على طريق (أكجوجت – نواكشوط)، وأدت إلى وفاة ثلاثة من خيرة أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى، في حادث سير أليم أعاد إلى الأذهان نزيف الطرق، وهشاشة منظومة السلامة الطرقية، وضرورة تكاتف جهود الجميع للحد من النزيف اليومي للأرواح على الطرق.

إن حملة "معا للحد من حوادث السير"، وهي تشاطر الأسر المكلومة وكل الموريتانيين مشاعر الحزن والأسى، تؤكد أن أصدق وفاء للضحايا لا يكون بالاكتفاء بالحزن، بل بتحويل هذا الحزن  إلى فعل واع ومسؤول، ينقذ الأرواح، ويمنع تكرار المأساة.

لقد ظلَّت الحملة، على مدى سنوات، تنذر بالخطر، وتعمل ميدانيا للحد من نزيف الطرق، وتقترح الحلول المستخلصة من عملها الميداني، ويأتي "نداء جوك للسلامة الطرقية" تتويجا لهذا الجهد، بوصفه خريطة طريق واقعية، ناضجة، وقابلة للتنفيذ، في حال توفرت الإرادة لذلك.

وقد ارتأت الحملة، بدلالة واعية، أن يُقرأ هذا النداء عند موقع الفاجعة، وذلك حتى لا تقتصر ردة الفعل الرسمية والشعبية على هذه الفاجعة على بيانات تعزية وحزن مؤقت، ثم ينسى نزيف الطرق إلى أن تقع فاجعة أخرى، وهكذا.. إن كل تأخير في رسم خارطة طريق متكاملة لتعزيز السلامة الطرقية سيعني سقوط المزيد من الضحايا.

إننا في حملة معا للحد من حوادث السير، ندعو - وبهذه المناسبة الأليمة - الحكومة إلى التعاطي الجاد والعاجل مع "نداء جوك للسلامة الطرقية"، وذلك باعتباره يشكل خارطة طريق  متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا.

كما أننا ندعو النخب، وخاصة العلماء والسياسيين والإعلاميين والمدونين إلى تحمُّل مسؤولياتهم الأخلاقية في إبقاء هذا الملف حيا من خلال الحديث عنه، والمشاركة في الجهود التوعوية للوقاية من الحوادث، فالنقاش بشأن حوادث السير بعد وقوعها، حتى وإن كان متفهما ومطلوبا إلا أنه لا يقارن بأهمية التركيز على التوعية للوقاية من حوادث السير قبل وقوعها.

نواكشوط: 26 دجمبر 2025

حملة معا للحد من حوادث السير


ثانيا/ نداء جوك للسلامة الطرقية (مكتوب)

نظرا للارتفاع المقلق في حوادث السير، وما تخلٍّفه من خسائر بشرية جسيمة، وأضرار اقتصادية كبيرة، فإننا في حملة معا للحد من حوادث السير نتقدم من منطقة جوك ذات الدلالة الرمزية في السلامة الطرقية، بهذا النداء إلى السلطات العمومية، وإلى كل الجهات المعنية، آملين أن يلقى ما يلزم من عناية.

لقد استخلصنا هذه المطالب التي تضمنها النداء بعد متابعة دقيقة استمرت ما يقارب عقدا من الزمن، شملت الوقوف الميداني على العديد من الحوادث المميتة، والاستماع إلى السائقين والناقلين والخبراء ومنظمات المجتمع المدني، هذا فضلا عن إشراف الحملة على عدة قوافل توعوية، كان آخرها قافلة "معا من أجل خريف آمن" التي جابت مختلف ولايات الوطن.

إن حوادث السير ليست إشكالية تعني قطاعا حكوميا محددا دون غيره، وليست خاصة بالحكومة لوحدها، بل هي شأن وطني جامع، يمس حياة كل أسرة موريتانية، وللحد منها فلا بد من تضافر جهود الجميع، من خلال معالجة شاملة ومستدامة، تضع حياة الإنسان وحماية ممتلكاته في صدارة الأولويات.

إن هذا النداء يتضمن 19 مطلبا، موزعة على خمسة محاور:

أولا: المحور الاستراتيجي والمؤسسي

1. تأسيس هيئة عليا للسلامة الطرقية تتبع لرئاسة الجمهورية، أو الوزارة الأولى على الأقل، تتولى الإشراف على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية، وتنسق العمل بين القطاعات الحكومية المعنية بالسلامة الطرقية؛

2. تنظيم منتديات وطنية في أسرع وقت ممكن حول السلامة الطرقية يرأسها الوزير الأول، وتشارك فيها كافة القطاعات الحكومية والأمنية المعنية، ونقابات السائقين، ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة. ويمكن لهذه المنتديات أن تناقش نداء جوك للسلامة الطرقية، وتضع خطة عملية لتنفيذ مطالبه التسعة عشر.

3. اعتماد نظام وقائي للسلامة الطرقية، مع إعداد خطة طوارئ قبل كل موسم خريف للحد من زيادة الحوادث التي تسجل كل عام خلال هذا الموسم.

4.توفير ونشر كل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، وإدراج مادة السلامة الطرقية في المناهج الدراسية، بما يضمن غرس ثقافة احترام القانون المروري لدى الأجيال الصاعدة.

5. تعزيز الشراكة مع المجتمع المدني، والتكثيف من حملات التوعية والتحسيس في مجال السلامة الطرقية.

ثانيا: محور البنية التحتية والبيئة الطرقية

6. تشييد طرق باتجاهين، خصوصا على المقطع الرابط بين بوتلميت ونواكشوط، والحرص على أن يكون تشييد الطرق مستقبلا يتم وفق أحدث المعايير المعتمدة دوليا مع ضرورة توفير الإنارة ليلا. وتثبيت الشواخص الإرشادية.

7. إنشاء محطات نقل حديثة في الولايات الكبرى، ومحطات استراحة لائقة للسائقين على الطرق الطويلة.

8. إعطاء عناية أكبر للصيانة الطرقية، ووضع نظام صيانة فعَّال يشمل مختلف محاور الشبكة الطرقية، بإمكانه أن يتدخل بشكل فوري كلما ظهرت حاجة لذلك.

ثالثا: محور ضبط القوانين والتطبيق الميداني لها

9. فرض الصرامة في نقاط التفتيش لضبط السرعة والحمولة، وعدم التساهل في حظر تحرك سيارات النقل بعد منتصف الليل.

10. توحيد الشكل والهوية البصرية لمختلف نقاط الأمن والتفتيش على المحاور الطرقية، لمنحها هيبة أكثر، وقدرة أكبر على الردع.

11. إلزامية الفحص الفني الدوري للمركبات لضمان صلاحيتها للسير على الطرق.

12. مراجعة مبلغ الدية، وتفعيل نظام التأمين الخاص بالسيارات، وإنشاء محكمة مختصة بحوادث المرور لضمان إنصاف الضحايا وتسريع البت في الملفات، مع تحديث المنظومة القانونية بكاملها لتتلاءم مع تحديات المرحلة وتطور وسائل النقل.

13. تفعيل نظام مراقبة ذكي عبر الكاميرات والرادارات على الطرق والمحاور الرئيسية للحد من السرعة المفرطة، وضمان تطبيق إجراءات السلامة الطرقية بصرامة وشفافية.

رابعا: محور إصلاح منظومة تكوين السائقين ورخص السياقة

14. تأسيس أكاديمية متخصصة وفق المعايير الدولية لتعليم وتدريب السائقين.

15. وقف منح رخص سياقة صالحة مدى الحياة، واعتماد فترة صلاحية محددة (10 سنوات)، إضافة إلى تطبيق نظام تنقيط وسحب رخص السياقة.

16. فرض تقييم نفسي بشكل دوري للسائقين المهنيين، مع إشراك أطباء نفسيين في لجان منح الرخص.

خامسا: محور التدخل السريع وإنقاذ الأرواح

17. توفير آليات ثقيلة للتدخل السريع، لرفع الشاحنات التي تنقلب على الطرق وتعيق حركة السير.

18. توفير فرق من الحماية المدنية مجهزة بالكامل في النقاط الأكثر خطورة على الشبكة الطرقية، لضمان سرعة الوصول إلى الضحايا الذين قد تشتعل سياراتهم، أو تسقط عليها شاحنات فيتعذر الوصول إليهم في الوقت المناسب.

19. الاستمرار في التحسين من أداء العون الطبي الاستعجالي، واقتناء مروحيات طبية للتدخل السريع في حالة وقوع حوادث سير في أماكن نائية تتسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا.

حُرِّر في جوك بتاريخ: 18 سبتمبر 2025

ُأعلن ووُقِّع في نواكشوط بتاريخ: 02 أكتوبر 2025

قرئ ظهر الخميس: 25 دجمبر 2025، على طريق أكجوجت - نواكشوط عند موقع الحادث الأليم الذي أدى إلى وفاة ثلاثة أساتذة من خيرة أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى.


ثالثا/ نداء جوك للسلامة الطرقية (بالصوت)


اضغط هنا للاستماع والمشاهدة👇

قراءة لنداء جوك من موقع الفاجعة

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

التبليغ عن الفساد ليس جريمة!


لم يعد الفساد في عالم اليوم ينظر إليه بوصفه مجرد انحرافات في التسيير، أو أخطاء فردية يمكن احتواؤها بإجراءات شكلية، بل بات ـ كما أكد فخامة رئيس الجمهورية ـ تهديدا استراتيجيا للدولة الحديثة، يقوِّض الثقة، ويهدر الموارد، ويعطِّل مسارات التنمية، ويضرب أسس العدالة وتكافؤ الفرص.

ومن هذا الإدراك العميق، جاءت التزامات فخامة الرئيس المتكررة، الصريحة والحازمة، بجعل محاربة الفساد معركة وطنية شاملة، لا هوادة فيها ولا استثناء.

فمنذ رسالة إعلان ترشحه لمأمورية ثانية، تعهَّد الرئيس بأن "يضرب بيد من حديد، ويواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام". ثم أكد، في افتتاح حملته الانتخابية، أن "لا مكان بيننا لمن يُصِرُّ على مدِّ يده للمال العام، كائنا من كان". ولم يقتصر هذا الخطاب على الوعود الانتخابية، بل كانت الالتزامات أقوى والعزيمة أوضح في خطاب التنصيب، حيث أكد أن الحرب على الفساد حرب الجميع: "حرب المؤسسات الإدارية والقضائية، وأجهزة الرقابة، ولكن أيضا حرب النخب من مثقفين، وقادة رأي، ومجتمع مدني، وصحافة، ومؤثرين اجتماعيين، وأن النصر فيها مستحيل دون تضافر جهود الجميع".

وتكرر هذا المعنى لاحقا، وبوضوح أكبر، حين أكد الرئيس في مدينة جكني أن الدولة تتحمَّل مسؤوليتها الأساسية في مكافحة الفساد المالي والإداري، لكن بقية أشكال الفساد تقع مسؤولية محاربتها على عاتق النخب، وأن أي إصلاح لا يمكن أن ينجح دون القضاء على كل أشكال الفساد، إداريا وماليا، وذهب أبعد من ذلك في خطاب الذكرى الخامسة والستين للاستقلال الوطني، بخصوص مشاركة المجتمع والنخب، حين قال: "لن نكسب حربنا على الفساد إلا إذا جعلناها حربا مجتمعية بقدر ما هي حرب مؤسسية. فلنكن، جميعا، يدا واحدة عليه".

إن هذه الخطابات القوية والحازمة والمتقاربة زمنيا لفخامة رئيس الجمهورية لم تكن مجرد شعارات، بل تُرجمت إلى نصوص قانونية واضحة، فقانون مكافحة الفساد منح المبلغين والشهود والخبراء حماية خاصة، وجرَّم كل أشكال الانتقام أو الترهيب أو التهديد ضدهم. كما نصَّ، قبل ذلك، القانون التوجيهي لمحاربة الفساد على ضرورة تمكين المجتمع المدني وتعزيز قدراته للقيام بدوره في يقظة المواطن والكشف عن ممارسات الفساد، أيا كان مصدرها. ثم إن القانون المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد ـ وهي السلطة التي وعد بها فخامة الرئيس في برنامجه الانتخابي ـ منح هذه السلطة حق استقبال الإبلاغات عن الفساد وحماية المبلِّغين عنه.

لا خلاف على وجود إرادة سياسية لدى فخامة رئيس الجمهورية لمحاربة الفساد، وهي إرادة عبَّرت عنها خطابات عديدة في مناسبات مختلفة، كما عبَّرت عنها نصوص قانونية استُحدثت وأخرى عُدِّلت، وعبَّرت عنها كذلك مؤسسات لمحاربة الفساد وُسعت صلاحياتها، أو رُفعت مكانتها البروتوكولية، أو استُحدثت لأول مرة، كما هو الحال بالنسبة للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد. ولكن الإشكال الحقيقي والخطير لا يكمن في الخطابات القوية، ولا في النصوص القانونية المصاغة على أفضل المقاسات الدولية، ولا حتى في الرفع من مكانة الأجهزة الرقابية أو استحداث سلطة وطنية لمكافحة الفساد.

إن الإشكال الحقيقي يكمن في الممارسة، فحين تصطدم كل هذه الالتزامات المعلنة بتصرفات عملية تناقضها، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون رسالة مربكة، بل ومحبطِة.

ومن أخطر الممارسات المربكة لكل ما قيم به حتى الآن، الطريقة التي تم بها التعامل مع رئيس منظمة الشفافية الشاملة، السيد محمد غدَّه، الذي تم توقيفه في وقت متأخر من ليلة الأحد الماضية، بأسلوب أقلَّ ما يمكن أن يُقال عنه إنه غير لائق. وبعد الإفراج عنه، أُحيل من جديد إلى السجن بناءً على استئناف النيابة العامة.

وقبل ذلك بفترة، قضى رئيس منظمة الشفافية الشاملة أربعة أشهر في السجن بسبب فتح ملف فساد آخر، ليبرِّئه القضاء لاحقا من تهم الافتراء والقذف والإبلاغ الكاذب، التي سُجن أربعة أشهر بسببها، وربما تتكرر مستقبلا تبرئته من التهم الموجهة إليه حاليا، ولكن بعد أن يكون قد قضى فترة أخرى في السجن بغير وجه حق.

واللافت في الأمر أن الإسراع في سجن ولد غده، والتعامل الخشن معه عند توقيفه، واقتياده من منزله في وقت متأخر من الليل، وإزعاج أفراد أسرته، كل ذلك يقابله تباطؤ وتراخ وحسن تعامل مع مشبوهين ومتهمين في ملفات فساد.

فهل يُراد من هذا التعامل المتناقض بين من يُبلِّغ عن الفساد ومن يُتَّهم به، توجيه رسالة غير مشفّرة، بل صريحة وفصيحة، إلى كل من يفكر مستقبلا في التبليغ عن الفساد، مفادها أن هذا الطريق محفوف بالمخاطر؟ وهل يُراد من هذا التعامل مع رئيس المنظمة الوحيدة التي تعمل ميدانيا في مجال رصد وكشف الفساد توجيه رسائل أكثر صراحة وفصاحة إلى منظمات المجتمع المدني، مفادها أن المجتمع المدني غير مرحب به في مجال كشف ورصد الفساد؟

هذا ما تقوله رسائل توقيف ولد غده، وهي رسائل تصيب في مقتل ما جاء في المادتين (6) و(7) من القانون التوجيهي لمحاربة الفساد رقم 040-2016، اللتين تنصان صراحة على تعزيز القدرات الفنية والمؤسسية والتنظيمية للمجتمع المدني، وتمكينه من أداء دوره في يقظة المواطن والكشف عن ممارسات الفساد، مهما كان مصدرها.

فهل يُراد، من خلال التعامل الفظ مع محمد ولد غده، ألا تستجيب النخب ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بمحاربة الفساد لنداءات فخامة رئيس الجمهورية المتكررة، التي دعا فيها النخب ومنظمات المجتمع المدني إلى الانخراط في الحرب على الفساد؟

إن طرح هذه الأسئلة أمرٌ في غاية الوجاهة لمن قرأ، بشكل متأنٍ، سلوك وتصرفات جهات ومؤسسات في سلطتنا القضائية، كان يُفترض فيها أن تكون في طليعة من يدعم ويحمي المبلغين عن الفساد.

فمن الطبيعي جدًا أن تحاول شخصيات سياسية أو إدارية نافذة إرباك أي جهد يُبذل في مجال محاربة الفساد، وتحركات هؤلاء يمكن للمجتمع المدني أن يتصدى لها، لكن التصدي يصبح أصعب عندما يتولد شعور بأن هناك جهات في القضاء لا تتحمس للأدوار التي يقوم بها المجتمع المدني في مجال محاربة الفساد.

ومن المؤكد أن هذا التعامل غير المناسب مع محمد غده سيؤثر سلبا على الرأي العام وعلى المجتمع بأكمله؛ فالمجتمع ـ ولا يجوز الاستهانة بذكائه الجمعي ـ يقرأ الوقائع لا النيات، ويقارن بذكائه الجمعي بين الخطاب والممارسة، وإذا ما ظهر له أن الممارسة لا تتناغم مع الخطاب، خلص ـ بشكل تلقائي ـ إلى استنتاج خطير مفاده أن محاربة الفساد ليست بالجدية المعلنة.

إن التعامل بهذا الأسلوب الفظ مع رئيس منظمة الشفافية الشاملة ستكون له انعكاسات سلبية على قناعة المجتمع والنخب بجدية الحرب على الفساد فهذا الشخص الذي يكرس وقته وجهده وماله لكشف ورصد الفساد والتبليغ عنه، يستحق معاملة تختلف تماما عن المعاملة التي تلقَّاها خلال الأيام والأشهر الماضية.

لستُ هنا لأقول إن رئيس منظمة الشفافية الشاملة معصوم من الأخطاء، ولا لأقول إنه لم يخطئ في تعامله مع هذا الملف أو ذاك، لكنه، في كل الأحوال، يستحق أن يُتعامل معه بشكل لائق إن أخطأ، مثلما يُتعامل مع أي مواطن آخر أخطأ، هذا إن كان قد أخطأ أصلًا. أما إذا كان لم يخطئ، فهو في هذه الحالة يستحق التكريم والتوشيح على الجهود التي يقوم بها في مجال كشف ورصد الفساد.

إن التعامل مع رئيس منظمة الشفافية الشاملة بهذا الأسلوب غير اللائق يطرح إشكالا حقيقيا حول طبيعة الدور المنتظر من المجتمع المدني في مجال محاربة الفساد،  وحدود مساحة التحرك التي يحق له أن يتحرك فيها، وطبيعة العلاقة التي يجب أن تربط بين القضاء والفاعلين المدنيين في معركة الفساد التي يُفترض أنها معركة مشتركة.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحَّة إلى فتح حوار صريح وجاد بين القضاء ومنظمات المجتمع المدني لتحديد الأدوار، ورسم حدود مساحة التحرك المسموح للمجتمع المدني أن يعمل داخلها.

إننا اليوم بحاجة إلى حوار صريح يجيب بوضوح على الأسئلة التالية: ما الذي يُطلب من المجتمع المدني في الحرب على الفساد؟ وما حدود مساحة التحرك المسموح بها؟ وكيف يمكنه أن يُبلِّغ عن الفساد دون أن يتحول هو نفسه إلى متهم؟

وفي هذا السياق، يمكن للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد أن تلعب دورا محوريا في تنظيم هذا النقاش، نظرا لما أُنيط بها قانونا من مهام في مجال الوقاية من الفساد، والتنسيق بين المؤسسات ذات الصلة بمحاربته، ويمكن أن تقوم بذلك، حتى من قبل اكتمال هياكلها، لأن الاستعجال هنا مبرر، بل وضروري. 

ختاما، يبقى التأكيد واجبا على قناعتي الشخصية الراسخة بصدق وجدية فخامة رئيس الجمهورية في محاربة الفساد. لكن هذه الحرب، بطبيعتها، تُزعج مصالح متشابكة، ليست سياسية فقط ولا إدارية فقط، والخشية كل الخشية أن تمتدَّ المقاومة لهذه الحرب، والتي تحدث عنها فخامة الرئيس في خطاب التنصيب، إلى داخل بعض الدوائر القضائية، وعندها سيصبح التبليغ عن الفساد جريمة يُعاقَب عليها، بدل أن يكون واجبا وطنيا يستحق من يقوم به أن يكافأ وتثمن جهوده.

ومهما يكن من أمر، فإن الحقيقة البسيطة التي يجب أن تظل واضحة، هي أن التبليغ عن الفساد متى كان بحسن نية، ووفق القانون، ليس جريمة تستوجب العقاب، بل هو حجر الزاوية في أي حرب جادة ضد الفساد.

حفظ الله موريتانيا..

الصورة لأعضاء من المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد خلال زيارة تضامنية مع رئيس منظمة الشفافية السيد محمد غده.


الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

دعوة لشراكة من أجل طرق أكثر أمانا 🚦


على مدى تسع سنوات من المتابعة الدقيقة والعمل الميداني، لاحظنا في حملة معا للحد من حوادث السير، أن الحوادث في بلادنا تتزايد بشكل ملحوظ في أربعة مواسم ومناسبات رئيسية:  

- موسم الخريف وبداية العام الدراسي؛  

- مواسم الأعياد؛  

- فترات الحملات الانتخابية؛  

- المهرجانات الكبرى، وعلى رأسها مهرجانات مدائن التراث.  

في العام الماضي، وبإمكانياتنا الذاتية، أطلقنا أنشطة توعوية بسيطة لمواكبة نسخة شنقيط من مهرجان مدائن التراث. 

تضمنت هذه الأنشطة تثبيت لافتات توعوية على المحور الطرقي: نواكشوط - أكجوجت - أطار - شنقيط، مع التركيز على مرتفع ومنعرج ولد أبنو لخطورته، إضافة إلى تنظيم زيارات ميدانية لبعض مواقع حوادث السير التي وقعت في تلك الفترة، منها الحادث الذي تعرضت له سيارة المكتب الإعلامي للرئاسة.   

حوادث كثيرة سُجِّلت في نسخ مهرجان مدائن التراث، منها الحادث الأليم الذي وقع خلال نسخة وادان الماضية، والذي أدى إلى وفاة النائب والمرشح الرئاسي السابق كان حاميدو بابا رحمه الله.  

إننا في حملة معا للحد من حوادث السير ندرك جيدا  أهمية إطلاق حملات توعوية متزامنة مع المهرجانات الثقافية، فمن الضروري جدا إطلاق حملة توعوية قبل مهرجان ودان وخلال المهرجان، على أن تتركز الأنشطة قبل المهرجان على المحور الطرقي:  نواكشوط – أكجوجت – أطار – وادان. في حين تركز الأنشطة في أيام المهرجان على داخل المدينة، مع استهداف:

- سائقي وكالات تأجير السيارات الذين سيصل منهم عدد معتبر إلى المدينة، وهؤلاء يحتاجون إلى حملات توعوية مكثفة؛

- السائقين من ملاك السيارات الذين يحتاجون بدورهم إلى نوع خاص من التوعية.  

إننا في الحملة نفتح الباب أمام كل من يريد أن يكون شريكا في حملة توعوية خاصة بالنسخة 14 من مهرجان مدائن التراث،  فبتعاوننا جميعا، في هذا الجهد التوعوي، فإنه سيكون بإمكاننا أن نجعل من هذا المهرجان مناسبة للاحتفاء بالتراث، وفي الوقت نفسه مناسبة لحماية الأرواح على طرقنا.





الصور من حملة النسخة الماضية، وتظهر لافتة على مرتفع ولد أبنو، كما تظهر سيارة المكتب الإعلامي للرئاسة التي تعرضت لحادث في طريق العودة إلى نواكشوط.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الأحد، 30 نوفمبر 2025

رسالة تهنئة وتثمين إلى فخامة رئيس الجمهورية


يشرفنا في حملة "معا للحد من حوادث السير" أن نتقدم إليكم بأسمى التهانئ بمناسبة الذكرى الخامسة والستين للاستقلال الوطني، وأن نعبر لكم في الوقت نفسه عن تثميننا لما تضمنه خطابكم بهذه المناسبة من إنجازات هامة، شملت في مجال البنية التحتية، تشييد وترميم ما يناهز 1000 كلم من المقاطع الطرقية، وإعادة تأهيل طريق الأمل ليصبح، ولأول مرة، طريقا سالكا على امتداده الكامل.

فخامة الرئيس؛

لقد جعلنا من مطلب إعادة تأهيل طريق  الأمل بشكل كامل، أول مطلب في عريضة الحملة التي تشرفنا بتسليمها لفخامتكم في منتصف العام 2019، وذلك لما شاهدنا من تدهور مستمر لهذا الطريق الحيوي خلال العقود الأخيرة، فكان كلما رُمِّمَ منه مقطع تهالكت مقاطع أخرى قبل اكتمال ترميم ذلك المقطع، حتى أصبح من المستحيل أن يسلكه المسافر في أي وقت دون أن يمر بمقاطع متهالكة، تمتد لعشرات - بل لمئات - الكيلومترات، الشيء الذي تسبب خلال العقود الماضية في خسائر مادية فادحة للناقلين وأصحاب السيارات الخاصة، وجلب مشقة كبيرة للمسافرين، هذا فضلا عما نتج عنه من حوادث سير كثيرة، كان بعضها مميتا.

فخامة الرئيس؛

بتأهيل طريق الأمل بشكل كامل يتحقق الشق الأول من مطلبنا المتعلق بهذا الطريق الحيوي، وللمحافظة على هذا الإنجاز الهام لابد من صيانة فورية ومستمرة. أما الشق الثاني من مطلبنا الخاص بطريق الأمل، فيتمثل في تشييد طريق مزدوج على المقطع الرابط بين نواكشوط وبوتلميت، والذي يعدُّ المقطع الأشد خطورة، والأكثر  حوادث سير في شبكتنا الطرقية، ونحن على ثقة تامة بأن حرصكم، يا فخامة الرئيس، على حياة المواطنين سيُعَجِّل بتشييد هذا الطريق المزدوج الذي طال انتظاره.

فخامة الرئيس؛

إننا نثمن كذلك تحقق المطلب الثاني في عريضتنا المطلبية، وهو المطلب المتمثل في توفير سيارات إسعاف على مختلف المحاور الطرقية. فبعد أن كانت البلاد - عندما سلمناكم عريضتنا المطلبية منتصف عام 2019 - خالية تماما من أي سيارة إسعاف مخصصة لحوادث الطرق، بادرتم بعد أربعة أشهر فقط من تنصيبكم في المأمورية الأولى في نشر سيارات إسعاف على المقطع (نواكشوط - ألاك)، لتتسع العملية بعد ذلك وتتمدد حتى شملت مقاطع أخرى من طريق الأمل، ثم محاور أخرى من شبكتنا الطرقية، إلى أن أصبحنا اليوم نمتلك عددا كبيرا من سيارات الإسعاف المنتشرة على مختلف محاور شبكتنا الطرقية، تنقل المصابين في حوادث السير، وتتكفل بهم مجانا، وقد تعزز هذا الإنجاز المهم بالعون الطبي الاستعجالي الذي أطلقتموه بعد ذلك، وهو يحظى اليوم بإشادة واسعة من طرف الجميع لما يؤديه من دور محوري في إنقاذ الأرواح.

فخامة الرئيس؛

إن اهتمامكم المتواصل بملف السلامة الطرقية هو محل تقدير بالغ من طرف الحملة، بل ومن طرف كل الشعب الموريتاني الذي يصعب أن نجد فيه أسرة واحدة إلا ولها ذكريات حزينة مع حادث سير تعرض له أحد أفرادها. ومما يؤكد اهتمامكم بملف السلامة الطرقية هو أنكم قررتم أن يكون ملف السلامة الطرقية هو أول ملف يناقش في أول مجلس وزراء تعقدونه بعد تنصيبكم رئيسا للبلاد، وتلك رسالة بالغة الدلالة، ولتأكيد تلك الرسالة البالغة الدلالة في مأموريتكم الثانية، فقد كانت أول لجنة وزارية تشكلونها في هذه المأمورية، هي اللجنة الوزارية المعنية بحركية التنقل في العاصمة نواكشوط، وكل ذلك يعكس - وبشكل جلي- سعيكم الجاد في إنقاذ الأرواح، وتعزيز أمن الطرق.

فخامة الرئيس؛ 

إن سعيكم الجاد في إنقاذ الأرواح وتعزيز أمن الطرق، قد لا يجد في بعض الأحيان ترجمة كافية من بعض القطاعات المعنية بالسلامة الطرقية. وهذا ما لمسناه في الحملة من طرف بعض  القطاعات المعنية بالسلامة الطرقية.

فبعض هذه القطاعات ما زالت ترفض أن تتعامل مع المجتمع المدني بصفته شريكا في مجال السلامة الطرقية، وخصوصا في أنشطته المتعلقة بالتوعية والتحسيس، فحتى الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، ما زالت تُحجب عنا، وما زالت بعض القطاعات المعنية ترفض تقديمها لنا، مع أنها ليست سرا من أسرار الدولة لا يمكن كشفه. 

ومن المعلوم بداهة أنه لا يمكن إطلاق حملة توعوية ناجحة دون إحصائيات دقيقة، تبين أسباب الحوادث، والنقاط السوداء التي تكثر فيها تلك الحوادث، وأوقات الذروة لوقوعها، إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية لأي حملة توعوية في السلامة الطرقية يُراد لها أن تكون حملة ناجحة. 

كما أننا لم نتمكن حتى الآن من إطلاق “تطبيق السلامة” رغم اتصالنا بالعديد من القطاعات المعنية، بعد أن عرضناه عليكم. إننا نعتقد أن إطلاق هذا التطبيق  سيكون في غاية الأهمية لسالكي الطرق، لما يمكن أن يساهم به في مجال الوقاية من الحوادث.   

فخامة الرئيس؛

يشرفنا في ختام رسالة التثمين والتهنئة هذه، أن نشعركم أن العريضة المطلبية التي قدمنا لكم منتصف العام 2019 قد تم تحيينها في هذا العام بشكل كامل، فتحولت من عريضة مطلبية إلى "نداء جوك  للسلامة الطرقية" ، والذي يشكل- حسب تقديرنا في الحملة - خريطة طريق متكاملة لتعزيز السلامة الطرقية والحد من حوادث السير في بلادنا، ويشرفنا في الحملة أن تطلعوا على وثيقة "نداء جوك للسلامة الطرقية".

وفي الأخير، تفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق التقدير والاحترام.

المنسق العام لحملة معا للحد من حوادث السير.



الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

الإعلان عن إطلاق أسبوع وطني لمحاربة الفساد (من 09 إلى 16) ديسمبر 2025


 الإعلان عن إطلاق أسبوع وطني لمحاربة الفساد (من 09 إلى 16) ديسمبر 2025

يعلن الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد للرأي العام الوطني عن بدء أنشطته التحضيرية لإطلاق أسبوع وطني لمحاربة الفساد، تخليدا لليوم العالمي لمحاربة الفساد (9 ديسمبر 2025)، وسيكون هذا الأسبوع زاخرا بالأنشطة التي تهدف إلى تعزيز ثقافة النزاهة والشفافية، وإبراز مخاطر الفساد وآثاره السلبية على التنمية الاقتصادية والتماسك المجتمعي.

وسيتضمن الأسبوع ندوات فكرية، وتوقيع مواثيق للنزاهة، وأنشطة توعوية وتحسيسية تشارك فيها منسقيات الائتلاف: منسقية الأئمة، منسقية المجتمع المدني، منسقية النساء، منسقية الشباب.

ويدعو الائتلاف بهذه المناسبة جميع الفاعلين من قطاعات حكومية، وأحزاب سياسية، ومؤسسات إعلامية، ومنظمات مجتمع مدني، وعلماء وأئمة، وشباب ونساء، إلى المشاركة الفاعلة في أنشطة هذا الأسبوع للتوعية حول مخاطر الفساد، وضرورة تكاتف جهود الجميع لمحاربته.

وسيختتم الائتلاف الأسبوع بنقطة صحفية يُعلن خلالها حصيلة الفعاليات، على أن تليها عملية تقييم شامل لقياس مستوى الأثر الذي تركته تلك الفعاليات.

ويؤكد الائتلاف أن تنظيم هذا الأسبوع الأول من نوعه في موريتانيا، والذي يسعى لأن يترك الانطباع لدى الرأي العام الوطني أن ما بعد تأسيس الائتلاف لن يكون مثل ما قبله، سيشكل - بإذن الله - خطوة عملية لترسيخ ثقافة جديدة في التعاطي مع ملف الفساد.

نواكشوط: 24 نوفمبر 2025

الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد.

تعزية


تلقينا في حملة "معا للحد من حوادث السير" ببالغ الحزن والأسى فاجعة رحيل الشقيقتين أم كلثوم والعزة، شقيقتي الصحفي الطالب النافع ولد أفاه، بسبب حادث سير مأساوي وقع فجر اليوم في العاصمة نواكشوط ( الترحيل)، تسببت فيه سيارة تابعة للشرطة، كانت في عملية مطاردة داخل العاصمة.

إننا في الحملة إذ نعبر للأخ الطالب النافع ولد أفاه، ولجميع أفراد أسرته الكريمة، عن خالص تعازينا وصادق مواساتنا في هذا المصاب الجلل، فإننا نؤكد أن هذه الفاجعة تمثل خسارة موجعة لنا جميعا في الحملة، خاصة وأن الزميل الطالب النافع يُعدُّ من أبرز داعمي الحملة ومناصريها.

إن هذه الفاجعة الأليمة تستوجب منا في الحملة دعوة الجهات الأمنية إلى إعادة النظر في أسلوب المطاردات الأمنية داخل المدن وخارجها، والتي تسببت في حوادث سير  عديدة في أوقات سابقة، كان آخرها حادث السير الذي وقع قبل عشرة أيام على طريق أكجوجت.

لقد بات من اللازم وقف عمليات المطاردة داخل المراكز الحضرية، واعتماد وسائل تقنية وقانونية أقل خطورة وأكثر دقة، حفاظا على أرواح المواطنين وسلامة مستخدمي الطريق.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيدتين بواسع رحمته، وأن يلهم أسرتهما الصبر والسلوان. 

إنا لله وإنا إليه راجعون.

في الصورة يظهر الصحفي الطالب النافع وهو يدير حلقة عن السلامة الطرقية أمام المجسم التوعوي للحملة.

نواكشوط: 20 نوفمبر 2025

منسقية حملة "معا للحد من حوادث السير".

بيان توضيحي


نشرت الوكالة الموريتانية للأنباء أن معالي وزير التجهيز والنقل أعطى اليوم، من جسر الصداقة، إشارة انطلاق حملة للسلامة الطرقية تحت شعار: "معًا للحد من مخاطر حوادث السير"، تدوم ليومين كاملين. ووفق ما نقلته الوكالة عن الوزارة، فإن هذه الحملة تأتي"في إطار تخليد اليوم الإفريقي للسلامة الطرقية، الذي يتزامن هذا العام مع اليوم المخلد لإحياء ذكرى ضحايا حوادث السير".

وبناءً على ما نشرته الوكالة، فإننا في حملة "معا للحد من حوادث السير" نسجل التوضيحات التالية:

1 ـ إن اليوم الإفريقي للسلامة الطرقية لا يتزامن هذا العام صدفة مع اليوم العالمي لتذكر ضحايا حوادث السير، فالتزامن قائم دائما لأن اليومين يخلَّدان في موعد واحد.

2 ـ إن الوزارة أخطأت في تاريخ تخليد اليومين؛ وهو خطأ لا يُقبل من جمعية أو تعاونية في منطقة ريفية، فكيف بوزارة تمتلك إدارة متخصصة في السلامة الطرقية؟ ولو كانت الوزارة تستشيرنا لما وقعت في هذا الخطأ الفادح، ولبينا لها أن اليومين يخلدان في ثالث أحد من شهر نوفمبر كل عام، لا رابع أحد كما استحدثت الوزارة.

3 ـ لقد استخدمت الوزارة شعار الحملة الذي تعود ملكيته لنا منذ فجر السابع من أغسطس 2016، وجعلته شعارا لحملة "اليومين الكاملين"، دون استئذان، ولا يشفع لها أنها أضافت إلى الشعار كلمة "مخاطر".

4 ـ اختارت الوزارة لانطلاق حملتها جسر الصداقة، وهو الجسر نفسه الذي يشهد على أن أول نشاط توعوي نُظِّم بعد تدشينه كان من طرف حملتنا، في وقت كانت الوزارة غائبة فيه تماما. أفلم يكن من المناسب استدعاؤنا ـ ولو مجاملة ـ لحضور نشاط توعوي في مكان كنا أول من نظّم فيه نشاطا من هذا النوع؟

5 ـ وزّعت حملة "اليومين الكاملين" قصاصات إرشادية تتضمن درسا في السلامة الطرقية لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية، تحت عنوان: "دليل التوعية بالسلامة المرورية". وقد ذكَّرنا ذلك بدعوتنا لمعالي وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، يوم 06 أكتوبر 2025، تخصيص درس في السلامة الطرقية لتلاميذ الابتدائة والثانوية، وأكدنا يومها استعدادنا لإعداد هذا الدرس مجانا، لكننا لم نتلق ردًا حتى الآن.

6 ـ يعيد هذا السلوك إلى الأذهان منافسة غير شريفة دأبت الوزارة على ممارستها ضدنا في الحملة، بدل التكامل المفترض في مجال السلامة الطرقية. ففي عام 2016 أطلقنا أنشطة توعوية من نقطة تفتيش تيفيريت، وكنا نوزع قصاصات إرشادية على السائقين لكننا فوجئنا في أحد الأنشطة بحضور موظفين من الوزارة يوزعون قصاصات مشابهة، ويطلبون من عناصر الدرك طردنا ومنعنا من أداء نشاطنا التوعوي، وقد رفض عناصر الدرك ـ مشكورين ـ ذلك.

7 ـ ادعت الوزارة بأنها تنظم "اليومين الكاملين" بالتعاون مع المجتمع المدني، ولأنه لم تصلنا دعوة بها الخصوص، فنؤكد من جديد أن التوعية هي من اختصاص منظمات المجتمع المدني، ونستغرب إقصاءه، رغم أننا عبرنا لها مرارا عن جاهزيتنا للتعاون معها في مجال التوعية بالسلامة الطرقية.

8 ـ ختاما، نعرب في الحملة عن استغرابنا الشديد لاستمرار تعامل بعض القطاعات الحكومية معنا بذات الأسلوب الذي واجهناه عام 2016، رغم التقدم الكبير الذي تحقق بعد لقائنا بفخامة رئيس الجمهورية، وتبنيه لعريضتنا المطلبية، والتي تم تنفيذ بعض بنودها، وخاصة ما يتعلق منها بتوفير سيارات إسعاف مجهزة على مختلف محاور شبكتنا الطرقية.

نواكشوط بتاريخ: 23 نوفمبر 2025

معا للحد من حوادث السير.

الخميس، 13 نوفمبر 2025

استشراف في محله!


حذر رئيس الجمهوية حكومته وأغلبيته من التفكير الآن في انتخابات 2029، وقال إن من لديه أصدقاء أو أنصار يفكرون له أو يخططون له بهذا الخصوص يضرونه الآن وغدا، جاء هذا التحذير في خطابه أمام أطر  تمبدغة (12 نوفمبر 2025)، وهو تحذير يؤكد ما كتبته في مطلع هذا العام عن خطورة الحديث المبكر عن انتخابات 2029.

(1)

"أتابع منذ أيام نقاشات في مواقع التواصل الاجتماعي في غير صالح النظام الحاكم، وإذا كان من الطبيعي جدا أن يُسَعِّر المدونون المعارضون تلك النقاشات، فإن الغريب حقا هو أن ينخرط فيها مدونون داعمون  للنظام.

مثل هذه الأخطاء، تتكرر دائما، ربما بسبب غياب رؤية إعلامية واضحة المعالم في مواقع التواصل الاجتماعي لدى داعمي النظام، وفي ظل غياب تلك الرؤية سيبقى الارتجال والاجتهاد الفردي هما سيدا الموقف، وسيبقى من الممكن دائما وضع الطعم في مواقع التواصل الاجتماعي، من هذا الطرف أو ذاك، لجر مدوني النظام إلى نقاش قضايا، يعدُّ نقاشها ـ ومن أي زاوية ـ  يضر النظام أكثر مما ينفعه.

ومن تلك القضايا، يمكننا أن نذكر ثلاثا:

1 ـ الحديث المبكر عن مرشح النظام المحتمل في العام 2029، فمن ينخرط الآن من داعمي النظام  في أي حديث من هذا القبيل، ولأي سبب كان، فإنما يحارب النظام إعلاميا وسياسيا بحديثه في هذا الموضوع، علم ذلك أو لم يعلم، قصد ذلك أو لم يقصده.

إن السياسة تقوم أساسا على خلق الآمل لدى المواطنين، ومن يتحدث الآن عن المرشح المفترض للرئيس في العام 2029 ، إنما يُريد أن يقول سياسيا  بأنه لا إنجازات تحققت تستحق أن نتحدث عنها، ولا إنجازات  تنتظر، ولذا فإنه علينا أن ننشغل من الآن بالبحث عن مرشح الرئيس وخليفته القادم.

لا خلاف على أن حديث مدوني المعارضة في هذا الوقت المبكر عن "مرشحين مُتَخيلين" للنظام، وترجيح كفة بعضهم على البعض، اعتمادا على الخيال والإشاعات، قد يكون حديثا مقبولا على المستوى السياسي، حتى وإن كان غير مقبول أخلاقيا لاعتماده على الإشاعة والكذب، ومثل هذا الحديث لمن لا يعني له الكذب والتلفيق أي شيء، قد يدخل في صميم العمل المعارض، لأنه يهدف أساسا إلى إرباك النظام، وإلى قتل الأمل لدى المواطن، هذا فضلا عن كونه يخلق نوعا من عدم الثقة بين أركان النظام، ولكن الغريب حقا هو أن ينجرف مدونون محسوبون على النظام في مثل هذا الحديث، ومن يشارك منهم في نقاش كهذا، معززا هذه الفرضية أو تلك، إنما يقوم بعمل عدائي للرئيس أولا، ولنظامه الحاكم به ثانيا.

اللافت في الأمر أن الجهة السياسية التي كان يفترض فيها أن تسمي مرشحها في وقت مبكر، وتبدأ في الدعاية له من أول عام من المأمورية الحالية هي المعارضة، ولكن المعارضة عاجزة عن ذلك لغياب الرؤية السياسية، ولما تعاني منه من تشظي وانشطار تزداد حدته عاما بعد عام، وهو ما يعني أن عجزها في اختيار مرشح توافقي سيبقى قائما إلى ما بعد انتخابات 2029، وهذا استشرافي بخصوص المعارضة. أما الأغلبية فما يخدمها سياسيا وإعلاميا هو أن تؤخر الحديث عن هذا الموضوع إلى آخر سنة من المأمورية الحالية، ولكن بعض مدونيها يبدو أنه استعجل الأمر، وانخرط ـ بالتالي ـ  في موجة التخمينات التي أطلقت عن إمكانية ترشيح فلان أو علان.

لستُ بحاجة للقول بأن الأسماء التي تذكر حاليا ما هي إلا مجرد تخمينات ليس لها ما يدعمها، وأي مدون داعم للنظام يروج لهذا الوزير أو ذاك العسكري المتقاعد، أو ذلك الموظف السامي، بوصفه مرشحا مفترضا للرئيس في العام 2029، إنما يضر من يروج له من حيث أراد أن ينفعه."

هذه مقدمة مقال نشرته مطلع هذا العام، وتحديدا في يوم السبت الموافق  18 يناير 2025، وأعدتُ نشرها هنا دون أن أغير منها كلمة واحدة. المقال كان تحت عنوان: "داعمون يحاربون النظام إعلاميا وسياسيا!"، ويمكن العودة إليه من خلال مدونتي الشخصية أو من خلال المواقع التي تنشر لي.

(2)

ما معنى يضرونه الآن، ويضرونه غدا التي وردت في حديث الرئيس أمام أطر تمبدغة؟

في اعتقادي الشخصي أن الضرر الآن تعني الاستبعاد من دائرة الحكم، أما الضرر غدا فتعني الاستبعاد من الترشيح، وقد تحدثتُ في مقال سابق عن هذا الضرر أعيد جزءا منه دون أي تعديل.

"إن المعايير التي سيُحدَد على أساسها مرشح النظام في العام 2029، وكما تظهر لي في الوقت الحالي، يمكن إجمالها في النقاط التالية:

1 ـ أن يكون المرشح المتوقع قد كسب ثقة رئيس الجمهورية في الماضي، وأن يعزز تلك الثقة في هذه المأمورية، فرئيس الجمهورية هو من سيحدد مرشح النظام في العام 2029، ولذا فكل عمل يقوم به أي شخص من الدائرة الضيقة في النظام  لتعزيز تلك الثقة فهو سيقربه أكثر من الترشيح، وكل عمل يشوش أو يهز تلك الثقة فسيبعد صاحبه ـ وبشكل تلقائي ـ عن الترشيح؛

2 ـ شرعية الإنجاز وتأدية المهام على أحسن وجه، فمن يؤدي مهامه الحالية من أركان النظام على أحسن وجه، فسيكون  احتمال ترشيحه هو الأقوى، والعكس صحيح؛

3 ـ كسب ثقة المواطن، أي الناخب، فأي شخص في الدائرة الضيقة من النظام يتمكن من تعزيز ثقة المواطن به، من خلال تأديته لعمله على أحسن وجه، ستكون حظوظه في الترشيح أكبر، فالرئيس سيختار من نظامه من سيكون تسويقه للمواطن (أي الناخب) أسهل؛

4 ـ صحيح أن الإجماع الذي كان يتمتع به مرشح النظام في العام 2019 داخل الأغلبية الحاكمة، وحتى خارجها، يستحيل أن يتكرر في العام 2029، ولكن مع ذلك فإن من يستطيع أن يخلق حوله إجماعا أكبر داخل أغلبية النظام وخارجها فستكون حظوظ ترشيح الرئيس له أكبر من حظوظ من يعمل على تفكيك الأغلبية من الداخل من خلال سياسة صراع الأحلاف.

في اعتقادي الشخصي أن من تحققت فيه هذه المعايير الأربع، أو تحقق فيه أغلبها، سيكون هو الأوفر حظا لأن يختاره الرئيس ليكون مرشح النظام في العام 2029.

وفي اعتقادي الشخصي أن كل من يرتكب من أركان النظام في الوقت الحالي خطأ التحدث عن استحقاقات 2029، أو يقوم بأي خطوة معلنة أو في الخفاء سعيا للترشح في العام 2029، أو يؤسس نواة حلف داخل الأغلبية لدعم ترشيحه، إن كل من يفعل أي شيء من ذلك، سيكون خارج دائرة الترشيح نهائيا، لأن أي خطوة من ذلك القبيل ستشكل إساءة للرئيس، وستهز من ثقته فيمن قام بها، وستبعد بالتالي من قام بها من لائحة خيارات الترشيح المحتملة."

هذه خاتمة مقال نشرته منذ عدة أشهر ، وتحديدا في يوم الاثنين الموافق 9 يونيو 2025، وكان تحت عنوان: "حديث سابق لأوانه عن العام 2029!"، ويمكن العودة إليه من خلال مدونتي الشخصية أو من خلال المواقع التي تنشر لي.

حفظ الله موريتانيا...


الأربعاء، 12 نوفمبر 2025

نص كلمتي في اليوم المفتوح عن الخطابات الضيقة..


تعيش موريتانيا، منذ نشأتها، بل وقبل ميلادها الرسمي، أزمةً عميقة في مفهوم المواطنة والخطاب الوطني الجامع، وهي أزمة من النادر أن تجد من يتحدث عنها. هذه الأزمة لم تولد اليوم، وإنما تراكمت خلال العقود الماضية، بفعل عوامل متعددة، أدت مجتمعة إلى ضعف الانتماء الوطني، وهشاشة الخطاب الوطني الجامع.

ولكي نفهم جذور هذه الأزمة، لا بد أن نعود إلى ثلاث مراحل من تاريخ بلدنا، كل مرحلة منها واجهت عوائق خاصة، منعت ترسيخ قيم المواطنة، وأضعفت القدرة على بناء خطاب وطني جامع.
أولا: مرحلة الاستعمار
قبل الاستقلال، لم يعرف الموريتانيون الدولة بمفهومها الحديث، فالدولة لم تظهر على هذه الأرض إلا مع مجيء المستعمر، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت في أذهان الناس بالمستعمر، فنظروا إليها نظرة سلبية وعدائية، وعدُّوها كيانا غريبا لا يستحق الولاء، ولذلك لم يكن من العدل أن نلوم الموريتاني آنذاك على ضعف انتمائه لتلك الدولة، بل على العكس، فقد كان رفضه لها موقفا وطنيا نبيلا، لأن الوطنية في تلك المرحلة كانت تعني مقاومة المستعمر ومواجهة سلطته.
ثانيًا: مرحلة ما بعد الاستقلال (من 1960 إلى 1991)
من الناحية النظرية، كانت هذه المرحلة هي الأنسب لغرس بذور الوطنية، وتشكيل خطاب وطني جامع يلتف حوله الجميع، لكن للأسف، واجهت البلاد عوائق حالت دون ذلك، ويمكن تلخيصها في عاملين رئيسيين:
العائق الأول: الإيديولوجيا
فقد تجذرت الإيديولوجيات في نفوس النخب في تلك الفترة قبل أن تترسخ فيها قيم المواطنة، فأصبحنا نسمع عن الكادحين، والبعثيين، والناصريين، والإسلاميين، قبل أن نسمع عن “الموريتانيين”. لقد بدأ هرم الانتماء مقلوبا، فغُرست الانتماءات الفكرية والأيدولوجية في النفوس قبل أن تُغرس فيها جذور الانتماء الوطني. فكان الوعي الإيديولوجي سابقا على الوعي الوطني، وهي حالة نادرة ربما تفرّدت بها بلادنا عن غيرها من دول العالم.
العائق الثاني: الامتداد العرقي خارج الحدود.
تتشكل موريتانيا من مكونات وأعراق متعددة، لكلٍّ منها امتداداته خارج الوطن، شمالا وجنوبا. ولأن تلك الامتدادات كانت في دول قائمة قبل قيام دولتنا، فقد أثّر ذلك سلبا على الشعور الوطني. لقد رأى بعض الموريتانيين في انتماءاتهم العرقية رابطة أقوى من رابطة المواطنة، جعلت الأخ في العرق من خارج الحدود، أقرب عند البعض من الأخ في الوطن من مكون آخر، وهكذا ضَعُفت صلتنا ببعضنا كموريتانيين، وتعززت الانتماءات الضيقة على حساب الانتماء للوطن الجامع.
ثالثا: مرحلة الديمقراطية (من 1991 إلى اليوم) 
حين انطلق ما نسميه بالمسار الديمقراطي في بلادنا في مطلع التسعينيات، كنا نظن أن هذا المسار سيعزز قيم المواطنة ويقوي من الخطاب الوطني الجامع، لكن الذي حدث – للأسف – هو العكس تماما. لقد انطلق هذا المسار قبل أن تتشكل مؤسسات مدنية قوية من أحزاب سياسية، ونقابات مهنية، وجمعيات أهلية، فلجأ الساسة ـ وخاصة من يدعم منهم الأنظمة الحاكمة ـ إلى الخطاب القبلي والعرقي والجهوي لحشد الجماهير، وأصبحت القبيلة والعرق والجهة وسيلة لتعزيز المكانة السياسية، ولاستقطاب الناخبين في كل موسم انتخابي. ثم ظهرت في مرحلة لاحقة الخطابات الفئوية والشرائحية لدى بعض الساسة المعارضين، كردة فعل من نخب لم تجد قبائل تعبّئها، فاستنهضت الشرائح لتحقيق مكاسب سياسية، وكانت النتيجة أن أصبح الولاء للقبيلة، أو الجهة، أو الشريحة، أقوى من الولاء للوطن! وهكذا، كانت المفارقة المؤلمة :أن المسار الديمقراطي الذي كنا نرجو منه أن يرسخ قيم المواطنة، قادنا في النهاية إلى مزيد من الانقسام والتشظي بين مكونات المجتمع.
خلاصة القول
من يتأمل هذه المراحل الثلاث، يدرك بوضوح أن قيم المواطنة لم تتجذر بما يكفي في أي مرحلة من مراحل تاريخنا: ففي عهد الاستعمار غابت المواطنة، لأننا كنا تحت حكم أجنبي. وبعد الاستقلال، أثَّرت الإيديولوجيات والامتدادات العرقية الخارجية سلبا على الانتماء الوطني الجامع، مع الاعتراف بأن هذه المرحلة كانت هي الأفضل رغم المآخذ. ومع مجيء الديمقراطية، حلّت الولاءات الضيقة محلَّ الانتماء للوطن. لقد بلغ خطاب التشظي اليوم مستويات مقلقة أصبحت تهدد ـ بالفعل ـ الانسجام المجتمعي، بل تهدد كيان الدولة نفسها.
ومن هنا، فقد أصبح لزاما على النخب الموريتانية أن تفتح نقاشًا وطنيًا جادًا ومسؤولا حول هذه التحديات الوجودية، وفي انتظار ذلك، فقد ارتأينا في مبادرة "ميثاق المواطنة" أن ننظم هذا اليوم التوعوي المفتوح، بعد إصدارنا للميثاق الذي يتضمن اثني عشر بندا. وقد وقّعته حتى الآن العشرات من الشخصيات الوطنية من مختلف المكونات الوطنية والتوجهات السياسية، وتوجد منه نسخة ورقية في القاعة لمن يرغب من ضيوفنا الكرام في توقيعه.
في الختام، أتوجه إليكم بجزيل الشكر على حضوركم ومساهمتكم معنا في هذا اليوم التوعوي المفتوح، وأرجو أن يكون يومنا هذا يومًا ناجحا، تُسمع فيه كل الآراء، وتُطرح فيه الأفكار والمقترحات المفيدة، سعيا لبناء مواطنة حقيقية، وخطاب وطنيٍّ جامع يليق بنا كقادة رأي ويليق ببلدنا.















الخميس، 6 نوفمبر 2025

عندما يشوش الأطر على زيارة فخامة الرئيس


(1)

في موريتانيا هناك كارثة خربت كل شيء، ودمرت كل شيء، وأفسدت كل شيء، ومع ذلك فلا أحد يتوقف عندها، إنها كارثة الأطر، والأطر في موريتانيا هم السوس الأبيض الذي يخرب البلاد ودون أن يشعر أحد بذلك.

تنفق موريتانيا المليارات على تعليم هؤلاء الأطر، يتخرجون من أرقى الجامعات في العالم، ثم عندما يعودون إلى أرض الوطن يتركون كل ما تعلموا خلف ظهورهم ليتفرغوا بعد عودتهم إلى أرض الوطن في كل ما من شأنه أن يعجل من خراب هذه البلاد.

إن هؤلاء الأطر لهم قدرة عجيبة في تبديل جلودهم وفي تبديل ولائهم. هم آخر من يودع الرئيس المطاح به، وهم أول من يوالي الرئيس الجديد.

يذهب رئيس قديم ويأتي رئيس جديد، ومع ذلك فلا تتبدل وظائفهم بل على العكس، فإنهم يترقون في وظائفهم مع سقوط كل رئيس كانوا قد بالغوا في التصفيق والتطبيل له!!

من مقال قديم تحت عنوان: "في موريتانيا هناك كارثة اسمها الأطر" منشور قبل عقد من الزمن، وتحديدا في يوم الاثنين الموافق 1 يونيو 2015.

(2)

من النادر جدا أن يتم الحديث عن المخاطر التي تتعرض لها الأنظمة الحاكمة من داخلها، وجرت العادة أن ينحصر الحديث عن تهديد المعارضة كلما كان هناك حديث عن المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة، وفي ذلك خطأ كبير لأن التجارب أثبتت في الماضي ـ وما تزال تثبت في الحاضر ـ أن من أشد المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة هي تلك المخاطر التي تأتي من داخلها.

وإذا ما تحدثنا بشكل مجمل وعام عن الأنظمة الحاكمة، فيمكن القول بأن من يهددون الأنظمة الحاكمة من داخلها يمكن تتبعهم وتحديدهم من خلال الصفات أو المواصفات التالية:

1 ـ كبار الموظفين الذين لا يؤدون المهام الموكلة إليهم، ويتهربون من واجبهم الوظيفي، ولكنهم ـ وللتغطية على فشلهم في أداء واجبهم ـ يبالغون كثيرا في إظهار الولاء الزائف للرئيس؛

 2 ـ الموظفون الذين يضعون مصلحتهم الخاصة فوق مصلحة النظام والمصلحة العليا للبلد؛

 3 ـ الموظفون الذين ينخرطون بقوة في الأحلاف أو اللوبيات المتصارعة داخل الأنظمة الحاكمة، والذين يجعلون في كثير من الأحيان خصوماتهم مع بعضهم البعض فوق خصوماتهم مع معارضة تلك الأنظمة أو مع أي جهة أخرى يمكن أن تعادي تلك الأنظمة؛

4  ـ الموظفون الذين لا يملكون الكفاءة والأهلية لتأدية المهام الموكلة إليهم، هذا النوع من الموظفين يشكل خطرا مستديما على النظام الحاكم، حتى وإن كان صادق الولاء وشديد الإخلاص للنظام؛

5  ـ الموظفون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا من الإنجازات إلى رصيد الحكومة، أو السياسيون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا سياسيا للنظام، وإنما يقتاتون فقط من رصيد الرئيس ويسحبون منه باستمرار ودون أي إضافة؛

6  ـ الموظفون الذين يتغنون علنا بشعارات النظام (كتقريب خدمات الإدارة من المواطن مثلا)، ويقومون ببعض الأعمال المسرحية لتأكيد أنهم يقربون خدمات الإدارة من المواطنين، ولكنهم عند أي اختبار جدي يظهر زيف ادعائهم ذلك، وينكشف مدى احتقارهم للمواطنين.

من مقال سابق تحت عنوان: " هؤلاء هم الأكثر خطورة على الأنظمة الحاكمة!" منشور يوم الجمعة الموافق 02 سبتمبر 2022.

(3)

إن الموظف الذي يؤدي مهامه على أحسن وجه هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والموظف الذي لا يؤدي واجبه اتجاه المواطن هو أخطر معارض لرئيس الجمهورية، حتى وإن أطلق ألف مبادرة ومبادرة.

إن الدعاية السياسية للنظام التي يمكن أن يقدمها مدير شركة الكهرباء أو شركة الماء مثلا من خلال العمل على عدم انقطاع خدمتي الماء والكهرباء عن المواطن، ووصولهما إليه على أحسن وجه وبأفضل الأسعار ...إن الدعاية السياسية للنظام من خلال تحسين خدمات الماء والكهرباء لهي خير من كل ما يمكن أن يقوم به حزب الإنصاف وكل النواب التابعين له من دعاية لصالح النظام، ولمأمورية كاملة.

وإن تعثر خدمات الماء والكهرباء سيؤديان إلى سخط المواطن، وسيكون تأثيرهما السلبي أكثر خطورة مما يمكن أن تقوم به المعارضة إن اجتمعت عن بكرة أبيها في صعيد واحد، واستمرت في نقد النظام ولمأمورية كاملة.

أيها الطبيب إذا كنتَ داعما بحق للرئيس فكن قريبا من المرضى وجاهد في خدمتهم، فذلك هو الدعم السياسي الحقيقي والمثمر للرئيس.

نفس الشيء يمكن أن نقوله عن المعلم والأستاذ وبشكل عام عن الموظف أينما كان، وخاصة إن كان يعمل في قطاع خدمي أو إنتاجي يتأثر به المواطن بشكل مباشر..     

ادعموا الرئيس بأداء واجبكم الوظيفي على أحسن وجه، فذلك هو الدعم الحقيقي. أما إذا قصرتم في أداء واجبكم الوظيفي فلتعلموا أنكم من أخطر معارضي الرئيس حتى وإن أطلقتم عشرات المبادرات الداعمة.

من مقال سابق تحت عنوان: " أفكار لدعم الرئيس" منشور يوم الأربعاء الموافق 17 أبريل 2024.

(4)

أطلق فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، اليوم من مدينة النعمة، برنامجا استعجاليا لصالح 11 ولاية، بميزانية تقديرية تصل إلى 260 مليار أوقية قديمة، ستستفيد منه 223  بلدية، وسيتدخل في 2300 مدينة وقرية.

يأتي إطلاق هذا البرنامج في إطار زيارة رئاسية هي الأولى من نوعها في تاريخ البلد، الأولى من حيث المدة، ومن حيث حجم المشاريع التي سيتم إطلاقها، ورغم أهمية هذه الزيارة إلا أنها تتعرض الآن للتشويش من طرف أطر الولاية، وهو ما قد يتسبب في التقليل من رمزيتها المعنوية، وأثرها التنموي، ويظهر ذلك التشويش من خلال:

1 ـ بدلا من التنافس في إبراز أهمية الزيارة وحجم المشاريع المنتظرة، ينشغل الأطر بالتنافس الإعلامي حول من هو أكثر حضورا وشعبية في الولاية، فهذا موقع يكتب أن الإطار الفلاني أثبت أنه رجل الحوض الشرقي الأول، وتلك منصة تكتب أن حلف الإطار الفلاني هو الحلف الأقوى في الولاية، وهذا مدون أو مجموعة من المدونين تزعم أن الإطار الفلاني أثبت بالفعل أنه يستحق ثقة رئيس الجمهورية الممنوحة له، وهكذا...

2 ـ تهدف هذه الزيارة إلى الاطلاع الميداني على أحوال المواطنين والاستماع إليهم عن قرب، لكن الأطر القادمين من نواكشوط يحولون دون ذلك، إذ يزاحمون السكان المحليين ويحرمونهم من لقاء الرئيس وطرح همومهم.

وإن التقى أحد هؤلاء الأطر بالرئيس، فإنه لن يحدثه عن مشاكل الولاية، بل عن مصالحه الخاصة: تعيين، صفقة، أو امتياز شخصي آخر من أي نوع.

3 ـ يُكثر الأطر من القول إنهم جاؤوا “لإنجاح الزيارة”، وكأنها لن تنجح إلا بقدومهم، بينما الحقيقة هي أنهم يُسهمون في إفشالها عبر حجب المواطنين عن الرئيس. من يريد حقا إنجاح الزيارة من أطر الولاية، عليه أن يواصل عمله في نواكشوط، وليترك فخامة الرئيس يلتقي بسكان الولاية المقيمين فيها، والذين لن يغادروها بعد انتهاء الزيارة، خلافا للوافدين إليها مؤقتا.

4 ـ إن ظهور أعداد كبيرة من السيارات الفاخرة في ولاية الحوض الشرقي لدى أطر يعرف الجميع مستوى رواتبهم، وبعضهم حديث العهد بالوظيفة، يعدُّ أخطر عملية تشكيك في الحرب التي يخوضها الرئيس ضد الفساد.

فمن أين لكم يا أطر ولاية الحوض الشرقي هذه السيارات الفاخرة وتلك المنازل الفخمة في الأحياء الراقية؟

لا أحد منكم يستطيع أن يتجرأ ويقول إنه اقتنى تلك السيارات الفاخرة وشيَّد تلك المنازل الفخمة من مدخرات راتبه.

5 ـ الأخطر من كل ذلك أن هذه المشاريع التي ستنجز في الولاية لن تحسب للدولة ولا لفخامة الرئيس، فكل قرية ستقول هذه المدرسة أنجزها لنا ابننا فلان، وتلك المضخة أنجزها ابننا فلان وهكذا..

إن الأطر في الولايات الداخلية يحاولون دائما أن يوهموا سكان قراهم ومدنهم بأنهم هم من تدخل لتشييد هذه المدرسة أو ذلك المركز الصحي أو تلك المضخة، وهكذا يُغيَّب دور الدولة ويُضعف حضورها في وعي المواطنين. فإذا لم تُنسب تلك المشاريع إلى الدولة، فلتُنسب على الأقل إلى فخامة الرئيس صاحب المبادرة في إنجازها.

تنبيهان

التنبيه الأول: ما قلته هنا عن أطر ولاية الحوض الشرقي ينطبق تماما على أطر كل ولاية من ولايات الوطن. إن الذي جعلني أقتصر على أطر هذه الولاية هو أنها هي الولاية التي يزورها حاليا فخامة الرئيس. 

التنبيه الثاني: أعلم أن بعض الأطر سيقول إن هذا كلام معارض، وهذا قول غير صحيح ولا يستقيم. لن أقبل أن يدعي أي شخص في الأغلبية مهما كان موقعه فيها، بأنه أكثر صدقا ولا إخلاصا منِّي في دعم فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، فأسباب دعمي له كثيرة، ولا يتسع هذا المقام لتعدادها ولا لبسطها.

إن صدق دعمي لفخامة الرئيس هو ما دفعني بالضبط لكتابة هذا المقال ونشره في مثل هذا الوقت بالذات.

حفظ الله موريتانيا...