الخميس، 3 أبريل 2025

سفر مع كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب"


حظيتُ بأن تسلمتُ ـ منذ أسبوعين ـ نسخة من كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب"، وقد سلمني النسخة مؤلف الكتاب، الكاتب والإعلامي الزاهد في الأضواء عبد الله محمدُّ، والذي يظهر زهده في الأضواء، إذا ما اكتفينا فقط بإلقاء نظرة سريعة على كتابه، من خلال تسميته للكتاب بالكراس، وكتابة اسمه على غلاف الكتاب مجردا من أي صفة، وغياب سيرته الذاتية عن غلاف الكتاب، وقد جرت العادة أن تتضمن الكتب سِيَّر مؤلفيها.

بعد أسبوعين من استلام الكتاب، سافرتُ إلى مدينة لعيون لقضاء عطلة عيد الفطر المبارك هناك، وشكلت تلك الرحلة فرصة مناسبة لقراءة الكتاب، فأكملتُ قراءته وأنا في سيارة انطلقت بنا فجر آخر يوم من شهر رمضان من العاصمة نواكشوط، لتصل قبيل الإفطار إلى مدينة لعيون.

ومن قبل قراءة الكتاب، تولَّدَ لديَّ انطباع أو حكم أولي عليه، وهذا يحدث معي دائما، وارتكز الحكم الأولي في جانبه الإيجابي على إعجاب شخصي بالمؤلف، وهو إعجاب تشكل بالنسبة لي في زمن كانت تعدُّ فيه الإذاعة من أهم روافد الإخبار والتثقيف، وفي ذلك الزمن كان صوت الصحفي عبد الله محمدُّ من الأصوات المميزة التي أحب سماعها دائما.

أما الجانب السلبي في ذلك الحكم الأولي، فقد تمثل في الانطباع الذي تركه في نفسي عنوان الكتاب، وغلافه الأسود، والصورة الملتبسة لأحد الجلادين على خلفية غلافه، فالكتاب ـ وكما يُقال ـ يُعرف من عنوانه، وقد بدا لي ـ من قبل قراءة الكتاب ـ أن المؤلف قد بالغ كثيرا عندما اختار هذا العنوان القوي جدا، والغلاف الأسود للكتاب، وكأنه أراد بذلك أن يغري القراء بقراءة الكتاب، أو أراد في فرضية أخرى، أن  يُضَخم من حجم التعذيب الذي تعرض له البعثيون في السجون عندما اعتقلوا في شهر مارس من العام 1982، ولم يفرج عن بعضهم إلا بعد انقلاب معاوية في نهاية العام 1984.

من المعلوم بداهة، أنه لا وجه للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، ولا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولكن ذلك لا يمنع من استخدام مصطلحات دنيوية لتقريب ما قد يلاقي الشخص من نعيم أو عذاب في الآخرة، والعكس صحيح، فهو لا يمنع كذلك من استخدام مصطلحات أخروية لتقريب بعض صور العذاب أو النعيم في الدنيا، إذا ما تجاوز أحدهما الحدود العادية أو المعهودة عند الناس، فهل تجاوز تعذيب البعثيين بعد اعتقالهم في العام 1982 حدود تعذيب السجناء السياسيين المتعارف عليها في ذلك العهد، حتى يَحُقَّ للمؤلف أن يستدعي ملائكة العذاب لوصف سجاني البعثيين في تلك الفترة من تاريخ البلد؟

بالنسبة للمؤلف فإن الجواب محسوم بنعم، وقد أكد ذلك في الكتاب، وفي أكثر من موضع، حيث قال في موضع: "ما تعرض له السجناء من أهوال ومن ترهيب وتعذيب وتجويع وانتهاك للكرامة، كان أمرا غير مسبوق في هذا البلد"، وقال في موضع آخر: "إذا أضيف إلى كل ذلك، التعذيب البدني الذي مورس بشكل غير مسبوق في تاريخ البلد".

أما بالنسبة لي فلم أقتنع في بداية الأمر أن تعذيب البعثيين تجاوز تلك الحدود المتعارف عليها في تلك الفترة، ومع ذلك، وبعد قراءة الكتاب كاملا، تفهمتُ كثيرا دوافع اختيار المؤلف لهذا العنوان، واستحضاره لملائكة العذاب، فالعنوان قد جاء في الأصل على لسان أحد المعتقلين البعثيين (باب الغوث)، جاء في ردٍّ ساخر له على سجانه، وذلك عندما سأله ذلك السؤال الساذج والمستفز والسخيف حسب تعبير المؤلف، والذي كان يتكرَّر مع كل السجناء: هل تعرف من نحن؟ فأجاب باب الغوث متهكما : أجل إنني أعرف من تكونون ..إنكم ملائكة العذاب!.

ويشفع للمؤلف في اختيار هذا العنوان ـ بالإضافة إلى وُرودِه على لسان أحد المعتقلين ـ أن عملية الاعتقال في صفوف البعثيين، والتي وصلت في أيامها الأولى إلى أكثر من 1000 موقوف، كانت تبدأ بالترهيب النفسي "عن طريق الاعتقال العنيف والمفاجئ في ساعات متأخرة من الليل، حين تكون الانفس تخلد إلى الراحة متمتعة بسكينة الليل ونعمة النوم.. يقتحم رجال الشرطة في ساعات السحر المنازل، يكسرون الأبواب أو يقفزون من فوق الجدران، فيروعون الأطفال والنساء، وينقضون على ضحاياهم، ويبدؤون بتفتيش الأشخاص والغرف والخزانات، ويتعمدون إثارة الضجيج والفوضى في كل مرافق البيت ومتاعه". بعد محطات مؤقتة نُقِل السجناء إلى مقر الهندسة العسكرية، ووزعوا على غرف في غاية الخشونة، لا توجد بها إلا أسرة حديدية، وأسمال متناثرة، دون أن تكون هناك حشايا أو وسائد، وقد كانت هذه الغرف تستضيف فيما سبق سجناء جبهة البوليساريو، وقد توفي البعض منهم فيها، بسبب المرض، وخاصة السل والبربري، وربما التعذيب، وقد دفنوا بجوارها، حسب ما سمع المؤلف بعد ذلك، ونقل في كتابه.

ألقيَّ السجناء البعثيون عرايا في تلك الغرف الخشنة والباردة، وبقوا هناك لفترة طويلة، ومضى الوقت بطيئا بلياليه وأيامه، وهم على ذلك الحال، يقول المؤلف: "ونحن على ذلك الحال، نعيش في عزلة، لا نرى النور إلا حين يفتح السجان ليسكب قليلا من الماء في علب بالية غير نظيفة من علب الحليب، سبق أن أدخلوها كأوان إلى الغرف. كنا نحاول الصلاة دون وضوء وفي لباس لا يستر إلا العورة المغلظة".

كانت زنزانة المؤلف مجاورة للغرفة التي اتخذها السجانون مكتبا للتحقيق، وهو ما مكنه من أن يسترق السمع للاستجواب والتعذيب الذي كان يتعرض له زملاؤه في جلسات التحقيق والتعذيب، وكان مما ذكر: "سمعتُ من ضمن ما أسمعه كل ليلة، مما لا يرضى ولا يسر من آهات وأنات وألم، صرخات تطلقها إحدى الفتيات المعتقلات في تلك الساعة المتأخرة من الليل البهيم، وهي محاطة فيما يبدو برجال الشرطة المقنعين ممن يفترض فيهم أصلا حماية شرف وكرامة المواطنات الشريفات، كانت تصرخ وأحيانا تذكر الله، وأحيانا تخف الأصوات، لا تسمع إلا همسا، واحيانا تعلو فيزمجر "القائد" ويرعد ويزبد ويهدد ويعد بالويل والثبور وعظائم الأمور.."

ثم يواصل المؤلف في نقل ما كان يسمع في تلك الليلة: "صدرت الأوامر فظة غليظة إلى الجند الأشاوس أن افعلوا بفلانة كما فعلتم بفلانة.."

ثم يضيف: "لحسن الحظ، لم ينفذ الجنود الأوامر، على الأقل لم نسمعهم يفعلون، ولم نسمع فيما بعد أنهم فعلوا، هل لأن الأوامر كانت فقط للتخويف، أم أن الجنود تورعوا، أم أن الأمر قد تم بدون علمنا وأحيط بالسرية؟ الله أعلم."

 إن من طالع الكتاب، لابد وأن يتفهم وجاهة اختيار المؤلف لهذا العنوان القوي، واستحضاره لملائكة العذاب، ويتأكد الأمر عندما يتوقف مع حالات محددة من التعذيب، وقد اتخذ التعذيب عدة أنماط وأشكال عددها المؤلف في كتابه، ولا يتسع هذا المقام لبسطها، ومن تلك الحالات حالة الصحفي محمد حرمة ولد محفوظ الذي سكب السجانون على ساقه زيتا أو حمضا حارقا، يقول المؤلف: "فصرخ صرخة مدوية من شدة الألم.. شاهدته بعد ذلك، وكان جلده قد تقشر، وتلفت بعض أنسجته وتحولت إلى بقع بيضاء تحتل مساحة كبيرة، وبالطبع أعاقه ذلك عن المشي، وعانى آلاما لمدة طويلة من الزمن."

ويضيف المؤلف: "بعد العلاج ومرور فترة طويلة على تلك الحادثة، ما يزال الأخ محمد حرمة، يعاني تبعات عملية الحرق: آلاما وصعوبات في المشي، وتقشرا، وانسلاخ جلده عن المناطق المحروقة، وتحولها إلى بقعة بيضاء مثل البرص".

ومن تلك الحالات المحددة التي قد تشفع للمؤلف في اختيار هذا العنوان القوي، ما تعرض له من وصفه المؤلف في كتابه بأنه شخص عادي من عامة الناس، ليس له أي مركز قيادي في التنظيم، ويعتقد المؤلف بأنه لم يبلغ مرتبة العضوية الكاملة في فرع حزب البعث في موريتانيا.

يقول المؤلف في كتابه، إن المرحوم يمهلُ ولد ختاري، انتزعت ثيابه ذات ليلة ليلاء، "وأمسك رجال أشداء أطرافه الأربعة، وأخذوا يشوونه على ذلك الجمر (كميات كبيرة من الجمر الملتهب)، كما تشوى الدجاجة أو الشاة، يقلبونه على جنبيه وبطنه وظهره، حتى نضُج اللحم وغاب الرجل عن الوعي".

يروي المؤلف أن رائحة الشواء التي كانت تزكم أنوفهم في تلك الليلة، لم يكونوا يعلمون من أين تأتي، ولم يدر بخلدهم أن لها علاقة بتعذيب أحد السجناء، فهذا أمر لم يكن بالمقدور تصوره، وبعد أن تكشفت الفاجعة يقول المؤلف، سنعلم أن الضحية كان قد أنذر الجلادين بأنه إذا تعرض للتعذيب، فإنه سيصوم عن الكلام، ولن ينبس ببنت كلمة حتى ولو مزقوه إربا إربا، وقد أنجز الحر ما وعد، كما يقول الكاتب الذي وصف هذا السجين البعثي ب"البطل المُبْتلى"، واعتبره بمثابة "أيوب أبي اغريب الموريتاني".

لقد بقي هذا البطل المُبتلى ـ حسب ما جاء في الكتاب ـ "زهاء ستة أشهر جالسا لا يستطيع الاضطجاع، وقد ألبس من الضمادات ما جعله يبدو مُكَفنا وهو حي، ولم يكن أحد يتوقع أن ينجو مما أصابه، بل إننا توقعنا موت الكثيرين، ولكنها عناية الله.. لقد طال التعذيب، واشتد المرض، وانسدت الآمال في حصول تغيير، وكاد القنوط يسيطر على الجميع لدرجة أن البعض منا كان يقول: ما أشد تمسكنا بالحياة، وما أقوى أبداننا، أمع كل هذا التعذيب والجوع والمرض، لا أحد يموت، فلو مات البعض لعلم الرأي العام، وتدخلت منظمات حقوق الإنسان، وانفرج الحال."

كان هناك تعتيم كامل على ما كان يجري خلال تلك الأشهر من تعذيب وتنكيل بالسجناء البعثيين، ولم يكن ذوو السجناء يعلمون عنهم أي شيء، وسيطلع فيما بعد الرأي العام الوطني والدولي على حقيقة بعض ما جرى، عن طريق المؤلف، وبصدفة عجيبة وغريبة.

بعد حادثة الشواء، يقول المؤلف: " حُمِل السجين إلى زنزانته بين الحياة والموت، وبعد أيام ساءت حالته وحالة ثلاثة آخرين من الذين تعرضوا للتعذيب، فاستدعي طبيب عسكري لمعاينتهم، وسمعتُ خلسة، جانبا من حديثه لأعضاء فرقة التعذيب، يقول لهم، هؤلاء الأشخاص الأربعة لشدة ما حاق بهم، ليس من الممكن علاجهم هنا، فحالاتهم بالغة الخطورة، إذا كنتم تريدون قتلهم فاحتفظوا بهم هنا، وإلا فلا علاج لهم إلا في المستشفى. وبعد مغادرة الطبيب العسكري، أحضروا ممرضا عسكريا وكان رجلا طيبا بذل جهده لمعالجة الضحايا لكنه لم يفلح، وساءت الأحوال، فاضطروا لنقلنا جميعا إلى المستوصف العسكري."      

في تلك الفترة كان المستشفى أو المستوصف العسكري هو المرفق العسكري الصحي الوحيد، كما يروي المؤلف، وكان يقع في الجهة الغربية من مقر القيادة العامة لأركان الجيوش، وكان هذا المستوصف يُدار في ذلك الوقت من طرف ضابطين فرنسيين، أحدهما برتبة رائد وهو الطبيب الرئيسي، والثاني مساعده برتبة نقيب.

جيء بالسجناء الأربعة إلى المستوصف في أوقات مختلفة، دون أن يعلم أحدهم بالآخر، وكان اثنان منهما مصابان بالسل الرئوي الحاد ( المؤلف أحدهما)، والاثنان الباقيان أحدهما هو الذي تعرض للحرق بالحامض، والثاني هو الذي تعرض لعملية الشواء على الجمر.

وُضِع السجناء الأربعة في أماكن منفصلة، ولم يكن يُسمح لأي كان بأن يتحدث مع أي أحد منهم، وكانت الرقابة مشددة جدا، وكان الحراس يرافقونهم إلى دورة المياه، وإلى الطبيب أثناء الفحوص.

يقول المؤلف: "وذات يوم كان الطبيب الرئيسي يفحصني، وينظر في نتائج فحصي المخبري، وكان يتبادل الآراء مع مساعده فقال له: إنهم لحسن الحظ شباب أقوياء، ولذلك فهم يتحسنون بسرعة، رغم خطورة إصابتهم.. يا للتخلف بدل توظيف قوتهم فيما يفيد، ها هم يدمرون أنفسهم، ويثيرون الفتن بسبب المراعي والآبار وما إلى ذلك، أجابه مساعده: لو أنهم يفهمون الفرنسية لبينا لهم أن مرضهم يحتاج إلى عناية تامة لمدة سنة كاملة على الأقل. وربما إذا أفرج عنهم، وتماثلوا قليلا للشفاء، عادوا إلى صراعاتهم القبلية.. قاطعته قائلا (المؤلف):

ـ من تعني؟ أجاب بتعجب وارتباك واضح ودهشة : هل تفهم الفرنسية؟

ـ نعم

ـ حسن، حسن جدا، ردداها معا؟

ـ لماذا تتقاتلون باسم القبائل على الماء والكلأ؟

ـ لابد أنكم مخطئون يقول المؤلف نحن بعيدون كل البعد عما وصفتم، نحن سجناء رأي تعرضنا للتعذيب لمدة شهور، وما ترونه هو بعض آثار وانعكاسات ذلك!

شكل ذلك الحوار بداية لتسريب معاناة السجناء البعثيين للرأي العام الوطني والدولي، فبعد عدة جلسات استماع، أعد الطبيبان تقريرا، وأرسلاه إلى منظمة العفو الدولية، فنشرت المنظمة مضمون التقرير، منذرة الحكومة الموريتانية بأنها ستواجه عواقب وخيمة وحملة تنديد واسعة النطاق، إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

فوجئت الحكومة بالتقرير، واستاءت منه، وأبعدت الطبيبين الفرنسيين، ولكنها في المقابل، خففت على المعتقلين، وأطلقت سراح البعض منهم، وعجلت بمحاكمة البعض الآخر، وكان المؤلف من ضمن الفئة الثانية من حيث قسوة الأحكام، وهي فئة تتألف من تسعة سجناء حُكِمَ على كل واحد منهم، بالسجن لعشر سنوات نافذة مع الأعمال الشاقة، ومصادرة الممتلكات.    

تلكم كانت بعض الصور من التعذيب البدني للبعثيين الذين اعتقلوا في العام 1982، استعرضها المؤلف في كتابه، وكان هناك تعذيب من نوع آخر(التعذيب المعنوي)، والذي يعتبره المؤلف أقسى وأشد من التعذيب البدني، ففي فقرة من الكتاب يقول المؤلف: "إن الآلام التي ترتبت على توصيفنا بتلك الصفات المشينة من خلال التهم الموجهة إلينا، كانت أشد وأنكى من كل الآلام البدنية التي تعرضنا لها على أيدي الجلادين، فقد تضمدت الجراح على الأجسام والأبدان والتأمت، وظلت جراح الدعاية السامة، نازفة غائرة في الأنفس".  ومن صور التعذيب المعنوي ـ حسب المؤلف ـ  اتهام البعثيين بالعمالة للأجنبي، وتلقي الدعم من الخارج، وقد حاول المؤلف أن يفند تلك الاتهامات في أكثر من موضع أو محطة من الكتاب.

يقول المؤلف في واحدة من تلك المحطات: "وبخصوص هذه الحيثية بالتحديد، أقدم من خلال هذه السطور شهادة للتاريخ لا مطعن فيها، وهي أني لم استلم في أي يوم من الأيام فترة انضمامي للحزب، ولا قبلها ولا بعدها، فلسا واحدا من العراق أو غيره، ولم أر الحزب يقدم الأموال لأي من أعضائه، بل على العكس من ذلك، أنا وغيري من الرفاق من أصحاب الرواتب، كنا نقدم المال للحزب من رواتبنا، ونساهم في مساعدة الأغلبية الساحقة من البعثيين الفقراء، وأكثر من ذلك لم اطلع، وأنا كنتُ في مراكز متقدمة من العمل الحزبي والجماهيري، على أن الحزب قدَّم في أي يوم من الأيام، أية أموال لشراء ذمم الناس".

وفي هذا الإطار يتساءل المؤلف: " هم يزعمون أن البعثيين، يهددون المجتمع بأفكارهم المستوردة، فلماذا لا تنطبق نفس المعايير على دعاة التغريب من أتباع الليبرالية الوحشية ولفرانكفونية أو الزنجوية..أكانت هذه الأفكار وحيا من السماء، أو قطاف زرع موريتاني؟".

وبخصوص السعي للاستيلاء على السلطة، يقول المؤلف بأن البعثيين لم يكونوا طلاب سلطة، ودليله على ذلك: "أن البعثيين كانوا من الناحية اللوجستيكية قادرين على استلام السلطة بسهولة ويسر، ومن دون إراقة الدماء، وربما حتى من دون إعلان حالة استنفار أو حالة طوارئ، فأعضاء من الحزب وعناصر منه، كانوا يشغلون الكثير من مناصب التحكم الحساسة في الدولة، وكان ميزان القوى لصالحهم، وكذلك كونهم يوم 16 مارس، حكموا البلد وظلت السلطة بين أيديهم لمدة ساعات طويلة، ولكنهم تأففوا عن الاستيلاء عليها، وتركوها لمن كانت آئلة إليه، وهذه حقيقة يعرفها كل الذين كانوا مُطَّلِعين على خفايا الأمور، في ذلك اليوم وفي تلك المرحلة".

 ويؤكد المؤلف في موضع آخر: " أصبح الانطباع السائد هو أن البعث بعد 16 مارس، يسيطر على الوضع لدرجة أن بعض الدبلوماسيين الأجانب، وبالذات من السفارات الغربية، كانوا يغازلون البعثيين ويترددون إليهم، بل أكثر من ذلك يكاشفونهم بالاستعداد للتنسيق معهم في حالة ما إذا قرروا تغيير النظام واستلام الحكم، وفي فترة لاحقة اتصل بي شخصيا القائم بالأعمال في سفارة إحدى الدول الغربية الكبرى، وزارني في مكتبي، وأخبرني بكل صفاقة، استعداد بلاده لدعم أية جهة تقرر تغيير النظام".

كانت تلكم بعض صور التعذيب بشقيه البدني والمعنوي، التي أوردها المؤلف في كتابه "في ضيافة ملائكة العذاب"، وتبقى هناك جملة من النقاط المختصرة ذات الصلة بالتعذيب، قد يكون من المهم التوقف معها، أو الإشارة إليها على الأقل:

1 ـ أن مناضلي كل الحركات الإيدولوجية والتنظيمات السياسية تعرضوا للاعتقال   والتعذيب، في فترات مختلفة من تاريخ موريتانيا، وبخصوص هذه الفترة بالذات فقد تعرض الناصريون للسجن والتعذيب مع البعثيين، وكان هناك من توفي في تلك الاعتقالات؛

2 ـ كل الحركات الإيديولوجية والتنظيمات السياسية دفعت أثمانا باهظة، وقد تعرض العديد من المنخرطين فيها للكثير من التعذيب والتنكيل، وهذا ما على الأجيال الحالية أن تعلمه، ومع ذلك فإن الأثر الإصلاحي على أرض الواقع  لكل تلك التضحيات الكبيرة التي قدمتها الحركات الأيدولوجية بمختلف انتماءاتها كان دون المستوى، وذلك أمرٌ مُحَيِّر. فبماذا يُفَسَّرُ هذا التناقض الكبير أو هذه الفجوة الكبيرة بين حجم التضحيات الكبيرة التي قدمتها الحركات الإيديولوجية، والأثر الإصلاحي الهزيل على أرض الواقع لتلك التضحيات الكبيرة؟؛

3 ـ لم تسلم مختلف المكونات الوطنية والحركات والتنظيمات السياسية من عنف الدولة، فالكل كان ضحية لعنف الدولة وأنظمتها الحاكمة، ولكن بعض ذلك العنف تم التركيز عليه دون غيره، ربما سعياً لإلصاق تهمة العنصرية بالدولة.

ومن قبل أن أنهي هذا التعليق على كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب"، فلابد من لفت الانتباه إلى نقطتين أراهما مهمتين وردتا في الكتاب، مع أنه لا علاقة لهما بالتعذيب، أولهما أن مؤلف الكتاب كان داخل الإذاعة يوم 16 مارس 1982، وقدم رواية مفصلة لما حدث داخل الإذاعة في ذلك اليوم، وهي رواية تختلف تماما عن الرواية الشائعة عند الناس، لما حدث في ذلك اليوم داخل الإذاعة.

أما النقطة الثانية، فإنها تتعلق بحملات التطوع التي أطلقها النظام الحاكم في تلك الفترة، وقد تحدث عنها المؤلف بشيء من التفصيل في كتابه، ومما لاشك فيه أن إطلاق تلك الحملات كان من الناحية النظرية عملا وطنيا في غاية الأهمية، ولا يختلف من حيث الأهمية عن حملات محو الأمية والمطالعة من خلال تشييد دور الكتاب التي سَتُطلق فيما بعد في عهد الرئيس الموالي، ولكن اللافت في هذا الأمر، وخصوصا في حملة محو الأمية التي كنتُ شاهدا على تحولها إلى عمل مسرحي، أن النسبة السنوية للقضاء على الأمية من قبل تلك الحملات، ومن قبل تأسيس وزارة خاصة بمحو الأمية، كانت أعلى من نسبة القضاء عليها بعد أن أصبحت لدينا وزارة لمحاربة الأمية، وبعد أن أطلقت حملات واسعة لمحو الأمية. 

فلماذا تأتي دائما هذه الحملات التي تنفق عليها أموال طائلة، وتبذل فيها جهود كبيرة، بنتائج سلبية؟

حفظ الله موريتانيا..

الثلاثاء، 1 أبريل 2025

الأنانية في العلاقات بين الدول


في العلاقات الإنسانية هناك أشخاص أنانيون، إن لم أقل لؤماء، وهؤلاء عندما تقدم لأحد منهم خدمة بشكل تطوعي مرة أو مرتين، قد يعتقد بعد ذلك أن من واجبك أن تستمر في تقديمها له، وعندما تتوقف عن تقديمها له أو لغيره   ينتقدك أولئك بألسنة غلاظ شديد لأنك توقفت عن تقديم خدمة لم يكن من واجبك أصلا أن تقدمها لهم، وإنما تطوعت بتقديمها لهم.  

شيء كهذا قد يحدث في العلاقات بين الدول، فموريتانيا مثلا فتحت حدودها للمهاجرين غير النظاميين القادمين من دول شقيقة، واستمرت في ذلك لعدة سنوات، وعندما وصل الأمر إلى مرحلة الخطر، وأصبح تدفق المهاجرين يهدد البلاد أمنيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طلبت موريتانيا من مهاجري تلك الدول أن يصححوا وضعياتهم القانونية، وأمهلتهم مهلة طويلة بل طويلة جدا، واتاحت لهم الفرصة لأن يصححوا تلك الوضعيات بشكل مجاني، ومع ذلك رفضوا بكل استهتار واستفزاز أن يصححوا وضعياتهم.

ولما قررت موريتانيا مؤخرا أن ترحل بعضهم إلى بلدانهم التي جاؤوا منها، خرجت بعض حكومات تلك البلدان لتعبر عن قلقها، فبأي منطق تتصرف تلك الحكومات بذلك التصرف المستهجن، وهل أصبحت تلك الحكومات تعتقد أن من واجب موريتانيا أن تستضيف المهاجرين غير النظاميين القادمين من تلك البلدان؟

وهل أصبحت موريتانيا مجبرة على أن تأويهم دون تسوية أوضاعهم حتى لا تشكل عودتهم إلى بلدانهم الأصلية ضغطا على حكومات تلك البلدان؟

المستفز في الأمر أن بعض المواطنين الموريتانيين يدعمون تلك الحكومات في موقفها الغريب هذا.

مرة أخرى أكرر : حذار من الالتفاتة إلى الوراء، فتلك الالتفاتة قد تكون قاتلة، ولتستمر بلادنا في ترحيل المهاجرين غير النظاميين، ولتستمر كذلك في الترحيب بالمهاجرين النظاميين الذين لا يرفضون تسوية وضعيتهم القانونية.

السبت، 29 مارس 2025

وهذه مغالطة أخرى سنُفشلها إن شاء الله..


بعد ردود أفعال بعض دول الجوار، والتي لم تكن موضوعية، حاول البعض أن يقول إن ردود الأفعال تلك جاءت نتيجة لحملات الشحن التي يقوم بها داعمو جهود السلطة الموريتانية للحد من الهجرة غير النظامية. 
يمكننا أن نرد بالقول على هؤلاء - وهذا القول أقرب للحقيقة - بأن من دفع فعلا بدول الجوار إلى اتخاذ ردود أفعال غير موضوعية، هم أولئك الموريتانيين الذين كانوا يتهمون السلطة الموريتانية خلال الأيام والأسابيع الماضية بالمعاملة غير الانسانية، والتهجير القسري للأجانب، ويتهمون كذلك المواطنين الموريتانيين الذين يرحبون بالمهاجرين النظاميين، ويرفضون بشدة بقاء المهاجرين غير النظاميين، ويدعمون الجهود الحكومية لترحيل كل مهاجر غير نظامي، يرفض - وبكل استفزاز - أن يصحح وضعه القانوني، يتهمونهم بالعنصرية ونشر خطاب الكراهية ضد الأجانب.
إن الموريتانيين الذين يقومون بذلك، إنما يمنحون للأجانب وحكوماتهم دليلا قويا، حتى وإن كان دليلا غير صحيح، بعنصرية الدولة الموريتانية، فأي دليل أقوى من "وشهد شاهد من أهلها، أي موريتانيا"؟ وتزداد قوة هذا الدليل لأن الشاهد ليس شخصا واحدا، وإنما مئات إن لم أقل آلاف "الحقوقيين" و"السياسيين" و"الإعلاميين" و"المدونين" الذين يبذلون اليوم جهودا كبيرة لإلصاق تهمة العنصرية وكراهية الأجانب بالدولة الموريتانية، ولا أدري ما مصلحتهم من ذلك؟
من حق الدولة الموريتانية أن تقف بحزم وقوة ضد تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أراضيها، وستجد السلطة دعما واسعا من الشعب الموريتاني بمختلف أطيافه ومكوناته في أي خطوة تتخذها في هذا الاتجاه.
إن كل من يمتلك نظرة استشرافية سيدرك بأن مستقبل بلادنا سيكون مظلما إن لم يتم وقف الهجرة غير النظامية بشكل حازم وحاسم. 
إذا لم يتم وقف الهجرة غير النظامية ( أما النظامية فمرحب بها في كل الأوقات)، وإذا ما استمر دخول المهاجرين غير النظاميين بالوتيرة التي عرفناها خلال السنوات الأخيرة، فلكم حينها أن تقرؤوا الفاتحة على استقرار موريتانيا وعلى أمنها وعلى بقائها دولة ذات سيادة.

الأربعاء، 26 مارس 2025

شكرا للسفير الفرنسي في بلادنا

أعجبتني كثيرا  كلمة سعادة السفير الفرنسي المعتمد في بلادنا السيد ألكسندر غارسيا التي ألقاها بلغة عربية جميلة على هامش توقيعه مع معالي وزير الاقتصاد والمالية لاتفاقية تمويل مشروع خط الجهد العالي نواكشوط - النعمة، ومحطة لإنتاج الطاقة الكهربائية بمدينة كيفة.

لقد قلتها سابقا في عدة مقالات إن فرنسا يجب أن تكون أقرب لبلدنا من كل الدول الغربية الأخرى، وأن علاقتنا معها يجب أن تكون أقوى من علاقاتنا مع أي دولة غربية أخرى، واللغة الفرنسية يجب أن تكون هي اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا بحكم العلاقات التاريخية، حتى وإن كانت تلك العلاقات على حسابنا في كثير  من الأحيان.

من مصلحة فرنسا، وفي ظل تراجع نفوذها في إفريقيا، أن تحافظ على علاقاتها القوية مع موريتانيا، ولن يتحقق لها ذلك في المستقبل إلا إذا قبلت - عن طيب خاطر -  بأن تكون لغتها هي اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا، ودون أي سعي لأن تنافس اللغة العربية ( اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية) في الإدارة، أو في أي فضاء عمومي آخر، فاستمرار سعي فرنسا لأن تحتل لغتها مساحة كان يجب أن تبقى حكرا للغة الرسمية لموريتانيا هو الذي قد يجعل بعض الموريتانيين يعادون اللغة الفرنسية، مع أن اللغات ليست أصلا محل عداء أو كره، ولكن استمرار  إحساس الموريتانيين بأن اللغة الفرنسية تحاول ان تغتصب مساحة في الإدارة لا يحق لها أن تغتصبها، لأنها مساحة كان يجب أن تبقى حكرا للغة الرسمية للبلد هو الذي  قد يتسبب في خلق ذلك العداء، وربما يتسبب ذلك مستقبلا في مطالبة الموريتانيين بإحلال اللغة الانجليزية محل اللغة الفرنسية، وجعلها هي اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا.

أذكرأني تلقيتُ في نهاية العام 2019 دعوة من السفارة الفرنسية في نواكشوط، وقلت لمن دعاني في السفارة بأنه ليست لدي أي مشكلة مع اللغة الفرنسية، وأني أرى أن هذه اللغة الجميلة تستحق أن تكون هي اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا.

ما زلتُ على هذا الرأي، وفي اعتقادي أن العمل به هو الذي سيضمن مصالح البلدين في الحاضر والمستقبل، فهو سيضمن لنا في موريتانيا تفعيل ترسيم اللغة العربية، وسيضمن لفرنسا بقاء لغتها حاضرة بقوة في موريتانيا، وذلك بصفتها هي اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا.  

مرة أخرى أسجل إعجابي بحديث سعادة السفير الفرنسي بلغة عربية جميلة في هذا النشاط الرسمي، وأرجو أن يُقَلِّده في ذلك بعض الموظفين الرسميين في موريتانيا، والذين لا يدركون أهمية وضرورة التحدث باللغة الرسمية للبلد في الأنشطة الرسمية التي يحضرونها.

محمد الأمين الفاضل

الأمين العام للحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية.

للاستماع للكلمة👇



الثلاثاء، 25 مارس 2025

لا تنحرفوا بالنقاش إلى مواضيع أخرى!


(1)

انتقاد النائب خالي جالو للنظام الحاكم في القناة السنغالية لم يكن من أقوى انتقاداته للنظام، بل إنه كان ينتقد النظام من داخل البرلمان الموريتاني بما هو أشد وأقسى، وكانت مداخلاته تبث عبر البرلمانية، وكان يُشاركها الكثير من المدونين الذين ينتقدوه الآن. المشكلة ليست في نقد النظام، والدليل على ذلك أن  كثيرا ممن ينتقدون النائب خالي جالو حاليا هم من معارضي النظام، وكان بعضهم يُشارك  من قبل مداخلات النائب التي تنتقد النظام من داخل البرلمان الموريتاني. 

في هذه النقطة دعونا نتفق على الحقيقة التالية: المشكلة ليست في محتوى المداخلة، ولا في نقد النظام، بل المشكلة تكمن في شيء واحد وهو المنصة التي اختارها النائب خالي جالو لينتقد من خلالها النظام؛

(2)

 موريتانيا والسنغال دولتان شقيقتان وجارتان، وتجمعهما الكثير من الروابط، لا خلاف على ذلك، ولكن ذلك لا يعني أن العلاقات بينهما لم تعرف في الماضي القريب أزمات كبيرة، ولا أحد نسي كيف كان يشوى الموريتانيون في الأفران في السنغال، ولا كيف كان يقتل السنغاليون هنا في موريتانيا، ولذا فمن الطبيعي جدا أن تنشأ حساسيات قوية بين البلدين بسبب تلك الأزمة لا أعادها الله.

فلو قَدِم اليوم نائب من البرلمان السنغالي إلى موريتانيا، واستضافته قناة صحراء 24 مثلا، وانتقد بلده من تلك القناة، وهذا لن يحدث أصلا لأنه لا يوجد نائب سنغالي سيقبل بذلك، ولا يوجد نائب سنغالي إلا ويعرف حساسية ذلك، حتى ولو كان من أشرس معارضي النظام الحاكم في السنغال، وهو إن فعل ذلك، فسيعتبره السنغاليون خائنا للسنغال، وحُقَّ لهم ذلك.

(3)

دعونا نفترض الآتي، أن أذهب أنا مثلا إلى أوروبا، أو إلى إحدى الدول العربية، وألتقي هناك بنواب أو مسؤولين حكوميين، وأبدأ في انتقاد بلدي، والتهجم على إحدى مكوناته من المكونات التي لا أنتمي إليها...تصوروا ماذا كان سيحدث لو فعلتُ ذلك؟ وتصوروا ماذا كان سيقول عني أولئك الذين يدافعون اليوم عن خرجة النائب خالي في البرلمان الأوروبي؟

(4)

 من المغالطات القول بأن الإعلام الموريتاني مغلق أمام النائب خالي جالو، فالنائب يتحدث من داخل البرلمان كغيره من النواب، وتنقل مداخلاته من خلال قناة البرلمانية، ويحظى باستضافة القنوات والمنصات المستقلة. وحده الإعلام الرسمي الفاشل قد لا يستضيفه، وليس ذلك تمييزا خاصا به، وإنما يشمل الجميع.

دعونا هنا نتوقف عن ترداد كذبة كبيرة مفادها أن النائب خالي جالو لم يجد منابر إعلامية في بلده، ولذا فقد لجأ إلى منابر إعلامية خارجية.

(5)

 أعرف جيدا أن المشاركة في هذا النقاش تخدم النائب خالي جالو كثيرا، فنحن في هذه البلاد نعاني من خلل كبير، وصناعة القادة السياسيين عندنا تتم بالتصريحات المستفزة، وبردود الأفعال عليها، وبما تستجلب من نقاشات أغلبها يكون في العادة تافها، فمن ينتقد الآن النائب خالي جالو إنما يُشارك في تسويقه وفي تسويق الخطاب الشعبوي والشرائحي الذي يضر الوطن أكثر مما ينفعه.

نعم أنا أعرف ذلك، ولكن في النهاية لا يمكنني أن اسكت عن موضوع شغل المدونين، ولا أسكت عن نائب ينتقد بلدي من منبر في دولة لدينا معها حساسيات معروفة حتى وإن كانت دولة شقيقة وجارة.

في النهاية هناك أسئلة أتمنى أن أجد عليها جوابا شافيا. أذكر أن النائب خالي جالو في مداخلته له أمام الوزير الأول اتهم السلطة بالتمييز ضد اللغات الوطنية، وقد طالب النائب في مداخلته بترسيم اللغات الوطنية.

هذا النائب الذي اتهم السلطة بالتمييز ضد اللغات الوطنية، هو نفسه النائب الذي رفض بشكل قاطع وحاسم وفي أول إطلالة له من داخل البرلمان أن يتحدث بلغته الأم ( إحدى لغاتنا الوطنية)، مع العلم أن الجمعية الوطنية توفر الترجمة من وإلى كل اللغات الوطنية، ولا توفرها لمن تحدث باللغة الفرنسية، والتي اختار النائب أن يتحدث بها متاجهلا لغته الأم.

فكيف لنائب وطني يدافع عن وطنه في كل المنابر أن يرفض أن يتحدث بلغته الأم في برلمان بلده، ويفضل عنها لغة أجنبية؟

سؤال آخر: لماذا كلما ازداد الشباب الإفريقي في دول الجوار كمالي والسينغال وبوركينافوسو والنيجر تحررا من فرنسا، وزاد من إظهار حجم عدائه لهذه الدولة المستعمرة، حصل العكس عندنا، من خلال إظهار بعض شبابنا المزيد من الولاء والتقديس لفرنسا، واختيار الحديث بلغتها عن الحديث بإحدى لغاتنا الوطنية من داخل البرلمان،  ليبقى بذلك  برلماننا هو البرلمان الوحيد في العالم الذي يمكن لأي كان أن يتحدث فيه بلغة أجنبية، تتراجع مكانتها بشكل واضح ومتسارع  في العالم وفي دول الجوار؟

الاثنين، 24 مارس 2025

على الجالية المالية في بلادنا أن تضبط بوصلتها


ارتكب ممثلو الجالية المالية في موريتانيا خطأ جسيما عندما قرروا زيارة الرئيس بيرام، وطرح مشاكهم عليه، والتي كان من بينها حسب قولهم: المعاملة غير الإنسانية، والترحيل دون اصطحاب الأمتعة، واقتحام المنازل وترويع النساء والأطفال..إلخ،  وارتكب الرئيس بيرام خطأ لا يقل جسامة عندما استقبلهم، وعبَّر ـ حسب المتداول إعلاميا ـ عن تفهمه لمطالبهم، وتعهد لهم بمتابعتها، والسعي لإيجاد حلول عادلة لها تحترم حقوقهم كمهاجرين.

أخطأ ممثلو الجالية المالية خطأ جسيما، فالعناوين التي كان عليهم أن يتوجهوا إليها لطرح مشاكلهم عناوين معروفة ومحددة، ولا يجوز تجاوزها ولو بأمتار معدودة، نظرا لحساسية أي تجاوز من ذلك القبيل، ولما قد يترتب عليه من الاعتداء على سيادة بلد شقيق استضافهم، ولم يقصر يوما  في حسن  ضيافتهم وإيوائهم، حتى وإن أسروا بعكس ذلك في أذن الرئيس بيرام.

لدى الجالية المالية في موريتانيا سفارة لبلدهم كان عليهم أن يطرحوا عليها مشاكلهم، وهناك مؤسسات حكومية محددة يمكن أن يتجهوا إليها إذا ما أردوا أن يتحركوا خارج سفارتهم، وإذا كانت هناك جهة غير حكومية يمكن أن يتجهوا إليها، فهي يجب أن تكون حصرا، لجان الصداقة الشعبية، أو فريق الصداقة البرلمانية الموريتانية المالية، والذي تأسس منذ عام تقريبا، ويرأسه النائب بالاَّ عبدو توري.

ليس من المقبول إطلاقا، أن تتجاوز الجالية المالية هذه العناوين المحددة لطرح مشاكلها، ولا يمكن تجاوز هذه العناوين المحددة  في الأعراف الدبلوماسية إلا إذا كان الأمر يتعلق  بنشاط  ديني أو ثقافي أو رياضي أو اقتصادي، فهنا يمكن للمقيمين الماليين وممثلي جاليتهم أن يزوروا ويتعاونوا مع جهات رسمية أو شبه رسمية أو حتى شعبية ذات صلة بتلك الأنشطة.  

نعم، لقد أخطأ ممثلو الجالية المالية في موريتانيا خطأ جسيما عندما قرروا أن يولوا وجوههم شطر شخصية سياسية لها أنصارها، ولها أيضا خصومها السياسيين، لطرح مشاكلهم، فبذلك يكونون قد انتهكوا سيادة البلد الذي يستضيفهم، وقد أقحموا جاليتهم في صراعات سياسية داخلية قد يتطاير إليهم بعض شررها، وليعلم ممثلو الجالية المالية في موريتانيا أن مشاكلهم إذا لم تزدد تعقيدا بعد هذه الزيارة، فالمؤكد أن حلولها لن تصبح أسهل بعدها.

لقد أخطأ ممثلو الجالية المالية في موريتانيا خطأ جسيما ، وعلى الحكومة الموريتانية أن تنبههم على ذلك الخطأ بالطرق التي تراها مناسبة، فمثل هذا الخطأ الجسيم يجب أن لا يمرَّ دون تنبيه، فهو إن مرَّ دون تنبيه ـ يُترك للحكومة تحديد طبيعته ومقداره ـ  فسيعني ذلك أن حكومتنا فتحت مجال التعامل مع الجاليات الموجودة على أراضي بلادنا  للسياسيين، وفتحت باب التعامل مع تلك الجاليات على مصراعيه، للصراعات السياسية المحلية، ولا تخفى خطورة ذلك على سيادة بلدنا، وعلى أمنه واستقراره.

وأخطأ الرئيس بيرام وهو الحاصل على الرتبة الثانية  في ثلاث انتخابات رئاسية متتالية، وهو ما يلزمه بأن يتصرف كما يتصرف الرؤساء، أخطأ باستقباله لممثلي الجالية المالية في بلادنا، فاستقباله لهم بعث بثلاث رسائل غير مطمئنة:

1 ـ  بعث بصورة مفادها أن الرئيس بيرام لا يهتم بمظاهر سيادة  بلده، وأنه غير معني في هذا الوقت الحساس بإرسال رسائل طمأنة تؤكد على حرصه على أمن واستقرار البلد؛

2 ـ  بعث برسائل سلبية جدا لأسر الموريتانيين الذين قتلوا في مالي، والذين بخل عليهم عند قتلهم من طرف الجيش المالي ببيان تضامن أو تنديد، بل وبخل عليهم، حتى  بزيارة مواساة أو برسالة تعزية؛

3 ـ بعث برسالة غير مطمئنة للفئات والشرائح الهشة، والتي يرفع شعار الدفاع عنها، فمن المعروف أن المهاجرين الذين يأتون إلى بلادنا من البلدان الشقيقة المجاورة  ليسوا رجال أعمال لينافسوا رجال أعمالنا، وليسوا من أصحاب الشهادات العليا لينافسوا أطرنا وعمالنا السامين، إنما هم عبارة عن  أفواج بشرية من بسطاء الناس الذين يطاردهم الفقر وعدم الاستقرار في بلدانهم، وليس أمامهم عندما يصلون إلى بلدنا إلا مضايقة فقرائنا في مصادر رزقهم، والتي هي مصادر ضيقة أصلا، ومحدودة جدا، وكثيرا ما ينجح المهاجرون نجاحا كبيرا في تلك المنافسة.

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 23 مارس 2025

عن مساهمة موريتانيا في تحرير عبيد أمريكا

 


هدية صباحية إلى رئيس هيئة الساحل صديقي أبراهيم بلال رمظان

المتحدث هنا هو حسن أوريد مؤرخ المملكة المغربية، وأول ناطق رسمي باسم القصر الملكي في المغرب، وهو كاتب ومؤلف شهير يتقن ثلاث لغات (العربية، الفرنسية، الانجليزية)، له العديد من المؤلفات في التاريخ والأدب والفكر.

صديقي براهيم بما أنك تنتقد دائما آباءنا وأجدادنا "الاستعباديين" وتصفهم بأوصاف لا يمكن أن أذكرها هنا، احتراما لمن يقرأ منشوراتي، ولأنك تمدح دائما الغرب على ما قام به في مجال تحرير العبيد في موريتانيا، وتقول أن كل الأفضال التي حصلتم عليها كانت من المستعمر الفرنسي.

بما انك تقول ذلك دائما، وتكرره بمناسبة وبغير مناسبة، فإني أدعوك لأن تسمع هذا المقطع، وأن تذكر  القصة التي وردت فيه، ولو لمرة واحدة، حتى يكون خطابك شبه متوازن.

بعض أجدادنا الذين تقول عنهم ما تقول، ساهموا هم أيضا في تحرير العبيد في أمريكا...أظن أن هذه الجملة الأخيرة قوية جدا، أليس كذلك يا صديقي؟

شكرا لمركز مبدأ ولأخي وصديقي د. محمد سيد أحمد فال (بوياتي) على تنظيم هذه الندوة المهمة، وعلى الدعوة لها.

شاهد المقطع 👇



السبت، 22 مارس 2025

ورقة كاشفة / كيف يشوه "صُنَّاع المغالطات" سمعة موريتانيا؟


 لعل من أغرب وأبلغ ما سمعتُ من توصيف لحال موريتانيا، ما يُنسب لخبير أجنبي قيل إنه عمل في بلادنا لفترة من الزمن، وأنه خَلُصَ إلى استنتاج مفاده أن موريتانيا تعدُّ من أقوى الدول، وحجته في ذلك، أنها ما تزال صامدة حتى الآن، رغم أن أبناءها ـ كل أبنائها ـ لا يفكرون عندما يستيقظون في كل صباح، إلا في شيء واحد، وهو تدميرها من خلال نهب ما يمكن نهبه من أموالها ومقدَّراتها.

وبغض النظر عن صحة القصة، وما رُوِيَّ عن الخبير الأجنبي، فسيبقى هذا التصنيف ـ في كل الأحوال ـ تصنيفا قويا في دلالته، عميقا في جوهره، فأن يَصمُد بلد أمام فسادٍ عمَّ واستشرى واستمرَّ لعقود، وقلَّ من نجا منه من أبناء ذلك البلد، فتلك معجزة حقيقية تُجيز وصف ذلك البلد بأنه قوي جدا، فلو لم يكن قويا لما صمد كل هذه السنين أمام كل ذلك الفساد.

ومحاكاة للخبير الأجنبي، وفي مجال آخر غير الفساد، فيمكنني أنا أيضا أن أصنف موريتانيا بأنها بلد قوي، وحجتي في ذلك، أنها تتعرض منذ عقود لحملات تشويه إعلامية وحقوقية وسياسية واسعة من طرف الكثير من أبنائها، وبعض الأجانب، ومع ذلك فلم تتمكن تلك الحملات الواسعة، من أن تشوه سمعتها إلى درجة تجعل الأمم المتحدة تُلَوِّح ـ مثلا ـ  باستخدام البند السابع من ميثاقها لوقف ما يمارس داخلها من "عنصرية واضطهاد"، تستك منه المسامع، وتصطك له الركب، هذا إذا ما صدَّقنا ما ينشر محليا ودوليا عمَّا يمارس في بلادنا من عنصرية، ضد بعض المواطنين، وضد بعض الأجانب كذلك.

في هذه الورقة الكاشفة سنستعرض ـ وبشيء من التفصيل ـ صورا من تلك الحملات والمغالطات الهادفة إلى تشويه سمعة بلادنا، وسنستعرض كل صورة من تلك الصور من خلال عنوان خاص بها.


لماذا تُغْمض الأعين دائما عن أفضالنا؟!

في مطلع العام 2022، وردا على تمديد قادة الانقلاب في مالي للفترة الانتقالية، والقفز بها من 6 أشهر إلى 5 سنوات، انعقد مؤتمر استثنائي لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقياUEMOA) ) والمنظمة الاقتصادية لغرب أفريقيا ‏(ECOWAS)، في العاصمة الغانية  أكرا، وقرر هذا المؤتمر فرض عقوبات قاسية جدا على دولة مالي الشقيقة، تمثلت في تجميد أصولها المالية في البنك المركزي لدول غرب أفريقيا، وإغلاق الحدود معها، وسحب السفراء...إلخ

وعلى النقيض من ذلك، وفي موقف أصيل، رفضت بلادنا أن تُشارك في حصار أو مقاطعة الجارة مالي، وتجويع شعبها الشقيق، فأبقت حدودها معها ـ  والتي تبلغ 2237  كلم ـ مفتوحة على طول.  

بعد ذلك بفترة قصيرة، وبدلا من الرد على الحسنة بالحسنة، ارتكب الجيش المالي مجازر وحشية وفظيعة في فترات متقاربة جدا ضد موريتانيين عُزَّل، فقتل العشرات من مواطنينا. ومن غرائب الصدف أننا لم  نسمع في تلك الفترة عن قتل الجيش المالي لمواطنين من دول أخرى، تمتلك حدودا مع مالي، شاركت في المقاطعة أو لم تشارك فيها، فلم نسمع مثلا أنه قتل مواطنين سنغاليين أو عاجيين أو نيجريين أو بركابيين على الحدود مع تلك الدول، أو داخل الأراضي المالية.

كان بإمكان موريتانيا أن ترد بالمثل، وهي تمتلك القدرة العسكرية لذلك، ولكنها لم تفعل، وكان بإمكانها ـ وهذا هو أضعف الإيمان ـ أن تغلق حدودها كما فعلت دول أخرى في المنطقة، أو تُجَمِّد علاقاتها مع مالي، أو تطرد الماليين اللاجئين والمهاجرين من أراضيها، ولكنها لم تفعل أي شيء من ذلك، بل إنها لم تفكر أصلا في فعله، وقد أحسنت التصرف في عدم القيام بأي شيء من ذلك.

حافظت بلادنا ـ حكومة وشعبا ـ على أقصى درجات ضبط النفس، واكتفت الحكومة بتوجيه رسائل دبلوماسية، اعتبرها كثيرون رسائل باردة جدا، وكأنها أخرجت للتو من ثلاجة، وذلك على الرغم من فظاعة تلك المجازر وتكررها، وغرابة  وحساسية التوقيت الذي اختير لتنفيذها.

قمنا بكل ذلك لأننا كنا، وما زلنا، وسنبقى دائما، نعتبر مالي دولة جارة وشقيقة، وأنها يجب أن تبقى كذلك مهما حدث، ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما فعلنا غير ذلك، لأن الحكمة كانت تقتضي بالفعل فعل ذلك.

في تلك الفترة لم نسمع من يقول بعنصرية النظام الحاكم في مالي، ولا بعنصرية جيشها، ولم تشن النخب الحقوقية والإعلامية والسياسية في إفريقيا حملة إعلامية منظمة أو غير منظمة تندد فيها بقتل الجيش المالي لعشرات الموريتانيين بدم بارد.

والأغرب من ذلك كله، وهذا هو بيت القصيد في هذه الفقرة، أن "المنظمات الحقوقية" في موريتانيا، والتي ترق قلوب من يديرونها دائما للضحايا الأجانب، لم تذرف دمعة واحدة على الموريتانيين الذين قتلوا في مالي بدم بارد، ولم تصدر بيانا واحدا من سطر أو سطرين للتضامن مع الضحايا، أو لتعزية ذويهم.

يبقى أن أقول في ختام هذه الفقرة، وحتى لا أظلم مالي، أن الموقف الرسمي للجارة الشقيقة في الوقت الحالي، يُعَدُّ موقفا إيجابيا ويستحق الإشادة، فالحكومة المالية تقف الآن وبصرامة ضد أي اعتداء على الموريتانيين أو على ممتلكاتهم، ونرجو أن تستمرَّ في ذلك.


ما مشكلة "منظماتنا الحقوقية" مع المواطن الموريتاني؟

تستقبل موريتانيا عددا كبيرا من المهاجرين القادمين من دول الجوار، ولا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ أن نُقارن ما تستقبله بلادنا من مهاجرين من دول الجوار بجالياتنا في تلك الدول، لا مجال للمقارنة، لا من حيث العدد، ولا من حيث نسبة المهاجرين إلى عدد السكان، ولا على مستوى المردود الاقتصادي، ولا حتى على مستوى الانضباط واحترام قوانين بلد الإقامة.

على الرغم من هذا الاختلال البيِّن، فلم يحدث أن أغلقت بلادنا حدودها، أو قيدت دخول المهاجرين إليها، أو أبدت انزعاجها من  إيواء اللاجئين، وذلك على الرغم من التدفق الكبير للمهاجرين، وعندما حاولت موريتانيا أخيرا أن تحدَّ من الهجرة غير الشرعية أو غير النظامية، ودون المساس بالمهاجرين النظاميين، قامت قيامة البعض، داخل موريتانيا وخارجها، فعادت بعض النخب الأفريقية لحديثها القديم الجديد الذي يصنف موريتانيا على أنها بلد عنصري، يُنَكِّل بالأفارقة السود المقيمين به، ويتعامل معهم وكأنهم حيوانات، ليس هذا فقط، بل إن من يطلقون حملات التشويه تلك  يقولون أيضا بأن بلادنا تنكل بمواطنيها السود، وتمارس ضدهم العنصرية بأبشع أشكالها، وهكذا تستمر حملات تشويه سمعة بلادنا، فلا تكاد تتوقف حملة تشويه إلا وبدأت حملة تشويه أخرى.

لم تقتصر حملات التشويه على بعض النخب الأفريقية خارج موريتانيا، والتي قد تكون معذورة لأنها لا تعرف الشيء الكثير عن بلدنا المضياف والمنفتح على الآخر، والذي كثيرا ما يبالغ في حسن الضيافة ومستوى الانفتاح، لم تقتصر الحملة على النخب الإفريقية الأفريقية من خارج بلادنا، بل إنها كانت أشد وأشرس عند بعض مواطنينا من داخل موريتانيا ومن خارجها، وخاصة  منهم بعض المقيمين في دول غربية.

سارعت "المنظمات الحقوقية" التي تغافلت ـ كعادتها ـ عن الموريتانيين الذين قتلوا  في مالي بدم بارد، إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة للتنديد بتعامل موريتانيا الوحشي مع الأجانب، فإذا أخذنا مثلا الجمعية الموريتانية لحقوق الإنسان، والتي تعدُّ واحدة من أشهر المنظمات الحقوقية في موريتانيا، فهي عضو في الاتحاد الدولي لحقوق الانسان، فسنجد أن هذه المنظمة التي ترأسها المحامية المعروفة "فاتيمتا أمباي" قد أعربت في بيان قوي اللهجة أصدرته يوم 06 مارس 2025 عن استيائها الشديد مما تعرض له المهاجرون الأفارقة في موريتانيا، وأدانت في البيان ـ وبأشد العبارات ـ عمليات: "الاعتقال الجماعي والتعسفي"، و ظروف "الاحتجاز اللاإنسانية" التي تعرض لها المهاجرون في موريتانيا، وأكدت الجمعية في بيانها أن ما ترتكبه موريتانيا في حق المهاجرين يشكل "انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية، وللالتزامات الدولية والإقليمية". ولم يفُت الجمعية في بيانها أن تتحدث عن "المأساة الإنسانية التي تكشفت في مراكز الشرطة"، ولا عن "المهاجرين المكدسين في ظروف مهينة في مراكز الشرطة في نواكشوط ونواذيبو".

وطالبت الجمعية في بيان 06 مارس بالوقف الفوري "للاعتقالات التعسفية" و"الترحيل القسري للمهاجرين"، ودعت المجتمع المدني وكل المدافعين عن حقوق الإنسان إلى التدخل العاجل ل"حماية كرامة المهاجرين" في موريتانيا، وذلك مع العلم بأن كل من تم ترحيلهم من الأجانب في الفترة الأخيرة تم ترحيلهم بحضور ممثلي جالياتهم، وقد اعترف كل واحد منهم أمام ممثل جاليته أنه استوفى كل حقوقه، وأنه لم يكن يملك إقامة شرعية في موريتانيا.


لم تكن جمعية الدفاع عن المهاجرين في موريتانيا، عفوا على تغيير اسمها ليتناسب مع مهامها الفعلية، أقصد الجمعية الموريتانية لحقوق الإنسان، هي الوحيدة التي انتصرت لكرامة المهاجرين غير النظاميين، وتغاضت عن الموريتانيين الذين قتلوا في مالي، بل كانت هناك "جمعيات حقوقية" أخرى، تحدثتُ عنها في مقال سابق، ولم تكن الجمعيات الحقوقية هي وحدها التي وقفت وساندت وتضامنت مع المهاجرين في "مأساتهم الإنسانية"، بل كان هناك سياسيون ونواب وأساتذة جامعيون وإعلاميون ومدونون موريتانيون، دافعوا ـ وبحماس ـ عن كرامة المهاجرين، ونددوا ـ وبشدة ـ  بانتهاك بلدنا لحقوق المهاجرين الأفارقة، ولذا فيمكن القول بأن وزيرة الاندماج الإفريقي والشؤون الخارجية السنغالية قد استخدمت لغة دبلوماسية مهذبة جدا، بالمقارنة مع لغة حقوقيي موريتانيا، وذلك عندما اكتفت باستخدام عبارة "المعاملة اللاإنسانية" لوصف ما جرى، فلا شك أن الوزيرة قد اطلعت على بيانات بعض "المنظمات الحقوقية الموريتانية"، وعلى تصريحات بعض النواب والسياسيين الموريتانيين، وعلى ما يكتبه بعض الإعلاميين والمدونين الموريتانيين، والذين كانوا يصفون ما يجري في موريتانيا من تنكيل بالأجانب بعبارات قاسية جدا، فلو أن الوزيرة استخدمت في تصريحها العبارات التي كانت تسمعها من بعض الموريتانيين، استخدمتها في إطار (وشهد شاهد من أهلها)، لفاض تصريحها بعبارات أقسى بكثير من عبارة "المعاملة اللاانسانية" التي جاءت في تصريحها.


الغريب في الأمر أن "منظماتنا الحقوقية"، والتي لا ترصد إلا ما يسيء إلى سمعة بلادنا، تجاهلت تماما تصريح السيد "بولايا كيتا" مستشار وزير الخارجية المالي، والذي أدلى به في يوم 13 مارس 2025 ، وأكد من خلاله أن  موريتانيا رحلت 528 مهاجرا ماليا غير نظامي، ولم يتعرض أي منهم لأي معاملة سيئة.

وبطبيعة الحال، فإن ما نُشر من مغالطات تسيء إلى سمعة بلدنا، وما نسب إليه ـ كذبا ـ من تنكيل بالمهاجرين في الأيام الأخيرة، سيبقى في الإنترنت وهنا تكمن خطورته، لينضاف إلى ما سبقه من أرشيف مضلل عن موريتانيا، شارك في توثيقه موريتانيون لا يترددون في القيام بأي شيء من شأنه أن يثبت للعالم أن موريتانيا دولة عنصرية تنتهك حقوق السود بشكل فج.


عن جثة الموريتاني المعرضة للحرق في بلجيكا!

في يوم 06 يوليو من العام 2023  نشر الناشط السياسي الموريتاني المقيم في بلجيكا "آداما با" نداءً إنسانيا عاجلا على حسابه في الفيسبوك باللغتين العربية والفرنسية، وتم تداول هذا النداء بشكل واسع، وهذا ما جاء تقريبا في نسخته العربية:

"رسالة إلى الموريتانيين: هناك مواطن موريتاني يدعى انجاي سيدي مولود 1952 في روصو، توفي منذ شهرين تقريبا في مدينة انفرس ببلجيكا، والشرطة أعطت مهلة 72 ساعة، إن لم يعثر على ذويه، فسيتم تسليمه لمؤسسة المحرقة، نعوذ بالله، فليبلغ الحاضر الغائب".

تم تداول هذا النداء الإنساني بشكل واسع في الفيسبوك، واستُغِل ـ كالعادة ـ من طرف بعض الموريتانيين للتأكيد على عنصرية النظام الحاكم في بلادنا، فحسب أولئك، فلو كان هذا المتوفي من مكونة أخرى لتم نقله بسرعة، ولما تُركت جثته مرمية في أحد مستشفيات بلجيكا لقرابة شهرين.      

اعتبرت جاليتنا في بلجيكا هذا المتوفي موريتانيا، وذلك لكونه يمتلك بطاقة تعريف وطنية تؤكد أنه ولد في روصو في العام 1952، والحقيقة أنه ليس موريتانيا، وإنما كانت لديه وثائق موريتانية مزورة، حاله في ذلك كحال الآلاف ـ إن لم أقل عشرات الآلاف أو مئات الآلاف ـ من الأفارقة المقيمين في الغرب. بعد تلك الضجة الكبيرة، وبعد أن ألصقت تهمة العنصرية من جديد بموريتانيا، نقل موقع "La Dépêche" عن مصادر سنغالية أن الجثة تعود لمواطن سنغالي جاء إلى بلجيكا منذ فترة، وأنه خلال بحثه عن اللجوء، وسعيا لدعم ملفه كلاجئ مضطهد تقدم ببطاقة تعريف موريتانية، وادعى أنه مواطن موريتاني!!

المثير للاستغراب أن من أطلق النداء، ومن شاركوه، بخلوا بكتابة منشور واحد يقولون فيه ـ وبعد أن تكشفت حقيقة الجثة ـ أن المتوفي سنغالي وليس موريتانيا، فالنداء ما زال موجودا ـ حتى الآن ـ  في حسابات من شاركه، وفي حساب الناشط "آداما با" (المصدر الأصلي) دون أي تعديل، ودون أي اعتذار عن هذه الكذبة التي امتدت في الآفاق، والتي تقول بأن النظام الموريتاني العنصري تخلَّى عن جثة أحد مواطنيه، لأسباب عنصرية، وتركها عرضة للحرق في بلجيكا.

وبطبيعة الحال، فإن كل ما نُشِر في تلك الفترة عن عنصرية النظام الموريتاني الذي ترك "جثة موريتاني" مسلم معرضة للحرق في بلجيكا، ما زال موجودا على الأنترنت دون أي تعديل، وسيبقى كذلك، لينضاف إلى الكثير من المعلومات المضللة التي تُنشر بكثافة واستمرار عن بلدنا، والتي تحاول في مجملها أن تؤكد بأنه بلدٌ عنصري يضطهد الأفارقة السود، مواطنين كانوا أو أجانب.

إنه لمؤلم حقا، أن يُجمع لبلادنا في حادثة الجثة التي كانت معرضة للحرق في بلجيكا، شران في وقت واحد. شرٌّ يتعلق بتزوير وثائقنا المدنية، وشرٌّ ثانٍ يتمثل في أن من يزور تلك الوثائق، لا يكتفي فقط بتزويرها، وإنما يَدَّعِي ـ إضافة إلى ذلك ـ بأنه تعرض للكثير من الاضطهاد والعنصرية في "بلده" موريتانيا، بسبب بشرته السوداء، يَدَّعِي ذلك سعيا للحصول على حق اللجوء، وتسريعا لإجراءاته.



الوثائق المؤمنة والمغالطات الكبرى

تُظهر قصة أنجاي سيدي، وما هي إلا قصة من آلاف القصص المشابهة، مدى حاجتنا في هذه البلاد إلى تأمين وثائقنا الثبوتية لوقف تجَنُّس الأجانب، وفي وضعية كهذه فقد كان من المفترض أن يُلاقي تأسيس وكالة وطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة ترحيبا ودعما سياسيا وإعلاميا غير مسبوق من طرف الجميع: موالاة ومعارضة، ولكن للأسف، فما حصل كان على العكس من ذلك تماما، فقد تعرضت هذه الوكالة لحملة تشويه غير مسبوقة قائمة على مغالطات كبرى، سنستعرضها تحت هذا العنوان الفرعي من ورقتنا الكاشفة هذه.

لقد كنتُ شاهدا على حملات تشويه الوكالة، وعلى ما كان يروج له من مغالطات في تلك الفترة من طرف المعارضة الموريتانية والإعلام المحسوب عليها، وواكبتُ تأسيس حركة "لا تلمس جنسيتي" منذ أن كانت مشروعا قيد التأسيس، يُخَطِّط للقيام بسلسلة من الاحتجاجات ضد وكالة الوثائق المؤمنة.

كان التسويق السياسي والإعلامي والحقوقي لهذه المغالطات الكبرى إحدى نقاط خلافي مع المعارضة التي كنتُ أنتمي إليها، وقد نشرتُ في تلك الفترة مقالات عديدة حاولتُ من خلالها أن أفند تلك المغالطات، وقد أغضبت تلك المقالات بعض زملائي في المعارضة.

لقد بذلت المعارضة الموريتانية جهودا سياسية وحقوقية وإعلامية كبيرة ـ عن وعي أو عن غير وعي ـ لترسخ في أذهان الناس مغالطة كبيرة، مفادها أن الموريتانيين في ولايات الضفة، هم المتضررون حصرا من الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، ومن إجراءاتها المعقدة للحصول على وثائقها المؤمنة.

 ولقد تأسست حركة "لا تلمس جنسيتي" على هذا الأساس، وعلى مضامين هذه المغالطة، وللأسف فإن هذه الحركة كانت تتجه في كثير من احتجاجاتها العنيفة إلى الأسواق والتجمعات الشعبية بدلا من الإدارات الحكومية، وكانت تحدث عمليات نهب في بعض احتجاجاتها، بل كان يُعتدى في بعض الأحيان على مواطنين أبرياء لا علاقة لهم بالموضوع، وحسب الجهات الأمنية، فإن بعض الأجانب كانوا يشاركون في تلك الاحتجاجات، ومما لا شك فيه أن الأجانب كانوا هم الأكثر تضررا من ضبط حالتنا المدنية، فمثل ذلك الضبط سيحرمهم من تزوير وثائق موريتانية، كانت ستسهل لهم الحصول على حق اللجوء في بعض الدول الغربية.

كانت إجراءات التسجيل في الإحصاء الإداري معقدة جدا في العام 2011، وهذا مما يجب الاعتراف به، ولكن ذلك التعقيد كان يتم التعامل معه بشكل مزدوج، فهو مجرد تعقيد إداري عادي عندما يكون المتضرر من مكونة وطنية معينة، ولذلك  فلم يثر رفض بعثة الإحصاء في النعمة تسجيل والي الولاية حينها السيد محمد سالم ولد محمد راره  بحجة أنه لم يستطع أن يتقدم ببطاقة تعريف والدته الموجودة في ذلك الوقت في المملكة العربية السعودية، لم يثر ذلك الرفض استكارا حقوقيا أو سياسيا أو إعلاميا، حاله في ذلك كحال رفض لجان أخرى تسجيل السيد محمد يحظيه ولد المختار الحسن وهو وزير داخلية سابق، ورئيس سابق لحزب حاكم، والسيد بيجل ولد هميد وهو وزير سابق وكان يرأس في ذلك الوقت حزب الوئام، وغيرهم كثير ممن رُفض تسجيله لنفس السبب المذكور آنفا. ولكن في المقابل، فإن هذه الإجراءات المعقدة كانت تتحول ـ وبشكل تلقائي ـ إلى عمل عنصري تمييزي بغيض يستحق التنديد إعلاميا وحقوقيا وسياسيا من طرف المعارضة، بل وربما يستحق الاحتجاج ميدانيا، إذا ما كان المتضرر ينتمي لإحدى المكونات الوطنية الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك ردود الأفعال على رفض تسجيل مستشار بلدي، ومفوض شرطة متقاعد، ينحدران من إحدى مدن الضفة، لنفس الأسباب التي رُفض بسببها تسجيل وزير داخلية سابق، ووالٍ ما زال يزاول مهامه الإدارية.

كان الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي المعارض في ذلك الوقت خطابا تشويهيا لوكالة الوثائق المؤمنة، ينظر إليها بعين واحدة، فيصنف كل حالة من الحالات التي يتضرر منها أحد المنحدرين من إحدى مكوناتنا الوطنية، بأنها عمل عنصري بغيض، ومع تكرر السكوت عن تعقيدات الحصول على الوثائق الثبوتية، إن كانت الضحية من مكونة معينة، واستحضار تلك التعقيدات والتنديد بها، وتصنيفها على أنها عمل عنصري وإقصائي إذا كانت الضحية من المكونة المراد تسويقها على أنها هي المستهدفة بتلك الإجراءات المعقدة، مع تكرر ذلك، ألصقتْ تهمة ممارسة العنصرية بالوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، وبمن يُديرها في تلك الفترة، وهو الذي يرجع له الفضل، بأنه جعل منها مفخرة وطنية حقيقية تنافس إقليميا، ولكم أن تسألوا الوزير الأول السنغالي الذي أشاد بها في تصريح علني، خلال رئاسته للجنة وزارية، واعترف في تصريحه ذاك بأن بلاده متأخرة جدا في هذا المجال بالمقارنة مع موريتانيا، رغم انخراط البلدين في مسار تطوير حالتيْهما المدنية في نفس السنة (2011).


ومع تزايد حملات التشويه ضد الوكالة، تم فيما بعد تشكيل لجنة لدراسة المشاكل المتعلقة بالحصول على الوثائق المؤمنة، وتولى رئاسة تلك اللجنة الوزير السابق السيد "تام جمبار"، وتوصلت هذه اللجنة إلى أرقام إحصائية أصابت المغالطة التي تقول بعنصرية إجراءات وكالة الوثائق المؤمنة في مقتل، فقد ظهر أن عدد الذين لم يحصلوا في الحوض الشرقي على وثائقهم الثبوتية نتيجة للتعقيدات التي تم وضعها من أجل التأكد من انتمائهم الموريتاني يفوق عدد كل الذين تم حرمانهم من وثائقهم لنفس السبب في ولايتي لبراكنة وكوركول معا.

يعني هذا أنه إذا كانت هناك عنصرية أو تمييز بين المواطنين الموريتانيين تُمارسه وكالة الوثائق المؤمنة، فإن الضحايا كانوا أكثر في ولاية الحوض الشرقي من أي ولاية أخرى، ومع ذلك، لا أحد تكلم خلال السنوات الماضية عن ضحايا الحوض الشرقي، ولم يؤسس أبناء تلك الولاية نسخة من حركة "لا تلمس جنسيتي"، وإنما ظل الحديث خلال السنوات الماضية مقتصرا على حرمان بعض المنحدرين من  ولايات الضفة من وثائقهم المؤمنة لأسباب عنصرية، وكانت تلك إحدى المغالطات الكبرى التي بُذِلت جهود سياسية وإعلامية وحقوقية كبيرة لتسويقها للرأي العام الوطني، بل ولتسويقها خارجيا، وما زالت تلك الجهود تبذل حتى يوم الناس هذا.

ويبقى أن أقول ختاما لهذه الفقرة، إن كل ما نُشر من مغالطات وتلفيقات عما تتعرض له بعض مكوناتنا الوطنية من عنصرية وإقصاء من طرف وكالة الوثائق المؤمنة، وكل ما صرح به السياسيون والإعلاميون والحقوقيون خلال السنوات الماضية، بخصوص التمييز بين المواطنين الذي تقوم به الوكالة، كل ذلك "المنتوج الكبير" من المغالطات الذي يسيء إلى سمعة البلد، تم توثيقه في الانترنت، لينضاف إلى أرشيف كبير سبقه، وآخر سيأتي بعده، وكل هذا الأرشيف من المغالطات هو من أجل أن تُصنَّفَ موريتانيا على أنها دولة تُمارس العنصرية والاضطهاد ضد مواطنيها السود.



عن ازدواجية
التمييز الإعلامي والسياسي بين الضحايا

لا خلاف على أن هناك بقايا عنصرية تقليدية تُمارس في بلادنا، إن جاز استخدام هذه العبارة، وهي عنصرية في تراجع كبير ولله الحمد، وتجد دائما من يتحدث عنها إعلاميا وسياسيا وحقوقيا، بل إنها تجد دائما من يبالغ كثيرا، بل يُغالط، عند الحديث عنها، وهو ما أوضحته هذه الورقة الكاشفة. لكن في المقابل، هناك عنصرية أخرى وتمييز بين الضحايا من نوع آخر مسكوتٌ عنه، ولا يجد من يدينه، بل لا يجد من يتحدث عنه أصلا.

نعم هناك تمييز سياسي وإعلامي وحقوقي بين الضحايا مسكوتٌ عنه، ولا أحد يتجرأ للحديث عنه، فهناك ضحايا يجدون تضامنا إعلاميا وسياسيا وحقوقيا كبيرا، بل إن واجب التضامن معهم يجيز للبعض استخدام كل وسائل التلفيق والتضليل، وهناك ـ في المقايل ـ ضحايا  آخرون لا يجدون الحد الأدنى من التضامن الإعلامي أو السياسي أو الحقوقي.

ولفهم ما أريد قوله تحت هذا العنوان الفرعي من الورقة الكاشفة، فسأقدم لكم بعض الحالات المحددة كأمثلة عن التمييز الإعلامي والسياسي والحقوقي بين الضحايا، مع العلم أن بعض هذه الحالات كنتُ قد استعرضته في وقت سابق.

في يوم 16 مارس 2019 تسبب إطلاق نار من طرف جندي موريتاني في وفاة شيخ طاعن في السن (80 عاما)، وكان ذلك في مقاطعة أنبيكت لحواش شرق البلاد.

بعد أقل من خمسة عشر شهرا من تلك الحادثة، وتحديدا في يوم 28 مايو 2020،  تسبب إطلاق نار من طرف جندي موريتاني آخر في وفاة  شاب موريتاني (35عاما)، وكان ذلك في مقاطعة أمبان جنوب البلاد.

دعونا نجري مقارنة سريعة بين هاتين الحادثتين الأليمتين:

من حيث التوقيت: حادثة أمبان وقعت ليلا (الساعة التاسعة)، وفي فترة حظر تجوال شامل بسبب جائحة كورونا، أما حادثة انبيكت لحواش فقد وقعت ضُحًى، وفي فترة لا يوجد فيها أي حظر تجوال من أي نوع.

في حادثة أمبان كان الأمر يتعلق بمطاردة مجموعة من المهربين، وفي حادثة انبيكت لحواش كان الأمر يتعلق بشيخ أعزل يبحث عن قطيع سائم، وإن شئتم قطيع سائب.

وبخصوص الأجواء السياسية، فإن حادثة أنبيكت لحواش وقعت في فترة تجاذب وصدام قوي بين المعارضة والنظام، وهو ما يفترض أن المعارضة لن تترك فرصة يمكن أن تنتقد فيها السلطة، وتدين فعلا من أفعالها، إلا واستغلتها. أما حادثة أمبان فقد وقعت في ظل تهدئة سياسية غير مسبوقة بين المعارضة والنظام، لم يعرف البلد مثيلا لها منذ عقود، وهو ما يفترض أن المعارضة ستتغاضى عن أخطاء السلطة وتتجاهلها، كلما كان ذلك ممكنا.

ومع ذلك، فقد حدث العكس تماما، فالتغطية الإعلامية لحادثة أنبيكت لحواش كانت شبه معدومة تماما، ولم يصدر على الإطلاق ـ وأكررـ  لم يصدر على الإطلاق أي بيان من أي حزب سياسي معارض أو غير معارض يندد بالحادثة، ولم تتحدث عنها أي منظمة مجتمع مدني، حتى ولو كانت من منظمات الحقائب، ولذا فقد فمرت تلك الحادثة وكأن شيئا لم يكن، ولولا ذوي الضحية لما علمنا بها أصلا. أما في حادثة أمبان فكانت التغطية الإعلامية واسعة، وتسابقت الأحزاب السياسية إلى إصدار بيانات تنديد قوية، وكان من بين الأحزاب التي أصدرت بيانات تنديد بعد ساعات قليلة من وقوع الحادثة : تواصل ـ اتحاد قوى التقدم ـ التكتل ـ إيناد..إلخ

ولم يتوقف الأمر على الأحزاب السياسية، بل إن بعض الشخصيات الوطنية التي لم تكن تنتمي إلى أحزاب في ذلك الوقت، أصدرت هي الأخرى بيانات تنديد بأسمائها الشخصية، فأصدر الراحل محمد المصطفى بدر الدين رحمه الله تعالى بيان تنديد باسمه، وأصدر المثقف الموريتاني الكبير بدي ولد أبنو المرابطي بيانا مطولا باسمه، وعبر كثيرون عن تنديدهم القوي بالحادثة من خلال آلاف المنشورات في الفيسبوك.

 لم يقتصر التنديد بتلك الحادثة، التي صُنفت وبشكل تلقائي، على أنها من ضمن جرائم الجيش الكثيرة التي يرتكبها ضد الموريتانيين السود، لم يقتصر على الداخل الموريتاني، بل إنه تجاوز الحدود، وسمعنا خطابات تنتقد موريتانيا بقوة بسبب تلك الحادثة، وتتهمها بممارسة أبشع أشكال العنصرية والتصفية العرقية ضد السود، سمعنا ذلك من منابر حقوقية في العاصمة السويسرية جنيف، وسمعناه من عواصم دول غربية أخرى. 

ولكم أن تسألوا بأي منطق تتم إدانة إطلاق جندي للرصاص ليلا على شاب موريتاني كان يمارس التهريب في فترة حظر تجوال شاملة، ولا تتم إدانة إطلاق جندي آخر للرصاص على شيخ موريتاني في وضح النهار، كان يبحث عن قطيع سائم؟!!


وهذا مثال آخر:  في الحادي عشر من يوليو من العام 2020 تعرض منزل "صمبا تام" لمحاولة عملية سرقة فاشلة، تركت آثارا عادية جدا في الجزء الخارجي من المنزل، وكانت أضرارها شبه معدومة، حسب الصور التي نشرت عن الحادثة. جاءت محاولة السرقة الفاشلة هذه، بعد عمليات سرقة ناجحة كان ضحاياها سياسيون آخرون من بينهم النائب المعارض محمد الأمين سيدي مولود، ولم يفكر أي واحد من هؤلاء في إخراج عملية السرقة عن إطارها العادي لإعطائها بُعدا سياسيا.

 أحدثت عملية السرقة الفاشلة التي تعرض لها منزل صمبا تام حالة استنفار إعلامي وسياسي وحقوقي في بعض الأوساط السياسية والإعلامية والحقوقية، وتم إعطاؤها بُعدا عنصريا، وصُنُّفت في بعض بيانات التضامن على أنها عمل مدبر من أجل "تخويف وتهديد" السيد صمبا تام.

بعد الحادثة بيومين، وتحديدا في يوم الاثنين الموافق 13 يوليو 2020 أصدر

"التحالف من أجل إعادة تأسيس الدولة الموريتانية" بيانا شديد اللهجة دعا فيه إلى تسريع البحث عن المعتدين على منزل السيد صمبا تام، وحذَّر فيه من تداعيات هذا الحادث "على السلام والتماسك الاجتماعي في بلد يُعاني من صدمات الماضي ومن تهور في الحاضر". تضامنت بعض جالياتنا في الخارج مع السيد صمبا تام، وبدا واضحا أن هناك محاولة جادة لتسييس عملية السرقة الفاشلة هذه، وتصنيفها في إطار أعمال العنصرية والاضطهاد التي تمارس ضد بعض الموريتانيين، لتُضاف بعد ذلك إلى كم كبير من المغالطات التي تحاول أن تلصق تهمة العنصرية والاضطهاد بالجمهورية الإسلامية الموريتانية (حكومة وشعبا).


وهذا مثالٌ ثالثٌ وأخير عن ازدواجية التمييز بين الضحايا سأكتفي به، رغم وجود أمثلة عديدة أخرى.

الدكتورة آمنة بوبكر جوب، والدكتورة مروة محمد الأمين سيف، طبيبتان موريتانيتان، شاركتا في مسابقة نظمتها وزارة الصحة، جمعت 60 طبيبا، وظهرت نتائجها النهائية في الأسبوع الثاني من شهر يناير من العام 2023.

لم ينجح من تخصص الطبيبتين أي متسابق، وقد حصلت كل واحدة منهما على نتيجة جيدة في مادة التخصص، ونتيجة متدنية جدا في مادة الثقافة العامة، والتي كانت أسئلتها بسيطة جدا، ولكنها طُرحت بغير لغة التخصص، فبالنسبة لآمنة فكانت أسئلة الثقافة العامة باللغة العربية، وبالنسبة لمروة فكانت أسئلة الثقافة العامة باللغة الفرنسية.

حصلت مروة على معدل 13.4، وتفوقت قليلا على أمنة التي حصلت على معدل 13.2. أما بخصوص التضامن فقد حظيت الطبيبة آمنة بوبكر جوب بحملة تضامن واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك من تضامن معها على أساس أنها من مكونة وطنية تتعرض للعنصرية والإقصاء، وهناك من تضامن معها لأن لديه مشكلة ما مع اللغة العربية التي تسببت في إقصائها، لقد كتب أخصائي الأعصاب الشهير أحمد سالم أكليب متضامنا مع الدكتورة آمنة: "العربية جديدة في امتحان الوظيفة العمومية، وسيأتي زمان يكون معها حفظ القرآن، وهذا كله من أجل إقصاء بعص الشرائح"!!!



كانت حملة التضامن مع الدكتورة آمنة واسعة جدا، وربما غير مسبوقة، حتى الحساب الذي يحمل اسم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، تضامن معها، وقد نُشِر فيه باسم الرئيس السابق: "أدين بشدة إقصاء الدكتورة آمنة بوبكر جوب بهذه الطريقة المشينة، كما أدين واشجب عجز السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية، وتهاونها بالحفاظ على اللحمة الوطنية، وعدم السهر على تساوي الفرص بين ابنائنا خصوصًا أنهم لا تقع عليهم مسؤولية ذلك".



وفي المقابل، فلم يذكر ذاكر حالة الدكتورة مروة، ولم تجد هذه الدكتورة أي تضامن من أي نوع، على الرغم من تطابق حالتها مع حالة الدكتورة آمنة، وإن كانت هناك من فوارق في الحالتين، فهي لصالح مروة، ذلك أنها تفوقت قليلا في المسابقة على أمنة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن اللغة التي أقصتها هي لغة أجنبية، أما اللغة التي أقصت الدكتورة آمنة فلم تكن لغة أجنبية، وإنما كانت اللغة الرسمية الوحيدة للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

كانت مشكلة الدكتورة مروة الأولى هي أنها تنحدر من مكونة وطنية تعاني اليوم من تمييز سلبي في مجال التضامن مع ضحاياها. أما مشكلتها الثانية فهي أن اللغة التي أقصتها هي لغة أجنبية تجد هي الأخرى تمييزا إيجابيا لصالحها على حساب اللغة الرسمية للبلد، وهو تمييز لا يمكن أن نجد له أي تفسير منطقي.  

المهم أنه، وفي ظل استمرار حملة التضامن الواسعة مع الدكتورة آمنة، وبعد أن أصبح  الجميع على قناعة بأن الدافع لإقصائها كان دافعا عنصريا بحتا، تفضل أحدهم مشكورا، ممن يغرد خارج السرب، بأن كشف لنا  في منشور على الفيسبوك عن حالة الدكتورة مروة، والتي تتطابق تماما مع حالة الدكتورة آمنة، وإن كان هناك من فوارق بسيطة، فهي ـ  وكما قلتُ سابقا ـ لصالح الدكتورة مروة.

لستُ بحاجة لأن أقول لكم بأن كل ما نُشِر عن "الإقصاء العنصري" للدكتورة آمنة، مازال موجودا على الانترنت، ولا أحد ممن قالوا بذلك الإقصاء العنصري اعتذروا عن قولهم ذاك، أو صححوه بعد ظهور حالة الدكتورة مروة، ومما لا شك فيه أن هذا "الأقصاء العنصري" القائم على مغالطة بَيِّنة، سينضاف إلى ما سبقه، وإلى ما سيأتي بعده من مغالطات يتم توثيقها على الانترنت على أنها حقائق مؤكدة، وهي مغالطات تسعى في مجملها إلى إلصاق تهم العنصرية والإقصاء والاضطهاد ببلدنا الصامد حتى الآن أمام هذا السيل العارم من المغالطات.

ويبقى السؤال: لماذا هذا التمييز الكبير والواضح والبيِّن في التضامن بين طبيبتين موريتانيتين تعرضتا للإقصاء من نفس المسابقة ولنفس الأسباب؟


لن أجيب على هذا السؤال، وسأترك لكم الحق في أن تختاروا الجواب الذي يناسبكم، ولكن أودُّ فقط أن أشير إلى أن ما يحصل من تمييز في التضامن، قد يحصل شيء مشابه له في مجال التنديد، فهناك أيضا تمييز سلبي في التنديد، ولذا فإن أعمال العنف المشينة التي تكررت مؤخرا في الجامعة، والتي تقف وراءها نقابة طلابية محددة، لم تجد ما تستحق من تنديد، خوفا من أن يُتهم المندد بالعنصرية، ولأني لا أخاف من تلك التهمة (وما فِيَّ لعظام منها)، فإني أشهدكم بأني أندد بشدة بأعمال العنف تلك، سواء منها ما صاحب الانتخابات الطلابية، أو ما كان بعد إفطار الرئيس في الجامعة.


فلنسارع لوأد مغالطة تصنع الآن

في الوقت الحالي يحاول "صنَّاع المغالطات" أن يدفعوا بمغالطة جديدة، من خلال إلصاق تهمة  العنصرية ونشر خطاب الكراهية بكل من يدعو الآن إلى وقف الهجرة غير النظامية التي تهدد بلادنا، تهددها أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وديمغرافيا. إن "صنَّاع المغالطات" يحاولون أن يضعونا أمام خيارين سيئين، فإما أن نفتح حدودنا على طول أمام  تدفق المهاجرين غير النظاميين، وهو ما يعني أننا قد نضطر لقراءة الفاتحة بعد سنوات قليلة على روح موريتانيا، وإما أن نستمر في رفض تدفق المهاجرين غير الشرعيين، فيلصقون بنا تهمة العنصرية ونشر خطاب  الكراهية.

على "صناع المغالطات" في بلادنا أن يعلموا أن ألاعيبهم وحيلهم أصبحت مكشوفة، وأننا لن نقبل ـ تحت أي ظرف ـ باستمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى بلادنا، وأننا لن نقبل كذلك بأن نُتهم ـ زورا وبهتانا ـ  بممارسة العنصرية ونشر خطاب الكراهية، لن نقبل لا بهذا ولا بذاك، بل أكثر من ذلك فإننا سنمارس ـ هذه المرة ـ  سياسة الهجوم بدلا من الدفاع، وذلك لنقول ـ وبأعلى أصواتنا ـ بأن أي مواطن موريتاني يشجع استمرار الهجرة غير النظامية إلى بلده، أو يُطالب بالتغاضي عنها، يستحق أن يوصف بأنه خائن لوطنه، معادٍ للفئات والشرائح الهشة في بلده، لأنها هي المتضرر الأول من الهجرة غير النظامية، مع أن كل المكونات والشرائح والفئات متضررة، وإن بدرجات غير متساوية، والخائن لوطنه لا يحق له ـ بأي حال من الأحوال ـ أن يُقدِّم الدروس لمن يقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن بلده وحمايته، وحماية كل مكوناته وأعراقه وشرائحه، وخاصة الهشة منها، من جيوش المهاجرين غير النظاميين الذين يحاولون التسلل إلى بلادنا من كل فج عميق.

حفظ الله موريتانيا..