الخميس، 19 ديسمبر 2024

شكرا مجلة العربي•


في مثل هذا الشهر من العام 1958، أي قبل ست وستين سنة من الآن، صدر العدد الأول من مجلة العربي، هدية الكويت إلى العرب، فكانت تلك الهدية هي أعظم هدية يمكن أن تقدم للعرب في تلك الفاصلة من تاريخهم، حيث كان الاستعمار يبسط سيطرته على العديد من الدول العربية، وحيث كان المد القومي في تشكله.

قدمت الكويت هديتها للعرب من قبل أن تحصل على استقلالها، واستطاعت ـ وهذا ما فشلت فيه تجارب عديدة أخرى ـ أن تُبعد المجلة عن المصالح القطرية الضيقة، وعن الخلافات السياسية الآنية، وأن تنآى بها عن التدخل في سياستها التحريرية، وذلك هو ما جعلها تُحتضن في كل بيت عربي من مشرق بلاد العرب إلى مغربها، وهو ما جعلها أيضا تُعَمَّر لأكثر من ستة عقود، دون توقف، وتلك حالة نادرة ، إن لم أقل حالة يتيمة وفريدة من نوعها، في الصحافة العربية المكتوبة.

تستحق مجلة العربي في زماننا هذا الذي هيمنت فيه مواقع التواصل الاجتماعي، و تراجع فيه كثيرا تأثير الصحافة المكتوبة أن يتذكرها قراؤها القدامي من مختلف الأجيال والأعمار، وفي كل الدول العربية، بنشاط تكريمي، أو على الأقل بكلمة شكر، ولأن المجلة تستحق، ولأننا في موريتانيا أولى بذلك من أي بلد عربي آخر، فقد جاء هذا التكريم الذي أردنا من خلاله أن نقول للمجلة الرائدة ولرؤساء تحريرها ولكل العاملين فيها، رحم الله من توفي منهم، وأطال في عمر الأحياء: شكرا لكم على ما قدمتم للقارئ العربي من محتوى ثقافي مفيد خلال العقود الست الماضية، وشكرا لكم على استطلاعاتكم المتميزة في زاوية العربي الشهيرة "أعرف وطنك أيها العربي"، والتي عرفت العرب بعضهم ببعض.

وشكرا لكم ـ بشكل خاص ـ من موريتانيا، على الاستطلاعات المتتالية التي خصصتم لبلادنا في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وتحديدا في السنوات: 1967 و1968 و1969، وهي سنوات كانت فيها بلادنا تسعى للانضمام إلى الجامعة العربية، وكانت بأمس الحاجة إلى من يقدمها إلى العرب، فإذا بمجلة العربي ومن خلال استطلاعاتها تنصب نفسها ـ مشكورة ـ سفيرة متجولة لموريتانيا في كل البلدان العربية، فقدمت بلادنا بلسان عربي فصيح للنخب والقادة العرب على حد سواء، فمجلة العربي كانت في تلك الفترة هي أفضل صندوق بريد مضمون وسريع يمكن أن توجه من خلاله الرسائل إلى الأشقاء العرب، فقد كانت نسخها الموزعة تصل إلى 250 ألف نسخة، بل إنها زادت على ذلك الرقم في إحدى سنوات الذروة.

وكان يُطالعها بعض القادة العرب ممن يعود إليهم القرار بقبول انضمام بلادنا للجامعة العربية، فقد جاء في مقال للكاتب إبراهيم فرغلي تحت عنوان : "عهود العربي الأربعة " نُشر في العدد رقم 589 الصادر في شهر سبتمبر من العام 2007، أن عددا من رؤساء الدول العربية بعثوا رسائل تهنئة لمجلة العربي ورئيس تحريرها، و ذكر منهم : رئيس مصر جمال عبد الناصر، وملك المغرب محمد الخامس، والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، وحاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد بن خليفة، وملك ليبيا محمد إدريس السنوسي، ورئيس الحكومة المؤقتة في الجزائر فرحات عباس رحم الله الجميع.

لا يحتاج من طالع تلك الاستطلاعات الثلاث إلى جهد فكري كبير ليستنتج أن من يقف وراء تلك الاستطلاعات، كان يسعى بالفعل ـ وبكل صدق ـ إلى تعريف العرب بموريتانيا، وإلى حثِ القادة العرب بقبول انضمام موريتانيا إلى الجامعة العربية، ولكم أن تقرؤوا الآن ـ وبتأمل ـ خاتمة كل استطلاع من تلك الاستطلاعات لتتأكدوا من ذلك.

ليس هذا فقط، فعلى مستوى الدبلوماسية الثقافية، فإن استطلاعات مجلة العربي هي التي منحتنا لقب بلاد المليون شاعر، وهو اللقب الذي ما زال يُتداول بشكل واسع لدى النخب العربية.

وشكرا لمجلة العربي على ما قدمت لجيلنا ولأجيال عديدة أكبر وأخرى أصغر من محتوى ثقافي وعلمي مفيد حبب إلينا المطالعة، وشجع بعضنا على الكتابة ليكون مثل كُتَّاب العربي، وأنا من الذين يُرجعون لمجلة العربي الفضل الأكبر في التفكير بالكتابة.

وشكرا لمجلة العربي، وهذا شكر لابد أن يذكر في هذا المقام، وفي هذه الأيام بالذات، ونحن نحتفل باليوم العالمي للغة العربية، شكرا لها على ما قدمت للغة العربية خلال العقود الست الماضية من خدمات جليلة، ويكفي أن أذكر هنا ـ وكمثال سريع ـ أن كلمة "استطلاع" التي اشتهرت بها مجلة العربي قد فرضها أحمد زكي رحمه الله لتكون بديلا عربيا أصيلا لكلمة ريبورتاج.

ومن قبل أختم هذه الكلمة، فلابد من أتوجه بشكر خاص لرئيس التحرير السابق للمجلة الدكتور عادل سالم العبد الجادر الذي استضافني في مكتبه بمقر المجلة ذات زيارة للكويت في العام 2016، وعَبَّر عن استعداده لإعداد استطلاع جديد عن موريتانيا، كما أشكر رئيس التحرير الحالي إبراهيم المليفي الذي رحب بفكرة استطلاع جديد عن موريتانيا، واستجاب للدعوة التي وصلته من معالي وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان الدكتور الحسين ولد مدو، فأرسل إلى شنقيط في نسختها الحالية من مهرجان مدائن التراث فريق العربي المتميز الكاتب عبد العزيز الصوري والمصور صالح تقي، فسارا على خطى سليم زبال وأوسكار متري في العام 1968، وننتظر منهما في الأعداد القادمة من المجلة استطلاعا عن شنقيط في العام 2024 لا يقل تميزا عن أول استطلاع عن هذه المدينة، والذي نُشر في شهر سبتمبر من العام 1968 في عدد مجلة العربي رقم 118.

كان ذلك هو نص كلمتي خلال الحفل الذي أقمناه تكريماً لمجلة العربي، والذي سلمنا في ختامه وسام امتنان للمجلة كُتِب فيه: "يتقدم قراء مجلة العربي في موريتانيا من مختلف الأجيال والأعمار بجزيل الشكر والامتنان لمجلة العربي، رؤساء تحرير وعاملين، على ما قدموا من محتوى مفيد للقارئ العربي خلال 66 سنة الماضية، وعلى ما خصوا به موريتانيا من استطلاعات للتعريف بها."

نواكشوط : 17 ـ 12 ـ 2024

• يدخل حفل التكريم هذا في إطار جهود شخصية في مجال الدبلوماسية الشعبية والثقافية بدأت في العام 2016، تسعى لتعزيز العلاقات الأخوية بين الدولتين الشقيقتين : موريتانيا والكويت.

حفظ الله موريتانيا والكويت..








الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

الفساد والاستعمار وجهان لكارثة واحدة


 لا أجد فرقا كبيرا بين دولة احتلتها قوة استعمارية، ودولة أخرى احتلها الفساد، ولا أجد من حيث الآثار السلبية على الدول  والشعوب أي فوارق تذكر بين ما يمكن أن يخلفه الاستعمار من كوارث على الدول والشعوب، وما يمكن أن يخلفه الفساد من كوارث على تلك الدول والشعوب.

فإذا ما نظرنا إلى حجم الأضرار والدمار وكل الآثار السلبية التي يمكن أن يخلفها الاستعمار، وتلك التي يمكن أن يخلفها الفساد وقارنا بينها، فإننا سنستنتج دون عناء  بأن الفساد والاستعمار ما هما إلا وجهان لكارثة واحدة.

لم تجد الدول والشعوب من بعد تحررها من الاستعمار تحديا أخطر من تفشي الفساد فيها، ومع أن هناك من يرى أن الأنظمة الاستبدادية قد تكون هي الأشد خطرا على الدول  بعد التحرر من الاستعمار إلا أن هذا القول غير صحيح، فبعض الأنظمة الاستبدادية ـ حتى وإن كانت قليلة جدا وتشكل استثناءً للقاعدة لا يعتد به ـ تمكنت من أن تحدث في بلدانها تنمية، أما الدول التي تفشى فيها الفساد، وسواء كانت دولا ديمقراطية أو استبدادية ، فإنها ظلت دول متخلفة.

لا توجد دولة واحدة في هذا العالم شهدت نهضة أو تنمية في ظل تفشي الفساد فيها، ولكن توجد دول شكلت استثناءً يؤكد صحة  القاعدة التي تقول بأنه لا تنمية مع الاستبداد، حيث استطاعت تلك الدول القليلة جدا أن تحقق تنمية في ظل أنظمة استبدادية.

لا أظنني بحاجة لأن أؤكد هنا بأني لستُ من دعاة الاستبداد، ولا يمكنني ـ بأي حال من الأحوال ـ  أن أكون من المروجين له، فبالنسبة لي فلا وجود ل"مستبد عادل" كما يروج لذلك البعض، فأينما وُجد الاستبداد غاب العدل تلقائيا. كل ما في الأمر هو أني أردتُ فقط أن أبين أنه إذا كان الاستبداد كارثة، فإن الفساد كارثة أكبر وأخطر، وأنه بعد التحرر من الاستعمار لا شيء  يمكن أن تبتلى به الدول أخطر من تفشي الفساد فيها.

وإذا كان الاستعمار ينهب ويسرق ثروات الشعوب فإن الفساد ينهب تلك الثروات ويسرقها، وربما بحجم أكبر، وإذا كان الاستعمار يُفسد القيم ويضعف الانتماء للوطن، ويدمر التعليم، ويتسبب في عدم الاستقرار، فإن الفساد يفعل نفس الشيء، فهو يهدد الاستقرار، ويضعف الانتماء للوطن، ويفسد القيم ويقلبها رأسا على عقب، ويدمر التعليم، وبه تنهار الصحة، وتضعف اللحمة الوطنية، هذا فضلا عن كونه يقضي على ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة وهيبتها.

وإذا كان الاستعمار يحتاج إلى حرب تحرير يشارك فيها الجميع للتحرر منه، فإن الفساد يحتاج كذلك إلى حرب تحرير يُشارك فيها الجميع للتحرر منه.

ويبقى السؤال : هل نحن في موريتانيا على استعداد اليوم لخوض حرب تحررية حقيقية ضد الفساد الذي تفشى في بلادنا؟

اترك لكم الإجابة، على هذا السؤال الذي قررتُ أن أطرحه عليكم بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الفساد.  

حفظ الله موريتانيا..


الخميس، 5 ديسمبر 2024

عن لافتة حزب الإنصاف في سيلبابي!


أثارت لافتة حزب الإنصاف التي ظهرت مؤخرا في نشاط نظمه الحزب في مدينة سيلبابي جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، وتعليقا على ذلك الجدل ـ ومع الاعتذار مسبقا عن التأخر بسبب الانشغال في فاجعة دار النعيم ـ فإليكم تعليقي، والذي سأناقش من خلاله الموضوع من زوايا أخرى، وسأفتتح التعليق بالتذكير بنص المادة 66 من القانون رقم 017/2018 المنظم للإشهار.

تقول هذه المادة : " تصاغ رسائل الإشهار على عموم التراب الوطني باللغة الرسمية واللغات الوطنية حسب الجمهور المستهدف، مع وجوب مراعاة سلامتها نحويا، ويمكن استخدام لغات أجنبية عند الاقتضاء...وتكون اللغة الأجنبية وجوبا تحت اللغة الرسمية أو اللغات الوطنية إذا رتبت اللغات بشكل عمودي من الأعلى إلى الأسفل، وتكون اللغة الأجنبية على اليسار إذا رتبت اللغات أفقيا من اليمين إلى الشمال"؛

من الناحية الشكلية فقد كان من الأنسب أن تقول المادة من اليمين إلى اليسار بدلا من قولها من اليمين إلى الشمال."

وبخصوص المضمون، فيظهر من هذه المادة:

1 ـ أن كتابة اللغة الفرنسية على اللافتات ليست بالأمر الواجب، وهذا مما يجب أن يعلمه جميع منظمي الأنشطة الرسمية وغير الرسمية في بلادنا؛

2 ـ أن اللغات الأجنبية ـ وهذا مما يجب تكراره دائما ـ  لا تكتب على اللافتات وغيرها إلا عند الاقتضاء، فالأصل أن تكون اللافتة باللغة العربية فقط، ويمكن أن تُضاف إحدى لغاتنا الوطنية الأخرى حسب الجمهور المستهدف، وكان الأولى في حالتنا هذه إن كان لابد من إضافة لغة أخرى أن تكون اللغة المضافة هي السنونكية لا الفرنسية؛ 

3 ـ أن المادة 66 تحدثت عن لغات أجنبية، ولم تتحدث عن لغة أجنبية واحدة ومحددة. 

يعني هذا أنه إذا نظمت إدارة موريتانية ما نشاطا رسميا بالتعاون مع السفارة الأمريكية مثلا، فيمكن في هذه الحالة أن تكتب تلك الإدارة على لافتة النشاط  باللغة الإنجليزية بعد اللغة العربية، وأن تتجاهل كليا اللغة الفرنسية، وهي إن فعلت ذلك فلا يمكن اعتبارها قد خالفت قانون الإشهار؛

4 ـ أن وجوب مراعاة السلامة النحوية التي جاءت في المادة 66 خاصة باللغة العربية حصرا، وذلك لغياب النحو في لغاتنا الوطنية. أما اللغات الأجنبية فقد جاء ذكر السلامة النحوية من قبل أن تذكر تلك اللغات في المادة.

يظهر جليا من نص المادة 66  أنه لا يوجد أصلا ما يلزم حزب الإنصاف بكتابة اللغة الفرنسية على لافتة نشاطه في سيلبابي، وهو إن كتب اللغة الفرنسية عليها، وأخطأ في كتابتها، فلا شيء يترتب على ذلك قانونيا، أقول هذا لأني سمعتُ من يقول بأن سلطة تنظيم الإشهار قد بدأت تتحرك لمعاقبة حزب الإنصاف على لافتته المثيرة للجدل. 

لستُ ـ بطبيعة الحال ـ من دعاة "اتفلفيش" الذي عمت به البلوى، والإتقان بالنسبة لي أمرٌ مطلوب في كل الأحوال، و حتى عند مخالفة القانون، ولذا فقد كان على حزب الإنصاف بعد أن ألزم نفسه بأن يُترجم نص اللافتة إلى اللغة الفرنسية، كان عليه أن يحسن الترجمة ويتقنها، وأن يبتعد عن الترجمة السريعة من خلال الإنترنت.

المؤسف حقا أن استخدام الترجمة السريعة ودون أي تصحيح يستخدم في الغالب عند الكتابة باللغة العربية، ولكم أن تلقوا نظرة سريعة على اللافتات الإشهارية لواجهات المحلات والشركات في الأحياء الراقية، فستجدون أن الأخطاء لا تتوقف عند أخطاء ترجمة الإنترنت، بل إن الكثيرين لا يتعبوا أنفسهم بالترجمة، بل يكتفون فقط بكتابة الكلمة الأجنبية بالحرف العربي إمعانا في الاستهزاء باللغة الرسمية للبلد، ومع ذلك لا تجد من يَتَمَعَّرُ وجهه من ذلك.

المؤسف أكثر هو أن أسلوب الترجمة الذي استخدم في لافتة الإنصاف في سيلبابي هو نفس الأسلوب الذي يستخدم في الغالب عند ترجمة الوثائق الرسمية من الفرنسية إلى العربية، وهذا مما جعلني شخصيا أزهد في بعض الأحيان في المطالبة بالترجمة إلى اللغة العربية عند المشاركة في ملتقى أو ورشة تنظمها إدارة رسمية، وتوزع فيها وثائق باللغة الفرنسية فقط. 

عندما تطلب ترجمة الوثائق إلى العربية في حالة كهذه، تأتيك الوثائق مترجمة بأسلوب يُشابه كثيرا الأسلوب الذي اعتمده حزب الإنصاف في ترجمته  لافتته في سيلبابي إلى الفرنسية.

فلماذا أثارت لافتة الإنصاف في سيلبابي ضجة كبيرة، ولم تثر الأخطاء الإشهارية التي ترتكب يوميا في حق اللغة الرسمية للبلد أية ضجة؟

هناك أسباب عديدة لذلك لا يتسع المقام لتعدادها وبسطها، ولذا فسأكتفي بذكر أحد تلك الأسباب وهو أن التعود على أمر ما يؤدي إلى التعايش معه، ويصبح ـ بالتالي ـ  لا يلفت انتباه أي أحد.

وقد يصل مستوى التعود والتعايش إلى أن يصبح الخطأ عند الناس هو الصحيح، والصحيح عندهم هو الخطأ، وإليكم هذا المثال ذي الصلة القوية بما أريد إيصاله للقارئ الكريم من خلال هذا المقال.

في شهر أكتوبر من العام 2023 بدأنا في الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية بتعريب لوحات ترقيم سياراتنا، تفعيلا للمادة الثامنة من المرسوم رقم 31/2017 المنظم لترقيم لوحات السيارات، والذي أعطى مثالا للترقيم السليم (0377 أب 10)، وقد نُشر ذلك في عدد الجريدة الرسمية رقم 1388 بتاريخ 30 مايو 2017. هذا المرسوم وإن كان قد نص على الكتابة باللغتين العربية والفرنسية في بطاقة تسجيل السيارة، إلا أنه بالنسبة للوحات السيارات اقتصر فقط على اللغة العربية.

عندما بدأنا في الحملة بتعريب لوحات ترقيم سياراتنا، اتهمنا البعض بمخالفة القانون، والمصيبة الأكبر أن بعض عناصر أمن الطرق كانوا يوقفون البعض منا بحجة مخالفة القانون، مع أن من يخالف القانون حقا هو غالبية الموريتانيين التي تضع على لوحات ترقيم سياراتها الحرف اللاتيني.

بشيء من العزيمة والصبر تجاوزنا تلك المرحلة، ولكننا ما زلنا حتى الآن نواجه تحديين اثنين:

أولهما : أن لوحات ترقيم السيارات الحكومية، والتي يفترض أن تكون هي الأكثر حرصا على تطبيق القانون، ما زالت تخالف القانون؛

ثانيهما : أن البعض ممن عرَّب لوحات ترقيم سيارته دعما لنا في الحملة استخدم الأرقام الهندية بدلا من الأرقام العربية، وهو ما أحدث تشويشا وإرباكا لنا في بعض الأحيان.

إن من تسبب أصلا في هذا الإرباك والتشويش هو الجهات الرسمية نفسها، فهي التي تُصِرُّ أن تجذر الازدواجية في كل شيء، في اللغة، وحتى في الأرقام، ولذا فإنكم تجدون الأرقام الهندية في الجانب العربي من بطاقة التعريف الوطنية وجواز السفر وبطاقة تسجيل السيارة وكل الوثائق الرسمية الأخرى، بينما تجدون الأرقام العربية في الجانب الفرنسي من تلك الوثائق.

وحتى البنك المركزي فقد اعتمد نفس الأسلوب في كتابة الأعداد على وجهي الأوراق النقدية، فكانت الأرقام الهندية على الجانب العربي، والأرقام العربية على الجانب الفرنسي. 

الطريف في الأمر أن الجانب العربي في ورقة خمسين أوقية جديدة التي أطلقها البنك المركزي بمناسبة خمسينية إصدار عملتنا الوطنية تظهر فيه الأرقام الهندية والعربية معا، فتجد عليه 50 و ٥٠ في نفس الوقت.

صحيح أن الأرقام الهندية لها جذورها العربية، وصحيح كذلك أن بعض دول المشرق العربي تستخدمها، حتى وإن كان استخدامها قد بدأ يتراجع في بعض تلك الدول. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا هو أن الأرقام المستخدمة في الغرب حاليا هي أرقام عربية في الأصل، فلماذا لا نتخلص فورا من ازدواجية الترقيم في بلادنا، فنوحد الترقيم في وثائقنا الرسمية، فمن يدري فربما يساعدنا ذلك مستقبلا في التخلص من ازدواجية اللغة في إدارتنا الرسمية؟

حفظ الله موريتانيا...

الأربعاء، 4 ديسمبر 2024

خففوا من الحديث عن شرائح الضحايا...


يُحاول البعض - عن حسن نية أو سوئها -  أن يتحدث عن ردود أفعال متباينة للمجتمع مع ضحايا جرائم الاغتصاب الأخيرة، ويفسر ذلك التباين تفسيرا شرائحيا مقيتا، وهذا التفسير غير سليم. 

لقد تابعت ردود فعل المجتمع على العديد من جرائم الاغتصاب في السنوات الماضية ، ويمكنني أن أقول بأن أقوى ردة فعل مجتمعية خلال تلك السنوات جاءت بعد اغتصاب الطفلة "خدي توري" (6 سنوات)، ورميها ميتة على الشاطئ (أكتوبر 2013)، ثم تلاها من حيث مستوى تفاعل المجتمع ردة الفعل على اغتصاب الطفلة زينب (10 سنوات) ضحى وكانت في طريقها إلى المحظرة ثم حرقها من بعد ذلك (23 دجمبر 2014)، وفي كلا الجريمتين تفاصيل صادمة، مع أن الجريمة صادمة في حد ذاتها.

إن مستوى تفاعل المجتمع وردود فعله على الجرائم يتأثر كثيرا ببعض التفاصيل الخاصة بكل جريمة، لا بلون الضحية أو عرقها أو شريحتها.

هناك تفاصيل صادمة مع أن جريمة الاغتصاب في حد ذاتها صادمة، وتزيد تلك التفاصيل من مستوى تفاعل المجتمع وردود فعله على الجرائم، وهذا يحدث في كل بلدان العالم، فهناك بعض التفاصيل التي قد تثير ردود فعل المجتمع أكثر من الجريمة نفسها، وفي اعتقادي أن وجود الأب المريض الذي لا يستطيع أن يتحرك، واغتصاب ابنته أمامه هو الذي زاد من حجم ردة فعل المجتمع على الجريمة الأخيرة، ولا علاقة للانتماء العرقي للضحية بالموضوع.

يمكنني أن أجزم تحليليا أنه لو لم يوجد الأب المريض في أحداث جريمة الاغتصاب الأخيرة لمرت هذه الجريمة بردود فعل باهتة كما مرت جرائم الاغتصاب التي سبقتها. 

إن الحديث عن عرق وشريحة المجرم هو أمر مقيت، والحديث كذلك عن عرق وشريحة الضحية هو أمر مقيت، واستحضار العرق أو الشريحة للتضامن مع الضحية أو لتفسير  مستوى التضامن هو أمر مقيت كذلك.

هذا التفسير الشرائحي لردود الفعل الذي يدفع به البعض  يتناقض كثيرا مع ما يحدث من تفاعل مع بعض الجرائم الأخرى، ولدي مثال يمكن تقديمه لإسكات كل من يحاول إدخال البعد الشرائحي والعرقي في ردود المجتمع ونخبه السياسية والإعلامية على ما يحدث من جرائم في البلد.

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

16 توصية للحد من الجريمة في بلادنا


قبل ثلاث سنوات من الآن، وتحديدا في يوم السبت الموافق 10 يوليو 2021، ونظرا لتسجيل عدة جرائم بشعة في تلك الفترة، نظمنا في "جمعية خطوة للتنمية الذاتية" في إطار أنشطتنا الفكرية ندوة نقاشية تحت عنوان : " التحدي الأمني وآليات مواجهته"، وقد شارك في هذه الندوة وزير عدل سابق، ومدير مساعد للأمن سابقا، وموظف سابق بإدارة السجون، وخبير في الأدلة الجنائية، وبعض الأساتذة الجامعيين في القانون وعلم الاجتماع، ومحامون، ونشطاء في المجتمع المدني.
المشاركون في هذه الندوة  تقدموا بجملة من المقترحات والتوصيات كان من أبرزها:
1ـ خلق آلية اجتماعية لإشراك المواطن في الحفاظ على الأمن؛
 2ـ فرض إلزامية التعليم وإعادة الاعتبار للمدرسة، مع التكفل بأبناء الأسر ذات الدخل المحدود؛
 3ـ إنشاء مراكز خاصة بعلاج الإدمان؛ 
 4ـ إنشاء حاضنات ثقافية ورياضية للشباب؛
 5ـ التعامل الجاد مع كل أشكال الغبن والتهميش وكل مظاهر غياب العدالة؛
6 ـ ضرورة مشاركة المجتمع، وخصوصا نخبه، في مجال التوعية والتحسيس ضد الجريمة؛ 
 7ـ تحيين الترسانة القانونية، والعمل على تعزيز قدرات الكادر البشري في سلك القضاء وأعوانه؛
 8ـ تفعيل عمل المؤسسات الإصلاحية من أجل دمج الشباب ذوي السوابق الجنائية في الحياة النشطة؛ 
 9ـ تفعيل التجنيد الإجباري والخدمة المدنية؛
10ـ إنشاء مرصد للجريمة وتحسين آليات الإحصاء المتعلقة بالجريمة، وتمكين استفادة الباحثين منها؛
11ـ تعزيز مراقبة الحدود، ومراجعة بعض حالات الدخول إلى البلاد دون تأشيرة؛ 
12ـ إنشاء شرطة الجوار؛
13ـ تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية وتشجيع التخصصات؛
14ـ إنشاء معهد يعني بالطب الشرعي والأدلة الجنائية؛
15ـ وقف تعطيل الأحكام القضائية والصرامة في تنفيذ تلك الأحكام؛
16ـ إشراك مراكز البحث في إعداد السياسات الاستشرافية المتعلقة بالمصالح الحيوية للبلد.
بعد ذلك نظمنا في الجمعية ندوة أخرى ذات صلة بالتحديات الأمنية، ولكن هذه المرة كان التركيز على التحديات الأمنية الخارجية، وكانت الندوة تحت عنوان: "الأوضاع الأمنية والسياسية في دول الساحل، وآثارها على موريتانيا"، وقد شارك في تلك الندوة خبراء في المجال، ولم تكن مخرجاتها بأقل أهمية من مخرجات الندوة الأولى.
هذا عن الأنشطة الفكرية لجمعية خطوة، أما عن أنشطتها المتعلقة بالتكوين والتدريب، فقد أطلقت الجمعية برنامجا تدريبيا رائدا لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية، وجاء هذا البرنامج التدريبي في إطار تفعيل الجمعية لبعض توصيات المشاركين في الندوة الأولى.
تمكنا في الجمعية من تنظيم دورات تدريبية لصالح العشرات من الشباب في  نواكشوط ولعيون وأكجوجت، وتقدمنا بمقترحين في غاية الأهمية لتوسيع هذا البرنامج ليشمل أكبر عدد ممكن من الشباب، أولهما وجهناه لمعالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم، وذلك من أجل إطلاق برنامج تدريبي واسع لاكتشاف المواهب الشبابية في المدارس الثانوية خلال العام الدراسي الحالي، وثانيهما لمعالي وزير تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية، وذلك من أجل إطلاق برنامج تدريبي مماثل لصالح الشباب النشط في الأندية والجمعيات الشبابية.
لم نجد ـ حتى الآن ـ  أيَّ رد على أيٍّ من المقترحين، ومع ذلك فإننا لن نتوقف في الجمعية عن تقديم ما يمكننا تقديمه بجهودنا الذاتية لصالح شبابنا، ولن نتوقف كذلك عن تقديم المقترحات للجهات المعنية للقيام بما يجب القيام به لصالح شبابنا، فواقع شبابنا اليوم، وتفشي المخدرات والجريمة في صفوف فئات واسعة منه، وتنامي روح اليأس والإحباط في صفوفه ينذران بخطر كبير، وهو ما يستدعي منا جميعا التحرك السريع ومن قبل فوات الأوان، وابتداع أساليب جديدة  للتعامل مع الشباب، تختلف عن تلك الأساليب القديمة التي تسببت في ضياع الكثير من شبابنا، والتي بدأنا نحصد للأسف ثمارها من خلال ما نعيشه اليوم من جرائم غير مسبوقة، فوراء كل جريمة من تلك الجرائم التي يرتكبها قاصر أو شاب، أسرة فشلت في التربية، ومدرسة أخفقت في التعليم، ومجتمع بل ودولة بكاملها هيئاتها الرسمية والمدنية لم تتمكن من توفير ما يلزم من رعاية واحتضان لذلك الشاب أو القاصر الذي تحول إلى مجرم.  
حفظ الله موريتانيا..

الجمعة، 29 نوفمبر 2024

بيان


طالعنا في "منتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية" بيان مجلس الوزراء الأخير، المنعقد يوم الأربعاء 27 نوفمبر 2024، وقد استوقفتنا فقرة تُنشر لأول مرة في بيانٍ لمجلس الوزراء، تُوَّضحُ أن عملية الإعفاء من المهام التي اتُخذت في المجلس، كانت بناءً على تقرير أصدرته المفتشية العامة للدولة إثر مهمة تفتيش قامت بها لإحدى المؤسسات العمومية في البلد.

إننا في "منتدى 24 ـ 29" لنثمن كثيرا ورود هذه الفقرة لأول مرة في بيانٍ لمجلس الوزراء، وذلك لكونها سترفع من قيمة تقارير واحدة من أهم هيئات الرقابة في البلد (المفتشية العامة للدولة)، وذلك بعد أن رُفِع من مكانة الهيئة نفسها في وقت سابق بإلحاقها برئاسة الجمهورية.

ونحن في المنتدى إذ نُثمن عاليا هذه الخطوة المهمة وذات الدلالة، والتي لا شك أنها ستنعكس إيجابا على واحد من أهم الملفات في برنامج فخامة رئيس الجمهورية التي نتابعها في المنتدى (الحرب على الفساد)، فإننا بهذه المناسبة، وسعيا إلى إعطاء تقارير المفتشية العامة للدولة المزيد من الأهمية، فإننا ندعو إلى:

1 ـ  عدم تعيين من أعْفِي أو جُرِّدَ من مهامه بناء على تقارير المفتشية العامة للدولة، أو تقارير أي جهاز رقابي آخر، وأن يستمر الحرمان من التعيين على طول المأمورية (2024 ـ 2029)؛

2 ـ عدم ترشيح من أدين في ملف فساد لأي مقعد انتخابي، وأن تتبنى الأحزاب السياسية ميثاقا شرفيا بذلك، ويتأكد الأمر بالنسبة لحزب الإنصاف، وذلك باعتباره أكبر حزب داعم لفخامة رئيس الجمهورية، والذي جعل الالتزام بمحاربة الفساد  من أهم  الالتزامات في برنامجه الانتخابي؛

3 ـ عدم السماح بالإفلات من العقاب في حالة الإدانة بتهم تتعلق بالفساد، وذلك تنفيذا  لما جاء من التزامات قوية بهذا الخصوص في برنامج "طموحي للوطن" ورسالة إعلان الترشح، والتي قال فيها فخامة رئيس الجمهورية: "سنضرب بيد من حديد، ونواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام، ومن أجل ذلك سنتخذ مع بداية المأمورية المقبلة كل الإجراءات الضرورية لتعبئة الأجهزة الإدارية والرقابية والقضائية كافة من أجل تحقيق هذا الهدف".

وتنفيذا كذلك لما جاء في إعلان السياسة العامة للحكومة في هذا الصدد، حيث أكد معالي الوزير الأول في خطابه أمام البرلمان بأن الحكومة ستعمل على : "توفير الشروط اللازمة لتعزيز الدور الرادع للقضاء في مكافحة الفساد إجمالا، وفي منع الإفلات من العقاب".

وفي الأخير، فإننا في المنتدى نتقدم بأخلص التهاني وأصدق التبريكات لفخامة رئيس الجمهورية وللشعب الموريتاني بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال الوطني، ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نُذَكِّر بأن الفساد لا يختلف كثيرا عن الاستعمار، فإذا كان الاستعمار ينهب خيرات البلد، فإن الفساد ينهبها كذلك، وإذا كان الاستعمار يُفسد قيم المجتمع فإن الفساد يفسدها كذلك، وإذا كانت محاربة الاستعمار ومقاومته شكلت بالنسبة للآباء والأجداد حربا مصيرية، فإن محاربة الفساد يجب أن تُشَكِّل بالنسبة لنا اليوم حربا مصيرية، وقد وصفها فخامة رئيس الجمهورية في خطاب التنصيب بالحرب المصيرية، وهو ما يعني أن مستقبل بلدنا مرهون بالنتائج التي سيحقق في حربه المصيرية التي يخوض ضد الفساد.

نواكشوط : 28 نوفمبر 2024

اللجنة التأسيسية لمنتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية.

#منتدى24_29

فرنسا لم تعد كما كانت!


و مازال في موريتانيا من يكلمك بلغة خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي، فيحدثك عن فرنسا في العام 2024 بصفتها قوة عظمى اقتصاديا وعسكريا ودبلوماسيا، وأنها هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في إفريقيا الغربية!

وما زال في موريتانيا من يعبد صنم فرنسا ويقدس لغتها، ويقول لك بأننا في موريتانيا لا يمكن أن نستغني عن اللغة الفرنسية لأنها لغة علم ولغة انفتاح على العالم!

يا هذا استيقظ، فنومك قد طال، استيقظ من قبل فوات الأوان، فمن يدري فربما تجد نفسك بعد عقد أو عقدين من الزمن بحاجة إلى لغة أخرى غير الفرنسية لتتفاهم مع الفرنسيين في قلب العاصمة باريس.

مرة أخرى، أجدد القول بأنه لا مشكلة لي مع فرنسا ولغتها، فأهلا بعلاقات صداقة وشراكة مع فرنسا قائمة على احترام مبدأ السيادة الوطنية، لا هيمتة فيها ولا استعلاء، وأهلا باللغة الفرنسية بصفتها لغة أجنبية أولى في موريتانيا، وأقول لغة أجنبية، أي لا يحق لها أن تغتصب مكانة في الإدارة أو التعليم كان يجب أن تبقى خالصة للغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية.

على فرنسا أن تدرك بأنها لم تعد قوة عظمى تمتلك من القدرات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية ما يؤهلها للحفاظ على علاقات قائمة على الهيمتة والاستعلاء مع مستعمراتها القديمة.

وعليها أن تدرك كذلك أن لغتها لم تعد لغة علم وانفتاح على العالم بالدرجة التي تؤهلها لأن تأخذ مكانة أي لغة رسمية أخرى في أي بلد من بلدان العالم.

يكفي اللغة الفرنسية أن تصنف اليوم في موريتانيا أنها اللغة الأجنبية الأولى، وأن لا نجعل مكانها اللغة الانجليزية، فنعتبرها اللغة الأجنبية الأولى كما فعلت بلدان أخرى.

وما على فرنسا أن تدركه  هو أن استمرارها في محاولة انتزاع مكانة للغتها على حساب لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مواقف متشددة في غير صالحها، كالمطالبة بجعل اللغة الانجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا بدلا من اللغة الفرنسية، ومما لا شك فيه أن إبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية في موريتانيا سيجلب لنا مصالح أكثر، ولمن يشك في ذلك فيمكنه أن يسأل رواندا.

#معا_لتفعيل_المادة6



الثلاثاء، 26 نوفمبر 2024

هل ستتم دعوة مجلة العربي لمهرجان شنقيط؟


في العام 2016 زرتُ الكويت بدعوة كريمة من وزير الإعلام الكويتي، وكان حينها الشيخ سلمان الحمود الصباح، وعلى هامش تلك الزيارة شرفني الدكتور عادل سالم العبد الجادر رئيس تحرير مجلة العربي في ذلك الوقت بلقاء في مكتبه بمقر المجلة، وخلال اللقاء اقترحتُ عل  إدارة المجلة برمجة زيارة إلى موريتانيا لإجراء استطلاع عن مدينة وادان بمناسبة النسخة التي كانت ستنظم في تلك الفترة من مهرجان المدن القديمة في مدينة وادان.

حصلتُ على موافقة مبدئية من رئيس تحرير العربي الذي رحب كثيرا بالمقترح، كما أن وكيل وزارة الاعلام الكويتي حينها (سيصبح فيما بعد وزيرا) تعهد ـ مشكورا ـ باسم الوزارة بتحمل كل تكاليف الزيارة وبتذليل كل المصاعب الفنية التي قد تعيق تنظيمها. 

لم تتم تلك الزيارة، ولم يكن متاحا لي في تلك الفترة أن أنسق موضوعها مع وزارة الثقافة، بسبب التصنيف السياسي في تلك الفترة.

أظن أن الفرصة متاحة اليوم أمام وزارة الثقافة لدعوة مجلة العربي لحضور مهرجان مدائن التراث الذي سينظم هذا العام بمدينة شنقيط، خاصة وأن مجلة العربي كانت قد خصصت استطلاعها الثاني عن موريتانيا، والذي جاء في العدد رقم  118 الصادر بتاريخ 1 سبتمبر 1968 لمدينة شنقيط، وكان بعنوان : "تحت هذه الرمال ترقد شنقيط". وفي هذا الاستطلاع المتميز قدمت مجلة العربي لقرائها العرب شيئا من تراث شنقيط، وثروتها الثقافية المهددة بالضياع، وكشفت في ذات الوقت عن تعلق الموريتانيين بالثقافة. 

فكم هو جميل أن تعود مجلة العربي إلى مدينة شنقيط باستطلاع جديد بعد أكثر من نصف قرن (56 عاما) من أول استطلاع  لها عن هذه المدينة.

تستحق مجلة العربي الكثير على الموريتانيين، فقد كانت في عقد الستينيات من القرن الماضي بمثابة سفارة متنقلة لموريتانيا في الدول العربية، وذلك من قبل أن تنضم بلادنا للجامعة العربية.

الأحد، 24 نوفمبر 2024

المادة 61 خط أحمر !

                                                                                     


أُعْلِن مؤخرا عن تشكيل لجنة برلمانية لمراجعة النظام الداخلي للجمعية الوطنية، وتتشكل هذه اللجنة من 13 نائبا، ويترأسها النائب سيدينا سوخنه.

قد يبدو لكم ـ ولأول وهلة ـ أن هذا الخبر هو مجرد خبر عادي يخص النواب لوحدهم، ولا يستحق أي تعليق من خارج الجمعية الوطنية. ربما يكون الأمر كذلك بالنسبة لكم، ولكنه بالنسبة لي، أنا الذي كنتُ شاهدا في الفترة الماضية على معركة شرسة لم يعلن عن دوافعها الحقيقية، وغابت تفاصيلها عن الرأي العام، وكانت ساحتها الخفية المادة 61، فإن هذا الخبر بالنسبة لي ليس خبرا عاديا، ولا شأنا داخليا يخص النواب، وإنما هو خبر مقلق، إن كانت المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية من بين المواد المستهدفة بهذه المراجعة.

عن أول تعديل للمادة 61

في شهر يوليو من العام 2019 أُجْرِيَّ أول تعديل على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، وكانت ردود الأفعال المناهضة لذلك التعديل قوية جدا، وكانت تُدافع في مجملها، حتى وإن لم يُعلن عن ذلك، عن مكانة اغتصبتها اللغة الفرنسية في جمعيتنا الوطنية، وبغير وجه حق.

لقد بذل الرئيس السابق للبرلمان الشيخ ولد بايه، وهذا مما يُحسب له، جهدا كبيرا لصالح لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية خلال فترة رئاسته للبرلمان، ومن ذلك الجهد أنه تمكن في ظل رئاسته للبرلمان من إجراء تعديل على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، ليصبح نصها بعد التعديل :" تُوفر إدارة الجمعية الوطنية الترجمة الفورية لمداولات البرلمان باللغات الوطنية".  

تَرتَّب على هذا التعديل، أن اتخذ ولد بايه إجراءات في غاية الأهمية مكنت في المحصلة النهائية من ترجمة  كل مداخلات النواب  في البرلمان إلى كل اللغات الوطنية، بل أكثر من ذلك فقد أصبح بإمكان كل موريتاني أينما كان، أن يستمع لكل ما يدور في غرفته التشريعية من نقاش بلغته الأم أيا كانت لغته الأم، وكان ذلك بفضل تعديل المادة 61، واكتتاب مترجمين للغات الوطنية، وإطلاق قناة البرلمانية المتخصصة في بث مداولات البرلمان، والتي يصل بثها إلى الجميع. 

بعد هذا التعديل الهام شُنَّت حرب إعلامية شرسة ضد الرئيس السابق للجمعية الوطنية، وقد قيل حينها إنه منع التحدث باللغة الفرنسية في البرلمان، وهذا غير صحيح، فكل ما فعله الرجل هو أنه ألزم بترجمة المداخلات التي يتحدث أصحابها بإحدى لغاتنا الوطنية، وأوقف الترجمة من وإلى اللغة الفرنسية، مع السماح لكل من يريد من النواب أن يتحدث بالفرنسية أن يتحدث بها، ولكن من دون الاستفادة من خدمة الترجمة الفورية التي أصبحت خاصة بلغاتنا الوطنية.

هذا هو ما حدث بالضبط حينها، مع أن الطبيعي، لو كان برلماننا يعمل بشكل طبيعي كبقية البرلمانات في العالم، أن يُحَرَّم، بل ويُجَرَّم الحديث بأي لغة أجنبية داخله، ففي البرلمان الفرنسي مثلا يُحظر استخدام أي لغة غير الفرنسية، وفي تونس التي تصل فيها نسبة المتحدثين باللغة الفرنسية إلى ما يقارب 50 % من الشعب التونسي، فإن المادة 104 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي تحظر استخدام اللغة الفرنسية داخل البرلمان، وفي المغرب يحظر استخدام أي لغة غير العربية والأمازيغية داخل البرلمان المغربي، وفي الجزائر نفس الشيء، وهكذا في العديد من دول العالم.

لم يحظر ولد بايه الحديث باللغة الفرنسية داخل الغرفة التشريعية، وهذا ما كان يجب أن يحصل، وإنما اكتفى ـ وهذا هو أقل ما يجب ـ بأن أوقف الترجمة من وإلى الفرنسية، ومع ذلك فقد شُنت ضد الرجل حملة إعلامية شرسة، فأصدرت بعض أحزاب المعارضة وبعض الجهات المحسوبة عليها، بيانات شديدة اللهجة للتنديد بهذا التعديل، وبدأت إذاعة فرنسا الدولية في التحريض ونشر الأكاذيب  في محاولة لتأجيج الرأي العام لفرانكفوني ضد التعديل.  وقد بلغ حجم التلفيق بالإذاعة أن قالت في إحدى نشراتها على لسان مراسلها في نواكشوط الصحفي "سالم مجبور سالم" إن اللغة الفرنسية ـ حسب الدستور الموريتاني ـ هي لغة عمل في موريتانيا!!!

كما أنها قالت في نفس النشرة بأنه قد تم تحريم التحدث باللغة الفرنسية في مداولات البرلمان الموريتاني، وهي المغالطة التي كررتها في خبر نشرته على موقعها يوم 03 ـ 02 ـ 2020 عند منتصف الليل وست وعشرين دقيقة، واختارت أن تعنونه بنفس الكذبة التي تقول بأنه تم تحريم التحدث باللغة الفرنسية في البرلمان الموريتاني.

ولم تتوقف الحملة ضد تعديل المادة 61 عند تلفيق إذاعة فرنسا الدولية، بل إن السفير الفرنسي في نواكشوط شارك في الجهود الرامية لإعادة الترجمة من وإلى اللغة الفرنسية، حيث ذكرت بعض وسائل الإعلام المحلية أنه استدعى بعض النواب، وحثهم على التمسك بالمطالبة بتوفير ترجمة مداولات البرلمان من وإلى اللغة الفرنسية، ومع أن السفارة الفرنسية نفت فيما بعد هذا اللقاء، إلا أن هناك قرائن عديدة لا يناسب المقام لذكرها تدعم صحة ما تحدثت عنه بعض وسائل الإعلام المحلية عن لقاء السفير الفرنسي ببعض النواب.

أول محاولة للالتفاف على التعديل

في شهر يناير من العام 2022 تم تشكيل لجنة برلمانية جديدة من 5 نواب لمراجعة النظام الداخلي للجمعية الوطنية، وكانت هناك محاولة جادة لتعديل المادة 61. فبعد شيء من التقصي قمتُ به حينها، وبعد اتصال ببعض أعضاء اللجنة، فهمتُ أن هناك محاولة جدية لتعديل هذه المادة يقودها أحد النواب، ويدعمه أربعة نواب من خمسة هم أعضاء اللجنة، والحجة التي كان يُدفع بها هي أن اللجنة ترى أن ترجمة الجمعية الوطنية للمداخلات باللغات الوطنية كانت مسألة في غاية الأهمية ويجب أن تستمر، ولكن ـ والمشاكل تأتي دائما بعد ولكن ـ فإن اللجنة ترى أنه من المهم كذلك أن تشمل الترجمة أيضا المداخلات المقدمة باللغة الفرنسية.

لا تخفى بالطبع خطورة العودة إلى ترجمة المداخلات باللغة الفرنسية، فخطوة كهذه، وبالإضافة إلى أنها ستشكل مساسا بالسيادة الوطنية في غرفتنا التشريعية، وتعدُّ شذوذا عن أعراف البرلمانات في العالم، فإنها ستشكل أيضا  طعنة قوية في الظهر، بل وفي الصدر أيضا، للغاتنا الوطنية الثلاث.

إن العديد من النواب الناطقين بلغاتنا الوطنية الثلاث ما زال يرفض ـ حتى الآن ـ التحدث بلغته الأم في البرلمان، ومن المؤسف أن بعض هؤلاء النواب لا يتذكر لغته الأم إلا عند ما يتم الحديث عن تفعيل ترسيم اللغة العربية، فهنا وهنا فقط يتذكرها، بل إنه قد يُطالب بترسيمها، ومساواتها قانونيا باللغة العربية، ولا يخفى أن طلبا كهذا لا يقصد من ورائه إلا الوقوف ضد تفعيل ترسيم اللغة العربية، فهل سمعتم عن وجود دولة في هذا العالم لا يتجاوز سكانها خمسة ملايين، لديها أربع لغات رسمية؟

إن المطلوب لمن يهتم حقا بلغاتنا الوطنية، هو أن يعمل على تطويرها لتصبح قابلة للكتابة، وأن يسعى لحضورها بشكل أوسع في الفضاءات العامة، وقد اتخذت في  السنوات الأخيرة خطوات مهمة في هذا الاتجاه، حيث أُطلقت وحدة لتدريس لغاتنا الوطنية لشعبتي القضاء والإدارة في المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، وبدأ تدريسها في المدارس بشكل متدرج، تنفيذا لما جاء في القانون التوجيهي للنظام التربوي، هذا بالإضافة إلى توفير الترجمة منها وإليها في الجمعية الوطنية، ولا تقل هذه الخطوة الأخيرة أهمية عن سابقتيها، ومع ذلك ـ وهذا من غرائب الأمور ـ فقد وقف بعض الناطقين بلغاتنا الوطنية ضد هذه الخطوة، ورفض بعضهم أن يتحدث بلغته الأم في البرلمان، ولعل خير مثال يمكن تقديمه هنا هو رفض أحد النواب الشباب المحسوببين على المعارضة أن يتحدث بلغته الأم في أول مداخلة له في البرلمان، وتحدث بدلا منها باللغة الفرنسية، وقد شجعه على ذلك بعض نواب المعارضة، رغم أن حديثه بلغته الأم كان سيترجم إلى كل اللغات الوطنية، وهو ما سيمكن كل الموريتانيين من سماع مداخلته بلغاتهم الأم، ففضل بدلا من ذلك، الحديث باللغة الفرنسية، مع علمه مسبقا بأن مداخلته لن تترجم إلى اللغات الوطنية، ولن تفهمها إلا القلة القليلة جدا من الموريتانيين التي تفهم اللغة الفرنسية، والتي لا تصل نسبتها إلى 10% من مجموع الموريتانيين. 

إن أي تعديل جديد للمادة 61، يهدف إلى فتح المجال مرة أخرى للترجمة من وإلى اللغة الفرنسية، سيجعل بعض النواب النطاقين بلغاتنا الوطنية الثلاث، والذين بدؤوا يتحدثون في البرلمان بلغاتهم الأم، يتوقفون عن الحديث بها، ويعودون إلى الحديث باللغة الفرنسية بعد أن ضُمِنَتْ لهم ترجمة مداخلاتهم باللغة الفرنسية إلى كل اللغات الوطنية، وسيعني ذلك تراجع استخدام لغاتنا الوطنية في البرلمان، أي انحسار استخدامها في فضائنا التشريعي.

وشهادة للتاريخ، فإن الذي وقف بحزم ضد هذا التعديل هو الرئيس السابق للبرلمان الشيخ ولد بايه، والذي ينقل عنه أنه قال ما مضمونه: إن المادة 61 لن تمس، ولن يجرى عليها أي تعديل جديد، ما دمتُ أنا رئيسا للبرلمان.

لا مشكلة لديَّ مع فرنسا ولغتها

يحاول بعض لفرانكفونيين، ممن لا يجد حججا مقنعة، ولا حتى حججا غير مقنعة، يُدافع بها عن استمرار اغتصاب اللغة الفرنسية لمساحات لا تستحقها في الإدارة والتعليم في موريتانيا، يحاول أولئك أن يلصقوا بي ـ وبغيري من المدافعين عن لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية ـ  تهمة "معاداة الفرنسية" أو "معاداة فرنسا"، ولؤلئك أقول، وكما قلتُ سابقا: إذا برَّ الابن والديه فهذا لا يعني أنه عاق لآباء وأمهات الآخرين، وإذا أحب المواطن وطنه فهذا لا يعني أنه يبغض أوطان الآخرين، وإذا دافع هذا المواطن عن لغته الرسمية أو لغاته الوطنية، فهذا لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ  أنه يعادي لغات الآخرين.

إن العاق حقا هو من يعق والديه، حتى وإن برَّ كل الآباء والأمهات في العالم، والخائن حقا هو من يخون وطنه، حتى وإن ضحى بحياته من أجل أي دولة أخرى في العالم، والمستلَبُ حقا هو من لا يتعلم اللغة التي نزل بها القرآن، ولا يدافع عنها، ولا يفتخر بأن لغة بلده الرسمية هي اللغة التي اختارها الله لتكون لغة القرآن العظيم، ووعاء الشريعة الإسلامية.  إن المستلب حقا هو من لا يتعلم لغة بلده الرسمية، ولا يدافع عنها، ولا يفتخر بها، وسيبقى هذا المستلبُ مستلبا حتى وإن تعلم كل لغات العالم الأخرى.

تلك كلمة كان لابد أن تقال ـ وبأعلى صوت ـ عن لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، وما دامت تلك الكلمة قد قيلت، فإليكم كلمة مكملة عن فرنسا ولغتها.

فيا أيها لفرانكفونيون الذين تتهمونني ب"معاداة الفرنسية" : أنا لستُ معاديا للغة الفرنسية، واللغات ليس أصلا محل عداء أو كره، وأنا من الذين يرون أن تعلم أي لغة مهما كانت يعتبر إضافة وميزة لمن تعلمها، وليست منقصة أبدا، خاصة إن تعلم تلك اللغة بعد تعلم لغة بلده الرسمية، والتي هي بالمناسبة لغة كل مسلم في هذا العالم يريد أن يتدبر القرآن أو أن يتفقه في دينه. 

وأنا من الذين يرون ـ وهنا سأزيدكم من الشعر بيتا ـ أن فرنسا يجب أن تكون أقرب لبلدنا من كل دول الغرب الأخرى، وأن علاقتنا معها يجب أن تكون أقوى من علاقاتنا مع أي دولة غربية أخرى، وأرى كذلك أن اللغة الفرنسية يجب أن تكون اللغة الأجنبية الأولى في بلدنا، حتى وإن كنتُ أدركُ أن جعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى في بلدنا قد يجلب لنا مصالح أكثر، وأن إقامة علاقات أقوى مع دول غربية أخرى غير فرنسا قد يجلب لنا كذلك مصالح أكثر.

نعم إن فرنسا ولغتها، وبحكم تاريخ العلاقات بين بَلدينا، وهي علاقات لم تكن في مصلحتنا دائما، ففرنسا المستعمرة لم تترك لنا من بنية تحتية إلا مباني قليلة أغلبها كان من الطين، وأكثرها كان سجونا. أقول إن فرنسا ولغتها، ورغم كل ما يمكن أن يُستحضر من ماض غير مشرف، يجب أن تحظى في بلادنا بمكانة خاصة بالقياس مع دول الغرب الأخرى ولغاتهم، ويجب أن تمنح اللغة الفرنسية كلغة أجنبية، مكانة خاصة في بلدنا بالقياس مع اللغات الأجنبية الأخرى، وتُمنح فرنسا علاقات خاصة بالقياس مع دول الغرب الأخرى.

هذا ما أراه بخصوص علاقتنا بفرنسا ولغتها، ولكن على فرنسا أن تعلم ومن الآن،  بأن استمرار اغتصاب اللغة الفرنسية لمكانة لا تستحقها في إدارتنا أو في تعليمنا على حساب لغتنا الرسمية أو لغاتنا الوطنية لم يعد مقبولا، بأي حال من الأحوال.

نعم للغة الفرنسية بصفتها لغة أجنبية أولى في موريتانيا، ولا، وألف لا، للسماح لهذه اللغة الأجنبية بأن تغتصب، ولو ملليمترا واحدا، من فضاءاتنا الرسمية وشبه الرسمية، والتي يجب أن تبقى حكرا للغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية. 

على فرنسا أن تأخذ العبرة مما جرى في بعض مستعمراتها السابقة في إفريقيا، وعليها أن تدرك بأن استمرارها في محاولة فرض هيمنتها ولغتها على شعوب ودول مستقلة، سيأتي بنتائج سلبية، وقد يولد عداءً قويا لدى شعوب تلك الدول لفرنسا ولكل ما لها به علاقة، مثلما ما حصل في مالي والنيجر واتشاد وفي دول إفريقية أخرى.

عذرا، يبدو أن المقال قد تجاوز أضعاف المساحة المخصصة له، ومع ذلك فقد بقي في الصدر كثيرٌ مما كان يجب أن يُقال، وفي ختام هذا المقال أذكر بما بدأتُ به : المادة 61 خطٌ أحمر.

حفظ الله موريتانيا..


الثلاثاء، 19 نوفمبر 2024

متى ستتوقف الإساءة إلى اللغة الرسمية للبلد؟


في الوقت الذي تستعدُّ فيه بلادنا (حكومة وشعبا) لتخليد الذكرى الرابعة والستين للاستقلال الوطني، وفي الوقت الذي تُحضِّر فيه الهيئات العاملة من أجل التمكين للغة العربية لتخليد شهر اللغة العربية في موريتانيا، في هذا الوقت بالذات تعرضت اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية للعديد من الإساءات من مؤسسات رسمية يُفترض فيها أنها تسهر على تطبيق القانون.

لم تسلم اللغة العربية في هذا البلد من الإساءة على طول السنة، وحتى في شهر الاستقلال وشهر اللغة العربية، فإنها لم تسلم من الإساءة، وسأكتفي هنا بتقديم ثلاثة أمثلة صادمة من تلك الإساءات المتكررة.

المثال الأول

للعلم، وعلم الشيء خيرٌ من جهله، توجد في موريتانيا هيئة رسمية تُعنى بالإشهار تدعى سلطة تنظيم الإشهار، وهذه السلطة هي المعنية  بفرض تطبيق القانون رقم 017/2018 المنظم للإشهار، والذي تقول مادته 66 : " تصاغ رسائل الإشهار على عموم التراب الوطني باللغة الرسمية واللغات الوطنية حسب الجمهور المستهدف، مع وجوب مراعاة سلامتها نحويا، ويمكن استخدام لغات أجنبية عند الاقتضاء...وتكون اللغة الأجنبية وجوبا تحت اللغة الرسمية أو اللغات الوطنية إذا رتبت اللغات بشكل عمودي من الأعلى إلى الأسفل، وتكون اللغة الأجنبية على اليسار إذا رتبت اللغات أفقيا من اليمين إلى الشمال".

إليكم الصدمة الأولى: من مرَّ خلال هذه الأيام من أمام المقر الرسمي الجديد لسلطة تنظيم سلطة الإشهار، المسؤولة عن تطبيق المادة أعلاه على كل اللافتات الإشهارية على أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية. من مرَّ من أمام ذلك المقر، وتوقف أمام لافتته المثبتة على واجهته الأمامية، فلن يُشاهد حرفا عربيا واحدا على تلك اللافتة!!

المثال الثاني:

كنتُ من الذين استبشروا خيرا بتعيين وزير الصحة الحالي على قطاع الصحة، ويُعد قطاع الصحة من القطاعات الحكومية الأكثر عبادة والأشد تقديسا للغة الفرنسية. استبشرتُ خيرا بتعيين الوزير الحالي لأني طالعتُ منذ فترة تعميما موقعا باسمه خلال فترة إدارته لمركز الاستطباب الوطني، جاء فيه، وبالنص : "عملا بمقتضيات دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية الذي ينص على أن اللغة الرسمية للبلد هي اللغة العربية أطلب من الجميع التقيد في المراسلات الرسمية داخل المؤسسة وخارجها وجميع الوثائق الإدارية باللغة العربية."

لقد توقعتُ من هذا الوزير أن يحيي سنة حسنة بدأها الوزير الراحل محمد محمود ولد الديه في الفترة ما بين (1982 ـ 1984) لما تولى إدارة قطاع الصحة، ولكني بدلا من ذلك، فوجئت اليوم بهذه الصدمة، فإليكم الصدمة الثانية : 

في يوم 18 نوفمبر 2024 أشرف معالي وزير الصحة على إطلاق مشروع "عناية الموسع" لتعزيز النظام الصحي من مدينة كيهيدي، وظهرت خلف الوزير عند افتتاحه للنشاط لافتة رسمية لا توجد فيها كلمة واحدة باللغة العربية، مع وجود عشرة أسطر أو أكثر باللغة الفرنسية!!!

لقد تعودنا من وزارة الصحة تجاهل اللغة الرسمية واللغات الوطنية في كل أنشطتها، وهي لا تتذكر لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية إلا عندما تبلغ القلوب الحناجر خوفا من وباء أو جائحة، فخلال فترة جائحة كورونا نست وزارة الصحة اللغة الفرنسية تماما، أو كادت أن تنساها، وأخذت تستخدم لغاتنا الوطنية عند مخاطبة المواطنين في حملات التحسيس والتوعية ضد الجائحة التي نظمتها في تلك الفترة.

تصورا أن الوزارة أطلقت في فترة جائحة كورونا حملات تحسيسية باللغة الفرنسية فقط، والتي يجهلها أكثر من 90% من الموريتانيين، تصوروا ماذا كان سيحدث؟!

المثال الثالث


وسنتحدث فيه وبدون مقدمات عن الصدمة الثالثة، فإليكم الصدمة الثالثة:

 في يوم 18 نوفمبر 2024 سيبدأ ميناء نواذيبو المستقل استقبال العروض بخصوص مناقصة أعلن عنها في وقت سابق، واشترط ـ وكما جرت بذلك العادة ـ أن تكون العروض باللغة الفرنسية فقط.

فأيُّ صدمة أشد وقعا في النفس من أن ترفض مؤسسة رسمية استقبال وثيقة في شهر الاستقلال، لا لشيء، إلا لأنها كُتبت باللغة الرسمية للبلد!!!!!؟

وبالتأكيد فإن هذا الشرط مخالف للقانون من خمسة أوجه، وهو ما أكده منسق الشؤون القانونية في الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، الأستاذ محمد المامي مولاي أعل، والذي عدد أوجه  مخالفته للقانون في النقاط الخمس التالية:

1 ـ مخالفته للمادة 6 من الدستور، التي تجعل اللغة الرسمية هي اللغة العربية؛

2 ـ مخالفته للمادة 66 من قانون الإشهار التي توجب صياغة الرسائل الاشهارية باللغة الرسمية أو اللغات الوطنية حسب الحاجة؛

3 ـ مخالفته لتعميم رئاسة الجمهورية رقم 32 بتاريخ 11 دجمبر 1972 الذي يمنع منعا باتا رفض استقبال العروض والطلبات والملفات المحررة باللغة العربية؛

4 ـ مخالفته لمبادئ قانون الصفقات العمومية وخاصة مبدأ حرية الولوج، ومبدأ مساواة المترشحين، وشفافية الإجراءات؛

5 ـ مستوجب للإلغاء على ما قرره القضاء الإداري المقارن في عدة قرارات في كل من: فرنسا والجزائر والأردن والمغرب وموريتانيا.

أشير بخصوص رفض العروض المكتوبة باللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية من طرف أغلب ـ إن لم أقل ـ  كل الوزارات والمؤسسات الرسمية، إلى أن الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية قررت دعم ومؤازرة مؤسسة "خطوة للاستشارة والتسويق الإعلامي" في طعن إلغاء تقدمت به بخصوص مناقصة أعلن عنها الصندوق الوطني للتأمين الصحي في يوم 15 يوليو 2023، واشترط للمشاركة فيها، وكما جرت بذلك العادة، أن تقدم العروض  باللغة الفرنسية فقط.

الملف يوجد منذ فترة طويلة لدى رئيس الغرفة الإدارية في المحكمة العليا، وما زلنا في الحملة ننتظر البت فيه. 

أختم المقال بتنبيهين :

التنبيه الأول : أنه لا يمكن الاستمرار في التمييز بين مواد الدستور، فمواد الدستور يجب أن تُحترم بكاملها، ولم يعد من المقبول أن ترتفع الأصوات عند انتهاك إحدى مواد الدستور، وذلك في وقت يتم فيه تجاهل الانتهاك اليومي لمادة أخرى من الدستور، توجد في مقدمته، وأقصد المادة السادسة منه تحديدا.

لم يعد من المقبول أن تستمر الإساءة إلى اللغة الرسمية للبلد بعد مرور 64 سنة على استقلال البلاد، وبعد مرور ثلث قرن على المصادقة على دستور تقول مادته السادسة بأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

التنبيه الثاني : أيها الموريتانيون استيقظوا وتوقفوا عن عبادة "الصنم الفرنسي"، ففرنسا اليوم لم تعد كما كانت بالأمس، ولغتها في تراجع، وحتى جيراننا من الأفارقة والذين لا يملكون لغة عالمية بديلة، بدؤوا يفكرون ـ بجد ـ  في التخلي عن اللغة الفرنسية وإبدالها بلغة أخرى، بل أكثر من ذلك، فإن اللغة الفرنسية أصبحت مهددة حتى في قلب العاصمة باريس.

أيها الموريتانيون استيقظوا، من قبل أن تكتشفوا بعد سنوات قليلة أنكم أنفقتم الكثير من الجهد والمال في تعلم لغة لا مستقبل لها، فصنم اللغة الفرنسية آيل إلى السقوط بعد سنوات قليلة، وإذا كان لابد لكم أن تبيعوا لغة القرآن ولغة دستوركم بلغة أخرى، وبئس التجارة إن فعلتم ذلك، فلتبيعوها باللغة الإنجليزية، والتي هي لغة العالم في هذه الفاصلة من تاريخ البشرية، أما اللغة الفرنسية فقد أصبحت، أو كادت أن تصبح، من لغات الماضي.

حفظ الله موريتانيا..


الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

تقرير منتدى 24 ـ 29 حول المائة يوم الأولى من عمل الحكومة

منتدى 24 ـ 29 يصدر تقريرا مفصلا حول تقييمه لمائة يوم من عمل الحكومة

مدخل : في يوم الأربعاء الموافق 29 مايو 2024 أُعْلِن في العاصمة نواكشوط عن تأسيس "منتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية"، وتوجد نسخة من البيان التأسيسي للمنتدى مرفقة بهذا التقرير مع وثائق أخرى ذات صلة.

 وفي يوم الاثنين الموافق 15 يوليو 2024 أعلن مؤسسو المنتدى عن خطة عمل من تسع نقاط ستغطي عمل المنتدى خلال المأمورية الثانية لفخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني، وتضمنت هذه الخطة من بين أمور أخرى: " إصدار تقارير دورية عن مستوى الإنجاز والتقدم في تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، وخصوصا فيما يتعلق منه بمحاربة الفساد والتمكين للشباب والإصلاح الإداري، وستصدر هذه التقارير بشكل مختصر كل ثلاثة أشهر، وبشكل أكثر تفصيلا كل ستة أشهر، وبشكل مفصل وشامل كل سنة.".

وتنفيذا منا في المنتدى لهذا الالتزام من خطتنا الخمسية، فإننا نضع اليوم أمام الرأي العام الوطني تقريرنا الأول بمناسبة اكتمال المائة يوم الأولى من المأمورية الثانية.

وقبل استعراض محاور التقرير، فإنه قد يكون من المهم أن نذكر بالنقاط التالية:

1 ـ أننا في "منتدى 24 ـ 29 " نعتبر أنفسنا من خُلَّص داعمي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ولا نسعى من خلال دعمنا هذا لأي امتيازات من أي نوع، وإنما نسعى أولا وأخيرا إلى مساعدته في تنفيذ برنامجه الانتخابي الذي التزم به، ونال بموجبه ثقة الشعب الموريتاني، ولذا فإننا لن نقبل من أي جهة كانت أن تُزايد علينا في دعم الرئيس محمد الشيخ الغزواني، أو تشكك في ذلك الدعم لاعتماده على أسلوب يخرج عن إطار الأساليب التقليدية المعروفة عند الكثير من الداعمين؛

2 ـ لن نتأخر في "منتدى 24 ـ 29" في الدعاية الإعلامية وتسويق منجزات النظام الذي ندعم، ولكننا في المقابل لن نتأخر كذلك في التنبيه على أي خلل أو تقصير أو بطء قد يقع في العمل الحكومي، وذلك من أجل تصحيح ذلك الخطأ أو الخلل لضمان تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية الذي صوتنا عليه، على أحسن وجه؛

3 ـ نعتبر أنفسنا في "منتدى 24 ـ 29" شركاء في تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، حتى وإن لم نتولَّ أي مسؤولية تنفيذية في الجهاز الحكومي، فنحن بتصويتنا على هذا البرنامج أصبحنا نتحمل تلقائيا جزءا من المسؤولية في تنفيذه، وأي نجاح في تنفيذ هذا البرنامج سيكون لنا منه نصيب، وأي إخفاق ـ لا قدر الله ـ  في تنفيذه سيكون علينا منه وزر.

4 ـ إن من حقنا في "منتدى 24 ـ 29"، بل ومن واجبنا، وبصفتنا داعمين ومصوتين على برنامج رئيس الجمهورية، أن نمارس نوعا من الرقابة الشعبية على العمل الحكومي، وهي رقابة نحتاجها في الأغلبية الحاكمة، لضمان تنفيذ البرنامج الذي صوتنا عليه على أحسن وجه.

 وبالمناسبة، فإن البرنامج الانتخابي للرئيس تضمن خمسة التزامات في إطار تحسين مشاركة المواطن ورقابته للعمل الحكومي، جاء فيها : " وضع إطار قانوني لرقابة المواطنين على النشاط العمومي". كما تضمن إعلان السياسة العامة للحكومة التركيز على خمس ورشات، ومنحها الأولوية خلال الأشهر المتبقية من العام 2024، ومن بين تلك الورشات : " إشراك المواطنين في متابعة ومراقبة العمل الحكومي"، ولذا فإن هذا التقرير يستمد شرعيته في الرقابة على العمل الحكومي من برنامج رئيس الجمهورية، ومن إعلان السياسة العامة للحكومة.  

5 ـ لقد التزمنا في خطتنا الخمسية التي أعلنا عنها سابقا، بالمتابعة المستمرة لمستوى الإنجاز في ثلاثة ملفات دون غيرها، ولذا فسيقتصر تقريرنا الأول هذا على تلك الملفات، وسيكون ذلك من خلال ثلاثة محاور:

1 ـ محاربة الفساد؛

2 ـ الإصلاح الإداري؛

3 ـ تمكين الشباب.


المحور الأول /  محاربة الفساد

بدءا لنذكر بأهم ما جاء في برنامج رئيس الجمهورية "طموحي للوطن" فيما يخص محاربة الفساد، فقد جاء في البرنامج ما يلي: 

* إنشاء منظومة متكاملة لمكافحة الفساد والرشوة على مستوى القطاعين العام والخاص استنادا إلى الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، مع التركيز بصورة خاصة على :

ا ـ إنشاء آليات فعالة للإبلاغ عن الفساد تشجيعا للمبلغين عن الأعمال المشبوهة وتأمينا لهم من الانتقام؛

ب ـ تعزيز أخلاقيات المهنة في المؤسسات العمومية والخاصة، من خلال وضع مدونات للقواعد السلوكية، وآليات داخلية تُعنى بالرقابة والمتابعة؛

ج ـ مراجعة قانون مكافحة الرشوة، لا سيما فيما يتعلق بأحكام تجريم قضايا الرشوة، والتصريح بالممتلكات، وتضارب المصالح، سعيا إلى مواءمتها مع أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال؛

د ـ تنظيم حملات إعلامية للتوعية والتحسيس ضد الفساد؛

هـ ـ تبادل المعلومات بين الهيئات المكلفة بالكشف عن الفساد، بشأن الأعمال المشتبه بها؛

و ـ إرساء نظام متابعة فعال لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، يشمل على الخصوص استحداث وكالة وطنية مستقلة لمكافحة الرشوة".

ولنذكر كذلك بما جاء في إعلان السياسة العامة للحكومة، بخصوص محاربة الفساد، وذلك من خلال الفقرة التالية من خطاب معالي الوزير الأول أمام البرلمان: "أما بخصوص محاربة الفساد فإن التركيز سيكون على تعزيز الشفافية وتفعيل المساءلة ومنع الإفلات من العقاب. فقناعتنا الراسخة أن نجاح سياسة الحكومة في أي مجال كان، مشروطٌ بمستوى التصميم والصرامة الذي ستواجه به داء الفساد بمختلف روافده، فلا تنمية ولا عدل ولا إنصاف مع الفساد، ومن ثم فلا تسامح معه مطلقا.

وفي هذا الإطار ستتركز جهود الحكومة على:

ـ تطوير واستكمال الإطار القانوني لمكافحة الفساد بما يضمن تحصين القطاعات التي تعتبر أكثر عرضة له، واسترداد الأموال العامة المنهوبة، وتأمين منظومة محينة وفعالة لمكافحة الإثراء غير المشروع، وحماية كاشفي الفساد والوصول إلى المعلومات بشكل سلس؛

ـ بناء منظومة صفقات عمومية أكثر تحصينا ضد الفساد؛

ـ توفير الشروط اللازمة لتعزيز الدور الرادع للقضاء في مكافحة الفساد إجمالا وفي منع الإفلات من العقاب؛

ـ تفعيل الإطار المؤسسي لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وإنشاء مؤسسة وطنية لمحاربة الرشوة والفساد؛

ـ نشر الوعي بالآثار المدمرة للفساد وترسيخ قيم وسلوكيات النزاهة لدى الأجيال الصاعدة.

لكن علينا جميعا أن ندرك وكما أكد على ذلك صاحب الفخامة في خطاب تنصيبه أن الحرب على الفساد والرشوة وسوء التسيير حرب الجميع: حربُ المنظومات الإدارية والقضائية، حرب أجهزة الرقابة والتفتيش، حرب النخبة من علماء وأئمة وساسة ومثقفين وقادة رأي ومجتمع مدني وصحافة ومؤثرين اجتماعيين ولا سبيل للنصر فيها إلا بتضافر جهود الجميع."

ولأننا في "منتدى 24 ـ 29" نؤمن بأنه لا تنمية ولا إصلاح من دون حرب جدية على الفساد، ولا سبيل للنصر في تلك الحرب إلا بتضافر جهود الجميع كما قال فخامة الرئيس في خطاب التنصيب، ولأننا نعتقد بأن تركيز الرئيس على محاربة الفساد في برنامجه الانتخابي وفي حملته الانتخابية، قد دفع بالكثير من الموريتانيين إلى التصويت له، نظرا لكل ذلك فقد ارتأينا أن نتوقف في تقريرنا الأول عند كل النقاط التي ذكرناها سابقا من برنامج الرئيس، والتي ذُكِرَت أيضا في إعلان السياسة العامة للحكومة، نتوقف عندها نقطة نقطة، وذلك من أجل إعطاء صورة واضحة ودقيقة عمَّا قيم به خلال المائة يوم الأولى في مجال محاربة الفساد: 

ا ـ إنشاء آليات فعالة للإبلاغ عن الفساد تشجيعا للمبلغين عن الأعمال المشبوهة وتأمينا لهم من الانتقام.

بخصوص هذه النقطة، فلم نرصد أي حماية للمبلغين خلال المائة يوم الأولى، ونحن في المنتدى ما زلنا ننتظر تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تعهد بها الرئيس في برنامجه الانتخابي، والتي ستوكل إليها ـ بالإضافة إلى مهام أخرى ـ حماية المبلغين؛

ب ـ تعزيز أخلاقيات المهنة في المؤسسات العمومية والخاصة، من خلال وضع مدونات للقواعد السلوكية، وآليات داخلية تُعنى بالرقابة والمتابعة؛

بخصوص هذه النقطة، فقد تم تنظيم ورشة تكوينية لصالح المفتشيات الداخلية للقطاعات الحكومية من 30 سبتمبر إلى 02 أكتوبر 2024، وأُعِدَّ دليل تفتيش وفقا للمعايير الدولية ليكون مرجعا عمليا للمفتشين في القطاعات الحكومية. كما بدأ العمل من أجل إطلاق منصة رقمية تحت إشراف المفتشية العامة للدولة لمتابعة تنفيذ الاقتراحات الصادرة عن الهيئات الرقابية الإدارية.

ج ـ مراجعة قانون مكافحة الرشوة، لا سيما فيما يتعلق بأحكام تجريم قضايا الرشوة، والتصريح بالممتلكات، وتضارب المصالح، سعيا إلى مواءمتها مع أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال؛

بالفعل هناك مراجعة متقدمة لهذه القوانين، ونُظمت ورشات من طرف المفتشية العامة للدولة حول هذه القوانين، ونحن في انتظار تقديمها للبرلمان والمصادقة عليها.

د ـ تنظيم حملات إعلامية للتوعية والتحسيس ضد الفساد.

بخصوص هذه النقطة فلم تنظم حتى الآن حملات إعلامية للتوعية والتحسيس حول خطورة الفساد، ولكن في المقابل، فقد نُظمت ندوة رفيعة المستوى من طرف حزب الإنصاف تضمنت مداخلات جريئة في مجال مكافحة الفساد، ويبقى التحدي المطروح هو تفعيل توصيات واقتراحات المشاركين في هذه الندوة. نشير هنا إلى أهمية إطلاق حملات توعوية واسعة لخلق بيئة مجتمعية مناهضة للفساد، وهذا هدف من أهداف الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، ويمكن أن تنطلق هذه الحملات بالتزامن مع  تخليد اليوم العالمي لمكافحة الفساد (09 دجمبر 2024).

هـ ـ تبادل المعلومات بين الهيئات المكلفة بالكشف عن الفساد، بشأن الأعمال المشتبه بها. لا معلومات دقيقة لدينا بخصوص هذه النقطة تحديدا. 

و ـ إرساء نظام متابعة فعال لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، يشمل على الخصوص استحداث وكالة وطنية مستقلة لمكافحة الرشوة".

بخصوص نظام المتابعة فهناك عمل قد قيم به خلال المائة يوم الأولى، في هذا المجال، ونذكر منه:

مراجعة وتعديل بعض ترتيبات المرسوم رقم0010/ 2024 الصادر بتاريخ 11 يناير 2024 المتضمن إنشاء وتنظيم وسير عمل اللجنة الوطنية لقيادة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد من أجل إعادة هيكلة اللجنة العليا واللجنة الفنية. وبموجب تلك المراجعة فقد قلصت اللجنة العليا إلى 13 عضوا بدلا من 20 لتسهيل اتخاذ القرارات وتنفيذ الإجراءات .

كما مكنت هذه المراجعة من إدخال ممثلين في اللجنة الفنية عن المجتمع المدني والقطاع الخاص.

وبالفعل فقد اجتمعت اللجنة الوطنية لقيادة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد برئاسة معالي الوزير الأول في يوم 19 سبتمبر 2024، واتخذت القرارات التالية:

1 ـ المصادقة على خطة العمل التي قدمتها اللجنة الفنية للعام 2024 مع التوصية بتبسيط وتسريع تنفيذها؛

2 ـ التوصية بتسريع إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد (والتي التزم بها الرئيس في برنامجه الانتخابي)، وبخصوص هذه التوصية فقد تم التعاقد مع خبير لإعداد المسودة الأولى لمشروع قانون هذه الهيئة، وعينت لجنة مصغرة من الخبراء في الحكومة لمراجعة المسودة، كما نُظمت من قبل ذلك ورشة فنية مع خبراء صندوق النقد الدولي. وقد تم الانتهاء من مسودة مشروع القانون يوم 02 نوفمبر 2024، وهو في انتظار أن تعتمده الحكومة ويُعرض بعد ذلك على البرلمان. مسودة القانون المذكور تضمنت استقلالية الهيئة، وتوفير الموارد اللازمة لأداء مهامها، ونحن في المنتدى نتوقع من هذه الهيئة بعد تأسيسها أن تقوم بعمل ملموس وفعال في مجال محاربة الفساد.

3 ـ التوصية بإعداد مسودة مشروع قانون جديد للتصريح بالممتلكات والمصالح قبل منتصف شهر دجمبر القادم، وقد تم بالفعل التعاقد مع خبير وطني لإعداد مسودة مشروع هذا القانون؛

4 ـ التوصية بتقديم مسودة مراجعة قانون مكافحة الفساد طبقا للجدول المقدم. عُينت لجنة من الخبراء لمراجعة هذا القانون؛

5 ـ تكليف كل من المفتشية العامة للدولة والمفتشية العامة للمالية بتقديم تقارير كل ثلاثة أشهر إلى اللجنة عن نشاطاتها الرقابية وتقييم الأداء. من المنتظر أن تُقدم هذه التقارير إلى اللجنة خلال اجتماعها المقبل؛

6 ـ التوصية بتعديل المرسوم المنظم للمفتشية العامة للدولة لضمان إعداد تقرير سنوي عن نشاطها ونشره للجمهور لتعزيز الشفافية والمساءلة. (المفتشية العامة للدولة بصدد مراجعة المرسوم للتمكن من الاستجابة لهذه التوصية).

ستجتمع اللجنة الوطنية لقيادة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في غضون ثلاثة أشهر بعد اجتماعها الأول، حسب المبرمج، أي قبل نهاية العام الحالي لمتابعة التقدم في تنفيذ هذه القرارات، ونحن في المنتدى نؤكد بأن تقريرنا القادم سيتابع مستوى تنفيذ كل القرارات التي اتخذتها اللجنة في اجتماعها الأول.

ولأنه لا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد دون الحديث عن الصفقات العمومية، والتي يُمارس من خلالها فسادٌ واسعٌ، فلا بأس بالتذكير هنا بما تعهد به الوزير الأول في خطاب إعلان السياسة العامة للحكومة، حيث تعهد ب "بناء منظومة صفقات عمومية أكثر تحصينا ضد الفساد".

وفي هذا الإطار، فقد طالعنا عبر الإعلام، تعميما صادرا عن الوزير الأول بتاريخ 04 نوفمبر 2024، ويتحدث هذا التعميم عن بعض الاختلالات في الإجراءات المتبعة في إبرام الصفقات العمومية، وذُكِر منها : 

1 ـ عدم التطبيق التلقائي للعقوبات الناتجة عن التأخير؛

2 ـ إحالة الملفات إلى الجهات المانحة قبل عرضها على الهيئات الوطنية؛

3 ـ اللجوء إلى طرق استثنائية (صفقات التراضي) في عمليات الاقتناء ذات الطابع الاعتيادي؛

4 ـ تقاعس بعض السلطات المتعاقدة عن التعاون مع بعثات الرقابة.

يؤكد هذا التعميم، أنه وحتى الرابع من نوفمبر 2024، أي بعد الاقتراب من اكتمال المائة يوم الأولى، فإن إجراءات إبرام الصفقات العمومية ما تزال تعاني من اختلالات كبيرة، وهو ما يستوجب من الحكومة القيام بإجراءات سريعة وتدابير صارمة للحد من هذه الاختلالات، ومن بين تلك التدابير المسارعة في رقمنة الصفقات العمومية، ونشر اللوائح السوداء، وإقصاء كل الشركات والمؤسسات التي تظهر في تلك اللوائح.   

ؤ 


المحور الثاني/  إصلاح الإدارة وتقريب خدماتها من المواطن

نذكر هنا ببعض الإجراءات التي التزم بها رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي "طموحي للوطن" في مجال إصلاح الإدارة: 

ـ القيام بتدقيق تنظيمي لأجهزة الدولة بغية تحديد المهام، وضبط الاحتياجات من الموارد البشرية، ووضع تصنيف للمهن الضرورية لإنجاز تلك المهام، فضلا عن صياغة مخطط تنظيمي مناسب من منظور عقلنة الهياكل والتسيير الأمثل للموارد البشرية والمادية؛

ـ العصرنة والتحول العميق للإدارة بفضل الرافعة الرقمية التي ستسمح بمزيد من الشفافية والسرعة وتحسين جودة الخدمة، لا سيما من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، والسماح للمستخدمين بالوصول إلى البيانات العامة مما يتيح لهم إمكانية تقييم مدى جودة الخدمة، والتظلم عند الاقتضاء؛

ـ  وضع خطط مكثفة للتكوين المستمر لصالح الوكلاء العموميين يستفيدون منها طيلة مسارهم، مع جعلها إلزامية وذات دور في تقويمهم المهني، ومصحوبة بتقديم حوافز لتطوير مساراتهم المهنية؛ 

ـ مأسسة التسيير المسترشد بالنتائج داخل الإدارات العمومية، على أساس رسائل التكليف والتدبير حسب الأهداف المرسومة؛

ـ إصلاح الوظيفة العمومية، من خلال مراجعة نظام الأجور والحوافز، وتكييف القوى العاملة مع الاحتياجات، وإرساء نظام للوظيفة العمومية يعتمد على الجدارة والاستحقاق والتخطيط لاستخلاف المغادرين؛

ـ الإصلاح العميق لنظام تقاعد الموظفين المدنيين والعسكريين بهدف تحسين مستوى المعاشات دون الإخلال بالتوازنات المالية؛ 

ـ التسوية النهائية لوضع العمال غير الدائمين، بما يراعي المصلحة العامة من جهة، ومصلحة المعنيين من جهة أخرى؛

ـ وضع مسطرة معايير للتعيين في الوظائف العليا بالدولة والمناصب الوظيفية في الإدارة، وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والعدل، والفعالية بشكل أخص؛

ـ توفير الحماية للدوائر العليا من موظفي الدولة على أساس معايير محايدة لا تراعي إلا المصلحة العامة؛

ـ إعداد ميثاق للمرفق العمومي بغية تحسين جودة خدمات الإدارة وتعزيز ثقة المستخدمين فيها؛

ـ القيام تدريجيا، بمأسسة عقود الأداء بين الدولة والمؤسسات العمومية.

ولنُذكر أيضا بما جاء في إعلان السياسة العامة للحكومة في مجال إصلاح الإدارة.

"ستعمل الحكومة على عصرنة وعقلنة تنظيم الإدارة العمومية لتحويلها من إدارة إجراءات إلى إدارة مسؤوليات ومهارات ونتائج، لتصبح فعاليتها أعلى، وتخطيطها أدق، ونهجها أكثر استشرافا وشفافية، وأقرب للمواطن.

ولتحقيق كل ذلك ستعمل الحكومة على محاربة كل المسلكيات المنافية للشفافية والاستقامة أو لقيم وأخلاقيات العمل العمومي، وستقوم على وجه الخصوص بــ:

ـ تدقيق تنظيمي للإدارة العمومية بما يؤول إلى صياغة مخطط تنظيمي ملائم من منظور ترشيد بناها الإدارية والتسيير الرشيد لمواردها البشرية والمادية؛

ـ دعم وعصرنة الإدارة من خلال إطلاق برنامج واسع لرقمنتها؛

ـ إعداد ميثاق للخدمة العمومية بهدف تبني وتسريع وتحسين جودة خدمات الإدارة وتعزيز ثقة المتعاملين معها.

ـ وضع وتنفيذ خطط تكوين مكثفة للموظفين والوكلاء العموميين.

 ـ تطوير نظام تسيير موظفي ووكلاء الدولة وتحسين ظروفهم خلال الخدمة وبعد التقاعد.

 لن نناقش في هذا المحور كل النقاط التي جاءت في برنامج الرئيس في مجال إصلاح الإدارة، مثلما ما فعلنا في المحور المتعلق بمحاربة الفساد، وإنما سنتوقف عند نقطتين فقط، وسنترك بقية النقاط لتقاريرنا القادمة إن شاء الله.

سنتوقف في هذا المحور مع نقطتين من برنامج الرئيس بالغتي الأهمية في الإصلاح الإداري، إحداهما قيم بخصوصها بعمل جيد، والثانية تم تجاهلها بشكل كامل خلال المائة يوم الأولى من المأمورية الثانية.

النقطة الأولى: العصرنة والتحول العميق للإدارة بفضل الرافعة الرقمية. بخصوص هذه النقطة فقد سجلنا خلال المائة يوم الأولى ـ وبارتياح كبير ـ الخطوات المهمة التي اتخذت في سبيل رقمنة الإدارة، من خلال إطلاق بوابة رقمية للخدمات العمومية، شملت العديد من المنصات التي أطلقت بالفعل، أو التي هي قيد الإطلاق.  

ومما لاشك فيه أن رقمنة المخالفات المرورية ستساهم بالإضافة إلى تقريب الخدمات من المواطن، إلى الحد من الرشوة في القطاع الأمني، وبذلك فهي تشكل أيضا خطوة مهمة في محاربة الرشوة والفساد، حتى وإن كنا لم نذكرها في المحور المتعلق بمحاربة الفساد.

ويُعَدُّ إطلاق "منصة عين" خطوة بالغة الأهمية في سبيل تقريب خدمات الإدارة من المواطنين، فهذه المنصة ستتيح  للمواطن، ومن خلال الكتابة أو الصوت أو الصورة ـ وبأسلوب مبسط جدا ـ أن يتقدم بتظلمه أو أن يُبَلغ عن أي خلل أو تقصير في العمل الحكومي.

يُحاول البعض أن يقلل من شأن هذه المنصة بالقول بأن هناك مواطنين لا يستخدمون الأنترنت، ومع الاعتراف بوجود طائفة كبيرة من المواطنين لا صلة لها بالانترنت، إلا أنه ستبقى هناك إمكانية كبيرة لأن يستفيد أولئك من خدمات منصة عين، وذلك من خلال طلب المساعدة من الآخرين، ويصعب أن نجد اليوم مواطنا موريتانيا إلا ويوجد في محيطه العائلي أو في جواره من يمكنه أن يساعده في إرسال تظلمه إلى الجهة المعنية عبر منصة عين.

وعموما فسيبقى تثقيف المواطنين في مجال الرقمنة، والتي ستهيمن مستقبلا على كل شيء، أمرا في غاية الأهمية في حد ذاته، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال إطلاق منصات من هذا النوع، يحتاجها المواطنون، ويضطرون لاستخدامها للإبلاغ عن تظلماتهم.

خلاصة القول في هذه الجزئية، هي أن هناك جهدا كبيرا قيم به في مجال الرقمنة خلال المائة يوم الأولى، ونرجو له أن يتواصل وبنفس الوتيرة، وستبقى "منصة عين" خطوة بالغة الأهمية لتمكين المواطن من  إيصال تظلماته إلى الجهات المعنية، بوسائل وأساليب مبسطة جدا. أما بخصوص طبيعة ومستوى التعامل مع تلك التظلمات وإيجاد حلول لها، فذلك أمرٌ لن يكون بمقدورنا حسم القول فيه من خلال تقريرنا هذا، فالحسم في هذا الشأن يحتاج إلى مزيد من الوقت، ولذا فسننتظر تقريرنا القادم، وذلك بعد أن تكون قد مضت فترة مقبولة للتعامل مع شكاوى وإبلاغات  المواطنين التي أرسلت عبر المنصة، وحينها سيكون بإمكاننا أن نُقَيم مدى جدية الحكومة في التعامل مع تلك الشكاوى والإبلاغات.  

النقطة الثانية : وضع مسطرة معايير للتعيين في الوظائف العليا بالدولة والمناصب الوظيفية في الإدارة، وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والعدل، والفعالية بشكل أخص.

هذه هي النقطة الثانية من برنامج الرئيس في مجال إصلاح الإدارة التي سنتوقف معها في هذا التقرير، وهي على العكس من النقطة الأولى، فإنه لم يتخذ حتى الآن أي إجراء في سبيل تفعيلها.

ولأننا في المنتدى على قناعة تامة، بأنه لا يمكن إصلاح الإدارة وتقريب خدماتها من المواطنين، بدون تفعيل هذه النقطة بالذات، فلا إصلاح إداري بدون مصلحين، ولن يصل المصلحون للوظائف السامية في الدولة إلا إذا طُبقت معايير واضحة وصارمة للتعيين والترقية في تلك الوظائف، وهو الشيء الذي لم يحدث حتى الآن.

ولأهمية تفعيل هذه النقطة  في الإصلاح الإداري، فإننا في المنتدى نوصي بضرورة الإسراع في وضع مسطرة واضحة للتعيين والترقية في الوظائف العليا في الإدارة، وخاصة منها الوظائف العليا في القطاعات الخدمية والإنتاجية.


المحور الثالث /  التمكين للشباب    

شكل الإعلان عن وزارة تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية ووزارة للتكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف في أول حكومة في المأمورية الثانية رسالة إيجابية اتجاه الشباب، خاصة وأنه قد رُفِعَ بروتوكوليا من مكانة الوزارتين في الهيكلة الحكومية الجديدة، ورغم أهمية ذلك إلا أنه لوحظ غياب أي حديث خلال المائة يوم الأولى عن وكالة التمكين التي تعهد بها الرئيس في برنامجه الانتخابي، وذكرها في كثير من المرات في حملته الانتخابية، فهل سيتم الاكتفاء بوزارة تمكين الشباب عن وكالة التمكين للشباب؟ وهل سَتُحال المهام التي حُددت لوكالة التمكين في برنامج رئيس الجمهورية إلى وزارة تمكين الشباب؟

هذه أسئلة نحتاج في المنتدى أن نتلقى عليها إجابات واضحة من الجهات الرسمية.


لقد جاء في برنامج الرئيس تحت عنوان :" تمكين الشباب ورفع قابلية التشغيل" ما يلي :

بالإضافة إلى المراعاة الصارمة لاحتياجات الشباب في سياسات التعليم والتكوين والتشغيل والتنمية الاقتصادية، فإن عملي الموجه إلى الشباب سيركز، بشكل خاص، على إنشاء وكالة وطنية ذات مهارات أفقية، تسمى التمكين، تتوفر على موارد مالية كبيرة، وتُعنى بالتشغيل، والمساعدة في إنشاء المؤسسات، وتمويل التشغيل الذاتي، وتأطير حملة المشاريع من الشباب. ومن خلال دمج الموارد التي كانت مشتتة بين مؤسسات ومشاريع مختلفة، ستعكف وكالة التمكين، على وجه الخصوص، على ما يلي:   

ترقية سياسات التكوين المفضي إلى التشغيل التي تستهدف الشباب، ومؤازرتهم للحصول على فرص شغل مستدامة؛

إعداد وتنفيذ برنامج الفرصة الثانية للتكوين التأهيلي لصالح الشباب المتسربين من المدارس؛ 

وضع برنامج سنوي لتعزيز فرص تشغيل الشباب، ضمن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يتضمن عروض تدريب لفائدة خريجي التعليم العالي والتكوين المهني، وتكوينا في مجال ريادة الأعمال؛ 

وضع تدابير محدّدة لتسهيل ولوج الشباب إلى الموارد في قطاعات اقتصادية مثل الزراعة وصيد الأسماك، من منظور خلق مقاولات للشباب، مع مواكبتها بالدعم خلال مراحل الإنتاج والتسويق؛

وضع سياسات تهدف إلى ولوج العمالة الشبابية إلى السكن والملكية العقارية؛ 

تحفيز الشباب على الاستقرار في الولايات الداخلية من خلال تشجيع تمويل المشاريع الناجعة المرتبطة بالاقتصادات المحلية في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية وغيرها من الأنشطة، فضلا عن الصيد القاري حيثما أمكن القيام به؛ 

إدماج البعد "الشبابي" في كافة السياسات العمومية وإشراك الشباب في عمليات صنع القرار؛

إنشاء شبكة من المنظمات والجمعيات الشبابية على المستوى الوطني والجهوي وعلى مستوى المقاطعات والبلديات؛ 

اعتماد معايير تحفيزية لبرامج "التحويلات النقدية" للأسر التي توافق على استمرار أطفالها في الدراسة؛

استصلاح وتشييد وتحديث المنشآت الشبابية؛

تنظيم أنشطة اجتماعية وتثقيفية وحملات توعية حول المخاطر التي يواجهها

الشباب؛

تنظيم مسابقات للشركات الشبابية الناشئة Startup))، ومنح جوائز لأفضل المواهب في مجال الابتكار؛ 

تنظيم مخيمات صيفية أقاليمية تجمع شباب عدة ولايات من أصول وأوساط متنوعة.


هذه هي المهام التي حددها البرنامج الانتخابي للرئيس لوكالة التمكين، وبما أن الوكالة لم تتأسس حتى الآن، فستكون وزارة تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية هي المعنية بتنفيذ هذه المهام.

ومهما يكن من أمر، فإن تقييمنا في هذا المحور سيختلف عن التقييم في المحورين السابقين، وسيكون معتمدا على "شعور المستهدفين"، ولنذكر هنا بأن فخامة رئيس الجمهورية حثَّ الحكومة في رسالة التكليف على ضرورة العمل بجد ونجاعة حتى يحس المواطن ـ وبشكل سريع ـ  بأن هناك تطورا إيجابيا ملحوظا في الأداء الحكومي. كما سنعتمد في هذا التقييم على تعامل الوزارة مع المقترحات التي قد تأتي من خارجها. ومثل هذه الأساليب في تقييم الأداء الحكومي قد لا تكون شائعة الاستخدام.

كيف تتعامل وزارة الشباب مع المقترحات التي تصلها؟

لقد نظم وزير تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية خلال المائة اليوم الأولى لقاءات مع العديد من الشباب، وبعض تلك اللقاءات أثار جدلا في مواقع التواصل الاجتماعي، ويحسب للوزير تنظيمه لتلك اللقاءات الموسعة، واستماعه للعديد من الشباب، ولكن يبقى السؤال المطروح هو : هل نفذ الوزير بعض مطالب الشباب؟ وهل استأنس بآرائهم واقتراحاتهم التي قدموها في تلك اللقاءات؟

لا يمكن للتقرير أن يُجيب حاليا على تلك الأسئلة، لأن الإجابة عليها تقتضي تنظيم لقاءات مع الشباب الذين استقبلهم الوزير، والاستماع إليهم، خاصة وأن الوزارة لم تقدم حصيلة لتلك اللقاءات، وما ترتب عليها من ردود أفعال ملموسة. 

ما يمكن تأكيده هنا هو أن المنتدى على اطلاع بمقترح يتعلق ببرنامج تدريبي لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية، نعتقد بأهميته، قُدِّم للوزارة أياما قليلة بعد تشكيل الحكومة، ولم يجد هذا المقترح ـ حتى الآن ـ  أي تجاوب من أي نوع.

وفي ختام هذا التقرير، فلابد وأن نشير بأننا في المنتدى سنتابع في تقريرنا القادم  13 مشروعا خارج الملفات الثلاثة التي نركز عليها ( محاربة الفساد ـ إصلاح الإدارة ـ تمكين الشباب)، سنتابعها بعد أن وعد معالي الوزير الأول في إعلان السياسة العامة للحكومة بإكمالها قبل نهاية العام 2024.

وبما أن تقريرنا الحالي صدر من قبل اكتمال العام، فإن هذه المشاريع ستتم متابعتها في تقريرنا القادم، والمشاريع هي:    

1 ـ إعادة تشغيل مصنع الشركة الوطنية لصناعة الألبان في النعمة؛

2 ـ إكمال تهيئة وتشغيل مزرعة إنتاج الحليب النموذجية في تمبدغة؛

3 ـ تشغيل محطة تحلية المياه بنواذيبو بسعة 5000م3 في اليوم؛

4 ـ استلام قرية الصناعة التقليدية في نواكشوط؛

5 ـ إنهاء الأشغال في جسر مدريد أو ما يسمى ب “جسر الصداقة”، ودخوله في الخدمة؛

6 ـ إنهاء الأشغال في جسر الحي الساكن ودخوله في الخدمة؛

7 ـ إطلاق برنامج النقل الحضري: حركية نواكشوط على الأقل على مستوى محورين أساسيين؛

8 ـ تسلم مصنع معالجة النفايات والصرف الصحي في سوق السمك والبدء في استخدامه؛

9 ـ إنهاء الأشغال وتسلم توسعة مركز الاستطباب الوطني؛

10 ـ تجهيز وبدء استخدام مستشفى سيلبابي؛

11 ـ إنهاء الأشغال وتسلم توسعة المركز الوطني للتخصصات ودخولها في الخدمة؛

12 ـ إكمال مشروع كهربة المناطق الزراعية في الضفة ودخوله في الخدمة؛

13 ـ تجهيز وتشغيل السجن الجديد بنواكشوط الجنوبية لتخفيف معضلة الاكتظاظ في المؤسسات السجنية.

انتهى التقرير بتاريخ 12 نوفمبر 2024


الملحقات


البيان التأسيسي لمنتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية 


وجه فخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني رسالة إلى الشعب الموريتاني بتاريخ 24 / 04/ 2024 أعلن من خلالها عن ترشحه لمأمورية ثانية، وتضمنت هذه الرسالة ملامح برنامجه الانتخابي مع تركيز واضح على ثلاث نقاط رئيسية يمكن اعتبارها مرتكزات إصلاحية في برنامجه الانتخابي، وقد وردت هذه المرتكزات الإصلاحية في رسالة الترشح بالصيغة التالية:

 1ـ أن المأمورية المقبلة، بإذن الله، ستكون مأمورية بالشباب ومن أجل الشباب؛

 2ـ سنضرب بيد من حديد ونواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام، ومن أجل ذلك سنتخذ مع بداية المأمورية المقبلة كل الإجراءات الضرورية لتعبئة الأجهزة الإدارية والرقابية والقضائية كافة من أجل تحقيق هذا الهدف؛

 3ـ كما أنني أعي جيدا ما تعانيه إدارتنا في الوقت الراهن من نقص في التكوين، وانتشار بعض المسلكيات المنافية لأخلاقيات المهنة، وفي هذا الإطار سيتم التركيز في المرحلة القادمة على تنفيذ برنامج شامل للتكوين ولعصرنة الإدارة عبر إدخال الرقمنة وتبسيط وتسهيل وتسريع الخدمات الإدارية.

لقد تضمنت هذه النقاط الثلاث، والتي أخذناها بنصها الأصلي من رسالة ترشح فخامة رئيس الجمهورية، التزاما واضحا وصريحا من فخامته بأنه سيمنح الأولوية في المأمورية الثانية لقضايا الشباب، ومحاربة الفساد، وإصلاح الإدارة.


 وعيا منا بأهمية هذه المرتكزات الإصلاحية التي جاءت في رسالة الترشح، ولما سيوليها فخامة الرئيس من اهتمام في مأموريته الثانية؛

 قناعة منا بأهمية إبراز هذه المرتكزات الإصلاحية في خطاب الحملة وأنشطتها، وأن ذلك سيستقطب بعض الناخبين المترددين، وربما بعض الناخبين المعارضين للتصويت لفخامة رئيس الجمهورية؛

إيمانا منا بأن دعم فخامة رئيس الجمهورية يجب أن لا يتوقف مع الحملة الانتخابية، وإنما يجب أن يستمر على طول المأمورية الثانية، وذلك من خلال المتابعة اليقظة لتنفيذ برنامجه الانتخابي في مختلف جوانبه، وخاصة في الجوانب المتعلقة بقضايا الشباب، ومحاربة الفساد، والإصلاح الإداري؛

استشعارا منا بأن فخامة رئيس الجمهورية هو وحده من يملك من بين كل المترشحين المؤهلات والخبرات اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار بلدنا، والذي يوجد في منطقة مضطربة أمنيا، ينتشر فيها الإرهاب، وتكثر فيها الانقلابات، وتتنافس فيها القوى الدولية بشراسة، ويكفي لإدراك حجم ذلك التنافس أن "فاغنر" أصبحت تصول وتجول قرب حدودنا الشرقية؛

إحساسا منا بأن المأمورية الأولى، ورغم ما شهدت من إنجازات، فإنها لم تسلم كذلك من بعض الأخطاء وأوجه التقصير، ولذا فقد قال فخامة رئيس الجمهورية في رسالة إعلان الترشح: " لا شك أن إكراهات الواقع وما قد يكون حصل، هنا أو هناك، من خطإ في التقدير، أو قصور في التخطيط والتنفيذ، قد أعاق أحيانا، وأبطأ أحيانا أخرى، تنفيذ بعض المشاريع والبرامج. لكني أؤكد لكم أنه ما من خطإ أو تقصير حصل في مرحلة ماضية إلا وقد استخلصنا منه الدروس والعبر المفيدة، وسيشكل لنا دافعا ومحفزا إضافيا للإسراع في تصحيح المسار".


تأسيسا على النقاط الواردة أعلاه، فإننا نحن الموقعين على هذا البيان، لنعلن على بركة الله إطلاق "منتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية"، ويظهر من تسمية المنتدى أن دعمنا لفخامة رئيس الجمهورية لن يتوقف على الحملة الانتخابية، بل إنه سيمتد على طول المأمورية (2024 ـ 2029)، وذلك من خلال متابعة تنفيذ البرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية، وتسويق ما سيتم إنجازه بأسلوب يتمتع بالمصداقية، ورصد ما قد يقع من تقصير أو بطء في تنفيذ البرنامج، ولفت انتباه فخامة رئيس الجمهورية وحكومته إلى ذلك التقصير والبطء دون أي تهويل أو مبالغة.

 وسيبقى الانضمام إلى هذا المنتدى مفتوحا أمام كل داعمي رئيس الجمهورية الذين يتقاسمون معنا هذه الرؤية، كما أن المنتدى سيكون جاهزا للتنسيق والتعاون مستقبلا مع كل المبادرات الجادة الداعمة لفخامة رئيس الجمهورية التي تشاركنا هذه الرؤية، والتي يرى مؤسسوها أن دعم رئيس الجمهورية يجب أن لا يتوقف مع توقف الحملة الانتخابية.  


نواكشوط :  29 مايو 2024


الأعضاء المؤسسون


نداء لتشكيل حلف وطني لمحاربة الفساد 


إننا في "منتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية" لنتطلع ـ كما يتطلع غيرنا من الموريتانيين ـ إلى تشكيل حكومة بعد التنصيب قادرة على أن تخلق أملا لدى الموريتانيين ـ كل الموريتانيين ـ  بأن المأمورية القادمة ستكون مأمورية حرب صارمة على الفساد، كما نتطلع في المائة يوم الأولى إلى أن تتخذ هذه الحكومة إجراءات مبكرة تعزز من ذلك الأمل.

إن تطلعنا هذا لم يأت من فراغ، وإنما هو تطلع قائم على مرتكزات قوية نذكر منها :

1 ـ ما جاء في رسالة إعلان الترشح التي وجهها فخامة رئيس الجمهورية إلى الشعب الموريتاني  يوم الأربعاء الموافق 24 إبريل 2024، والتي جاء فيها بالنص : "سنضرب بيد من حديد، ونواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام، ومن أجل ذلك سنتخذ مع بداية المأمورية المقبلة كل الإجراءات الضرورية لتعبئة الأجهزة الإدارية والرقابية والقضائية كافة من أجل تحقيق هذا الهدف"؛

2 ـ ما جاء في خطابات الحملة في مختلف ولايات الوطن من التزام قوي وصريح بمحاربة الفساد بشكل صارم في المأمورية الثانية، ويكفي أن نُذَكِّر هنا بالعبارة الشهيرة التي جاءت في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (14 يونيو 2024 )، والتي تقول :  "لن يكون هناك مكان بيننا لمن يُصرُّ على مد يده للمال العام، كائنا من كان، ولن يراعى في ذلك أيُّ اعتبار."؛

3 ـ ما تضمنه البرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية (طموحي للوطن) من التزامات صريحة وقوية في مجال محاربة الفساد نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

"• إنشاء منظومة متكاملة لمكافحة الفساد والرشوة على مستوى القطاعين العام والخاص استنادا إلى الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، مع التركيز بصورة خاصة على :

ا ـ إنشاء آليات فعالة للإبلاغ عن الفساد تشجيعا للمبلغين عن الأعمال المشبوهة وتأمينا لهم من الانتقام؛

ب ـ تعزيز أخلاقيات المهنة في المؤسسات العمومية والخاصة، من خلال وضع مدونات للقواعد السلوكية، وآليات داخلية تُعنى بالرقابة والمتابعة؛

ج ـ مراجعة قانون مكافحة الرشوة، لا سيما فيما يتعلق بأحكام تجريم قضايا الرشوة، والتصريح بالممتلكات، وتضارب المصالح، سعيا إلى مواءمتها مع أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال؛

د ـ تنظيم حملات إعلامية للتوعية والتحسيس ضد الفساد؛

هـ ـ تبادل المعلومات بين الهيئات المكلفة بالكشف عن الفساد ، بشأن الأعمال المشتبه بها؛

و ـ إرساء نظام متابعة فعال لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، يشمل على الخصوص استحداث وكالة وطنية مستقلة لمكافحة الرشوة".

إننا في منتدى 24 ـ 29 على قناعة تامة بأن جهود الحكومة القادمة في مجال محاربة الفساد لن تكون كافية إذا لم تجد مؤازرة شعبية واعية وقوية تقدم ما يلزم من الدعم السياسي والإعلامي لكل الجهود والإجراءات التي ستتخذ في مجال محاربة الفساد، ولذا فإننا في المنتدى نتقدم إلى كل القوى الحية بهذا النداء الذي نرجو من خلاله المسارعة في تشكيل حلف وطني واسع يضم كل التشكيلات السياسية وهيئات المجتمع المدني والتنظيمات الشبابية والشخصيات الوطنية المهتمة بمحاربة الفساد.

نعم لحكومة تُحارب الفساد..

نعم لحكومة تُمكن للشباب..

نعم لحكومة تُصلح الإدارة وتُقرب خدماتها من المواطن.


نواكشوط : 29 يوليو 2024 

اللجنة التأسيسية لمنتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية


ميثاق شرف 

قال جل من قائل ( ولا تكن للخائنين خصيما) صدق الله العظيم

إننا نحن الموقعين أسفله بالأسماء والصفات، وبعد الاطلاع على برنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وخطاباته في الحملة وخلال التنصيب، وتعليماته للحكومة الجديدة، وتأكيده في كل تلك المناسبات بأنه لا تراجع عن محاربة الفساد، ودعوته للجميع في خطاب التنصيب بضرورة المشاركة في محاربة الفساد.

ونظرا لوجود إجماع وطني على استشراء الفساد في بلادنا منذ عدة عقود، مما جعل أغلب المشاريع والخطط التنموية تزيد من أعباء الديون، وذلك بدلا من أن تنعكس إيجابا على حياة المواطن، أو على البنى التحتية للبلد.

ونظرا لطبيعة مجتمعنا الخاصة والتي تجعل منه حاضنا للفساد، بل ومشجعا له في أغلبيته، حيث يقف المواطن مع المفسد الذي تربطه به أي صلة من أي نوع، ويدافع عنه بكل الوسائل، حتى ولو كان متأكدا من فساده!

يستوي في ذلك الشاب المتعلم، وذو الشيبة العارف بشرع الله، والمواطن البسيط الأمي.

ومساهمة منا في تأسيس حلف وطني واسع لمحاربة الفساد، والذي كنا قد دعونا له في وقت سابق في "منتدى 24ـ29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية".

نظرا لكل ذلك، واتكالا على الله واستعانة به، فإننا نتعهد أمام الجميع بأننا :

1 ـ  لن ندافع عن أي شخص متهم بالفساد، حتى ولو كانت تربطنا به أقوى صلات القرابة أو تجمعنا به مصالح ضيقة من أي نوع؛

2 ـ سنبذل كل الجهود المتاحة أمامنا، حتى ينال كل من تمت إدانته بالفساد العقاب اللازم؛

3 ـ سنقف، بكل حزم وقوة، في وجه إعادة تعيين المدانين بالفساد؛

4 ـ سندعم - قدر المستطاع - أي جهد سياسي أو إعلامي أو جمعوي أو شعبي مناهض للفساد.

والله على ما نقول وكيل.


نواكشوط:  23 أغسطس 2024

اللجنة التأسيسية لمنتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية

الخميس، 7 نوفمبر 2024

عن الاتصالات الهاتفية الساخرة!


حسب إحصائية رسمية فإن من بين 170356 مكالمة استقبلها العون الطبي الاستعجالي خلال 48 أسبوعا بعد الإعلان عن تشغيل الرقم الأخضر 101،  لم تكن مفيدة من كل تلك المكالمات إلا  2805 مكالمة، أي  نسبة 1.6 %  فقط.

من قبل الرقم 101 كان هناك الرقم 1155 الذي فُتِح في فترة جائحة كورونا، وهي فترة عمَّ فيها الخوف والقلق بين الناس، ومع ذلك لم يسلم هذا الرقم من الاتصالات الساخرة، بل إنه تحول إلى رقم لاستقبال المكالمات الساخرة والبلاغات الكاذبة، وظل ذلك حاله حتى اضطر القائمون عليه على إغلاقه.  

ومن قبل ذلك كله، وصلت سخرية البعض إلى أن اتصل بلجنة الأهلة ذات رمضان مبارك في عام مضى، وأخبرهم بأن شاهد هلال شوال، وهو لم يشاهده،  وذلك لأن هناك من قال له بأن رمضان أتعبه، وأنه يريد أن يفطر!!!

سجلت هذه الحادثة في الثمانينيات من القرن الماضي..

بالأمس نشرت صفحة الشرطة الوطنية الموريتانية على الفيسبوك بيانا للرأي العام الوطني جاء فيه أنه في يوم 5 نوفمبر استقبلت الأرقام المجانية للشرطة، والخاصة بالنجدة والزحمة والحوادث المرورية 1116 مكالمة، كان من بينها 35 اتصالا جادا فقط، أي أن نسبة الاتصالات الجادة 3% فقط، وهو ما يعني بلغة المتزسطات الإحصائية أن من بين كل 100 اتصال تتلقاها أرقام الشرطة المجانية، يكون هناك 97 اتصالا ساخرا وغير جاد!!!   

هذا الكم الهائل من الاتصالات غير الجادة يطرح مشاكل حقيقية على الجهات المعنية بتوفير خدمة استعجالية للمواطن، ويجب أن يحارب هذا النوع من الاتصال العبثي والساخر بشكل جاد، ويمكن أن يتم ذلك من خلال:

1- إطلاق حملات توعوية حول خطورة هذا النوع من الاتصالات الساخرة بأرقام خُصصت لخدمة المواطنين، والملاحظ أن صفحة الشرطة على الفيسبوك لم تقم بهذه التوعية. فيما يخص الأرقام المخصصة للزحمة والحوادث المرورية فإن شباب حملة معا للحد من حوادث السير على استعداد لأن يقوم بحملة توعوية في هذا المجال، إن وجد تعاونا من الشرطة يمكنه من عرض رسائل توعوية ليلا في بعض ملتقيات الطرق من خلال شاشات عرض كبيرة متنقلة؛

2- على القائمين على هذه الأرقام أن يجروا اتصالات رجعية على كل صاحب  اتصال ساخر يُؤَكدون له  فيه أن أي اتصال غير مفيد مستقبلا سيتحمل صاحبه عقوبات رادعة؛

3- سن قوانين لتكون هناك عقوبات رادعة لأصحاب الاتصالات الساخرة المتكررة، واليوم أصبح هذا ممكنا بعد أن أصبحت أرقام الهواتف مسجلة على بطاقات التعريف، وأصبح بالإمكان معرفة كل متصل بسهولة.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الخميس، 24 أكتوبر 2024

عن منصة عين


يعدُّ إطلاق "منصة عين" لاستقبال شكاوى المواطنين، وإبلاغهم عن التجاوزات من الإجراءات المهمة التي اتخذتها الحكومة، في سبيل تقريب خدمات الإدارة من المواطن، وخلق نوع من الرقابة الشعبية على العمل الحكومي.

بالفعل، هذه خطوة مهمة، ونحن في منتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية نثمنها، فهي تدخل في صميم اهتمامنا، والذي يتمثل ـ بالأساس ـ  في متابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، وخاصة على مستوى ثلاثة ملفات من برنامجه :

1 ـ محاربة الفساد؛

2 ـ تمكين الشباب؛ 

3 ـ إصلاح الإدارة وتقريب خدماتها من المواطن.

ونحن في المنتدى، إذ نثمن إطلاق منصة عين، فإنه لا يفوتنا بهذه المناسبة أن نلفت انتباه الجهات المعنية إلى تَحَدِّيَيْن اثنيْن ستواجههما هذه المنصة، أحدهما يعني الحكومة، والثاني يعني المواطن، وإذا لم تتم مواجهة هذين التحدين بصرامة، فإن المنصة لن تكون فعالة، ولن تأتي بالنتائج المرجوة من إطلاقها.

أولا / على مستوى الحكومة

في يوم 24 مارس 2022 ألقى فخامة رئيس الجمهورية خطابا بمناسبة تخرج دفعة من طلاب المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة القضاء، تحدث فيه عن الكثير من الاختلالات في عمل الإدارة، والتي من بينها عدم وجود مصالح في الوزارات والإدارات لاستقبال المواطنين. بعد ذلك الخطاب افتتحت العديد من الوزارات والإدارات مكاتب لاستقبال المواطنين، وأعلنت عن أرقام هواتف للاتصال، ولكن بعد فترة قصيرة من الزمن، توقف عمل العديد من مكاتب الاستقبال، وتعطل الكثير من أرقام الهواتف التي تم تخصيصها لاستقبال استفسارات وتظلمات المواطنين.

لا نريد في المنتدى تجربة من هذا النوع تتكرر، ولذا فنحن نطلب من الحكومة قدرا كبيرا من الجدية والصرامة والتفاعل الإيجابي مع شكاوى وإبلاغات المواطنين التي سيبعثون بها من خلال المنصة، ونطالبها كذلك بالاستمرارية في هذا التطبيق، والعمل على تحسينه وتطويره بشكل دائم، فالمشكلة تكون دائما في غياب الاستمرارية.

ثانيا/ على مستوى المواطن

استقبل العون الطبي الاستعجالي بعد 48 أسبوعا من تأسيسه 170356 مكالمة على الرقم الأخضر 101. فقط 2805 مكالمة من مجموع تلك المكالمات، أي نسبة 1.6%، هي التي كانت مكالمات مفيدة. حتى في فترة جائحة كورونا، وفي ظل القلق من هذا الوباء، لم يسلم الرقم المجاني 1155 من اتصالات المواطنين الساخرة والعبثية.

لا نريد من المواطن أن يكرر مثل ذلك مع منصة عين، فيغرقها بالمراسلات العبثية وغير المفيدة، وليعلم بأنه هو المتضرر الأول من ذلك، فهذه المنصة هي من أجل المواطن، وإذا تعطلت أو ضعف أداؤها بسبب إغراقها بمراسلات عبثية وغير مفيدة، فإن الذي سيتضرر في نهاية المطاف هو المواطن.

بكلمة واحدة:  منصة عين هي منصة مهمة جدا، ولكنها لن تؤدي الدور المطلوب منها، ولن تكون فعالة، إلا إذا تلاقت جدية الحكومة مع مسؤولية المواطن فيما سيتم تقديمه من شكاوى وإبلاغات.  

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 21 أكتوبر 2024

كيف سُخِّرَ العدو لخدمة السنوار؟!


من الطبيعي جدا أن يسأل البعض عن السبب الذي جعل العدو يقوم "ببث شبه حي" للقطات الأخيرة من حياة الشهيد يحيى السنوار، وذلك من خلال تسريبه لصور وفيديوهات حصرية اختزنت تفاصيل تلك اللحظات.

ألم تُصِبْ هذه التفاصيل الحصرية كل دعايات العدو في مقتل؟

فلا زي نسائي ظهر، ولا نفق شوهد، ولا درع بشري برز، ولا أسرى في الخلفية.. لا شيء من كل ذلك ظهر في تفاصيل اللحظات الأخيرة التي وثقها العدو حصريا.

فبأي منطق ـ إذا ما تحدثنا بلغة المنطق ـ يطلق العدو رصاصة قاتلة على دعايته التي ظل يروج لها لعام كامل، خاصة أنه كان هو الشاهد الوحيد، والحاضر الوحيد، والموثق الوحيد لتفاصيل استشهاد السنوار؟

قد يقول قائل بأن الصور سربها أحد الجنود، وبعد تسريبها لم يعد بإمكان العدو أن يفعل أي شيء لاستراجعها أو تفنيدها. قبل العودة إلى الصور التي سربها الجندي، فلابد من التنبيه إلى أن هناك صورا وفيديوهات أخرى تضمنت التفاصيل الأكثر رمزية في الاستشهاد، نقلها فيما بعد الناطق الرسمي لجيش العدو، منها أن السنوار ألقى بقنابل على العدو، ومنها ظهوره ملثما جريحا جالسا على أريكة يرمي مسيرة بعصا. ( أذكر بمناسبة رمي العصا بالمثل العربي الجديد الذي كان عنوان مقالي يوم أمس : "رميته بعصا السنوار").

بالعودة إلى صور الجندي دعونا نطرح السؤال : بأي منطق يُسَرب الجندي تلك الصور؟

إن أي جندي يمتلك أدنى ذرة من عقل اكتشف صدفة أنه قتل قائدا كبيرا يُعد المطلوب الأول في "بلده"، لن يُسارع في نشر صوره، ويتأكد الأمر أكثر إذا كان هذا الجندي يعمل في الجيش الأكثر كذبا وخداعا وفبركة وتزييفا للحقائق في العالم.

إن أول فكرة كان من المفترض أن تخطر ببال هذا الجندي عندما وجد تشابها بين الجثة والمطلوب الأول لقادته، هي أن يتريث قليلا في التصوير، حتى يجد زيا نسائيا يلف به الجثة من قبل تصويرها، أو ينتظر حتى ينقلها إلى نفق أو إلى مدرسة أو إلى مستشفى تم تدميره مؤخرا، أو يذهب بها إلى جثث بعض الضحايا من المدنيين العزل فيلقيها بينهم ثم يصورها.

وبطبيعة الحال، لم يكن هناك من يستطيع أن يكذب بدليل ملموس متماسك منطقيا، أي رواية ينشرها العدو عن اللحظات الأخيرة في حياة الشهيد السنوار، وذلك لسبب بسيط جدا، وهو أن العدو كان هو الحاضر الوحيد، وكان هو الشاهد الوحيد، وكان هو الموثق الوحيد لتلك اللحظات.

لقد أحيل بين العدو مع الفبركة رغم خبرته فيها، بل أكثر من ذلك، فلم يُحرم العدو فقط من فبركة صور الاستشهاد لدعم روايته التي كان يروج لها، بل إنه سُخِّر من حيث لا يدري لخدمة القائد الشهيد، فصور ووثق كل التفاصيل الصغيرة التي أدهشت الكثيرين، ليس فقط في بلاد العرب والمسلمين، بل وفي العالم كله، وما ينشره في مواقع التواصل الاجتماعي بعض النشطاء من مختلف دول العالم من إعجاب بالقائد الشهيد يؤكد ذلك.

لكي تفهموا ما حدث من تصرفات خارج المنطق، ما عليكم إلا أن تقرؤوا الآية رقم 30 من سورة الأنفال بتدبر : ((إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين )).

صدق الله العظيم.

حفظ الله المقاومة..