الأحد، 15 مايو 2011

وماذا قدمتَ أنتَ للوطن؟



أيها الطالب ..
أيها الأستاذ..
أيها السياسي..
أيها المثقف..
أيها الطبيب..
أيها المواطن العادي..
إني أقصدكم جميعا بهذا السؤال الذي قررت أن أوجهه إليكم، من خلال هذا المقال، مع العلم أني لا أنتظر منكم الإجابة عليه، لأني ـ وبصراحة شديدة ـ أعرف بأنه ليست لديكم أية إجابة.
في البداية سأحكي لكم قصة صينية ، مع شيء من التصرف. تقول هذه القصة، بأن أبا مزق خريطة العالم تمزيقا شديدا، ثم ناول الخريطة الممزقة لابنه ـ الذي لم يتجاوز عامه الخامس ـ وطلب منه إعادة تنظيم قطع الورقة الممزقة، حتى تعود الخريطة إلى شكلها الأصلي.
بعد أقل من خمس دقائق أعاد الطفل الصغير خريطة العالم لأبيه كما كانت، وهو ما أذهل الجميع باستثناء الأب.
دعونا نحتفظ بسر الطفل الصيني الصغير قليلا، ودعونا نختم هذه القصة بالحكمة الصينية المستخلصة منها، والتي مفادها أنه بإمكان كل واحد منا أن يصلح خريطة العالم كله إذا ما أصلح نفسه.
وإذا ما اختزلنا خريطة العالم في خريطة موريتانيا، فسيكون بإمكاننا أن نقول ـ اعتمادا على الحكمة الصينية ـ بأنه بإمكان كل واحد منا أن يصلح من حال موريتانيا، إذا ما أصلح قبل ذلك من حاله.
بإمكان كل طالب أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل أستاذ أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل طبيب أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل سياسي أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل مثقف أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل مواطن عادي ـ مثلي ومثلك ـ أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
بإمكان كل واحد منا ـ طبقا للحكمة الصينية ـ أن يغير وجه موريتانيا، لو استطاع أن يغير من وجهه. وبإمكان كل واحد منا أن يكون كالمواطن الأمريكي البسيط الذي يدعى "مارتن تربتو"، والذي وُجِد مقتولا في العام 1917 في ساحة المعركة فيما يعتقد هو أنه كان دفاعا عن أمريكا. لقد ترك ذلك الأمريكي البسيط محل الحلاقة الصغير الذي كان يعمل به، وذهب متطوعا للدفاع عن أمريكا.
لقد وجدوه مقتولا، ووجدوا معه ورقة كتب عليها: "العهد الذي أخذته على نفسي: يجب أن تنتصر أمريكا في هذه الحرب، سأعمل، سأدخر، سأضحي، سأتحمل، سأحارب وأفعل كل ما بوسعي، كما لو أن الأمر برمته متوقف عليَّ أنا وحدي".
فهل بإمكان أي واحد منا ـ نحن سكان هذه البقعة من الأرض ـ أن يأخذ ورقة ويكتب فيها: "العهد الذي أخذته على نفسي : يجب أن تنتصر موريتانيا في حربها ضد التخلف والفقر والفساد، سأعمل، سأدخر، سأضحي، سأتحمل، سأحارب وأفعل كل ما بوسعي، كما لو أن الأمر برمته متوقف عليَّ أنا لوحدي".
أشك أن فينا من بإمكانه أن يكتب تلك الوصية، وأشك أن فينا من يمكنه أن ينفذها إذا ما تجرأ وكتبها، وذلك نظرا لضعف الحس الوطني لدينا، والذي هو أضعف بكثير من مستواه لدى الأمريكيين الذين هم في الأصل عبارة عن مهاجرين جاؤوا من كل أصقاع العالم واستوطنوا تلك الأرض.
ولعل سر نجاح الثورات العربية ـ حسب اعتقادي ـ يكمن في توفر روح التضحية لدى أغلب المشاركين في تلك الثورات. فقد كان كل واحد من الثائرين على استعداد كامل لأن يضحي بكل شيء، وكأنه هو وحده الموجود في ساحة المعركة، وبالتالي فهو وحده المسؤول عن نجاح الثورة، تماما كما كان الحلاق "مارتن تربتو" يعتبر نفسه بأنه هو وحده المسؤول عن انتصار أمريكا في حربها.
وهل فينا من بإمكانه أن يعتبر ـ مثلا ـ بأن القضاء على الفساد يقع على عاتقه هو لوحده؟ وهل فينا من بإمكانه أن يقرر بأنه لن يرشي ولن يرتشي حتى ولو ضاعت له حقوق كثيرة؟ وهل فينا من بإمكانه أن يقرر بأنه لن يستنفر القبيلة حتى ولو خسر فرصا كثيرة في الحصول على وظيفة أو ترقية؟ وهل فينا من بإمكانه أن يقرر بأنه لن يمنح صوته في أي انتخابات إلا لمن يستحق ذلك الصوت، حتى ولو كان منافسه قريبا أو صديقا أو رجلا "كريما" ينفق المال الحرام بسخاء ذات الشمال وذات الشمال في أيام الحملة؟ وهل بإمكان أي واحد منا أن يقرر من الآن فصاعدا أن يخصص ساعة من كل أسبوع للخدمة العامة، يعلم فيها أميا، أو ينظف فيها شارعا، أو يعزز فيها من اللحمة الوطنية التي باتت مهددة، والتي بات إنفاق الجهد أو المال أو الوقت في سبيل تعزيزها يعد من خير الأعمال والقربات؟ ( أين أنتم يا حراس المستقبل؟ ولماذا اختفيتم في هذه اللحظات الصعبة التي شهدت صراعات عرقية؟ ولماذا تبخر حماسكم بهذه السرعة؟ ولماذا توقفت نقاشاتكم بشكل كامل؟ وهل كنتم تعتقدون بأنه سيفرش لكم السجاد الأحمر بمجرد أنكم اجتمعتم على فكرة عظيمة؟ وهل فاتكم أن الأفكار العظيمة لا بد أن تواجهها تحديات عظيمة؟ وهل فاتكم أن ذلك هو ما يقوله كل أرشيف الأفكار الرائدة التي عرفها العالم؟)
من المؤسف أنه ليس فينا من يستطيع أن يقرر شيئا من ذلك، فالموريتاني يمكن أن نعرفه بأنه هو ذلك المخلوق العجيب الذي يستطيع أن يضحي ببلده ـ ودون تردد ـ من أجل أي شيء تافه، ولا يستطيع أن يضحيَّ بأي شيء تافه، مهما كانت تفاهته، من أجل بلده.
لقد قدم اليابانيون صورا راقية من التضحية، حتى في أوقات الكوارث والزلازل. ولقد بهر اليابانيون العالم بعد الزلزال الأخير عندما أصر الضحايا، وفي ساعات الصدمة الأولى، أن يلتزموا بالنظام رغم حجم الكارثة.
لقد رفض الياباني المنكوب أن يُخِل بالنظام، حتى في ظل الفوضى التي تسبب فيها الزلزال. وظل الياباني ينتظر دوره في الإغاثة دون أن يتحايل، ودون أن يأخذ مكان منكوب آخر، رغم أن التقدم بخطوة واحدة في ذلك الوقت ربما كان سببا حاسما في النجاة من الموت.
عندما تابعت تلك الصور المؤثرة القادمة من اليابان تذكرت صورا أخرى مغايرة تماما، وتتكرر دائما على أرضنا التي نسكن ( نحن لا نتعامل مع الأرض التي نسكن على أنها وطن أو بلد). تذكرت أني لم أشاهد في حياتي أي شيء على هذا الأرض يبدأ بالنظام وينتهي به، وتذكرت مشاهد الجشع اليومية التي أشاهدها في كل مكان، وتذكرت كيف يتحايل أغنياء هذه الأرض على فقرائها، وكيف ينافسونهم على قطع أرضية تافهة، أو على كيلوغرامات قليلة من اللحوم القادمة من السعودية، أو على سمكة رخيصة من الأسماك التي توزعها الحكومة من حين آخر، لسبب أو لآخر.
فلماذا نحن هكذا؟ وهل نحن حقا بشرا أسوياء ؟ أم أننا مخلوقات غريبة تختلف عن كل شعوب العالم؟
يمكن لنا أن نعرف الموريتاني تعريفا آخر، لا يختلف في الجوهر عن التعريف السابق، ونقول بأنه: هو ذلك المخلوق العجيب الذي يريد أن يأخذ كل شيء من "بلده"، في الوقت الذي يرفض فيه أن يقدم أي شيء لبلده.
لا تحدثوني من فضلكم عن الأعمال التي تقومون بها مقابل أجر، فتلك يمكن اعتبارها ـ بشكل أو بآخرـ مجرد صفقة تجارية، فلو أننا أبدلنا جميع العمال من الوزير إلى البواب بعمال مستوردين من الهند، أو من بنجلادش، أو من الأرجنتين مثلا، وأعطيناهم نفس الأجور المتدنية التي كانت تعطى للعمال الموريتانيين، لو فعلنا ذلك، لقدم الهنود والبنجاليون والأرجنتينيون لهذا البلد أضعاف ما قدمه "أبناء موريتانيا" للبقعة التي يقطنون بها، والتي يسمونها مجازا بالبلد أو بالوطن.
وإذا ما تأملنا الوجه الآخر لموجة الاحتجاجات الفئوية الواسعة والمتنامية، والتي هي بالتأكيد احتجاجات مشروعة، وأصحابها يستحقون ـ قطعا ـ أن يستجاب لهم. وكل استجابة لمطالبهم المشروعة ستنعكس بالتأكيد على مستوى معيشة أسرهم الفقيرة، كما أنها قد تنعكس ـ نظريا ـ على مستوى أدائهم الوظيفي. إذا ما تأملنا الوجه الآخر لتلك الاحتجاجات فإن ذلك قد يساعدنا في كشف جزء يسير من أنانية الموريتاني، والتي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم، المتعلم والجاهل، الكبير والصغير، الموظف والعاطل.
ومن المؤكد بأن هذا الكلام سيغضب الكثيرين(لست سياسيا يبحث عن الأصوات، لذلك فلن أقول للناس ما يحبون أن يقال لهم، ولن أعرض عما يجب أن يقال لهم). ومن المؤكد أن البعض سيعتبر هذا الكلام تطاولا على العمال البسطاء الضعفاء ( لن أقبل بأن يزايد عليَّ أيا كان في مناصرة البسطاء و المستضعفين، وما أنا إلا واحد من أضعف المستضعفين).
كل ما في الأمر هو أنه في بعض الأوقات يكون من اللازم أن تُعَرَّى الحقيقة، حتى تظهر بكل تفاصيلها وبكل جزئياتها، بما فيها تلك التي لم نكن نرغب في أن نراها.
دعونا ـ وقبل أن نكشف سر الطفل الصيني ـ أن نطرح الأسئلة التالية؟
هل حدث وأن شاهدتم مجموعة من الأطباء أو الممرضين تنظم إضرابا من أجل فتح مركز صحي في قرية نائية؟ أو من أجل تجهيز مستشفى بآلات طبية ضرورية؟ أم أنكم عرفتموهم وهم يتركون المستشفيات في أوقات الدوام الرسمي ليلتحقوا بعياداتهم الخاصة؟
هل حدث وأن شاهدتم مجموعة من العاملين في مؤسسات الإعلام الرسمي تنظم احتجاجات من أجل تقريب الإعلام الرسمي من هموم المواطنين؟ أم أنكم عرفتموهم وهم يشكلون بنيانا مرصوصا ضد أي محاولة لتقريب الإعلام الرسمي منكم، رغم أنكم أنتم هم من يسدد أجورهم، وأنتم هم من سيدفع زيادة 50% التي يطالبون بها، من خلال الضرائب التي تدفعونها؟
وهل حدث وأن شاهدتم مجموعة من المعلمين أو الأساتذة تهدد بالتوقف عن التدريس من أجل الضغط على الحكومة لكي تجبرها على تنظيم منتديات للتعليم، والتي يعتبر تنظيمها هو الخطوة الأولى في سبيل إصلاح التعليم؟ أم أنكم ألفتموهم وهم يتثاءبون في المدارس العمومية وينشطون أثناء تقديم الدروس الخصوصية؟
ألم تشاهدوهم وهم يضغطون بقوة وبحماس غير مألوفين على الوزيرة التي كانت هي أول من حاول وبشكل جاد أن يصلح قطاع التعليم، وأن يعيد للمدرسة قليلا من الاعتبار، وأن يحدد معايير واضحة وشفافة لاكتتاب المدراء الجهويين، وأن يحد من تسيب المعلمين والأساتذة؟
فلماذا خف ضغط الأساتذة على وزراء التعليم الذين جاؤوا بعد الوزيرة، رغم أنهم أساؤوا للتعليم أكثر مما أساءت هي إليه؟ ولماذا لم يضغطوا على الوزراء الذين جاؤوا قبلها والذين أفسدوا التعليم أكثر مما أفسدته هي؟
للإجابة على هذه الأسئلة عليكم أن تفتشوا عن كل شيء عدا الوطنية.
لقد استطاع الطفل الصيني الصغير أن يعيد خريطة العالم لشكلها الأصلي، لأنه اكتشف أن مقلوب الصفحة التي رُسمت عليها خريطة العالم كانت توجد به صورته الشخصية، والتي وضعها الأب لكي يقدم لابنه درسا عميقا، لن يتعلمه في أي مكان.
ولقد كان من السهل على الطفل أن يعيد صورته الشخصية الممزقة إلى شكلها الأصلي، وهو ما انعكس ـ وبشكل تلقائي ـ على الوجه الآخر من الورقة، حيث عادت خارطة العالم، في الوجه الآخر، إلى شكلها الأصلي من قبل تمزيق الورقة.
من هذه القصة جاءت الحكمة الصينية الآنفة الذكر، والتي تحاول أن تقول بأنه يكفي من أجل أن نصلح خريطة العالم أن نصلح وجه إنسان واحد.
وإذا كان صلاح إنسان واحد يكفي لإصلاح خريطة العالم الممزقة، أفلا يكفي صلاح موريتاني واحد لإصلاح خريطة موريتانيا التي باتت ممزقة بفعل الفساد والفقر والأمية وبسبب غياب العدل وتنامي الخطابات والدعوات العنصرية والعرقية؟
مشكلتنا في هذا البلد ـ وهذه هي أم المشاكل لدينا ـ هي أن كل واحد منا يرفض أن يكون مواطنا صالحا، وهو يشترط لأن يكون مواطنا صالحا صلاح الملايين الثلاثة برئيسها وبوزرائها وبسياسيها وبمثقفيها وبطلابها وبأغنيائها وبفقرائها وبشبابها وبشيبها وبنسائها وبرجالها وبنخبها وبعامتها وبرموز فسادها وبمفسديها الصغار وبأحيائها وبأمواتها.
إن طريق التغيير المنشود، الذي نتنمناه جميعا لبلادنا دون أن نعمل على إحداثه، يبدأ بسؤال واحد يتعين على كل موريتاني أن يجيب عليه.
أفلا يمكن لي أنا ـ مثلا ـ أن أقرر من الآن بأن أكون مواطنا صالحا حتى ولو ظل المجتمع كله فاسدا؟ ألا يمكن لكَ أنتَ أن تتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكِ أنتِ أن تتخذين مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن له هو أن يتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لها هي أن تتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لنا نحن أن نتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكما أنتما أن تتخذا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لهما أن يتخذا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكم أنتم أن تتخذوا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكن أنتن أن تتخذن مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لهم هم أن يتخذوا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لهن أن يتخذن مثل ذلك القرار؟ بالتأكيد يمكن لنا جميعا أن نتخذ مثل ذلك القرار، ولو اتخذناه لتمكنا من أن نصلح من حال موريتانيا، ولاستطعنا أن نصعد بها درجات كثيرة في سلم التقدم والنماء، في أقل من خمس دقائق، عفوا في أقل من خمس سنوات.
تصبحون وقد اتخذتم القرار..

الأربعاء، 11 مايو 2011

فك طلاسم "الخطاب اللغز"



لقد احتار الكثيرون من "الثورية" المفاجئة التي طبعت خطاب النائب الأقل "ثورية" في الأغلبية، والذي هو النائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية، وذلك عند افتتاحه للدورة البرلمانية الأخيرة، وهذه الحيرة وإن كان لها ما يبررها، إلا أنها مع ذلك سبقتها إشارات عديدة، بل ورسائل صريحة في بعض الأحيان أوحت بأن هناك طبعة قادمة، جديدة ومنقحة لكتاب موريتانيا الجديدة، وأن هذه الطبعة الجديدة ستتميز بدخول "مؤلف جديد" لمشاركة المؤلف الذي انفرد بتأليف "الطبعة السابعة"، والتي كانت هي أول طبعة تبشر بموريتانيا الجديدة.
لقد كانت هناك رسائل عديدة تم إرسالها ـ بقصد أو بغير قصد ـ في الأسابيع الماضية، وهي رسائل توحي ـ إذا ما أحسنا قراءتها ـ بأن الطبعة الجديدة وصلت إلى مراحل متقدمة. وهذه الرسائل يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1 ـ في اجتماع الرئيس بالأغلبية فوجئ الكل بأنه تعمد أن يُغضب الجميع (الأغلبية، منسقية المعارضة، تواصل، حتى المواطن العادي فقد أغضبه عندما قال في ذلك الاجتماع بأنه لا توجد مشاكل، وأن كل المشاكل تنحصر في بعض مشاكل التوظيف الناتجة عن "التراكمات"، والتي سيتم القضاء عليها في ظل الاهتمام الحالي بالتكوين المهني).
في اجتماع "إغضاب الجميع" اختار الرئيس أن يمدح شخصا واحدا، وهو رئيس الجمعية الوطنية السيد "مسعود ولد بلخير".
وكانت طريقة الرئيس في إغضاب الأغلبية، خاصة منها الحزب الحاكم تستحق التأمل. فقد أعطى الرئيس الإشارة لتأسيس حزب للشباب، ولكنه لم يعقب تلك الإشارة بأي إشارة أخرى رغم مرور فترة كافية، وهو ما جعل الشباب يقعون في حيرة من أمرهم، مما تسبب في الانشقاقات التي عرفتها المجموعة، والتي انشطرت ـ حتى الآن ـ لثلاث مجموعات قابلة للزيادة إذا لم يتدخل الرئيس، والذي لا أعتقد بأنه سيتدخل.
لقد كان أهم هدف من إعلان دعم الرئيس لحزب الشباب هو إعلان "تخليه" عن الحزب الحاكم، وكان ذلك هو ما يحتاجه الرئيس "مسعود" لكي يفكر بشكل جاد في مراجعة مواقفه والتفكير في عقد تحالف جديد مع رئيس الجمهورية ، وهو تحالف ربما تكون قد تمت مناقشة ملامحه الكبرى في واحد من استقبالات رئيس الجمهورية لرئيس الجمعية الوطنية.
2ـ في المقابل قدم رئيس الجمعية الوطنية إشارات إيجابية لرئيس الجمهورية منها: رفضه الصريح لتوفير الدعم للاحتجاجات الشبابية، ومنها أيضا ـ وهذا ليس أقل أهمية ـ البيان الذي أصدرته "المبادرة الانعتاقية" والذي رحبت فيه ـ رغم بعض الانتقادات البسيطة ـ باستصدار قانون خاص لعمال المنازل، وهو ما شكل مفاجأة كبيرة، لأنه جاء بعد تصريحات شديدة اللهجة على القانون نفسه أطلقها رئيس المبادرة تعقيبا على صدور القرار. ومن الغريب أن واحدا من أهم المواقع الموريتانية نشر التصريحات التي انتقدت القانون، ولم ينشر البيان الذي رحب به وذلك لغز آخر قد نحاول فك طلاسمه في وقت لاحق، إن تركت "الخطابات الألغاز" فرصة لذلك، والتي لن يكون آخرها خطاب رئيس السلطة العليا للصحافة ، رغم أنه لم يقل عن الإعلام الرسمي إلا القليل مما يجب أن يقال عنه.
المهم أن رئيس المبادرة الذي غير موقفه من القانون وبسرعة عجيبة هو نفسه الذي صرح في وقت سابق وبمناسبة احتفالات فاتح مايو عندما شوهد في الطائفة المعارضة لــ"الساموري" بأنه سيكون دائما حيث يكون "مسعود" مما يعني بأن تخفيف اللهجة ربما يكون قد جاء بإيعاز من مسعود كرد جميل على الرسائل المتكررة التي أرسلت من القصر، سواء منها تلك التي أرسلت لمسعود بشكل شخصي، أو تلك التي أرسلت من خلال التعامل القضائي مع بعض حالات الاسترقاق التي تم اكتشافها مؤخرا.
3 ـ إن ذهاب رئيس الجمعية الوطنية للمشاركة في الدورة البرلمانية الإفريقية، وترك افتتاح "آخر" دورة للبرلمان الحالي لنائب رئيس الجمعية، يبدو أنه تم باتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية. ويبدو ـ كذلك ـ أن الرئيس "مسعود" الذي أعد خطابا كان يعلم بأنه لن يلقيه في افتتاح الدورة، قد أصر على أن يكون خطابه هو خطاب الافتتاح للدورة، رغم أنه كان من المفترض ـ في حالة غياب رئيس الجمعية الوطنية ـ أن يكون لنائبه الحق في إعداد خطاب خاص به.
ولقد تدخل رئيس الجمهورية لتحقيق رغبة رئيس الجمعية الوطنية، وهو ما يظهر من خلال كلمة جاءت في تصريح نائب رئيس الجمعية الوطنية، تعقيبا على خطابه المثير حيث قال: "لن أكون ملكيا أكثر من الملك" أي أنه ما دام رئيس الجمهورية يصر على أن تنتقد حكومته في افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، فلن يكون يكون أمام النائب إلا الاستجابة لذلك.
كل الدلائل تشير إلى أن رئيس الجمهورية سيكون على استعداد للتعامل بمزيد من القسوة مع أغلبيته من أجل أن يكسب رئيس الجمعية الوطنية. كما أن رئيس الجمعية الوطنية على استعداد كامل لأن ينسلخ من المعارضة بكل أطيافها من أجل حلفه الجديد والذي سيمنحه امتيازات كثيرة إن تحقق.

ملاحظة : ليس هذا بمقال الأسبوع، وإنما هو مجرد تعليق أخص به موقع "أمجاد" وسيكون إن شاء الله بداية لسلسة من التعليقات القادمة على بعض "طلاسم" القضايا المحلية.

الأحد، 8 مايو 2011

مقترحات لتحسين أداء التلفزيون/ خاص بالمدير الجديد للتلفزيون



لا شك أن التلفزيون الموريتاني أصبح يشكل عاهة مستديمة عصية على الإصلاح، ولاشك أن هناك رغبة واضحة لدى رئيس الجمهورية لإصلاح هذا التلفزيون.
ولاشك كذلك في أن هناك فجوة كبيرة، تكبر مع الأيام بين الصورة التي يريدها الرئيس للتلفزيون، والتي عبر عنها في أكثر من مناسبة، والواقع المزري الذي يتخبط فيه هذا التلفزيون.
ومن المستغرب حقا أن يكون التلفزيون بهذا المستوى المتدني، وبهذا البعد عن هموم واهتمامات المواطنين، رغم أن القائمين عليه تلقوا في أكثر من مرة تعليمات وأوامر واضحة وصريحة من رئيس الجمهورية، تطالبهم بالاهتمام بهموم واهتمامات المواطنين، بدلا من التطبيل والتصفيق للسلطة، بطرق وأساليب لم تعد صالحة في أيامنا هذه، وهي في المجمل تضر السلطة القائمة أكثر مما تنفعها.
ومن اللافت أن التلفزيون الذي قدم ـ وبمبادرة جريئة وشجاعة من رئيس الجمهورية ـ برنامجا غير مسبوق في المنطقة، أجاب فيه الرئيس ـ وبشكل مباشر ـ على أسئلة بعض الصحفيين، وشكاوى بعض المواطنين، هو نفسه التلفزيون الذي لا يزال القائمون عليه يطلبون الإذن من رئيس الجمهورية ـ وهو ما كشفه الرئيس نفسه ـ لتقديم بعض الأخبار التي تقدمها كل تلفزيونات العالم بشكل عادي، ودون إذن أو ترخيص من أي سلطة عليا.
لقد كشفت تصريحات الرئيس المتكررة أن القائمين على هذا التلفزيون هم الذين أعاقوا ـ وباجتهادات شخصية ـ إصلاح التلفزيون وتطويره، وهم الذين رفضوا ـ لحسن نية أو لسوئها ـ تطبيق أوامر الرئيس المطالبة، وبإلحاح، بفتح التلفزيون أمام جميع المواطنين.
ولأني أتمنى ـ ويشاركني في ذلك أغلب الموريتانيين ـ أن يكون مرور المدير الجديد بالتلفزيون، يختلف عن مرور المدراء الأربعة الذين تعاقبوا على هذا التلفزيون منذ السادس من أغسطس، لأني فعلا أتمنى ذلك، فقد بادرت بكتابة هذه المقترحات للمدير الجديد، والتي أرجو أن لا يكون مصيرها كمصير مقترحات أخرى كتبتها لجهات كثيرة أخرى.
كتبت هذه المقترحات رغم قناعتي بأن التفكير وكتابة المقترحات هو أسوأ قرار يمكن أن يتخذه المرء في هذا البلد، لأنه لا أحد يهتم بالمقترحات، لا في السلطة ولا في جمهور القراء. أما أفضل قرار يمكن اتخاذه ـ وهذه واحدة من مصائبنا الكثيرة ـ هو أن لا نفكر إطلاقا، وأن نكتفي بالمبالغة في النقد لننال رضا الطائفة الغاضبة في هذا البلد، أو نبالغ في المدح لننال رضا الطائفة الأخرى.
بدءا لابد من القول بأن إصلاح التلفزيون وتطويره يجب أن يكون من أولى الأولويات فهو يشكل واجهة البلد، وهو سفارته في كل بلدان العالم.
وتلك الحقيقة وعتها السلطات اللبنانية منذ سنوات فقررت أن تغلق تلفزيونها الرسمي لمدة محدودة، بعد أن أصبح يشكل عبئا ثقيلا على خزينة الدولة، في الوقت الذي هجره جمهوره لصالح فضائيات أخرى. لقد أغلق لبنان تلفزيونه الرسمي لمراجعة أدائه الإعلامي، ولصياغة وظيفته من جديد لكي يتمكن من منافسة الفضائيات الأخرى.
وفي الإمارات أيضا راجع القائمون على قناة أبو ظبي وظيفة هذه القناة أكثر من مرة، فحولوها من قناة إخبارية، إلى قناة منوعة، ثم إلى مجموعات قنوات لكل منها مجالها و تخصصها.
نحن أيضا بحاجة إلى مراجعة أداء ووظيفة تلفزيوننا الرسمي، وهذه المراجعة يجب أن تشمل عدة مجالات، ويجب أن تكشف عن العديد من الالتباسات القائمة لدى العاملين في هذه المؤسسة الحيوية.
ففتح التلفزيون الموريتاني، الذي يقتات من الضرائب التي يدفعها كل الموريتانيين، أمام كل الموريتانيين، ومناقشة كل القضايا التي تهمهم بمختلف فئاتهم العمرية، وبمختلف مستوياتهم وشرائحهم يجب أن تكون هي القاعدة لا الاستثناء.
لقد ظل القائمون على التلفزيون يصرون على أن لا يحسنوا من أدائه إلا أسبوعا أو أسبوعين إذا ما انتقده الرئيس، وذلك قبل أن يعودوا به إلى أسوأ مما كان عليه في انتظار انتقاد جديد من الرئيس...وهكذا دواليك.
ومن الأخطاء التي وقع فيها المدراء السابقون هي أنهم توقعوا أن يتحسن أداء التلفزيون باستخدام نفس الأساليب والوسائل التي أوصلته إلى هذا الواقع المزري الذي يتخبط فيه اليوم. إن نفس الأساليب تؤدي دائما لنفس النتائج، لذلك فالمدير الجديد مطالب بأن يغير الأساليب والوسائل القديمة. وعليه في الأساس أن يعتمد على الإعلاميين الأكفاء والموظفين الشرفاء الذين تم إقصاؤهم وتهميشهم واستبدالهم بمن لا كفاءة له، وبمن تسبب ـ وبشكل مباشر وعلني ومتواصل ـ في الانحراف بالتلفزيون عن دوره الحيوي الذي كان من المفترض أن يساهم به في تنمية البلد.
ولقد أثبت الصحفي الموريتاني بأنه قادر على أن يتميز في الفضائيات الشهيرة، فكيف به إذا مُنح فرصة في تلفزيونه "الوطني"؟ مشكلتنا أن الصحفيين الذي بإمكانهم أن يتميزوا لا تمنح لهم فرصة للتميز، وإنما يتم إقصاؤهم أو تهميشهم في أحسن الأحوال.
ومن المفاهيم الخاطئة كذلك هي الاعتقاد بأن تطوير التلفزيون يمكن أن يتحقق من خلال تقديم برنامج سياسي أو اثنين لإشباع فضول السياسيين، أو برنامج أو اثنين في الموسيقى أو في المسابقات لإلهاء الشباب.
إن أداء التلفزيون لن يتحسن إلا إذا لبى هذا التلفزيون رغبات المشاهدين من مختلف الفئات والمستويات، سواء كانت تلك الرغبات مرتبطة بالدين أو بالسياسة أو بالرياضة أو بالترفيه أو بالثقافة أو بالحوارات والنقاشات أو بقضايا تهم الشباب أو المرأة أو الطفل.
وإن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تبدأ بتقديم برامج من داخل التلفزيون نفسه لتقييم أدائه، يشارك فيها أصحاب الرأي والخبرة والتخصص، ويُفتح فيها المجال واسعا للمشاهدين بكل فئاتهم وأطيافهم ليعبروا وبحرية كاملة عن انتقاداتهم للتلفزيون، ويتحدثوا فيها عن كل ما كانوا يتوقعونه من تلفزيونهم ولم يحققه لهم، ويتحدثوا كذلك عن البرامج والأفكار التي يقترحونها والتي يعتقدون أنها ستجعل التلفزيون يزداد قربا منهم.
ومثل هذه البرامج سيعطي إشارة ايجابية، وسيمنح ثقة وتفاؤلا لدى المشاهدين بأن مرور المدير الجديد على التلفزيون لن يكون مثل مرور سلفه.
ومن الأخطاء الشائعة كذلك والتي يجب تصحيحها هي تلك النظرة الخاطئة لدى الكثير من القائمين على الإعلام الرسمي، والتي يعتقد أصحابها بأن زيادة جرعة الحرية والانفتاح، وفتح نقاش حول بعض المواضيع الحساسة بأن ذلك يضر السلطة الحاكمة.
والحقيقة هي عكس ذلك، فنقاش تلك المواضيع وبحرية كاملة هو في صالح السلطة قبل غيرها. ولقد استفادت السلطة كثيرا من حلقتي الحوار المفتوح اللتين تم تخصيصهما "للعبودية" ولـ"أحداث الجامعة" أكثر من استفادتها من كل البرامج والحوارات التي كانت تبتعد عن الأوجاع وعن التحديات الحقيقية التي يواجهها البلد، والتي تفنن التلفزيون في تكرارها بشكل ممل ومستفز.
ومن بين الاقتراحات التي يمكن تقديمها لتحسين أداء التلفزيون اقتراح متكامل اشتغلت عليه مدة من الزمن، وله علاقة بتخصصي واهتماماتي، وكنت قد قدمت عنه تصورا مفصلا منذ ما يقارب عامين، وذلك لاستحداث برنامج متخصص في التنمية البشرية، على شكل دورات، ويستهدف أساسا فئة الشباب، وهو الاقتراح الذي لم يتم اعتماده حتى الآن، رغم أنه كان سيشكل إضافة نوعية لبرامج التلفزيون لو تم قبوله.
ومن الملاحظ أن كل هذه الاقتراحات التي قدمت في هذا المقال لا تحتاج لموارد مالية إضافية، وهو ما تعمدته لإسقاط أي حجة. أما في حالة توفر تلك الموارد مستقبلا فسيكون حينئذ بالإمكان تقديم حزمة أخرى من المقترحات، والتي تحتاج لموارد إضافية قد لا تكون متاحة حاليا.
وفي الختام، فإن التلفزيون بإمكانه أن يحسن كثيرا من أدائه من خلال الاعتماد على موارده المالية والبشرية المتاحة حاليا. وهو لا يحتاج اليوم إلا أن تكون لمديره الجديد إرادة جادة، وعزيمة قوية على أن يترك بصمة متميزة في مؤسسة حيوية بحاجة ماسة لمن يترك فيها بصمة.
تصبحون على تلفزيون عمومي....

الاثنين، 2 مايو 2011

الأُخُوَّة في الحظيرة!!!


سأل أحدهم الشيخ عبد الحميد "كشك" رحمه الله فقال: رضعت أنا وأخي هذا من نفس المعزاة، فهل نكون بذلك إخوة في الرضاعة؟
أجاب "كشك": لا لستما إخوة في الرضاعة، ولكنكما إخوة في الزريبة أو في الحظيرة.
إن الأخوة في الحظيرة ـ وهذا لم يعد كلام الشيخ "كشك" ـ تختلف عن أي أخوة أخرى، فالأخ في الحظيرة قد يرفس أخاه، وقد يركله دون سبب وجيه، ودون أن يثير ذلك استغراب بقية القطعان في الحظيرة. والحظيرة أو الزريبة لا يحكمها أي قانون، فهي مجرد مكان ضيق تحشر فيه مجموعة من البهائم التي جُبلت على الخشونة في التعامل، وعلى ممارسة العنف لحسم أي خلاف صغير أو كبير، يحدث داخل الحظيرة أو خارجها.
وفي بلدنا حظائر كثيرة، فهناك "الحظيرة الفتية" التي ولدت فتية، وشاخت وهي لا تزال فتية، وشُوهد طلابها في الأيام الماضية، يتعاركون بالعصي، ويتراشقون بالحجارة، لحسم خلافاتهم، وفق منطق وتقاليد الحظيرة، في مشهد بائس، إن لم يكن هو البؤس بعينه.
ومما يزيد ذلك المشهد بؤسا هو أنه حدث في عام عربي جميل، ابتدع فيه الشباب العربي أساليب راقية من النضال والتضحية والتوحد للدفاع عن القضايا الحقيقية لأوطانهم، متجاوزين بذلك كل المصالح العرقية أو الحزبية الضيقة.
ففي اليمن مثلا، واليمن تعتبر الدولة العربية الأكثر تماثلا معنا من حيث مؤشرات التنمية، والأكثر تشابها معنا حتى في الأشكال، ترك الشاب اليمني سلاحه ـ وفي الأغلب يملك اليمني ترسانة أسلحة ثقيلة ـ وخرج بصدره العاري للدفاع عن قضايا وطنه. خرج بعد أن ترك وراءه ظهره المصالح الضيقة للقبيلة وللطائفة وللحزب السياسي وللايدولوجيا.
والشاب اليمني بذلك الفعل الراقي برهن على أنه قد تحرر من ثقافة الحظيرة، أصبح قادرا على أن يبدل الأخوة في الحظيرة بالأخوة في الوطن.
أما في موريتانيا فقد خرج شباب بعصيهم، وقيل أن أحدهم حمل بندقية، إلى المكان الذي كان من المفترض أن يكون بمنأى عن ثقافة الحظيرة، خرجوا ليركل بعضهم بعضا، وليرفس بعضهم بعضا، وكأن الشاب الموريتاني بذلك الفعل البائس، أراد أن يغرق بلده أكثر في ثقافة الحظيرة، وأن يبعده أكثر وأكثر عن ثقافة المواطنة.
فلماذا سعى الشاب الموريتاني لدخول الحظيرة؟ ولماذا سعى جاهدا لإدخال مجتمعه إلى الحظيرة التي لم يخرج منها، في الوقت الذي كان فيه الشاب اليمني يعمل جاهدا لتحرير نفسه ومجتمعه من ثقافة الحظيرة؟
ذلك سؤال سأرفع العمامة لكل شاب موريتاني يجيب عليه.
وقد يقول قائل وما أكثر القائلين ـ عفوا الصائحين ـ في الحظيرة، بأن الطالب الجامعي الموريتاني يتعرض لضغوط قوية من أعراق وإيديولوجيات وعشائر وطوائف سياسية تجبره أن يثبت من حين لآخر بأنه لا زال يتشبث بتراث وبتقاليد الحظيرة البالية.
وهنا سأطرح السؤال التالي: كيف استطاع الشاب اليمني أن يجبر طوائفه وعشائره وأحزابه وحركاته أن تترك حظائرها لتلتحق به، وتناصره في المطالبة بمشروع وطني ثوري راقي وطموح؟
وكيف فشل الشاب الموريتاني في ذلك؟ بل وكيف استطاعت العشائر والطوائف والأيدلوجيات الموريتانية أن تجبر الشاب الموريتاني على السير خلفها، و على ممارسة طقوسها البائدة في قلب جامعته الفتية، عفوا في قلب حظيرته الفتية؟
ذلك سؤال سأرفع القبعة لكل شاب موريتاني يجيب عليه.
لقد ارتكب الطلاب الجامعيون في يومي الأربعاء والخميس خطيئة كبرى وجرما عظيما، لابد من التوبة العلنية منه، والتكفير عنه بالإكثار من العمل الوطني الصالح والهادف، الذي يخدم ـ حقا ـ المصلحة العليا للبلد، ولا يخدم غيرها.
لقد حاول من أدلى برأيه ـ حتى الآن ـ أن يفسر ما حدث بكشف جزء يسير من الحقيقة، وبالقول بأنه كان نتيجة مؤامرة حاكت خيوطها ـ حسب بعضهم ـ رئاسة الجامعة، وحاكت خيوطها حسب البعض الآخر بعض المواقع الالكترونية، وبعض الأحزاب السياسية التي لها أتباع ـ حتى لا أقول قطعان ـ في الحظيرة الفتية، توجهها كيف ما شاءت، وأنى ما شاءت.
إن تبرير تلك الخطيئة الشنيعة بفكرة التآمر يعتبر مغالطة كبرى، وهو تبرير سيجعل الطلاب يتقمصون دور الضحية، ولا يعترفون بخطئهم ولا يتوبون منه، وهو ما ظهر في بيانهم الأخير، مما يعني بأننا قد نعيش في المستقبل أخطاء أخرى من هذا القبيل.
ورغم أني لا أنفي أصلا فكرة التآمر إلا أني مع ذلك أرفض استخدامها لوحدها لتبرير ما حدث. ويبقى السؤال المطروح هنا: لماذا يقبل الطلاب بأن يكونوا ضحية لمؤامرة من هذا النوع؟
على الطلاب أن يتحلوا بالشجاعة والصراحة والجرأة وأن يعترفوا علنا بأنهم ارتكبوا خِطْئا كبيرا، وعليهم أن يتركوا تمثيل دور الضحية التي تتعرض لمؤامرة شرسة من "قوى الشر".
ولو كان هذا المنطق التبريري للأخطاء يكفي لقبلنا تبريرات حكوماتنا التي تبرر كل أخطائها وحماقاتها بأنها ضحية لمؤامرات لا تنتهي من قوى الشر العالمية.
إننا إذا لم نتحمل مسؤولية الأخطاء التي نرتكبها فإنه لن يكون بإمكاننا تفاديها مستقبلا، وبالتأكيد ستكون دائما هناك جهات بإمكاننا اتهامها بالتآمر ضدنا، كلما أخطأنا في حق أنفسنا، وفي حق الوطن.
وعندما يعترف الطلاب بأخطائهم فسيكون بعد ذلك بالإمكان أن نتبع أطرافا عديدة، وتراكمات كثيرة ساهمت في صنع الأحداث العرقية المشينة التي شهدتها "الحظيرة الفتية". وهذه التراكمات يمكن أن نجملها في نقاط ثلاث:
1 ـ في نفس الفترة تقريبا من العام الماضي شهدت الجامعة أحداثا عرقية مشابهة، كانت نتيجة لردة فعل غاضبة، على اهتمام خطابي باللغة الدستورية للبلد، لم يصاحبه أي إجراء ملموس حتى ولو كان هزيلا. ولقد تزامنت تلك الأحداث مع حدث آخر تمثل في مبايعة مجموعة من الأحزاب السياسية للقذافي. ولقد تعاملت "القطعان السياسية" بعقلية الحظيرة وبمنطقها مع تلك الأحداث. ولقد كان كل قطيع سياسي يتخذ موقفا متشددا مع أحد الحدثين، ويتجاهل ـ وبشكل فاضح ـ الحدث الآخر.
لقد انتقد البعض ـ وبقسوة مبررة ـ مبايعة القذافي، والتي كانت بالفعل خطيئة تستحق أن يندد بها، ولكن أولئك الذين انتقدوا تلك المبايعة صمتوا صمتا رهيبا، ولم ينددوا بالجرم الذي ارتكبه بعض الطلاب الذين تسببوا في صدامات عرقية، لمجرد أن هناك من قال ـ وهو مجرد قول عابر في مناسبة عابرة ـ بأن اللغة العربية لا الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد.
أما الطائفة الأخرى من القطعان فقد انتقدت ـ وبقسوة مبررة أيضا ـ التظاهر ضد اللغة العربية، ولكنها لم تنتقد ـ ولو بشطر كلمة ـ مبايعة القذافي.
ولقد أظهرت تلك المواقف ـ أو على الأصح أنصاف المواقف ـ أن ثقافة الحظيرة لا زالت تتحكم في ردود أفعالنا وفي مواقفنا، وأن هذه المواقف لا زالت تتخذ استجابة لمصالح القطيع الضيقة، أما المصلحة العليا للبلد ، فإنها لا تجد ـ إطلاقا ـ من يهتم بها.
إن هذه القطعان السياسية التي أفلست أخلاقيا وسياسيا، لم يعد لديها ما تفعله سوى المتاجرة بورقة الفتنة واللعب بها بحثا عن ناخبين متطرفين من كل الفئات.
فمبايعة القذافي، والتظاهر ضد اللغة العربية كلاهما كان جريمة نكراء تستحق التنديد، ومع ذلك لم يستطع أي فصيل سياسي في هذا البلد أن يندد بهما معا، رغم تزامنهما.
2 ـ إن من ثقافة الحظيرة ما يمارسه البعض من عنصرية بشكل خفي، فكل تمييز بين المواطنين ـ وبغض النظر عن أسبابه ـ إنما هو نوع من العنصرية، يجب أن نتخلص منه بشكل فوري، إذا ما كنا نريد حقا أن نتحرر من ثقافة الحظيرة.
فالمواطنون يجب أن يكونوا سواسية في الحقوق وفي الواجبات، والذين يخطئون منهم في حق الوطن هم مواطنون مخطئون، علينا أن نقولها بصراحة، وعلينا أن نندد بأخطائهم بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية. أقول هذا الكلام لأن البعض أصبح يتجنب انتقاد بعض التصرفات الخاطئة، التي قد تصدر من بعض المواطنين الذين ينتمون لشريحة غير شريحته، وذلك خوفا من أن يوسم بالعنصرية، متجاهلا أن ذلك الخوف إنما يعبر عن عنصرية دفينة.
ولتوضيح ذلك أكثر يكفي أن نتأمل ردود أفعال "القطعان السياسية" على حدثين متشابهين:
فبعد أحداث الجامعة التي مورس فيها عنف طائش من طرف الطلاب، ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الطلاب وكانوا كلهم زنوجا. وبعد يوم الغضب الذي لم يمارس فيه أي عنف ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الشباب وكانوا كلهم عربا.
لقد نددت "القطعان السياسية" ـ ولها الحق في ذلك ـ بإلقاء القبض على المجموعتين، ولكن المؤسف أنها ـ وربما لعنصرية دفينة ـ اكتشفت أن مجموعة الطلاب كانت من فئة عرقية واحدة، وهو ما احتجت به في بياناتها وتصريحاتها، ولكنها لم تكتشف أن مجموعة شباب يوم الغضب كانت هي أيضا من فئة واحدة.
لقد أصبح من اللازم ـ إذا ما كنا نريد حقا أن نكون إخوة في الوطن لا إخوة في الحظيرة ـ أن نتجاوز هذه العقد التي تكشف عن عنصرية دفينة. فإذا ارتكبت مجموعة من المواطنين عملا مخالفا للقانون فعلينا أن ندين فعلها ذلك، حتى ولو كانت من شريحة واحدة، وإذا ما استحقت مجموعة أخرى من المواطنين مكافأة أو امتيازا فعلينا أن نمنح لها ذلك الامتياز، حتى ولو كانت من شريحة واحدة. كما أنه علينا جميعا ـ سواء من كان منا معارضا أو مواليا ـ أن نندد بلغة صريحة وفصيحة، بكل قول أو فعل يصدر من أي موريتاني ـ بغض النظر عن عرقه أو شريحته ـ يسيء لديننا أو لوطننا ( لا أقصد بالوطن النظام).
وإن السكوت عن الإساءة للدين أو للوطن، مخافة أن نتهم بالعنصرية، إنما هو مظهر شائن من مظاهر الحظيرة وثقافتها التي لا تقدس شيئا، أي شيء.
3 ـ غياب روح الوطنية، وغياب الفضاءات التعليمية والسياسية والثقافية والإعلامية التي تنمي تلك الروح في نفوس ثلاثة مليون "أجنبي" وزيادة تسكن هذه الأرض.
فالحكومات كانت ولا زالت تربي المواطنين على أن الولاء للنظام الحاكم يأتي قبل الولاء للوطن.
والأحزاب السياسية كانت ولا زالت تربي منتسبيها على أن الولاء لزعيم الحزب يأتي قبل الولاء للحزب، والولاء للحزب أهم من الولاء للوطن بمائة درجة.
والحركات الإيديولوجية كانت ولا زالت تربي " مناضليها" على أن كل كلمة يقولها "مناضل" دفاعا عن عرض"الزعيم" أو "القائد" أو "الأخ" أو "الرفيق" أو "المرشد" هي خير من ألف كلمة يقولها دفاعا عن عرض وطنه ، أو على الأصح دفاعا عن الحظيرة التي يقيم فيها بجسده لا بقلبه، والتي تمتد من "فصالة" شرقا إلى "كرمسين" غربا.
والقبيلة كانت ولا زالت تثبت ميدانيا بأن الولاء لها ـ عكس الولاء للوطن ـ هو الذي يوفر الوظائف، وهو الذي ينفع صاحبه ساعة العسرة، وهو الذي يحميه من ظلم الآخرين ومن اعتداءاتهم.
إن الأخوة في الحظيرة ستظل هي التي تجمعنا، وثقافتها ستظل هي التي تحكمنا، ما دام لا يشعر في الغربة في هذا البلد إلا من كان في قلبه مثقال ذرة وطنية. وما دام لا يرتقي فيه إلا أبناء القبيلة أو أبناء الايدولوجيا أو أبناء الشريحة الذين لم ينتصروا يوما إلا لقبائلهم أو لإيديولوجياتهم أو لشرائحهم، والذين لم يتمعر وجه أي واحد منهم ـ ولو لمرة واحدة ـ انتصارا للوطن.
تصبحون وأنتم إخوة في الوطن....

السبت، 23 أبريل 2011

من حقي أن أغضب..!!


في يوم "التصحيح" قال عسكريون بأعلى الرتب..
سنعاقب كل من لثروة الفقراء نهب..
وقالوا سنأتيكم بنصيبكم من العدالة غير منقوص وفي عُلَب.
وقالوا سنشيد سجونا للمفسدين من حديد وقصب..
وقالوا ويل للفقر سنهزمه هذه المرة.. ولن يهرب..
وقالوا سننظم منتديات للتعليم وسنُكون وسندرب..
وقالوا سنخرجكم من "مساكن الدجاج" فودِّعوا صفائح الخشب..
وقالوا لن يولد مولود بعد "التصحيح" إلا وفي فمه ملعقتان من ذهب..
وقالوا لن يموت مريض بدواء مزور أو مهرب..
وقالوا سندفع لكل عاطل حدا أدنى كمرتب..
وقالوا لدينا موارد تكفي ولسنا في حاجة لدعم من هب ودب..
وقالوا سنسكنكم في جنان لا صخب فيها ولا نصب..
وقالوا ثرنا من قبل ثورات الشباب إذ في تونس ومصر هب..
قالوا كلاما عجيبا..قالوه بصخب..
قالوا كلاما مثيرا ..ثم بعد عامين توقفت الخطب..
لم يعد لديهم ما يقولوه فقلنا نحن والإحباط من جباهنا يتصبب..
قلنا والجوع يكاد يدفننا في أرض باطنها من ذهب..
قلنا والبطالة تفتك بنا منذ عقود دون أن نعرف ما السبب..
قلنا ونحن الغرباء في وطن جعلوه أعراقا وشيعا و قبائل تتفاخر بالنسب..
قلنا وفي الجامعة صراعات ومشاهد من أرذل الحقب..
قلنا ونحن شباب شيب والظهر قد أثقلته الهموم فاحدودب..
قلنا لهم وقد سئمنا العيش في وطن بلا نخب..
تشابهت "إنجازاتكم" يا "قادتنا" وتطابقت الخطب..
وما عدنا نميز بين المُنْقَلِب منكم ومن نُصِّب..
فخلَفكم كسلفكم ومُنقلِبكم لا يختلف عن من اُنْتِخِب..
ومعارضوكم كمواليكم وقد تساوى لدينا من انهزم منكما ومن تغلب..
قلنا لهم نحن غاضبون عليكم جميعا ومن حقنا أن نغضب..
ولا يغرنكم يا "قادتنا" تصفيق بعضنا ففي تصفيقه شحنة غضب..
ولا تغرنكم ضحكاتنا ففي ضحكاتنا براكين غضب..
ولا يغرنكم عدم اكتراثنا فعدم اكتراثنا يمور خلفه زلزال غضب..
ولا تغرنكم طيبتنا فكم هو مخيف الطيب إذا غضب..
قلنا لهم غاضبون عليكم جميعا ومن حقنا أن نغضب..
واعلموا يا "قادتنا" بأنا قد هرمنا في انتظار لحظة غضب..
يدعو لها شباب لا للأغلبية ولا للمعارضة انتسب..
شباب لا يختزل الوطن في أعراق أو في "عشائر سياسية" تتناحر بلا سبب..
تصبحون على موعد مع الغضب...

الأحد، 17 أبريل 2011

"أسياد" خارج قفص الاتهام !!!

"أسياد" خارج قفص الاتهام !!!
تابعت ـ باهتمام كبير ـ الحوار الهام الذي نظمه التلفزيون الرسمي عن العبودية، ذلك الحوار الذي أثار قضايا هامة وشائكة عن الرق، وعن مخلفاته كما أثار بعض القضايا المرتبطة بهذه الظاهرة، والتي قد تتداخل معها في كثير من الجوانب، لدرجة تختفي فيها كل الخيوط الرفيعة التي من المفترض أنها تفصل بين الاسترقاق وتشغيل القصر من جهة، و بعض مظاهر التكافل الاجتماعي، والتي تتخذ ـ في بعض الأحيان ـ أشكالا بدائية، لم تعد تنسجم مع تعقيدات العصر.
ومع أن الحوار قد تطرق إلى جوانب مهمة من الموضوع، إلا أن ذلك لن يمنع من القول بأن المتحاورين قد تجاهلوا ـ بقصد أو بغير قصد ـ "مسترقين" و "أسيادا" يلعبون ويمرحون في هذا البلد، ولا يجدون من يتصدى لهم، رغم أنهم هم العدو الأول للأرقاء وللأرقاء السابقين. وقبل الحديث عن هؤلاء المسترقين، قد يكون من المناسب،أن أسجل بعض الملاحظات حول حلقة الحوار المفتوح، التي تم تخصيصها ـ في سابقة من نوعها ـ لواحدة من أهم القضايا التي تؤرق ـ أكثر من غيرها ـ العقلاء في هذا البلد.
الملاحظة الأولى: على القائمين على التلفزيون أن يعلموا بأن الشمس لم تطلع من مغربها، وأن السماء لم تسقط كسفا على الأرض، بعد بث الحلقة المذكورة. لم تتسبب هذه الحلقة في حدوث أي كارثة، بل على العكس، فإنها ومثلها من البرامج الحوارية الهادفة سيخفف كثيرا من حدة الاحتقان، وسيساعد بلادنا في تجنب المخاطر التي قد يتسبب فيها غياب مثل هذه الحوارات.
إن مثل هذه البرامج الهامة يجب أن لا تكون مجرد ردة فعل عابرة لامتصاص موجة الانتقادات المتنامية للتلفزيون، رسمية كانت أو شعبية، والتي زادت حدتها في الأسابيع الماضية. وعلى القائمين على التلفزيون أن يعلموا بأن مثل هذه البرامج يجب أن تكون أكثر أولوية من برامج "أزوان"، ومن كل البرامج المشابهة، والتي تصنف ـ عادة ـ على أنها برامج ترفيهية، وإن كانت في حقيقتها ليست كذلك.
وأعتقد أن الكثير من العقلاء في هذا البلد، يوافقون رئيسة "رابطة النساء المعيلات للأسر" فيما ذهبت إليه في هذا المجال.فليس من الحكمة، أن يظل التلفزيون يقدم جرعات زائدة من "أزوان" في الوقت الذي يتجاهل فيه كليا التحديات التي تهدد مستقبل البلد، والتي قد تعصف ـ لا قدر الله ـ بالبلد، وأهله منشغلون بمتابعة دروس من الموزون، أو بمشاهدة صور من البادية الموريتانية.
الملاحظة الثانية: حاولت الحلقة بخجل شديد أن تكشف الستار عن الازدواجية التي نتعامل بها جميعا ( حكومة، منظمات، ساسة، كتاب..) مع ظاهرة العبودية في بلدنا. وهي ازدواجية جعلتنا نغمض أعيننا عن ممارسات بشعة من العبودية، لا زال يمارسها بعض الأسياد في إحدى المجموعات الوطنية.فهناك أسياد كثر في هذه المجموعة خارج قفص الاتهام، وإن كانوا ليسوا هم الأسياد الذين قصدتهم بعنوان هذا المقال.
وإذا كان يصعب اليوم أن نجد في مجتمع "البيظان"، متعلما أو ميسورا يقبل أن يكون عبدا، فإن الأمر يختلف لدى السوننكيين، حيث تنفرد هذه المجموعة عن غيرها من المجموعات الوطنية، بأنه لا زال يوجد بها أرقاء متعلمون، وميسورون، ويشغلون في بعض الأحيان وظائف سامية، لا يحلم بها أسيادهم، ومع ذلك يقبلون ـ وبشكل مثير للاستغراب ـ ممارسة بعض الأعمال والطقوس، لصالح أسيادهم، والتي تتنافى ـ بشكل صارخ ـ مع الحدود الدنيا للكرامة الإنسانية.
الملاحظة الثالثة: إذا كان يحق لنا أن نفتخر اليوم بأننا قد قطعنا أشواطا كبيرة في النضال السياسي والحقوقي ضد العبودية، وهنا لابد أن أوجه تحية لمنظمة نجدة العبيد، ولرئيسها الذي كان ضيفا في الحلقة، إذا كان يحق لنا أن نفتخر بذلك، فإنه علينا جميعا أن نخجل من تقصيرنا، ومن تقاعسنا الواضح (حكومة، ومنظمات) في مجال ما أسميته في مقال سابق بالنضال التنموي ضد العبودية.
وإنه لمن المؤكد أنه في ظل غياب نضال تنموي حكومي وأهلي جاد ضد العبودية ستظل كافة الجهود الأخرى ناقصة، ومحدودة الفاعلية. وسيظل دائما هناك من يقبل "طوعا" أو كرها بأن يكون عبدا، وسيكون دائما هناك من يبذل جهدا كبيرا من أجل أن يجد "سَيِّدا" يطعمه ويسقيه، في زمن شحت فيه موارد الدخل، وارتفعت الأسعار، وكثرت احتياجات الأفراد.
إن الفقر والأمية هما "سيدان" خارج قفص الاتهام، وهما اللذان يجبران الأرقاء، والأرقاء السابقين، بل ويجبران في بعض الأحيان، بعض الأسياد السابقين إلى البحث عن سيد جديد أو قديم يستعبدهم من أجل مقابل مادي زهيد، يزيدهم احتياجا وفقرا وجهلا، ويدفعهم إلى التنازل أكثر عن كرامتهم، وعن حقوقهم التي من المفترض أن تكفلها لهم قوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
لقد حان الوقت لأن نقدم بلاغا ضد الفقر والأمية، وقد حان الوقت لأن نوجه لهما تهمة ممارسة الاسترقاق، وأن نطالب بطردهما من البلاد، بعد إنزال أقصى العقوبة بهما.
إن هناك مليونا ونصف من الموريتانيين أميون يعيشون في ظروف مزرية بسبب الأمية والفقر. وهم ضحايا لمجرمين خارج قفص الاتهام، لا يجدان من يتهمها حتى في برنامج حواري عن العبودية.
لقد أمست الأمية تلعب وتمرح وتفعل أفاعيلها بضحاياها من الموريتانيين، دون أن تجد من يرفع ضدها بلاغا، أو يذكرها حتى، منذ أن توقف الحديث عنها صبيحة الثالث من "شهر التناوب الرئاسي الخشن"، من العام 2005.
وإن الفقر ليلعب هو أيضا ويمرح، ويفعل أفاعيله بضحاياه من الموريتانيين، بل إنه زاد من جرائمه وغطرسته وجبروته، في الفترة الأخيرة، بعد أن أيقن أن البلاغ الذي رُفِع ضده صبيحة السادس من "شهر التناوب الخشن" من العام 2008، كان مجرد بلاغ غير ذي شأن، في حزمة من بلاغات غير ذي شأن رُفعت ضد الفساد، والبطالة، وانحراف المسار، ورموز الأنظمة السابقة، والأزمة الأخلاقية، وسوء توزيع المتاح من العدالة، وأشياء كثيرة أخرى من أغنية طويلة نساها الناس في وقت مبكر، ونستها ـ وهذا هو أغرب ما في الأمر كله ـ فرق الإنشاد والتصفيق والتطبيل التي تشكل ما يسمى بالاتحاد من أجل الجمهورية .
تصبحون على نضال تنموي ضد الرق ومخلفاته...

الاثنين، 11 أبريل 2011

بطاقة حمراء لوزير عابر



لقد كنت أتوقع ـ بناءً على معلومات يبدو أنها مغلوطة ـ أن الفترة التي سيقضيها وزير الاتصال الحالي بوزارة الاتصال، ستكون فترة مميزة، وستشهد إنجازات ملموسة في قطاع الإعلام بشقيه الرسمي والخاص.
ولقد كنت أتوقع أنه سيستغل هامش الحرية الممنوح للإعلام من طرف رئيس الجمهورية على أحسن وجه، بل إني كنت أتوقع بأنه لن يرضى فقط بذلك الهامش، وإنما سيناضل ويكافح ـ وبشكل مستميت ـ من أجل أن يُمنح هامشا أكبر يسمح له بأن يترك بصمة متميزة، يتذكره بها الموريتانيون عندما يلتحق ـ في يوم يراه بعيدا وأراه قريبا ـ بطابور طويل من الوزراء السابقين، لم يتركوا خلفهم أثرا مذكورا، ولم يعد يذكرهم ذاكر.
لقد رحلوا إلى رصيف النسيان، كما سيرحل الوزير الحالي إليه...
وسيندم كما ندموا..
وسيتمنى "الوزير العابر" أن يعود للوزارة ليعمل صالحا، ولن يعود في أغلب الأحوال. وقد يتمنى أن يعود لساعة واحدة، ليقيل كل مفسدي الإعلام الرسمي الذين سيتخلون عنه، وينقلبون عليه بعد أول دقيقة من إذاعة بيان الإقالة، كما فعلوا مع عن من سبقه. سيتخلون عنه، ولن يشفع له بأنه ظل في فترة مروره العابر بالوزارة، يصرـ وبعناد عجيب ـ على الاحتفاظ بهم في مناصبهم.
سيتخلى عنه مفسدو الإعلام الرسمي، ولن تتشبث به قطعا الفئة الصالحة في هذا القطاع، بعد أن همشها كثيرا.
وسيتحول الوزير الحالي إلى رقم عابر في سلسلة من الأرقام العابرة، وسيحمل الرقم 5 في سلسلة وزراء الاتصال الذين تعاقبوا على الوزارة، منذ "فجر السادس من أغسطس" الذي لم تبزغ شمسه حتى الآن، لتخفف ـ ولو شيئا قليلا ـ من ظلمات ليل الإعلام الرسمي الحالك.
لقد اختار " الوزير العابر" أن يكون مجرد وزير عابر.. فليكن كما أراد.. وليكن مجرد وزير عابر.
ولقد اختار "الوزير العابر" أن يكون مجرد رقم عابر.. فليكن كما أراد.. وليكن مجرد رقم عابر.
والحقيقة أني لم أكن أرغب ـ إطلاقا ـ في أن أرفع البطاقة الحمراء الثالثة في وجه "الوزير رقم 5"، أو "اللاعب رقم 5"، في التشكيلة الحكومية الأسوأ أداءً في تاريخ الحكومات الموريتانية، لم أكن أرغب في ذلك، ولكن قواعد التحكيم الافتراضي فرضت أن أرفعها في وجه الوزير، قبل رفعها في وجه مدير تلفزيونه، والذي كنت قد وعدته بالبطاقة الحمراء الثالثة، في وقت سابق.
فالجمهور الرياضي ـ كل الجمهور الرياضي ـ يريد أن ترفع بطاقة حمراء، شديدة الاحمرار، في وجه "اللاعب رقم 5".
والمعلقون الرياضيون، وحسب ما ينشرون في المواقع والجرائد، سيرحبون كثيرا برفع البطاقة الحمراء في وجهه.
وفريق المعارضة سيشجع ـ بالتأكيد ـ إخراج هذه البطاقة، ففي كل بيانات هذا الفريق ظلت هناك فقرة ثابتة تنتقد الأداء الباهت للاعب رقم 5 ، حتى السلطة العليا للصحافة، والتي عُرفت بصمتها الرهيب، وبخجلها المحير، لم تعد قادرة على الاستمرار في صمتها وخجلها، وأصبحت تهمس جهرا بسوء أداء "اللاعب رقم 5".
لقد كنت أتوقع أن هذا اللاعب سيكون نجم التشكيلة الحكومية الحالية، فراجحة عقله، ومؤهلاته وقدراته، وتاريخه "الرياضي" كان من المفترض أن يعينه على ذلك.
لقد كان بإمكانه أن يكون نجما لو أراد، ولكن الوزير قرر ـ لأسباب تخصه ـ أن يكون الوزير الأسوأ أداءً على الإطلاق، في فريق حكومي كل وزرائه كان أداؤهم سيئا للغاية.
لذلك، فلقد استحق ـ أكثر من غيره من الوزراء ـ بطاقة حمراء، شديدة الاحمرار. لقد استحقها لأسباب عديدة، أذكر منها تحديدا ثلاثة:
أولها: بما أننا جميعا، رئيسا وشعبا، نخبا وعامة، أغلبية ومعارضة، نتفق على أن الإعلام الرسمي لم يتحسن أداؤه ولو شيئا قليلا، بل ولأننا نتفق على أنه تراجع كثيرا إلى الوراء، لذلك فقد كان من اللازم أن نحدد المسؤول الأول والمباشر عن هذا التراجع.
بالنسبة لي شخصيا أميل دائما لأن أحمل رئيس الجمهورية كل الأخطاء التي تحدث في عهده، دقها وجلها، كبيرها وصغيرها، أولها وآخرها. ولكن في مسألة الإعلام الرسمي، فإني سأعتمد على شهادات واعترافات "الوزير رقم 5"، فالوزير رقم5 هو أولا وقبل كل شيء رجل قانون، وهو أولى من غيره بتحديد المسؤولية، خاصة في قطاعه. وهو يعرف أكثر من غيره القوة القانونية للاعتراف، الذي لا يأتي تحت الإكراه، ولا تحت أي ضغط مهما كان نوعه.
لقد قال الوزير في أكثر من مناسبة، ونحن سنصدقه في مقولته تلك، بأن رئيس الجمهورية يرغب فعلا في فتح وسائل الإعلام الرسمي أمام جميع الموريتانيين، خصوصا أمام المواطنين العاديين. ولقد قال "الوزير رقم 5"في أكثر من مناسبة، بأن الرئيس أعطاه أوامره السامية، وتعليماته الصريحة والواضحة لتنفيذ تلك الرغبة.
إذاً فالخلاصة تقول وبالعربي الصريح بأن "الوزير رقم5" هو وحده من يعرقل تنفيذ رغبة الرئيس، ورغبة المعارضة، ورغبة المواطن العادي، ورغبة النخب، ورغبة السلطة العليا للصحافة، وهي رغبات أجمعت كلها، على غير العادة، وحسب المعلن طبعا،على ضرورة فتح وسائل الإعلام الرسمي أمام الموريتانيين كلهم أجمعين.
والخلاصة تقول أيضا، وبالعربي الفصيح، هذه المرة، بأن الوزير رقم 5 والذي يرفض ـ وبإصرار مستفز ـ بأن يلبي تلك الرغبات التي أجمع أصحابها على مطلب واحد، إنما يستهزئ بالتعليمات السامية لرئيس الجمهورية، وببيانات المعارضة، وبمطالب النخب، وبرغبات الشعب الموريتاني، لذلك فهو ـ وانتصارا مني لكل هؤلاء ـ يستحق أن ترفع في وجهه هذه البطاقة الحمراء، والتي أعتبرها البطاقة الأكثر احمرارا، من بين البطاقات الثلاث المرفوعة لحد الآن.
ثانيها: إن الكرامة، والشهامة، والعزة، والكبرياء تفرض على "الوزير رقم 5" أن يعتزل اللعب، وأن يستقيل فورا. لقد أصبح كل عمال القطاع كبيرهم وصغيرهم، مفسدهم وصالحهم يلجؤون إلى الرئاسة لتحل لهم مشاكل "صغيرة"، كان من المفترض أن يحلها مديرو القطاعات والمؤسسات التابعة للوزارة.
فلم يعد أي موظف يتوقع أي شيء، أقول أي شيء، ثم أكرر أي شيء من "الوزير رقم5"، لذلك فعمال الوزارة يضطرون لأن يحملوا همومهم "الصغيرة" إلى رئاسة الجمهورية. ومع أن هذه الظاهرة لا تقتصر على وزارة الاتصال، بل إنها امتدت لكل الوزارات، وأصبحت هي السمة الأبرز للفريق الحكومي الخائب الذي يقوده معالي الوزير الأول، والذي فشل في كل المباريات والتصفيات التي خاضها في ملاعب الصحة والتعليم والعدالة و..و... فرغم اتساع تلك الظاهرة، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأنها كانت أكثر تجليا ووضوحا في وزارة الاتصال أكثر من غيرها من الوزارات.
فلم تعد هناك أي أهمية للوزير رقم 5، ما دام غير قادر على أن يحل المشاكل "الصغيرة" لعمال قطاعه.
لقد زحف كل عمال الإعلام ـ كبيرهم وصغيرهم ـ مع الزاحفين إلى أسوار القصر الرئاسي، دون أن يمروا بالوزير رقم 5، لأنهم لا يتوقعون أصلا من سيادته أي شيء.
فما هي إذاً أهمية تعيين "الوزير رقم 5"إذا كان حال الوزارة بعد تعيينه، لا يختلف عن حالها المتوقع، لو تُركت عاما وزيادة بلا وزير؟
ولأنه لا فرق بين وزارة الاتصال في ظل وجود "الوزير رقم 5"، أو في ظل غيابه، اللهم إذا استثنينا التكاليف التي تتحملها خزينة الدولة كراتب وكأشياء أخرى.
ولأن "الوزير رقم 5" يرفض أن ينتصر لكرامته وكبريائه وشهامته، ويرفض أن يستقيل من وزارة كل عمالها لا يعتبرونه وزيرا، ويبخلون عليه حتى بطرح مشاكلهم "الصغيرة".
لذلك كله، ولأن "الوزير رقم 5" يرفض أن يثور لكبريائه، فقد كان لزاما أن أرفع ـ انتصارا له ـ هذه البطاقة الحمراء، وذلك لكي يتوقف عن طريقته السيئة في اللعب، والتي استهلك بها كل رصيده لدى الجمهور الرياضي.
ثالثها: لقد استقال "الوزير رقم 5"ضمنيا، ومنذ مدة، من فريق حكومة "معاليه" الخائبة، وتظهر تلك الاستقالة من خلال غيابه المتعمد عن "برنامج الحكومة في الميزان".
فلماذا تم استثناء "الوزير رقم 5"؟ فهل السبب يعود إلى أن وزارته لا تزن عند الشعب جناح بعوضة؟ أم لأن وزارته ليست من حكومة "معاليه"؟ ألم يوضع قسرا أغلب لاعبي فريق الحكومة على الميزان؟ ولماذا يؤتى بالمسكين وزير البيئة ولا يؤتى بوزير الدولة للتهذيب و لا بالوزير رقم5؟ أليست وزارة الاتصال أكثر أهمية من وزارة البيئة؟ أليست المشاكل التي تعاني منها وزارة الاتصال أكثر وأعظم من كل مشاكل الوزارات الأخرى؟ ألم يتظاهر عمال هذه الوزارة في سابقة من نوعها أمام القصر الرئاسي؟ ألم تظهر مشاكل هذه الوزارة أكثر من غيرها على صفحات الجرائد والمواقع؟ ألم تحصل هذه الوزارة على نصيب من النقد أكثر من غيرها في بيانات المعارضة؟ ألم ينتقدها رئيس الجمهورية نفسه سرا وعلنا؟
ألا يستدعي ذلك كله أن توزن هذه الوزارة قبل أن يوزن غيرها؟ ولماذا يستضاف وزير الإسكان للمرة الثانية ولا يستضاف "الوزير رقم 5" مرة واحدة؟ ولماذا لا يتحدث الإعلام عن مشاكل الإعلام مع وزير الإعلام قبل أن يتحدث عن أي مشكلة أخرى مع أي وزير آخر؟
ألم يكن من الأجدر بالوزير رقم 5 أن يزن نفسه، في أول حلقة من الحكومة على الميزان، قبل أن يزن أي وزير آخر؟ ولماذا يخاف وزير الاتصال من الاتصال بالمواطنين؟ ولماذا لا يدافع المحامي عن نفسه؟ ولماذا لا يمتلك المحامي الجرأة فيتصل بالمواطنين في مكتبه المغلق دائما، أو في تلفزيونه الشاحب دائما و أبدا؟
كنت أتمنى أن يجيب "الوزير رقم 5"على تلك الأسئلة في حلقة من برنامج الحكومة في الميزان من قبل أن أرفع في وجهه هذه البطاقة، والتي كان لا بد من رفعها، انتصارا ـ على الأقل ـ لوزير البيئة المسكين، الذي جلبوه قسرا إلى التلفزيون، ولوزير الإسكان الذي جلبوه قسرا مرة ثانية.
كلمة بعد صفارة النهاية:
إنه لم يعد من اللائق أن لا نفعل شيئا من أجل تحرير إعلامنا الرسمي من بين أيادي شرذمة قليلة أساءت لهذا الإعلام وانحرفت به بعيدا عن مساره الأصلي، وجعلت منه "منابر" لإفساد الأخلاق والقيم، وللتدريب المكثف على النفاق، والتزلف، ولتعليم الكذب للصغار والكبار، للمثقفين وللعامة، للعلماء وللجهلاء، للوجهاء وللبسطاء.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا استثنائية ـ أن نصلح من واقع التعليم، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا معتبرة ـ أن نصلح من واقع الصحة، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا جبارة ـ أن نصلح من واقع العدل، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا خارقة ـ أن نقضي على الفساد، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا ثورية ـ أن نعزز من قيم المواطنة، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
إنه وببساطة شديدة لن يكون بإمكاننا أن نقوم بأي إصلاح مهما كان حجمه، في ظل إعلام رسمي بائس، تصر الشرذمة المتحكمة به أن تحجب عنه أنين البسطاء، وأحاديث العقلاء، وخلاصات الحكماء، ومظالم الأبرياء، وأوجاع الفقراء، وشكاوي الضعفاء، وحوارات الشرفاء، ونقاشات الشركاء، واهتمامات الشباب.
وإنه قد أصبح من اللازم على شرفاء هذا البلد، المحرومين ظلما من إعلامهم "الوطني"، بنخبهم، وبمثقفيهم، وبمفكريهم، وبشبابهم أن ينظموا وقفة احتجاجية أمام مبنى التلفزيون، كخطوة أولى في مشروع نضالي لتحرير الإعلام الرسمي من الشرذمة التي اغتصبته، والتي انحرفت به عن دوره الرئيس لإحداث التغيير الذي نتطلع إليه جميعا.
ومن المؤكد بأنه سيلتحق بتلك الوقفة ـ إن نظمت ـ الكثير من البسطاء، والفقراء، والعقلاء، والحكماء، والشرفاء الذين هرموا في انتظار فرصة يعبرون من خلالها عن استيائهم من أداء إعلام رسمي يزداد بؤسا وسوءا وتفاهة وسخافة يوما بعد يوم، وعهدا بعد عهد.
تصبحون على وقفة احتجاجية أمام مبنى التلفزيون...

الأحد، 3 أبريل 2011

إنهم سبعة فتية ...!!!

إنهم سبعة فتية من خيرة فتيان البلد "احتفلوا" منذ أيام معدودة بذكرى مرور عقد من الزمن على بداية معاناتهم المفزعة، والتي بدأت تحديدا يوم 25 ـ 02 ـ 2001م.
إنهم سبعة فتية ظُلموا في ذلك اليوم ظلما كبيرا، وبدؤوا منذ ذلك اليوم رحلة مثيرة وغريبة، حكوها لي بتفاصيلها الصغيرة، وأنا سأحكيها لكم بدوري لتعلموا أن الإدارة، في زمن تقريبها من المواطن، لم تتحسن شيئا قليلا.

الأحد، 27 مارس 2011

كفانا إصلاحا..يا سيادة الرئيس!!!

سيدي الرئيس،
يؤلمني حقا ـ ولأسباب عدة ـ أن أحدثكم في هذه الرسالة المفتوحة، بلغة صريحة جدا، لم أحدثكم بها من قبل في كل رسائلي الثمانية عشر الماضية، ولا حتى في تلك التي كتبتها لكم من قبل التنصيب. ولقد أجلت كثيرا كتابة هذه الرسالة، في انتظار بادرة ما، أو قرار ما، أو موقف ما، أو رسالة ما، توحي بأنكم ستمنحون للظرفية الصعبة التي تمر بها البلاد ما تستحق من اهتمام، ومن قرارات وإجراءات ثورية، وهو ما كان سيشوش ـ وبكل تأكيد ـ على الخلاصات المفزعة التي توصلت إليها، والتي يمكن لكل متأمل لنهجكم الإصلاحي أن يتوصل إليها، ودون عناء ذهني يذكر.
إن هذه الصراحة التي سأحدثكم بها في هذه الرسالة، يفرضها أكثر من سبب. تفرضها أولا هذه الثورات التي تحدث قريبا منا، و التي قد تطالنا نحن أيضا، عكسا لما يقوله أنصاركم السلبيون. فنحن رغم أن نصيب كل واحد منا من الثروات الطبيعية يفوق نصيب الفرد في الدول الشقيقة التي ثارت شعوبها، إلا أن دخل الفرد فينا لا زال أقل بكثير من نظيره في تلك الدول. ومدارسنا التي نتعلم فيها لازالت أتعس من مدارسهم، ومؤسساتنا الصحية أسوأ بكثير من مؤسساتهم الصحية. ونحن لا زلنا نعاني من نسبة بطالة أعلى من نسب البطالة التي يعانون منها، كما أننا نفتح أعيننا في كل صباح على مساكن وشوارع لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ مقارنتها بمساكنهم وشوارعهم.
صحيح أننا نتميز عن كل تلك البلدان بأننا نملك حرية تعبير أكبر، ولكن ما فائدة حرية التعبير إذا كانت لا تساهم في إصلاح الأوضاع؟ وما فائدة التعبير، بل وما فائدة الصراخ إذا كان القائمون على أمرنا يرفضون سماع صراخنا؟ وما فائدة حرية التعبير إذا كانت انتقادات رئيس الجمهورية لا تترك أثرا إيجابيا؟ لقد انتقدتم الإعلام الرسمي فازداد سوءا، وانتقدتم التعليم فتراجع التعليم أكثر، وانتقدتم الصحة، وانتقدتم القضاء، وانتقدتم قطاعات أخرى كثيرة فانهارت أكثر.
وهذه الصراحة تفرضها ثانيا تحديات أخرى، لم تتسببوا ـ قطعا ـ فيها، إلا أنكم مع ذلك مطالبون بإيجاد حلول لها، لأنها حدثت في عهدكم. فالعودة الإجبارية للآلاف من المواطنين من ساحل العاج، ومن ليبيا، في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة، لا بد أن تكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.
وأخيرا فهذه الصراحة تفرضها مناصرتي الإيجابية لكم بعد أن أصبحتم رئيسا للبلد، وحرصي الشديد على نجاحكم في مأموريتكم، وهذه المناصرة أستطيع أن أقسم لكم، بأنها أصدق بكثير من المناصرة السلبية لكثير من أغلبيتكم، حتى وإن ظهرت في شكل يختلف عن كل أشكال المناصرة التقليدية التي تعودتم عليها، والتي ترتكز ـ في الأساس ـ على التصفيق الساذج بالأيادي والأرجل.
بدءا أقول لكم، وبالعربي الصريح، بأنه لو استمر الإصلاح على هذا النهج، وبهذه الوتيرة، ولو استمرت الحرب على الفساد بخططها الحالية، فإنه لن يكون من المستبعد أن يخرج الشعب عن بكرة أبيه، وعمه، وجده ليطالبكم بأن توقفوا سياستكم الإصلاحية، وبأن تعلنوا نهاية فورية للحرب على الفساد، أو على الأقل هدنة طويلة الأمد مع المفسدين.
ولو استمرت الأمور تدار بهذا النهج "الإصلاحي"، فلن يكون غريبا أن يحن الناس للعهود البائدة، ولن يكون غريبا أن تتعالى أصواتهم بالهتاف :"وامفسداه"، واطائعاه"، "وامؤتمناه".
إن أحاديثكم المتكررة، والتي ما فتئتم تؤكدون من خلالها بأنكم ماضون في برنامجكم الإصلاحي، أصبحت تشكل بالنسبة لغالبية الشعب كابوسا مزعجا. والشعب الذي زادت أوضاعه سوءا بعد عشرين شهرا تقريبا من جهودكم الحثيثة في الإصلاح، أصبح يتطلع إلى شيء آخر غير سياسة الإصلاح التي تنتهجونها. فالإصلاح الذي لا يخلق وظائف، ولا يمنح رواتب منتظمة، حتى ولو كانت هزيلة، ولا يحارب الفقر، بشكل جاد، ولا يحسن من الخدمات الصحية، ولا يصلح تعليما، ولا يأتي بعدالة اجتماعية، ولا يعيد الهيبة للقضاء، ولا يعزز مواطنة، ولا يفتح حوارا بين الشركاء الاجتماعيين والسياسيين، فهو إصلاح لن تصفق له إلا الفئة التي دأبت على التصفيق، والتي لا زالت أياديها رطبة من التصفيق لأفران المصلحة، ولحملات مكافحة السمنة، ولبرنامج التدخل الخاص.
لا إصلاح يمكن توقعه من خلال ترقيع حكومة فاشلة، كثر ترقيعها، واعترفتم أنتم بفشلها، حتى وإن كان اعترافا بالتقسيط، على طريقة البيع في دكاكين التضامن. فالحكومة فاشلة بالجملة، ويكفي لإثبات فشلها بالجملة، أن نجمع "أقساط اعترافاتكم". لقد اعترفتم منذ أسبوعين، بأن الإعلام العمومي لم يتحسن في عهدكم، واعترفتم في وقت سابق، بأن الصحة في عهدكم ليست على ما يرام، واعترفتم منذ شهر تقريبا، بأن القضاء في حالة يرثى لها، وأخير اعترفتم منذ ثلاثة أيام بأن التعليم فاشل.
أليست هذه هي القطاعات الأساسية التي وعدتم بإصلاحها؟ ألا يكفي أن تعترفوا أنتم أنفسكم بالفشل لنحكم نحن على نهجكم الإصلاحي برمته بالفشل ؟ ثم هل تعتقدون حقا بأن المواطن سينسى همومه اليومية الكثيرة بمجرد أن تعدوه بأنكم ماضون قدما في نهجكم الإصلاحي الذي اعترفتم أنتم بفشله؟
إن ظهور احتجاجات عنيفة، في قرى تصنف عادة على أنها محصنة ضد الاحتجاج: "فصالة" و "الغايرة" مثلا، وربما تتبعهما "انبيكت لحواش"، مع تصاعد واتساع غير مسبوق في الاحتجاجات الفئوية، لهو أقوى دليل على أن نهجكم الإصلاحي يعاني من اختلالات بنيوية، وعلى أنه يحمل في طياته بذور فشله.
وإن من أهم أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ القرارات: لم يعد مقبولا الاستمرار في ارتجال قرارات تؤثر سلبا أو إيجابا على مصير بلد بكامله، في زمن أصبح فيه التخطيط يفرض نفسه، في كل كبيرة وصغيرة، ولم يعد الارتجال ممكنا حتى لو تعلق الأمر بقرارات داخل الأسرة، أو قرارات في النوادي، أو في المنظمات، أو في المشاريع الصغيرة الخاصة.
ولأنكم كنتم عازمين على الاستمرار في الارتجال، ولأنكم لا تعطون اهتماما كبيرا للاستشارات، فقد انعكس ذلك كله على تعييناتكم. فلم تتعبوا أنفسكم بالبحث عن الكفاءات، فاخترتم طاقما استشاريا ليست له القدرة ولا الرغبة في تقديم الاستشارة الصائبة. واخترتم حكومة غير قادرة على إعداد التصورات، و تمتاز ـ ويبدو أن هذا هو المهم لديكم ـ بأن لديها قابلية عجيبة لتنفيذ القرارات المرتجلة، دون تفكير، ودون تردد.
إن شعوركم بعدم الحاجة للاستشارة، وعجز كل من حولكم عن تقديمها، إما لأنه لا يستطيع، أو لأنه لا يرغب، أو لأنه لا يملك الشجاعة الكافية، لهما أخطر عائقين أمام نجاح برنامجكم الإصلاحي.
ولقد انعكس ارتجال القرارات على كل قطاعات الدولة الأساسية، وأدى إلى إرباكها وشللها وعجزها عن أداء مهامها الاعتيادية.
ويمكن تقديم التعليم كمثال من أمثلة عديدة على خطورة الارتجال. ففي وقت كان فيه الجميع ينتظر انطلاق منديات التعليم الموعودة، للتشاور حول سبل إصلاحه، فاجأتم الجميع بقراركم المرتجل الذي فككتم من خلاله الوزارة إلى ثلاث وزارات.
ولقد ظهر فيما بعد بأن الهيكلة الجديدة للوزارة غير قابلة للاستمرار. ولعل من المفارقات اللافتة أنكم دعوتم في زياراتكم الأخيرة إلى ضرورة توجه الشباب للتكوين المهني، في الوقت الذي كنتم تعلمون فيه، أن وزارة التكوين المهني في شلل كامل منذ الهيكلة الجديدة. فالوزير المنتدب للتكوين المهني، وكل أعوانه، لا يستطيعون أن يتخذوا اليوم أي قرار في وزارتهم ، وهم لا زالوا ـ وحتى كتابة هذه الرسالة ـ ينتظرون رسالة تكليف من الوزير الأول، ومن وزير الدولة للتعليم تحدد لهم مهامهم وصلاحياتهم.
وإن ميلكم للارتجال، هو وحده الذي فسرت به الوضعية المزرية التي يتخبط فيها المكتب الوطني للإحصاء، والذي يعاني عماله من وضعية في غاية السوء، لم يعرفوها من قبل. فأنتم وحكومتكم في غنى عن خدمات المكتب الوطني للإحصاء، ولستم بحاجة لأرقامه وتوقعاته ودراساته، فقراراتكم مرتجلة، والقرارات المرتجلة لا تحتاج ـ قطعا ـ إلى إحصائيات وأرقام.
2 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، غياب الرؤية الواضحة، والتي لا يمكن لأي برنامج إصلاحي أن ينجح دونها. ولقد تحدثت رياضيا، وفي وقت سابق، عن معادلة التغيير، وعن أهمية وضوح الرؤية في تلك المعادلة.
لن أعود في هذه الرسالة لذلك، وإنما سأكتفي بالقول بأن التأمل في برنامجكم الإصلاحي، وخاصة في مجال وضوح الرؤية، يؤكد بأنه يعاني من إشكال خطير ينتج عنه ـ وبشكل تلقائي ـ إشكالا آخر، لا يقل خطورة. فعدم وضوح الرؤية الإصلاحية لديكم أدى إلى بروز تنافر قوي في مجموع خطاباتكم، وقراراتكم، ومواقفكم، ورسائلكم. والتنافر هذا تسبب بدوره، في فشلكم في تسويق رؤيتكم للإصلاح، لأنها لم تكن واضحة أصلا لديكم.
ولتوضيح ذلك أكثر يمكن تقديم النماذج التالية، من عدم وضوح الرؤية، في برنامجكم الإصلاحي:
النموذج الأول: في فاتح مارس من العام الماضي ترأس الوزير الأول يوما احتفاليا باللغة العربية، وتحدث يومها بحماس كبير. وفي فاتح مارس من هذا العام، ترأس الاحتفال مستشار وزيرة الثقافة ، وأظهرته الوكالة الموريتانية للأنباء في صورة على طاولة جرداء، وخالية من أي مكرفون، ومن أي قنينة ماء.
المقارنة بين اليومين، تؤكد بأن موقفكم من مسألة اللغة العربية لم تحسموه بعد.
النموذج الثاني : في أحد التعديلات الوزارية ظهرت كتابة للشؤون الإفريقية فجأة، وفي تعديل آخر اختفت فجأة. هذا يعني بأنكم لم تحددوا حتى الآن مستوى علاقاتكم بالدول الإفريقية، ولا زالت الرؤية غير واضحة في هذا المجال.
النموذج الثالث: نظمتكم ـ لأول مرة في تاريخ البلد ـ لقاءً مع الشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، بل إن بعض المواقع الإخبارية تحدثت عن خروجكم بلا بروتوكول للحديث مع بعض المحتجين أمام القصر. في المقابل فإنكم لم تنجحوا حتى الآن، في فتح حوار مع المعارضة. فأنتم في بعض الأحيان تظهرون انفتاحا غير مسبوق، وفي أحيان أخرى تظهرون انغلاقا غير مسبوق. هذا يعني أن الرؤية لم تتضح لديكم بعد، فيما يخص نمط وطبيعة وشكل التواصل، بينكم وبين المواطنين والشركاء السياسيين.
3 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، أنكم تجاهلتم أن الحرب على الفساد، لابد لها من جناحين تحلق بهما. الجناح الأول هو مبدأ المكافأة، وإعطاء الأولوية في التعيينات للموظفين النزهاء الأكفاء. هذا الجناح ظل غائبا ـ وبشكل كامل ـ في حربكم على الفساد. أما الجناح الثاني، وهو الجناح المتعلق بالعقوبة، فقد انحرف ـ في بعض الأحيان ـ عن المسار الصحيح.
وكمثال على ذلك، فقد ذكرت بعض المواقع الإخبارية، بأنكم أمرتم الخزينة ـ لأسباب سياسية بحتة ـ بأن تعيد إلى رئيس حزب الوئام المبالغ الكبيرة، التي أُجبر على دفعها، في وقت سابق، بدعوى الاختلاس.
لا يجوز لكم أن تعيدوا أموال الشعب لمن اختلسها، إذا كان فعلا قد اختلسها. أما إذا كان بريئا، فعلى القضاء أن يعلن ذلك، وعلى السلطات أن تعتذر له علنا عن الضرر الذي ألحقته به، لكونها قد اتهمته سابقا وعلنا، بالاختلاس وبسرقة المال العام.
وهناك صور وقرارات عديدة أخرى، لا تنسجم إطلاقا مع الحرب المعلنة على الفساد. فإلغاء حظر استيراد بعض أنواع السيارات مثلا، بعد المصادقة عليه في البرلمان، دون العودة إلى البرلمان، شكل صدمة كبيرة في هذا المجال.
كما أن تعيين عدد كبير من المفسدين، شكل انتكاسة كبيرة لهذه الحرب المعلنة. وهناك حجة ذكرتموها أكثر من مرة، مفادها أن المفسدين الذين عينتموهم، لن يكون بإمكانهم أن يختلسوا المال العام في عهدكم.
وفضلا عن صعوبة تصديق ذلك، فإن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاسهم للمال العام، وإنما تكمن في خيبة الأمل، التي يتسبب فيها تعيين كل مفسد، للكثير من الموظفين المستقيمين، والذين قد يفتر حماس بعضهم، وينحرف عندما يتم حرمانه من التعيين، في الوقت الذي يتابع فيه تعيين المفسدين فرادى وجماعات.
سيدي الرئيس،
إن الإصلاح الذي نطمح إليه، هو ذلك الإصلاح الذي يكون نتاجا لخطط مدروسة من قبل الخبراء، أيا كان انتماءهم السياسي، تصاغ في شكل مشاريع قوانين يصادق عليها البرلمان، وتطبقها الحكومة. وهو أيضا يجب أن يكون نتاجا لتراكم قرارات، ومواقف متناسقة، ذات طبيعة إصلاحية واضحة، يتضح دون عناء لمن يتأملها أنها إصلاحات فعلية لا شكلية. أما رفع شعار الإصلاح، في الوقت الذي تكون فيه أغلب القرارات والمواقف المتخذة، لا يمكن كشف وجهها الإصلاحي، حتى ولو بكثير من لي الأعناق، فذلك إصلاح لن يقنع أحدا، خاصة في عام الثورات هذا.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد..وإلى الرسالة العشرين، إن شاء الله.

الأحد، 20 مارس 2011

أي إعلام عمومي تريدون؟


تابعت ـ باهتمام بالغ ـ تصريحين متواليين ومتطابقين لرئيس الجمهورية انتقد فيهما الإعلام الرسمي، على هامش لقاءين متعاقبين ببعض ممثلي قطاع الصحافة، كان أولهما مع مكتب تجمع الصحافة، أما ثانيهما فقد كان مع نقيب الصحفيين الموريتانيين.
كما أني كنت قد تابعت قبل ذلك ـ وبفضول كبيرـ بعض التصريحات التي تميزت بنبرة حادة، وبجرأة غير مسبوقة أطلقها بعض العاملين في قطاع الإعلام الرسمي، وتوعدوا فيها بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات المتوالية، للمطالبة بحقوقهم المشروعة، والتي كان ـ ولا زال ـ على رأسها المطلب الشهير المتعلق بزيادة 50%.
والحقيقة أن كل تلك التصريحات لم تقدم أجوبة مقنعة على أسئلة ملحة، وإنما أثارت أسئلة عديدة، وغذت شبهات قديمة جديدة مرتبطة بقطاع يمكن اعتباره بأنه هو "التفاح الفاسدة" التي أفسدت كيس التفاح كله، فلا مصيبة في هذا البلد إلا وللإعلام الرسمي مساهمة جبارة في حدوثها.
وحتى لا أكرر كلاما قديما كنت قد عبرت عنه في مقالات سابقة، فإني سأحاول أن أخصص هذا المقال للإجابة على سؤالين في غاية الأهمية، أحدهما أثارته تصريحات رئيس الجمهورية، والتي أكد فيها بأنه أعطى تعليماته بضرورة فتح وسائل الإعلام أمام الجميع، إلا أن العاملين في تلك المؤسسات لم ينفذوا تلك التعليمات. أما ثانيهما فقد أثاره العاملون في الإعلام الرسمي عندما توعدوا بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بحقهم في زيادة 50% التي حُرموا منها.
يقول السؤال الأول : هل الرئيس جاد فعلا في فتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام الجميع؟
والإجابة على هذا السؤال تفترض أن نميز في البداية بين كلمتي الرغبة والإرادة، وهذا التفريق بين الكلمتين هو وحده الذي سيمكننا ـ وحتى إشعار آخر ـ من إيجاد تفسير منطقي للتناقض الصارخ بين رغبة الرئيس المعلنة في الإصلاح، وغياب الإرادة الجادة في فرض ذلك الإصلاح المنشود.
فلا جدال ـ حسب ظواهر الأمور ـ في أن الرئيس يرغب فعلا في التحسين من أداء الإعلام الرسمي، وفي فتحه أمام جميع الموريتانيين، وفي منحه مزيدا من الاستقلالية.
لا جدال في وجود تلك الرغبة التي تظهر من خلال بث كل مداولات البرلمان ـ بأمر من الرئيس ـ رغم أن بعض النواب، استغل تلك المداولات في بعض الأحيان، للإساءة لشخص رئيس الجمهورية، وتحدث فيها بعضهم عن رئيس الجمهورية بطريقة لا تليق.
ومما يجب أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أن وسائل الإعلام الرسمي التي نقلت كل مداولات البرلمان، لم يكن في مصلحتها، ولا في مصلحة النظام، أن تغلق أبوابها أمام أي نقاش آخر، مهما كانت حدته، لأن ذلك النقاش ـ وببساطة شديدة ـ لن يكون أكثر حدة من انتقادات نواب المعارضة للرئيس ولأغلبيته.
وتظهر كذلك رغبة الرئيس في تحسين أداء الإعلام الرسمي، من خلال لقائه بالشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، رغم ما شاب ذلك اللقاء من أخطاء تعمدها القائمون عليه.
كل تلك الإشارات تقول بأن الرئيس يرغب فعلا في استقلالية الإعلام الرسمي، ولكن في المقابل هناك إشارات أخرى أكثر وضوحا، تقول بأن الرئيس ليست له إرادة جادة لتحسين أداء الإعلام الرسمي، ولو كانت هذه الإرادة موجودة لدى الرئيس فعلا، لقام بأول خطوة في سبيل تحقيق ذلك، ولاختار لإدارة تلك المؤسسات من يسعى بصدق، ويمتلك ـ في الوقت نفسه ـ القدرة اللازمة لتحسين أداء تلك المؤسسات الفاشلة حتى الآن.
ولو كان الرئيس يسعى فعلا للتحسين من أداء تلك المؤسسات لأعاد الاعتبار للصحافيين والإعلاميين المشهود لهم بالتميز، والذين تم إبعادهم وإبدالهم بمن لا صلة له بالإعلام، ولا قدرة له على التحسين من أدائه، حتى ولو مُنح زيادة 500% على راتبه.
وقبل أن أختم الجواب على السؤال الأول لا بد أن أشير بأنه قد يُقبل من العبد الفقير كاتب هذا المقال، ومن غيره من عامة الناس، أن تكون لهم رغبة في إصلاح الإعلام الرسمي، دون أن ينفذوا تلك الرغبة، لأنهم لا يملكون الوسائل اللازمة لتنفيذ تلك الرغبة ميدانيا. أما أن تكون للرئيس ـ الذي يملك كل تلك الوسائل ـ رغبة في الإصلاح، دون أن يجسد تلك الرغبة ميدانيا، فذلك يعني أن الرغبة لم تكن موجودة أصلا، وهو ما ينسف كل ما قيل سابقا للإجابة على السؤال الأول.
بل إنه فوق ذلك يمكن القول ـ لنسف ما قيل سابقا ـ بأن الرئيس عندما ينتقد الإعلام الرسمي، أو أي قطاع حكومي آخر، إنما ينتقد نفسه، لأنه هو المسؤول أولا و أخيرا أمام الله، وأمام الشعب الموريتاني عن كل تلك الأخطاء التي ينتقدها. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أي تلميذ في الإعدادية يمكن له أن يكشف كل عيوب الإعلام الرسمي، لأنها واضحة جلية. ونحن لسنا بحاجة لرئيس ينتقد عيوبا صارخة، بقدر ما نحن بحاجة لرئيس يصلح تلك العيوب الصارخة. وبلغة أيامنا هذه، فإن الشعب لا يريد رئيسا ينتقد الأوضاع، وإنما يريد رئيسا يُصلح تلك الأوضاع. وإذا كانت القدرة على انتقاد الواقع تنفع كثيرا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فإن الاعتماد عليها قد يضر كثيرا من أصبح هو الرئيس.
أما السؤال الثاني الذي سأحاول أن أجيب عليه في هذا المقال فيقول: هل يحق للإعلاميين الرسميين أن يطالبوا بزيادة 50% أم أنه لا يحق لهم ذلك؟
في البداية أقول بأنه يحق لكل عامل ـ نظرا لتدني الرواتب ـ أن يحتج، وأن يناضل، وأن يطالب بزيادة راتبه بنسبة معتبرة ( لا أقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة معتبرة في قاموس الوزير الأول).
وأقول ـ تلمسا لعذر عن كلام سأقوله بعد حين ـ بأني كنت قد طالبت الوزارة الوصية في مقالات سابقة بأن تمنح للعاملين في الإعلام الرسمي زيادة 50 % التي مُنحت لغيرهم من العمال.
كما أني كنت قد خصصت قبل ذلك أسئلة عديدة لصالح مؤسسات الإعلام الرسمي من بين خمسين سؤالا كتبتها لرئيس الجمهورية، مباشرة بعد الإعلان عن لقاء الشعب، بمناسبة ذكرى التنصيب.
تلك الأسئلة مع غيرها من الأسئلة، التي ظل يطرحها غيري، والتي تهم العاملين في الإعلام الرسمي، كان يمكن طرحها على رئيس الجمهورية خلال ذلك اللقاء، إلا أن بعض العاملين، وبعض القائمين على مؤسسات الإعلام الرسمي، هم الذين ضيعوا تلك الفرصة اليتيمة، التي كان يمكن من خلالها أن يتم طرح مشاكلهم ـ وبشكل مباشرـ على رئيس الجمهورية.
وبالعودة إلى جواب السؤال، فإني أقول بأنه لا يحق لكثير من العاملين في الإعلام الرسمي أن يطالبوا بزيادة 50%، بل إنه لا يحق للكثيرين منهم أن يتقاضى راتبه أصلا، حتى من دون تلك الزيادة.
لا يحق لهم ذلك لأسباب عديدة أذكر منها اختصارا:
1 ـ إن عمال الإعلام الرسمي يتقاضون رواتبهم من ثروة الشعب، لذلك فإنهم مطالبون بخدمة الشعب لا خدمة غيره. ويتأكد الأمر أكثر عندما تتكرر الأوامر من أعلى سلطة في البلاد لتطالبهم بالتفرغ لمهمتهم، والابتعاد عن التطبيل والتصفيق للرئيس ولأغلبيته.
ولأن الكثير من العاملين في هذا القطاع الحيوي لم يهتموا في الماضي، ولا في الحاضر، بالشعب ولا بهمومه، لذلك فإنهم لا يستحقون الرواتب التي يتقاضونها من ثروة هذا الشعب المسكين والمغلوب على أمره.
إن على المطالبين بزيادة 50% أن يؤدوا واجبهم قبل المطالبة بتلك الزيادة. وعليهم أن يتوبوا قبل ذلك كله من الضرر الذي ألحقوه بالشعب الموريتاني المسكين.
عليهم أن يتوبوا من كل ذنب اقترفوه في حق كل مواطن مات مريضا، ولم يجد علاجا، ولم يُسمج له أن يُسْمِع أنينه قبل موته، من خلال مؤسسات الإعلام ( تلفزيون ، إذاعة، الشعب).بل إن ذلك المواطن المسكين وهو يموت بلا علاج ، كان يسمع من بعض المطالبين اليوم بحقهم في الزيادة، بأن المؤسسات الصحية تؤدي مهامها على أحسن وجه.
وعليهم كذلك أن يتوبوا من كل ذنب ارتكبوه في حق جياع كثر، وفقراء كثر، وعاطلين عن العمل كثر، ومظلومين كثر لم يسمحوا لهم بأن يتحدثوا في وسائل الإعلام التي يصفونها زورا بأنها مؤسسات عمومية ووطنية.
وعليهم ـ قبل المطالبة بالزيادة ـ أن يتوبوا من ذنوب اقترفوها في حق معارضين كثر، سبوهم، وشتموهم، وقذفوهم بأبشع الأوصاف، في مؤسسات الإعلام " الوطني"، ليس خدمة للشعب، وإنما تزلفا لحاكم، سريعا ما ينقلبون عليه وينتقدوه، بعد أول دقيقة يعلن فيها أنه قد انقلب عليه منقلب آخر.
2 ـ إن الصحفي العمومي الذي يستحق راتبا محترما هو ذلك الصحفي الذي يناضل ويضحي بوقته وبجهده وبسمعته، وحتى بعمله، من أجل أن يفرض على المؤسسة التي يعمل فيها أن تمنحه استقلالية كافية، تمكنه من تأدية مهمته النبيلة على أحسن وجه. أما الصحفي العمومي الذي "يناضل" و"يضحي" بوقته وبجهده وبسمعته من أجل أن يعيق أي تحسن، أو أي استقلالية في المؤسسة الني يعمل بها، حتى ولو كانت تلك هي "رغبة" أعلى سلطة في البلاد. إن مثل هذا الصحفي لا يستحق الراتب الذي يتقاضاه، أحرى أن يطالب بزيادته.
3 ـ إن أهم خطوة إصلاح يمكن اتخاذها في الوقت الحالي، إذا ما ظل الرئيس يرفض أن يعين على تلك المؤسسات من له القدرة والرغبة في إصلاحها، هي العمل على ترشيد الموارد التي تهدرها مؤسسات الإعلام الرسمي، خاصة التلفزيون والوكالة الموريتانية للأنباء ( الإذاعة قد تكون أحسن قليلا)، وذلك من خلال إغلاق تلك المؤسسات التي فشلت فشلا ذريعا، في أن تقدم شيئا مفيدا للمواطن وللدولة، وتشريد كل العاملين فيها.
فتوفير فاتورة الكهرباء التي تكلفها التلفزيون، وتوزيع المبلغ المخصص لتلك الفاتورة على فقراء" فصالة" أو "الغايرة" قد يكون أكثر أهمية من استمرار التلفزيون بباقته الشاحبة التي يطالعنا بها كل يوم.
4 ـ لا خلاف على أن القائمين على هذه المؤسسات لا يملكون موارد كافية، ولا خلاف على أن ظروف العاملين في تلك المؤسسات ليست مريحة، وأن الوسائل المتاحة لهم لتأدية مهامهم قد لا تكون كافية، لا خلاف على كل ذلك. ولكنه لا خلاف أيضا على أن الأوجه الحالية المسيطرة على شاشة التلفزيون، وعلى بقية مؤسسات الإعلام الرسمي ليست لها رغبة أصلا في تقديم ما يفيد المواطن.
فإعداد برنامج تلفزيوني، أو إذاعي، أو تخصيص صفحة في الشعب مثلا لتأبين المرحوم عالم الرياضيات الشهير يحيى ولد الحامد لا يحتاج إلى موارد مالية، بقدر ما يحتاج إلى حس وطني، وأخلاقي، وإنساني كثيرا ما يغيب عن العاملين في تلك المؤسسات.
وربما يقول قائل هنا بأن تجاهل مؤسسات الإعلام الرسمي، لوفاة المرحوم يحيى ولد الحامد، إنما هو ناتج عن تجاهل السلطات الرسمية لتلك الفاجعة.
وفي اعتقادي الشخصي أن تجاهل السلطات الرسمية لوفاة عالم الرياضيات الشهير، إنما هو بسبب سلبية السلطات الرسمية، وبسبب غياب روح المبادرة لدى الحكومة، التي لا يمكن لأي وزير فيها أن يتخذ أي قرار مهما كانت بساطته، إذا لم تصدر له "توجيهات سامية" باتخاذ ذلك القرار.
ولو أن أي صحفي في الإعلام الرسمي من الصحفيين المطالبين اليوم بزيادة 50% قرر ـ بمبادرة شخصية ـ أن يقوم بتأبين عالم الرياضيات الراحل، لما وجد ـ بالتأكيد ـ من يمنعه من ذلك، ولكن المشكلة تكمن في أن أولئك الذين يطالبون اليوم بحقوقهم كاملة، لا زالوا يرفضون ـ وبإصرار عجيب ـ تأدية واجباتهم، حتى منها تلك التي لن تسبب لهم ضررا مهما كانت بساطته، بل أن مثل تلك المبادرات التي لا كلفة لها، كانت ـ على العكس ـ ستساعدهم في أن يكتسبوا مصداقية هم بأمس الحاجة إليها.
6 ـ من الغريب أن لا يتذكر بعض الإعلاميين الرسميين الغاضبين أصحاب الرأي، وقادة الفكر، إلا في أوقات الشدة والعسرة. ومن الغريب أن يطلب الإعلاميون الغاضبون مناصرة من حجبوا عنهم التعبير عن آرائهم من خلال مؤسسات من المفترض ـ أو هكذا يقال ـ إنها مؤسسات عمومية مفتوحة للجميع.
فكم من صاحب رأي حرمه صحفيو الإعلام الرسمي من الظهور في المؤسسات التي اغتصبوها، وانحرفوا بها عن مسارها الوطني، وحولوها إلى مؤسسات لإعاقة التغيير، بدلا من أن تكون مؤسسات لإحداث التغيير.
وكم من صاحب رأي مستنير ربما توقع أن يستضيفه التلفزيون "الكولومبي" قبل أن يستضيفه التلفزيون "الوطني". وكم من صاحب رأي مستنير توقع أن تستضيفه إذاعة "لكوادور" قبل أن تستضيفه الإذاعة "الوطنية". وكم من صاحب قلم رصين توقع أن تنشر له الجريدة الرسمية لهايتي ـ لا أدري إن كانت لهايتي جريدة رسمية ـ قبل أن تنشر له الجريدة الرسمية الموريتانية.
إن مشكلة الإعلام الرسمي لا يمكن اختزالها في زيادة 50 %، ولن يتم حلها ـ بالتأكيد ـ من خلال منح زيادة لعمال اكتتبوا بطرق لا صلة لها بالشفافية إطلاقا.
إن أزمة الإعلام الرسمي أشد استفحالا، وأكثر عمقا من ذلك كله، وهي لا تختلف عن أي أزمة من الأزمات الكثيرة التي تتخبط فيها كل المؤسسات العمومية.
إنها أزمة نتجت في الأساس عن حصاد سنوات عجاف، لم يعقبها ـ حتى الآن ـ عام أغيث فيه الناس، وهي سنوات عجاف ظلت فيها تلك المؤسسات تطرد وتهمش وتقصي خيرة موظفيها، في الوقت الذي كانت تستقطب فيه صغار الناس، وترفعهم مكانا عليا، ليفسدوها، ويفسدوا من خلالها المجتمع كله.
لذلك فإن إصلاح الإعلام الرسمي ، إذا ما كان يُراد له الإصلاح، يجب أن يبدأ أولا بتثبيت قوة طاردة وجاذبة في كل مؤسسات الإعلام الرسمي، طاردة لكل "الصغار" الذين تضخموا كثيرا، وقادرة على أن تلفظهم بعيدا، في الوقت الذي تستطيع فيه أن تجذب " الكبار" الذين تقزموا كثيرا بفعل التهميش و الإقصاء الممنهج.
إن إصلاح الإعلام الرسمي بدون التصالح مع أولئك الكبار، لن يكون إلا مهزلة جديدة، تضاف إلى المهازل الكثيرة التي دمرنا بها، ولازلنا ندمر بها، هذا البلد المتعطش ـ بكل قطاعاته ـ لإصلاح جدي.
تصبحون على إعلام عمومي ..

الاثنين، 14 مارس 2011

كيف تُزيح دكتاتورا عربيا في ثلاثة أسابيع!؟


لن يكون غريبا في عام الثورات هذا، أن تصدر عشرات الكتب التي تحمل مثل هذا النوع من العناوين المغرية، على طريقة كتب كيف تتعلم الانجليزية في شهر، أو كيف تكون مؤثرا في أسبوع. ونظرا لأن هذه الثورات المباركة كانت ثورات عربية خالصة، فلن يكون غريبا كذلك أن تتأثر عناوين الكتب المحتملة الصدور بالخصوصية العربية والإسلامية في صياغة العناوين. فربما نسمع عن كتاب "المختصر المفيد في سقوط العقيد"، أو كتاب "صريح الأقوال لإزاحة الجنرال"، أو كتاب " سبع خطوات للإطاحة بأعتى الديكتاتوريات"، أو غير ذلك من العناوين المنظومة.
هي إذاً عناوين كثيرة محتملة لكتب قد تصدر أو لا تصدر، اخترنا من بينها تلخيصا لكتاب افتراضي لم يصدر بعد، تحت عنوان " كيف تزيح دكتاتورا عربيا في ثلاثة أسابيع!؟". وفي هذا الملخص لن نقدم ـ بالتأكيد ـ نصائح عملية ملموسة لإزاحة دكتاتور عربي في ثلاثة أسابيع ، وإنما سنحاول ـ بدلا من تقديم خطوات عملية بشكل مباشر ـ أن نتتبع بعض الملامح المشتركة بين الثورات الثلاث ( التونسية، المصرية، الليبية) في محاولة لمعرفة أسرار نجاح تلك الثورات، في إزاحة ثلاثة دكتاتوريين لم يكن من المتخيل أن إزاحتهم ستكون بتلك البساطة، وبتلك السرعة التي تمت بها.
رحل دكتاتوران، والثالث سيرحل قريبا لا محالة، بفعل ثورات شبابية تشابهت ملامحها وإن اختلفت في بعض التفاصيل الصغيرة. ومن بين الملامح المشتركة كانت هناك ملامح ظاهرة وجلية لا تحتاج لجهد فكري كبير من أجل تلمسها، ويمكن أن أذكر منها في هذا المقال سبعا.
1 ـ الشعور بالمسؤولية لدى أغلب المشاركين في الثورات الجديدة، حيث لوحظ في هذه الثورات ـ وهذه من أهم ميزاتها ـ أن كل مشارك كان يتصرف وكأنه لوحده في الميدان، أو كأنه هو وحده، دون غيره، من يقع عليه عبء نجاح الثورة، دون أن يعني ذلك غياب روح العمل الجماعي. لقد كان الجميع يفكر فردا فردا، ويقترح فردا فردا، وينزل إلى الميدان فردا فردا. وغابت السلبية والإتكالية عن المشاركين في هذه الثورات، ولم يكن هناك مشارك يقبل ـ عكس ما كان يحدث في السابق ـ أن ينوب عنه مشارك آخر، أو أن يناضل، أو أن يضحي نيابة عنه.
2 ـ لقد استطاعت هذه الثورات وفي بدايتها أن تستقطب خيرة الشباب في البلدان التي اشتعلت فيها تلك الثورات، حيث لوحظ أن الشباب الذي قاد ـ وبشكل جماعي ـ تلك الثورات كان هو الشباب الأكثر تعلما، والأكثر وطنية، والأكثر تحضرا، والأكثر سلمية، والأكثر معاصرة، خاصة من حيث القدرة على تطويع التكنولوجيا واستخدامها لصالح القضايا التي يناضل من أجلها.
ووجود هذه النخبة الشبابية الرائعة هو الذي أسقط كثيرا من "الخرافات" التي كان يجمع عليها الناس، والتي كانت تُعيق كل تغيير عن طريق الاحتجاج والثورات الشعبية.
فأسقط الشباب خرافة الفوضى، ولم يعد التظاهر والاحتجاج يعني الفوضى. وذلك بعد أن أثبت الشباب الثائر في تونس، وفي مصر، وفي ليبيا بأنه أشد حرصا على النظام و السكينة والأمن من الأنظمة الحاكمة، والتي كان من المفترض أن تكون أكثر حرصا على تحقيق كل ذلك. وقد ظهر ذلك من خلال تأسيس لجان شعبية لتوفير الأمن، كما ظهر أيضا من داخل ساحات الاحتجاج نفسها، والتي كانت آمنة من الداخل، ومنظمة بطريقة مبهرة، خاصة في القاهرة التي كان يجتمع في ميدان تحريرها الملايين من المحتجين.
وسقطت خرافة الفتنة، ولم يعد التظاهر مرادفا للفتنة الطائفية أو القبلية أو العرقية. فقد استطاع الشباب الثائر أن يُظهر صورا راقية من اللحمة الوطنية بين الطوائف والأعراق والأديان والقبائل لم يكن بالإمكان مشاهدتها قبل اشتعال تلك الثورات المباركة.
3 ـ لقد استطاع الشباب الثائر أن يثبت بأن هذا الجيل الجديد من الثورات، ليس ثورات جياع يقودها جياع، أخرجهم الجوع إلى الشوارع، ليحتجوا بعنف، ولينهبوا، وليسرقوا ما يسد رمقهم. ومع أن هناك جياعا كثرا في ثورات الفيس بوك إلا أنهم يختلفون عن غيرهم من الجياع، فهم متعلمون راشدون ووطنيون، ولم ـ ولن ـ يقبلوا بأن يخربوا أوطانهم في سبيل وجبة من طعام.
ولقد استطاع شباب الثورات الجديدة، أن يفرضوا على الأوساط الإعلامية والسياسية والنخبوية بصفة عامة استبدال مصطلح مشين ومنفر ( ثورة الجياع)، بمصطلح أخر متحضر وأنيق وجذاب (ثورة الفيس بوك).
4 ـ يمتاز ثوار الفيس بوك بأن لهم قدرة فائقة على رسم الأهداف الطموحة، والتي تمتاز بخاصيتي الهدف الطموح، من حيث كونه صعبا وممكنا في نفس الوقت. فهم يختلفون عن فئتين من المناضلين السياسيين التقليديين لم يتسم نضالهما بالفعالية، وتسببتا، بشكل أو بآخر، في استمرار هذا الواقع البائس الذي تعيشه المجتمعات العربية. وهاتان الفئتان هما : فئة كانت تناضل من أجل تحقيق أهداف تافهة، وسخيفة، كالسعي لتحقيق بعض المصالح الشخصية لقادتها، أو تحقيق مصالح حزبية ضيقة في أحسن الأحوال، وفئة ثانية ظلت تناضل في سبيل أهداف نبيلة، بطرق مستحيلة ، وفاتها بأنها كانت تهدر طاقاتها في أهداف مستحيلة التحقيق في ظل الوضعية العربية الراهنة، فتحقيق الوحدة العربية يسبقه تحقيق الوحدة الوطنية الداخلية، وتحرير فلسطين لن يأتي إلا بعد تحرير الشعوب العربية من الدكتاتوريات التي تحكمها. كما أن ثوار الفيس بوك أثبتوا كذلك أنهم قادرون على التفريق ـ عكس المناضلين التقليديين ـ بين الأهداف الإستراتيجية، والأهداف المرحلية و الإجرائية والتكتيكية التي لا تتعدى كونها مجرد درجات في السلم لابد من المرور بها للوصول إلى الهدف الاستراتيجي، دون أن يعني ذلك أنها تستحق التوقف بشكل نهائي عند إحداها.
5 ـ تتسم هذه الثورات بخطابها المقنع و بشعاراتها الجذابة التي استطاعت أن تستقطب شرائح وفئات عديدة، في وقت قياسي. فهذه الثورات التي بدأت بالشباب، تحولت في وقت قصير إلى ثورات شعبية انضمت لها كافة الشرائح والفئات، والتحق بها الشيوخ والأطفال والنساء والعلماء والمثقفون والبسطاء والعاطلون والموظفون والفنانون ...
ولقد تميزت هذه الثورات بأنها ابتعدت بحكمة بالغة عن كل الشعارات والخطابات التي قد تُثير حساسية البعض، وركزت على المطالب والشعارات التي هي محل إجماع وطني ولا يتخلف عنها إلا "بلطجي" مشهود له بالبلطجة، أو منتسب للحزب الحاكم معروف بانتسابه لكل حزب حاكم.
6 ـ تميز ثوار الفيس بوك بقدرتهم الفائقة على كشف عورات النظام الحاكم وإرباكه، وعلى تقديمه للشعوب وإظهاره على حقيقته المخجلة والبائسة والتي استطاع أن يحجبها عن المواطنين سنين عددا.
ولم يستطع الدكتاتوريون الثلاثة أن يصمدوا في وجه تلك الثورات الذكية التي استخدمت أسلحة جديدة لم تكن معهودة، أجبرت الحكام على أن يتحدثوا، ويتحدثوا، ويتحدثوا. فتحدث أولهم عن عصابة من الملثمين، وتحدث ثانيهم عن أقلية مندسة، وجاء ثالثهم بنظرية الحبوب الهلوسة. ولم يعرف الحكام كيف يواجهون الاحتجاجات، فهم إن تركوها سلمية بلا مواجهة أظهروا للعالم كم تكرههم شعوبهم، وإن واستخدموا العنف أظهروا للعالم كم هم وحشيون. أما الخيار الثالث وهو الخيار الأسلم، أي الاستجابة ـ وبشكل مبكر ـ للمطالب فلم يهتدوا إليه، لذلك فقد رفضوا الاستجابة لمطالب الثوار في الوقت المناسب ، ولم يستجيبوا لها إلا بعد أن أصبح الوقت متأخرا جدا، وبعد أن أصبحت الاستجابة لتلك المطالب دليلا على ضعف الحاكم وعزلته ، وليست دليلا على توبته ورغبته في الإصلاح.
7 ـ لقد استطاعت تلك الثورات أن تكشف عن زيف نظرية التآمر والتي ظل يرددها الحكام ويسومون بها كل من يريد ويسعى للإصلاح. فالحكام هم الذين عُرفوا بتنفيذ أوامر الأجنبي ولم يتركوا الأجنبي بحاجة لأن يحيك المؤامرات، لأنهم ينفذون له كل ما يريد، ودون الحاجة للتآمر. أولئك الحكام المتآمرون على شعوبهم هم الذين يتهمون كل راغب في الإصلاح بأنه عميل ومتآمر مع الأجنبي.
ولقد كشفت تلك الثورات بأن "الراعي" أشد خطرا من "الذئب"على “القطيع" (وعذرا على استخدام هذا المصطلح الذي لم يعد صالحا بعد الثورات المباركة). وكشفت كذلك أن الثورة على "الراعي" يجب أن تسبق مواجهة الذئب. فمواجهة الذئب لن نكسبها إلا بعد القضاء نهائيا على " الراعي" الظالم.
تصبحون على رحيل الدكتاتور الثالث...

هلوسات المجنون المعمم!!!


وفي اليوم السابع عشر..
أحرق الثوار الكتاب الأخضر..
ومزقوا العلم الأخضر..
وزحفوا على كل أخضر..
وقالوا بصوت واحد: ارحل يا "معمر"..
ارحل يا أيها السفاح الأكبر..
ارحل يا أيها الكذاب الأشر..
ارحل يا أيها "المُهلوس" الأخطر..
ارحل يا "معمر"..
ارحل يا "معمر"..
ارحل يا "معمر"..
ومر يومان والشعب ينتظر..
أن يُزف إليه أحلى خبر..
وفي ليلة من يوم عسر..
أطل الدكتاتور الأشهر..
من ذات صفائح ودسر..
وبيده مظلة وعلى رأسه عمامة من وبر..
ثم قال بكلمات قُصَّر..
من حديث مختصر..
في اختصاره الكثير من العبر..
يا كلاب.. إني لا أفكر في السفر..
وإن السماء الآن تمطر..
بماء منهمر!!..
***************
وفي الظهور الثاني للمراهق الهَرِم..
أطل المجنون المعمم..
من أمام بيته الذي لم يرمم..
وفي يده كتاب قانون الغابة الأقدم..
يغلقه تارة فيهدد ويسب ويشتم..
ويفتحه تارة ويتمتم..
ثم يقرأ بصوت متلعثم..
كلمات لا أصل لها في أي معجم..
سأذبحكم في كل دار .. ولن أندم..
سأذبحكم في كل زنقة .. ولن أندم..
سأذبحكم في كل بيت.. ولن أندم..
سأستجلب مرتزقة من بلاد العرب والعجم..
سأوزع السلاح بكرم..
سأحرق البلاد وسأهدم..
وسأختم أيامي بنهر عظيم من دم..
نهر أحمر تتحدث عنه كل الأمم..
و يستمر عارض الأزياء يتكلم ويتكلم..
ثم يتكلم ويتكلم..
وتمر الساعات دون أن يختتم..
وفي الأخير يقرر الصنم ..
ملك ملوك الحمير والغنم..
وأشهر دجال في تاريخ الأمم..
بأنه على الوطن أن يحترق فداءً للمجنون المعمم..
***************
وفي الظهور الثالث يطل المشعوذ من فوق سور طويل..
ويستمر في النباح والعويل..
وفي الصياح وفي الصهيل..
ويقول يا جرذان ما أنا برئيس حتى أستقيل..
فأنا مجد ماله من مثيل..
أنا فَخْر ماله من بديل..
أنا زعيم..أنا مفكر.. أنا شيخ جليل..
أنا لاتينيٌ ..أنا إفريقيٌ ..أنا هنديٌ ..أنا صينيٌ .. أنا شيطان أصيل..
أنا رمز .. أنا تاج على رأس كل ثائر أصيل..
أنا "معمر"وقبل الوطن يُنادِى باسمي كل عزيز وذليل..
أنا "معمر" ومن يذكر الوطن قبل اسمي فهو خائن وعميل..
أنا يا فئران لست رئيسا حتى أستقيل..
أنا ثائر.. والثائر لا يستقيل..
أنا لو استقلت لنضب النفط الخفيف والثقيل..
أنا لو استقلت لتبخرت مياه البحار قبل غروب شمس الأصيل..
أنا لو استقلت لانتحر الآلاف مالهم من كفيل..
أنا لو استقلت لما حكم الشعب نفسه ولانهار الفكر البديل..
أنا يا كلاب لا أستطيع أن أستقيل..
أنا يا جرذان ليس لي بديل..
أنا يا فئران ما لي من مثيل..
فارحلوا أنتم جميعا أما أنا فلا يحق لي الرحيل..
واقرؤوا إن شئتم فصلا من كتاب الأباطيل..
لتعلموا أن الاستقالة تمثيل..
وأن كل تمثيل تدجيل..
**************
وفي الظهور الرابع يطل المجنون المعمم من داخل قاعة..
ويتحدث أكثر من ساعة..
ويقسم أنه لم تنظم في الجماهيرية مظاهرة..
وأن كل ما في الأمر أن حفنة من أنصار "أسامة"..
أطلقوا في "البيضاء" شرارة..
وأعلنوا قيام إمارة..
و يعيد المجنون المعمم نفس الخرافة..
ثم يقول بكل جرأة وجسارة..
إن العرب يحسدونكم ..فيا للخسارة..
وإن ثروة الشعب تقسم بينكم بكل شطارة..
وإن القائد وأبناءه هم أفقر من في الحارة..
وإن ما قيل عن الأرصدة مجرد نكتة ودعابة..
وإن مليارات الجنيهات ما هي إلا كذبة باطلة..
ويقول المجنون المعمم إن من حق الأبناء ومن حق "عائشة"..
أن ينفقوا على "الخير" في كل مناسبة..
والخير قد يكون في إنفاق مليون دولار على كندية راقصة..
وقد يكون في تنظيم حفلات طيش ساهرة..
وقد يكون رشى لتلميع أوجه كالحة..
وقد يكون استثمارا في شركات زائفة..
وقد يكون لشراء حبوب هلوسة راقية..
ويستمر المعمم المجنون يردد نفس الخرافة..
وينام أغلب من في القاعة..
ويزحف الثوار بكل بسالة وشجاعة..
ويشتد الخناق على المجنون وأبنائه الثمانية..
وفي انتظار أن يسدل الستار على أسخف خرافة..
استمرت أربعة عقود وزيادة..
يحسب العالم أنفاسه خوفا من أن يرتكب المجنون المعمم أعظم حماقة..
تصبحون على نهاية أسخف خرافة..
ملاحظة : يمكن العودة لمقالات سابقة كتبتها عن " القذافي" كان أولها بعنوان " شكرا للعقيد " وتم نشره في 19 من إبريل 2007 وكتبته للرد على سخريته من الديمقراطية الموريتانية. والثاني كان تحت عنوان " عن أي مفكر تتحدثون؟" كتبته بمناسبة استهزاء القذافي بتاريخ موريتانيا السياسي وبرؤسائها وكذلك بمناسبة صلاته بجموع الموريتانيين في الملعب الأولمبي، وثالث المقالات كان تحت عنوان " مصفقون بلا حدود" وقد كُتب بمناسبة بيعة بعض الموريتانيين للزعيم المجنون.

التصفيق للكارثة!!!

إنهم أغبياء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم سذج فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم غوغاء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم تائهون لأنهم انتخبوك..
إنهم ضائعون لأنهم انتخبوك..
إنهم بائسون لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يحلموا بأي شيء لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يقبلوا بالعطش لخمس سنوات لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يطالبوا بمضخة لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا عطشا بلا أنين لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا جوعا لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا كمدا لأنهم انتخبوك..
وكان عليهم أن يقبلوا كل إهاناتك لأنهم هم الذين انتخبوك..
فلتعش نائبا تقول ما تشاء..
ولتعش نائبا تسخر ممن تشاء..
حينما تشاء..وكيفما تشاء..
فقل ما شئت لمن انتخبوك..
واسخر كما شئت ممن انتخبوك..
وابشر ـ يا سيادة النائب ـ فالقطيع هو القطيع..
سينتخبك من جديد..
فأنت ابن القبيلة..
وستوزع يوم الانتخاب صدقات قليلة..
وأنت فوق ذلك تصفق لرئيس البلاد..
وأنت نجم في سماء الاتحاد..
وترعى قطيعا على حدود البلاد..
ليس من حقه أن يتظاهر..
وليس من حقه أن يشكو..
وليس من حقه أن يصوت لغيرك..
لقد ضاعوا يوم انتخبوك..
لقد تاهوا يوم انتخبوك..
فانتخابك كان كارثة..
وحديثك كان كارثة..
وصمتك أربع سنين كان كارثة..
واشتغالك بهاتفك أثناء المداولات كان كارثة..
وتثاؤبك عندما يحتدم النقاش كان كارثة..
وتعليقك على الاحتجاجات في مقاطعتك كان أكبر كارثة..
كل شيء فيك كان كارثة..
وكل شيء في البلاد كارثة..
حكومتها كارثة..
منتخبوها كارثة..
مثقفوها كارثة..
ساستها كارثة..
معارضوها كارثة..
ومواطنوها هم أكبر كارثة..
فهم كالقطيع يسيرون خلف كل كارثة..
ويصفقون لكل كارثة..
ويصطفون لاستقبال كل كارثة..
يؤلفون الأشعار في مدح الكارثة..
يغنون للكارثة..
يلبسون أحسن الثياب لاستقبال الكارثة..
ثم فجأة يكتشفون أن الكارثة كانت فعلا كارثة..
عندما تنقلب كارثة على كارثة..
أو تصحح الكارثة مسار كارثة..
فتختفي كارثة ..
وتظهر كارثة..
وترحل حاشية الكارثة عن الكارثة إلى الكارثة..
وتختفي الفوارق بين الكارثة والكارثة..
فيثور شباب في بلاد الكارثة..
يطالب بعضه بإصلاح الكارثة..
ويدعو بعضه لإسقاط الكارثة..
ويبقى القطيع كعادته يمجد الكارثة..
ويؤلف الأشعار للكارثة..
ويغني للكارثة..
ويصفق للكارثة..
في انتظار هجرة جديدة عند قدوم أول كارثة..
تصحح مسار آخر كارثة..
بالعفو والصفح عن كل كارثة..
تصبحون على إعصار يمحق كل كارثة....

الأحد، 20 فبراير 2011

سبع قراءات وسبعة دروس من فصالة!



إن ما حدث في فصالة يستحق قراءات سريعة وعميقة، خاصة من طرف السلطة الحاكمة، التي يجب عليها ـ وبشكل فوري ـ أن تقرأ تلك الأحداث بجدية، قبل أن تتطور و تستعصي على القراءة.
وما حدث هناك، ربما يكون شرارة لأحداث أخرى، كنت قد توقعتها في نهاية العام الماضي، في مقال منشور تحت عنوان "الشعارات لن تطعم جياع 2011"، كتبته في بداية الاحتجاجات التي عرفها "سيدي بوزيد" في تونس. لقد قلت في ذلك المقال بأنه لن يكون بالإمكان التنبؤ بمكان انطلاق أول شرارة للاحتجاجات المتوقعة، في العام 2011 في أكثر من بلد، بما في ذلك بلدنا.
بعد نشر ذلك المقال تسارعت الأحداث، بسرعة رهيبة، لم أكن أتخيلها، خاصة في تونس، وفي مصر، وفي دول عربية أخرى، ربما يلتحق قادتها ـ قريبا ـ بنادي القادة الذين لا يفهمون ولا يعون الأمور إلا في وقت متأخر، ومتأخر جدا.
وإذا كانت الأحداث قد تسارعت كثيرا خارج حدودنا، فإنها لم تتباطأ داخل هذه الحدود. فقد ظهرت دعوات شبابية على الفيس بوك تدعو ليوم احتجاجي، و كان من أهمها دعوة شباب 17 فبراير، الذين لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون أن هناك احتجاجات جدية، ستنطلق ـ قبل يومهم الموعود ـ من مدينة حدودية، هي أكثر مدن البلاد بعدا عن الفيس بوك.
لقد فاجأت فصالة الجميع، دون أن تفاجئ أحدا. فاحتجاجاتها كانت متوقعة في كل لحظة، ومستغربة أيضا في كل لحظة. كانت متوقعة لأن الكل كان ينتظر احتجاجات في أي وقت، ومستغربة لأن الكل لم يتوقع أنها ستأتي من فصالة.
وأحداث الجمعة في فصالة لا تكفيها قراءة واحدة، وإنما تحتاج لعدة قراءات، يمكن إجمالها في سبع قراءات:
القراءة الأولى: لم تكن فصالة لتتحدث عن نفسها في يوم الجمعة 18 من فبراير بصراخ جسور، لو أنها وجدت من يصغي لهمسها، الذي ظلت تهمس به في الأسابيع الماضية، بل في الأشهر الماضية. ولو أن الحاكم أو العمدة استمعا لشكاوي أهل فصالة، وبلغوها ـ في الوقت المناسب ـ للجهات المختصة، لما حدث ما حدث.
الدرس المستخلص: على الرئيس أن يعلم بأن الإدارة لا زالت لا تهتم بمشاكل المواطنين، ولا زالت ترفض أن تبلغها للجهات المختصة. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أول ما يجب عليه فعله الآن، لتفادي الأسوأ، هو أن يفتح فورا ديوانا للمظالم، لكي يسمع من خلاله ـ وبشكل مباشرـ هموم المواطنين البسطاء، قبل أن تتحول تلك الهموم إلى وقود لاحتجاجات عنيفة تصعب السيطرة عليها.
القراءة الثانية: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن رجال الإدارة ورجال السياسة ونساءها ليست لهم أي اهتمامات بمشاكل المواطنين، وأن كل ما يهمهم هو أن يُظهروا الولاء لرئيس الدولة، بطريقة قد تضره أكثر مما تنفعه. فما الذي قدمه والي النعمة ومنتخبوها للرئيس في مهرجان المدن القديمة؟ أو ليس من الأولى بهم أن يظلوا قرب المواطنين لكي يخففوا من معاناتهم بدلا من السفر فرادى وأفواجا إلى شنقيط؟
الدرس المستخلص:على السلطات العليا أن تعلم أن العام 2011 ليس عاما عاديا، وليس عاما للترفيه، يمكن تخصيصه للمهرجانات، أو لقصائد المديح، أو للسهرات، أو لمسابقات الرماية أو حتى للاهتمام بالتراث رغم أهميته.
إن العام 2011 ـ وهذا ما تقوله القراءة الثانية لأحداث فصالة ـ يجب أن يُتفرغ فيه للمحاربة الجدية للفقر وللفساد، بدلا من محاربتهما بالشعارات التي أصبح تكرارها يثير غضب المواطنين وحنقهم بدلا من أن يبعث في نفوسهم أملا.
القراءة الثالثة: لقد أثبتت أحداث فصالة أن السلطات الأمنية والإدارية ليست لديها القدرة على مواجهة أي احتجاجات شعبية. وأنه ليس من مصلحتها أن تدفع المواطنين للمواجهة، وليس من مصلحتها أن تدفعهم لاحتلال المباني الحكومية وتخريبها. كما أثبتت تلك الأحداث أن الحلول الأمنية لن تجدي نفعا، وأن الحل الوحيد المتاح للتخفيف من غضب المواطنين، يجب أن يعتمد على إجراءات فورية، تساعد في التخفيف من معاناتهم اليومية.
الدرس المستخلص : إن العناد، وتجاهل هموم المواطنين، والاشتغال بأمور أخرى، والاعتماد على رجال الأمن للتعامل مع المواطنين قد تكون له كلفة باهظة، وباهظة جدا.
القراءة الرابعة: لقد أثبتت أحداث فصالة أن الاستجابة الفورية لمطالب المواطنين قد تساعد في التخفيف من حدتها. أما تجاهلها فقد يتسبب في رفع سقف المطالب إلى حدود أعلى. لقد كان توفير جرعة ماء صالحة للشرب هو المطلب الرئيس لأهلنا في فصالة. أما اليوم وبعد أن حدث ما حدث فقد ارتفع سقف المطالب كثيرا رغم أنه لم يبلغ حتى الآن الحد الأدنى من أساسيات الحياة الكريمة. كما أثبتت ثورات 2011 أن الوقت قد يكون حاسما جدا في تحديد مسارها.وقد أدى التأخر لأيام وربما لساعات، في الاستجابة لمطالب التونسيين والمصريين، إلى تغيير أشياء كثيرة في تونس ومصر.
الدرس المستخلص : إن التعامل المبكر مع مطالب المواطنين قد ينجي من كوارث كبيرة، سيكون أول ضحاياها السلطات الحاكمة، إذا لم تكن ردود فعلها سريعة وحاسمة ( لا أقصد حاسمة أمنيا).
القراءة الخامسة: لقد أثبت أحداث فصالة بأن الفساد لا زال متفشيا في كل مكان. فأحداث الجمعة في فصالة، كانت نتيجة مباشرة لعمليات نهب وسرقة واسعة تعرض لها الأهالي هناك، حيث تم شراء مضخة غير صالحة للبئر الارتوازي في المركز، مما أدى إلى تعطلها في وقت مبكر. ولقد رفضت الجهات المعنية شراء مضخة أخرى رغم توفر الموارد اللازمة لذلك، وهي موارد تبرعت بها جهات أجنبية لسكان المركز، فنهبها مفسدو فصالة.
كما أن سيارة الإسعاف التي تم حرقها كانت مخصصة للاستغلال التجاري والشخصي لصالح شخصيات متنفذة في المركز الإداري.
الدرس المستخلص: لقد كان الفساد هو المتسبب الأول في تلك الاحتجاجات، وهو ما يعني أن القراءة الخامسة لأحداث فصالة، تفرض علينا أن نطالب بمحاربة جدية للفساد تختلف عن الحرب المعلنة الدائرة حاليا، والتي استقطبت أغلب مفسدي موريتانيا.
القراءة السادسة: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن الولاء للوطن لا زال ضعيف جدا، وأن السلطات الحاكمة حاليا وسابقا لم تهتم بتعميقه، أو بتنميته بقدر ما اهتمت بأن يكون ولاء المواطنين لها لا للوطن. نفس الشيء يمكن قوله عن الأحزاب، وعن النخب بكل أشكالها وألوانها.
فمن المؤسف أن يطالب البعض في فصالة بجنسية أخرى، وبوطن آخر لأن هناك في الإدارة من ظلمه ظلما كبيرا.
الدرس المستخلص : آن الأوان لأن نلتفت قليلا لهذا الوطن، وآن الأوان لأن نزرع قيم الوطنية في نفوس المواطنين، بدلا من أن نختزل الوطن لهم في رئيس، أو في زعيم، أو في قبيلة، أو في عرق، أو في ايدولوجيا...
القراءة السابعة: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن هناك جهات عديدة تنتظر أي حدث لتستغله إعلاميا وسياسيا ضد الحكومة القائمة، والتي أصبح في صحيفتها الكثير من الأخطاء والإخفاقات. وما جمعته حكومتنا الموقرة من أخطاء في عام ونصف، يكفي ـ لو وُزع على عدة دول ـ لأن يتسبب في احتجاجات عنيفة في تلك الدول.
الدرس المستخلص : تقول القراءة السابعة لأحداث فصالة بأنه أصبح على حكومتنا أن ترحل فورا، لأنها إن لم ترحل الآن فقد تدفع المواطنين إلى المطالبة برحيل من يصر على الاحتفاظ بها.
تصبحون وأنتم قراء جيدون....

الاثنين، 14 فبراير 2011

نص الخطاب التاريخي لرئيس الجمهورية!

أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لقد قررت أن أتقدم إليكم بخطاب مصارحة ومكاشفة، في هذا الظرف العصيب الذي تشهد فيه بعض الدول الشقيقة تحولات عميقة، والذي يشهد ـ كذلك ـ على الصعيد العالمي ارتفاعا مذهلا لأسعار بعض المواد الأساسية، وهو الارتفاع الذي انعكست آثاره سلبا على كل دول العالم بما فيها وطننا الغالي.
في مثل هذا الظرف العصيب، كان لزاما عليَّ أن أتقدم إليكم بخطاب من القلب، لن أحدثكم فيه عن الانجازات الهامة التي تم تحقيقها منذ قدومي إلى السلطة، والتي هي معروفة لديكم، وقد تم الحديث عنها في مناسبات سابقة. بل أني سأحدثكم في خطاب المكاشفة هذا عن بعض الإخفاقات التي حدثت منذ التنصيب إلى يومنا هذا، على أساس أنه لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء وبلا نواقص، لذلك فقد كان من الضروري، وبعد مرور عام ونصف من مأموريتي، أن أبحث عن الأخطاء والإخفاقات التي حدثت، وأن أسعى بشكل جاد وصادق لمعالجتها ولتجاوزها.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
اسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن الأخطاء التي حدثت، وعن الأساليب الجديدة التي سأتبعها لتصحيح تلك الأخطاء، اسمحوا لي قبل ذلك، أن أحدثكم قليلا عن الأحداث التي عرفتها تونس ومصر في الآونة الأخيرة، وذلك للرد على بعض التعليقات والتصريحات التي جاءت من بعض قيادات المعارضة، والتي حاولت أن تجعل من ظروفنا وواقعنا صورة طبق الأصل من واقع الشقيقة تونس، والشقيقة مصر.
والحقيقة التي لابد من قولها هنا، هي أن واقعنا ليس مطابقا تماما للواقع التونسي، و لا للواقع المصري، وأقصى ما يمكن قوله في هذا المجال، هو أنه يتشابه معهما في بعض الجوانب، ويختلف عنهما في جوانب أخرى.
فإذا كانت تونس ومصر قد عرفتا أنظمة حكم لم تتغير لمدة عقود من الزمن، فإن الأمر يختلف عندنا، خاصة منذ تصحيح 3 من أغسطس 2005، حيث أصبحت مشكلتنا منذ ذلك الوقت هي قصر الفترة التي يقضيها الرؤساء في الحكم، لا طولها.
وإذا كان الشعب التونسي والشعب المصري قد ثارا ضد رئيسين وصلا إلى الحكم واستمرا فيه دون انتخابات شفافة، فالأمر عندنا يختلف، لأننا شهدنا انتخابات رئاسية شفافة، بشهادة الجميع، أشرف عليها وزير داخلية معارض، ورئيس لجنة مستقلة للانتخابات معارض كذلك.
ورغم ذلك، فنحن لابد لنا أن نعترف بأن الشعب الموريتاني قد عرف أسلوبا واحدا من الحكم، يعتمد على أن الشعب في خدمة الحاكم، لا الحاكم في خدمة الشعب، وهو الأسلوب الذي لم يتغير منذ عقود من الزمن، رغم التغيرات الكثيرة للرؤساء، لذلك فهو من هذه الناحية يتشابه تماما مع تونس ومصر. ومن حق شعبنا الذي يستحق حياة كريمة، أن يثور على أي رئيس يكرر نفس الأسلوب البائد، في إدارة شؤون البلاد، حتى ولو لم يقض مدة طويلة في الحكم. هذا ما "تفهمه وتعيه" قيادتكم الوطنية، وهذا هو ما فرض علينا العمل بأسلوب مختلف عن نمط الحكم، الذي اتبعه كل الرؤساء السابقين، والذي أدى في المحصلة النهائية إلى هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم.
بل إنني فوق ذلك، أومن بأن الشعب الموريتاني أولى من غيره بالحياة الكريمة، وأولى من غيره بالثورة، إذا لم يشعر بأن أوضاعه قد بدأت تتحسن بالفعل، وذلك نظرا لأن ثرواته أكثر بكثير من ثروات العديد من أشقائه، ولأنه أقل عددا من شعوب تلك الدول، ولأنه من حيث مؤشرات التنمية، لا زال ـ "ويا للأسف"ـ في أسفل اللائحة، ولا زالت تتقدم عليه تلك الدول الشقيقة التي شهدت احتجاجات.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا أخفيكم ـ في خطاب المكاشفة هذا ـ بأني لا أجد فرقا يذكر بين الاتحاد من أجل الجمهورية، والحزب الوطني في مصر، أو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. فالاتحاد من أجل الجمهورية ـ "ويا للأسف"ـ لم يقدم انجازا واحدا منذ تأسيسه، بل أنه ظل يشكل عبئا ثقيلا على مؤسسة الرئاسة، ومحرجا لها في كثير من الأحيان.
وأنا على ثقة تامة، بأن هذا الحزب لن ينفعني، إذا ما احتجت إليه في الأوقات العصيبة. بل أنه قد يضرني من حيث يعتقد أنه سينفعني، وقد يُخرج في اللحظات الحاسمة، ما هو أسوأ من الحمير والبغال والجمال.
لقد أثبتت أحداث تونس ومصر بأن الأحزاب التقليدية لم تعد قادرة على حماية نفسها، ولا حماية أي نظام. كما أثبتت تلك الأحداث بأن الشعوب، والتي قد لا تكون منتظمة بالضرورة في أحزاب سياسية، هي وحدها التي يمكن أن تسقط أي نظام، وهي وحدها التي يمكن أن تحميه.
وبناء على ذلك، فإني أتوجه اليوم إليكم بهذا الخطاب، الذي سيؤسس ـ بإذن الله ـ لمرحلة جديدة من العمل الحكومي والسياسي، وهي مرحلة ستسعي ـ بشكل جاد ـ لبناء جسور جديدة وقوية، من الثقة بيني وبينكم، ودون الحاجة لوسطاء سياسيين. لقد تعاملت معكم بدون وسطاء في الحملة الانتخابية الماضية، ولم تخيبوا وقتها ثقتي فيكم، فصوتم لي بكثافة، مما جعل فوزي في الانتخابات الرئاسية الماضية، لا منة فيه لأي وسيط سياسي أو اجتماعي، فالفضل فيه للمواطن العادي، وللمواطن العادي وحده، لذلك فأنا أستطيع أن أقول بأني لست مدينا إلا لك أنت أيها المواطن الموريتاني.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا جدال في أن ما مضى من مأموريتي، قد تخللته بعض الأخطاء والإخفاقات التي سيتم تفاديها من الآن، ومن هذه الأخطاء يمكن لي أن أذكرك لكم:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ بعض القرارات الهامة، وهو ما جعل الكثير منكم يستغرب بعض القرارات التي تم اتخاذها وإلغاؤها دون تقديم أي تفسير لذلك. لقد حدث ذلك مع إنشاء وإلغاء كتابة الدولة للشؤون الإفريقية، ومع هيكلة وزارة التعليم، وفي مجالات عديدة أخرى لا يتسع المقام لتعدادها. فمن حقكم أن تستغربوا ذلك، وأن تنتقدوه، لأنه لم يعد من المقبول في عالم اليوم ارتجال القرارات، حتى ولو كانت مجرد قرارات فردية، أو أسرية، أو قرارات داخل مؤسسة صغيرة. فكيف إذا تعلق الأمر بقرارات حكومية، يمكن لها أن تؤثر إيجابا أو سلبا على حياة كل مواطن؟ لذلك فإني أعدكم بأنه لن يُرتجل ـ من الآن وصاعداـ أي قرار مهما كان حجمه. كما أعتذر لكم عن الارتجال في بعض التعيينات، والذي بلغ ذروته في وزارة المالية والإدارات التابعة لها، حيث أنها منذ تنصيبي لم تعرف أي استقرار يتيح لها أن تؤدي أبسط مهامها.
2 ـ لا شك أنكم قد لاحظتم في بعض الأحيان عدم انسجام في العمل الحكومي، ولا شك أنكم لاحظتم عدم الانسجام كذلك في بعض القرارات، وهو ما أعدكم بأنه سيتوقف تماما من الآن. فلم يعد من المقبول أن يدعو رئيس الجمهورية إلى حوار مع المعارضة، فتعقب تلك الدعوة بيانات وتصريحات من الأغلبية تتناقض مع تلك الدعوة، وتزيد من حجم الشكوك حول جديتها. كما أني أعتذر للشعب الموريتاني عن بعض التناقض في بعض القرارات التي اتخذتها، كتعيين شخصية سياسية على رأس وزارة التعليم الثانوي، رغم أني كنت قد دعوت قبل ذلك إلى عدم تسييس التعليم، وعدم تسييس المنتديات القادمة، وهي الدعوة التي لم يستجب لها ـ "ويا للأسف"ـ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي اختار لجنة للتفكير في إصلاح التعليم يرأسها وزير سياسي لا صلة له بالتعليم، ومن المفترض أنه ليس لديه وقت لإنجاز ما كُلف به.
3 ـ من الأخطاء التي تم تسجيلها في ما مضى من المأمورية، هي أن التعيينات لم تكن شفافة، ولا منسجمة مع الحرب على الفساد، وقد جاء الكثير منها مخيبا لآمالكم. وقد انعكست تلك التعيينات على الأداء الحكومي الذي لم يكن على المستوى المطلوب، وهذا ما يجب الاعتراف به. ولتحسين الأداء الحكومي، وانسجاما مع الحرب على الفساد المعلنة، فإني أعدكم بأن التعيينات ابتداء من اليوم، ستعتمد أولا وأخيرا على الكفاءة، وعلى الكفاءة وحدها، والتي سنبحث عنها في كل مكان، ولا يهمنا بعد ذلك الانتماء السياسي، أو الجهوي، أو القبلي، أو العرقي، لصاحب تلك الكفاءة. كما أعدكم هنا بأنني سأعمل ـ وبشكل فوري ـ على إبعاد كل رموز الفساد الذين تم تعيينهم في مناصب هامة.
4 ـ لقد لاحظت أن الإدارة لا زالت تتعامل بكثير من الاستعلاء والخشونة مع المواطنين، كما لاحظت أن الموظفين لا زالوا يمنون على المواطنين بأي خدمة إدارية يقدمونها لهم، حتى ولو كانت بسيطة وتافهة. إن هذه النظرة الخاطئة لابد من العمل الجاد على تغييرها، حتى يعلم الوزراء وكل الموظفين أنهم في خدمة هذا الشعب، وأنهم يتلقون رواتب من ثروته، وهو ما يفرض عليهم تغيير أسلوب تعاملهم مع المواطن.
5 ـ لقد تم تسجيل بعض التجاوزات في منح بعض الصفقات العمومية، ولم يتم احترام الشفافية في العديد من تلك الصفقات. وهذا يستدعي مني أن ألتزم لكم بأن تلك الأخطاء لن تتكرر مستقبلا. كما ألتزم لكم بأنه سيتم كشف كل مناقصة على حدة، وتقديم التبريرات التي أدت إلى منحها للجهة المستفيدة.
6 ـ أما فيما يخص مكافحة الفقر، والتشغيل، والحد من الآثار السلبية لارتفاع الأسعار، فإني أعدكم بأنه سيتم اتخاذ بعض الإجراءات الثورية، في وقت قريب، للحد من البطالة، ومن الفقر، ومن الانعكاسات السلبية لارتفاع الأسعار. وهذه الإجراءات لن أحدثكم عنها الآن، بل أني سأتركها تتحدث عن نفسها في وقت قريب.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
إن لكل بلد خصوصياته، ولبلدنا خصوصيته التي يجب علينا جميعا أن نعيها، قبل اتخاذ أي قرار قد تكون له آثار خطيرة على استقرار وطننا الغالي.
وهذه المسؤولية تقع أولا على عاتق رئيس الجمهورية، الذي يجب عليه أن يعمل بجد لتوفير حياة كريمة ولائقة، لكل مواطن. وهذا ما أعدكم بأني سأسعى إليه بشكل جدي فيما تبقى من مأموريتي. وأعدكم أيضا بأني سأعمل جاهدا لكي يشعر كل واحد منكم، بأني أسعى فعلا لتصحيح كل الأخطاء، التي حدثت في الثمانية عشر شهرا التي مضت من مأموريتي.كما أعدكم بأني سأفتح قنوات جديدة للاتصال بكم، وذلك لكي أظل دائما على الإطلاع بهمومكم ومشاكلكم، و لن أعتمد بعد اليوم على التقارير التي تصلني للإطلاع على همومكم ومشاكلكم.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة موريتانيا..
تصبحون على إصلاحات جدية..
كتبه باسم رئيس الجمهورية :
محمد الأمين ولد الفاظل

الاثنين، 7 فبراير 2011

في انتظار ثورة ثالثة



لم يكن من المتخيل أن تتحول أحداث بسيطة ـ لا تلفت الانتباه عادة ـ إلى احتجاجات و انتفاضات وثورات عظيمة، تعجز النخب السياسية التقليدية أن تلتحق بصفوفها الخلفية حتى ولو لهثت كثيرا، ويفشل أولو الألباب في فك طلاسمها، ولا يستطيع المحللون والصحفيون كشف كل تفاصيلها.
فلم يكن من المتخيل أن يتمكن بائع خضار من طرد دكتاتور تونس إلى مدينة يرتفع من مساجدها نداءات المؤذنين، التي تقض مضجع الدكتاتور التونسي الهارب. ولقد اعتبر أحد معلقي الجزيرة مباشر أن الإقامة الجبرية في مدينة تكثر فيها المساجد، هي أفضل طريقة لمعاقبة الدكتاتور الهارب.
ولم يكن من المتخيل ـ كذلك ـ أن تتحول دعوة للاحتجاج أطلقتها الفتاة "أسماء محفوظ" واختارت لها يوم عيد الشرطة المصرية، لم يكن من المتخيل أن تتحول تلك الدعوة إلى ثورة عارمة في مصر، أجبرت دكتاتورها للبحث بشكل جاد عن طريقة لرحيل "كريم".
ومن يدري فربما نشهد في الأيام القادمة، أو في الساعات القادمة، أو ربما في الدقائق القادمة، تحول حدث بسيط ما، في دولة عربية ما، إلى ثورة عارمة تسقط دكتاتورا عربيا ما، ربما نشهد ذلك قريبا، ولكن قبل ذلك دعونا نسجل بعض الملاحظات عن الثورتين المباركتين، وذلك في انتظار اشتعال ثورة مباركة ثالثة.
الملاحظة الأولى: هذه الثورات جاءت بأفكار إبداعية لإحداث التغيير، وتم تنفيذها بوسائل وأساليب إبداعية أيضا، طبقا للمقولة الشهيرة: " إن الأفكار الإبداعية يجب أن لا تمر بالقنوات التقليدية". فالقنوات التقليدية، أي النخب السياسية التقليدية، قد فشلت في إحداث تغيير في البلدان العربية، لذلك فقد كان لابد من إبعادها عن الصفوف الأمامية، لضمان نجاح الثورات الجديدة. لقد نجحت هذه الثورات لأنها لم يقدها "المناضلون التقليديون" الذين لا زالوا يفكرون بطرق تقليدية، لم تعد تناسب هذا العصر. بل أن هذه النخب عجزت ـ لكثرة خلافاتها وصراعاتها، وانشغالها بالتفاهات ـ أن تشكل صفوفا خلفية متماسكة لهذه الثورات الجديدة. لقد رفضت كل الأحزاب المعارضة في مصر، باستثناء حزب معارض واحد، الاستجابة للدعوة للاحتجاج يوم 25 يناير. ولقد برر الحزب الناصري رفضه لتلك الدعوة لكونه حزبا يقود ولا يقاد، أما حركة الإخوان المسلمين فقد رفضت الاستجابة في البداية، قبل أن تقرر بعد ذلك المشاركة بشكل رمزي. في حين أن حزب الوفد كان "أعقل"ـ حسب بعض قادته ـ من أن يستجيب لدعوة شبابية "طائشة"، تبين فيما بعد أنها لم تكن طائشة، وأن الشباب"الطائش" الذي أطلقها كان أعقل من الجميع، وأحق من الجميع بقيادة الشعوب.
الملاحظة الثانية: يمتاز قادة هذه الثورات بقدرة عجيبة على اتخاذ القرارات السريعة والصائبة في نفس الوقت. فالشباب المصري استقبل الجيش بالورود، كما استقبل الشباب التونسي جيشه بالقبلات. ولقد كان لتلك الاستقبالات مفعول حاسم في اكتساب الجيش، أو ـ على الأقل ـ في تحييده. ولو أن الأمر حدث مع النخب السياسية التقليدية لكانت ردود الفعل سلبية، أو بطيئة في أحسن الأحوال، مما كان سينعكس سلبا على تلك الاحتجاجات. وتظهر كذلك قدرة الثوار الجدد في اتخاذ القرارات الصائبة والسريعة، في الطريقة الرائعة، التي تم بها تشكيل مجموعات لتوفير الأمن، بعد أن تحول من كان من المفترض فيه أن يوفر الأمن إلى أكبر مهدد للأمن والسكينة.
الملاحظة الثالثة: لقد أثبت المناضلون الجدد قدرة كبيرة على التأقلم مع كل الظروف والمفاجآت. فمن اللافت أن الشباب الثائر لم يتأثر سلبا عندما تم حرمانه من أهم أسلحته، أي الانترنت والهاتف النقال. فالتونسيون استطاعوا أن يتعاملوا بذكاء مع الرقيب الالكتروني الذي أطلقوا عليه "عمار 404". في حين أن الشباب المصري تمكن من تنظيم "جمعة الغضب" التي شاركت فيها أعداد غير مسبوقة، في ظل غياب كامل لكل وسائل الاتصال الحديثة من انترنت وهاتف نقال. بل أن شباب الفيس بوك كما يحلو للبعض تسميته بذلك، نجح في الدفاع عن نفسه، عندما حُورب بأسلحة بدائية جدا، وتمكن من أسر بعض "الغزاة" خلال صده لهجوم غريب ومفاجئ استخدمت فيه كل أسلحة القرون الوسطى من خيل وجمال وبغال وسكاكين وبلطجية ..
الملاحظة الرابعة: لقد استطاع هذا الشباب الرائع أن يفند الكثير من النظريات التقليدية الخائبة، التي ابتكرها المستبدون بالتمالؤ مع بعض النخب السياسية التقليدية، والتي تحسب على أنها معارضة. فقد شاع لدى الشعوب العربية أن الاحتجاج ضد الفساد والدكتاتورية قد يأتي بنتائج عكسية، لأنه قد يستغل في إحداث فتن، وصراعات طائفية، أو عرقية، تؤدي في النهاية إلى الكثير من الفوضى وعدم الاستقرار. والحقيقة أن أكثر ما يهدد استقرار الشعوب هو الدكتاتورية، والفساد، وغياب الحرية، والعدالة الاجتماعية. ويكفي لتفنيد تلك النظرية الخائبة أن نتأمل حال مصر قبل 25 يناير، وحالها بعده. فقبل 25 يناير كثرت الدعوات التي كانت تهدف لإحداث شرخ بين الأقباط والمسلمين. أما بعد 25 يناير فقد اختفت تلك الدعوات، وتم استبدالها بصور راقية جاءت من ميدان التحرير، حيث شُوهد القبطي وهو يحرس المسلم أثناء صلاة الجمعة، بل أن بعض الأقباط كان يرفع صوته بالتكبير، وذلك لكي يسمع صفوف المصلين الخلفية تكبيرات الإمام. وفي يوم الأحد، وفي نفس الميدان، أقام الأقباط قداس الأحد، وصلى المسلمون صلاة الغائب، على أرواح شهداء الثورة.
الملاحظة الخامسة: لقد استطاعت هذه الثورات المباركة أن تستعيد بعض القيم التي كادت الشعوب أن تنساها، فظهر التكافل والتضامن والتضحية والإيثار بين المواطنين. ولم يعد بالإمكان اختزال الوطنية في لحظة حماس أثناء مبارايات كروية، بل أنه أصبح من الممكن للمواطنين أن يعبروا عن وطنيتهم بصور أخرى أكثر تحضرا، و أكثر أهمية، من خلال المشاركة ـ كل حسب امكاناته ـ في عملية التغيير والبناء، والتي انطلقت شرارتها من ميدان التحرير.
الملاحظة السادسة : أثبت هؤلاء الشباب قدرة فائقة على الإقناع، حيث استطاعوا وفي وقت قياسي أن يجمعوا حولهم المثقف والأمي، الغني والفقير، الطفل والشيخ، الرجل والمرأة ، الشاب والشابة، السياسي وغير السياسي. كما أثبتوا قدرة فائقة على التماسك والتلاحم حول فكرة واحدة، عكس ما كان يحدث في صفوف النخب التقليدية التي لم تكن تتحالف إلا من أجل أن تنشق، وتنشطر، وتنقسم شظايا شظايا لا يكاد بعضها يرى بالعين المجردة.
وأعتقد أن القدرة على الإقناع والتماسك، إنما جاءت من قناعة الشباب أنفسهم بمطالبهم الوجيهة، وبصدقهم فيما يقومون به نضال من أجل الوطن، لا من أجل مصالح شخصية، أو حزبية، أو سياسية، أو إيدولوجية، أو طائفية، أو عرقية. وهنا يكمن سر التفاف الناس حولهم، وهذا بالضبط هو ما يميزهم عن النخب السياسية التقليدية، التي كان أغلبها يضع المصالح الشخصية، أو الحزبية، أو الطائفية، فوق المصلحة الوطنية.
تصبحون على ثورة ثالثة..