السبت، 25 يناير 2020

هل نحن أمام صحوة للأطر؟

تعدُّ كلمة مبادرة من الكلمات التي ساءت سمعتها كثيرا في السنوات الأخيرة، وحالها في ذلك كحال كلمة الأطر، وأصبحت مثل هذه الكلمات تحمل شحنة سلبية، بل إنها أصبحت تعني ـ في تداولها المحلي ـ كل تلك الأنشطة "الغثائية" التي تضر الوطن والمواطن أكثر مما تنفعهما. لقد غاب الأطر في السنوات والعقود الماضية عن هموم ومشاكل ولاياتهم، فهم لا يتذكرون ولاياتهم ومدنهم التي ينحدرون منها إلا إذا كانت هناك مواسم سياسية، أو إذا كانت هناك زيارة للرئيس، يأتون فقط لحجب هموم ومشاكل مدنهم عن الرئيس، وليقولوا له بأن أحوال الناس في مدنهم بخير، وهي بالتأكيد لم تكن كذلك.


هذا هو ما تعودناه في الماضي من الأطر، ولكن ما حدث مع مبادرة أطر تجكجكة في الأشهر الماضية، وما يحدث الآن مع مبادرة أطر وأصدقاء الحوض الغربي فهو أمرٌ مختلفٌ تماما، فيكفي أن نُذَكِّر بأن البلاد لا تعيش في هذه الفترة موسما سياسيا، وبأنه لا زيارة للرئيس للمدينتين المراد تنظيفهما ، يكفي أن نذكر بذلك لنبين بأن تحرك أطر الولايتين هو تحركٌ مختلفٌ تماما عما عهدناه في السابق..إنه تحرك إيجابي في مجال خدمة المجتمع نرجو له أن يتسع حتى يشمل بقية الولايات، ونرجو له أن يكون بداية لصحوة جديدة لأطر موريتانيا يتم بموجبها إعادة توجيه بوصلة مبادراتهم حتى تتجه إلى أنشطة تنفع الناس وتمكث في الأرض، وتنظيف مدينتي تجكجة ولعيون هو من تلك الأنشطة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض.
إن من واجب الجميع أن يدعم مثل هذه المبادرات ذات النفع العام، ويتأكد الأمر بالنسبة للمنحدرين من ولاية الحوض الغربي التي أطلقت فيها الآن مبادرة من هذا النوع، فعلينا كأبناء لهذه الولاية ـ وبغض النظر عن توجهاتنا وتخندقاتنا السياسية ـ أن ندعم مبادرة أطر وأصدقاء الحوض الغربي بكل ما هو متاح لدينا من وسائل الدعم، أن ندعمها بالمال من خلال التبرع للقائمين عليها، والتبرع مفتوح الآن، وسيفتح بشكل أوسع من خلال الحفل الخيري الذي سينظم في إحدى القنوات المحلية يوم الأحد الموافق 02 فبراير 2020، وأن ندعمها كذلك بالجهد الميداني و بالأفكار والمقترحات.
إن تنظيف مدينة لعيون لن يكون ـ حسب وجهة نظري الخاصة ـ هو التحدي الأكبر للقائمين على هذه المبادرة، فمن الراجح بأن المبادرة ستنجح في ذلك، كما نجحت مبادرة أطر تجكجة في تنظيف المدينة، ولكن التحدي الأكبر سيكون هو المحافظة على نظافة المدينة، ولن يكون بالإمكان المحافظة على نظافة المدينة إلا إذا كانت هناك خطة متكاملة تؤازرها استمرارية في العمل لضمان عدم تراكم القمامة من جديد. 
إن أهم شيء يجب التركيز عليه هو توعية سكان المدينة، فهذه القمامة التي تراكمت في المدينة لم تأت من خارجها، وإنما تراكمت نتيجة لسلوك خاطئ ولتصرفات غير مدنية تعود عليها سكان المدينة.
إن تنظيف المدينة والحفاظ على نظافتها يحتاج إلى تغيير عقليات وسلوك سكان المدينة، ويحتاج كذلك إلى مشاركتهم الميدانية، ويمكن في هذا المجال الاستفادة من بعض الأفكار والتجارب التي أثبتت نجاعتها في دول أخرى مع العمل على تطوير تلك الأفكار والتجارب حتى تتناسب  مع حالتنا الموريتانية البالغة التعقيد.
ومن الأفكار التي قد تكون مفيدة في هذا المجال:
1 ـ تخصيص يوم من كل شهر لنظافة المدينة على أن يشارك في ذلك اليوم أكبر عدد ممكن من سكان المدينة. هذا اليوم يمكن أن يكون أول سبت أو أحد من الشهر، كما يمكن التفكير في يوم الجمعة لإشراك الأئمة والمصلين في تنظيف المدينة. في رواندا وعاصمتها كيغالي تعد من أنظف المدن في العالم هناك تجربة متميزة يمكن أن يستفاد منها في هذا المجال، فهم يخصصون ما بين الساعة الثامنة والساعة الحادية عشر صباحا من يوم السبت الأخير من كل شهر للنظافة، وتسهم كل أسرة رواندية بواحد على الأقل من أفرادها، على أن يتراوح عمره بين 18 و65 عاما.
2 ـ توزيع المدينة إلى أحياء وتجمعات صغيرة، على أن يكون لكل حي أو لكل تجمع سكني مجلس حي يتولى تنظيف حيه، ومنع رمي القمامة داخل ذلك الحي في غير الأمكنة المخصصة لجمع القمامة .. في رواندا يقسمون الحي إلى خلايا صغيرة، وتتكون الخلية من عشرة مساكن على الأقل.
3 ـ إشراك تلاميذ المدارس في عمليات التنظيف، فمن المهم جدا أن يتعود التلاميذ في وقت مبكر على المشاركة في مثل هذه الأنشطة التطوعية. يمكن لتلاميذ كل مدرسة أن يتولوا تنظيف مدرستهم ومحيطها السكني المجاور.
4 ـ من المهم جدا خلق تنافس بين الأحياء والمدارس وحتى بين البلديات  في مجال النظافة،على أن تكون هناك جوائز وأوسمة تكريمية يقدمها القائمون على المبادرة للمدرسة أو للحي الأكثر نظافة في المدينة.
ختاما
يمكن لمدينة لعيون أن تتحول إلى مدينة نظيفة، ويمكن لها أن تصبح هي وتجكجة مثالا يحتذى به في هذا المجال، ويمكن لكل ذلك أن يتحقق إذا ما تم التنسيق الجيد بين مبادرة الأطر وشباب المدينة الذي أبلى بلاء حسنا في تنظيف المدينة خلال الفترة الماضية والبلدية التي تبذل جهودا كبيرة في هذا المجال رغم ضعف إمكانيتها ووسائلها.
لندعم مبادرة أطر وأصدقاء الحوض الغربي بالمال والجهد والأفكار، ولنعمل معا من أجل أن تصبح مدن ولايتنا من أنظف مدن الوطن، وفي مثل ذلك فليتنافس المتنافسون.      

حفظ الله موريتانيا..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق