الخميس، 5 أغسطس 2021

أين رجال الأعمال والوجهاء والأطر؟


تعودنا من رجال أعمالنا وأطرنا ووجهائنا أن يزاحموا السكان المحليين في مدنهم وقراهم إذا ما كانت هناك زيارة لفخامة الرئيس، وتعودنا في مثل تلك الأوقات أن تطغى على واجهة المواقع أخبارا من قبيل : "الوجيه الفلاني يبذل جهودا جبارة في سبيل إنجاح زيارة الرئيس"؛ "الحلف المحلي الفلاني
يحشد أنصاره لاستقبال الرئيس" ؛ "رجل الأعمال الفلاني يتكفل بضيافة كل الوفود المستقبلة للرئيس"، وهكذا..

من المؤكد أن مثل هذا النوع من الأنشطة الكرنفالية، والذي تُنفق عليه أموال طائلة لا يخدم في حقيقة الأمر زيارات الرئيس. إن أهم ما يخدم زيارات الرئيس، هو أن يترك الرئيس يطلع بنفسه على أحوال الساكنة المحلية. أما مزاحمة الساكنة المحلية ومحاولة حجب همومها ومشاكلها من طرف أطر ووجهاء ورجال أعمال يقيمون في العاصمة نواكشوط، ولا يذهبون إلى مدنهم وقراهم إلا في مثل هذه المواسم، يأتونها وهم يلبسون أحسن الثياب، ويمتطون أفخر السيارات، ولا تبدو عليهم آثار السفر، ولا تعرفهم الساكنة المحلية والتي لا يتواصلون معها إلا في مثل هذه المناسبات، أما مزاحمة الساكنة المحلية من طرف هؤلاء فلن يُفيد في إنجاح الزيارات، بل بالعكس من ذلك، فهو يؤدي إلى إفشالها.

بالأمس تحدث الناطق الرسمي باسم الحكومة خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي عن جائحة كورونا، وقال إن فخامة رئيس الجمهورية أعطى أوامره للجنة الوزارية المكلفة بمتابعة كورنا بالبقاء في حالة انعقاد دائم، لمتابعة الوضع الوبائي في البلد، واتخاذ ما يلزم من إجراءات. وأضاف أن اللجنة اتخذت جملة من الإجراءات سيكون من بينها تنظيم أسبوع وطني للتلقيح.

الآن لنطرح هذه الطائفة من الأسئلة: أين هم رجال الأعمال والوجهاء والأطر؟ ولماذا لم يُطلقوا مبادرات في العاصمة نواكشوط لحث المواطنين على أخذ اللقاح؟ ولماذا لم نسمع عن قوافل من رجال الأعمال والأطر والوجهاء تتجه الآن إلى ولاياتنا الداخلية لحث المواطنين على التلقيح؟ ولماذا يتكرر ظهور رجال أعمالنا وأطرنا ووجهائنا في مدنهم وقراهم خلال المواسم السياسية، ويغيبون عنها ـ وبشكل كامل ـ في مثل هذه الأوقات الصحية  الصعبة؟ فلماذا لم نسمع عن تنظيم الحلف المحلي الفلاني لحملة تحسيسية في القرية أو المدينة الفلانية؟ ولماذا لم نسمع أن فلانا من رجال أعمالنا قد قرر التكفل بنقل كل ساكنة قريته إلى أقرب مركز للتلقيح؟ ولماذا لم نسمع عن مبادرة أطر المدينة كذا لتلقيح ألف مُسِن من ساكنة تلك المدينة؟

لنُلخص كل تلك الأسئلة أعلاه في سؤال واحد : لماذا لا يتنافس رجال أعمالنا ووجهائنا وأطرنا إلا في المبادرات السلبية، ولماذا يغيبون دائما عندما تكون هناك حاجة ماسة لإطلاق مبادرات إيجابية؟

على الأطر والوجهاء ورجال الأعمال أن يعلموا أن الدعم الجدي والحقيقي لفخامة رئيس الجمهورية يتمثل حصرا في مساعدته في تحقيق برنامجه الانتخابي، وإعانته في مواجهة جائحة كورونا التي أربكت دول العالم كلها، والتي لا شك أنها تشكل تحديا حقيقيا لبلادنا.

إن حملات التلقيح لا يمكن تحويلها إلى حملات كرنفالية، فالأمر هنا يتعلق بأنشطة يمكن للجهات المختصة أن تُقومها في أي وقت، وذلك من خلال معرفة الأعداد التي أخذت اللقاح في كل قرية أو مدينة، ومتى زادت تلك الأرقام، فهل تزامنت تلك الزيادة مع الإعلان عن انطلاق المبادرة كذا مثلا؟

ربما تكون صعوبة تحويل حملات التطعيم إلى حملات كرنفالية، هو الذي أدى إلى تقاعس رجال أعمالنا ووجهائنا وأطرنا عن إطلاق مبادرات في هذا المجال، ذلك أن رجال أعمالنا ووجهائنا وأطرنا لا يتحمسون إلا في فترة المواسم الكرنفالية، ولا يبدعون إلا في المبادرات سيئة الصيت، والتي يكون ضررها على المجتمع وعلى الوطن وعلى الرئيس أكثر من نفعها.  

فيا رجال أعمالنا ويا أطرنا ووجهاءنا : من أراد منكم أن يخدم فخامة الرئيس حقا، ويعينه في مهامهم الجسيمة، فليطلق الآن مبادرات جدية لحث المواطنين على الأخذ بالإجراءات الاحترازية، وإلى المسارعة في أخذ اللقاح.

تقول الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة بأن الأيام السبعة الأخيرة قد تم فيها تسجيل : 34 حالة وفاة بسبب كوفيد ـ19 و2240 إصابة جديدة ، ويعني هذا بلغة المتوسطات الإحصائية أنه في كل 5 ساعات تسجل حالة وفاة جديدة في بلادنا بسبب كوفيد ـ 19، وأنه في كل 4 دقيقة ونصف تسجل حالة إصابة جديدة بسبب هذا المرض.

إنها أرقام مقلقة جدا، ولذا فعلينا أن نتحرك جميعا ـ ومن الآن ـ لمواجهة الموجة الثالثة من هذا الوباء، والتي تُعتبر حتى الآن من أشد موجات هذا الوباء خطورة، فالسلالة الجديدة هي السلالة الأسرع انتشارا والأشد فتكا.

حفظ الله موريتانيا... 

الأحد، 1 أغسطس 2021

عامان من حكم الرئيس ..قراءة تحليلية معمقة (1)


سأحاول في هذه السلسلة من المقالات أن أقدم قراءة تحليلية معمقة، وأن أضع في ميزان التقييم أو التقويم التحليلي حولين كاملين من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، سأستعرض في هذه القراءة ما تحقق من إنجازات، وما لم يتحقق، وسأختمها بحزمة من المقترحات أرى بأن العمل بها قد بات ضروريا وملحا بعد مرور 40% من المأمورية الأولى للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

قد يكون من المهم، ومن قبل البدء في تقديم حصيلة عامين من مأمورية الرئيس، أن أتحدث عن بعض النقاط التمهيدية الهامة المرتبطة بعملية التناوب السلمي على السلطة، والتي كثيرا ما تغيب عن تحليلات المهتمين بالشأن العام، وذلك على الرغم من أهميتها. ولأن هذه الحلقة حلقة تمهيدية، ولأنها ستركز على عملية التناوب وظروف استلام السلطة، فإنها ستعطي مساحة واسعة للحديث عن الرئيس السابق، على أن يتوقف الحديث عنه نهائيا في الحلقات القادمة إن شاء الله.  

بعض هذه النقاط الغائبة عن التحليلات المتداولة يمكن تصنيفها على أنها  فرص أو نقاط قوة تحسب لصالح الرئيس، وبعضها الآخر يمكن تصنيفه على أنه تحديات أو عوائق واجهت الرئيس خلال ما مضى من مأموريته.

1 ـ  نقاط القوة والفرص

1ـ1  تحقيق التناوب السلمي على السلطة وتأمينه : قد لا يُدرك الكثير من عامة الناس، ولا حتى من النخب، أهمية تحقيق التناوب السلمي على السلطة، وأهمية تأمين ذلك التناوب وتحصينه في بلد كبلدنا، يوجد في منطقة غير مستقرة سياسيا وأمنيا، ومعرض لأن يكون محل أطماع دول أخرى في أول لحظة يعرف فيها حالة عدم استقرار سياسي وأمني.

إن القراءة التحليلية المعمقة لبعض ما جرى من أحداث خلال السنتين الماضيتين، ولبعض أحداث السنة الأخيرة من حكم الرئيس السابق لتؤكد أن الرئيس السابق كان يفكر ويخطط بالفعل للبقاء في السلطة من بعد خروجه منها، وكان يمتلك لذلك ثلاث أوراق بالغة التأثير: أول هذه الأوراق ورقة حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، ولعلكم تذكرون أن الرئيس السابق المؤسس لهذا الحزب قد قاد بنفسه حملة الحزب خلال انتخابات سبتمبر 2018، وأنه لم يقبل من أنصاره أن يترشحوا من خارجه، وأنه قال بأنه على كل من يريد مأمورية ثالثة أن يصوت بكثافة لمرشحي الحزب. ولعلكم تذكرون أيضا أنه ترك الحزب دون رئيس وبلجنة تسيير مؤقتة، وقد راج حينها أن مؤتمر الحزب القادم سينبثق عنه مجلس رئاسي أعلى يترأسه رئيس الحزب الذي يفترض أن يكون هو الرئيس السابق، وبعضوية الوزير الأول ورئيس البرلمان، والأمينين التنفيذيين المكلفين بالشؤون السياسية والشؤون الانتخابية. يعني هذا أن المجلس الرئاسي الأعلى للحزب في حالة تشكله كان سيجعل من رئيس الحزب رئيسا فعليا للبلاد، وذلك من خلال تحكمه الكامل في السلطة التشريعية (البرلمان)، وتحكمه شبه الكامل في السلطة التنفيذية (الحكومة).

لقد بات واضحا بعد كل الذي عشناه من أحداث خلال السنوات الثلاث الأخيرة أن الرئيس السابق كان يخطط بالفعل للبقاء في السلطة من خلال ورقة الحزب الذي أراد أن يفصله ويعيد هيكلته على مقاس رئيس سابق يريد أن يفرض مأمورية ثالثة من خلال "حزب حاكم"، وذلك هو ما يفسر عودة الرئيس السابق إلى أرض الوطن وردة فعله غير المدروسة، عندما بدأت قضية المرجعية تُطرح، فطرح تلك القضية جعله يشعر أنه بدأ يفقد السيطرة على الحزب الذي كان يمثل أقوى الأوراق لديه لفرض بقائه في السلطة.

ثاني الأوراق التي كانت ستضمن للرئيس السابق مستوى معينا من التأثير في السلطة تتمثل في علاقته ببعض الأجهزة العسكرية والأمنية، وخاصة منها الحرس الرئاسي الذي يُعتبر أيضا هو مؤسسه. أما الورقة الثالثة التي قد تَضْمَن هي الأخرى مستوى معينا من التأثير على السلطة فهي المال، فمن المعروف أن المال قد أصبح له تأثيرا قويا على القناعات والاصطفاف السياسي في هذه البلاد، والرئيس السابق كان قد اعترف في أكثر من مرة بأنه يمتلك ثروة طائلة، وربما تكون قناعة الرئيس السابق بقدرة المال على التأثير السياسي هي واحدة من الأسباب التي جعلته يحرص على جمع الكثير المال خلال فترة رئاسته.

هذه الأوراق الثلاث البالغة التأثير كانت ستمكن الرئيس السابق من فرض نوع من الوصاية على الرئيس الذي سيأتي من بعده، وبالتالي التأثير القوي على مسار الأحداث، خاصة وأنه بالإضافة إلى امتلاكه لتلك الأوراق الثلاث المؤثرة، يمتلك أيضا ما يكفي من الجرأة والطموح لاستخدامها في كل ما من شأنه أن يضمن له البقاء في السلطة . إن الاستنتاج المتماسك منطقيا وتحليليا والذي يمكن أن نخرج به هنا هو أن الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه أن يُحَيِّد تلك الأوراق الثلاث المؤثرة، ويبطل مفعولها فيجعلها عديمة التأثير هو الرئيس الحالي، وذلك لما يمتلك من نقاط قوة : ثقة المؤسسة العسكرية؛ ثقة الحزب وموريتانيا الأعماق؛ العلاقة الطويلة والمعرفة الدقيقة بالرئيس السابق. يمكنني أن أجزم تحليليا ـ وبناءً على القراءة المتأنية لكثير من الأحداث التي عشناها بعد تنصيب الرئيس الحالي ـ أنه لو تولى الرئاسة في موريتانيا في فاتح أغسطس من العام 2019 أيُّ شخص آخر غير الرئيس الحالي، حتى ولو كان من رجالات الدولة الكبار، لكنا اليوم أمام واحد من احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن يتمكن الرئيس السابق من تحقيق طموحاته ويكون في هذا الوقت الحالي يمارس وصاية كاملة على خلفه، وذلك بعد أن يكون خلفه قد استسلم لتلك الوصاية استسلاما كاملا، وإما أن تكون البلاد ـ وهذا هو الاحتمال الثاني ـ  قد دخلت في أزمة سياسية وربما أمنية بالغة التعقيد في حالة عدم خضوع الرئيس الخلف لوصاية الرئيس السابق.

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أن التناوب الآمن على السلطة لم يكن ليتحقق ويُحصَّنَ لو كان خَلفُ الرئيس السابق أي رئيس آخر غير الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهذا الأمر أظنه كان واضحا لكل متابع فطن للشأن العام، يقرأ الأحداث قراءة معمقة بعيدا عن السطحية والمزاجية.

إليكم هذه الفقرة من مقال : "من هو رئيس موريتانيا القادم؟" والذي كنتُ قد نشرته قبل إعلان ترشح محمد الشيخ الغزواني بنصف سنة تقريبا..تقول هذه الفقرة وبالحرف الواحد : " لن يكون تسويق ولد غزواني صعبا، لاعتبارات عدة، فالجيش سيقبل به، والشركاء في الخارج سيرضون به، والموالاة ستلتف حوله، بل إنه قد يأخذ نصيبا من جماهير المعارضة وهذا ما سنبينه في فقرة لاحقة، ولكن المشكلة التي تؤرق ولد عبد العزيز هي أن ولد غزواني في حالة ترشيحه وفوزه سيصبح رئيسا فعليا، وذلك لأن لديه من الفرص والمؤهلات ما يمكنه من ذلك، وهو لن يحتاج لولد عبد العزيز ليكون وسيطا بينه مع الجيش أو مع الغرب أو مع الأغلبية الداعمة، ولذلك فإن ولد غزواني بعد فوزه سيحدُّ وبشكل تدريجي وفعَّال من نفوذ ولد عبد العزيز، وهنا تتجسد مخاوف ولد عبد العزيز من ترشيح ولد غزواني." انتهى الاستشهاد.

1ـ2 الانتقال الآمن من "الديمقراطية العسكرية" إلى "الديمقراطية المدنية":

قد يُلاحظ في هذا المقال تكرر كلمة "الآمن" كلما تم استخدام كلمات من قبيل التناوب والانتقال والإصلاح والتغيير، والحقيقة أن هذه الكلمة قد أصبحت لازمة عندي بعد اندلاع ما عُرف بثورات الربيع العربي، وما أعقب تلك الثورات من عدم استقرار سياسي وأمني في العديد من البلدان. لقد أثبتت هذه الثورات أن المطالبة بالتغيير والإصلاح والتناوب يجب أن تعقبها دائما كلمة "آمن"، فالتغيير غير الآمن قد يكون ضرره أكثر بكثير من ضرر عدم التغيير، والإصلاح غير الآمن قد يكون ضرره أكثر بكثير من ضرر عدم الإصلاح، وهكذا...

لاشك أننا في هذه البلاد التي عرفت الكثير من الانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة، والتي عرفت أيضا تدخلا مباشرا وغير مباشر من طرف بعض العسكريين في المسار الديمقراطي، لا شك أننا في هذه البلاد بحاجة إلى انتقال متدرج وآمن من الديمقراطية التي يتحكم فيها العسكريون إلى ديمقراطية مدنية خالصة. وفي اعتقادي الشخصي أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو الأكثر قدرة على تحقيق هذا الانتقال الآمن، وذلك لكونه محل ثقة المؤسسة العسكرية، ولأنه ظل خلال العقد الماضي بعيدا عن ممارسة السياسة بشكل مباشر على عكس الكثير من القادة العسكريين، ثم إنه استطاع ـ وفي وقت قصير جدا من بعد وصوله إلى السلطة ـ أن يفتح قنوات اتصال مع كل الطيف السياسي.  

كل هذه الميزات تجعل من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو الرئيس الأكثر قدرة على تحقيق انتقال آمن من الديمقراطية العسكرية إلى الديمقراطية المدنية، ويمكن أن توضع قواعد هذا الانتقال وضوابطه خلال التشاور المنتظر إن استشعرت الطبقة السياسية أهمية ذلك.

إن الانتقال الآمن من "الديمقراطية العسكرية" إلى "الديمقراطية المدنية" ليس مسألة سهلة، وهناك حالات إخفاق كثيرة  في العديد من بلدان المنطقة، ولعل المثال الأبرز هو ما حدث في مصر بعد الثورة، ومن بعد فوز الرئيس الراحل محمد مرسي رحمه الله، وقد كنتُ من الذين ارتاحوا كثيرا لذلك الفوز، ولكن ما حدث بعد ذلك جعلني أتساءل: ألم يكن من مصلحة مصر وديمقراطيتها المتعثرة أن يفوز أحمد شفيق بالرئاسة؟

الراجح عندي أن فوز أحمد شفيق وهو ابن الدولة العميقة وابن المؤسسة العسكرية وابن النظام، كان سيجنب مصر انقلاب 3 يوليو 2013، فأحمد شفيق يعرف جيدا كيف يحمي نفسه من فلول نظام هو أحد رجالاته، وكان فوزه سيمكن في نفس الوقت من تحسين حال مصر على المستوى الديمقراطي ..صحيح أن ذلك الفوز لن يحقق طموح ومطالب الثورة، ولكنه مع ذلك كان سيسير بمصر في الاتجاه الصحيح، وكان سيطور ـ وبشكل آمن ـ من ديمقراطيتها. لقد كانت مصر تحتاج في تلك الفترة لرئيس يمتلك خبرة و رؤية إصلاحية، وله علاقة ما  بالدولة العميقة والمؤسسة العسكرية، أي أنها كانت بحاجة إلى رئيس من طينة أحمد شفيق. فاز محمد مرسي وارتكب بعض الأخطاء لنقص في التجربة، وتآمر عليه العسكر والدولة العميقة، وتم في نهاية المطاف الانقلاب عليه، وكان في المحصلة أن عادت التجربة الديمقراطية في مصر سنين عديدة إلى الوراء.

ما يمكن قوله كخلاصة لهذه الفقرة هو أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو الرئيس الأكثر قدرة لقيادة انتقال آمن من "الديمقراطية العسكرية" إلى "الديمقراطية المدنية".

1ـ 3 غياب البديل الجاهز: لو فشل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في مأموريته الحالية لا قدر الله، فإن موريتانيا ستدخل في نفق مظلم لا أحد يعرف كيف ستخرج منه، وذلك لعدم جاهزية بديل في الوقت الحالي، فالمعارضة لم تتمكن خلال العقد الماضي من خلق قيادات بديلة بعد تراجع أو انتهاء دور قادتها التاريخيين، والأغلبية حالها معروف، ومن هنا فإن موريتانيا لا قدرة لها على تحمل أي فشل جديد، وهذا أمرٌ يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الرئيس محمد الشيخ الغزواني، ويزيد أيضا من حجم مسؤولية النخب التي يفرض عليها الواجب الوطني العمل من أجل تجنب أي فشل جديد.

2 ـ  التحديات والعوائق

واجه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعض التحديات والعوائق خلال العامين الماضيين من مأموريته، بعض تلك التحديات والعوائق وجدت من يتحدث عنها، وأخذت حظها من التداول الإعلامي، كما هو الحال بالنسبة لجائحة كورونا، ولذلك فلن أتحدث عنها في هذه القراءة التحليلية، وبعضها الآخر لم يجد من يتحدث عنه، بل إنه قد لا يجد من يستشعره أصلا، ولذا فسيتم التركيز عليه في هذه القراءة التحليلية.

2ـ1 غياب حافز الإنجاز السريع لتعويض النقص في الشرعية: من المعروف أن كل رؤساء موريتانيا وصلوا إلى السلطة بشرعية غير مكتملة، حتى سيدي ولد الشيخ عبد الله رحمه الله، وهو أول رئيس مدني منتخب،  لم يسلم من التشكيك في شرعية وصوله إلى الحكم من طرف أقوى حزب معارض في ذلك الوقت.

وعلى العكس من الرؤساء السابقين فإن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي تم وصفه في الحملة الانتخابية بمرشح الإجماع قد قُوبل وصوله إلى الرئاسة باعترافِ ثمينِ ـ سبقه تردد قصير ـ من أهم منافسيه في الانتخابات الرئاسية. كما حصل أيضا على اعتراف من كل الطيف السياسي، وتهدئة من طرف المعارضة، ولا تُشَكك اليوم أي جهة سياسية معروفة في شرعية وصوله إلى السلطة. صحيحٌ أن لهذا الإجماع الوطني على شرعية الرئيس محمد الشيخ الغزواني فوائده الكثيرة، ولكن الصحيح أيضا أن نقص الشرعية قد يتحول في الكثير من الأحيان إلى  حافز قوي وإلى دافع حقيقي لتحقيق إنجازات سريعة وملموسة من أجل تعويض ذلك النقص في شرعية الوصول إلى الحكم، وسواء كان ذلك الوصول قد تم عن طريق انتخاب أو عن طريق انقلاب. إن أي نقص في الشرعية يتولد عنه ـ وبشكل تلقائي ـ حافز قوي لتحقيق إنجازات سريعة وملموسة لتعويض ذلك النقص، ولذا ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن أهم إنجازات الرئيس السابق كانت خلال مأموريته الأولى، وأهم إنجازاته في المأمورية الأولى كانت خلال السنة الأولى التي أعقبت انقلابه على رئيس منتخب.

إن غياب هذا الحافز هو الذي جعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يُنجز وفق وتيرة حدَّدها هو في برنامجه الانتخابي، لا وفق الوتيرة السريعة التي يتوقعها المواطنون الذين تعودوا على إنجازات سريعة وملموسة لتعويض النقص في الشرعية مع  قدوم أي رئيس جديد.

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أنه خلال العامين الماضيين من مأمورية الرئيس كان هناك غياب ملاحظ للإنجازات السريعة التي يُراد منها تعويض النقص في الشرعية.

2ـ2 ملف فساد العشرية : لم يُفتح في هذه البلاد ملف فساد بحجم ملف فساد العشرية الذي شمل رئيسا سابقا ووزيرين أول وعدد معتبر من الوزراء وكبار المسؤولين. إن هذا الملف يعدُّ من الملفات الكبيرة جدا، وستكون له انعكاساته الإيجابية الهامة مستقبلا، فترسيخ ثقافة مساءلة الرؤساء وكبار المسؤولين وصغارهم هي أنجع وسيلة للحد من الفساد الذي استشرى في هذه البلاد، ولكن كل ذلك لا يعني عدم وجود كلفة، لابد وأن تدفع مسبقا،  عند فتح هذا النوع من الملفات الكبيرة من طرف رئيس جديد لم يُكمل عامه الثاني في الحكم.

وكما بينا في النقطة الأولى من التحديات والعوائق فإن الكثير من المواطنين كان يريد إنجازا سريعا على مستوى هذا الملف، وذلك على طريقة ما كان يحدث سابقا (لو كان الرئيس الذي جاء بعد الرئيس السابق قد وصل إلى الحكم بشرعية ناقصة لكان أول شيء سيفعله لتعويض ذلك النقص في الشرعية هو وصف النظام السابق بالنظام البائد، وسجن الرئيس السابق دون أي تحقيق أو محاكمة وفي أول يوم من ممارسة السلطة). في ملف فساد العشرية غابت سرعة الإنجاز، فاتخذ الملف مسارا بطيئا لم يعهده الموريتانيون في مثل هذه الملفات، ولكن هذا المسار البطيء رغم ما يكلف من جهد ووقت وتركيز، ورغم ما يتسبب فيه من إرباك، سيبقى هو المسار السليم الذي يجب أن يعتمده الرئيس الذي يطمح لبناء دولة المؤسسات، ويرفع  شعار الفصل بين السلطات.

إن فتح ملف فساد العشرية، وتسييره بالعرض البطيء الذي تابعنا (تحقيق برلماني ـ تحقيقات الشرطة ـ تحقيقات القضاء)، أطالت عمر الملف، وأربكت المشهد، واستنفدت الكثير من وقت وجهد وتركيز نظام قيد التشكل لم يكمل عامه الثاني في الحكم، وكان ذلك ـ وبطبيعة الحال ـ على حساب ملفات أساسية أخرى لها انعكاسات مباشرة على المواطنين.

وإذا كان هذا الملف قد أخذ الكثير من جهد ووقت وتركيز السلطة الحاكمة خلال الفترة الماضية، وتسبب في بعض الأحيان في حالات إرباك، إلا أن المتضرر الأول منه سيبقى الرئيس السابق الذي أصر على الدخول في معركة خاسرة كلفته حتى الآن الكثير، وربما تكلفه مستقبلا أكثر، وأرجو أن تسمحوا لي هنا بفتح قوس طويل، بل طويل جدا.

لقد كنتُ من الذين يسعون ـ وبصدق ـ لخروج آمن للرئيس السابق من السلطة، وذلك على  الرغم من معارضتي له، ولذا فقد كنتُ أتمنى أن تتم تسوية هذا الملف من قبل خروجه من السلطة. وأنا من الذين يرون أن الرئيس السابق، ورغم أخطائه العديدة، قد ترك خلفه إنجازات ملموسة على الأرض، ولذا فهو يستحق أن يعيش من بعد خروجه من السلطة في وطنه معززا مكرما وذلك بصفته رئيسا سابقا للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

لقد طلبتُ من الرئيس السابق في سنتي حكمه الأخيرتين وفي أكثر من مقال أن يُسَيِّرَ ما تبقى من مأموريته الثانية تسيير مُوَدِّع للسلطة لا مُخلَّد فيها، وهو الشيء الذي كان يتطلب في نظري التهدئة مع المعارضة، ومعالجة بعض المظالم، وخاصة منها ما يتعلق برجال الأعمال، ومحاولة تصحيح ما يمكن تصحيحه من فساد واختلال في التسيير، هذا فضلا عن تهيئة الأجواء لانتخابات تشريعية ورئاسية يرضى الجميع بنتائجها.

للأسف الشديد لم يتصرف الرئيس السابق في آخر فترة حكمه تصرف مُوَدِّع، بل على العكس من ذلك، فقد زاد من مستوى الصدام مع المعارضة ومع بعض رجال الأعمال، كما زاد من حجم الفساد والاختلال في التسيير.

لقد حاولتُ بما هو متاح لي من وسائل متواضعة أن أنبه الرئيس السابق إلى أهمية التهدئة السياسية وتصحيح الاختلالات في تسيير العشرية، إن كان يريد خروجا آمنا من السلطة، وبلغ بي الحماس في هذا المجال إلى أن أعلنتُ في مقال منشور في يوم 27 ديسمبر 2018 عن استعدادي لإطلاق مبادرة لترشيحه لأغلى جائزة في العالم (جائزة مو إبراهيم)، إن هو تَصَرَّفَ تَصَرُّف مودع في آخر أيامه في الحكم.

وللعلم فإن جائزة مؤسسة مو إبراهيم  تبلغ 5 مليون دولار، وهي خاصة بالقادة الأفارقة الذين تركوا السلطة، وحققوا تناوبا سلميا في بلدانهم، وقد حصل عليها حتى الآن الرئيس محمد يوسوفو من النيجر (2021)؛ والرئيسة إلين جونسون سيرليف من ليبيريا (2017)؛ والرئيس هيفيكيبوني بوهامبا من ناميبيا (2014)؛ والرئيس بيدرو بيريس من كابو فيردي (2011)؛ والرئيس فيستوس موغاي من بوتسوانا (2008)؛ والرئيس جواكيم تشيسانو من موزامبيق (2007)؛ ومُنحت  فخرياً للرئيس نيلسون مانديلا عند إطلاقها في عام (2007). وقد حُجبت لسنوات متفرقة لعدم وجود مترشح مؤهل لها، ومن بين السنوات التي حجبت فيها العام 2019، والذي كان قد خرج فيه الرئيس السابق من السلطة.

كان من مصلحة الرئيس السابق من قبل خروجه من السلطة أن يُهدئ الصراع مع خصومه السياسيين، وأن يعالج بعض المظالم، وأن يصحح ما يمكن تصحيحه من الاختلالات التسييرية التي عرفتها العشرية، وإذا كان لا يريحه "التقاعد السياسي المبكر"، فقد كان بإمكانه أن يتقدم لمثل هذه الجائزة ولغيرها، وأن يترشح لمناصب دولية يخدم من خلالها بلده، ويزيد فيها من رصيده الشخصي، ومن المؤكد أن رئيسا مثله خرج من السلطة بعد انتهاء مأموريتيه، وكان قد نظم قمما عربية وافريقية خلال فترة رئاسته، لن يعدم منصبا إقليميا أو دوليا، ولا أظن أن خَلَفَهُ كان سَيُقصِّر في ترشيحه باسم موريتانيا لمثل تلك المناصب. ومن المؤكد كذلك أن الدعوات للمشاركة في الندوات واللقاءات الإقليمية والدولية التي تهتم بالديمقراطية والتناوب السلمي على السلطة، لم تكن لتتأخر عنه بوصفه رئيسا عربيا وإفريقيا سابقا خرج "طواعية" من السلطة من بعد انتهاء مأموريتيْه.

لقد ارتكب الرئيس السابق أخطاءً كثيرة في حق نفسه، وكان آخرها إصراره على ممارسة السياسة من بعد خروجه من السلطة. إن ما عجز الرئيس السابق عن تحقيقه خلال عشر سنوات وزيادة من التفرد بالحكم، لن يستطيع تحقيقه من خلال ممارسة السياسة وهو خارج السلطة، ثم إن الرئيس الحالي لم يكن يتدخل للرئيس السابق في إدارة البلد خلال عشريته، ولذا فمن حقه هو أيضا ومن بعد انتخابه أن يسير البلد وفق رؤيته الخاصة به، ودون أي تدخل من الرئيس السابق.

 أذكر أني في يوم 22 يوليو 2019، ومن قبل التنصيب بعشرة أيام، نشرتُ مقالا تحت عنوان : " أي دور لولد عبد العزيز في المرحلة القادمة؟". ولقد بينت في هذا المقال أن الرئيس السابق سيخرج من السلطة ويداه خاليتان من أي ورقة ضغط فعالة  يمكن أن يضغط بها على خلفه، وأن من مصلحته أن يُحافظ على الثقة مع خلفه وأن يعززها، وأن يبتعد بشكل كامل عن السياسة والإعلام، وكانت هذه هي خاتمة المقال المذكور: " تقول الفرضية الأنسب بأنه على الرئيس المنتهية ولايته أن يخرج بشكل كامل من المشهد السياسي فذلك هو الأسلم له ولموريتانيا، وإن هو أصر على ممارسة "حقه" السياسي، فسيكون من حق خصومه السياسيين أن يصروا هم أيضا على ممارسة حقوقهم السياسية، ومن تلك الحقوق المطالبة بفتح تحقيق شامل حول تسيير شؤون البلاد خلال العشرية الماضية." انتهى الاستشهاد.

وأذكر أيضا أني وجهتُ كلاما بنفس المضمون لمن يعتبرون أنفسهم من مناصري الرئيس السابق، وكان ذلك من خلال مقال نشرته من قبل عودة الرئيس السابق إلى أرض الوطن، وتحديدا في يوم 15 أكتوبر 2019، وكان تحت عنوان "ومن المناصرة ما قتل "، وقد جاء فيه وبالحرف الواحد :" إن أي محاولة لفرض أي دور سياسي للرئيس السابق ستفشل، ولن يكون من نتائجها إلا أنها ستجعل الرئيس السابق هدفا سهلا ومكشوف الظهر للنيران الصديقة ولنيران الخصوم، ولذلك فإن أكبر خدمة يمكن أن تُقَدَّم للرئيس السابق ـ لمن تهمه بحق مصلحة الرئيس السابق ـ  هي أن يُبعد اسمه عن التداول اليومي، وعن النقاش السياسي الدائر حاليا، وأن يتركه يواصل ـ وبأمان ـ تنقلاته بين الدول الأوروبية." انتهى الاستشهاد.

لم تتوقف المحاولات عند هذا الحد، بل وصل الأمر في بعض الأحيان، وفي إطار مبادرة مشتركة مع صديق مقرب جدا من الرئيس السابق، أن تم الوعد بلقاء معه، وقد كنتُ عازما أن أحدثه بمضمون الكلام أعلاه، وبعيدا عن الإعلام، ولكن، وفي آخر لحظة تم إلغاء اللقاء، ولأسباب لم تُفسر لي حتى الآن.

انتهى القوس الطويل جدا، والذي كنتُ قد فتحته مع التحدي الثاني.

2ـ3 عدم بلورة خطاب سياسي جديد على مقاس الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونظامه الحاكم: لم يتمكن الجناح السياسي والإعلامي للنظام حتى الآن من بلورة خطاب سياسي مفصل على مقاس نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي يُفترض فيه أنه قد بدأ يتشكل منذ فاتح أغسطس 2019. كما أن هذا الجناح لم يستطع حتى الآن أن يُبرز في واجهته السياسية شخصيات جديدة تُحسب فقط على الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

إنه من الصعب جدا بلورة خطاب سياسي يجمع بين أمرين في غاية التناقض، وهما:

ـ فساد العشرية، والذي يظهر من خلال فتح ملف عن فسادها يعتبر هو أضخم ملف فساد يُفتح في كل تاريخ البلد؛

ـ الاحتفاظ في الوقت نفسه بنفس الواجهة السياسية للعشرية، والتي فُتِح ضدها أضخم ملف فساد في تاريخ البد.

ختاما

إليكم أهم الاستنتاجات التحليلية التي يمكن أن نخرج بها من هذه الحلقة التمهيدية الأولى:

1 ـ أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو الشخص الوحيد الذي كان قادرا على تحقيق التناوب السلمي على السلطة في العام 2019، وعلى تحصين هذا التناوب من كل التهديدات المتوقعة؛

2 ـ أنه هو الأقدر على تحقيق انتقال آمن من "الديمقراطية العسكرية" إلى "الديمقراطية المدنية"؛

3 ـ عدم جاهزية بديل في الوقت الحالي؛

4 ـ غياب ملاحظ للإنجازات السريعة التي يُراد منها تعويض النقص في الشرعية؛

5 ـ استنفاد ملف العشرية للكثير من الوقت والجهد والتركيز، وكان ذلك ـ وبطبيعة الحال ـ على حساب ملفات أساسية أخرى لها انعكاسات مباشرة على المواطنين؛

6 ـ عدم القدرة حتى الآن على بلورة خطاب سياسي جديد، وعدم التمكن من الدفع بواجهة سياسية جديدة تبشر بميلاد نظام جديد في فاتح أغسطس من العام 2019.

يتواصل إن شاء الله..   

حفظ الله موريتانيا... 

الجمعة، 23 يوليو 2021

أين المجلس الأعلى للفتوى والمظالم؟

 


(1)

لقد أصيب المواطن الموريتاني خلال الأيام الماضية بارتباك شديد بسبب تعدد الفتاوى وتناقضها في بعض الأحيان، وكان من اللافت للانتباه في ظل تدفق الفتاوى الذي عشناه خلال الأيام الماضية أن الغائب الوحيد عن إصدار فتوى في القضايا التي أثارت جدلا كبيرا بين علمائنا الأجلاء خلال الأيام الماضية كان هو الهيئة الوحيدة المخولة دستوريا لإصدار الفتاوى!

تقول المادة 94 من الدستور الموريتاني في فقرتها الثالثة: "يكلف المجلس الأعلى للفتوى والمظالم بإصدار الفتاوى، أي الآراء الفقهية، طبقا لتعاليم المذهب المالكي."  

فلماذا غاب المجلس الأعلى للفتوى والمظالم ولماذا لم يصدر فتاوى في القضايا التي أثارت جدلا كبيرا خلال الأيام الماضية؟ ولماذا عندما تحتاج السلطة إلى فتوى لتعطيل صلاة العيد أو صلاة الجمعة بسبب تفشي وباء كورونا تلجأ إلى هيئة كبار العلماء الموريتانيين، وهي  مجرد منظمة مجتمع مدني رغم القيمة الرمزية الكبيرة لأعضائها، ولا تلجأ إلى المجلس الأعلى للفتوى والمظالم، والذي هو مؤسسة دستورية يفترض أنها متخصصة في إصدار الفتاوى؟ ولماذا يحمل أحد علمائنا الأجلاء صفة "مفتي عام الجمهورية الإسلامية الموريتانية"، حتى لدى رابطة العالم الإسلامي، وهو ليس عضوا في المجلس الأعلى للفتوى والمظالم؟

لقد أثبتت الأيام الماضية بأننا بحاجة ماسة إلى ضبط الفتاوى وإلى تنظيمها، فإذا كان المجلس الأعلى للفتوى والمظالم له القدرة العلمية على إصدار الفتاوى فلتترك له هذه المهمة التي حددها لها الدستور، وبذلك تكون هناك جهة رسمية واحدة هي التي تتولى إصدار الفتاوى، وإذا لم تكن له القدرة على ذلك، وكانت هناك إمكانية لخلق تلك القدرة، فليتم تعزيز قدراته الإفتائية بكبار علماء البلد. أما إذا كان عاجزا بشكل كامل عن تأدية هذه المهمة، فليتم إلغاؤه وتوجيه ميزانيته إلى هيئات أو مؤسسات أخرى تؤدي خدمات ملموسة للمواطن الموريتاني.

يبقى أن أقول من قبل أن أختم هذه الفقرة المتعلقة بالفتوى بأن العبادات المرتبطة بالأهلة هي من أهم مصادر تعدد الفتاوى وتناقضها في أيامنا هذه، ولذا فقد وجب إعادة النظر في تشكيل لجنة الأهلة، وفي أساليب عملها، حتى تكون قادرة على وقف هذا الجدل الذي يتجدد دائما مع تحديد أول أيام شهر رمضان من كل عام، وكذلك عند تحديد أيام الأعياد : عيد الفطر، وعيد الأضحى.

ولتجنب تكرار هذا الجدل المتجدد دائما حول رؤية الهلال، فقد يكون من المهم العمل على:

ـ تعزيز اللجنة بالقدرات البشرية التي تحتاجها من أهل الخبرة والاختصاص؛

ـ تمديد وقت استقبال الاتصال باللجنة حتى منتصف الليل، ومثل ذلك الوقت سيكون كافيا في ظل توفر الهواتف لإبلاغ أي رؤية للجنة لمن أراد الإبلاغ عن رؤيته؛

ـ إطلاق حملات واسعة من طرف وزارة التوجيه الإسلامي تستهدف كل المساجد والمحاظر على عموم التراب الوطني تبين ضرورة المسارعة في الإبلاغ عن أي رؤية، وخطورة الحديث العلني عن أي رؤية  بعد تجاوز الوقت المحدد للإبلاغ عنها؛

ـ  التأكيد على ضرورة التزام الجميع بما يصدر عن اللجنة في بياناتها بعد الأخذ بكل التحريات اللازمة، ذلك أن مخالفة اللجنة قد تؤدي إلى شق الصفوف وإرباك عامة المسلمين في هذه البلاد.

(2)

في الفقرة السابقة تحدثنا عن إحدى المهام الدستورية للمجلس الأعلى للفتوى والمظالم، وهي المهمة المتعلقة بإصدار الفتاوى. سنتحدث في هذه الفقرة عن بقية المهام الأخرى.

تقول الفقرة الرابعة من نفس المادة، أي المادة 94 من الدستور الموريتاني، بأن المجلس الأعلى للفتوى والمظالم : "يستقبل مطالبات المواطنين المتعلقة بخصومات عالقة، وذلك في إطار علاقاتهم مع إدارات الدولة، والمجموعات العمومية الإقليمية والمؤسسات العمومية أو أية هيئة تضطلع بمهمة المرفق العمومي."

ويقول المرسوم رقم 134/2012 المنشئ للمجلس والصادر بتاريخ 24 مايو 2012، أن من بين مهامه:

ـ استقبال تظلمات المواطنين المتعلقة بتعاملهم مع الإدارة.

- دراسة التظلمات المقدمة إلى المجلس والتحقيق فيها.

ـ الاتصال المباشر بالقطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المعنية بالتظلمات المرفوعة إلى المجلس، والعمل على إيجاد التسوية النهائية وفقا للعدل والإنصاف.

وبطبيعة الحال فإن هذه المهام قد تم توسيعها بعد التعديلات الدستورية الأخيرة ( 05 أغسطس 2017)،  والتي تم بموجبها دمج وسيط الجمهورية والمجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الأعلى الفتوى والمظالم في هيئة واحدة حملت اسم المجلس الأعلى للفتوى والمظالم.

أذكر أني كنتُ قد كتبتُ في وقت سابق عن وسيط الجمهورية وعن المجلس الإسلامي الأعلى، وأذكر أني قمتُ بعملية بحث واسعة عن أنشطة وسيط الجمهورية في موقع الوكالة الموريتانية للأنباء فوجدتُ أن أنشطته منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وحتى التعديلات الدستورية في العام 2017 كانت تقتصر فقط على حضور حفل رفع العلم الوطني مع كل ذكرى استقلال، والمشاركة في مؤتمرات "جمعية الأمبوديسمان والوسطاء لدول البحر الأبيض المتوسط". أما المجلس الإسلامي الأعلى فأظنه قد قدم استشارة واحدة لرئاسة الجمهورية منذ تأسيسه وحتى إلغائه في العام 2017.

يبدو أن المجلس الأعلى للفتوى والمظالم بنسختيه القديمة والجديدة يسير في نفس الاتجاه، أي الغياب الكامل عن تأدية أي مهام أو خدمات تذكر.

لا يختلف المجلس الأعلى للفتوى والمظالم عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ولا عن المجلس الأعلى للشباب، ولا عن بقية المجالس الأخرى. هذه مجرد مجالس تنفق عليه في كل عام ميزانيات كبيرة، ودون أن تؤدي أي مهام تذكر، ولذا فقد أصبح من الضروري تفعيل هذه المجالس حتى تؤدي المهام الموكلة إليها أو إلغائها في حالة استمرار عجزها، وتوجيه الميزانيات التي كانت مخصصة لها إلى ما ينفع المواطنين، ويمكث في الأرض.

ــــ

الصورة من العام 2011، ومن قبل تأسيس مجلس أعلى للفتوى والمظالم، وهي عبارة عن رسالة مفتوحة في لافتة، وقد تم رفعها أمام القصر الرئاسي في ذلك الوقت.

حفظ الله موريتانيا..

 

 

الثلاثاء، 20 يوليو 2021

معا ضد "كوفيد"

"إننا نمر في هذه الأيام بفترة حساسة جدا وحاسمة جدا، فإما أن نتمكن من التصدي للفيروس ونمنع من انتشاره، فنسلم بذلك من الخطر، وإما أن نتراخى ونتهاون في التصدي له، الشيء الذي قد يؤدي لا قدر الله إلى تفشي هذا الفيروس في بلادنا. ومن المعروف بأن هذا الفيروس قد وضع بلدانا قوية ذات إمكانيات هائلة في حالة شلل تام وعجز كبير، فكيف سيكون الحال بالنسبة لبلد كبلدنا: موارده محدودة جدا، وبنيته الصحية ضعيفة جدا، وعقلية مواطنيه معيقة تماما؟"

كانت هذه فقرة من مقال نشرته يوم 19 مارس 2020 ضمن سلسة من المقالات كنتُ قد نشرتها تحت عنوان "معا للتوعية ضد كورونا"، وكنا في تلك الفترة قد أطلقنا ـ ونحن مجموعة من سبع منظمات نشطة ـ حملة للتوعية ضد كورونا، تحت العنوان نفسه، وكانت تلك هي أول حملة تنظم أنشطة ميدانية في البلد للتوعية ضد كورونا.

اليوم نمر بفترة لا تقل خطورة عن بداية ظهور الفيروس ببلادنا، إن لم تكن أخطر، وذلك بعد أن سُجلت عدة حالات من النسخة المتحورة (دلتا)، والتي تعتبر حتى الآن هي النسخة الأكثر سرعة في الانتشار والأكثر فتكا.

ظهور هذه النسخة المتحورة في بلادنا والخوف من موجة ثالثة جعل الحكومة تطلق يوما تحسيسيا سيكون بداية لحملة تحسيسية متواصلة ضد الفيروس تحت شعار "معا ضد كوفيد"، وكمساهمة في هذا الجهد التحسيسي، فهذه بعض الملاحظات التي قد يساعد الأخذ بها عدم تكرار نفس الأخطاء التي كنا قد عرفناها خلال الحملات التحسيسية السابقة.

1 ـ إن التوعية والتحسيس ليست من مهام الحكومات، وخاصة الوزراء والولاة والحكام، وإنما هي من مهام المجتمع المدني بمفهومه الواسع (أحزاب سياسية؛ منظمات مجتمع مدني؛ نقابات عمالية، نوادي ومنتديات شبابية؛ شخصيات مؤثرة في المجتمع كالعلماء والمشاهير في مجالات الثقافة والفن والرياضة ..إلخ).

2 ـ على الحكومة في حملتها التحسيسية هذه أن تتعامل مع منظمات المجتمع المدني النشطة والموجودة على أرض الواقع، فكثيرا ما كان يتم التعامل مع منظمات ورقية لا وجود لها على أرض الواقع، وذلك في وقت يتم فيه إقصاء المنظمات النشطة ميدانية. الشيء الذي يؤدي في المحصلة النهائية إلى فشل الحملة التحسيسية. لدي أمثلة كثيرة تؤكد حصول ذلك، ومنها أن أول سبع منظمات نزلت إلى الميدان للتوعية ضد كورونا لم تستفد من أي شيء، حتى المطويات والمناشير الإرشادية والكمامات حُرمت منها.

3ـ على الناشطين الجمعويين أن يعلموا بأن حملات التوعية والتحسيس ليست مناسبة لجمع المال، وإنما هي أنشطة تطوعية أو هكذا يفترض أن تكون، ولذا فيجب أن لا ينظر إليها من طرف القائمين عليها على أنها مصدر من مصادر تحصيل الأموال...صحيح أن أي حملة توعوية تحتاج إلى مال وإلى وسائل وتجهيزات لتوصيل رسائلها التوعوية إلى أوسع جمهور، ولذا فلا مشكلة في أخذ مال أو تجهيزات من جهات حكومية أو من مؤسسات عمومية أو خصوصية، ولكن هناك فرق كبير بين من نزل إلى الميدان وهو يشعر بأن الواجب الديني والوطني يفرض عليه أن يشارك في التوعية ضد كورونا، ومن نزل إليه سعيا لجمع المال.

4 ـ علينا في هذه الحملة التحسيسية أن نبتعد جميعا ـ وبشكل كامل  ـ عن الأنشطة الفولكلورية التي تثير السخرية، ومن تلك الأنشطة يمكن أن نذكر عمليات توزيع "لمغاسل" على المواطنين. ثم إن تأجير السيارات التي تحمل مكبرات صوت، قد يكون أفضل منه، وأقل كلفة، استخدام مكبرات الصوت الموجودة في المساجد لإبلاغ الرسائل التوعوية إلى المواطنين أينما كانوا، فلله الحمد، فلا يوجد اليوم أي تجمع سكاني إلا وبه مسجد، وفي الغالب يكون ذلك المسجد مزودا بمكبر صوت.

5 ـ يبقى دور الإعلام هو الأهم في أي حملة تحسيسية، وخاصة منه الإعلام الجديد، ولذا فيجب التركيز عليه، ولقد أحسن  وزير الثقافة، الناطق باسم الحكومة، عندما دعا الإعلام بشقيه للمشاركة الفاعلة في التحسيس ضد كورونا.

6 ـ إن الخطاب التحسيسي والتوعوي يجب أن يشمل كل الإجراءات الاحترازية، فيذكر بها المواطنين، ولكنه يجب أن يركز في هذه الفترة على التطعيم، خاصة وأن هناك نقصا كبيرا لدى المواطنين في المعلومات المتعلقة باللقاح، كما أن هناك شائعات ومعلومات كاذبة يتم تداولها بشكل واسع، وإن لم تتم مواجهتها بالمعلومات الصحيحة فسيبقى عزوف المواطنين عن التلقيح قائما.

أقترح في هذا المجال أن تتضمن النقطة الصحية للوزارة بعض المعلومات عن اللقاح، وأن يتم تقديم المزيد من المعلومات عنه مع كل نقطة صحفية جديدة، كما اقترح إنتاج فيديوهات قصيرة وبثها عبر التلفزة الرسمية والقنوات الحرة والمنصات الأكثر متابعة تتضمن معلومات مختصرة عن اللقاح ترد على ما يتم تداوله  من شائعات عن اللقاح  بين المواطنين.

حفظ الله موريتانيا..


الاثنين، 12 يوليو 2021

التحدي الأمني وآليات مواجهته


عودتنا النخب السياسية والإعلامية في هذه البلاد على أن لا تفكر ولا تكتب ولا تتحدث إلا في إطار ردود الأفعال، ولذا فقد توقف الحديث ـ وبشكل شبه كامل ـ عن الجريمة في أيامنا هذه، وذلك بعد أن كان الحديث عنها هو الشغل الشاغل للجميع خلال الأيام والأسابيع الماضية، والتي كانت قد شهدت ـ وللأسف الشديد ـ  بعض الجرائم الصادمة التي هزت المجتمع بأكمله.

هكذا جرت العادة عندنا في هذه البلاد: نتحدث عن الجريمة بشكل واسع عندما تقع جريمة صادمة ثم ننسى الموضوع نهائيا في انتظار حدوث جريمة أخرى.. نتحدث عن حوادث السير عندما يقع حادث سير بشع ثم ننسى الموضوع نهائيا في انتظار حادث سير آخر، وهكذا...

من المؤكد بأننا خلال الأسابيع القادمة، ومع موسم تهاطل الأمطار، سنتذكر من جديد عدم وجود صرف صحي في العاصمة نواكشوط، وسترتفع الأصوات مطالبة بوضع آليات للتدخل السريع لصالح المدن والقرى التي قد تتضرر من الأمطار والسيول..ستتجدد تلك الأحاديث في موسم الخريف القادم، ولكننا سننسى من جديد هذه المواضيع خلال فصلي الشتاء والصيف القادمين، ولن نتذكرها إلا مع  موسم خريف جديد.

هكذا عودتنا نخبنا السياسية والإعلامية على أنها لا تفكر ولا تتحدث ولا تكتب إلا في إطار ردود الأفعال، ولذا فقد كان من الطبيعي جدا أن تنسى هذه النخب ملف الجريمة في أيامنا هذه، والتي أنعم الله علينا فيها بعدم تسجيل جريمة صادمة تهز المجتمع، وتستنفر الرأي العام.

نعم لقد مرت بنا ـ ولله الحمد ـ  أيام هادئة بعد أيام صعبة شهدت جرائم صادمة في مقاطعة "توجنين" ومدينة "نواذيبو".

صحيح أن الأجهزة الأمنية قامت في الأيام الأخيرة بعمل جيد، قد يكون هو الذي ساعد في هذا الهدوء الذي نعيشه في أيامنا هذه ولله الحمد، ولكن هذا الهدوء قد لا يستمر طويلا، فحدوث جريمة صادمة سيبقى متوقعا في كل حين.

بالفعل لقد قامت الأجهزة الأمنية بعمل جيد خلال الأيام والأسابيع الماضية، ويظهر ذلك العمل الجيد من خلال احتجاز ومصادرة كميات كبيرة من المخدرات وتوقيف بعض مصنعيها وموزعيها ومروجيها، ومن المعروف بأن متعاطي المخدرات من القصر والشباب هم من يقف وراء أغلب الجرائم البشعة التي يتم تسجيلها في البلاد. كما أن من مظاهر هذا العمل الجيد إطلاق الشرطة الوطنية لصفحة نشطة على الفيسبوك تنشر أولا بأول كل الجرائم التي يتم تسجيلها، ولقد ساهمت هذه الصفحة في الحد من الشائعات ومن عمليات النفخ والتضخيم التي كانت تُصاحب كل جريمة تقع.

إن أفضل وأنجع طريقة لمواجهة الشائعات تتمثل في المسارعة في نشر المعلومة الصحيحة من طرف الجهات الرسمية المختصة، وهذا ما تأكد في مجال الشائعات المتعلقة بالجرائم بعد أن أصبحت للشرطة الوطنية صفحة نشطة على الفيسبوك تسارع في نشر أخبار الجرائم، كما تأكد من قبل ذلك في مجال الإصابات بكوفيدـ 19، والتي شهدت هي أيضا الكثير من الشائعات  مع بداية ظهور كورونا، ولم تتوقف تلك الشائعات إلا بعد أن قررت وزارة الصحة تنظيم مؤتمر صحفي يقدم يوميا حصيلة الإصابات.

ذلك قوسٌ كان لابد من فتحه لتأكيد أهمية نشر المعلومات الصحيحة من طرف الجهات الرسمية المعنية للمساهمة في الحد من الشائعات في مجتمع كمجتمعنا ميَّال بطبعه إلى تصديق الشائعات وترويجها بشكل واسع.

لنغلق الآن القوس المتعلق بالشائعات وآليات الحد منها، ولنعد إلى أهمية مناقشة الملفات والقضايا الشائكة من طرف أهل الاختصاص في الأوقات الهادئة، فنقاش تلك القضايا من طرف أهل الاختصاص في مثل تلك الأوقات سيكون بكل تأكيد مفيدا، وسيكون مظنة للخروج بأفكار ومقترحات أكثر جدية وأقرب إلى الموضوعية.

وفي هذا الإطار فقد نظمنا في "جمعية خطوة للتنمية الذاتية" في يوم السبت الموافق 10 يوليو 2021 بالعاصمة نواكشوط جلسة نقاشية تحت عنوان " التحدي الأمني وآليات مواجهته".

الجلسة حضرها أساتذة جامعيون ونشطاء جمعويون وخبراء وباحثون في مجال الأمن والقضاء والقانون والإعلام. المشاركون في الجلسة تقدموا بجملة من المقترحات والتوصيات كان من أبرزها:

ـ خلق آلية اجتماعية لإشراك المواطن في الحفاظ على الأمن؛

ـ فرض إلزامية التعليم وإعادة الاعتبار للمدرسة، مع التكفل بأبناء الأسر ذات الدخل المحدود؛

ـ إنشاء مراكز خاصة بعلاج الإدمان؛

ـ إنشاء حاضنات ثقافية ورياضية للشباب؛

ـ التعامل الجاد مع كل أشكال الغبن والتهميش وكل مظاهر غياب العدالة؛

ـ ضرورة مشاركة المجتمع، وخصوصا نخبه، في مجال التوعية والتحسيس ضد الجريمة؛

ـ تحيين الترسانة القانونية، والعمل على تعزيز قدرات الكادر البشري في سلك القضاء وأعوانه؛

ـ تفعيل عمل المؤسسات الإصلاحية من أجل دمج الشباب ذوي السوابق الجنائية في الحياة النشطة؛  

ـ تفعيل التجنيد الإجباري والخدمة المدنية؛

ـ إنشاء مرصد للجريمة وتحسين آليات الإحصاء المتعلقة بالجريمة، وتمكين استفادة الباحثين منها؛

ـ تعزيز مراقبة الحدود، ومراجعة بعض حالات الدخول إلى البلاد دون تأشيرة؛

ـ إنشاء شرطة الجوار؛

ـ تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية وتشجيع التخصصات؛

ـ إنشاء معهد يعني بالطب الشرعي والأدلة الجنائية؛

ـ وقف تعطيل الأحكام القضائية والصرامة في تنفيذ تلك الأحكام؛

ـ إشراك مراكز البحث في إعداد السياسات الاستشرافية المتعلقة بالمصالح الحيوية للبلد.  

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 5 يوليو 2021

لا حديث عن الجانب التنموي في زيارة الرئيس!


لا حديث عن الجانب التنموي في زيارة الرئيس لولاية الترارزة، ولا ذكر للمشاريع الهامة التي سيتم تدشينها خلال الزيارة، والتي من بينها:

ـ مشروع "الشيشية" الزراعي الذي ستستفيد منه مئات الأسر الفقيرة في بلدية "جدر المحكن"؛

ـ انطلاق مشروع كهربة الأراضي الزراعية بمقاطعة "كرمسين"؛

ـ إعطاء إشارة الانطلاق لبدء الأشغال في شبكة هامة للطرق في مدينة روصو؛

ـ  تدشين محطة كهربائية من أجل تأمين إمدادات الكهرباء لمحطة "بني نعجي" التي تزود مدينة نواكشوط بالمياه الصالحة للشرب. أهمية هذا التدشين الأخير سيدركها كل من يتذكر انقطاع الماء عن العاصمة نواكشوط، والذي استمر لعدة أيام من شهر سبتمبر من العام 2020، والذي كان بسبب انقطاع الكهرباء في شبكة "سد منتالي" التي تزود محطة "بني نعجي" بالكهرباء.

إنها مشاريع هامة لا تجد من يتحدث عنها الآن، وقد لا تجد من يتحدث عنها مستقبلا، والسبب في ذلك واضح وبين. فالأطر والوجهاء ورجال الأعمال والساسة الذين توافدوا  على ولاية الترارزة بحجة المساهمة في إنجاح زيارة الرئيس منشغلون هذه الأيام بعرض صورهم وبنشر أخبار عن "جهودهم الجبارة" التي يقومون بها في الحشد والاستضافة. ومن المؤكد بأنهم سيتنافسون بعد زيارة الرئيس في نشر المزيد من الصور والأخبار عن "الجهود الجبارة" التي قاموا بها في سبيل إنجاح الزيارة.

لقد أصبح من الواضح أن توافد الأطر والوجهاء والساسة على ولاية الترارزة بحجة إنجاح زيارة الرئيس سيأتي بنتائج سلبية، وسيضر الزيارة أكثر مما ينفعها، وهذا ما جعلني أنشر مقالا في يوم الأربعاء الموافق 30 يونيو 2021 تحت عنوان " يا أطر الترارزة : لا تفشلوا زيارة الرئيس!".

لقد انشغل الأطر والوجهاء بالترويج لأنفسهم وأحلافهم السياسية، وانشغل متابعو الشأن العام بكشف الماضي القريب والبعيد وغير المشرف لأولئك الأطر والوجهاء، فذكروهم بأرشيفهم التطبيلي والتزلفي للرؤساء السابقين.

هكذا غاب الجانب الأهم في الزيارة أي الجانب التنموي، عن الإعلام وعن التداول اليومي، وذلك بسبب انشغال الأطر والوجهاء بتلميع أنفسهم، وانشغال متابعي الشأن العام بكشف الأرشيف غير المشرف لأولئك الأطر والوجهاء.

إن أهم ما كان يمكن أن يقدمه الذراع السياسي والإعلامي للرئيس يتمثل حسب وجهة نظري في أمرين أساسيين:

أولهما : إسماع صوت المواطنين وإيصال همومهم ومشاكلهم للرئيس؛

ثانيهما: تسويق إنجازات النظام ..في بعض الأحيان قد يكون الانطباع الذي يتولد لدى المواطنين أهم من حقائق الواقع، ولذا فإن أي إنجازات لم تسوق إعلاميا وسياسيا في عالم اليوم الذي أصبح يتحكم فيه الإعلام الجديد، ستبقى وكأنها إنجازات لم تتحقق.

لم يتمكن الذراع السياسي والإعلامي للنظام ـ حتى الآن ـ من تسويق إنجازات هامة تحققت في ظرفية صعبة، وها هو اليوم يضايق ساكنة الترارزة، ويعمل على حجب هموم تلك الساكنة عن الرئيس.

كنتٌ قد تابعتُ على قناة الموريتانية حلقة استضافت وزيرة الشؤون الاجتماعية والمندوب العام لتآزر، وكانت الحلقة مخصصة للمحور الاجتماعي من برنامج الرئيس. وقد تم الحديث عن إنجازات هامة تحققت لصالح الفئات الهشة في ظروف صعبة لم تأخذ حيزها في مجال التسويق السياسي و الإعلامي.

تزامن بث الحلقة مع بدء التحضير لزيارة الترارزة. ..وقد لفت انتباهي أن حماس بعض داعمي الرئيس في الظهور ضمن المستقبلين للرئيس يُقابله فتور أو عجز بين في تسويق منجزات الرئيس والدفاع عنها.

ما لفت انتباهي أكثر هو أن هذه الحلقة الهامة لم تجد تفاعلا يذكر في مواقع التواصل الاجتماعي والسبب في نظري هو القرار الغريب الذي اتخذه مدير قناة الموريتانية في وقت سابق، والذي منع بموجبه المنصات التي يتابعها مئات الآلاف من البث المباشر وغير المباشر لبرامج الموريتانية دون إذن مسبق من إدارتها.

في الماضي كانت منصات "الرؤية" و"بلوار ميديا" و"تواتر" وغيرها من المنصات الأكثر متابعة تتسابق لبث مثل هذه البرامج مما يسمح بمشاهدة تلك البرامج من طرف آلاف نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، الشيء الذي ينتج عنه تفاعلا قويا مع هذه البرامج في تلك المواقع.. اليوم لم يعد ذلك ممكنا بسبب قرار غريب اتخذته إدارة التلفزة في وقت سابق.

خلاصة القول : إن الذراع السياسي والإعلامي للنظام لا يؤدي الدور المنتظر منه ...ليس هذا فقط، بل إنه في بعض الأحيان قد يؤدي دورا سلبيا، وقد أصبح عبئا على الرئيس، وخير مثال على ذلك ما يجري الآن في ولاية الترارزة تحت عنوان "التحضير لزيارة الرئيس والعمل على إنجاحها"، والذي أدى في المحصلة النهائية إلى تحويل الزيارة من زيارة تنموية هامة إلى مناسبة للاستعراض السياسي المبتذل لأطر ووجهاء هذه الولاية.

كفى الله الرئيس "شر" أغلبيته..

حفظ الله موريتانيا... 

محمد الأمين ولد الفاضل

elvadel@gmail.com