الأحد، 9 أكتوبر 2011

يوميات شخص عادي جدا (3)

غمرتني سعادة عارمة، عندما علمت أن والدي رحمه الله تعالى، قد اعتذر للمعلم "المشكلة"، ولم يسمح له بتحويلي معه إلى مدرسته الجديدة. ولم أكن أنا الوحيد الذي غمرته السعادة، في منتصف ذلك العام الدراسي، بل إن كل تلاميذ مدرستنا غمرتهم تلك السعادة العارمة. ولم تكن المشاكل الصغيرة، التي كانت تواجهنا كتلاميذ من حين لآخر، قادرة على أن تسلبنا، ولو شيئا قليلا، من تلك السعادة العارمة، التي غمرت مدرستنا، بعد أن تأكد لنا خبر تحويل المعلم "المشكلة" إلى مدرسة أخرى.

وفي ذلك العام الدراسي، حافظت ـ كالعادة ـ على الرقم الأول في امتحانات الفصول الثلاثة. ولقد استطعت أن احتكر ذلك الرقم، في كل امتحانات المرحلة الابتدائية، إلا في حالات نادرة جدا، كنت أهبط فيها إلى الرقم الثاني. وفي تلك الحالات النادرة جدا، كنت أدعي دائما بأن المعلم أخذ مني نقاطا، وأعطاها للتلميذ الذي تمكن من التفوق في الامتحان الذي فشلت أنا في أن أسجل فيه الرتبة الأولى.

وفي بداية الصف الثالث، عرفت أنماطا جديدة من التعذيب، على يد معلم جديد، توترت العلاقة بيني وبينه، منذ الأيام الأولى التي تعارفنا فيها، بعد افتتاح السنة الدراسية 1975ـ 1976.

كان من عادة المعلم الذي تم اختياره لتدريسنا في الصف الثالث، أن ينتقل بنا من واجب في تحسين الخط، إلى واجب آخر في تحسين الخط. وهذا الاهتمام الزائد من طرف معلمنا الجديد بتحسين الخط، هو الذي دفعني ذات مرة، لأن أقول له : ـ سيدي، إننا نريد أن نتعلم شيئا آخر، غير تحسين الخط.

لم تكن لديَّ مشكلة شخصية مع تحسين الخط، بل على العكس، فقد كنت من أحسن تلاميذ مدرستنا خطا، ومن أروعهم رسوما. ولكن في تلك الفترة من أعمارنا، كنا نعتقد بأن التلميذ الفاشل هو الذي يكون خطه حسنا، وتكون رسومه رائعة، ولا أدري من أين جئنا بتلك الخرافة. المهم أن تلك الخرافة، كانت من بين أمور أخرى، أدت إلى ندرة امتهان الخط والرسم لدى جيلنا. والمؤكد أني لم أكن أنا الموهوب الوحيد في الخط والرسم، الذي أضاع موهبته تلك، مخافة أن يعد من التلاميذ الفاشلين.

بعد تلك الملاحظة، بدأت أشعر بأن "معلم تحسين الخط"، أصبح يوليني عناية خاصة، كلما كانت هناك عقوبة جماعية للفصل. وأنه كان يخصني بتمييز إيجابي عند توزيع تلك العقوبة على تلاميذ الفصل. كما لاحظت أنه كان يختارني دائما كمشتبه وكمذنب دائم، عندما تسجل في فصلنا عملية تشويش ضد مجهول. كان يتم اختياري بشكل تلقائي، كلما تعذر ـ لسبب أو لآخر ـ تحديد مصدر أي عملية تشويش، تحدث في الفصل. والحقيقة أن "معلم تحسين الخط" لم يكن الوحيد الذي يعتبرني مجرما دائما، أستحق العقوبة على أي جريمة تحدث في الفصل، ويتعذر تحديد مرتكبها. فهناك معلمون آخرون كانوا يعتبرونني كذلك، رغم أني كنت أنتمي إلى قلة مشاغبة لم تكن تبذل جهدا كبيرا لإخفاء شغبها، أو للتستر على حماقاتها.

وكان من أفظع عقوبات "معلم تحسين الخط" أنه كان لديه سطل من حديد، يملأه بالتراب المبلل، ويضعه على رأس التلميذ المعاقب، والذي يجب عليه ـ حسب نص العقوبة ـ أن يستمر في الانتقال السريع، من الجثو على الركبتين، إلى الوقوف على القدمين.

وكانت عملية الانتقال تلك تسبب عناءً ومشقة لا يمكن وصفهما. وكان أقوى التلاميذ بنية جسدية، وأقدرهم على التحمل، لا يستطيع أن يواصل عملية الوقوف والجثو عشر مرات متواصلة. وفي العادة، فقد كان العرق يسيل من جسد التلميذ المعاقب، ابتداءً من الوقفة الرابعة، أو الخامسة. في حين أن الانهيار والسقوط الكامل يبدأ مع الوقفة الثامنة أو التاسعة، حسب البنية الجسدية للتلميذ المعاقب، وحسب قدرته على التحمل.

لقد حملت السطل في ذلك العام، عدة مرات. وكنت من أكثر تلاميذ الفصل حملا له، لدرجة أن ركبتيَّ بدأت تنتشر فيهما القروح من كثرة الجثو عليهما. فلم تكن أرضية الفصل مبلطة، بل كانت عبارة عن خليط من التراب والحجارة الصغيرة، لذلك فقد كان الجثو عليها عملية مؤلمة جدا، خاصة إذا ما كان الرأس يحمل سطلا مملوءا بالتراب المبلل.

ولم يكن من عادتي، أن أتحدث في المنزل عما أتعرض له في الفصل من عقوبات، لأن ذلك لم يكن من شيم "الرجولة". كما أني أيضا كنت أخاف من أن يتسبب الحديث عن تلك العقوبات، في عقوبة إضافية في المنزل، انتصارا للمعلم في المدرسة. لم أحدث الأهل عن السطل، ولاعن معاناتي معه، إلا بعد أن اكتشفوا هم القروح على رُكَبي. وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة، التي ينتصر لي فيها والدي رحمه الله، ويذهب معي إلى المدرسة ليطلب من المعلم أن يتوقف عن عقابي بهذا الشكل البشع والفظيع.

وتوقفت عقوبة حمل السطل عني في ذلك العام، وفرحت لذلك فرحا شديدا، لا يقل عن فرحتي بتحويل المعلم "المشكلة". وفي ذلك العام كان يدرسنا معلم للفرنسية، كان رحيما بي، وكان يدللني كثيرا، ولم يحدث أن ضربني إلا مرة واحدة، وكان ذلك خلال آخر مرة أحمل فيها سطلا،من قبل تدخل والدي رحمه الله تعالى.

فقد حدث أن زارنا في الفصل، معلم الفرنسية، أثناء حصة معلم العربية، بحثا عن طباشير فيما أعتقد، فوجدني في حالة يرثى لها. كنت أقف وأجثو بصعوبة كبيرة، وكان العرق قد بدأ يسيل من كل جسدي، موذنا بأن لحظة حدوث الانهيار الجسدي والنفسي قد أصبحت وشيكة جدا.

في تلك اللحظة العصيبة، والتي تمثل ذروة الألم والمعاناة، بالنسبة لحاملي السطل، فوجئت بمعلم الفرنسية يركلني ركلة قوية على الظهر.

وقد شكلت ركلة معلم الفرنسية، والذي كان يلقبه التلاميذ ـ باستثنائي ـ بالمعلم "المسحور"، مفاجأة كبيرة لي، ولكل تلاميذ الفصل. فهو كان يُعرف بأنه كان يدللني كثيرا، وكان يلقبني ب: "Le petit Mohamed". وكان يخصني بما يفضل عنه من أي شراب، يأتيه أثناء الحصة، من إحدى الأسر المجاورة للمدرسة. بل إنه كان يزورنا في المنزل، وكان يُحدث الأهل عن ذكائي، وعن خلقي، وعن احترامي المميز للمعلمين!!!

بعد تلك الركلة المفاجئة، التفت معلم الفرنسية إلى "معلم تحسين الخط"، وطلب منه أن يسمح له بأن يأخذني معه، لكي يعاقبني عقابا شديدا، حتى لا أشوش مرة أخرى، أثناء حصة العربية في الفصل.

وسمح لي "معلم تحسين الخط" بمرافقة معلم الفرنسية.

خارج الفصل، طلب مني معلم الفرنسية، أن أعود إلى الفصل وأنا أبكي، وأن أهرب إلى مقعدي عند العودة إلى الفصل، وأن أتظاهر بأني أهرب لأتجنب المزيد من ركلاته ولكماته التمثيلية. وقال لي بأن تلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكن له استخدامها لإنقاذي من حمل السطل، في ذلك اليوم الذي حملت فيه لآخر مرة، سطل "معلم تحسين الخط".

ونجحت الخطة، وتمنيت بعد ذلك أن أقابل السيد "لامين جوب" معلمنا للفرنسية، الذي اختفى عنا منذ ذلك العام الدراسي، ولا زلت حتى يومنا هذا أتمنى لقاءه، إن كان لا يزال حيا، حتى أشكره على ذلك الموقف الإنساني العظيم، وعلى غيره من المواقف الكثيرة التي وقفها معي، في "عام حمل السطل".

وفي الصف الرابع، تعرفت على معلم جديد، لقبناه بالمعلم "الملاكم". وكان ذلك المعلم يتصرف مع التلاميذ وكأنه ملاكم، فكان يوجه لكمات قوية إلى الوجه خاصة، في كل عقوبة نفذها، وما أكثر العقوبات التي نفذها في "عام اللكمات".

وفي ذلك العام، كثرت عمليات التشويش والفوضى التي كان يقوم بها تلاميذ مجهولون. وبفضل وجودي في الفصل، فلم يكن ليغلق ملف أي عملية تشويش، ويسجل ضد مجهول. الشيء الذي جعلني أتعرض في ذلك العام، لعدد هائل من العقوبات، بسبب جرائم لم أرتكبها، ولا أعرف لحد اليوم من الذي ارتكبها.

ومن بين تلك العقوبات، أتذكر أني أتيت يوما إلى الفصل متأخرا بدقائق، بعد بدء الحصة المسائية. فاستقبلني "المعلم الملاكم"بلكمات قوية على الوجه، تسببت في إراقة دم كثير، سال من فمي وأنفي. وقد قال "المعلم الملاكم" في ذلك اليوم، بأنه لن يقبل أن أخدعه بتأخري، والذي أحاول من خلاله أن أغطي على جريمتي النكراء، والتي تتمثل في رسم مشين وغير لائق، رسمته على السبورة، حسب "المعلم الملاكم"، بعد انتهاء الحصة الصباحية، ومغادرة التلاميذ للفصل، وكتبت تحت الرسم، هذه صورة معلمنا.

والحقيقة أني لم أرسم تلك الصورة، بل إني حتى الآن لا أعرف أي التلاميذ رسمها. ولقد حدث أن قابلت أحد زملائي في الفصل، بعد فراق دام عقودا طويلة، وهذا الزميل كنت أعتقد آنذاك بأنه هو الذي رسم تلك الصورة، فالخط المستخدم في الكتابة كان يشبه خطه. سألت زميلي في ذلك اللقاء، إن كان هو الذي رسم تلك الصورة المشؤومة؟ فإذا به يفاجئني بالقول بأنه قد نسي تماما تلك الحادثة العظيمة، ولم يعد يذكرها، ولا يذكر الآن إن كان هو الذي رسم تلك الصورة أم لا!؟

وفي ذلك اليوم، قررت أن أشكو للإدارة الجهوية للتعليم من "المعلم الملاكم"،الذي عاقبني عقابا شديدا، على صورة لم أرسمها. ورفضت في ذلك اليوم ـ الذي سيكون له ما بعده ـ أن أزيل عن وجهي الدماء التي كانت تغطيه، من قبل أن يراها المدير الجهوي. وكنا في ذلك الوقت قد بدأنا نسمع، من مصادر غير موثوق فيها، بأن الضرب المبرح للتلاميذ، يعد جريمة تستحق العقاب.

وفي طريقي إلى الإدارة الجهوية، والتي كانت تبعد عن مدرستنا، أربعة كيلومترات تنقص أو تزيد قليلا، صادفت بعض نساء الحي، اللاتي أجبرنني على العودة معهن إلى المنزل، من قبل أن أوصل مظلمتي إلى الإدارة الجهوية.

وبعد ذلك بمدة، شعرت ذات مساء بحمى شديدة، أثناء حصة دراسية مع "معلمنا الملاكم"، فما كان مني إلا أن تقدمت بأدب جم إلى "المعلم الملاكم"، وطلبت منه أن يأذن لي بالذهاب إلى المنزل، لأني بحاجة عاجلة للعلاج من الحمى الشديدة، التي كنت أعاني منها، في ذلك المساء.

لم يكلف "المعلم الملاكم" نفسه أن يتحقق من صحة مرضي، وبخل عليَّ بلمس وجهي، ولو لمرة واحدة، بيد غير مقبوضة، وغير مصحوبة بلكمة قوية. واكتفى بأن قال لي:

ـ عد إلى مكانك..فأنا أعرف حيلك.

عدت إلى مكاني، وبدأت أشعر برغبة شديدة في الغثيان. ولم تكد تمر دقائق على عودتي إلى مكاني، حتى بدأت أشعر بأني سأتقيأ في الفصل، إن لم أخرج وبشكل سريع إلى ساحة المدرسة.

في تلك اللحظات الحرجة، خطرت ببالي فكرة عظيمة، هكذا دائما تأتي الأفكار العظيمة، تأتي في أوقات غير مألوفة، وغير طبيعية.

لقد عزمت بعد حادثة الصورة المشؤومة، وبعد فشلي في إيصال شكوايَ إلى الإدارة الجهوية، على أن أنتقم من "المعلم الملاكم"، انتقام "رجل" من رجل، حيث تتم عملية الانتقام، وجها لوجه، وأمام تلاميذ الفصل، وفي وضح النهار.

ولقد انتظرت كثيرا أن تأتي الفرصة المناسبة للانتقام، وها هي قد أتت.

إن أعظم لحظات الانتصار، هي تلك التي نسجلها ضد خصمنا، عندما نشعر بأننا نمر بلحظة ضعف قوية، ويكون خصمنا يشعر بأنه يمر بلحظة قوة.

ففي ذلك المساء، كنت أشعر بضعف شديد، فقد كنت أعاني من حمى فظيعة، وقد رفض المعلم "الملاكم" أن يسمح لي بالذهاب إلى أهلي للعلاج. بينما كان "المعلم الملاكم" يشعر بالقوة، فالفصل كله كان تحت السيطرة، ولم يكن هناك أي تلميذ يتجرأ على أن يقطع ذلك الصمت الرهيب، الذي خيم على فصلنا، في تلك اللحظات، التي كان فيها معلمنا "الملاكم" يتصفح دفاتر الواجبات، دفترا تلو دفتر.

كنت أشعر بأن الفرصة المتاحة أمامي الآن، قد لا تتكرر أبدا. وأنه عليَّ أن أستغل هذه اللحظة الحرجة، وأوجه للمعلم "الملاكم" الضربة القاضية، انتقاما من عقوبته الظالمة التي عاقبني بها على صورة لم أرسمها، ولا أعرف من رسمها.

كان عليَّ في تلك اللحظات أن أكون "رجلا"، حتى ولو كانت حقيقتي تقول بأني مجرد تلميذ بائس، يعاني من حمى شديدة، ويكاد يتقيأ في الفصل، مما يعني بأني سأتعرض للسخرية من تلاميذ الفصل في الأيام القادمة.

في تلك اللحظات الحرجة، كان بإمكاني أن أتحول إلى "رجل" يحترمه التلاميذ، وكان بإمكاني أيضا أن أتحول إلى مصدر سخرية للتلاميذ. وكان عليَّ أن اختار وبسرعة، أي الحالتين أريد أن أكون. فكان عليَّ أن أحدد أين سأتقيأ، لأن تحديد ذلك المكان، هو الذي سيرفعني إلى رتبة الرجال، أو يهبط بي إلى زمرة التلاميذ المنبوذين، الذين يسخر منهم زملاؤهم، في كل حين.

أقنعت نفسي بأنه بإمكاني أن أكون "رجلا"، وبإمكاني أن أجعل من ضعفي قوة عاتية، وأن أحوله إلى سلاح فتاك. وأقنعتها بأني لو استخدمت ضعفي بشكل ذكي، فإني لا محالة سأكسب المعركة، التي كنت أخطط لها في ذلك المساء المثير.

وما أروع أن ينتصر تلميذ بائس، يعاني من حمى شديدة، يكاد يتقيأ في الفصل،على "المعلم الملاكم"، وبالضربة القاضية.

صحيح أن السلاح الذي سأستخدمه لتوجيه الضربة القاضية، لن يكون سلاحا نظيفا. ولكن لا مشكلة، فالأسلحة المستخدمة في الحروب كلها، ليس فيها أي سلاح نظيف، حتى ولو كانت في ظاهرها أسلحة نظيفة. ثم إنه ليس من العدل أن يُطلب من تلميذ يعاني من حمى شديدة، أن لا يستخدم إلا الأسلحة النظيفة، في مواجهة "معلم ملاكم"، يملك من العتاد والأسلحة الشيء الكثير.

تركت طاولتي، واتجهت إلى "المعلم الملاكم" لتوجيه الضربة القاضية. ولقد حاولت أن أتحرك بهدوء، حتى لا اقطع الصمت الرهيب الذي كان يخيم على الفصل. كنت أريد أن أباغت "المعلم الملاكم" حتى تكون الضربة قاضية فعلا.

وعندما أصبحت بجوار طاولة "المعلم الملاكم"، أخذت أتقيأ، ولم أتمكن ـ بفعل الحمى ـ من الاحتفاظ بما في بطني، حتى أكون فوق رأس "المعلم الملاكم"، لأفرغ على رأسه كل ما في بطني، كما كان مرسوما في الخطة الانتقامية. ولكن مع ذلك تمكنت من أن أتقيأ على بعض دفاتر الواجبات، وعلى كم دراعة معلمنا "الملاكم"، وعلى جزء كبير من سطح طاولته، التي يجلس خلفها.

أخذ "المعلم الملاكم" يسب ويشتم ويصرخ، ولكنه في النهاية لم يستطع أن يوجه لي،هذه المرة، لكمات على الوجه، عقابا على جريمة ارتكبتها مع سبق الإصرار والترصد، رغم أنه كان كثيرا ما يوجه لي لكمات على جرائم لم أقترفها. لم يكن "معلمنا الملاكم" قاسيا لدرجة أن يوجه لكمات لتلميذ مريض، أصبح واضحا للجميع أنه يعاني من حمى فظيعة. ولم يكن رحيما لدرجة يسكت فيها عن جريمة ارتكبها تلميذ يعاني من حمى شديدة، ويكاد ـ لولا العناد ـ أن يسقط مغشيا عليه من شدة الحمى.

وكان ذلك الارتباك الذي بدا على "المعلم الملاكم"، في تلك اللحظات الرائعة، هو أكبر دليل على أن عملية الانتقام لم تفشل تماما.

كانت الحمى قد وصلت إلى درجة لا تطاق، وكنت في تلك اللحظات أكاد أسقط مغشيا عليَّ من شدتها. ولكن كان عليَّ أن أقاوم، وأن أظل واقفا. كان عليَّ أن أكون "رجلا" في تلك اللحظات، والرجال لا يغشى عليهم عندما يكونون وجها لوجه مع خصومهم. ولم يكن من المناسب أن أضيع تلك اللحظة، ولا أن لا أتلذذ بلحظة انتصار انتظرتها طويلا. وكان عليَّ أن لا أسمح للحمى ـ مهما كانت قسوتها ـ بأن تحرمني من أن أتمتع برؤية "المعلم الملاكم" وهو مرتبك، حائر، لا يعرف كيف يتصرف داخل الفصل.

إنه حقا لمشهد رائع، يستحق مني أن أقاوم الحمى بقوة، وأن لا استسلم لها، حتى أسجل كل تفاصيله الصغيرة، قبل الكبيرة.

بعد تلك العملية الانتقامية، شعرت بأني لم أعد طفلا، فالأطفال لا يمكنهم أن يجمعوا بين نشوة الانتصار وآلام الحمى في وقت واحد. وفي ذلك المساء استطعت أن أجمع بين النشوة والألم، ولم أسمح للحمى أن تسلبني مثقال ذرة من نشوة الانتصار على "المعلم الملاكم".

ـ سيدي هل أعود إلى مكاني أم أذهب إلى المنزل للعلاج؟

نطقت بتلك الكلمات، ليست استجداءً، ولا طلبا للإذن من "المعلم الملاكم"، الذي كان واضحا أنه فقد زمام المبادرة في تلك اللحظات الرائعة. وإنما نطقت بها لأزيد من ارتباكه، ولأظهر ذلك الارتباك لتلاميذ الفصل.

ولم يجبني "المعلم الملاكم"، حتى اليوم، فهو لم يطلب مني أن أعود إلى مكاني في الفصل، ولم يأذن لي بالذهاب إلى المنزل.

تصبحون على الحلقة الرابعة من الرواية...

الأحد، 2 أكتوبر 2011

من الذي قتل الشاب "لامين مانغان"!؟


لقد شغلني هذا السؤال كثيرا، بعد الأحداث الأليمة، التي عرفتها مدينة "مقامة". وكان من اللازم أن أبحث له عن جواب، يختلف عن الأجوبة النمطية التي عادة ما يتم تقديمها في مثل هذه اللحظات المشحونة بالعواطف والانفعالات.

وحتى لا يذهب القارئ بعيدا، فإنه لابد من القول في بداية هذا المقال، بأني لم أكتبه لأفتح تحقيقا جنائيا، ولا لأحدد من المسؤول جنائيا عن قتل الشاب "لامين مانغان"، فأنا ـ وبكل تأكيد ـ لست مؤهلا لفتح مثل ذلك التحقيق. وإنما كتبته لأفتح تحقيقا من نوع آخر، حول تلك الأحداث الأليمة، وذلك من أجل تحديد المسؤولية السياسية لا الجنائية، لأطراف خمسة شاركت ـ حسب اعتقادي الشخصي ـ في قتل شاب في مقتبل عمره، كان يستحق شيئا آخر في وطنه، غير تلك الرصاصة التي أنهت حياته.

إن فتح أي تحقيق سياسي في هذه الفاجعة، سيقول بأن هناك أطرافا خمسة شاركت ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ في قتل الشاب " لامين مانغان"، ومع ذلك فلم يحاول أي طرف منها، بعد حصول الفاجعة، أن يحاسب نفسه، وإنما اكتفى بمحاسبة الآخرين، وتحميلهم كامل المسؤولية فيما يحدث من مصائب وأزمات متكررة، أرجو أن تكون آخرها فاجعة "مقامة". أما إذا ما ظل كل طرف يصر على أن لا يحاسب نفسه، حتى ولو كان مجرد حساب يسير، فإن فاجعة «مقامة" لن تكون هي الأخيرة.

إن هناك خمس جهات، بذلت في الفترة الأخيرة جهودا جبارة لكي يحصل ما حصل. ودفعت بالأمور لتصل إلى منعطف جد خطير، كان لابد أن يتسبب في فاجعة "مقامة". وهذه الأطراف الخمس على الترتيب هي : النظام الحاكم ـ حركة لا تلمس جنسيتي ـ أحزاب المعارضة ـ الإعلام بشقيه الرسمي والخاص ـ الكتاب والمثقفون.

1ـ النظام الحاكم: من المؤكد أن النظام الحاكم، أي نظام حاكم، يتحمل الجزء الأكبر في كل ما يحدث في فترة حكمه من مصائب وأزمات، حتى وإن لم يكن سببا مباشرا في حصول تلك الأزمات والمصائب. فكيف إذا كان النظام نفسه قد ساهم ـ وبشكل مباشرـ في حدوث تلك المصائب، كما هو الحال في فاجعة "مقامة".

إن النظام الحالي يتحمل جزءا كبيرا فيما حدث، وذلك لأنه لم يبذل أي جهد مهما كان حجمه في التوعية والتحسيس بأهمية العملية الإحصائية، ولم يتشاور ـ قبل ذلك ـ مع الموريتانيين بكل أعراقهم وأطيافهم، للبحث عن أفضل السبل لانجاز هذه العملية، والتي تعتبر ـ بحق ـ عملية ذات أهمية قصوى.

إن هذا الإحصاء، الذي كان يمكن له أن يشكل انجازا هاما لحكومة بلا انجازات، أصبح اليوم نظرا لغياب التوعية والتحسيس، ونظرا لغياب التشاور، معرضا لأن يتسبب ـ لا قدر الله ـ في صدامات عرقية بين مكونات هذا الشعب.

2 ـ حركة "لا تلمس جنسيتي": فوجئت عندما تعرفت على هذه الحركة، لأول مرة، وهي لازالت مشروعا قيد التأسيس، يُخَطِّط للقيام بسلسلة من الاحتجاجات ضد عملية الإحصاء، فوجئت بأنها، لم تحاول ـ على الأقل ـ أن تترجم اسمها للغة العربية، وفي ذلك دلالات خطيرة جدا.

فهل أن الحركة كانت تسعى منذ بداية تأسيسها لأن تظل حركة عرقية بدلا من أن تكون حركة احتجاج وطنية؟ وهل من اللائق، في بلد كموريتانيا، أن لا تترجم حركة احتجاجية اسمها للعربية، حتى ولو كان مؤسسوها لا يعتبرون اللغة العربية هي اللغة الرسمية لهذه البلاد؟ أليس في هذا البلد "قلة" من المواطنين لا تعرف إلا العربية، ومن حقها على هذه الحركة أن تترجم لها اسمها، أما البيانات فتلك مسألة أخرى، لا أحد ينتظر من الحركة ترجمتها.

لقد نبهتُ بعض قيادات تلك الحركة على ذلك الخطأ الفادح، فمثل ذلك الخطأ الجسيم لا يمكن أن نفسره بأنه حصل بسبب الصدفة البحتة. وقد تمت ترجمة اسم الحركة فيما بعد، ولكن الترجمة المتأخرة لاسم الحركة، أعطت انطباعا غير جيد، عن هذه الحركة الناشئة.

والخطأ الثاني، يتمثل في أن حركة لا تلمس جنسيتي، لم تحاول أن تخرج من الدائرة العرقية في مطالبها، رغم أن الإجراءات والشروط القاسية في هذا الإحصاء لم تكن موجهة ضد الزنوج لوحدهم. فوزير الداخلية السابق، ونائب رئيس حزب الوئام السيد "محمد يحظيه ولد الحسن" مُنع من التسجيل، والصحفية "سلوى" المعروفة في التلفزيون، والتي هي ابنة أخ رئيس الأغلبية البرلمانية السابق، لم يتم تسجيلها. والأمثلة في هذا المجال كثيرة، ولا يمكن حصرها.

كان على هذه الحركة، أن تحتج ضد الإحصاء ليس لأنه موجه ضد عرق معين، بل لأنه موجه ضد كل الموريتانيين بمختلف أعراقهم، ويهين كرامتهم من خلال شروطه القاسية، والتي يتساوى فيها الموريتاني البيظاني مع الموريتاني الزنجي. وعلينا أن نتذكر دائما بأن الموريتانيين البيظان الذين ولدوا في الخارج، ليسوا بأقل من الموريتانيين الزنوج الذين ولدوا فيه.

والخطأ الثالث الذي وقعت فيه هذه الحركة، هي أنها عندما اختارت أن تكون حركة عرقية ذات مطالب ضيقة، وهذا من حقها الطبيعي، لم تبذل أي جهد لتجنب العنف، الذي قد يتضرر منه موريتانيون من عرق آخر.

فإذا كانت الاحتجاجات العرقية حق طبيعي لكل عرق يرى بأنه متضرر أكثر من غيره بسبب قرار ما أو إجراء ما. فإن ذلك الحق يفرض على المنظمين لأي احتجاجات ذات طابع عرقي، أن يبذلوا جهودا استثنائية، حتى لايحدث عنف في تلك الاحتجاجات، وحتى لا يتضرر موريتانيون من عرق آخر. وهنا يمكن القول بأن حركة "لا تلمس جنسيتي" قد قصرت كثيرا في هذا المجال، بل إنها قد شجعت ومارست العنف ضد موريتانيين أبرياء، ودعت إليه في صفحات بعض قادتها على "الفيس بوك". واختارت أن تتجه باحتجاجاتها إلى المحلات الخاصة والأحياء الشعبية، بدلا من الاحتجاج أمام المباني الحكومية. ولا يكفي لتبرير ذلك الخطأ الفادح، ما قاله أحد قيادي هذه الحركة، بأن الأمن هو الذي أجبرهم على ذلك، لأنه صدهم بمسيلات الدموع، وحال بينهم وبين الاحتجاج أمام البرلمان، وأمام بعض المباني الحكومية الأخرى. ولو كانت هذه الحجة مقبولة لاحتج بها شباب 25 فبراير، عندما احتل الأمن ساحة "بلوكات" التي كان ينظم فيها احتجاجاته. وبالمناسبة فإن حركة 25 فبراير قررت أن تعود من جديد إلى نضالها السلمي، ابتداءً من فجر هذا اليوم.

وإذا ما صح بأن هناك أجانب شاركوا في احتجاجات حركة لا تلمس جنسيتي، ومارسوا العنف ضد موريتانيين في عقر دارهم، فهنا نكون أمام جريمة شنعاء،لا يمكن السكوت عليها.

3 ـ أحزاب المعارضة: إن أحزاب المعارضة التي تعودت على أن تدين النظام في كل كبيرة أو صغيرة، وهذا من حقها الطبيعي، الذي نشجعها عليه، كان عليها أن تدين بلغة صريحة وفصيحة، كل عمليات النهب والسطو على ممتلكات المواطنين الأبرياء، والتي تتم تحت غطاء الاحتجاج ضد النظام. وقبل ذلك، كان على أحزاب المعارضة أن تكون هي المبادرة لتنظيم احتجاجات ضد بعض شروط الإحصاء القاسية، لأن ذلك كان سيحول ضد ظهور أي احتجاجات ذات طابع عرقي.

والحقيقة أن أحزاب المعارضة قد تخلت منذ مدة عن المطالب ذات الأولوية، وانشغلت ببعض الأمور الثانوية. فهذا الإحصاء الذي يمثل ضرورة وطنية ملحة، لم يشكل في أي يوم من الأيام مطلبا رئيسيا للمعارضة. وعندما قررت الحكومة الشروع فيه، لم تستطع المعارضة أن تواكب ذلك القرار، بالقيام بسلسلة من الضغوط والاحتجاجات على الحكومة للتحسين من ذلك القرار، ولإجبارها على تنفيذه بشكل أمثل.

فتخلي المعارضة عن المطالب ذات الأولوية، سيتسبب دائما في ظهور مثل هذه الحركات والصدامات ذات الطابع العرقي. فمثلا تخلي أحزاب المعارضة عن المطالبة بتعريب الإدارة، والذي يعد من أكثر المطالب شرعية وإلحاحا، قد يدفع ببعض الشباب إلى المطالبة به في الجامعة، وهو ما قد تترتب عليه بعض الصدامات العرقية، كما حدث في السابق.

4ـ الإعلام الرسمي والخاص : لم يحاول الإعلام الرسمي أن يواكب عملية الإحصاء، ولم ينظم هذا الإعلام نقاشات وحوارات معمقة وشاملة عن هذه العملية الهامة. ولم يحاول أن يجيب على الشكوك التي يطرحها البعض حول هذه العملية. لقد كان الإعلام الرسمي ـ كعادته ـ غائبا، منشغلا في أمور ثانوية، في وقت كان عليه أن يكون فيه حاضرا، وبشكل قوي ومؤثر.

أما الصحافة الحرة فظلت في الفترة الأخيرة تغذي الشائعات التي تقول بأن هذا الإحصاء موجه ضد الزنوج. فكانت تجعل من رفض تسجيل أي مواطن موريتاني زنجي خبرا رئيسيا. في حين أنها ظلت تتجاهل الكثير من الموريتانيين غير الزنوج، والذين تم رفض تسجيلهم.

ألا يشكل رفض وزارة الداخلية لتسجيل وزير داخلية سابق، خبرا يستحق النشر، بجنب خبر رفض تسجيل مستشار في بلدية ريفية؟ فلأسف لم تهتم الصحافة الحرة منذ انطلاق هذه العملية الإحصائية إلا بالمواطنين الزنوج الذين تم رفضهم. أما غيرهم فلم تهتم به هذه الصحافة. هذا إذا ما استثنينا الصحفية "سلوى" التي تعاطفت معها المواقع والجرائد، لأنها صحفية، ونشرت خبر رفض تسجيلها بشكل واسع.

ومثل هذه الحالات، تتكرر دائما في صحافتنا الخاصة، وفي قضايا ذات ارتباط قوي باللحمة الوطنية. فمثلا بعد مصادقة مجلس الوزراء على قانون تشغيل خدم المنازل، اتصلت أغلب المواقع، وبشكل فوري، بالسيد "بيرام" وطلبت منه رأيه في هذا القرار الوزاري. ولم يتصل أي موقع واحد، من تلك المواقع، بالسيد "بوبكر ولد مسعود" ليسمع رأيه، رغم أن منظمة نجدة العبيد لها تاريخ عريق في النضال ضد العبودية، لا يقارن بأي منظمة أخرى. لكن مشكلة "بوبكر ولد مسعود" أنه يتحدث بلغة مهذبة ومتحضرة وخالية من العنف، وتلك لغة لا تبحث عنها كثيرا صحافتنا المستقلة، ولا يبحث عنها كذلك قراؤها.

5 ـ الكتاب والمثقفون : من المؤسف حقا، وهذا الأمر تكرر كثيرا في الآونة الأخيرة، أن تجد كتابا ومثقفين يتحدثون عن الجنسية الموريتانية بكلام غير لائق، ويقولون بأنها، نظرا لعدم أهميتها، لا تستحق أن تمنع عمن يطلبها.

مؤسف حقا أن يتحدث كاتب أو مثقف بهذا الطريقة المستهجنة.

وإذا كان يجوز لنا أن ننتقد الواقع الذي نعيش بالطريقة التي نشاء، وتجوز لنا المبالغة في هذا النقد، إلا أنه لا يجوز لنا أن ننتقد الجنسية الموريتانية، بل يجب علينا أن نعتز بها جميعا، حتى وإن كان سيترتب عليها أن نعيش في بلد يتربع على "قمة" الفقر والجهل والتخلف.

إن على من يصف الجنسية الموريتانية بأنها شيء تافه، أن يتخلى عنها، وأن يبحث عن جنسية غير تافهة، ولن نذرف عليه الدموع إذا ما فعل ذلك.

وعلى الذين يقولون بأنه من المستحيل أن يسعى غير الموريتانيين للبحث عن الجنسية الموريتانية، أن يعلموا بأن هناك جيوشا من المغاربة، والصحراويين، والسنغاليين، والماليين، والعاجيين، والغينيين، والطوارق... يناضلون ليل نهار من أجل الحصول على هذه الجنسية "التافهة".

ومن المؤكد، بأنه لا أحد من أولئك الكتاب سيتألم عندما يعلم بأن هناك لصوصا يَقتلون ويُقتلون في الخارج، ويسيئون لسمعتنا السيئة أصلا، ويحسبون علينا بسبب جوازات سفرهم المزورة. رغم أنه لا صلة لهم بنا سوى أنهم دفعوا آلافا معدودة، لموظف تافه، فزور لهم تلك الجوازات. ولعل قصة الغيني الذي قتل في أمريكا خير مثال على ذلك.

ولا أحد من أولئك قد تألم عندما تحدثت وكالات الأنباء العالمية، عن عشرات الموريتانيين الذين وجدوا أمواتا في زورق من زوارق الهجرة السرية، والذين تم الكشف بعد ذلك بأنه لا صلة تربطهم بموريتانيا، سوى جوازات سفرهم الموريتانية المزورة.

ختاما: إن من قتل الشاب "لامين مانغان" هو هذه الحكومة التي لم تستطع أن تزيل مخاوفه وشكوكه حول عملية الإحصاء، من خلال التوعية والتحسيس، ومن خلال الإجابة على كل التساؤلات التي كانت تقلقه حول هذه العملية. وقتلته أيضا حركة لا تلمس جنسيتي التي دفعته للمشاركة في احتجاجات عنيفة ذات طابع عرقي. وقتلته الصحافة المستقلة التي كانت تصور له أن هذا الإحصاء يستهدفه هو لأنه زنجي. وقتلته المعارضة التي تخلت عن دورها. وقتله كتاب ومثقفون لا يقيمون وزنا لما يكتبون ولا لما يتحدثون به.

تصبحون وأنتم لستم قتلة...

السبت، 1 أكتوبر 2011

يوميات شخص عادي جدا (2)

لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي رافقت فيه جدتي، رحمها الله تعالى، متوجها إلى معلم "اللوح" الجديد، والذي تقرر أن أتعلم على يده، بدلا من مواصلة الدراسة عند معلمة عجوز. كانت لها طريقة رائعة في التدريس، إلا أن مشكلتها عند الآباء، أنها كانت لا تضرب الأطفال إلا قليلا. واعتقد أن ذلك كان هو السبب الوحيد لتحويلي إلى المحظرة الجديدة.

كان منزل معلمنا الجديد يتكون من عريش واحد، يقع في أقصى جنوب المدينة. وكان من عادة تلاميذ المحظرة أن يستيقظوا في الثلث الأخير من الليل، ويتوجهوا بعد ذلك فرادى، ومثنى، وفي بعض الأحيان في جماعات صغيرة، إلى مكان الدرس.

وفي كل ليلة، كان يحدث تنافس شديد بين التلاميذ. فكان كل تلميذ يسعى لأن يكون هو القادم الأول إلى المحظرة، لأن من يأتي أولا، يكتب أولا، وبالتالي يغادر مكان الدرس أولا.

ولأن التلاميذ كانوا يأتون للمحظرة من قبل استيقاظ شيخها، فقد ابتدعوا طريقة ذكية يضبطون بها تسلسل وترتيب قدومهم. فكان أول القادمين من التلاميذ يتجه مباشرة إلى حيث ينام الشيخ، ليتمدد بجواره، دون أن يترك فراغا بينه مع الشيخ، مخافة أن يستغله أحد التلاميذ المتحايلين. وعندما يأتي تلميذ ثان فإنه يتمدد بجنب التلميذ الأول، ودون أن يترك هو بدوره أي فراغ، وهكذا. وعند استيقاظ الشيخ لصلاة الفجر، فإنه يقوم بإيقاظ التلاميذ، معلنا بذلك بداية يوم دراسي جديد، وأثناء عملية الإيقاظ تلك، يقوم بضبط ترتيب قدوم التلاميذ، حسب موقعهم في الصف الذي يبدأ بأول تلميذ وصل إلى المحظرة، وينتهي بآخر تلميذ يصل إليها.

هذا ما سمعته من التلاميذ الذين كانوا يشاركون في تلك المنافسة. أما أنا فلم أكن استيقظ إلا متأخرا، وكنت أجد صعوبة شديدة في الذهاب إلى اللوح قبل تناول الفطور. ولذلك فلم أكن أصل إلى المحظرة، إلا بعد طلوع الشمس، وبعد أن يكون أغلب التلاميذ قد أوشك على أن ينهي درسه، وبدأ يفكر في العودة إلى المنزل.

وبسبب وصولي المتأخر للمحظرة، فقد تعودت أن يستقبلني شيخها مع طلوع شمس كل يوم دراسي جديد، بعقوبة ثابتة، لا تتغير أبدا. فيها توبيخ، وضرب، وحبس. ولم يستطع المعلم رغم تكرار عقوبته تلك، أن يفرض عليَّ المجيء إلى المحظرة قبل طلوع الشمس، ولو ليوم واحد.

وبمرور الأيام، تحولت العقوبة الصباحية التي كان يستقبلني بها المعلم، إلى شيء عادي في حياتي. وكان أول شيء أقوم به بعد وصولي إلى المحظرة، هو أن أمد ذراعي للمعلم ليقوم بقرصها ثلاث مرات بطريقة مؤلمة ومزعجة جدا. وكان قرص الذراع، يمثل الجزء الأول من أجزاء العقوبة، في حين كانت تمثل عملية الحبس، الجزء الأخير منها.

ولقد تعود معلمنا أن يذهب في ضحى كل يوم، بعد نهاية الدرس، إلى سوق المدينة، وكان يتركني في العريش مقيدا بسلاسل من حديد، رفقة تلميذ آخر، لم يكن سجنه بسبب التأخر في الحضور، وإنما كان بسبب صعوبة في النطق، كان يعاني منها في صغره.

لم أفكر أنا ورفيقي، في أن نستغل فرصة غياب الشيخ، وأن نفك عنا القيود أثناء غيابه، وأن نعيدها قبل عودته بدقائق، وقد كان توقيت عودته معلوم لدينا.

لم نفكر في ذلك، إلا بعد أن زارنا في محبسنا طفل أكبر منا سنا، معروف بالشغب والطيش، وكانت له مشاكل سابقة مع شيخ المحظرة، انتهت بطرده من المحظرة.

حثنا الطفل الزائر على الثورة ضد معلمنا، وأبدى لنا استعداده الكامل للوقوف معنا، ودعمنا بكل ما يملك، حتى تنجح ثورتنا، وتُكلل بطردنا من المحظرة كما طُرد هو. ولقد نجح الطفل الزائر ـ وبسرعة كبيرة ـ في إقناعنا بضرورة الثورة على شيخ المحظرة، وعلى سلاسله الحديدية التي كان يقيدنا بها.

في البداية كانت مطالب وشعارات ثورتنا متواضعة جدا، ولكنها سرعان ما أخذت تتطور وتتصاعد بشكل مثير، كما هو حال الثورات العربية.

لم نكن نريد ـ وقت إعلاننا للثورة ـ إلا أن نتحرر من السلاسل الحديدية، لفترة مؤقتة، قبل أن نعود إليها عندما يقترب وقت عودة الشيخ من سوق المدينة.

ولكن بعد تحررنا من القيود، قررنا أن نرفع شعار "يوم بلا تدريس". وكانت وسيلتنا لفرض ذلك، هي أن نأخذ كل ما في صندوق شيخنا من مادة الصمغ، التي لابد منها لتهيئة مداد الدواة، هذا فضلا عن أخذ الموجود من السكر، والذي يستخدم كبديل، في حالة عدم توفر مادة الصمغ العربي.

فتحنا الصندوق، بطرقنا الخاصة، وأخذنا الموجود من المادتين. وكنا نفكر في رمي ما نهبنا من سكر وصمغ، بعيدا عن مكان المحظرة، إلا أن رؤية قطع السكر المغرية لنا كأطفال، جعلتنا نعدل الخطة قليلا. أخذنا نضع قطع السكر الكبيرة في الماء، لفترة وجيزة، ثم بعد ذلك نبدأ مصها حتى تذوب تماما. وكانت تلك هي أسهل وأسرع طريقة لابتلاع أكبر كمية من السكر، في أقل وقت. ولكنها كانت تسبب دائما لممارسيها انتفاخا شديدا. وهو ما حصل معنا، أنا ورفيقي، في مساء ذلك اليوم العصيب، من أيام طفولتنا.

بعد ذلك تطورت المطالب وأصبح المطلب الجديد: "التلميذان يريدان تسميم الشيخ وقتله".

في الأيام التي سبقت ثورتنا الحمقاء، تم قتل أفعى في المحظرة، وتم رميها ميتة فوق شجرة مجاورة. ذهبنا لتلك الشجرة بحثا عن الأفعى الميتة، وكنا نريد أن نضعها في القربة التي يشرب منها الشيخ، لتسميم مائها.

ومن لطف الله بنا وبالشيخ، أننا لم نعثر على الأفعى المقتولة، لذلك قررنا أن نجمع بعض الأوساخ والقاذورات، وأن نخلطها بالماء الموجود في القربة. وبعد أن أنهينا عملية الخلط، عدنا إلى السلاسل. فالخطة المرسومة من طرف الطفل الزائر، كانت تقول بأنه علينا أن ننتظر عودة الشيخ ليفك قيودنا، وليأذن لنا بالانصراف، فذلك سيبعد عنا أي شبهة. وسيكون بإمكاننا أن نقول بأن ما حدث، قد حدث بعد مغادرتنا للمحظرة.

عاد المعلم، واتجه كعادته إلى القربة، وصب منها ماءً باردا، كان يريد أن يطفئ به، ما يختزنه جسمه من حرارة يوم صيفي قائظ، من أيام مدينة "لعيون" المعروفة بحرارتها الفظيعة.

وما كاد المعلم يبتلع جرعة من الماء، حتى قال له رفيقي بأن الماء ليس صالحا للشرب، وبأني أنا المسؤول عن ذلك. لقد خُيِّل لرفيقي بسبب جبنه، بأن الشيخ قد فطن إلى أن الماء غير طبيعي، وهو ما جعله يوقعنا في ورطة كبيرة.

وما كان مني، بعد ذلك، إلا أن حدثت الشيخ بتفاصيل ما حدث بعده، بما في ذلك عملية البحث عن السم. وقلت له بأن كل ذلك قام به رفيقي، وبعون من التلميذ المطرود. وقلت له بأني أنا نهيتهما عن فعل ذلك، ولكنهما لم يستجيبا لي وضرباني.

لم يصدقني الشيخ، ولم ينتظرني حتى أكمل، بل انهال عليَّ وعلى رفيقي، وأخذ يضربنا ضربا مبرحا، قاسيا، لم نعهده من قبل . وقد غضب علينا الشيخ في ذلك اليوم غضبا شديدا.

منذ تلك الحادثة، بدأت أفكر في ترك اللوح، وأن أبدله بالمدرسة، والتي كنت أعتقد بأن التعذيب فيها، سيكون أخف بكثير من التعذيب في المحظرة.

ومع الافتتاح في ذلك العام، قرر الأهل تسجيلي في السنة الأولى من الابتدائية. وكان ذلك في شهر أكتوبر من العام 1973 ميلادي.

ولكن المفاجأة التي صدمتني كثيرا، هي أني تعرضت في المدرسة، ابتداءً من سنتي الثانية، إلى أنماط وأساليب من الضرب والتعذيب، جعلتني أحن كثيرا إلى معلم اللوح، وإلى أساليبه في التعذيب.

في السنة الأولى، لم أضرب إلا قليلا. وكان معلمنا في ذلك العام يمدحني كثيرا، وكان كثيرا ما يطلب من التلاميذ، أن يصفقوا لي كلما أجبت إجابة صحيحة. ولقد استطعت رغم صغر سني، أن أحصل على الرقم الأول في امتحانات الفصول الثلاثة.

وفي السنة الثانية، وبعد مرور شهر من الدراسة، حُوِّل إلينا مدير جديد لمدرستنا الابتدائية. ولقد استطاع المدير الجديد، وفي أيامه الأولى، أن يفرض نظاما صارما في المدرسة. فلم يكن بإمكان أي معلم أن يتأخر ولو لدقيقة واحدة،. ولم يكن بإمكان أي تلميذ أن يأتي للمدرسة من قبل أن ينظف وجهه، ويرتب شعره، ويعطر ثوبه. وكان استخدام الماء والصابون، في أيام الشتاء عملا شاقا لم يتعود عليه التلاميذ. ولكن مع المدير الجديد، لم يكن هناك مفر من القيام بذلك العام الشاق، صباح كل يوم دراسي، ومن قبل الذهاب إلى المدرسة.

كان المدير الجديد قاسيا، وخبيرا في أساليب التعذيب. وكان يبتكر في كل يوم تقنيات تعذيب جديدة، وأنماط لم تكن معروفة لدينا من قبل. ولسوء حظنا نحن تلاميذ السنة الثانية، فقد قرر المدير الجديد أن يتفرغ لتدريسنا دون غيرنا.

دخل علينا المعلم الجديد ذات صباح مشهود، ليخبرنا بأنه سيدرسنا بدلا من معلمنا القديم. وكان يحمل معه في ذلك اليوم سوطا مخيفا، وعصا غليظة، وسلاسل من حديد، وأشياء أخرى سيكشف عنها في وقت لاحق.

وضع المعلم الجديد السوط والعصا وسلاسل الحديد فوق الطاولة الخاصة به، ثم أشار إلينا بالجلوس بعد أن أمضينا عدة دقائق ونحن ننتظره وقوفا احتراما له.

خيم على الفصل صمت رهيب بعد جلوسنا، مرت لحظات بدت وكأنها دهر، لحظات ظل فيها المعلم الجديد واقفا أمام مكتبه دون أن يقول شيئا. كنت في تلك اللحظات أنظر تارة إلى السلسلة والسوط والعصا فأشعر بخوف شديد، وأنظر تارة أخرى إلى المعلم الجديد فأشعر بخوف أشد.

كان أول شيء نطق به معلمنا الجديد، هو أنه طرح علينا سؤالا فرحنا بطرحه كثيرا، لأنه من جهة قطع الصمت الرهيب الذي كان يخيم على القاعة، ولأنه من جهة أخرى كان سؤالا سهلا يمكن لكل واحد منا أن يجيب عليه.

ـ أيكم يعرف اسمي؟

رفعنا جميعا أيادينا، وكان كل واحد منا يتمنى أن يختاره المعلم الجديد للإجابة على هذا السؤال البسيط.

لم يفلح التلاميذ، الذين تم اختيارهم، في تقديم الإجابة التي كان يبحث عنها معلمنا الجديد. وتبين من خلال إجابات التلاميذ بأن المدير، والمعلم، وسيدي، وحتى الاسم الشخصي لمعلمنا الجديد ليست هي الإجابة المطلوبة.

فما هو اسم معلمنا الجديد؟

ظل السؤال مطروحا، ولم يعد هناك من يرفع يده، طلبا للإجابة. ولأنه لم يعد هناك من يرفع يده، فقد قررت أنا أن أرفع يدي من جديد. فكم هو رائع أن أجيب على سؤال فشل كل التلاميذ في الإجابة عليه، خصوصا إذا كان صاحب السؤال معلما صارما وقاسيا يسعى المعلمون من قبل التلاميذ لكسب وده. ومن يدري فربما تكون إجابتي سببا لأن يرضى عني معلمنا الجديد. ومن يدري فربما تكون تلك الإجابة هي خير وسيلة للوقاية من سوط وعصا وسلسلة معلمنا الجديد.

أذن لي المعلم بالجواب.

كان من سوء حظي، أني كنت قد سمعت قبل ذلك بأيام، ومن قبل أن يحول المدير الجديد لمدرستنا، من ينادي معلمنا الجديد باسمه مصغرا، فاعتقدت بأن ذلك الاسم ربما يكون هو الاسم الذي يسأل عنه معلمنا الجديد.

ـ سيدي، اسمك أَعْبَيدْ اللهِ.

لم يطلب المعلم الجديد من التلاميذ أن يصفقوا لي، كما كان يفعل المعلم السابق. ولم يجعلني ذلك أشك في صحة إجابتي، فربما تكون لمعلمنا الجديد طريقته الخاصة في تشجيع أصحاب الإجابات الصحيحة.

اكتفى المعلم بأن طلب مني أن أقترب منه، وعندما أصبحت بجنبه، وضع يده على منكبي، بحنان مريب، ثم قال لي بصوت بدا وكأنه وقور: ـ أنا اسمي "المشكلة" وستعرف الآن أنت وزملاؤك في الفصل، بأني مشكلة حقيقية، ابتليتم بها في عامكم هذا.

وما كاد معلمنا "المشكلة" أن ينهي كلمته الأخيرة، حتى أدخل يده في جيب دراعته، وأخرج حزمة من الإبر الغليظة، اختار واحدة منها ووضعها على الطاولة، بجنب العصا والسوط والسلسلة، ثم أعاد بقية الإبر إلى جيبه.

بدأت أحس بأن معلمنا الجديد يفكر في شيء آخر غير تشجيعي.

ـ يا بني اطمئن فلن نستخدم معك سلسلة الحديد في هذا اليوم.

صمت قليلا، ثم واصل بصوته الذي لم يعد وقورا:

ـ سنخز لسانك الطويل ثلاث مرات بهذه الإبرة، وسنضربك على كعب كل قدم وعلى عرقوبه ثلاث مرات بهذه العصا، وسنضربك على الظهر بهذا السوط ثلاث مرات أيضا، أما السلسلة، وكما قلت لك سابقا، فلن نستخدمها إطلاقا في هذا اليوم.

لم يلتزم معلمنا "المشكلة" بنص العقوبة، فقد كان أول شيء فعله هو أنه صفعني على أحد الخدين، لم أعد أذكر أيهما، صفعة قوية، لم تكن من بين ما عدد. وهي صفعة لم أعرف لها مثيلا، لا من قبل ولا من بعد، رغم أني استقبلت في طفولتي عددا لا بأس به من الصفعات. وبعد تلك الصفعة، بدأ معلمنا الجديد بتنفيذ ثلاثياته المنصوص عليها في العقوبة. وهنا أيضا لم يلتزم حرفيا بنص العقوبة، فقد تحولت ضربات السوط إلى أربع بدلا من ثلاث.

وبعد مرور أيام على تنفيذ تلك العقوبة، حدث أن وصلت إلى المدرسة متأخرا بدقيقة واحدة عن الثامنة صباحا، وكانت تلك واحدة من الجرائم الكبرى عند معلمنا "المشكلة". وفي ذلك اليوم، ولأول مرة في حياتي، كنت ألف معصمي الأيسر بساعة جديدة، حصلت عليها، بعد جهد جهيد. وكان من المفترض أن يلتف حولي تلاميذ الفصل، في وقت الاستراحة، كما تلتف الساعة على معصمي، ليسألونني عن ساعتي الجديدة، وعن سعرها، وعن كيفية معرفة وقتها، وعن أسئلة أخرى كنت في شوق لسماعها من زملائي في الفصل، ولكن المعلم "المشكلة" ضيع عليَّ تلك الفرصة النادرة.

توجهت إلى باب الفصل، وطلبت من المعلم أن يأذن لي بالدخول.

لم يكتف المعلم بأن أذن لي بالدخول، بل طلب من التلاميذ أن يقفوا احتراما لي. وكان ذلك يعني، في قاموس معلمنا "المشكلة"، بأن العقوبة هذه المرة ستكون مميزة، وأنها ستتناسب مع الاحترام المميز، الذي استقبلني به التلاميذ، وفقا لأوامر معلمنا المشكلة.

أخذت أبكي بكاءً شديدا، ثم قلت بصوت متقطع:

ـ سيدي سامحني هذه المرة، وأعدك بأني لن أتأخر بعد اليوم ثانية واحدة. إن ساعتي هي السبب، فقد كنت أعتقد بأن وقتها مضبوط، ولكن يبدو أنه ليس كذلك، فهي لا زالت تشير، حتى الآن، إلى الساعة الثامنة إلا ثلاث دقائق، وكنت قبل ذلك، قد أخرت الساعة بدقائق لتبرير تأخري.

نزع المعلم الساعة من معصمي بقوة، وبدأ ينفذ عقوبته الثانية ضدي، والتي وعد بأنها ستكون، في هذه المرة، عقوبة مخففة. ولم أفهم أنا، وإلى غاية الآن، الفرق بين عقوبة مخففة، وعقوبة كاملة، في قاموس معلمنا "المشكلة".

ولم أفهم أيضا، وإلى غاية الآن، لماذا كنت أصر على أن أرتكب حماقات في عهد المعلم "المشكلة"، لم أفكر في ارتكابها في عهد أي معلم آخر؟ لقد كنت أخاف من المعلم "المشكلة" خوفا شديدا، لا جدال في ذلك. ولم يحدث أن عرفت مثل ذلك الخوف مع أي معلم آخر، ورغم ذلك فقد تجرأت في الأشهر التي كان يدرسنا فيها، على ارتكاب حماقات، لم أتجرأ على ارتكابها في عهد أي معلم آخر.

لقد كنت أتسلل في بعض الليالي، صحبة تلميذ آخر، إلى المدرسة. وكان التلميذ المرافق يساعدني على التسلق حتى أصل إلى فتحة، على شكل نافذة مستطيلة، في أعلى مكتب المدير. وكنت أستخدم تلك الفتحة للدخول إلى داخل مكتب المدير.

وفي داخل المكتب، كنت أصحح الواجبات، فأعطي لأصدقائي نقاطا جيدة، ولخصومي نتائج سيئة. وكنت أنزع بعض الأغلفة البلاستيكية الجديدة، من دفاتر بعض خصومي في الفصل، لأغلف بها دفاتر أصدقائي في الفصل، ممن لم تكن أغلفتهم جيدة.

ومن حسن حظي، أن تلك الجريمة البشعة، التي شغلت التلاميذ والمعلمين على حد سواء، لم يكتشف مرتكبها إلا بعد أيام معدودة من تحويل المعلم "المشكلة"، إلى مدرسة أخرى، وإبداله بمعلمنا ومديرنا السابق.

ولم تتوقف مشاكل المعلم "المشكلة" حتى من بعد تحويله. فقد اتصل بوالدي رحمه الله، وطلب منه أن يسمح له بتحويلي إلى المدرسة التي حُوِّل هو إليها، وذلك لكي يشرف ـ بشكل مباشر ـ على تربيتي وتعليمي. وكانت حجة المعلم "المشكلة"، هي أني أستحق رعاية خاصة، تتناسب مع ذكائي الخارق، وأنه هو وحده القادر على توفير تلك الرعاية.

تصبحون على الحلقة الثالثة من الرواية...

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

خاص بالمشاركين في الحوار





قطعا لن أكون من بين المشاركين في حوار قصر المؤتمرات المزمع تنظيمه يوم 17 من الشهر الجاري، ومع ذلك فقد أعددت لهذا الحوار ورقة ارتأيت أن أنشرها قبل بدئه، وأن أضعها بين أيدي المشاركين فيه. ولقد حاولت أن أتجنب الحديث عن القضايا السياسية التي أعتقد أن المشاركين سيعطونها حقها في النقاش، وأن أركز بدلا من ذلك على قضايا قد لا يتم نقاشها من طرف ساستنا الذين تعودوا دائما التركيز على خلافاتهم، وقضاياهم الصغيرة، والابتعاد عن قضايا الوطن الكبرى العالقة، والتي كان من المفترض أن يكون قد تم حسمها في السنوات الأولى التي أعقبت ميلاد الدولة الموريتانية.
لذلك ستركز هذه الورقة على القضايا العالقة، خاصة منها تلك التي إن لم يحسم الخلاف حولها، وبشكل عاجل، فإنه لن يكون بالإمكان الحديث عن دولة موريتانية آمنة، لا في الحاضر، ولا في المستقبل المنظور أو البعيد.
وإن من أهم القضايا العالقة التي يجب على الأربعين مشاركا أن يحسموا الخلاف حولها:
إشكالية اللغة :
لم يعد من اللائق في بلد يعيش ما بعد عامه الخمسين أن يختلف مواطنوه حول لغته الرسمية. ولم يعد من المقبول أن يكون أي اهتمام رسمي باللغة الدستورية للبلد، حتى ولو كان مجرد كلام عابر، لابد أن تعقبه مباشرة مشاجرات وفتن عرقية داخل الجامعة أو خارجها.
فجدير بساستنا أن يعلموا بأن رفع شعار الاهتمام باللغات الوطنية، مع الوقوف ضد أي محاولة للاهتمام بتلك اللغات لم يعد مقبولا.
إن الدفاع عن الفرنسية، كي تبقى اللغة المسيطرة على الإدارة، لا يخدم تطوير لغاتنا الوطنية التي طالما نادى أحزابنا بتطويرها. وهو لا يخدم احترام الدستور الذي ينص في مادته السادسة على أن العربية هي اللغة الرسمية، في الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة من خلال معاملاتها اليومية، بأن اللغة الفرنسية التي لم يذكرها الدستور الموريتاني، هي اللغة الرسمية للبلاد. ويكفي للتأكد من ذلك، أن تقرؤوا فاتورة الكهرباء أو الماء، أو آخر وصفة طبية لديكم، شفاكم الله من كل مرض.
إن على هذا الحوار الخروج بتوصيات عملية تعيد لدستور البلاد هيبته. وهيبة العربية واحترامها من هيبة الدستور. ويجدر به أن يخرج بتوصيات صريحة تفرض على الإدارة أن تبدأ من الآن ـ وبشكل متدرج ـ بالتخلي شيئا فشيئا عن الفرنسية لصالح العربية، حتى يكون بإمكاننا تعريب الإدارة، و بشكل كامل، في فترة زمنية معقولة.
وعلى الحوار أن يخرج كذلك بتصورات عملية تساعد في تطوير لغاتنا الوطنية وكتابتها، وجعلها مادة دراسية يدرسها كل الموريتانيين قبل نهاية العقد الحالي.
وليعلم إخوتنا الزنوج بأن دفاعهم المستميت عن الفرنسية، وتخليهم عن لغاتهم الوطنية، كان من بين الأسباب التي أدت إلى عدم الاهتمام بلغاتهم الوطنية التي يجب أن تكون لغات لكل الموريتانيين.
وبالمختصر المفيد، فإن اللغة العربية هي لغة ديننا الذي نعتز به جميعا، وهي اللغة الرسمية للبلاد دستوريا، وهي اللغة الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية التي يمكن أن تكون لغة رسمية، وهي لغة الأكثرية في هذا البلد، لذلك فلم يعد من المقبول تهميشها وجعلها لغة ثانية لدى الإدارة.
وبالعربي الصريح، فلم يعد مقبولا من ساستنا إظهار الشفقة الزائفة كلما كان هناك اهتمام رسمي بالعربية، بحجة أن ذلك سيتضرر منه ما يقارب ثلاثة آلاف حامل شهادة فرنسية عاطل عن العمل، تمنح لهم المنظمات والمؤسسات الأجنبية فرص تشغيل كثيرة. في الوقت الذي تغيب فيه تلك الشفقة الزائفة، ولا ترق فيه قلوب ساستنا لثلاثين ألف حامل شهادة بالعربية عاطل عن العمل. ولا ذنب لهم إلا أنهم صدَّقوا كذبة كبيرة في الدستور الموريتاني تقول بأن اللغة العربية هي اللغة الدستورية للبلد، وأنه قد تم تكوينهم بتلك اللغة. فأين أنتم يا أنصار اللغة العربية؟ ولِمَ لا تغرقون المواقع والصحف بمقالات وبيانات تطالب المشاركين في الحوار بإنصاف لغة بلادكم الرسمية، والتي هي من حسن حظكم لغة قرآنكم؟ بل ولِمَ لا تنظمون وقفات احتجاجية أثناء الحوار للمطالبة بتعريب الإدارة؟
أزمة الوحدة الوطنية :
إن قضية الوحدة الوطنية قضية معقدة، ولا تكفيها لوحدها ورقة كاملة. لذلك فسأركز على جزئية واحدة فيها، لأنها هي الأكثر إلحاحا في ملف الوحدة الوطنية. كما أنها هي الأكثر تهديدا لوحدتنا، في الحاضر، وفي المستقبل المنظور.
إن مكافحة الرق ومخلفاته يجب أن يشكلا أولوية لدى كل الموريتانيين، ويجب أن يلعب كل موريتاني دورا في هذا المجال بغض النظر عن شريحته أو عرقه أو موقفه أو تموقعه في الخريطة السياسية.
ومن اللافت للانتباه أن مشروع "حراس المستقبل" الذي ضم المئات من شخصيات موريتانيا ومثقفيها وأطرها وعلمائها، من شتى ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، ومن مختلف التخصصات لم يجد حتى الآن ترخيصا لمزاولة أنشطته الهادفة إلى صياغة وتنزيل إستراتيجية عمل اجتماعي تهدف إلى إرساء أسس الأخوة والمساواة بين مختلف شرائح شعبنا ومكوناته.
إن مشروع الحراس الطموح ما زال محروما ـ حتى يومنا هذا ـ من ترخيص، رغم تقديم ملف متكامل لوزارة الداخلية منذ ما يقترب من السنتين. في الوقت الذي منحت فيه الوزارة لما يطلق عليه حزب الشباب ترخيصا بعد أيام معدودة على تقديم ملفه للوزارة، إن هذه الازدواجية في التعامل يجب أن تتوقف فورا.
وعلى السلطات القائمة أن تهتم بشكل عملي بمكافحة الرق وبمخلفاته، وأن تشجع كل من يساهم في ذلك الجهد، وعليها أن لا تشكل عائقا في وجه المشاريع الجادة من خلال حرمان تلك المشاريع من تراخيص تمنح لكل من هب ودب.
وعلى المتحاورين في هذا الإطار أن يخرجوا بتوصيات واضحة وصريحة لاتخاذ جملة من الإجراءات والقرارات يستحسن أن يكون من بينها:
1ـ وضع آليات تمكن من خلق فرص للترقية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأرقاء والأرقاء السابقين من خلال تمييز إيجابي لصالحهم.
2ـ تشجيع الأحزاب وهيئات المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة آثار الرق، من خلال برامج عملية تتم صياغتها وفق إمكانات وقدرات تلك الأحزاب والهيئات.
3ـ تشجيع العلماء وحثهم على مكافحة الرق، وتصحيح الأخطاء في هذا المجال، مع تنقية كتبنا ومراجعنا الفقهية من بعض الشوائب التي لا تستند إلى أدلة شرعية راجحة.
عن الهوية والمواطنة:
من المقلق أننا، وبعد مرور نصف قرن على إعلان الاستقلال، ما زلنا من حيث مستوى الوطنية، نشكل الحلقة الأضعف في المنطقة. ولو كان هناك مقياس دولي لقياس مستوى الوطنية لدى الشعوب لكنا ـ كعادتنا ـ في ذيل القائمة.
ومن المقلق كذلك أن أغلبنا يضع ولاءه للوطن في الرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة بعد ولائه للقبيلة أو للعرق أو للايدولوجيا أو حتى لدول أخرى ..
والحقيقة أن لذلك أسباب عديدة من بينها أن السلطة لا تزال عاجزة عن تقديم أبسط الحقوق لمواطنيها. فالعاطل عن العمل إن لم يستنفر قبيلته أو شريحته أو أخوة له في الايدولوجيا أو في الحزب قد يصل إلى سن التقاعد قبل الحصول على وظيفة. والموظف لا يرتقي في وظيفته حتى ولو بذل جهدا استثنائيا إن لم يستنفر القبيلة أو الشريحة أو الحزب.
و الحقيقة المرة أن أسوأ الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يؤمنون بالوطن، ويعتقدون بأن الوطنية يمكن أن تكون سلما قد يساعدهم على الصعود. وأحسن الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يكفرون بالوطن، ويؤمنون بالقبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، ويتخذون منها سلما لتجاوز الدرجات، وللقفز إلى أعلى.
لذلك فقد بات من الملح و الضروري، أن يبحث المتحاورون عن آلية ما، تفتح فرصا لأبناء الوطن الذين تم تهميشهم بسبب ولائهم للوطن. ويجب أن تكون تلك الفرص لا تقل أهمية عن الفرص التي تتيحها القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا لأبنائها البررة الذين يمنحونها ولاءهم، وبشكل مطلق.
كما أنه على المتحاورين أن لا يتجاهلوا حقيقة مفزعة مفادها أننا مجموعة من "الأجانب" التي استوطنت هذه الأرض . ففينا المغاربة والصحراويون والسنغاليون والماليون الذين لن يتورعوا عن تجنيس إخوتهم وأقربائهم من تلك البلدان.
وعلينا أن لا نتجاهل بأن الرشوة قد تفشت فينا، وأن أوراقا معدودة من فئة الألف أو الألفين أوقية، قد تدفع بموظف بائس أن يبذل جهدا كبيرا لتزوير أوراق مدنية لكل عابر سبيل يدفع أوراقا نقدية مقابل تلك الأوراق المطلوبة.
وعلينا أن لا نتجاهل أن سمعة البلد في مجال حقوق الإنسان السيئة أصلا، قد زادت سوءا في السنوات الأخيرة بسبب كثرة الأجانب الذين يحملون جوازات سفر موريتانية مزورة، والذين يصفون موريتانيا بأبشع الأوصاف من أن أجل الحصول على اللجوء داخل تلك البلدان.
وقصة الغيني، الموريتاني بجواز سفره، الذي مات في أمريكا ليست هي الدليل الوحيد، ولا قصة الخمس والعشرين مهاجرا سريا الذين انقلب بهم قاربهم ومات منهم من مات، وتم اعتبارهم لدى وكالات الأنباء العالمية بأنهم موريتانيون، قبل أن يتبين لاحقا بأنه لا صلة تربطهم بموريتانيا، سوى جوازات سفرهم المزورة.
تلك أمثلة من بين أخرى، قدمتها لأقول بأنها قد آن الأوان لأن تهتم أحزابنا السياسية بالحالة المدنية للبلد. وأن تجعل من إصلاحها المطلب الأول، والأكثر إلحاحا، في سلة مطالبها، والتي كثيرا ما يكون فيها ما لا يرقى لأن يكون مطلبا لحزب سياسي.
فإصلاح الحالة المدنية يجب أن يكون مطلبا رئيسيا، في بلد كبلدنا لا تزال شهادة الزور فيه يتم تقديمها مجانا لكل من يريد الحصول على أوراق مدنية، مهما كانت طبيعتها.
إن على هذا الحوار أن يخرج بتوصيات صارمة، تطالب بضرورة ضبط الحالة المدنية، وبضرورة وضع شروط وآليات قاسية للحصول على الأوراق المدنية، دون أن يكون ذلك سببا في ظلم أي مواطن موريتاني. ووقوف بعض الأحزاب السياسية ضد مواصلة الإحصاء الجاري يعتبر خطأ فادحا، وإن كان ذلك لا يعني حق تلك الأحزاب بالمطالبة بتصحيح بعض الأخطاء التي قد ترافق عملية الإحصاء الجارية حاليا.
كارثة التعليم :
لست بحاجة لأن أذكر بأنه لا فائدة من تشييد وبناء الطرق إذا لم يسبقها، أو يصاحبها على الأقل، بناء مواطن صالح من خلال إصلاح التعليم. فلا فائدة من الاهتمام بالبنية التحتية ما دام تعليمنا فاشلا، ولا إمكانية لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي في ظل تعليم فاشل . فعلينا أن نرفع شعار "إصلاح التعليم" أولا، قبل أي شعار آخر مهما كانت أهمية ذلك الشعار.إن مأساتنا الكبرى أن التعليم لدينا وبشقيه النظامي والحر لا يبني أجيالا، وإنما يدمرها. فالهوة بين الأعراق تزداد بسبب المناهج المعتمدة، وهي المناهج التي كان يعول عليها في إذابة تلك الهوة، أو إيقاف اتساعها في أسوأ الأحوال. والفوارق الثقافية والاجتماعية بين أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء تزداد اتساعا، بما يتناسب مع الفوارق الكبيرة بين المناهج المعتمدة من طرف المدارس الأجنبية الحرة، خاصة الفرنسية منها، مع المدارس العمومية، أو المتاجر الحرة، والتي نسميها مجازا بالمدارس الحرة. إن تراجع قيم المواطنة، وانتشار العنف والجريمة، واتساع البطالة، وغياب المهارات والكفاءة لدى الشباب، هي العناوين الأبرز لحصيلة العملية التربوية في بلدنا.
لذلك فعلى المتحاورين، أن يطالبوا، وبشكل ملح، بضرورة تنظيم منتديات للتعليم قبل الافتتاح الدراسي القادم، عسى أن نخرج من تلك المنتديات بأفكار ومقترحات تساعد في الحد من عملية تدمير الأجيال، التي تقوم بها مؤسساتنا التعليمية والتربوية، وبشكل حثيث.
إصلاح الإدارة:
لن أتحدث هنا عن المشاكل التي تعاني منها الإدارة، بل سأكتفي بجزئية واحدة في هذا الملف، تتعلق بالتعيين والترقية، وسأقدم حزمة من المقترحات أتمنى من المشاركين في الحوار أن يناقشوها، ومن بين هذه المقترحات أذكر:
1 ـ المطالبة بوضع قاعدة بيانات لكل موظف، تمكن من معرفة الموظف الصالح من الطالح، وذلك حتى تكون هناك مقاييس واضحة يمكن الاعتماد عليها في الترقية والتوشيح والتكريم، عكس ما هو قائم حاليا.
2 ـ ضرورة تقسيم الوظائف الإدارية إلى ثلاثة أصناف:
وظائف ذات حساسية عالية: وهذه يحرم تماما تعيين أي سياسي فيها مهما كانت كفاءته. وهذه الوظائف يجب أن تظل حكرا للموظفين الذين ليست لهم اتجاهات سياسية معلنة، والغريب أن هذه الوظائف يحتلها اليوم موظفون غارقون في السياسة حتى التراقي: مفتشية الدولة، رئاسة لجنة الصفقات، إدارة الضرائب، وكالة تشغيل الشباب....
وظائف ذات حساسية متوسطة: وهذه يمكن أن يعين فيها سياسيون، إلا أنه يشترط فيهم أن يكونوا من أصحاب الكفاءات المهنية.
وظائف غير حساسة : وهذه يمكن أن يعين فيها الجميع، ويمكن أن يتم احتكارها للفريق السياسي المتغلب ومن هذه الوظائف كل المناصب الوزارية.
3 ـ المطالبة بتفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والسلطة العليا للسمعيات البصرية، ولجنة الصفقات، ووسيط الجمهورية .....إلخ . ولن يتسنى ذلك إلا إذا تم حل تلك المجالس والهيئات، وذلك لكي يتم اختيار لجان وهيئات جديدة تعطى فيها الأولوية لأصحاب الكفاءات والتخصص، بدلا من ترك هذه الهيئات والمجالس بيد أفراد لا صلة لهم بالمجال، وليست لهم القدرة ولا الكفاءة لتقديم أي استشارة، ولا القيام بالمهام الموكلة لهم.
4 ـ المطالبة بتأسيس صندوق يتم تمويله من اقتطاعات من موارد الجمارك والضرائب لتقديم منح مالية لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، ويجب أن لا تقل قيمة المنحة عن 15000أوقية.
من أجل إعلام عمومي:
لا جدال في أن الإعلام الرسمي، والذي يقال بأنه سيتحول إلى إعلام عمومي لا يزال يشكل عاهة مستديمة، وعائقا كبيرا في وجه أي إصلاح.
ومن المؤسف أن غالبية العاملين في هذا القطاع، والذين كان من المفترض بهم أن يناضلوا في سبيل إصلاحه، هم الذين يعيقون بالدرجة الأولى إصلاح هذا القطاع الحساس. وهم الذين يرفضون أن يستجيبوا لكل الدعوات المنادية بفتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام جميع الموريتانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، بما في ذلك تلك الدعوات التي أطلقها رئيس البلاد أكثر من مرة.
إن إصلاح الإعلام الرسمي، يتطلب من المشاركين في الحوار أن يقدموا توصيات صريحة وواضحة تهدف إلى:
1ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأنهم يتقاضون أجورهم من الضرائب التي يدفعها المواطن الموريتاني، سواء كان معارضا أو مواليا، لذلك فهم ملزمون أخلاقيا وقانونيا بتقديم ما يهم ذلك المواطن، بدلا من التصفيق والتطبيل للنظام الحاكم.
2 ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأن المواطن الذي ينتقد الأوضاع ليس أقل وطنية ممن يمتدحها، بل العكس قد يكون صحيحا، لذلك فيجب أن لا يشكك في وطنية من ينتقد، وأن لا يكون ذلك سببا لأن يحال بينه وبين مؤسسات الإعلام الرسمية.
3 ـ وضع أساليب شفافة لاختيار الضيوف، تعتمد في الأساس على مقدار مشاركة واهتمام الفرد بالشأن العام. ويجب أن لا تظل العلاقات الشخصية، والتزلف للحكام، هي المعايير التي يتم على أساسها اختيار الضيوف.
4 ـ إن انفتاح مؤسسات الإعلام الرسمي يجب أن لا يكون موسميا، ولا أن يكون ردة فعل لتوجهات وأوامر عليا، بل يجب أن يظل هو السمة الملازمة لتلك المؤسسات.
5 ـ يجب أن نتذكر دائما بأن انفتاح وسائل الإعلام لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يتعداه ليشمل جوانب أخرى، تنموية وثقافية وترفيهية. وعلى الإعلام الرسمي أن يقدم ما يهم مختلف فئات وشرائح المجتمع، وما يحقق رغباتها، سواء كانت تلك الرغبات مرتبطة بالدين، أو بالسياسة، أو بالرياضة، أو بالترفيه، أو بالثقافة، أو بالحوارات والنقاشات، أو بقضايا تهم الشباب أو المرأة أو الطفل.
الحرب على الفساد :
إن على المتحاورين أن يفكروا في اقتراح آليات تمكن من محاربة الرشوة والفساد، كتأسيس هيئة مستقلة لذلك الغرض، تُختار لها شخصيات نظيفة، وتكون محل إجماع. وهذه الهيئة يجب أن يكون من مهامها السهر على الحرب على الفساد، حتى لا يتم استخدامها كسلاح سياسي ضد الخصوم السياسيين.
وفي هذا الإطار يجب أن تسن قوانين تجرد كل موظف ثبت أنه أخذ رشوة، أو نهب مالا عاما من وظيفته، مع حرمانه من مزاولة أي وظيفة عمومية أخرى، أو الترشح لأي منصب سياسي.
ويبقى إصلاح العدل، والذي لم أخصصه له فقرة، رغم أهميته، هو القطاع الذي يجب إصلاحه، قبل أي قطاع آخر. فبوجود العدل يمكن أن نحلم بكل الإصلاحات المذكورة في هذه الورقة، وبغيابه فسيكون من الحماقة أن نحلم بأي إصلاح.
تصبحون على حوار بناء..

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

أولويات الرئيس





تابعت على شاشة التلفزيون الرسمي مشاهد من زيارات الوزراء لبعض الولايات الداخلية، أثناء عطلهم السنوية. ومتابعتي لتلك الزيارات لفتت انتباهي لجملة من الملاحظات، لخصتها في النقاط الثلاث التالية:
1ـ أكد الوزراء خلال تلك الزيارات بأن الرئيس يعطي الأولوية لكل القطاعات، وبلا استثناء. فوزيرة الثقافة كررت أكثر من مرة بأن الرئيس يعطي الأولوية للثقافة وللشباب، وإن كانت لم تقدم دليلا واضحا على ذلك. والحقيقة أن هناك أدلة كثيرة تناقض قولها، ويمكن أن أذكر منها: إغلاق دور الكتاب، إيقاف جائزة شنقيط، الانسحاب من مشروع نواكشوط عاصمة للثقافة، الانسحاب من بعض التصفيات الرياضية.
وزراء التعليم الثلاثة، بكبيرهم ومتوسطهم وصغيرهم أكدوا جميعا بأن الرئيس يعطي الأولوية للتعليم، وهم بدورهم لم يقدموا دليلا على ذلك، في الوقت الذي توجد فيه أدلة تناقض قولهم، منها تفكيك الوزارة بشكل ارتجالي وعبثي إلى ثلاث وزارات. وهو ما نتج عنه ارتباك كبير، خاصة في مجال التكوين المهني، الذي طالما وعد الرئيس بتطويره، والذي يعيش اليوم شللا شبه كامل. فالوزير المنتدب له لا يزال ينتظر الهيكلة الجديدة التي كان من المفترض أن تصاحب قرار تفتيت الوزارة. وربما تكون الحيرة التي يعيشها هذا الوزير، الذي لم يعد لديه شيئا يفعله، هي التي جعلته يترك قطاعه، ويكتفي بمرافقة مفوض الأمن الغذائي خلال الزيارات التفقدية.
ويمكنكم للتأكد بأنفسكم من الأولوية الممنوحة للتعليم في العهد الحالي، أن تقارنوا بين وزارة التعليم اليوم، وهي تحت قيادة ثلاثة رجال من رجالات موريتانيا الجديدة، مع وزارة التعليم يوم كانت تقودها امرأة "مفسدة" لوحدها في العهد البائد.
المثير للسخرية أن وزير التعليم الثانوي الذي قام بزيارة "تفقدية" لبعض الولايات للتعرف على مشاكل قطاعه، اختار لتلك الزيارة توقيتا غريبا، حيث كانت المدارس مغلقة، والأساتذة في عطلهم السنوية، وأغلب التلاميذ والآباء خارج المدن التي زارها الوزير.
ولعل أهم دليل يمكن تقديمه لإثبات أن ما يقوله وزراء التعليم الثلاثة، من اهتمام بالتعليم، هو مجرد كلام، فيكفي أن أشير إلى أن منتديات التعليم الموعودة منذ ثلاث سنوات لم تعد تجد من يتحدث عنها، وربما لا تجده، في المستقبل المنظور. فأهل"موريتانيا الجديدة" يعتقدون بأن بناء وتشييد الشوارع أهم بكثير من بناء المواطن الذي سيستغل تلك الشوارع.
وزير التنمية الريفية هو الآخرقال في زياراته التفقدية بأن الرئيس يعطي الأولوية للتنمية الريفية. وقال وزير العدل بأن الأولوية هي للعدل، بينما أكدت وزيرة الوظيفة العمومية بأن الأولوية لدى الرئيس هي للعمال.وقال وزير المياه بأن الأولوية للمياه. وقال وزير التجارة بأن الأولوية لدى الرئيس هي لتخفيض الأسعار ولدكاكين التضامن. وقالت وزيرة المرأة بأن الأولوية للمرأة. وقال وزير البيئة بأن الأولوية لمشروع غرس مليون شجرة على رمال العاصمة. وقال وزير الاتصال في زياراته التفقدية بأن الأولوية لدى الرئيس هي لقطاع الاتصال، في حين أكد وزير الصحة بأنها للصحة.
والحقيقة أن ادعاء كل وزير بأن قطاعه هو الذي يحظى بأولوية الرئيس، أفقد كلمة "أولوية" دلالتها اللغوية.فالرئيس ـ ومهما كانت قدراته ـ لا يمكن أن يعطي الأولوية لكل القطاعات الوزارية مرة واحدة وفي نفس الوقت. لذلك يمكن القول بأن كلمة أولوية تفقد شحنتها ودلالتها عندما ينطق بها وزير من وزراء "حكومة الأولويات"، تماما كما يحدث مع كلمات أخرى ككلمة "جبارة" و "معتبرة" والتي فقدت معناها، منذ أمد بعيد، لكثرة استخدام الوزراء لها أثناء حديثهم عن إنجازاتهم المتواضعة. ومن الانجازات "المعتبرة" و"الجبارة" لحكومة الأولويات في زياراتها التفقدية، تدشين محل لشحن بطاريات الهواتف المحمولة، في قرية "التيدومة"، بولاية الحوض الغربي!!!
2 ـ وزير الإسكان والعمران يبدو أنه من أكثر الوزراء ذكاء، ويبدو أنه شعر في وقت مبكر بأن كلمة أولوية قد فقدت دلالتها اللغوية، لذلك فهو عندما يتحدث عن قطاعه لا يكتفي بأن يقول بأن الرئيس يمنح لقطاعه الأولوية، بل يصر على أن يضيف كلمة قصوى، لتصبح الأولوية الممنوحة لقطاع الإسكان تختلف عن الأولوية الممنوحة للبيئة مثلا، لأنها "أولوية قصوى".
وربما تكون هذه الأولوية القصوى هي التي جعلت الوزير يقول بأن "انبيكت الأحواش" أصبحت مدينة عصرية، فيها الماء والكهرباء والصحة والتعليم وكل ما تحتاجه المدن العصرية، وهذا الكلام كرره الوزير عن قرى وتجمعات سكنية أخرى.
ولو كان المواطن يصدق "وزير الأولوية القصوى"، لهاجر سكان العاصمة إلى "انبيكت لحواش"، وإلى "ترمسه"، وإلى مدينة عصرية أخرى، في ولاية "كوركول"، لم أتذكر الآن اسمها، وصفها "وزير الأولوية القصوى" أثناء زيارته لها وصفا عجيبا، رغم الشفقة التي كانت تثيرها مشاهدة "المدينة العصرية" في نفوس كل من حُظِي بمشاهدتها أثناء زيارة "الأولوية القصوى" لها.
المهم أن "وزير الأولوية القصوى" قد حل مشكلة عويصة، لأنه شيد لنا من خلال خطاباته المتكررة، مدنا عصرية، يمكن لمن يصدق حكومة الأولويات أن يهاجر إليها، للحصول على عيش كريم، لم يحصل عليه حتى في العاصمة، التي عجزنا أن نجعل منها مدينة عصرية، رغم مرور ما يزيد على نصف قرن على تأسيسها.
3 ـ أثبتت تلك الزيارات بأن لوزراء الأولوية عطلا سنوية، لا تتجاوز الأسبوعين، وهذه معلومة جديدة، لمن كان يعتقد ـ كما هو الحال بالنسبة لي ـ بأن وزير الأولوية يعيش عطلة سنوية دائمة، براتب كبير. فهو موظف كبير صغير، براتب وزير، وبمهام سكرتير.
ووزراء الأولوية يؤكدون ذلك بأنفسهم، فيستحيل أن تسمع وزير أولوية يدعي بأنه أنجز عملا ما، بمبادرة منه، ودون أوامر سامية، حتى ولو كان مجرد تدشين لمحل تشحن فيه بطاريات الهواتف المحمولة.
فوزراء الأولوية ـ بما فيهم وزير الأولوية القصوىـ يظلون في مكاتبهم لا يفعلون شيئا، وهم لا يقومون بأي شيء من قبل أن تأتيهم توجيهات سامية من الرئيس، لكي يقوموا بمهامهم الموكلة إليهم، والتي كان من المفترض أن يقوموا بها دون الحاجة لأوامر سامية، أو لتعليمات نيرة.
فهل سمع أحدكم وزير أولوية عادية أو أولوية قصوى يدعي بأن أنجز عملا ما، حتى ولو كان بسيطا من قبل أن تأتيه الأوامر السامية أو التعليمات النيرة لانجاز ذلك العمل؟
تصبحون بلا تعليمات نيرة...