الاثنين، 12 سبتمبر 2011

خاص بالمشاركين في الحوار





قطعا لن أكون من بين المشاركين في حوار قصر المؤتمرات المزمع تنظيمه يوم 17 من الشهر الجاري، ومع ذلك فقد أعددت لهذا الحوار ورقة ارتأيت أن أنشرها قبل بدئه، وأن أضعها بين أيدي المشاركين فيه. ولقد حاولت أن أتجنب الحديث عن القضايا السياسية التي أعتقد أن المشاركين سيعطونها حقها في النقاش، وأن أركز بدلا من ذلك على قضايا قد لا يتم نقاشها من طرف ساستنا الذين تعودوا دائما التركيز على خلافاتهم، وقضاياهم الصغيرة، والابتعاد عن قضايا الوطن الكبرى العالقة، والتي كان من المفترض أن يكون قد تم حسمها في السنوات الأولى التي أعقبت ميلاد الدولة الموريتانية.
لذلك ستركز هذه الورقة على القضايا العالقة، خاصة منها تلك التي إن لم يحسم الخلاف حولها، وبشكل عاجل، فإنه لن يكون بالإمكان الحديث عن دولة موريتانية آمنة، لا في الحاضر، ولا في المستقبل المنظور أو البعيد.
وإن من أهم القضايا العالقة التي يجب على الأربعين مشاركا أن يحسموا الخلاف حولها:
إشكالية اللغة :
لم يعد من اللائق في بلد يعيش ما بعد عامه الخمسين أن يختلف مواطنوه حول لغته الرسمية. ولم يعد من المقبول أن يكون أي اهتمام رسمي باللغة الدستورية للبلد، حتى ولو كان مجرد كلام عابر، لابد أن تعقبه مباشرة مشاجرات وفتن عرقية داخل الجامعة أو خارجها.
فجدير بساستنا أن يعلموا بأن رفع شعار الاهتمام باللغات الوطنية، مع الوقوف ضد أي محاولة للاهتمام بتلك اللغات لم يعد مقبولا.
إن الدفاع عن الفرنسية، كي تبقى اللغة المسيطرة على الإدارة، لا يخدم تطوير لغاتنا الوطنية التي طالما نادى أحزابنا بتطويرها. وهو لا يخدم احترام الدستور الذي ينص في مادته السادسة على أن العربية هي اللغة الرسمية، في الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة من خلال معاملاتها اليومية، بأن اللغة الفرنسية التي لم يذكرها الدستور الموريتاني، هي اللغة الرسمية للبلاد. ويكفي للتأكد من ذلك، أن تقرؤوا فاتورة الكهرباء أو الماء، أو آخر وصفة طبية لديكم، شفاكم الله من كل مرض.
إن على هذا الحوار الخروج بتوصيات عملية تعيد لدستور البلاد هيبته. وهيبة العربية واحترامها من هيبة الدستور. ويجدر به أن يخرج بتوصيات صريحة تفرض على الإدارة أن تبدأ من الآن ـ وبشكل متدرج ـ بالتخلي شيئا فشيئا عن الفرنسية لصالح العربية، حتى يكون بإمكاننا تعريب الإدارة، و بشكل كامل، في فترة زمنية معقولة.
وعلى الحوار أن يخرج كذلك بتصورات عملية تساعد في تطوير لغاتنا الوطنية وكتابتها، وجعلها مادة دراسية يدرسها كل الموريتانيين قبل نهاية العقد الحالي.
وليعلم إخوتنا الزنوج بأن دفاعهم المستميت عن الفرنسية، وتخليهم عن لغاتهم الوطنية، كان من بين الأسباب التي أدت إلى عدم الاهتمام بلغاتهم الوطنية التي يجب أن تكون لغات لكل الموريتانيين.
وبالمختصر المفيد، فإن اللغة العربية هي لغة ديننا الذي نعتز به جميعا، وهي اللغة الرسمية للبلاد دستوريا، وهي اللغة الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية التي يمكن أن تكون لغة رسمية، وهي لغة الأكثرية في هذا البلد، لذلك فلم يعد من المقبول تهميشها وجعلها لغة ثانية لدى الإدارة.
وبالعربي الصريح، فلم يعد مقبولا من ساستنا إظهار الشفقة الزائفة كلما كان هناك اهتمام رسمي بالعربية، بحجة أن ذلك سيتضرر منه ما يقارب ثلاثة آلاف حامل شهادة فرنسية عاطل عن العمل، تمنح لهم المنظمات والمؤسسات الأجنبية فرص تشغيل كثيرة. في الوقت الذي تغيب فيه تلك الشفقة الزائفة، ولا ترق فيه قلوب ساستنا لثلاثين ألف حامل شهادة بالعربية عاطل عن العمل. ولا ذنب لهم إلا أنهم صدَّقوا كذبة كبيرة في الدستور الموريتاني تقول بأن اللغة العربية هي اللغة الدستورية للبلد، وأنه قد تم تكوينهم بتلك اللغة. فأين أنتم يا أنصار اللغة العربية؟ ولِمَ لا تغرقون المواقع والصحف بمقالات وبيانات تطالب المشاركين في الحوار بإنصاف لغة بلادكم الرسمية، والتي هي من حسن حظكم لغة قرآنكم؟ بل ولِمَ لا تنظمون وقفات احتجاجية أثناء الحوار للمطالبة بتعريب الإدارة؟
أزمة الوحدة الوطنية :
إن قضية الوحدة الوطنية قضية معقدة، ولا تكفيها لوحدها ورقة كاملة. لذلك فسأركز على جزئية واحدة فيها، لأنها هي الأكثر إلحاحا في ملف الوحدة الوطنية. كما أنها هي الأكثر تهديدا لوحدتنا، في الحاضر، وفي المستقبل المنظور.
إن مكافحة الرق ومخلفاته يجب أن يشكلا أولوية لدى كل الموريتانيين، ويجب أن يلعب كل موريتاني دورا في هذا المجال بغض النظر عن شريحته أو عرقه أو موقفه أو تموقعه في الخريطة السياسية.
ومن اللافت للانتباه أن مشروع "حراس المستقبل" الذي ضم المئات من شخصيات موريتانيا ومثقفيها وأطرها وعلمائها، من شتى ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، ومن مختلف التخصصات لم يجد حتى الآن ترخيصا لمزاولة أنشطته الهادفة إلى صياغة وتنزيل إستراتيجية عمل اجتماعي تهدف إلى إرساء أسس الأخوة والمساواة بين مختلف شرائح شعبنا ومكوناته.
إن مشروع الحراس الطموح ما زال محروما ـ حتى يومنا هذا ـ من ترخيص، رغم تقديم ملف متكامل لوزارة الداخلية منذ ما يقترب من السنتين. في الوقت الذي منحت فيه الوزارة لما يطلق عليه حزب الشباب ترخيصا بعد أيام معدودة على تقديم ملفه للوزارة، إن هذه الازدواجية في التعامل يجب أن تتوقف فورا.
وعلى السلطات القائمة أن تهتم بشكل عملي بمكافحة الرق وبمخلفاته، وأن تشجع كل من يساهم في ذلك الجهد، وعليها أن لا تشكل عائقا في وجه المشاريع الجادة من خلال حرمان تلك المشاريع من تراخيص تمنح لكل من هب ودب.
وعلى المتحاورين في هذا الإطار أن يخرجوا بتوصيات واضحة وصريحة لاتخاذ جملة من الإجراءات والقرارات يستحسن أن يكون من بينها:
1ـ وضع آليات تمكن من خلق فرص للترقية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأرقاء والأرقاء السابقين من خلال تمييز إيجابي لصالحهم.
2ـ تشجيع الأحزاب وهيئات المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة آثار الرق، من خلال برامج عملية تتم صياغتها وفق إمكانات وقدرات تلك الأحزاب والهيئات.
3ـ تشجيع العلماء وحثهم على مكافحة الرق، وتصحيح الأخطاء في هذا المجال، مع تنقية كتبنا ومراجعنا الفقهية من بعض الشوائب التي لا تستند إلى أدلة شرعية راجحة.
عن الهوية والمواطنة:
من المقلق أننا، وبعد مرور نصف قرن على إعلان الاستقلال، ما زلنا من حيث مستوى الوطنية، نشكل الحلقة الأضعف في المنطقة. ولو كان هناك مقياس دولي لقياس مستوى الوطنية لدى الشعوب لكنا ـ كعادتنا ـ في ذيل القائمة.
ومن المقلق كذلك أن أغلبنا يضع ولاءه للوطن في الرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة بعد ولائه للقبيلة أو للعرق أو للايدولوجيا أو حتى لدول أخرى ..
والحقيقة أن لذلك أسباب عديدة من بينها أن السلطة لا تزال عاجزة عن تقديم أبسط الحقوق لمواطنيها. فالعاطل عن العمل إن لم يستنفر قبيلته أو شريحته أو أخوة له في الايدولوجيا أو في الحزب قد يصل إلى سن التقاعد قبل الحصول على وظيفة. والموظف لا يرتقي في وظيفته حتى ولو بذل جهدا استثنائيا إن لم يستنفر القبيلة أو الشريحة أو الحزب.
و الحقيقة المرة أن أسوأ الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يؤمنون بالوطن، ويعتقدون بأن الوطنية يمكن أن تكون سلما قد يساعدهم على الصعود. وأحسن الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يكفرون بالوطن، ويؤمنون بالقبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، ويتخذون منها سلما لتجاوز الدرجات، وللقفز إلى أعلى.
لذلك فقد بات من الملح و الضروري، أن يبحث المتحاورون عن آلية ما، تفتح فرصا لأبناء الوطن الذين تم تهميشهم بسبب ولائهم للوطن. ويجب أن تكون تلك الفرص لا تقل أهمية عن الفرص التي تتيحها القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا لأبنائها البررة الذين يمنحونها ولاءهم، وبشكل مطلق.
كما أنه على المتحاورين أن لا يتجاهلوا حقيقة مفزعة مفادها أننا مجموعة من "الأجانب" التي استوطنت هذه الأرض . ففينا المغاربة والصحراويون والسنغاليون والماليون الذين لن يتورعوا عن تجنيس إخوتهم وأقربائهم من تلك البلدان.
وعلينا أن لا نتجاهل بأن الرشوة قد تفشت فينا، وأن أوراقا معدودة من فئة الألف أو الألفين أوقية، قد تدفع بموظف بائس أن يبذل جهدا كبيرا لتزوير أوراق مدنية لكل عابر سبيل يدفع أوراقا نقدية مقابل تلك الأوراق المطلوبة.
وعلينا أن لا نتجاهل أن سمعة البلد في مجال حقوق الإنسان السيئة أصلا، قد زادت سوءا في السنوات الأخيرة بسبب كثرة الأجانب الذين يحملون جوازات سفر موريتانية مزورة، والذين يصفون موريتانيا بأبشع الأوصاف من أن أجل الحصول على اللجوء داخل تلك البلدان.
وقصة الغيني، الموريتاني بجواز سفره، الذي مات في أمريكا ليست هي الدليل الوحيد، ولا قصة الخمس والعشرين مهاجرا سريا الذين انقلب بهم قاربهم ومات منهم من مات، وتم اعتبارهم لدى وكالات الأنباء العالمية بأنهم موريتانيون، قبل أن يتبين لاحقا بأنه لا صلة تربطهم بموريتانيا، سوى جوازات سفرهم المزورة.
تلك أمثلة من بين أخرى، قدمتها لأقول بأنها قد آن الأوان لأن تهتم أحزابنا السياسية بالحالة المدنية للبلد. وأن تجعل من إصلاحها المطلب الأول، والأكثر إلحاحا، في سلة مطالبها، والتي كثيرا ما يكون فيها ما لا يرقى لأن يكون مطلبا لحزب سياسي.
فإصلاح الحالة المدنية يجب أن يكون مطلبا رئيسيا، في بلد كبلدنا لا تزال شهادة الزور فيه يتم تقديمها مجانا لكل من يريد الحصول على أوراق مدنية، مهما كانت طبيعتها.
إن على هذا الحوار أن يخرج بتوصيات صارمة، تطالب بضرورة ضبط الحالة المدنية، وبضرورة وضع شروط وآليات قاسية للحصول على الأوراق المدنية، دون أن يكون ذلك سببا في ظلم أي مواطن موريتاني. ووقوف بعض الأحزاب السياسية ضد مواصلة الإحصاء الجاري يعتبر خطأ فادحا، وإن كان ذلك لا يعني حق تلك الأحزاب بالمطالبة بتصحيح بعض الأخطاء التي قد ترافق عملية الإحصاء الجارية حاليا.
كارثة التعليم :
لست بحاجة لأن أذكر بأنه لا فائدة من تشييد وبناء الطرق إذا لم يسبقها، أو يصاحبها على الأقل، بناء مواطن صالح من خلال إصلاح التعليم. فلا فائدة من الاهتمام بالبنية التحتية ما دام تعليمنا فاشلا، ولا إمكانية لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي في ظل تعليم فاشل . فعلينا أن نرفع شعار "إصلاح التعليم" أولا، قبل أي شعار آخر مهما كانت أهمية ذلك الشعار.إن مأساتنا الكبرى أن التعليم لدينا وبشقيه النظامي والحر لا يبني أجيالا، وإنما يدمرها. فالهوة بين الأعراق تزداد بسبب المناهج المعتمدة، وهي المناهج التي كان يعول عليها في إذابة تلك الهوة، أو إيقاف اتساعها في أسوأ الأحوال. والفوارق الثقافية والاجتماعية بين أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء تزداد اتساعا، بما يتناسب مع الفوارق الكبيرة بين المناهج المعتمدة من طرف المدارس الأجنبية الحرة، خاصة الفرنسية منها، مع المدارس العمومية، أو المتاجر الحرة، والتي نسميها مجازا بالمدارس الحرة. إن تراجع قيم المواطنة، وانتشار العنف والجريمة، واتساع البطالة، وغياب المهارات والكفاءة لدى الشباب، هي العناوين الأبرز لحصيلة العملية التربوية في بلدنا.
لذلك فعلى المتحاورين، أن يطالبوا، وبشكل ملح، بضرورة تنظيم منتديات للتعليم قبل الافتتاح الدراسي القادم، عسى أن نخرج من تلك المنتديات بأفكار ومقترحات تساعد في الحد من عملية تدمير الأجيال، التي تقوم بها مؤسساتنا التعليمية والتربوية، وبشكل حثيث.
إصلاح الإدارة:
لن أتحدث هنا عن المشاكل التي تعاني منها الإدارة، بل سأكتفي بجزئية واحدة في هذا الملف، تتعلق بالتعيين والترقية، وسأقدم حزمة من المقترحات أتمنى من المشاركين في الحوار أن يناقشوها، ومن بين هذه المقترحات أذكر:
1 ـ المطالبة بوضع قاعدة بيانات لكل موظف، تمكن من معرفة الموظف الصالح من الطالح، وذلك حتى تكون هناك مقاييس واضحة يمكن الاعتماد عليها في الترقية والتوشيح والتكريم، عكس ما هو قائم حاليا.
2 ـ ضرورة تقسيم الوظائف الإدارية إلى ثلاثة أصناف:
وظائف ذات حساسية عالية: وهذه يحرم تماما تعيين أي سياسي فيها مهما كانت كفاءته. وهذه الوظائف يجب أن تظل حكرا للموظفين الذين ليست لهم اتجاهات سياسية معلنة، والغريب أن هذه الوظائف يحتلها اليوم موظفون غارقون في السياسة حتى التراقي: مفتشية الدولة، رئاسة لجنة الصفقات، إدارة الضرائب، وكالة تشغيل الشباب....
وظائف ذات حساسية متوسطة: وهذه يمكن أن يعين فيها سياسيون، إلا أنه يشترط فيهم أن يكونوا من أصحاب الكفاءات المهنية.
وظائف غير حساسة : وهذه يمكن أن يعين فيها الجميع، ويمكن أن يتم احتكارها للفريق السياسي المتغلب ومن هذه الوظائف كل المناصب الوزارية.
3 ـ المطالبة بتفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والسلطة العليا للسمعيات البصرية، ولجنة الصفقات، ووسيط الجمهورية .....إلخ . ولن يتسنى ذلك إلا إذا تم حل تلك المجالس والهيئات، وذلك لكي يتم اختيار لجان وهيئات جديدة تعطى فيها الأولوية لأصحاب الكفاءات والتخصص، بدلا من ترك هذه الهيئات والمجالس بيد أفراد لا صلة لهم بالمجال، وليست لهم القدرة ولا الكفاءة لتقديم أي استشارة، ولا القيام بالمهام الموكلة لهم.
4 ـ المطالبة بتأسيس صندوق يتم تمويله من اقتطاعات من موارد الجمارك والضرائب لتقديم منح مالية لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، ويجب أن لا تقل قيمة المنحة عن 15000أوقية.
من أجل إعلام عمومي:
لا جدال في أن الإعلام الرسمي، والذي يقال بأنه سيتحول إلى إعلام عمومي لا يزال يشكل عاهة مستديمة، وعائقا كبيرا في وجه أي إصلاح.
ومن المؤسف أن غالبية العاملين في هذا القطاع، والذين كان من المفترض بهم أن يناضلوا في سبيل إصلاحه، هم الذين يعيقون بالدرجة الأولى إصلاح هذا القطاع الحساس. وهم الذين يرفضون أن يستجيبوا لكل الدعوات المنادية بفتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام جميع الموريتانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، بما في ذلك تلك الدعوات التي أطلقها رئيس البلاد أكثر من مرة.
إن إصلاح الإعلام الرسمي، يتطلب من المشاركين في الحوار أن يقدموا توصيات صريحة وواضحة تهدف إلى:
1ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأنهم يتقاضون أجورهم من الضرائب التي يدفعها المواطن الموريتاني، سواء كان معارضا أو مواليا، لذلك فهم ملزمون أخلاقيا وقانونيا بتقديم ما يهم ذلك المواطن، بدلا من التصفيق والتطبيل للنظام الحاكم.
2 ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأن المواطن الذي ينتقد الأوضاع ليس أقل وطنية ممن يمتدحها، بل العكس قد يكون صحيحا، لذلك فيجب أن لا يشكك في وطنية من ينتقد، وأن لا يكون ذلك سببا لأن يحال بينه وبين مؤسسات الإعلام الرسمية.
3 ـ وضع أساليب شفافة لاختيار الضيوف، تعتمد في الأساس على مقدار مشاركة واهتمام الفرد بالشأن العام. ويجب أن لا تظل العلاقات الشخصية، والتزلف للحكام، هي المعايير التي يتم على أساسها اختيار الضيوف.
4 ـ إن انفتاح مؤسسات الإعلام الرسمي يجب أن لا يكون موسميا، ولا أن يكون ردة فعل لتوجهات وأوامر عليا، بل يجب أن يظل هو السمة الملازمة لتلك المؤسسات.
5 ـ يجب أن نتذكر دائما بأن انفتاح وسائل الإعلام لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يتعداه ليشمل جوانب أخرى، تنموية وثقافية وترفيهية. وعلى الإعلام الرسمي أن يقدم ما يهم مختلف فئات وشرائح المجتمع، وما يحقق رغباتها، سواء كانت تلك الرغبات مرتبطة بالدين، أو بالسياسة، أو بالرياضة، أو بالترفيه، أو بالثقافة، أو بالحوارات والنقاشات، أو بقضايا تهم الشباب أو المرأة أو الطفل.
الحرب على الفساد :
إن على المتحاورين أن يفكروا في اقتراح آليات تمكن من محاربة الرشوة والفساد، كتأسيس هيئة مستقلة لذلك الغرض، تُختار لها شخصيات نظيفة، وتكون محل إجماع. وهذه الهيئة يجب أن يكون من مهامها السهر على الحرب على الفساد، حتى لا يتم استخدامها كسلاح سياسي ضد الخصوم السياسيين.
وفي هذا الإطار يجب أن تسن قوانين تجرد كل موظف ثبت أنه أخذ رشوة، أو نهب مالا عاما من وظيفته، مع حرمانه من مزاولة أي وظيفة عمومية أخرى، أو الترشح لأي منصب سياسي.
ويبقى إصلاح العدل، والذي لم أخصصه له فقرة، رغم أهميته، هو القطاع الذي يجب إصلاحه، قبل أي قطاع آخر. فبوجود العدل يمكن أن نحلم بكل الإصلاحات المذكورة في هذه الورقة، وبغيابه فسيكون من الحماقة أن نحلم بأي إصلاح.
تصبحون على حوار بناء..

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

أولويات الرئيس





تابعت على شاشة التلفزيون الرسمي مشاهد من زيارات الوزراء لبعض الولايات الداخلية، أثناء عطلهم السنوية. ومتابعتي لتلك الزيارات لفتت انتباهي لجملة من الملاحظات، لخصتها في النقاط الثلاث التالية:
1ـ أكد الوزراء خلال تلك الزيارات بأن الرئيس يعطي الأولوية لكل القطاعات، وبلا استثناء. فوزيرة الثقافة كررت أكثر من مرة بأن الرئيس يعطي الأولوية للثقافة وللشباب، وإن كانت لم تقدم دليلا واضحا على ذلك. والحقيقة أن هناك أدلة كثيرة تناقض قولها، ويمكن أن أذكر منها: إغلاق دور الكتاب، إيقاف جائزة شنقيط، الانسحاب من مشروع نواكشوط عاصمة للثقافة، الانسحاب من بعض التصفيات الرياضية.
وزراء التعليم الثلاثة، بكبيرهم ومتوسطهم وصغيرهم أكدوا جميعا بأن الرئيس يعطي الأولوية للتعليم، وهم بدورهم لم يقدموا دليلا على ذلك، في الوقت الذي توجد فيه أدلة تناقض قولهم، منها تفكيك الوزارة بشكل ارتجالي وعبثي إلى ثلاث وزارات. وهو ما نتج عنه ارتباك كبير، خاصة في مجال التكوين المهني، الذي طالما وعد الرئيس بتطويره، والذي يعيش اليوم شللا شبه كامل. فالوزير المنتدب له لا يزال ينتظر الهيكلة الجديدة التي كان من المفترض أن تصاحب قرار تفتيت الوزارة. وربما تكون الحيرة التي يعيشها هذا الوزير، الذي لم يعد لديه شيئا يفعله، هي التي جعلته يترك قطاعه، ويكتفي بمرافقة مفوض الأمن الغذائي خلال الزيارات التفقدية.
ويمكنكم للتأكد بأنفسكم من الأولوية الممنوحة للتعليم في العهد الحالي، أن تقارنوا بين وزارة التعليم اليوم، وهي تحت قيادة ثلاثة رجال من رجالات موريتانيا الجديدة، مع وزارة التعليم يوم كانت تقودها امرأة "مفسدة" لوحدها في العهد البائد.
المثير للسخرية أن وزير التعليم الثانوي الذي قام بزيارة "تفقدية" لبعض الولايات للتعرف على مشاكل قطاعه، اختار لتلك الزيارة توقيتا غريبا، حيث كانت المدارس مغلقة، والأساتذة في عطلهم السنوية، وأغلب التلاميذ والآباء خارج المدن التي زارها الوزير.
ولعل أهم دليل يمكن تقديمه لإثبات أن ما يقوله وزراء التعليم الثلاثة، من اهتمام بالتعليم، هو مجرد كلام، فيكفي أن أشير إلى أن منتديات التعليم الموعودة منذ ثلاث سنوات لم تعد تجد من يتحدث عنها، وربما لا تجده، في المستقبل المنظور. فأهل"موريتانيا الجديدة" يعتقدون بأن بناء وتشييد الشوارع أهم بكثير من بناء المواطن الذي سيستغل تلك الشوارع.
وزير التنمية الريفية هو الآخرقال في زياراته التفقدية بأن الرئيس يعطي الأولوية للتنمية الريفية. وقال وزير العدل بأن الأولوية هي للعدل، بينما أكدت وزيرة الوظيفة العمومية بأن الأولوية لدى الرئيس هي للعمال.وقال وزير المياه بأن الأولوية للمياه. وقال وزير التجارة بأن الأولوية لدى الرئيس هي لتخفيض الأسعار ولدكاكين التضامن. وقالت وزيرة المرأة بأن الأولوية للمرأة. وقال وزير البيئة بأن الأولوية لمشروع غرس مليون شجرة على رمال العاصمة. وقال وزير الاتصال في زياراته التفقدية بأن الأولوية لدى الرئيس هي لقطاع الاتصال، في حين أكد وزير الصحة بأنها للصحة.
والحقيقة أن ادعاء كل وزير بأن قطاعه هو الذي يحظى بأولوية الرئيس، أفقد كلمة "أولوية" دلالتها اللغوية.فالرئيس ـ ومهما كانت قدراته ـ لا يمكن أن يعطي الأولوية لكل القطاعات الوزارية مرة واحدة وفي نفس الوقت. لذلك يمكن القول بأن كلمة أولوية تفقد شحنتها ودلالتها عندما ينطق بها وزير من وزراء "حكومة الأولويات"، تماما كما يحدث مع كلمات أخرى ككلمة "جبارة" و "معتبرة" والتي فقدت معناها، منذ أمد بعيد، لكثرة استخدام الوزراء لها أثناء حديثهم عن إنجازاتهم المتواضعة. ومن الانجازات "المعتبرة" و"الجبارة" لحكومة الأولويات في زياراتها التفقدية، تدشين محل لشحن بطاريات الهواتف المحمولة، في قرية "التيدومة"، بولاية الحوض الغربي!!!
2 ـ وزير الإسكان والعمران يبدو أنه من أكثر الوزراء ذكاء، ويبدو أنه شعر في وقت مبكر بأن كلمة أولوية قد فقدت دلالتها اللغوية، لذلك فهو عندما يتحدث عن قطاعه لا يكتفي بأن يقول بأن الرئيس يمنح لقطاعه الأولوية، بل يصر على أن يضيف كلمة قصوى، لتصبح الأولوية الممنوحة لقطاع الإسكان تختلف عن الأولوية الممنوحة للبيئة مثلا، لأنها "أولوية قصوى".
وربما تكون هذه الأولوية القصوى هي التي جعلت الوزير يقول بأن "انبيكت الأحواش" أصبحت مدينة عصرية، فيها الماء والكهرباء والصحة والتعليم وكل ما تحتاجه المدن العصرية، وهذا الكلام كرره الوزير عن قرى وتجمعات سكنية أخرى.
ولو كان المواطن يصدق "وزير الأولوية القصوى"، لهاجر سكان العاصمة إلى "انبيكت لحواش"، وإلى "ترمسه"، وإلى مدينة عصرية أخرى، في ولاية "كوركول"، لم أتذكر الآن اسمها، وصفها "وزير الأولوية القصوى" أثناء زيارته لها وصفا عجيبا، رغم الشفقة التي كانت تثيرها مشاهدة "المدينة العصرية" في نفوس كل من حُظِي بمشاهدتها أثناء زيارة "الأولوية القصوى" لها.
المهم أن "وزير الأولوية القصوى" قد حل مشكلة عويصة، لأنه شيد لنا من خلال خطاباته المتكررة، مدنا عصرية، يمكن لمن يصدق حكومة الأولويات أن يهاجر إليها، للحصول على عيش كريم، لم يحصل عليه حتى في العاصمة، التي عجزنا أن نجعل منها مدينة عصرية، رغم مرور ما يزيد على نصف قرن على تأسيسها.
3 ـ أثبتت تلك الزيارات بأن لوزراء الأولوية عطلا سنوية، لا تتجاوز الأسبوعين، وهذه معلومة جديدة، لمن كان يعتقد ـ كما هو الحال بالنسبة لي ـ بأن وزير الأولوية يعيش عطلة سنوية دائمة، براتب كبير. فهو موظف كبير صغير، براتب وزير، وبمهام سكرتير.
ووزراء الأولوية يؤكدون ذلك بأنفسهم، فيستحيل أن تسمع وزير أولوية يدعي بأنه أنجز عملا ما، بمبادرة منه، ودون أوامر سامية، حتى ولو كان مجرد تدشين لمحل تشحن فيه بطاريات الهواتف المحمولة.
فوزراء الأولوية ـ بما فيهم وزير الأولوية القصوىـ يظلون في مكاتبهم لا يفعلون شيئا، وهم لا يقومون بأي شيء من قبل أن تأتيهم توجيهات سامية من الرئيس، لكي يقوموا بمهامهم الموكلة إليهم، والتي كان من المفترض أن يقوموا بها دون الحاجة لأوامر سامية، أو لتعليمات نيرة.
فهل سمع أحدكم وزير أولوية عادية أو أولوية قصوى يدعي بأن أنجز عملا ما، حتى ولو كان بسيطا من قبل أن تأتيه الأوامر السامية أو التعليمات النيرة لانجاز ذلك العمل؟
تصبحون بلا تعليمات نيرة...

الأحد، 28 أغسطس 2011

سقوط الفوضى !!



لا شك أن عملية إسقاط الفوضى هي أصعب بكثير من إسقاط النظام، ولا شك أن الليبيين الذي لم يرفعوا ـ عكس غيرهم ـ شعار الشعب يريد إسقاط النظام، كانوا يدركون جيدا بأن مهمتهم أصعب، وبأن ذلك الشعار الرائع لا يصلح شعارا لثورتهم، لأنه لم يكن في بلدهم نظام ليطالبوا بإصلاحه أو إسقاطه.
فلم تكن الثورة الليبية تسعى لإسقاط النظام، كما هو الحال في تونس، وفي مصر، وفي غيرهما من البلدان العربية، حيث كانت توجد هناك أنظمة تحكم، ويمكن إسقاطها.
ففي ليبيا لم يكن هناك نظام، بل كانت هناك فوضى عارمة، حكمت البلاد لأكثر من أربعة عقود. فوضى كانت تقرر كل شيء، وتسير كل شيء، وتتحكم في كل شيء، وتجرب كل شيء، وتغامر بكل شيء، وتجادل في كل شيء، ولا تتورع عن أي شيء.
وفي ليبيا كانت الفوضى "العظمى"، للقائد "العظيم"، مؤسس الجماهيرية"العظمى"، وقائد ثورة الفاتح "العظيم"، ومجري النهر "العظيم" هي التي تتحكم في كل شيء، بمساعدة الأبناء، والذين لم تكن لهم وظائف رسمية، إلا أنهم رغم ذلك كانوا يرتجلون أخطر القرارات، ويتحكمون في مصائر الليبيين.
والغريب أن القائد "العظيم"، الذي كان يتحكم في كل شيء، لم يكن يعتبر نفسه رئيسا لليبيا حتى يستقيل. فمن يا ترى كان رئيس ليبيا خلال العقود الأربعة الأخيرة؟ الليبي الوحيد الذي تبرأ علنا من الرئاسة هو القذافي، أما بقية الليبيين فإنهم سيبقون رؤساء محتملين ما لم يتبرؤوا هم أيضا من الرئاسة.
لقد كان ملك ملوك إفريقيا، وعميد الرؤساء العرب، وخليفة المسلمين، والذي لم يكن رئيسا لليبيا، على حد زعمه، غريبا في كل شيء. غريبا في ملبسه، وفي مأكله ومشربه، وفي أفكاره، وفي مواقفه، وفي تصريحاته، وفي نظرياته التي كان يجربها على الليبيين وكأنهم فئران مخابر. وكان أيضا غريبا في خطاباته التي كان بعضها يمتد لساعات، حتى يسقط المترجم مغشيا عليه، كما حدث في الأمم المتحدة. وكان بعضها الآخر ينتهي من قبل أن يبدأ، كما هو الحال في خطابه الأول بعد ثورة 17 فبراير المجيدة، والذي ألقاه من داخل سيارة مصفحة، ومن تحت مظلة سوداء كبيرة، لكي يُشعر الشعب الليبي بأنه لا يزال في ليبيا، وبأن السماء تمطر في تلك اللحظات بماء منهمر.
وفي ليبيا لم تكن هناك دولة، ولم يكن هناك جيش، ولم يكن هناك نظام، لم يكن هناك إلا فوضى عارمة. وفي ليبيا كان ينادى باسم القذافي من قبل أن ينادى باسم الدولة الليبية، لأن الدولة لم تكن إلا عزبة يتصرف فيها القذافي وأبناؤه كيفما شاؤوا.
فبددوا ثرواتها ذات "الشمال" وذات الشمال، ووصل بهم تبديد الثروة إلى الإنفاق على الحملات الانتخابية لبعض المرشحين في الدول الغربية، كما هو الحال مع ساركوزي، وكما شهد بذلك القذافي بنفسه، في لحظة عتاب بائسة لساركوزي. وكأنه كان يريد أن يقول لساركوزي، ألم أفتح لك خزائن ليبيا حتى من قبل أن تكون رئيسا، فَلِم تريد التخلص مني اليوم؟
وفي ليبيا لم يكن هناك جيش يمكن أن ينحاز للثورة كما حدث في تونس ومصر، بل كانت هناك عصابات يقودها القذافي وأبناؤه وبعض مقربيه. وفي ليبيا لم تكن هناك أحزاب حتى ولو كانت مجرد أحزاب ورقية، كما هو الحال في تونس وفي مصر وحتى في سوريا.
وفي ليبيا لم يكن هناك مجتمع مدني يذكر، بل كانت هناك منظمتان تختزلان كل المجتمع المدني، إحداهما يترأسها الابن المدلل، والثانية تترأسها الابنة المدللة.
وفي ليبيا لا يوجد دستور ولا تسير الأمور هناك وفق أي نظام مهما كان شكله، بل إن الأمور كانت تسير وفق فوضى عارمة، لا يتحكم فيها إلا مزاج القذافي، الذي كان يتقلب كثيرا، وبسرعة عجيبة ومثيرة في نفس الوقت.
وفي ليبيا ظل الليبيون يحلمون ولأربعة عقود وزيادة بأن يكون لهم نظام يحكمهم، وثاروا ليكون لهم نظام كباقي شعوب العالم، ثم بعد ذلك سيحق لهم ـ مستقبلا ـ أن يفكروا في محاسبة النظام الوليد، أو في إسقاطه إذا ما انحرف عن الطريق.
والليبيون الذين عاشوا في فوضى عارمة لأربعة عقود، كانوا أكثر صبرا من غيرهم من الشعوب. فإذا كان المصريون قد ساءهم أن رئيسهم الذي ثاروا عليه قد عايش أربعة من رؤساء أمريكا، فإن الرئيس الليبي الذي ظل ينكر أنه رئيس قد عايش أربعة من رؤساء مصر.
وإذا كان الرئيس المصري قد حكم شعبا يقترب عدد سكانه من تسعين مليونا بثروات محدودة، وإذا كانت الثروات التونسية أيضا قليلة، مما قد يعطي مبررات، حتى ولو كانت واهية للتخلف الحاصل هناك. فالحال في ليبيا كان عكس ذلك تماما، فالشعب كان أقل من حيث تعداد السكان، وكانت ثرواته أضخم، ومنح للقائد فرصة امتدت لأربعة عقود وزيادة، ومع ذلك ظل هذا الشعب الصبور أكثر تخلفا من كل جيرانه العرب.
يقول القذافي بأنه أنفق أموالا طائلة من تلك الثروة الهائلة، على التسلح، ومع ذلك لم يستطع السلاح الليبي أن يسقط طائرة واحدة للناتو، ولم يستطع هذا السلاح أن يحمي القذافي الذي لجأ في النهاية إلى الجن لكي يحموه من خلال نداءات الاستغاثة للجن، والتي كان يطلقها "يوسف شاكير" في قناة الجماهيرية، يا ترى أين هو "يوسف شاكير" الآن؟
وكان القذافي، في الوقت نفسه، يوجه نداءات استغاثة للشعب المسلح، بعد اختفاء الجيش المسلح. ومن المفارقات أن شوارع طرابلس كانت تزداد وحشة وخلوة، كلما دعا القذافي الشعب للزحف وللخروج بالملايين إلى الشوارع، بالمناسبة عدد سكان ليبيا لا يصل إلى سبعة ملايين.
ويقول القذافي بأنه أنفق من تلك الثروة الضخمة على التعليم، ورغم ذلك فكان الليبيون ـ خلال العقود الأربعة ـ يرسلون أبناءهم للتعلم في مصر أو تونس، وفي أحسن الأحوال يستجلبون أساتذة من تلك الدول لتعليم أبنائهم في ليبيا، إذا ما عجزوا عن إرسالهم لدول الجوار.
ويقول القذافي بأنه أنفق على الصحة، رغم أن المريض الليبي كان يضطر ـ في أغلب الحالات ـ للذهاب إلى دول الجوار الأقل ثروة للعلاج هناك.
لم يكن في ليبيا نظاما، بل كانت هناك فوضى، وهذا ما كتبته منذ ما يزيد على سنتين، في مقال نشرته تحت عنوان "عن أي مفكر تتحدثون؟"، بمناسبة الصلاة خلف "المفكر الإمام" في الملعب الأولمبي، والتصفيق البائس له في قصر المؤتمرات، من طرف النخبة الموريتانية، رغم أنه كان ينتقد نظام الحكم في موريتانيا، بانقلاباته وبديمقراطيته. فلم يسلم منه رئيس منقلب أو منقلب عليه أو منتخب. ومعلوم أن نظام الحكم في موريتانيا، على علاته، يمكن اعتباره نظاما متقدما، إذا ما قورن بفوضى معمر، لذلك فلم يكن من المقبول أن ينتقدنا معمر لا في ذلك المجال، ولا في أي مجال آخر.
والغريب أن هذا المعمر الذي ظل يبدد تلك الثروة الهائلة، والذي فشل في بناء دولته، وتنمية مجتمعه، كان يصف شعبه بالجرذان، وكان على استعداد كامل لأن يبيد عشرات الآلاف، من أجل أن يواصل عبثه بالثروة الليبية، وذلك قبل أن يسلم مفاتيح خزائنها لأكثر أبنائه حماقة وغطرسة.
والأغرب من ذلك كله، أنه لا زال هناك من يمتدح هذا المعمر، وأنه لازال هناك من يبسط الأمور بطريقة عجيبة، ويقول بأن المعمر سيبقى، في كل الأحوال ، أفضل بكثير من الناتو الذي لم يتدخل في ليبيا إلا لمصلحته.
لا أعتقد بأنه يوجد في عالمنا اليوم من يستطيع أن يقول بأن تدخل الناتو كان لوجه الله.
ولا أعتقد كذلك بأن هناك من كان بإمكانه أن يقول بأن تدخل الناتو ضد جيش جمهورية صرب البوسنة، في العام 1995، كانت لسواد أعين مسلمي البوسنة والهرسك.
ومع ذلك فكانت حملة الناتو ضد الصرب تستحق الترحيب، لأنها أنقذت مسلمين أبرياء، رغم البغض المتجذر في نفوس غالبية المسلمين، لهذا الحلف الذي ارتكب في حقنا كعرب وكمسلمين جرائم كثيرة.
هذه الحملة التي قام بها الحلف في ليبيا تستحق هي أيضا الترحيب، لأنه لولاها لأباد المعمر مدنا كاملة، ولحكم هو وابنه ليبيا لعقود أخرى. لم يكن هناك من خيار، فإما أن تباد مدن كاملة، أو نقبل بتدخل الناتو، وكان الخيار الثاني أسلم.
أما مصالح الناتو في ليبيا فهي معروفة، وهي مصالح قد لا تتناقض مع المصالح الليبية في الوقت الحالي. فالناتو الذي لم يتخل عن القذافي إلا في آخر لحظة، لا يريد دولة على الضفة الثانية للمتوسط تعيش حربا أهلية، ستنعكس سلبا على دول الحلف (الهجرة السرية، الإرهاب) . كما أنه يسعى لتحقيق مصالح اقتصادية، ودول الغرب معروفة بالجشع، وتتحرك دائما للمصالح الاقتصادية، أكثر من أي مصالح أخرى. ولا شك أن الدول التي شاركت في الحملة كانت أعينها على النفط الليبي، وعلى عقود إعادة الإعمار. ولهذه الدول الحق ـ كل الحق ـ في أن تحصل على اتفاقات وعقود، في ليبيا الجديدة، بدلا من روسيا والصين وباقي الدول التي أيدت المعمر على حساب الشعب الليبي، مما جعلها تفقد مكانتها لدى المواطن العربي الثائر، والذي خذلته كثيرا تلك الدول، في ربيع الثورات هذا، بوقوفها المستميت مع الأنظمة العربية الدكتاتورية.
ومهما يكن من أمر، فإن أي تبديد للثروة الليبية، في هذا العهد الجديد، ومهما كان حجمه، فلن يشكل نسبة ضئيلة مما كان يحدث في ظل الفوضى التي عاشتها ليبيا خلال الأربعة عقود الماضية.
تصبحون على نظام ديمقراطي في ليبيا ......

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

القذافي يروي قصة فراره إلى جهنم ...!




عندما طالعت المجموعة القصصية للكاتب " المبدع " معمر القذافي أحسست برغبة جامحة للغثيان. فهذه المجوعة القصصية التي اختار لها كاتبنا "المبدع" عنوانا أطول من فترة حكمه، وأغرب من نظريته العالمية: " القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء"، قد وجدت مع ذلك من يمدحها بشكل عجيب ومثير للاشمئزاز.
والمؤلم حقا أن من بين من "حُظِي" بمدح تلك المجموعة القصصية السخيفة، و"تشرف" بكتابة مقدمة أو بتذييل لها، الأديب الليبي الكبير "أحمد إبراهيم الفقيه" والذي كتب : "القائد معمر القذافي حالم كبير، ولا شك أن حلمه هو الذي قاده إلى إبداع النظرية الجماهيرية، التي أصبحت واقعا يعيشه و يمارسه ملايين الناس. وإذا كان القائد قد استخدم حسه العملي، ووعيه التاريخي، وجملة المعارف والخبرات التي اكتسبها، من أجل تحقيق هذا الحلم، فما الذي يمكن أن يضيفه مفكر له هذه التجربة إلى فن القصة الذي يعتمد أول ما يعتمد على الخيال؟ لقد مر وقت طويل قبل أن أعرف أن هاتين القصتين هما من تأليف قائد الثورة. كنت قد قرأتهما، ووقفت ذاهلا أمام هذا الإبداع الجديد الذي يمتلئ بشحنات انفعالية غاضبة، وهذه الصياغة المتميزة التي تجعل من الغضب طاقة هائلة قادرة على تفجير اللغة، لإعادة ترتيب الواقع، وتوظيف"التقنية" الفنية توظيفا بارعا من أجل الوصول إلى معالجة قصصية تشحن الوجدان، و تعبئ المشاعر، وتفيء المناطق الغامضة في النفس البشرية. من أين لموهبة جديدة في كتابة القصة أن تحقق منذ البداية هذا المستوى الرفيع في الأداء و(التقنية)؟ ولم تنته حيرتي إلا بعد أن عرفت أن كاتب هاتين القصتين ليس إلا قائد الثورة نفسه، فهو قبل أن يكون مفكرا وقائدا ورجل ثورة، إنما هو كاتب بارع، ومبدع له القدرة على تطويع ملكاته التعبيرية، والاستفادة من الأشكال الإبداعية التي تستجيب للأفكار والانفعالات والتأملات التي يريد تقديمها للناس عن طريق هذه الوسائط الأدبية. إن ميدان الكتابة الإبداعية الذي يستلهم أفكاره ونماذجه من تركيبة قوامها الواقع والتاريخ والخيال، سيكون أكثر ثراء عندما يجد أن واحدا من صانعي التاريخ، قد اختار هذا الشكل الأدبي، وهو القصة القصيرة، ليكون وسيلته لمخاطبة القراء."!!!!!

هذا شيء يسير مما كتبه "أحمد إبراهيم الفقيه" عن المجموعة القصصية للكاتب المبدع"معمر القذافي."
والمجموعة القصصية التي كتب عنها "أحمد إبراهيم الفقيه" هذا التقديم العجيب، موجودة على الانترنت، ويكفي أن تبحث عنها ـ عزيزي القارئ ـ من خلال عنوانها، لتجدها كاملة، لذلك فسأترك تتعرف بنفسك على هذه "التحفة النادرة"، وتحكم عليها وعلى من كتب مقدمة لها.
وربما تفاجأ عندما تجد هذه المجموعة كاملة مع الكثير من خطابات القذافي على موقع "صوت إفريقيا"، والذي يبدو أنه لم يستطع أن يتخلص منها حتى كتابة هذه السطور، فما كان من القائمين عليه إلا أن كتبوا على شريطه الإخباري، بحثا عن موقع في العهد الجديد : " بسم الله, الله أكبر , تم تحرير طرابلس من القذافي وأعوانه وأزلامه ". بالتأكيد لن يكون "صوت إفريقيا" هو الوحيد، في هذه الأيام، الذي سيبدل جلده في طرفة عين.
وعندما تقرأ هذه المجموعة القصصية ـ والتي أتحداك أن تكملها ـ فستكتشف بأن هناك جيوشا من المثقفين والأدباء والعلماء والمفكرين والكتاب والإعلاميين يجب أن يحاسبوا قبل محاسبة الدكتاتوريين، لأنهم شركاء معهم في كل ما اقترفت أياديهم من بطش وخراب في بلداننا.
ولأن هذه المقال ليس لمحاكمة أبواق الأنظمة المستبدة ، لذلك فإني لن أتوقف عند تلك الإشكالية، وإنما سأعود لمجموعة "الكاتب المبدع" معمر القذافي والتي تضم القصص، أو على الأصح السخافات التالية : المدينة ـ القرية ـ الأرض ـ الموت ـ انتحار رائد الفضاء ـ الفرار إلى جهنم ـ دعاء الجمعة الأخير ـ وانتهت الجمعة الأخيرة ـ افطروا لرؤيته ـ عشية الخلعة والشجرة الملعونة ـ (.....) عائلة يعقوب، ومباركة أيتها القافلة ـ المسحراتي ظهرا.
ففي سخافة "انتحار رائد الفضاء"، ختم "المبدع" معمر القذافي القصة بانتحار رائد الفضاء الذي يئس من الحصول على عمل في عالمه الجديد (الأرض) . فهل سينتحر القذافي كما انتحر رائد الفضاء الذي اضطر للانتحار لأنه لم يستطع أن يتكيف مع واقعه الجديد؟
أما في "الفرار إلى جهنم" فإن الجنون لدى القذافي يصل إلى قمته، لدرجة يتحول فيها إلى إبداع. يكتب القذافي وكأنه يتحدث عن ليبيا في أيامنا هذه : " ما أقسى البشر عندما يطغون جماعيا..!! ياله من سيل عرم لا يرحم من أمامه!! فلا يسمع صراخه.. ولا يمد له يده عندما يستجديه وهو يستغيث.. بل يدفعه أمامه في غير اكتراث! إن طغيان الفرد أهون أنواع الطغيان، فهو فرد في كل حال.. تزيله الجماعة، ويزيله حتى فرد تافه بوسيلة ما.. أما طغيان الجموع، فهو أشد صنوف الطغيان، فمن يقف أمام التيار الجارف!؟.. والقوة الشاملة العمياء!؟. كم أحب حرية الجموع، وانطلاقها بلا سيد وقد كسرت أصفادها، وزغردت وغنت بعد التأوه والعناء، ولكنى كم أخشاها وأتوجس منها!!"
ويمضي القذافي في الفرار إلى جهنم فيقول: "لذا قررت أن أفر بنفسي إلى جهنم.وسوف أروى لكم قصة فراري إلى جهنم، وأصف لكم الطريق الذي يؤدى إليها، ثم أصف لكم جهنم ذاتها، وكيف رجعت منها مع نفس الطريق.. إنها مغامرة حقا، ومن أغرب القصص الواقعية، وأقسم لكم أنها ليست من صنع الخيال.. إني هربت بالفعل إلى جهنم مرتين؟ فرارا منكم، ولكي أنجو بنفسي فقط، إن أنفاسكم تضايقني.. وتقتحم على خلوتي.. وتغتصب ذاتي.. وترغب بنهم وشراهة شرسة في عصري، وشرب عصارتي، ولعق عرقي، ورشف أنفاسي.. ثم تغطني مودعة لتعاود الكرة.. أنفاسكم تلاحقني كالكلاب المسعورة، ولمجيل لعابها في شوارع مدينتكم العصرية المجنونة، وعندما أهرب منها تتعقبني عبر خيوط العنكبوت وورق الحلفاء، لذلك فررت إلى جهنم بنفسي فقط. الطريق إلى جهنم ليست كما تتوقعون ولا كما وصفها لنا الدجالون الذين يصورونها لنا من خيالهم المريض، أصفها لكم أنا الذي سلكتها بنفسي مرتين، وتمكنت من المنام والراحة في قلب جهنم، وأقول لكم إني جربت ذلك، وكانت أجمل ليلتين في حياتي تقريبا هما اللتان قضيتهما في قلب جهنم بنفسي فقط.. إن ذلك أفضل عندي ألف مرة من معيشتي معكم.. أنتم تطاردونني، وتحرمونني من الراحة مع نفسي، فاضطررت إلى الهروب لجهنم.. إن الطريق إلى جهنم مفروشة بالبساط الطبيعي على امتداد الأفق، وأنا أشق طريقي نحوها بفرح وغبطة.. وبعد انحسار البساط وجدتها مفروشة بالرمل الناعم.. وصادفتني أسراب من الطيور البرية من نفس الأنواع التي تعرفونها، بل وجدت حتى بعض الحيوانات المستأنسة ترتع وتفلي!! ولكنى فوجئت بانحدارات شديدة أمامي، وأرض منخفضة حتى توقفت بتردد وإذا بجهنم تطل من الأفق.. ليست حمراء كالنار.. وليست ملتهبة كالجمر.. وقفت لاخوفا من التقدم نحوها، فأنا أحبها، وأرغب في وصالها، فهي الملاذ عندما تطاردونني في مدينتكم المثلثة.. وعندما تراءت لي من الأفق أمامي كدت أطير من الفرح.. وقفت لأسلك أقصر الطرق إليها.. وأختار أقربها إلى قلبها.. ولعلى أسمع لها زفيرا، ولكن جهنم ساكنة تماما وهادئة للغاية.. وثابتة كالجبال التي حولها.. ويحوطها سكون عجيب.. ويلفها وجوم رهيب.. لم أر لهبا.. ولكن الدخان فقط يخيم فوقها.. انحدرت نحوها بشوق.. مسرعا في الخطى قبل مغيب الشمس؛ أملا في الحصول على مرقد دافئ في قلبها قبل محاصرتي بحراسة جحيمكم التي انطلقت ورائي دون وعى، مستخدمة أحدث وسيلة وأقدم استعمالا.. أخيرا اقتربت جدا من جهنم.. واستطعت مشاهدتها عن كثب.. وأستطيع الآن أن أصفها لكم كما شاهدتها… وأستطيع أن أجيب عن أي استفسار يتعلق بجهنم التي اقتربت منها: أولا- جهنم شعاب مظلمة ووعرة يخيم عليها الضباب، وحجارتها سوداء محروقة منذ الأقدم . والعجيب حقا هو أن الحيوانات البرية وجدتها تأخذ طريقها إلى جهنم قبلي؛ فرارا منكم، فحياتها في جهنم، وموتها فيكم.. تلاشى كل شيء من حوالي عدا نفسي التي أحست بوجودها أكثر من أي مكان وزمان آخر. تقزمت الجبال.. ويبست الأشجار.. وجفلت الحيوانات، وغاصت في أدغال جهنم؟ طلبا للنجاة، وفرارا من الإنسان، حتى الشمس حجبتها عنى جهنم، وأصبحت لاشيء.. لم يبق بارزا إلا جهنم، وأبرز ما فيها قلبها، فاتجهت إليه دون صعوبة تذكر.. أنا أيضا ذبت في نفسي، ونفسي ذابت في، واحتمى كل منا بالآخر وعانق كل منا الثاني، وأصبحنا شيئا واحدا لأول مرة."
تصبحون على "قادة مبدعين" ....

الأحد، 21 أغسطس 2011

شباب بلا بوصلة



قد يكون غريبا، في سنة حبلى بالثورات، قدم فيها شباب أغلب الدول العربية صورا رائعة من النضال والتضحية في سبيل تغيير واقع بلدانهم، أن يشكل الشباب الموريتاني استثناء، في مثل هذا العام، وأن يظل يتخبط ويسير ـ بلا بوصلة ـ في متاهات و مسارات عبثية، لن توصله إلا لمزيد من الفشل والإحباط، ولن توصل بلده المتعطش للإصلاح وللتغيير ـ أكثر من غيره ـ إلا لمزيد من التخلف والضياع.
فمن المبكيات المبكيات، وشر البلية ما يبكي فقط، أنه في عام الشباب هذا، لا زال يطالعنا الشباب الموريتاني في صبيحة كل يوم، ببيانات متهافتة، وبتصريحات بائسة، وبانشقاقات مثيرة للشفقة، وبانضمامات مخجلة تؤكد في مجملها بأنه لا يزال غير قادر على الإمساك بزمام المبادرة، ولا يزال غير مؤهل ـ حسب ما يصدر عنه ـ لتجاوز الصف الثاني، أو الصف الثالث في المشهد السياسي، رغم الدعوات المتكررة التي نسمعها من هنا وهناك بضرورة تجديد النخبة السياسية.
إن المتأمل للمستنقع السياسي الراكد، والمتعفن في أغلب أوقاته، سيلاحظ أن هناك أربعة اتجاهات تستقطب الشباب، تختلف في توجهاتها، وتتفاوت في أحجامها، ويحاول كل اتجاه منها أن يخرج من الوحل، وأن يطفو بطريقته وبآلياته الخاصة على السطح السياسي، وهذه الاتجاهات يمكن تصنيفها على النحو التالي:
الاتجاه الأول: ويمثله الشباب المنخرط في مشروع حزب العصر بكل ملحقاته، وملحقات ملحقاته، بما في ذلك مجموعة الغد، ومجموعة من شباب 25 فبراير التحقت أخيرا بذلك الركب. وهذا المشروع الشبابي عبارة عن مجموعات تشكلت حسب الطلب، استجابة لتعليمات عليا، لذلك فلا يمكن أن يعول عليها، في أي مشروع سياسي شبابي جاد.
فأي مشروع سياسي شبابي لا يتشكل استجابة لرغبة شبابية خالصة من كل الشوائب، وبإمكانيات ووسائل ذاتية، تبعده عن كل وصاية، فهو مشروع محكوم عليه بالفشل، حتى وإن وفرت له السلطات إمكانية هائلة.
ومن المثير للشفقة، وشباب العصر التائه يثير الشفقة، أكثر من غيره، أن هذه المجموعة الشبابية التي أثبتت بعد أيام معدودات من الإعلان عن مشروعها، بأنها تختزن في جيناتها كل مساوئ الطبقة السياسية التقليدية، التي يراد تجديدها، لا زالت تردد كالببغاوات شعار تجديد الطبقة السياسية، كما ردده الآمر بتشكيل حزب العصر، مع حزمة أخرى من الشعارات، التي انتهت صلاحيتها، بعد أن تأكد المواطن أنها كانت مجرد شعارات انتخابية، ليس إلا.
إن النفعية، والسعي وراء المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، والتنابز بالألقاب، هي صفات سيئة كنا ننتقد عليها طبقتنا السياسية التقليدية، وهي التي جعلتنا نرحب بشعار تجديد الطبقة السياسية، إلا أن ما أظهره المنخرطون في مشروع حزب العصر وملحقاته من تلك الصفات السلبية في أيام معدودة، فاق بكثير، ما أظهرته النخب السياسية التقليدية في عقود كاملة.
فمشروع حزب العصر لم يستطع أن يؤجل خلافاته، ولا أن يخفي المآرب الشخصية التي تحرك مؤسسيه ـ على الأقل ـ أثناء فترة التأسيس. وهذا ما كانت تنجح فيه نخبنا السياسية التقليدية التي يقال أن هذا المشروع جاء لتجديدها!. فنخبنا التقليدية كانت تتمكن دائما من أن تخفي سعيها وراء المصالح، أثناء تأسيس الأحزاب والتشكيلات السياسية. وكانت تنجح في أغلب الأوقات في كبح مطامحها الشخصية، وفي تأجيل خلافاتها، إلى أن يقترب موسم قطف الثمار، وهذا ما لم يستطع مشروع حزب العصر أن يحققه.
فما الذي يمكن أن يقدمه مشروع حزب العصر للشباب الموريتاني، وهو المشروع الذي أظهر مؤسسوه بأنهم أكثر جشعا، وأكثر سعيا وراء المصالح الخاصة من نخبنا السياسية التقليدية، في الوقت الذي لا يمتلكون فيه خبرة و تجربة النخب التي يريدون تجديدها.
فبئس التجديد الذي يدعو إليه شباب العصر، إذا كان سيأتي بمساوئ أعظم من مساوئ النخب المراد تجديدها، مع العجز عن الاحتفاظ ـ على الأقل ـ بالايجابيات القليلة لتلك النخب المراد تجديدها.
الاتجاه الثاني: ويمثله بعض الشباب الذي افتقد بدوره بوصلة تحدد له الاتجاه الصحيح. فكان أن قاده تيه المراكب إلى الإنخرط في أحزاب يمكن أن نتوقع منها كل شيء، إلا أن يكون لها مشروع مجتمع، يستجيب لتطلعات الشباب في العيش بشكل كريم في دولة مؤسسات.
ومن هذه الطائفة المجموعات الشبابية المنضمة أخيرا لحزب الوئام، وهو الحزب الذي شكل في الفترة الأخيرة ـ لأسباب ليس هذا المقام مناسبا لبسطها ـ قبلة لهجرات عديدة من فسطاط الموالاة.
فما الذي يمكن أن يقدمه حزب الوئام للشباب المهاجر إليه؟ وما الذي يميز حزب الوئام شبابيا عن غيره من الأحزاب؟ وهل في برنامج حزب الوئام ما يغري الشباب بالالتحاق به؟ وما الذي يمكن أن يقدمه "بيجل" وصحبه من رجال معاوية للشباب الموريتاني في العام 2011؟
بالعربي الصريح، يمكننا أن نفتش عن كل شيء، إلا عن المصلحة العامة، لتفسير تلك الإنضمامات. والتفسير الأقرب هو أن انضمام تلك المجموعات لحزب الوئام إنما هو من أجل البحث عن مصلحة خاصة محتملة، قد يوفرها حزب الوئام لقيادات المجموعات الشبابية المنخرطة في الحزب.
أيضا هذه الطائفة لا يمكن التعويل عليها في قيادة مشروع التغيير والإصلاح الذي يتطلع إليه الشباب الموريتاني.
الاتجاه الثالث: و يمثله الشباب المنخرط في الأحزاب السياسية القائمة، خاصة منها الأحزاب المؤدلجة.
وهذه المجموعات الشبابية قد تكون لها خبرة في مجال العمل السياسي أكثر من غيرها، إلا أنها تعاني من خلل في تنشئتها السياسية حيث تم إعدادها لخدمة الايدولوجيا أكثر من خدمة الوطن. وهي لازالت تقدس زعيم الحزب بطريقة لا تتناسب مع روح الثورات الشبابية التي جاءت لترفع من شأن المصلحة العامة، على حساب المصلحة الخاصة، ولتضعها ـ أي المصلحة العامة ـ فوق أي مصلحة أخرى حزبية كانت أو إيديولوجية.
وتبقى هذه المجموعة الشبابية مؤهلة أكثر من غيرها ـ نظرا لخبراتها المتراكمة ـ لأن تقود مشروع الإصلاح والتغيير المنشود من خارج تشكيلاتها السياسية، أو من داخل تلك التشكيلات إن هي استطاعت أن تغير من أسلوبها في التفكير وفي العمل. والشرط الأساسي لتحقيق ذلك، هو أن تثق تلك المجموعات في قدراتها الذاتية، وأن تقرر أن تقود ـ وبشكل فوري ـ أحزابها إلى ما فيه المصلحة العامة، بدلا من أن تظل في الصفوف الخلفية مكتفية بتمجيد رئيس الحزب، و بالدفاع عن إيديولوجيات بائدة، أو أحزاب معاقة، لم تعد قادرة ـ في شكلها الحالي ـ أن تحدث تغييرا في هذا البلد المتعطش للتغيير.
الاتجاه الرابع: ويمثله شباب 25 فبراير، والذي سعى لإحداث تغيير في البلاد، إلا أن الفعالية ظلت غائبة عن حراك هذه المجموعة الشبابية.
وهذه المجموعة والتي يعول عليها كثيرا، يمكن أن تلعب أدوارا رائدة في عملية التغيير لو أنها تمكنت من تجاوز بعض الأخطاء التي وقعت فيها، والتي تسببت في تراجعها كثيرا، حتى وصلت إلى الوضعية الصعبة التي تعيشها اليوم.
ولجسامة الدور المعلق على هذه المجموعة، فسأخصص لها ـ إن شاء الله ـ مقالا خاصا، سأحاول من خلاله أن أرصد بعض الأخطاء التي ارتكبها شباب 25 فبراير، مع تقديم بعض المقترحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية لكي يستعيد شباب 25 فبراير شيئا من ألقه الذي ظهر به في الأسابيع الأولى التي أعقبت بداية احتجاجاته واعتصاماته.
تصبحون على حراك شبابي فعال...

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

تخيلت أن في موريتانيا رئيسا للفقراء!!!

تخيلت أن في موريتانيا رئيسا للفقراء، وتخيلت أن رئيس الفقراء هو فعلا رئيسا للفقراء، وتخيلت أنه قرر عندما شاهد إحدى حلقات برنامج "ويؤثرون على أنفسهم"، والذي ربما يكون الحسنة الوحيدة للتلفزيون الموريتاني ، قرر أن يتكفل بعلاج كل المرضى الذين ظهروا في تلك الحلقات ، على حسابه الخاص، أو على حساب ميزانية القصر، أو على حساب الدولة الموريتانية.
وتخيلت أن في الحكومة وزيرا للتوجيه الإسلامي، وأنه عندما شاهد إحدى حلقات البرنامج المذكور، قرر أن يتبرع ـ وهو ليست به خصاصة ـ بنصف راتبه لهذا الشهر لعلاج أحد المرضى الذين ظهروا في حلقات البرنامج.
وتخيلت أنه سن سنة حسنة لبقية الوزراء، في شهر البذل والإنفاق، وذلك عندما قرر أن تتكفل وزارته بعلاج عشرة على الأقل من أولئك المرضى الذين ظهروا في حلقات البرنامج. وتخيلت أن باقي الوزراء ساروا على نهج الوزير الفقيه، فأخذ الوزراء يتبرعون بنسب من رواتبهم لضيوف حلقات البرنامج، ويتكفلون بعلاج العشرات منهم على حساب وزاراتهم.
وتخيلت أن وزير الإسكان قرر أن يمنح لكل مريض ظهر في ذلك البرنامج قطعة أرضية، خاصة لأولئك الذين ظهروا في البرنامج وهم في مساكن غير لائقة بالبشر.
وتخيلت أن مفوض الأمن الغذائي تكفل بالنفقة الشهرية من المواد الغذائية لأولئك المرضى، خلال الشهر الكريم على الأقل.
بل أني تماديت في التخيل، وتخيلت أن المفوض قرر أن يحمل على ظهره ـ في مشهد مثيرـ خنشة من الأرز أو السكر ليوصلها لأحد أولئك المرضى، كما فعل وزير فرنسي سابق رغم أنه ليس مسلما، ولا ينتمي لهذا الدين الذي أحدث ثورة في مفهوم العمل الخيري، من خلال توسيع مجالات الصدقة والإنفاق، لتتسع لكل ذي كبد رطب، ومن خلال تنويع تلك المجالات، لتشمل كل ما يدخل السرور في النفس البشرية، سواء كان ذلك بشق تمرة، أو بابتسامة عابرة، أو بكلمة طيبة، أو حتى بنية صادقة.
وتخيلت أن وزيرة المرأة تكفلت بعلاج كل الأطفال المرضى الذين ظهروا في حلقات البرنامج المذكور.
وتخيلت أن بعض رجال الأعمال قرروا أخيرا أن يتنافسوا على علاج مرضى برنامج "ويؤثرون على أنفسهم". وتخيلت أن المريض الواحد كانت تأتيه بعد بث الحلقة عدة عروض من عدة رجال أعمال.
وتخيلت أن الإنفراد بعلاج مرضى البرنامج أحدث صراعا وخلافات شديدة بين رجال أعمال الأغلبية ورجال أعمال المعارضة. وتخيلت أن منسقية أحزاب المعارضة أصدرت بيانات قاسية اتهمت فيها الحكومة بالانحياز لرجال أعمال الأغلبية، على حساب رجال المعارضة. وهو ما تسبب ـ حسب المنسقية ـ في حرمان العديد من رجال أعمال المعارضة من الفوز ببعض تلك "الصفقات الأخروية"، التي يوفرها علاج مرضى البرنامج.
وتخيلت أن رجال الأعمال تبرعوا لضيوف برنامج "ويؤثرون على أنفسهم" ب5% من مجموع ما ينفقونه عادة في جلب الصور، وتنظيم السهرات المفتوحة في الخيام، لدعم مرشح هنا أو هناك في انتخابات رئاسية أو برلمانية أو بلدية.
وتخيلت أن "شنقيتل" ـ والتي يقال إنها أكثر مما أتخيل ـ قررت أن تتكفل بعلاج كل ضيوف البرنامج في هذا الشهر، وتخيلت أن ذلك جعل "موريتل" و"ماتال" تبحث في أرشيف البرنامج للسنوات السابقة عن مرضى للتكفل بعلاجهم ، بعد أن احتكرت "شنقيتل" رعاية برنامج " ويؤثرون على أنفسهم"، مع احتكار علاج كل المرضى الذين سيظهرون في حلقات البرنامج لهذا العام.
وتخيلت أن القسم التطوعي في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ـ إن كان للحزب قسما تطوعيا حقيقيا ـ قرر أن ينظم حملة تبرعات خلال الشهر الكريم لصالح ضيوف البرنامج.
وتخيلت أن كل مناضل في الاتحاد من أجل الجمهورية تبرع بمائة أوقية خلال الشهر الكريم، وهو ما مكن الحزب من جمع 80 مليون أوقية لصالح مرضى البرنامج (يقال أن عدد منتسبي الاتحاد من أجل الجمهورية يزيد على ثمانمائة ألف مناضل).
مر يوم من الشهر الكريم ولم يتحقق أي شيء مما تخيلت..
مر يومان...
مرت ثلاثة أيام..
مرت أربعة أيام..
...................
مر نصف الشهر بكامله ولم يتحقق أي شيء مما تخيلت.
فأين هو رئيس الفقراء، إن كان في البلد رئيسا للفقراء؟ وأين هو وزير التوجيه الإسلامي، إن كان في البلد وزيرا للتوجيه الإسلامي؟ وأين بقية الوزراء؟ وأين رجال الأعمال؟ وأين الميسورين؟ أجيبوني يرحمكم الله..
تقبل الله من أولئك الفقراء والذين بهم خصاصة ومع ذلك لم تتوقف تبرعاتهم لأولئك المحتاجين بعدما تخلف الميسورون. وتقبل الله من تجارنا في الخارج، خصوصا في الدول الإفريقية والذين لم تتوقف تبرعاتهم لهؤلاء المرضى الذين تقطعت بهم السبل، في عام الناس هذا.
تصبحون على واقع كالخيال...

الأحد، 14 أغسطس 2011

تحدثت وثائق سونمكس فقالت2:



في الحلقة الثانية من هذه السلسلة المتواصلة إن شاء الله، سأستنطق لكم وثائق جديدة من وثائق سونمكس لمعرفة دور البنك المركزي في إهدار الأحد عشر مليار أوقية، التي تبخرت في مدة قصيرة جدا، من عام عصيب، جاع فيه الفقراء كثيرا. عام ثار فيه الفقراء في قرى ومدن عديدة بسبب الجوع، وأطلق عليهم فيه الرصاص الحي، فأصابت منه رصاصة غادرة شابا جائعا في مقاطعة كنكوصة لترديه قتيلا.
في ذلك العام العصيب ضاع القرض المذكور. وكان من بين الأسباب التي أدت إلى ضياعه عدم وجود دائن خارجي يطالب بتسديده. وقد مَثَّلَ غياب رقيب خارجي السبب الأبرز في نهب ربع احتياطي البلاد في العام 2008، بتلك الطريقة العجيبة التي تمت بها عملية النهب تلك في عام الناس ذاك.
فبعد إحجام البنك الإسلامي للتنمية عن تقديم القرض المذكور، قام البنك المركزي بتقديم القرض لسونمكس من خلال سحب ربع احتياط البلاد من العملة الصعبة. وهو ما تسبب في الإخلال بالتوازن بين الكتلة النقدية الوطنية والاحتياطي بالعملة الصعبة. ومن المسلم به أن سحب ربع احتياطي البلاد من العملات الصعبة، وضخ مبلغ بذلك الحجم دون مقابل لابد وأن يؤثر سلبا على قيمة العملة الوطنية، ولفترة ليست بالقصيرة.
فالقرض كان في النهاية عبارة عن تقديم ربع احتياطي البلاد من العملة الصعبة من طرف البنك المركزي لشركة سونمكس، مع تعهد جاء في رسالة كتبها بعد ذلك وزير المالية آنذاك، ووعد فيها بسداد الوزارة للقرض، في حالة إخفاق سونمكس في سداده.
إن هذا القرض الذي تم تقديمه رغم المخاطر المحتملة التي قد يتسبب فيها، لم تصاحبه أي إجراءات من طرف البنك المركزي من أجل تحصيله، وهو ما يقودنا إلى طرح السؤال التالي: هل ساهم محافظ البنك المركزي في ضياع الأحد عشر مليار أوقية أم لا؟
سؤال شائك ارتأيت أن أطرحه في مثل هذا الوقت الحساس في مسار ملف سونمكس، وذلك لسببين اثنين في غاية الأهمية:
السبب الأول : إن تقرير كودينو كان تقريرا مهنيا، بكل المقاييس، وهو ما أشرت إليه في الحلقة الماضية، إلا أنه مع ذلك ـ كأي جهد بشري ـ لم يخل من أخطاء غابت عن الجميع، خاصة عن أولئك الذين شككوا في التقرير، وعجزوا في الوقت نفسه عن تقديم ما يبررون به شكوكهم.
وفي اعتقادي أن كودينو وقع في ثلاثة أخطاء أثناء إعداد تقريره، وهي أخطاء يمكن أن أجملها في النقاط الثلاث التالية:
الخطأ الأول: لقد تجاهل كودينو حقيقة مفادها أن المسؤول الأول عن ضياع هذه الأموال الضخمة هو محافظ البنك المركزي، الذي وهب تلك الأموال الضخمة لسونمكس بلا ضمانات، ثم لم يتابع تنفيذ الاتفاق، ولم يتقدم إلى القضاء عندما ظهر جليا أن القائمين على سونمكس لم يظهروا أية بادرة إيجابية توحي بأنهم سيسددون القرض. وهذا الخطأ من أخطاء تقرير كودينو هو الذي سأخصص له هذه الحلقة بكاملها، دون أن يعني ذلك عدم ذكر بقية الأخطاء، ولو بشكل مختصر، مع إمكانية العودة إليها بشيء من التفصيل في الحلقات القادمة، إن كان في العمر بقية.
الخطأ الثاني: لقد اقتصر تقرير كودينو على فترة مولاي العربي وولد آكاط، وكان من المفترض أن تمتد عملية التدقيق إلى ما بعد فترة المديرين المذكورين، حتى تكتمل الصورة بشكل أفضل.
الخطأ الثالث : تسبب جهل كودينو للقانون الموريتاني في أن يقترح ثلاثة تهم، يقول خبراء القانون بأنها مستقاة من القانون الفرنسي، إحدى هذه التهم لا تعد جرما في القانون الموريتاني، بل إنها لا تتعدى كونها فعلا مدنيا يتعلق بسوء استخدام المال المشترك.
السبب الثاني : أن هناك خبرة وطنية تعد حاليا للتدقيق في تقرير كودينو والذي تجاهل ـ كما قلت سابقا ـ دور البنك المركزي في ضياع الأحد عشر مليار أوقية، ولذلك فقد كان من المهم جدا، في هذا الوقت بالذات، إثارة دور البنك المركزي في تبديد المبلغ المذكور.
وهناك إشارات عديدة توحي في محصلتها بأنه حتى الآن لم تتدخل السلطات التنفيذية العليا للتأثير على مسار التحقيق، أو توجيهه في اتجاه معين، عكس ما يقال. ولأن البعض قد يعد هذا الاستنتاج تطبيلا للنظام، فإني أطلب من أصحاب الاستنتاجات والاتهامات السريعة، بأن يعودوا إلى رسالتي المفتوحة للأسبوع الماضي والمنشورة تحت عنوان:" لن أسألكم يا سيادة الرئيس!!!" أو يعودوا إلى الرسالة المفتوحة المنشورة قبلها بأسبوع، والتي كانت عبارة عن صورة نادرة أهديتها لرئيس الفقراء بمناسبة حلول الشهر الكريم.
ويظهر عدم تدخل السلطات التنفيذية العليا، في لجوء قاضي التحقيق ـ من بين أمور أخرى ـ إلى خبير وطني من أجل إعداد خبرة وطنية محايدة، ومن أجل التدقيق في تقرير كودينو. وهذه الخبرة المحايدة والتي ستجيب على خمسة عشر سؤالا هاما، قبل يوم 17 من الشهر الحالي، تعد استجابة من القاضي لمطلب أساسي للبنك الوطني الموريتاني، الذي شكك في تقرير كودينو واعتبره تقريرا موجها.
إن القراءة المتأنية لوثائق سونمكس لتؤكد بأن محافظ البنك المركزي كان بإمكانه بقرارات بسيطة، وبإجراءات عادية، أن يوقف نهب الأحد عشر مليار أوقية، ولكن المحافظ اختار أن يظل متفرجا بدلا من أن يتخذ تلك القرارات البسيطة والإجراءات العادية.
وكان بإمكان محافظ البنك المركزي أن يتخذ الإجراءات التالية عندما ظهر جليا بأن شركة سونمكس قد أخلت بشرطي الاتفاق، وأنها ترفض أن تسدد أوقية واحدة للبنك المركزي من القرض المذكور. والإجراءات التي كان يمكن لمحافظ البنك المركزي أن يتخذها هي:
1 ـ كان بإمكان المحافظ أن يلزم شركة سونمكس بتحويل أرصد ة حساباتها من البنوك الوسيطة إلى حساب الشركة في البنك المركزي.
2 ـ كان بإمكانه أن يلزم سونمكس بأن تتوقف فورا عن تحويل الأموال المتحصلة من القرض إلى حساباتها في البنوك الوسيطة، مع رفض الحجة الواهية التي كانت تقول بأن تحويل تلك الأموال سيقلل من حجم الفوائد المترتبة على ديون البنوك الوسيطة.
3 ـ كان بإمكانه أن يعين شخصا من البنك المركزي لدى الشركة لمتابعة بنود الاتفاق مع الإدارة العامة لسونمكس.
4 ـ كان بإمكان محافظ البنك المركزي أن يفرض تسييرا مشتركا للمخزون، وذلك لمراقبة سير المواد التي تم شراؤها من القرض. وهو ما تفعله البنوك الوسيطة، لتحصيل ديونها من سونمكس. ويقتضي ذلك أن يكون لكل طرف نسخة من مفاتيح المخازن، حيث يستحيل فتح المخازن دون حضور الطرف الآخر. فلا تفتح تلك المخازن، إلا بحضور ممثلي الطرفين، وبعد أن يكون المشتري قد اتفق مع الشركة على الثمن والكمية، ودفع المبلغ في حساب الشركة لدى البنك.
5 ـ كان بإمكانه أن يقوم بإعداد خطة لبيع احتياطي سونمكس بالتنسيق مع إدارة سونمكس.
6 ـ كان بإمكانه أن يلجأ للقضاء عندما أخلت سونمكس وبشكل متكرر بشرطي القرض، بدل الاكتفاء برسائل خجولة لتذكير سونمكس ـ من حين لآخر ـ ببنود الاتفاق.
والغريب أن البنك المركزي لم يتخذ أيا من تلك الإجراءات لاستعادة ولوجزء يسير من القرض الذي منحه بطريقة غير قانونية لشركة سونمكس.
إن البنك المركزي، الذي منح قرضا لا يدخل في مجال عمله التقليدي، هو نفسه الذي رفض ـ حسب مديري سونمكس ـ أن يقوم بعملية في صميم تخصصه، كانت ستوفر لشركة سونمكس مبالغ هامة هي في أمس الحاجة إليها.
والبنك المركزي الذي خالف كل القوانين وأصدر رسائل ائتمان لتنفيذ عقود لصالح سونمكس، أبرمت قبل توقيع اتفاقية القرض نفسها، هو الذي ظل يرفض ـ حسب مديري سونمكس ـ أن يحول للشركة ما يكفي من العملات الصعبة اللازمة للقيام بعمليات استيراد مواد غذائية، وهو ما فرض على سونمكس أن تلجأ إلى بنوك وسيطة، من بينها بالتأكيد البنك الوطني الموريتاني الذي يظهر دائما، في الوثائق الرسمية التي بين يدي، كلما كانت هناك عملية مجحفة بسونمكس.
ففي بداية فبراير2009، ولاستيراد 20 طن من الأرز بسعر إجمالي يبلغ 11مليون دولار، حدد البنك الوطني سعر صرف بمبلغ 300أوقية للدولار. كما أخذ عمولتين عند فتح الاعتماد وعند إغلاقه، وصلت إلى حدود 8% ( كانت مخازن سونمكس في تلك الفترة مليئة بالأرز!!!). وفي نفس الفترة استوردت سونمكس ما قيمته 5 مليون دولار من القمح، ولكن هذه المرة عن طريق بنك التجارة والصناعة، والذي حسب سعر صرف قدره 281 أوقية للدولار، مع عمولة في بداية فتح الاعتماد ونهايته وصلت ل4%. وإذا كان من المؤكد بأن بنك التجارة والصناعة ليس مؤسسة خيرية، وأنه ربح مبالغ معتبرة من هذه العملية، فكيف بالبنك الوطني الذي ضاعفت فائدته فائدة بنك الصناعة، وزاد سعر الصرف الممنوح له ب19 أوقية لكل دولار، على سعر الصرف الممنوح لبنك الصناعة في نفس الآونة؟
وفي الفترة نفسها، كان سعر صرف الدولار لدى البنك المركزي 266 أوقية فقط، فلِمَ لم يوفر البنك المركزي لسونمكس المبلغ المطلوب بذلك السعر؟ ألا يدخل ذلك في صميم عمله وتخصصه؟ ولِمَ ترك الشركة فريسة للبنوك الأولية، خاصة البنك الوطني الذي تقول الوثائق بأنه ساهم كثيرا في وصول الشركة إلى هذا الواقع البائس الذي تتخبط فيه اليوم؟ وأنه ربما قام بسلسلة من الخطوات الممنهجة والمدروسة لإفلاس سونمكس، وهي خطوات تتشابه مع أرشيف كل الخطوات المتخذة سابقا، من طرف بعض رجال الأعمال، لإفلاس شركات عامة أو مختلطة، تم إفلاسها في نهاية المطاف. ومن بين تلك الخطوات المتخذة من طرف البنك الوطني، يمكن أن أذكر:
1 ـ عكسا لما هو شائع فلم يكن وضع سونمكس سيئا للغاية عندما تم تعيين السيد مولاي العربي في العام 2005. ففي ذلك العام راجعت الدولة ديون الشركة المستحقة عليها من طرف البنوك الوسيطة. وقد قبلت البنوك التنازل عن بعض فوائدها مقابل أن تسدد لها الدولة ديونها على سونمكس. وكان البنك الوطني هو البنك الوحيد الذي رفض أن يتنازل عن أي نسبة من الفوائد، وأصر على أن تسدد له ديونه كاملة غير منقوصة، ومع الفوائد المجحفة، وهو ما تحقق له بعد ذلك.
2 ـ رغم أنه لا يحق لأي مساهم أن يستفيد من رهن أصول الشركة المساهم فيها، إلا أن ذلك لم يمنع البنك الوطني الذي يعتبر أكبر مساهمي سونمكس من الاحتفاظ بالملكية العقارية رقم (1010/T vol 6 F°66 ) كرهن، والتي تمثل السند العقاري لمقر الشركة ومخازنها، مقابل ضمان لسلفة من (OFID)، تحمل البنك المركزي ضمانها، وتم تحويلها من طرف بنك الصناعة والتجارة لا البنك الوطني، مع العلم بأن قيمة العقار المرهون تفوق كثيرا مبلغ السلفة بكاملها.
3 ـ أنه هو المستفيد من مستويات سعر الصرف الخيالية المبينة أعلاه، ومن العمولات المجحفة المفروضة على الشركة عند فتح الاعتمادات وعند إغلاقها.
4 ـ أنه استطاع من خلال تطبيق سعر صرف مجحف، وفوترة عمولات مبالغ فيها، أن يستولي على ما يزيد على 900 مليون أوقية من أموال الشركة.
5 ـ أنه هو صاحب الحساب المثير رقم 502، والذي ظلت تحول إليه المبالغ المتحصلة من قرض البنك المركزي.
فلماذا لم يتصرف البنك المركزي لوقف تحويل المبالغ المتحصلة من قرضه لسونمكس إلى الحساب رقم 502 في البنك الوطني؟ ولماذا التزم محافظ البنك المركزي بصمت رهيب حتى اكتملت كل فصول العملية؟ ولماذا لم يتم الحديث عن التجاوزات إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن لم يعد هناك ما يمكن إنقاذه من ربع احتياطي البلد من العملات الصعبة؟ وهل استفاد المحافظ ـ على الصعيد الشخصي ـ من سكوته على كل تلك التجاوزات؟
هناك ثلاث إجابات محتملة، يمكن أن نجيب من خلالها على الأسئلة المذكورة.
الإجابة الأولى: أن يكون محافظ البنك المركزي موظفا ساذجا وغبيا، ولذلك فلم يشعر بعملية التحايل الواسعة التي كانت تتم عن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته. هذا الاحتمال مستبعد تماما لأن للمحافظ من الإمكانيات والخبرات والمؤهلات ما يستحيل معه أن لا يفطن لكل ما كان يتم من تحايل مكشوف في ذلك الوقت.
الإجابة الثانية: أو الاحتمال الثاني، أن يكون المحافظ شريكا في عملية النهب تلك، مقابل نصيب معلوم من الأحد عشر مليار أوقية. هذا الاحتمال ليس في الوثائق ما يؤكده أو ينفيه، وإن كان هناك من يتحدث من خارج الوثائق عن علاقة محتملة بين المحافظ والسمسار أو الوسيط الموريتاني ل: ( Novel) الشركة السويسرية التي ذهبت إلى حساباتها جل الأحد عشر مليار أوقية، وتبقى تلك مجرد إشاعات من خارج الوثائق، لا يمكن أن نعتمد عليها في حديث الوثائق هذا.
الإجابة الثالثة: أن تكون قد صدرت للمحافظ أوامر عليا تمنعه من اتخاذ أي إجراء لاستعادة القرض، وهو ما يعني أن تكون العملية قد شاركت فيها جهات في قمة الهرم الحكومي، مما يعني أن المتهمين حاليا ليسوا وحدهم هم من تسبب في تبخر الأحد عشر مليار أوقية.
وفي الحلقة الثالثة، سنحاول ـ إن شاء الله ـ أن نفك طلاسم لغز المخزون، والذي يعتبر الجزئية الأكثر تعقيدا في الملف كله، إنها الجزئية التي حيرت "الشيطان" أنطوان كودينو.
تصبحون على الحقيقة الكاملة لملف سونمكس....

الجمعة، 5 أغسطس 2011

لن أسألكم يا سيادة الرئيس!!!

سيدي الرئيس، لقد تحمست كثيرا، في مثل هذا اليوم من العام الماضي، بمناسبة الذكرى الأولى لتنصيبكم، في أول لقاء لكم بالشعب المصفى أو المصطفى من طرف المنظمين لذلك اللقاء. ولقد دفعني الحماس ساعتها لأن أجمع قبل ذلك اللقاء ما يقارب خمسين سؤالا، وجهتها إلى سيادتكم عبر رسالة مفتوحة، تحت عنوان "أسئلة حائرة إلى رئيس الجمهورية"، وهي رسالة لا زلت أعتبر أنها واحدة من أهم رسائلي المفتوحة التي كتبت لكم حتى الآن.
ولقد حاولت في تلك الرسالة أن أجمع أهم الأسئلة الحائرة التي كانت تدور بخاطر المواطن الموريتاني البسيط، في ذلك الوقت. ولقد توقعت أن أسمع ـ في ذلك اللقاء ـ أجوبة صريحة وحاسمة من طرف سيادتكم على كل تلك الأسئلة الحائرة، أو على الأقل على جلها، أو على قليل منها في أسوأ الأحوال.
ولكن صدمتي كانت كبيرة، لأني لم أسمع سؤالا واحدا من كل تلك الأسئلة يطرح على سيادتكم في ذلك اللقاء، بل سمعت بدلا من تلك الأسئلة، أسئلة سطحية وغبية هبطت كثيرا باللقاء، وجعلته لا يختلف عن أي برنامج آخر في مسطرة برامج التلفزيون الموريتاني الشاحب دائما وأبدا، رغم أن فكرة اللقاء كانت فكرة رائدة، و كان من المتوقع لها أن تشكل سابقة فريدة من نوعها في المنطقة.
لقد تبين لي بعد متابعة اللقاء الأول بالشعب، بأنه لم يكن لقاء يهدف لنقاش هموم المواطنين، ولا للإجابة على أسئلتهم المطروحة، بقدر ما كان مجرد لقاء استعراضي، تمت فيه الإجابة على أسئلة استعراضية لا صلة لها بالأسئلة التي تعبر عن الهموم الحقيقية للمواطن البسيط، ذلك المواطن الذي أصبتموه بإحباط شديد، رغم أنه وقف معكم في يوم عصيب، ولم يدخر جهدا في سبيل فوزكم في ذلك اليوم العصيب، الذي تحتفلون الآن بذكراه الثانية.
سيدي الرئيس، لقد شعرت كغيري ـ بعد متابعة اللقاء الأول ـ بخيبة أمل كبيرة، وبإحباط شديد، وبصدمة لم أتمكن حتى الآن من تجاوزها، رغم مرور عام كامل. وهي صدمة جعلتني أقرر في ذكرى تنصيبكم لهذا العام، أن لا أطرح عليكم أي سؤال في لقائكم الثاني، والذي لن يُستجلب له إلا من كان على استعداد كامل لأن يشهد بأنه يعيش في جنة خالية من "رموز الفساد" أعلنت عنها حركتكم "التصحيحية" في فجر السادس من أغسطس من العام 2008. جنة عرضها كعرض مقاطعة أظهر، غُرست على كثبان عاصمتها ألف ألف شجرة، ووزعت على فقرائها ألف ألف سمكة، وبيع لساكنيها ألف ألف حبة أرز بسعر مدعوم، وينتظر تلاميذها أن تصنع لهم ألف ألف طاولة مدرسية، وأن تمنح لآبائهم ولأمهاتهم ألف ألف قطعة أرضية، وأن تصك آذانهم قبل ذلك كله بألف ألف وعد، حتى لا يعتصم منهم ألف ألف معتصم في يوم واحد.
سيدي الرئيس، إذا كنت قد تمنيت في العام الماضي، أن تجيبوا على بعض أسئلتي الحائرة، خلال لقائكم الأول بالشعب، فإني اليوم لم أعد أتمنى أن أسمع أي إجابة، على أي سؤال من تلك الأسئلة الحائرة، التي كتبت لكم في العام الماضي.
لم أعد أرغب في أن أسمع أي إجابة، لأن إجاباتكم أصبحت تقلقني أكثر مما تطمئنني.
فإن سألتكم عن أداء الحكومة فستقولون لي بأنها ماضية في تطبيق برنامجكم الانتخابي، وأنها سائرة على نهجها وأدائها الإصلاحي، فليتكم علمتم بأني ـ كغيري من المواطنين البسطاء ـ أصبحت أتمنى أن تتوقف حكومتكم عن التطبيق الحرفي لبرنامجكم الانتخابي، وعن السير على نهجها الإصلاحي، لتبدأ السير على نهج غير إصلاحي عسى أن يعود عليَّ ذلك بنتائج أفضل من استمرارها في السير على نهجها الإصلاحي الحالي.
وإن سألتكم عن الحرب عن الفساد، وعن السجن الكبير الذي وعدتم به في حملتكم الانتخابية، وعن الأموال الطائلة التي وعدتم باسترجاعها، وعن أشياء كثيرة أخرى ذات صلة بالحرب على الفساد كنتم قد وعدتم بها سابقا، إن سألتكم عن كل ذلك، فستقولون لي بأن الحرب على الفساد متواصلة، وأن المفسدين في هذا البلد يعيشون آخر أيامهم.
فليتكم علمتم بأن الحرب على الفساد لا يمكن أن تحصر في نطاق بعض العقوبات المحددة، لموظفين محددين، قد تتعدد التأويلات حول اختيارهم من بين مفسدين كثر يزاولون الآن وظائف سامية في زمن حربكم المعلنة على الفساد.
فالحرب على الفساد تبدأ باختيار الموظف المناسب في المكان المناسب، واسمحوا لي هنا أن أقول لكم بأن كل التعيينات التي قمتم بها منذ تنصيبكم حتى اليوم، لا تنسجم مع هذا المبدأ الهام.
فكل التعيينات في عهدكم لم يستفد منها إلا مفسد معلوم الفساد، أو موظف قليل الخبرة، قليل الكفاءة. ولقد وصل الأمر إلى تعيين طالب جامعي كملحق في الرئاسة.
فالمفسد قد لا يكون مختلسا، بل إن الموظف الذي لا يملك من المؤهلات ما يمكنه من أداء وظيفته على أحسن وجه يمكن اعتباره مفسدا، حتى وإن لم يسرق أوقية واحدة، لأنه سيتسبب في تعطيل الكثير من المصالح، بل وفي ضياعها.
كما أنه قد لوحظ في عهدكم بأن كل الوظائف الحساسة تم توزيعها على شخصيات سياسية، غارقة في السياسة حتى التراقي، تخصص أكثر وقتها للنشاطات الحزبية بدلا من وظائفها الحساسة (مفتشة الدولة، مدير الضرائب، رئيس لجنة الصفقات العمومية.......إلخ)
وإن سألتكم عن مكافحة الفقر فستقولون بأن الفقر قد تلقى ضربات موجعة في عهدكم، فليتكم علمتم بأن كل المؤسسات والإدارات المعنية بشكل مباشر في مكافحة الفقر تتخبط اليوم في كثير من المشاكل. فصناديق الادخار تمر اليوم بأسوأ مرحلة منذ تأسيسها، ووكالة تشغيل الشباب تمر بأصعب مرحلة لها منذ تاريخ إنشائها. هذا فضلا عن كل الإدارات ذات الصلة المباشرة بالمعوقين أو المتسولين أو مكافحة العبودية، وهي الإدارات التي تم تخفيضها ميزانياتها بنسب معتبرة في العام2011.
وإن سألتكم عن الحوار، فستقولون بأن الحوار بينكم وبين المعارضة لم تعد أمامه أي عراقيل، وإن انطلاقه سيتم قريبا، فليتكم علمتم بأني وإن كنت على ثقة بأني سأسمع في كل يوم تصريحا أو موقفا من هنا، أو من هناك، عن الحوار، وأن الحديث عنه لن ينقطع ، إلا أني مع ذلك أعتقد بأن الحوار لن ينطلق قريبا، وإن انطلق فلن يكون وفق الشروط والآليات التي قد تؤدي إلى نجاحه.
وإن سألتكم عن الإعلام الرسمي فستقولون لي بأن أبوابه مفتوحة أمام جميع الموريتانيين، فليتكم علمتم بأني ناضلت منذ سنوات، ولا زلت أناضل، من أجل أن تسمح لي بكلمة واحدة في التلفزيون، أو في الإذاعة، أو على صفحات يومية الشعب.
وليتكم علمتم بأني بذلت منذ عامين جهودا جبارة ـ لا أقصد جبارة وفق القاموس اللغوي للحكومة ـ في سبيل إعداد برنامج تنموي شبابي أسميته "خطوة إلى القمة"، كان سيشكل إضافة نوعية لبرامج الإعلام الرسمي لو تم اعتماده. وقد تم تسجيل حلقة منه للتلفزيون، وكان من المفترض أن يتم عرض هذا البرنامج خلال شهر رمضان لهذا العام، إلا أن إدارة التلفزيون اعتذرت في آخر لحظة، ووعدت بأنها ستبثه بعد رمضان مباشرة، وإن كنت غير متأكد من الموعد الجديد. كما أن إدارة البرامج بالإذاعة رحبت هي بدورها بفكرة البرنامج، ووعدت كذلك ببث حلقة أو حلقتين حول البرنامج، وهو الشيء الذي لم يتم حتى الآن.
وإن سألتكم ـ يا سيادة الرئيس ـ عن وسيط الجمهورية فستقولون بأنه يؤدي مهامه على أحسن وجه، وإن سألتكم عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي فستقولون بأنه يؤدي مهامه على أحسن وجه، وإن سألتكم عن المجلس الإسلامي الأعلى وعن المحكمة السامية فستجيبون بنفس الإجابة.
إن سألتكم عن المنتخب الوطني، أو عن دور الكتاب، أو عن أي شيء في هذا البلد فستقولون بأنه يسير على أحسن ما يرام، منذ بزوغ فجر السادس من أغسطس، ولأنه لا شيء في هذا البلد يسير على أحسن ما يرام، فلن أسألكم يا سيادة الرئيس.
لن أسألكم في لقائكم هذا يا سيادة الرئيس.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الثالثة والعشرين إن شاء الله..
ملاحظة : كتبت هذه الرسالة قبيل بدء لقاء الشعب بأقل من ساعة

لن أسألكم يا سيادة الرئيس!!!

سيدي الرئيس، لقد تحمست كثيرا، في مثل هذا اليوم من العام الماضي، بمناسبة الذكرى الأولى لتنصيبكم، في أول لقاء لكم بالشعب المصفى أو المصطفى من طرف المنظمين لذلك اللقاء. ولقد دفعني الحماس ساعتها لأن أجمع قبل ذلك اللقاء ما يقارب خمسين سؤالا، وجهتها إلى سيادتكم عبر رسالة مفتوحة، تحت عنوان "أسئلة حائرة إلى رئيس الجمهورية"، وهي رسالة لا زلت أعتبر أنها واحدة من أهم رسائلي المفتوحة التي كتبت لكم حتى الآن.
ولقد حاولت في تلك الرسالة أن أجمع أهم الأسئلة الحائرة التي كانت تدور بخاطر المواطن الموريتاني البسيط، في ذلك الوقت. ولقد توقعت أن أسمع ـ في ذلك اللقاء ـ أجوبة صريحة وحاسمة من طرف سيادتكم على كل تلك الأسئلة الحائرة، أو على الأقل على جلها، أو على قليل منها في أسوأ الأحوال.
ولكن صدمتي كانت كبيرة، لأني لم أسمع سؤالا واحدا من كل تلك الأسئلة يطرح على سيادتكم في ذلك اللقاء، بل سمعت بدلا من تلك الأسئلة، أسئلة سطحية وغبية هبطت كثيرا باللقاء، وجعلته لا يختلف عن أي برنامج آخر في مسطرة برامج التلفزيون الموريتاني الشاحب دائما وأبدا، رغم أن فكرة اللقاء كانت فكرة رائدة، و كان من المتوقع لها أن تشكل سابقة فريدة من نوعها في المنطقة.
لقد تبين لي بعد متابعة اللقاء الأول بالشعب، بأنه لم يكن لقاء يهدف لنقاش هموم المواطنين، ولا للإجابة على أسئلتهم المطروحة، بقدر ما كان مجرد لقاء استعراضي، تمت فيه الإجابة على أسئلة استعراضية لا صلة لها بالأسئلة التي تعبر عن الهموم الحقيقية للمواطن البسيط، ذلك المواطن الذي أصبتموه بإحباط شديد، رغم أنه وقف معكم في يوم عصيب، ولم يدخر جهدا في سبيل فوزكم في ذلك اليوم العصيب، الذي تحتفلون الآن بذكراه الثانية.
سيدي الرئيس، لقد شعرت كغيري ـ بعد متابعة اللقاء الأول ـ بخيبة أمل كبيرة، وبإحباط شديد، وبصدمة لم أتمكن حتى الآن من تجاوزها، رغم مرور عام كامل. وهي صدمة جعلتني أقرر في ذكرى تنصيبكم لهذا العام، أن لا أطرح عليكم أي سؤال في لقائكم الثاني، والذي لن يُستجلب له إلا من كان على استعداد كامل لأن يشهد بأنه يعيش في جنة خالية من "رموز الفساد" أعلنت عنها حركتكم "التصحيحية" في فجر السادس من أغسطس من العام 2008. جنة عرضها كعرض مقاطعة أظهر، غُرست على كثبان عاصمتها ألف ألف شجرة، ووزعت على فقرائها ألف ألف سمكة، وبيع لساكنيها ألف ألف حبة أرز بسعر مدعوم، وينتظر تلاميذها أن تصنع لهم ألف ألف طاولة مدرسية، وأن تمنح لآبائهم ولأمهاتهم ألف ألف قطعة أرضية، وأن تصك آذانهم قبل ذلك كله بألف ألف وعد، حتى لا يعتصم منهم ألف ألف معتصم في يوم واحد.
سيدي الرئيس، إذا كنت قد تمنيت في العام الماضي، أن تجيبوا على بعض أسئلتي الحائرة، خلال لقائكم الأول بالشعب، فإني اليوم لم أعد أتمنى أن أسمع أي إجابة، على أي سؤال من تلك الأسئلة الحائرة، التي كتبت لكم في العام الماضي.
لم أعد أرغب في أن أسمع أي إجابة، لأن إجاباتكم أصبحت تقلقني أكثر مما تطمئنني.
فإن سألتكم عن أداء الحكومة فستقولون لي بأنها ماضية في تطبيق برنامجكم الانتخابي، وأنها سائرة على نهجها وأدائها الإصلاحي، فليتكم علمتم بأني ـ كغيري من المواطنين البسطاء ـ أصبحت أتمنى أن تتوقف حكومتكم عن التطبيق الحرفي لبرنامجكم الانتخابي، وعن السير على نهجها الإصلاحي، لتبدأ السير على نهج غير إصلاحي عسى أن يعود عليَّ ذلك بنتائج أفضل من استمرارها في السير على نهجها الإصلاحي الحالي.
وإن سألتكم عن الحرب عن الفساد، وعن السجن الكبير الذي وعدتم به في حملتكم الانتخابية، وعن الأموال الطائلة التي وعدتم باسترجاعها، وعن أشياء كثيرة أخرى ذات صلة بالحرب على الفساد كنتم قد وعدتم بها سابقا، إن سألتكم عن كل ذلك، فستقولون لي بأن الحرب على الفساد متواصلة، وأن المفسدين في هذا البلد يعيشون آخر أيامهم.
فليتكم علمتم بأن الحرب على الفساد لا يمكن أن تحصر في نطاق بعض العقوبات المحددة، لموظفين محددين، قد تتعدد التأويلات حول اختيارهم من بين مفسدين كثر يزاولون الآن وظائف سامية في زمن حربكم المعلنة على الفساد.
فالحرب على الفساد تبدأ باختيار الموظف المناسب في المكان المناسب، واسمحوا لي هنا أن أقول لكم بأن كل التعيينات التي قمتم بها منذ تنصيبكم حتى اليوم، لا تنسجم مع هذا المبدأ الهام.
فكل التعيينات في عهدكم لم يستفد منها إلا مفسد معلوم الفساد، أو موظف قليل الخبرة، قليل الكفاءة. ولقد وصل الأمر إلى تعيين طالب جامعي كملحق في الرئاسة.
فالمفسد قد لا يكون مختلسا، بل إن الموظف الذي لا يملك من المؤهلات ما يمكنه من أداء وظيفته على أحسن وجه يمكن اعتباره مفسدا، حتى وإن لم يسرق أوقية واحدة، لأنه سيتسبب في تعطيل الكثير من المصالح، بل وفي ضياعها.
كما أنه قد لوحظ في عهدكم بأن كل الوظائف الحساسة تم توزيعها على شخصيات سياسية، غارقة في السياسة حتى التراقي، تخصص أكثر وقتها للنشاطات الحزبية بدلا من وظائفها الحساسة (مفتشة الدولة، مدير الضرائب، رئيس لجنة الصفقات العمومية.......إلخ)
وإن سألتكم عن مكافحة الفقر فستقولون بأن الفقر قد تلقى ضربات موجعة في عهدكم، فليتكم علمتم بأن كل المؤسسات والإدارات المعنية بشكل مباشر في مكافحة الفقر تتخبط اليوم في كثير من المشاكل. فصناديق الادخار تمر اليوم بأسوأ مرحلة منذ تأسيسها، ووكالة تشغيل الشباب تمر بأصعب مرحلة لها منذ تاريخ إنشائها. هذا فضلا عن كل الإدارات ذات الصلة المباشرة بالمعوقين أو المتسولين أو مكافحة العبودية، وهي الإدارات التي تم تخفيضها ميزانياتها بنسب معتبرة في العام2011.
وإن سألتكم عن الحوار، فستقولون بأن الحوار بينكم وبين المعارضة لم تعد أمامه أي عراقيل، وإن انطلاقه سيتم قريبا، فليتكم علمتم بأني وإن كنت على ثقة بأني سأسمع في كل يوم تصريحا أو موقفا من هنا، أو من هناك، عن الحوار، وأن الحديث عنه لن ينقطع ، إلا أني مع ذلك أعتقد بأن الحوار لن ينطلق قريبا، وإن انطلق فلن يكون وفق الشروط والآليات التي قد تؤدي إلى نجاحه.
وإن سألتكم عن الإعلام الرسمي فستقولون لي بأن أبوابه مفتوحة أمام جميع الموريتانيين، فليتكم علمتم بأني ناضلت منذ سنوات، ولا زلت أناضل، من أجل أن تسمح لي بكلمة واحدة في التلفزيون، أو في الإذاعة، أو على صفحات يومية الشعب.
وليتكم علمتم بأني بذلت منذ عامين جهودا جبارة ـ لا أقصد جبارة وفق القاموس اللغوي للحكومة ـ في سبيل إعداد برنامج تنموي شبابي أسميته "خطوة إلى القمة"، كان سيشكل إضافة نوعية لبرامج الإعلام الرسمي لو تم اعتماده. وقد تم تسجيل حلقة منه للتلفزيون، وكان من المفترض أن يتم عرض هذا البرنامج خلال شهر رمضان لهذا العام، إلا أن إدارة التلفزيون اعتذرت في آخر لحظة، ووعدت بأنها ستبثه بعد رمضان مباشرة، وإن كنت غير متأكد من الموعد الجديد. كما أن إدارة البرامج بالإذاعة رحبت هي بدورها بفكرة البرنامج، ووعدت كذلك ببث حلقة أو حلقتين حول البرنامج، وهو الشيء الذي لم يتم حتى الآن.
وإن سألتكم ـ يا سيادة الرئيس ـ عن وسيط الجمهورية فستقولون بأنه يؤدي مهامه على أحسن وجه، وإن سألتكم عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي فستقولون بأنه يؤدي مهامه على أحسن وجه، وإن سألتكم عن المجلس الإسلامي الأعلى وعن المحكمة السامية فستجيبون بنفس الإجابة.
إن سألتكم عن المنتخب الوطني، أو عن دور الكتاب، أو عن أي شيء في هذا البلد فستقولون بأنه يسير على أحسن ما يرام، منذ بزوغ فجر السادس من أغسطس، ولأنه لا شيء في هذا البلد يسير على أحسن ما يرام، فلن أسألكم يا سيادة الرئيس.
لن أسألكم في لقائكم هذا يا سيادة الرئيس.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الثالثة والعشرين إن شاء الله..
ملاحظة : كتبت هذه الرسالة قبيل بدء لقاء الشعب بأقل من ساعة

الأحد، 31 يوليو 2011

هدية خاصة بالرئيس بمناسبة الشهر المبارك


لقد ارتأيت أن أهدي لكم صورة نادرة جدا بمناسبة حلول الشهر المبارك، وكذلك بمناسبة مرور عامين على تنصيبكم. وهذه الصورة أعتقد أنها هي أفضل ما يمكن أن يهديه مواطن فقير مثلي، لرئيس مثلكم، ينافس ثلاثة من رؤساء العالم على لقب رئيس الفقراء.
سيدي الرئيس، إن لقب رئيس الفقراء ليس مجرد لقب عادي يمكن أن تمنحه ثلة من السياسيين المتزلفين تميل حيث السلطة مالت، ولا أن تمنحه شرذمة من العاملين في الإعلام الرسمي جُبِلت على منح أعظم الألقاب لكل حاكم مادام حاكما، ولا أن يمنحه طابور من "جنود الرأي" ليس فيه من يستطيع أن يفكر ـ ولو لساعة واحدة ـ بعقله بدلا من بطنه، ولا يمكن أن تمنحه حفنة من الموظفين الفاشلين، والذين يحاولون أن يعوضوا النقص في الكفاءة ، وفي أدائهم الوظيفي، من خلال التزلف الفاضح لكل من يحكم البلاد.
إن لقب رئيس الفقراء يحتاج الساعي إليه إلى "ألبوم" نادر من الصور، كهذه الصورة التي أهدي لكم اليوم، وهي صورة لواحد من رئيسين ينافسونكم على لقب رئيس الفقراء، وإن كان صاحبها يفضل لقب صديق الشعب. إنها صورة للرئيس الإيراني "أحمدي ناجد"، التقطها صدفة أخوه الأصغر، عن طريق هاتف محمول، ونشرتها جريدة "الوفاق"، قبل أن تنشرها في اليوم التالي معظم الصحف العالمية، وبالأخص الأمريكية منها. ويظهر الرئيس الإيراني في هذه الصورة وهو يغط في نوم عميق، على فراش عادي جدا، ويلتحف بغطاء عادي جدا، لا يختلف عن الفراش والغطاء المتاح لأي فقير إيراني.
تلك صورة من صور عديدة منحت للرئيس الإيراني لقب رئيس الفقراء، وهو لقب لا يستطيع حتى خصوم الرجل أن يجادلوا في استحقاقه له، وإن كان بإمكانهم أن ينتقدوه في مجالات أخرى، ليس من بينها ـ بالتأكيد ـ الابتعاد عن هموم الفقراء الإيرانيين، أو تبديد المال العام.
سُئِل الرئيس الإيراني ذات مرة من طرف قناة " فوكس" الأمريكية عن الذي يُحَدِّث به نفسه، عندما ينظر إلى المرآة صباحا بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية؟
أجاب "أحمدي نجاد": أنظر إلى الشخص الواقف في المرآة، وأقول له تذكر أنك لست سوى خادم بسيط، لديك اليوم مهمة شاقة جدا، وهي خدمة الشعب الإيراني.
وفي أول أيامه في القصر، تبرع الرئيس الإيراني بكل السجاد الفاخر في القصر، لأحد الجوامع في طهران، وأبدله بسجاد عادي جدا، وبسيط جدا، كالذي يظهر في الصورة. كما أنه قام بإغلاق قاعة كبيرة مزركشة ومزخرفة بشكل رائع كانت مخصصة لاستقبال كبار رجال الدولة، وأبدلها بقاعة عادية للاستقبال، خالية من كل شيء، باستثناء بعض الكراسي الخشبية العادية جدا.
وكثيرا ما كان يظهر الرئيس الإيراني رفقة عمال البلدية، وكأنه عامل نظافة بسيط، بيده مكنسة يكنس بها الشوارع المحيطة بمنزله وبمكتبه الرئاسي.
ولقد فرض الرئيس الإيراني على وزرائه أن يوقعوا على وثيقة فيها شروط عديدة، من بينها أن الوزير سيبقى فقيرا كما كان فقيرا، وأن حساباته في المصارف، وحسابات أقاربه ستظل مراقبة، فلا يجوز للوزير المعين، ولا لأي من أقربائه، أن يستفيد من أي مورد من موارد الدولة.
وكان الرئيس الإيراني هو أول من وقع على تلك الوثيقة بعد أن صرح بممتلكاته "الضخمة"، والتي كانت عبارة عن سيارة "بيجو 504موديل 1977"، ومنزل قديم وصغير ورثه عن أبيه في أحد أفقر أحياء طهران، وقد تم بناؤه منذ أربعين عاما، وهو المنزل الذي لا زال يرفض الرئيس الإيراني أن ينتقل منه إلى أي منزل آخر. هذا فضلا عن حسابين أحدهما فارغ تمامًا، والثاني يستقبل فيه راتبه كأستاذ جامعي، ووجد فيه ما يعادل 250 دولارا.
هذا هو كل ما يملكه رئيس دولة نفطية تعد واحدة من أغنى وأقوى دول الشرق الأوسط.
والرئيس الإيراني الذي رفض ـ وبإصرار عجيب ـ أن ينفق دولارا واحدا في كل حملاته الانتخابية، ليس له أي راتب شخصي، بعد أن أصبح رئيسا للبلاد، فهو يعتبر نفسه أمينا على أموال الشعب الإيراني، تلك الأموال التي لا يجوز له أن يأخذ منها راتبا ـ حتى ولو كان متدنيا ـ مقابل عمله كرئيس . كما أنه يرفض ـ خلافا لكل رؤساء دول العالم ـ أن يخصص ميزانية في القصر، لإعداد طعام للرئيس ولعائلته، مكتفيا بسندويشات قليلة، وبشيء من الجبن والزيتون تعده له زوجته يوميا، وسط استغراب وذهول كل العاملين في القصر.
والرئيس الإيراني أصر على أن يبيع طائرته الرئاسية، ليشتري بثمنها طائرة شحن تحول أرباحها لخزينة الدولة الإيرانية. وعندما سألوه عن الطريقة التي سيتنقل بها، أجابهم بأنه سيسافر كما يسافر الركاب العاديون، في طائرات عادية.
ولا يزال الرئيس الإيراني يرفض أن تعلق صوره الشخصية في أي مبنى حكومي لأن ذلك يشكل إهدارا للمال العام. كما أنه يرفض أن يعد له أي استقبال رسمي في زياراته الداخلية، فلا سجاد أحمر يبسط له، رغم أنه يقود دولة تصدر أفخر أنواع السجاد لكل بقاع العالم، ولا صور كبيرة أو صغيرة ترفع عند الاستقبال، ولا سيرة ذاتية لغرض المدح، ولا يتزاحم الإيرانيون لمصافحته، ولا يصفقون له لا بأياديهم ولا بأرجلهم، ولا يلوحون له، ولا يبتسمون له بتزلف، لا شيء من كل ذلك.
ولقد أجمع الشعب الإيراني بمواليه وبمعارضيه على أن الرئيس الإيراني، يعيش كما يعيش الفقراء الإيرانيون، إن لم يكن يعيش بشكل أسوأ.
ذلكم واحد من الثلاثة الذين يتنافسون معكم على لقب رئيس الفقراء.
أما الثاني فكنت قد حدثتكم عنه في رسالة مفتوحة سابقة: إنه رئيس فقراء فنزويلا.
ويتفق كذلك الشعب الفنزويلي بمعارضيه وبمواليه،على أن الرئيس الفنزويلي لا يترك فرصة يمكن أن يرفع بها من شأن فقراء بلده إلا واستغلها، حتى ولو أجبره ذلك على أن يتقاسم طعامه وفراشه في القصر مع بعض المشردين من فقراء بلده.
وللاختصار فسأكتفي هنا بتقديم صورة واحدة من ألبوم منافسكم الثاني على اللقب. إنها صورة الرئيس الفنزويلي، وهو يفتح أبواب قصره الرئاسي، لاستقبال 25 أسرة فقيرة، لكي تقيم معه في القصر، بعد أن تضررت مساكن تلك الأسر من الأمطار والفيضانات. وقد أعطى الرئيس الفنزويلي تعليماته الصارمة لكل عمال القصر، بضرورة الاهتمام بالفقراء خلال مقامهم في القصر الرئاسي، وذلك قبل أن يعوضهم عن مساكنهم المهدمة بمساكن لائقة.
لقد تذكرت الآن عشرات المنازل المنهارة، في عشرات القرى الموريتانية التي غرقت في العام الماضي، وتحضرني الآن صورتكم وأنتم مشغولون عن الغرقى بغرس شجيرات في مشروع غرس مليون شجرة الذي لم يعد اليوم يذكره ذاكر.
سيدي الرئيس، إن المنافسة على لقب رئيس الفقراء ليست منافسة عادية، خاصة وأنها منافسة تخوضونها مع رئيسين يقدمان في كل يوم صورا مبهرة ورائعة يصعب تصديقها.
وهذه المنافسة هي التي جعلتني أطلب منكم في رسالة سابقة كتبتها لكم باسم حَمَّال، أثناء إضراب الحمالين في السنة الماضية، أن توجهوا دعوة للعشرات من الحمالين لحضور حفل عشاء في القصر، بمناسبة فاتح مايو 2010، وتستمعوا لمعاناتهم وأنينهم دون وسيط، لأنهم أولى من غيرهم للتحدث عن معاناتهم. ولقد كان بالإمكان أن تجدوا حلا لبعض مطالبهم العادلة، وأن تعتذروا لهم عن البعض الآخر من المطالب التي قد يصعب تحقيقها في ذلك الوقت.
ولقد قلت لكم في تلك الرسالة بأن الحمالين أولى بعشاء فاخر في القصر الرئاسي، ولو لمرة واحدة في العمر، من أولئك الذين تتكرر دعوتهم ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ رغم أنهم هم من رشف المحيط بكل حيتانه، وابتلع النفط بكل مشتقاته، وأكل الحديد بكل شوائبه، ونهب الزراعة بكل محاصيلها.
فتواجد بعض البسطاء في القصر الرئاسي، كان سيمنحكم لقطة دعائية في غاية الأهمية، أنتم في أمس الحاجة إليها. وهي لقطة كانت ستتناقلها الفضائيات العالمية، كما تناقلت استضافة الرئيس الفنزولي ل25 أسرة فقيرة في قصره الرئاسي، أو كما تناقلت صورة الرئيس الإيراني وهو ينام على فراشه المتواضع.
وإنني اليوم ـ وبمناسبة الشهر الكريم ـ أجدد طلبي لكم بفتح أبواب القصر أمام الفقراء، كما يفعل منافسوكم على لقب رئيس الفقراء.
فَلِمَ لا تنظمون إفطارا يوميا في القصر تستقبلون فيه بعض فقراء البلد؟ كالمعوقين مثلا، أو الحمالين، أو بعض سكان أحياء الترحيل، أو بعض العائدين من ليبيا أو من الإمارات أو من ساحل العاج، أو نساء "أدويراراة" اللواتي طال اعتصامهن أمام قصركم، فتسمعون من أولئك الفقراء،عن قرب، وبشكل مباشر، وتشاركونهم همومهم ولو لليلة واحدة من ليالي الشهر المبارك.
ولِمَ لا تدعون مثلا شباب بسمة وأمل لإفطار في القصر، لكي تشجعوهم على الأدوار الكبيرة التي يقومون بها لصالح فقراء البلد، خاصة في هذا الشهر الكريم؟
ولِمَ لا تمنحوهم قطعة أرضية لكي يشيدوا عليها مركزا صحيا لصالح الفقراء، وذلك بعد أن حصلوا ـ ومن خلال جهودهم الخاصة ـ على التمويل الكافي لتشييد ذلك المركز؟
أليست جمعية بسمة وأمل الشبابية أولى بقطعة أرضية من غيرها؟ ألا تستحق تلك الجمعية واحدة من تلك القطع التي توزع في كل مجلس وزراء على رجال أعمال وشركات ليس في سجل أي منها شق تمرة تبرعت به لفقير واحد من فقراء البلد؟
سيدي الرئيس، في الأخير، وبمناسبة حلول شهر رمضان، فإني أذكركم بطلب سابق، كنت قد خصصت له رسالة مفتوحة سابقة، ويتعلق ببناء مسجد في قصر المؤتمرات. فلا يليق بقصر المؤتمرات، الذي يستقبل الكثير من الندوات والمؤتمرات، أن يظل بلا مسجد رغم وجود مساحة واسعة لتشييده. ولا يليق بالشناقطة أن يشاهدوا وهم يصلون في العراء، في أفخم قصر لديهم، تم تجهيزه بكل شيء، إلا من مسجد تقام فيه الصلاة.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الثانية والعشرين إن شاء الله.

الجمعة، 22 يوليو 2011

تحدثت وثائق سونمكس فقالت (1):


لم أكن أرغب إطلاقا في أن أتحدث عن ملف قضائي، لكن محاولات البعض الحثيثة لمغالطة الرأي العام من خلال سلسلة من المقالات والبيانات والتصريحات المنحازة للمتهمين، أجبرتني على التحدث، خاصة أن الأمر يتعلق بملف خطير وشائك تسبب في إهدار ربع احتياطي البلاد من العملات الصعبة في فترة قصيرة جدا لا تتجاوز ستة أشهر.
لم يعد من الممكن السكوت عن 11 مليار أوقية اقرضها البنك المركزي لسونمكس مخالفا بذلك كل القوانين المعمول بها، ورغم ذلك فلم تُسدد للبنك، وحتى يومنا هذا، أوقية واحدة من ذلك المبلغ الضخم الذي تبخر خلال أشهر معدودة، وتحول إلى مجرد أرقام زائفة في وثائق مشبوهة، أعدت بطرق بدائية وسخيفة جدا.
لقد تم نهب ذلك المبلغ الضخم في ظروف اقتصادية صعبة جدا عاش فيها فقراء البلد ظروفا قاسية، وقاسية جدا، أدت بهم إلى الخروج في ثورة جياع واسعة، لم تشهد البلاد لها مثيلا.
وبالعربي الصريح، لم يعد من الممكن السكوت لأن في ذلك المبلغ الضخم نصيبا لعجوز أمبود، إحدى أهم شخصيات رسائلي المفتوحة، والتي قلت عنها في واحدة من تلك الرسائل بأنها ربما تكون قد تمنت أن تكون ناقة لأحد الأكابر بدلا من أن تكون مواطنة موريتانية، وذلك لكي تملأ بطنها من قمح المفوضية وسونمكس، والذي كانت تشاهده ينقل ويوزع على نوق وأبقار الأكابر كأعلاف، في الوقت الذي كانت فيه هي تبيت الليالي المتوالية، تتضوع جوعا، في قرية كل أهلها جياع، تابعة لمقاطعة "أمبود"، وهي المقاطعة التي تعد من أفقر مقاطعات البلاد.
وإذا كان من الممكن أن أسكت عن نصيبي الشخصي من ذلك المبلغ الضخم، فإني لا أستطيع أن أسكت عن نصيب تلك العجوز، ولا عن نصيب غيرها من شخصيات رسائلي المفتوحة.
شلت يداي إن سكت.
لقد آلمني أن تجوع تلك العجوز ويجوع معها مليون ونصف المليون من فقراء البلد الذين يعيشون تحت خط الفقر، في عام خصصت فيه الدولة 49 مليون دولار من احتياطها من العملات الصعبة لتثبيت أسعار المواد الغذائية الأساسية، بل ولتوفيرها مجانا للمواطنين الأكثر فقرا إذا ما استدعت الضرورة ذلك.
وآلمني أكثر أن يجتمع كتاب وسياسيون و نشطاء من المجتمع المدني لأسباب جهوية، أو سياسية، أو مزاجية حتى، فيغالطون تلك العجوز، ويغالطون معها شعبا بكامله، فيدعون بأن من بدد تلك الأموال الطائلة ليس هو من بددها، وأن من أهدر تلك المبالغ الخيالية ليس هو من أهدرها.
هكذا هي نخب هذا البلد تظهر دائما حيث يجب أن تختفي، وتختفي حيث يجب أن تظهر، تسكت عما يجب أن يقال، وتقول ما كان من الأفضل لها أن تسكت عنه.
فويل لتلك النخب من "عجوز أمبود"، وويل لهم من فقراء البلد إذا ما جمعهم صعيد واحد في يوم عصيب قادم لا محالة، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس، وسيلجم فيه العرق كثيرا من خلق الله ، ولن تضيع في ذلك اليوم حبة قمح واحدة، لا لعجوز أمبود، ولا لأي فقير موريتاني آخر.
لقد كان حريا بأولئك الكتاب والنشطاء والساسة أن يؤازروا الحملة الوطنية لإنقاذ الثروة السمكية مثلا، والتي تحاول أن تقف ـ بإمكانياتها المتواضعة ـ ضد تجفيف منابع الاقتصاد الوطني، أو أن يؤسسوا لجنة لمؤازرة سونمكس التي تم إفلاسها بشكل متعمد، بدلا من تأسيس لجان لمؤازرة متهمين تشير كل الدلائل بأنهم هم من بدد تلك الأموال الضخمة.
لنطرح السؤال: كيف تم تبديد 11 مليار أوقية بتلك الطريقة المستفزة ؟
دعونا ننبش قليلا بعض الوثائق والتقارير والمحاضر المتعلقة بذلك الملف، ودعونا نقرأ تلك الوثائق بعيون محايدة إذا أمكن، أو منحازة ـ إذا كان لابد من الانحيازـ لعجوز أمبود، ولغيرها من جياع البلد. واعذروني إن انحزت للفقراء فأنا واحد منهم، وأعذروني ـ كذلك ـ إن انحزت لضحايا الفساد، فأنا واحد من ضحايا الفساد الذين يعتقدون بأنهم هم الذين عليهم أن يحاربوا الفساد، دون انتظار لمن يخوض عنهم تلك الحرب بالوكالة، ولهذا أسسنا "ضحايا ضد الفساد"، في محاولة لاستقطاب ضحايا الفساد الإيجابيين.
تقول الوثائق بأنه في يوم 22 إبريل 2008 وقع السيد مولاي العربي مدير سونمكس وقتها مع محافظ البنك المركزي قرضا بقيمة 45 مليون دولار رغم أن القوانين لم تكن تجيز للبنك التعامل إلا مع المؤسسات المالية.
واشترط البنك شرطين: أولهما توطين جميع المبيعات المتحصلة من القرض في حساب لدى البنك المركزي، وهو ما لم يحدث حيث لم تحول أوقية واحدة إلى البنك المركزي في عهد السيد مولاي العربي (والذي سأخصص له الجزء الأول من هذا المقال )، وهو ما يعني أن الشرط الأول لم يلتزم به هذا المدير الذي ظل يحول المبالغ المتحصلة إلى الحساب رقم502 في البنك الوطني الموريتاني، والمعروف شعبيا ببنك ولد "أنويكظ".
أما الشرط الثاني فهو أن لا تتعامل سونمكس مع أي بنك وسيط دون إذن من البنك المركزي، وهو الشرط الذي لم يحترمه كذلك السيد مولاي العربي ولا لمرة واحدة.
الخلاصة: إن السيد مولاي العربي أخل وبشكل كامل بشرطي القرض اللذين اشترطهما البنك المركزي مقابل تقديم القرض لسونمكس، فلماذا لم يشكو البنك المركزي أمام القضاء المدني في الوقت المناسب؟ ذلك مجرد سؤال على الهامش.
أما فيما يخص تسيير القرض وبقية الأمور الأخرى المرتبطة بالملف والتي يدور حولها نقاش حاد، فسأتعرض لها في هذا المقال من خلال ست نقاط:
أولها: لم يكن لمولاي العربي أي شريك في تسيير القرض وإنفاقه لا جهة وصية، ولا لجنة للصفقات، ولا لجنة للمشتريات، ولا مستشارين. لقد أنفق مولاي العربي تلك المبالغ الضخمة بقرارات فردية لم تكن سديدة وهو ما سنبينه لا حقا، وحتى لو كانت تلك القرارات صائبة وجاءت بحصيلة إيجابية للشركة، وهو ما لم يحدث، فإنها ستبقى قرارات خاطئة يمكن أن يحاسب عليها السيد مولاي العربي، لأنها تخالف ـ وبشكل صارخ ـ ما تنص عليه مسطرة قوانين تسيير المؤسسة.
ثانيها: قبل أسبوع من توقيع القرض كان مولاي العربي قد عقد صفقات لتوريد ما تتجاوز قيمته 30مليون دولار، وهو ما يعادل 67% من قيمة القرض.
ثالثها: تعامل السيد مولاي العربي مع شركة واحدة لتوفير40 ألف طن من الأرز، وهو ما حرم شركة سونمكس من الاستفادة من المنافسة بين الشركات العالمية، لتوفير تلك الكميات الضخمة. ولقد شاب تلك الصفقة العديد من الشبهات، وهي شبهات يمكن حصرها في النقاط الفرعية التالية:
1 ـ لقد تم شراء تلك الكمية الضخمة في وقت بلغت فيها الأسعار العالمية لمادة الأرز مستويات عالية، ومع ذلك فقد اشترى السيد مولاي العربي بسعر يفوق بكثير حتى الأسعار العالمية المرتفعة وقتها، وبفارق يزيد على 2.5 مليار أوقية حسب وثيقة لمؤسسة SGS المتخصصة في المجال، وهذا الفارق لوحده، أقول هذا الفارق لوحده، وأكرر هذا الفارق لوحده، يفوق نصف سلفة ( OFID) والتي تم بموجبها رهن المقر الاجتماعي للشركة وبعض مخازنها، مقابل تلك السلفة المثيرة للجدل. يا لجان المؤازرات اتقوا الله في أنفسكم وفي فقراء هذا البلد.
2ـ إن شركة ( Novel) التي تم التعاقد معها لتوفير 40 ألف طن من الأرز لم تتجاوز كل مبيعاتها من الأرز 28 ألف طن خلال العام 2007. كما أن كل واردات شركة سونمكس في العام نفسه لم تتجاوز في مجموعها 24 ألف طن، أي نصف الكمية تقريبا التي تم شراؤها دفعة واحدة، وبأسعار خيالية، حتى من قبل التوقيع على القرض.
3ـ لم يكن هناك ما يبرر شراء تلك الكميات الضخمة خصوصا إذا ما علمنا بأن الاتفاق لا يلزم الشركة بتوفير تلك الكمية بشكل فوري، بل يعطيها عدة أشهر لتوفير تلك الكمية، وهو ما عجزت عنه الشركة في وقت لاحق، ولم يترتب على ذلك العجز أي مراجعة للأسعار التي انخفضت عالميا. ولقد نجحت شركة سونمكس بعد إقالة مولاي العربي في أن تراجع أسعار 15 طن من الأرز مع الشركة الموردة، لم يكن قد تم استلامها في عهد مولاي، وتمكنت من تخفيض سعر تلك الكمية بنسبة 31% من السعر المتعاقد عليه مع السيد مولاي العربي.
4ـ عندما فشلت سونمكس في توفير المبلغ المطلوب لتسديد ثمن الصفقة الأخيرة في مهلة لم تتجاوز ثلاثة أيام فقط منحتها الشركة الموردة، عندما فشلت سونمكس في توفير المبلغ في تلك المدة القصيرة جدا، ما كان من الشركة الموردة إلا أن رفعت دعوى ضد سونمكس، وقد كسبتها. في حين أن مولاي العربي لم يرفع دعوى ضد الشركة الموردة، ولم يراجع معها الأسعار، رغم أنها أخلت ـ وبشكل صارخ ـ ببنود الاتفاق، عندما عجزت عن توفير الكميات المتعاقد عليها في الآجال المحددة في الصفقة.
5 ـ لقد كانت الكمية المتعاقد عليها موزعة على النحو التالي: 8 آلاف طن من الأرز العالي الجودة، و32 ألف طن من الأرز الأقل جودة، ومع ذلك حسبت ( Novel) السعر الإجمالي بسعر الكمية الأعلى جودة، والتي لم تكن تمثل سوى 20% من الكمية الكلية المتعاقد عليها.
6ـ لم يكن شراء هذه الكمية الضخمة وبأسعار خيالية قبل موسم الخريف له ما يبرره، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار الطاقة الاستيعابية لمخازن سونمكس، والحالة المزرية لبعض تلك المخازن، وهو ما أدى في النهاية إلى تلف كميات معتبرة، وبيع بعض المواد بأسعار زهيدة لقرب انتهاء تاريخ الصلاحية، بل إن بعضها تم بيعه فيما بعد كعلف حيواني، كما حدث مع 200طن من الألبان المجففة.
وبعد إقالة مولاي العربي، وفي محضر التسليم مع ولد آكاط سجل مولاي العربي 9 مليارات على أنها قيمة المخزون الذي تركه في مخازن سونمكس، وذلك لإعطاء صورة غير حقيقية للشركة. وهذا المبلغ يمثل 81% من مبلغ القرض، ويعني ذلك من بين أمور أخرى، بأن التسرع في شراء تلك الكميات الضخمة من الأرز، وبأسعار خيالية لم يكن بالقرار الرشيد، خاصة أنها ستفقد نسبا عالية جدا من قيمتها وهي لا تزال في مخازن الشركة.
7ـ إن هذه الكمية التي تم شراؤها بأسعار خيالية تمثل ثلث الاستهلاك الوطني من مادة الأرز، وتمثل نصف ما تستورده البلاد من الأرز لعام كامل، فهناك ثلث تتم تغطيته من خلال الإنتاج المحلي. فلماذا تم شراء نصف الواردات السنوية من مادة الأرز دفعة واحدة، ومن عند شركة واحدة، وبأسعار تفوق الأسعار العالمية، والتي كانت تبلغ في وقت الشراء مستويات مرتفعة جدا؟ وهل يعقل أن نقبل تلك التصرفات المشبوهة من مدير غبي؟ وكيف إذا تعلق الأمر بمدير يشهد له الجميع بالذكاء، وخريج واحدة من أرقى الجامعات؟
رابعها : لقد رهن السيد مولاي العربي الملكية العقارية رقم (1010/T vol 6 F°66 ) للبنك الوطني الموريتاني مقابل ضمان لسلفة من (OFID) تبلغ خمسة ملايين دولار، ولقد تم تقديم مغالطات كبيرة حول ذلك الرهن، وهي مغالطات يمكن تفنيدها من خلال النقاط الفرعية التالية:
1 ـ إن رهن ذلك العقار تم في يوم 5 مارس 2008 في عهد مولاي العربي، والعقار لازال حتى يومنا هذا مرهونا للبنك الوطني (بنك أهل نويكظ) ولم يرفع عنه الرهن ولو ليوم واحد عكس ما هو شائع.
2 ـ إن ما رُفِع عنه الحجز هو الضمانة المصرفية للبنك الوطني، والتي استعادها البنك الوطني، بعد أن قبل البنك المركزي أن يتحمل ضمان سلفة (OFID)، بدلا من البنك الوطني، الشيء الذي زاد من أعباء البنك المركزي، وزاد من ديونه على شركة سونمكس.
3ـ يقول السيد ولد أنويكظ بأن رهن العقار هو مقابل كل ديون بنكه على شركة سونمكس، وهو ما جعله يرفض أن يعيد لسونمكس العقار المذكور بعد أن تحمل البنك المركزي ضمان سلفة (OFID)، وبالتالي رفع الحجز عن ضمانة البنك الوطني . ويحتج ولد انويكظ بالمادة 15 من اتفاقية الرهن. في حين تدعي سونمكس بأن الرهن كان فقط مقابل سلفة (OFID)، لذلك فسونمكس تعتقد أن من حقها أن تستعيد الرهن . المهم أن الرهن لم تستعده سونمكس بعد أن تم تسليمه للبنك الوطني في يوم 5 مارس2008، لا في عهد ولد آكاط، ولا في عهد ولد الوافي، ولا في عهد المدير السابق، ولا في عهد المدير الحالي، الذي تم تعيينه منذ أيام معدودة.
4 ـ لم يتم إشعار مجلس إدارة الشركة برهن العقار المذكور، ولم يتم ذكره في كل محاضر تبادل المهام التي تمت بين مولاي العربي وولد آكاط ، ولا تلك التي تمت بين ولد آكاط وولد الوافي بعد ذلك، بل إن ولد آكاط لم يعلم أصلا برهن العقار المذكور، ولم يعلم به ولد الوافي الذي جاء بعد ذلك، إلا بأيام قليلة قبل إقالته.
5 ـ لم يسجل ولد أنويكظ الرهن عند إدارة العقارات إلا بعد مرور عامين وخمسة أشهر على عملية الرهن نفسها، وتحديدا في يوم 08 ـ 08 ـ 2010 ، وقد دفعت سونمكس مبلغ 14.760.140 أوقية كرسوم لتسجيل الرهن.
6 ـ إن عملية رهن عقار سونمكس تمت بين شخصين فقط، وكأنها تتعلق بملكية خاصة للسيد مولاي ولد العربي. ولقد تعمد مولاي وولد أنويكظ إخفاءها عن الجميع، ولأسباب سأترك للقارئ الحرية في تحديدها. فمولاي لم يُشعر بها مجلس إدارة الشركة، ولم يذكرها في محاضر تبادل المهام. أما ولد أنويكظ فلم يسجلها عند إدارة العقارات حفاظا على سرية العملية، ولم يعلن عملية الرهن إلا بعد أن اضطر لذلك، عندما بدأت سونمكس تطالب باستعادة عقارها، بعد أن علمت بأنه قد تم رهنه لولد أنويكظ منذ سنتين وزيادة.
خامسها: لقد حاول البعض أن يجعل من السيد مولاي العربي نموذجا فريدا من نوعه في مجال تسيير سونمكس، وفي ذلك القول مغالطات كبرى، ففضلا عن الأخطاء التي تحدثت عنها سابقا، فيمكن أن أضيف هنا الأدلة التالية على فشل السيد مولاي العربي في تسيير سونمكس.
1 ـ لنعد قليلا إلى سونمكس قبل شهر واحد من استلام القرض الضخم، ولنستمع هنا إلى شهادة شخص له صلة قوية بالسيد مولاي العربي، لنستمع إلى شهادة ولد أنويكظ بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا على تعيين مولاي العربي مديرا للشركة.
يقول ولد أنويكظ بأن سونمكس بعد ثلاث سنوات من تسيير مولاي العربي، وتحديدا في الشهر الذي سبق القرض كانت في وضعية صعبة جدا، لدرجة أصبح فيها البنك خائفا على ديونه في ظل غياب أي ضمانة لتلك الديون. وما قاله ولد أنويكظ في هذه الجزئية كان صحيحا فالشركة حينها كانت في وضعية مزرية.
2 ـ في اعتقادي الشخصي أن 50 مليون دولار التي تم تسليمها للسيد مولاي العربي، ليتصرف فيها كما يشاء، وكأنها ممتلكات خاصة، لو تم تسليمها لمدير متوسط الكفاءة، ومتوسط الاستقامة لكان حال الشركة يختلف عن حالها البائس الذي تتخبط فيه اليوم. فالشركة كان من المفترض لها أن تنتعش ـ على الأقل ـ في الأشهر الستة التي عقبت ضخ 50مليون دولار في شرايينها، وهي الأشهر الستة التي سبقت إقالة مولاي العربي، وهي نفسها الأشهر التي تم فيها إنفاق القرض كله.
3 ـ لقد حدثت مغالطات كبيرة في بعض الأرقام أثناء التسليم، وكان الهدف من تلك المغالطات أن تظهر الشركة وكأنها في وضعية جيدة.
فقد تم تسجيل مبلغ 1.8 مليار وقية على أنه رصيد للشركة لدى الخزينة العامة، وأن هذا الرصيد سيتم تحويله إلى البنك المركزي. ولم يكن السيد مولاي العربي يتحدث عن ذلك الرصيد أثناء اجتماعاته بمحافظ البنك المركزي وبمدير الخزينة العامة لأنه كان يعلم جيدا بأن الخزينة العامة تطالب سونمكس بديون تفوق بكثير ذلك المبلغ مما جعلها ترفض تحويله لحساب سونمكس في البنك المركزي. كما أنه أفي محضر التسليم تم إخفاء مبالغ ضخمة أخرى تصل إلى مليار وثمانمائة مليون أوقية كانت عبارة عن ضرائب على الشركة، وعن ديون لأصحاب المطاحن.
4 ـ تم تقديم شركة الإيداع والترانزيت SMCTT والتي أنشأها السيد مولاي العربي دون علم مجلس الإدارة على أنها كانت فكرة رائدة من نوعها، لأن تلك الشركة حققت وفي مدة قصيرة أرباحا لا بأس بها.
والحقيقة أن تلك الشركة التي ولدت بشكل غير شرعي، قد حققت فعلا أرباحا لا بأس بها، استفاد منها أربعة أشخاص ساهموا في السنوات الماضية بجهودهم الجبارة في تدمير سونمكس. وهذه الأرباح كانت بمثابة خسائر إضافية لسونمكس لأنها كانت على حسابها.
لقد حرمت تلك الشركة سونمكس من الاستفادة من تنافس شركات الإيداع والعبور . ولقد احتكرت تلك الشركة خدمات تخليص وتفريغ كل المواد المستوردة باسم سونمكس، مع زيادة سعر تفريغ الطن من 420 أوقية كانت تدفعها سونمكس لشركات الإيداع قبل ميلاد SMCTT ، إلى 1020 أوقية للطن أصبحت سونمكس مجبرة لدفعها لشركة الإيداع الجديدة عن كل طن يتم استيراده، أي بزيادة كلفة قدرها 166%. كما أن سونمكس كانت توفر للشركة"الرائدة" مكاتب ومخازن بشكل مجاني، هذا فضلا عن سلفة ظلت تدفعها سونمكس في كل عام للشركة "اللقيطة". وقد بلغت السلفة حتى في الأعوام التي لم تستورد فيها سونمكس حبة أرز واحدة 128 مليون أوقية!!
5 ـ رغم أن السيد مولاي العربي تم منحه أياما إضافية بعد إقالته ليتصرف بمطلق الحرية في شركة سونمكس المنهارة، حيث منح سلفة بعد إقالته لكل العاملين في الشركة ولمدة عامين كاملين، وهي سلفة أثارت شكوكا كثيرة، وقيل بأنها لضمان الولاء. كما أنه قام بتسديد ديون بلغت 138.250.000 أوقية بعد إقالته، إلا أن ذلك كله لم يمنعه من دخول حساب الشركة سرا، في فترة إدارة ولد آكاط، وهو ما تسبب في إلقاء القبض عليه والتحقيق معه.
سادسها: أيضا من القضايا التي أثارت جدلا كبيرا في هذا الملف هي شخصية غودينو وتقريره المثير، ولتصحيح بعض المغالطات المتعلقة بهذه النقطة فيمكننا القول:
1ـ إن غودينو من المدققين والمحققين الجيدين، وقد حقق في ملفات شائكة، وله مؤلفات عديدة، ولا يعني ذلك ـ بأي حال من الأحوال ـ بأن حياته الشخصية لا تخلو من فضائح.
2ـ عكسا لما قيل حتى في البرلمان، فغودينو جاء على حساب سونمكس، ولم يأت متطوعا، ولا على حساب جهة أخرى. ويكفي هنا أن نعرف بأن ولد أنويكظ الذي يعتبر من أكبر المتضررين من تقرير غودينو، اعترف بأن غودينو جاء على حساب سونمكس، وإن كان قد انتقد قدومه لأنه لم يكن في إطار مناقصة. كما انتقد كذلك التعويضات المقدمة له لأنها في نظره كانت مرتفعة جدا.
3 ـ لم يستطع أي من خصوم غودينو أن يشكك أو يفند المعلومات التي جاءت في تقريره الذي أعده بمهنية عالية. كلما هنالك هو أن المتضررين من التقرير حاولوا أن يركزوا على الحياة الخاصة لغودينو، فلنفترض جدلا أن غودينو كان شيطانا، ألا يمكن أن نصنف ما جاء في تقريره ـ مادمنا غير قادرين على تفنيده علميا ـ على أنه يدخل في إطار " صدقك وهو كذوب".
4 ـ هناك نائب دافع بحماس عن أحد المتهمين اعتذر عندما اطلع على بعض المعلومات التي نُقلت له من تقرير غودينو، واعترف بأنه قد تمت مغالطته بمعلومات قدمت له من عند أحد الأطراف. وبالطبع كان على النائب أن يكون أكثر شجاعة، وأن يعترف علنا بأنه كان ضحية لمعلومات مغلوطة.
وللحديث بقية...
تصبحون على الحقيقة.....

الأحد، 10 يوليو 2011

أسئلة للشباب




لماذا لا يزال الشباب الموريتاني تحكمه وتوجهه الخلافات الفكرية و الحزبية و العرقية في حين استطاع الشباب في الدول الشقيقة والمجاورة تجاوز تلك الخلافات؟
وكيف استطاع الشباب المصري والتونسي واليمني تجاوز الخلافات التقليدية ولم يستطع الشباب الموريتاني ذلك؟
وكيف تمكن شباب الإخوان في مصر من أن يقود الجماعة ويجرها إلى المشاركة في الثورة رغم رفضها في البداية؟ ولِمَ لم يتمكن الشباب هنا من قيادة الطبعة الموريتانية من الإخوان إلى الحراك الشبابي؟ أو أن يقودها لأي شيء آخر؟
وكيف تمكن الشباب الناصري في مصر من ذلك رغم أن الحزب الناصري أعلن أنه هو الذي يقود الثورات ولن يقبل أن تقوده حفنة من الشباب؟ ولماذا لم يتمكن الشباب هنا من قيادة الطبعة الموريتانية للناصرية إلى الحراك الشبابي؟ أو أن يقودها لأي شيء آخر؟
ولماذا في هذا الزمن الذي أصبح فيه شباب الدول الشقيقة يقود التغيير لا زال الشباب الموريتاني يقبل بأن يقوده رجال من الماضي بأساليب وبأفكار وبعقليات بالية؟
وكيف استطاع الشاب الإخواني والشاب الوفدي والشاب الناصري أن يتجاوزوا خلافات تشكيلاتهم التقليدية وأن يلتحموا ـ كالبنيان المرصوص ـ في ميدان التحرير بوصفهم شباب مصر لا شباب حركات وتشكيلات سياسية؟ ولماذا لم يستطع شبابنا نحن أن يقلدهم في ذلك وهو الذي يقلدهم في كل شيء؟ ولماذا لم يستطع شبابنا أن يلتحم في ساحة "أبلوكات" أو في ساحة 1 مايو بوصفه شباب موريتانيا لا شباب حركات وإيديولوجيات وأحزاب متصارعة ومتناحرة؟
وكيف تجاوز الشباب القومي والشباب الإسلامي في مصر خلافاتهم رغم أن منشأها كان هناك ولم يستطع شبابنا نحن أن يتجاوز تلك الخلافات ؟
و لماذا عندما ينشأ خلاف بين القوميين والإسلاميين هنا تظهر عشرات الأقلام الشبابية من كلا الطرفين تنبش أرشيف خلافات الإخوان والناصريين في مصر وفي غيرها؟ ولماذا تختفي تلك الأقلام عندما نحتاجها في قضايا وطنية كبرى؟
ولماذا يدخل بعض الموريتانيين في سبات عميق ولا يستيقظ إلا في الاحتفالات المخلدة لثورة عبد الناصر؟ وأيهما أولى بأن يحتفل به الشباب الموريتاني: ثورة يوليو 1952 أم ثورة يناير 2011؟
ولماذا يدخل البعض الآخر في سبات أعمق ولا يستيقظ إلا ليحتفل بيوم استشهاد صدام حسين؟ ولماذا تدخل فئة أخرى في سبات أطول ولا تستيقظ إلا في مثل هذا اليوم ولكن لتنتقد وتسب صدام حسين؟
وهل يجب أن تظل مشاكل الشباب الموريتاني محصورة في معرفة ما إن كان صدام قد عاش مستبدا أو مات شهيدا؟ أو أن تظل محصورة في معرفة هل كان عبد الناصر قائد ثورة أم قائد انقلاب؟ وهل كان القذافي مفكرا صاحب نظرية ثالثة أم كان مجنونا تسكنه ثلاث شياطين؟
وهل الإخوان هم الذين ظلموا عبد الناصر أم أن عبد الناصر هو الذي ظلمهم؟
وبماذا سيستفيد شبابنا إن تفرغوا لنبش ذلك الأرشيف؟
ولماذا يستطيع شبابنا أن يتوحد لمناصرة الأشقاء ولا يستطيع أن يتوحد لمناصرة أي قضية وطنية مهما كانت أهميتها؟
ولماذا لا يشارك شباب الزنوج في القضايا الوطنية الكبرى ولا يشاركون إلا في القضايا التي يعتقدون أنها تخصهم دون غيرهم؟
وإذا كان من الممكن أن نختلف لأسباب فكرية أو عرقية أو سياسية حول بعض القضايا الوطنية أليست هناك قضايا لا يمكن الخلاف عليها؟
ألا يشكل مثلا نهب ثروتنا السمكية تهديدا مباشرا للشاب الزنجي؟
ألا يتساوى في تلك الكارثة وفي ذلك التهديد الشاب الموريتاني الناصري والشاب الموريتاني البعثي و الشاب الموريتاني الإخواني والشاب الموريتاني التكتلي والشاب الموريتاني التحالفي والشاب الموريتاني الموالي والشاب الموريتاني اليساري و الشاب الموريتاني السنغالي والشاب الموريتاني المغربي والشاب الموريتاني الصحراوي والشاب الموريتاني الكوبي ......؟؟؟؟؟
أليس الشباب الموريتاني بغض النظر عن انتماءاته هو المعني الأول بحماية تلك الثروة؟ وهل يعول الشباب على الأطفال الذين لا يمكنهم الآن أن يفعلوا شيئا لحماية ثروتهم؟ أم يعول على كهول موريتانيا وشيوخها الذين هرم من هرم منهم في الفقر، وهرم من هرم منهم في رغد العيش، وبالتالي لم يعد "تجفيف منابع الاقتصاد" يعني لهم شيئا كثيرا؟
ولِمَ لم يجتمع الشباب حتى الآن حول هذه القضية الوطنية والتي لا يمكن احتكارها فكريا أو سياسيا أو عرقيا لأنها قضية وطنية من المفترض أنها تهم الجميع؟
ألا يشكل إنقاذ الثروة السمكية فرصة نادرة لأن يجتمع الشباب الموريتاني في ميدان واحد؟
ولماذا لا يستطيع الشباب أن يُجمع على حماية ثروات بلده التي تنهب كما أجمع في السابق على مناصرة القضية الفلسطينية مثلا؟
أجيبوني يا شباب يرحمكم الله...
تصبحون على شباب متجدد.....

الأحد، 3 يوليو 2011

أفكار "ثورية" لتجديد فقراء موريتانيا!!!



ماذا لو قرر الرئيس بعد دعوته المبكرة لتجديد طبقة السياسيين، وبعد دعوته المتأخرة لتجديد طبقة المزارعين أن يدعو لتجديد فقراء البلد؟
وماذا لو قرر الرئيس أن يجدد طبقة الفقراء، خاصة منها 47 % التي تعيش تحت خط الفقر، والتي ظلت تحتكر الفقر و تتوارثه "كابرا" عن "كابر"، وفقيرا عن فقير خلال العقود الأخيرة؟ وماذا لو قرر الرئيس أن يحارب الفقر والفقراء، وأن يَحْرُم الفقراء من احتكار "نعمة" الفقر لعقود أخرى؟ وماذا لو قرر الرئيس أن يأتي للفقراء بفقراء جدد تآمرت عليهم الأنظمة البائدة، وحرمتهم من حقهم في الانضمام إلى الأغلبية الفقيرة في هذا البلد ؟ فكان كلما اقترب أحدهم من حمى الفقر، عينته تلك الأنظمة في وظيفة سامية، أو منحته صفقة عمومية ليجد حلمه قد تبدد تماما، فينقلب على عقبيه وهو حاقد على النظام الذي تآمر عليه وحرمه من أن يكون فقيرا.
لقد أصبح تجديد طبقة الفقراء يشكل مطلبا ملحا، وهو سيظل أكثر إلحاحا من مطلب تجديد طبقة السياسيين أو تجديد المزارعين.
ورغم أن الدعوة لتجديد طبقة الفقراء قد تشكل صدمة كبيرة للفقراء الذين انتخبوا الرئيس، والذين لم يكونوا يتوقعون منه أن ينقلب عليهم، ويسلبهم احتكار الفقر بعد أن فشلت الأنظمة السابقة ـ رغم محاربتها العلنية للفقراء ـ في أن تنتزع منهم ميزة احتكار الفقر.
واليوم، ونحن نعيش عصر الثورات، لم يعد مقبولا حرمان أغنياء موريتانيا من الالتحاق بإخوتهم الفقراء، لأن ذلك قد يؤدي إلى زرع الأحقاد، وقد يتسبب في ثورة أغنياء، قد تخلف أضرارا أشد وأخطر من الأضرار التي سببتها ثورة الجياع في عهد "الرئيس المؤتمن". علينا أن ننتصر لأغنياء البلد، قبل أن ينتصروا هم لأنفسهم ويعلنوها ثورة على الفقراء ورئيسهم.
وعلى الفقراء أن يعلموا بأن للأغنياء الحق المطلق في الطموح لأن يكونوا فقراء.
وعليهم أن يعلموا بأن رئيسهم ظل خلال السنوات الثلاث الماضية من حكمه وفيا لهم، ولم يُعرف عنه أنه أقصى أو طرد أي فقير من "نعيم" الفقر إلى "جحيم" الثروة، رغم كل الإشاعات المغرضة للأغلبية الداعمة له، والتي تدعي ـ زورا وبهتانا ـ بأن رئيس الفقراء يحارب الفقر والفقراء.
لم يحارب رئيس الفقراء الفقر بل على العكس بذل جهودا جبارة وحثيثة لكي يوزع "المتاح" من الفقر ـ وما أكثره ـ على جميع الموريتانيين، كما وزع "المتاح" من العدالة ـ وما أقله ـ على جميع الموريتانيين.
لقد ظل رئيس الفقراء منذ وصوله للحكم، يسد أبواب الرزق بابا بابا، ويغلق نوافذه نافذة نافذة، على طريقة "بيت بيت دار دار". وذلك لكي ينعم جميع الموريتانيين بنعيم الفقر، سواء منهم من صوت له في الانتخابات الرئاسية، أو من صوت ضده.
لم يرفع رئيس الفقراء ـ المولع برفع شعارات تجديد الطبقات ـ شعار تجديد الفقراء، لأنه يعلم أن الفقر يختلف عن السياسة وعن الزراعة. فالزراعة لا تستطيع أن تشغل كل الموريتانيين، والسياسة أيضا لا تستطيع ذلك. ومن هنا ـ ولتحقيق المتاح من العدالة ـ جاءت الدعوة إلى ضرورة تجديد الطبقة السياسية وتجديد المزارعين، لكي لا يظل بعض الموريتانيين يحتكر لوحده السياسة أو الزراعة. أما الفقر في موريتانيا الجديدة فإنه يسع جميع الموريتانيين، وإفقار غني ودمجه في حياة الفقراء لا يتطلب بالضرورة ظلم فقير وإخراجه من دائرة الفقر ليحل محله الغني الذي تم إفقاره.
ولأن الأنانية من طبع الفقراء، فقد لا يقبل بعض متطرفي الفقراء أن يدمج معهم الأغنياء. حتى ولو علموا بأن دمج الأغنياء معهم في حياة الفقر لا يعني بالضرورة إخراجهم من تلك الدائرة. أنا شخصيا ومن باب "الإيثار" فإني على استعداد كامل لأن أتنازل عن موقعي في خريطة الفقر لأي غني يريده. مع الاستعداد للاعتذار علنا عن احتكاري لهذا الموقع عقودا من الزمن في الوقت الذي ظل هو فيه يرزح في حياة الترف ودون أن تتيح له الأنظمة المتعاقبة فرصة شريفة للهبوط إلى الموقع الذي كنت ـ ولازلت ـ أحتكره.
وعلى الفقراء أن يعلموا بأن للرئيس الحق الكامل في أن ينقلب عليهم كما انقلب على باقي أغلبيته، وعلى كل داعميه من سياسيين ووجهاء ورجال أعمال ....
فمن حق الرئيس إذا ما فشل في إفقار كل الموريتانيين أن يُجبر بعض الفقراء على ترك عروشهم الخاوية في جمهورية الفقر الجديدة لأقلية غنية استعصى عليه إفقارها في سنواته الثلاث الماضية. وذلك رغم جهوده الجبارة في هذا الإطار. وهي جهود أقدرها للرئيس وأعترف بها رغم أنني من معارضيه.
فليس من العدل أن يحتكر فقير موقعا متميزا في خريطة الفقر لعدة سنوات متتالية في الوقت الذي يوجد فيه غني لم تتح له الفرصة لأن ينعم ـ ولو لأيام معدودات ـ بالحياة مع فقراء الأعماق، أو مع الفقراء الجدد. ولعل من المفارقات الغريبة أننا رغم أننا نعيش في بلد الترحال إلا أن رياح الترحال لم تصل إلى بعض الأغنياء لكي ترحل بهم إلى عالم الفقر، وهي أيضا لم تصل إلى الفقراء لكي ترحل ببعضهم إلى عالم الترف.
لقد أصبح من الضروري أن يحصل الأغنياء المظلومون على تمييز إيجابي يساعد في دمجهم في حياة الفقر النشطة. ويمكن أن يتم ذلك الدمج من خلال زيادة الضرائب أو من خلال حرمانهم من الصفقات العمومية. كما يمكن سن قوانين تجرم توظيف كل من له صلة بهم وتخصيص الوظائف القليلة المتاحة للأسر الأكثر فقرا، والتي تضم أكثر من ثلاثة عاطلين عن العمل من حملة الشهادات. وفي هذه الجزئية يمكن الاستفادة من التمدرس الإجباري الذي كان يفرضه المستعمر الفرنسي لإجبار بعض الأسر على تعليم أبنائها في مدارسه. فعلى رئيس الفقراء أن يفرض "التوظيف الإجباري" على الأسر الأكثر فقرا حيث يفرض على كل أسرة فقيرة تضم على الأقل ثلاثة من العاطلين عن العمل التضحية بأحد أبنائها، وتقبل توظيفه للحد من احتكار أسر بعينها لمقاعد دائمة في خريطة الفقر، في الوقت الذي توجد فيه أقلية غنية محرومة من ولوج حياة الفقر التي تنعم فيها غالبية الشعب الموريتاني.
لقد أصبح من اللازم أن تشعر الأقلية الغنية في هذا البلد بأنها ليست مهمشة، و بأن هناك تمييزا إيجابيا لصالحها سيمكنها من الالتحاق ـ في القريب ـ بأغلبية الشعب الموريتاني القابعة تحت خط الفقر.
وعلى حكومة التراكمات أن تسارع في إفقار القلة الباقية من المجتمع، وذلك من خلال التمييز الإيجابي لصالح الأغنياء، طبقا للتعليمات السامية لرئيس الجمهورية والهادفة لإفقار كل الشعب الموريتاني. وعليها أن تكون حذرة حتى لا يخدعها بعض الفقراء الذين قد يتظاهرون بأنهم أغنياء سعيا للاستفادة من التمييز الإيجابي، الذي يجب أن يتم تطبيقه بشكل شفاف، حتى لا يستفيد منه إلا غني استطاع أن يثبت بأنه لم ينعم بالفقر يوما واحدا خلال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل.
ففقراء البلد قد يتحولون جميعا إلى أغنياء يعيشون كما يعيش الأغنياء، إذا ما علموا بأن هناك تمييزا إيجابيا لصالح الأغنياء. وربما تكون تلك هي الطريقة الوحيدة المتاحة للقضاء على الفقر في موريتانيا، على الأقل ظاهريا.
إن التجارب السابقة أثبتت أن المواطن الموريتاني الفقير بإمكانه أن يكون غنيا إذا ما أراد، والغني أيضا بإمكانه أن يكون فقيرا في مواسم توزيع القطع الأرضية، أو أثناء توزيع لحوم الأضاحي القادمة من السعودية، أو حتى في أوقات توزيع أسماك زهيدة. ومن هنا فلا بد من الحذر حتى لا ينحرف التمييز الإيجابي عن أهدافه النبيلة فيستفيد منه الفقراء المتحايلون بدلا من الأغنياء المهمشين.
إن السلوك الغريب للمواطن الموريتاني قد فند "نظرية النصف"، و التي وإن كانت نظرية صحيحة عدديا إلا أنها خاطئة في جوهرها.
تقول نظرية النصف ـ والتي لن تسمعوا بها عند غيري ـ إن نصف الشعب الموريتاني أمي وتقول إن النصف الآخر ليس بالأمي. ولكنكم عندما تتأملون سلوك النصف المتعلم فستعلمون أن نظرية النصف غير دقيقة، فسلوك النصف المتعلم لا يختلف عن سلوك النصف الجاهل.
وتقول هذه النظرية إن نصف الشعب الموريتاني يعيش تحت خط الفقر أي أن بطونه جائعة، أما النصف الثاني فهو ليس بالجائع حسب هذه النظرية . والحقيقة أن النصف الثاني أكثر جوعا من النصف الأول، لأن قلوبه هي الجائعة وليست بطونه. ولتأكيد ذلك فيكفي أن نتأمل أي طابور أمام أي متجر من متاجر التضامن فسنجد أن أصحاب القلوب الجائعة يأتون دائما قبل قدوم أصحاب البطون الجائعة.
وتقول نظرية النصف إن نصف الشعب الموريتاني مفسد، وكأن النصف الثاني هو نصف صالح. والحقيقة أن الفساد محمول في جينات النصف الثاني، ولا يحول بين "النصف الصالح" والفساد إلا سوء الحظ أوحسنه، لا أدري أي العبارتين تناسب المقام.
وتقول النظرية أيضا بأن نصف الشعب الموريتاني تجار، وتنسى أن نصفه الآخر مشاريع تجار.
وتقول كذلك نظرية النصف إن نصف الشعب الموريتاني موال بالعلن، ومعارض في السر. وتنسى تلك النظرية أن نصف الشعب الآخر معارض في العلن، وموال في السر.
إن تلك الخصوصية الموريتانية تستدعي من حكومة التراكمات أن تكون يقظة جدا، عندما تبدأ في تطبيق قانون التمييز الإيجابي لصالح الأغنياء ، وعليها أن تتعامل مع ذلك القانون بنفس الحماس الذي طبقت به حرفيا برنامج رئيس الجمهورية الانتخابي الهادف إلى إفقار كل الشعب الموريتاني بغض النظر عن القبيلة أو الجهة أو العرق أو الانتماء السياسي.
تصبحون على تمييز إيجابي لصالح الأغنياء...