لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يتعرض العرب لمؤامرة كونية كبرى؟ فهذا سؤال تجاوزه الزمن، ويُفترض أن طرحه لم يعد وجيها، ومع ذلك فما زال يلجأ إليه بعض القادة العرب والنخب التي تدور في فلكها لتبرير فشلهم، وذلك باعتباره نتيجة حتمية للمؤامرة الكونية الكبرى التي تُحاك ضدهم.
من المعلوم بداهة أن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن
يتردد أيٌّ منها في البحث عن مصالحه الخاصة على حساب الدول الضعيفة والأراضي
المستباحة، وإذا شئتم، وبلغة أقل دبلوماسية، فإن القوى العظمى والقوى الإقليمية في
المنطقة لن يتوقف أيٌّ منها عن التآمر على الدول الضعيفة في المنطقة كلما توفرت
الفرصة لذلك؛ فالعلاقات بين الدول لا تحكمها الأخلاق، ولا تُدار بالعواطف، وإنما
يحكمها البحث عن المصالح، والمصالح فقط.
إن بقاء دولة ما، أو أمة كاملة، في حالة ضعف مستمر، سيؤدي حتما إلى
المزيد من التآمر عليها، من طرف القوى العظمى الدولية أو الإقليمية التي تتنافس
على النفوذ في المنطقة، ومن يُلام في ذلك ليست القوى التي تتآمر، وإنما الضحايا
الذين ضعفوا فأغروا بضعفهم تلك القوى بأن تتآمر عليهم، ويزداد لوم الضحايا وجاهة
إذا كانوا يمتلكون من المقدرات الاقتصادية والبشرية ما يمكنهم من أن يشكلوا قوة
إقليمية في المنطقة لا يمكن التجرؤ على التآمر عليها. ومن المؤكد أن العرب يمتلكون
ما يكفي من مقدرات لأن يُحصنوا بلدانهم من أي مؤامرات خارجية، ولكنهم بدلا من أن
ينشغلوا ببناء بلدانهم وتحصينها ضد أي تدخل خارجي، اكتفوا بالتعويل على الآخرين
لحمايتهم، فمنحت دول الخليج أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية، وهي القواعد التي
ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما توفر من الأمان.
إن السؤال الذي يجب علينا أن نطرحه اليوم هو السؤال القائل: لماذا
أصبحت أمة العرب من أكثر الأمم في هذا الزمان التي تُستباح أراضيها، وتُدمَّر
بلدانها، وتُحدَّد مصائر أنظمتها من طرف الآخرين؟
إن أخطر ما أُصيب به العرب في زماننا هذا ليس ما تعرضوا له من مؤامرات
خارجية، مع الاعتراف بوجود تلك المؤامرات، وإنما إدمان الأنظمة وبعض النخب العربية
على تبرير الفشل العربي بما يُحاك من مؤامرات خارجية، وكأن تلك المؤامرات ستعفي
الأنظمة والنخب الدائرة في فلكها من المسؤولية ومن المحاسبة التاريخية، ولتجنب تلك
المحاسبة فلا بد من محاسبة ذاتية، ومن مراجعة جادة للبحث عن الأسباب الحقيقية التي
أوصلت عرب هذا الزمان إلى ما وصلوا إليه من ضعف واستكانة، جعلت أراضي بلدانهم مجرد
ساحة لصراع النفوذ بين الأمم الأخرى.
إن أخطر ما يعاني منه عرب هذا الزمان هو تحويل خطاب المؤامرة إلى
شماعة تُبرر بها الأنظمة العربية الحاكمة فشلها، ومخدِّرٍ إيديولوجي وفكري تتعاطاه
النخب العربية لتبرير عجزها وعدم قدرتها على إجبار الأنظمة الحاكمة على التغيير من
نهجها بما يخدم مصالح الشعوب العربية والأمن القومي المشترك.
لقد أصبح العرب، حكاما ونخبا، يلجؤون إلى هذا الخطاب التبريري كلما
أُصيبوا بهزيمة، أو ضيعوا فرصة، أو انهارت دولة من دولهم، أو تمدد نفوذ الدول
الأخرى على أراضي بلدانهم.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بلسان عربي فصيح هي أن الدول لا تصبح ساحة
مفتوحة للتآمر وللصراع الدولي والإقليمي إلا بعد أن تكون تلك الدول قد فقدت
مناعتها الذاتية بسبب فشل حكامها ونخبها في أداء أدوارهم المطلوبة، ومن الواضح
البيِّن أن كل الأنظمة العربية المتعاقبة فشلت فشلا ذريعا في تحصين المنطقة
العربية من أن تصبح ساحة صراع نفوذ للقوى الدولية والإقليمية في المنطقة.
بل أكثر من ذلك، فإن العديد من تلك الأنظمة ساهم في جعل المنطقة
العربية ساحة صراع حول النفوذ، من خلال ما أشعل من حروب وصراعات بينية بلا أول ولا
آخر في المنطقة العربية.
من المؤكد أن إيران وتركيا وغيرهما من القوى الإقليمية تبحثان عن
مصالحهما قبل أي شيء آخر، ومن المؤكد أكثر أن إسرائيل، ككيان مغتصب مزروع في
المنطقة، ومدعوم من طرف الغرب عموما، ومن أمريكا خصوصا، يبحث هو أيضا ـ وبشكل أكثر
استفزازا ووقاحة ـ عن مصالحه الضيقة القائمة على الاحتلال وإبادة الشعوب، ولن يقبل
هذا الكيان، وتدعمه أمريكا في ذلك، أن تظهر في المنطقة أيَّة دولة عربية أو
إسلامية قوية؛ فهذا الكيان يعتبر أن وجود أي دولة قوية في المنطقة يشكل تهديدا
استراتيجيا له، حتى وإن حكمها نظام مطبع، فإيران مثلا كان يحكمها نظام الشاه
المطبع، وهي تُعد اليوم أكبر تهديد لهذا الكيان، فالدول تبقى والأنظمة تزول، وهذا
مما يدركه الكيان المغتصب جيدا.
في المجمل، إن كل القوى الإقليمية في المنطقة تبحث عن مصالحها أولا،
لا خلاف على ذلك، فتلك حقيقة لا يمكن لأي كان إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا
يمكن إنكارها كذلك، وهي أن الدول العربية الكبرى، قبل الصغرى، تتصرف وكأنها لا
تبحث عن مصالحها الاستراتيجية، ولا عن أمنها القومي المشترك، ولذا فلم يكن غريبا
أن تصبح بعض الأنظمة العربية أداة تستخدمها هذه القوة الدولية أو تلك في تحقيق
المزيد من مصالحها على حساب الأمن العربي المشترك، بل إن بعض تلك الأنظمة أصبح
مجرد أداة تستخدمها إسرائيل لإضفاء المزيد من الشرعية عليها، وعلى حساب الحق
الفلسطيني المقدس.
ورغم كل هذا، فما زال العديد من العرب، حكاما ونخبا، يحاولون أن يحمّلوا
إيران مسؤولية فشلهم، ومع أنه لا يمكن تبرئة إيران بشكل كامل مما يجري في المنطقة،
إلا أنها ـ وبكل تأكيد ـ ليست هي التي أوعزت لصدام حسين بأن يقع في الفخ القاتل،
فيحتل دولة الكويت في ساعات محدودة بدلا من الرد على الكيان المغتصب الذي دمَّر
المفاعل النووي العراقي (07 يونيو 1981)، ليفجر بذلك واحدة من أخطر الأزمات
والكوارث التي حلت ببلاد العرب في هذا الزمان، فوجدت أمريكا وإسرائيل بسبب ذلك
الخطأ القاتل فرصة لا تُقدَّر بثمن لتدمير قوة العراق العسكرية والاقتصادية بغطاء
عربي ودولي. صحيح أن إيران تدخلت بعد ذلك بشكل فج، وعملت على أن تكون لها أذرعها
في العراق، وهي بلغة المصالح، لا يمكن أن تُلام في ذلك بعد أن أصبح العراق أرضا
مستباحة لأمريكا وإسرائيل.
وإيران التي يحاول البعض أن يحملها كل مشاكل العرب ليست هي من صنعت
الخلاف الأبدي بين أقوى دولتين في المغرب العربي: الجزائر والمغرب، ولا هي التي
أدخلت ليبيا في مستنقع من عدم الاستقرار، ولا هي التي تقف وراء الحرب الدائرة
حاليًّا في السودان.
وإيران ليست هي التي أوعزت لدول الخليج بأن تحاصر، في واحدة من
أزماتها التي لا تنتهي، دولة قطر، ولا هي التي كانت تقف وراء الخلاف الذي تفجر
مؤخرًا بين السعودية والإمارات، والذي كاد أن يشكل أزمة عربية جديدة لولا اشتعال
الحرب الحالية في المنطقة.
وإيران لم تكن وراء الصراع المصري السعودي في اليمن في ستينيات القرن
الماضي، ولا هي المسؤولة عن اشتعال الحرب الأهلية في اليمن، وليست هي المسؤولة عن
موت الجامعة العربية واختفائها بشكل كامل في مثل هذا الوقت الحساس عربيًّا، وليست
هي المسؤولة عن شلل الاتحاد المغاربي، ولا عن ضعف مجلس التعاون الخليجي. كل هذه
الأخطاء لا يمكن أن نحملها لغير العرب، ولا تُلام إيران ـ إذا ما تحدثنا بلغة المصالح
ـ إن استثمرت كل هذه الأخطاء التي ارتكبها العرب لصالحها، من خلال خلق أذرع لها في
دول أصبحت أراضيها مستباحة للجميع، ولعل ما يميز أذرع إيران في المنطقة أنها ترفع
ـ على الأقل ـ شعار مقاومة العدو الصهيوني، بل إن أذرعها هي وحدها التي تحارب
اليوم الكيان المغتصب.
في المقابل، ألم يفرض العرب على إيران حربا مدمرة بعد سنة واحدة من
نجاح ثورة الخميني التي احتجزت أكثر من 52 دبلوماسيًّا أمريكيًّا لمدة 444 يوما،
وأغلقت سفارة كيان العدو الصهيوني في طهران، وأبدلتها بسفارة لفلسطين؟
ألم يفرض العرب حربا مبكرة على إيران بعد سقوط الشاه الذي كان يطبع مع
العدو، وذلك بحجة منع تصدير الثورة الإيرانية ووقف المد الشيعي في المنطقة؟ دعونا
نسأل الآن: ماذا كانت نتيجة ذلك؟ فهل أوقفت تلك الحرب النفوذ الإيراني في المنطقة
أم زادت منه؟
لقد أصبح النفوذ الإيراني في المنطقة العربية أقوى وأخطر بعد حرب أريد
لها أن تمنع ذلك النفوذ، وفي ذلك مفارقة كبيرة تستحق التأمل، فإيران يمتد نفوذها
اليوم إلى داخل العراق واليمن ولبنان، وكان لها نفوذها في سوريا الذي ضعف مع
النظام القائم حاليًّا، الممثل للثورة السورية، والمهادن للعدو الصهيوني، رغم أن
هذا العدو لم يتوقف عن قصف سوريا، ولا عن احتلال المزيد من أراضيها.
لستُ، بطبيعة الحال، مدافعا ولا داعما لإيران في تدخلها ـ أو
احتلالها، إذا شئتم ـ لأجزاء من أراضي بعض الدول العربية، ولا أنكر أن إيران قامت
بجرائم فظيعة ضد السنة في سوريا، ولكن إيران لم تتدخل في تلك الدول إلا بعد أن
أصبحت أراضي تلك الدول مستباحة بسبب أخطاء حكامها أو أخطاء اشقائها العرب، فإيران
تغلغلت في العراق بعد تدميره من طرف أمريكا وحلفائها من العرب ردا على احتلاله
للكويت، وأصبحت حاضرة بقوة في لبنان واليمن بعد حروب أهلية عرفتها الدولتان، وبطشت
في سوريا في ظل حاكم عربي مستبد قررت أن تدعمه من أجل أن تضمن نفوذا أكبر لها في
سوريا، ومن أجل أن تخلق ساحة أخرى تُصارع فيها العدو الصهيوني خارج أراضيها.
نعم، تدخلت إيران في بعض الدول العربية سعيا لتحقيق مصالح ضيقة على
حساب استقرار تلك البلدان، ولكن يُحسب لإيران أن كل أجنحتها وأذرعها في المنطقة
ظلت ترفع دائما شعار مواجهة العدو الصهيوني، بل إنها واجهته بالفعل في أكثر من
مناسبة: حزب الله في لبنان، الحوثي في اليمن، نظام بشار المستبد، وفصائلها في
الحشد الشعبي في العراق.
لقد انشغل الإيرانيون في العقود الأخيرة، ورغم الحصار الشديد
والعقوبات المستمرة، ببناء دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها أمام بطش أمريكا
والعدو الصهيوني، وانشغل الأتراك ببناء دولة قوية اقتصاديًّا وعسكريًّا. أما
العرب، فبدلًا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم، انشغل الكثير من قادتهم في صراعات
بينية عبثية، وارتهن بعضهم للحماية الأجنبية من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية،
ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما تمنح من أمان واستقرار.
وبعد هذا كله يبرئون أنفسهم، ويوجهون اللوم لغيرهم، ويحمّلون فشلهم للآخرين.
ولعل من أبرز تجليات أخطاء عرب هذا الزمان أن العرب، وهم أصحاب لغة من
بين اللغات العالمية الأكثر انتشارا، ما يزال الكثير منهم ـ حكاما ونخبا ـ
يستبدلون لغتهم بلغات أجنبية في الإدارة والتعليم والبحث العلمي، وكأن النهضة لا
يمكن أن تتحقق في بلدانهم إلا بإحلال لغة أجنبية محل اللغة العربية.
في المقابل، تمسكت إيران بلغتها الفارسية رغم أنها ليست لغة أم لنصف
الشعب الإيراني، وليست لغة عالمية واسعة الانتشار، ولا تُستخدم خارج إيران إلا قليلا
وفي مناطق محدودة جدًّا، ومع ذلك تمسكت إيران بها في التعليم والإدارة والبحث
العلمي، ولم تستبدلها بلغة أجنبية أخرى، وكذلك فعل الأتراك مع لغتهم التركية.
وحدهم العرب تنازلوا عن سيادتهم اللغوية، وكأن لغتهم، لغة القرآن، عبء
عليهم، وهذا التنازل وحده يكفي للقول بأن العرب هم السبب الأول في كل ما يتخبطون
فيه اليوم من فشل ذريع.
على العرب عموما، وعلى دول الخليج خصوصا، أن يطرحوا السؤال التالي: ما
الفائدة من صداقة أمريكا إذا كانت قواعدها لا تحمي، بل تجلب الدمار، وإذا كانت
صداقتها لا يمكن أن تمنعها من إشعال حرب يكون المتضرر الأول منها هم أصدقاؤها
العرب في الخليج؟
لن يخرج العرب من المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم ـ عن قصد أو عن غير
قصد ـ بترديد أغنية المؤامرة، ولا بالاستمرار في جلد الآخرين، والتهرب من تحمل مسؤولية
الفشل ومحاسبة الذات، ولا بالاستقواء بالأجنبي على الشقيق، ولا بالتوسع في شراء
السلاح دون بناء الإنسان، ولا بإضعاف اللغة والهوية والانبهار بالآخر.
إن الخروج من هذا المأزق يبدأ بالاعتراف الصريح بأنه صناعة عربية
خالصة، وأن العالم لن يرحم العرب ويشفق عليهم لوجه الله، ولا لسواد أعينهم. لن
يرحمهم إلا إذا امتلكوا القوة ووجهوها في اتجاه مصالحهم، وهم قادرون على ذلك إن
امتلكوا العزيمة والإرادة.
وبالتوازي مع بناء قوة عربية قادرة على الردع، على العرب أن يعلموا
كذلك بأن إسرائيل وأمريكا لا تستهدفهم لوحدهم، بل تستهدف كل المسلمين، فالغرب لا
يقبل بدولة أو بدول إسلامية قوية، ولعلكم تذكرون ما قاله وزير الحرب الأمريكي في
مؤتمر صحفي منذ أيام، حيث قال: "نحن نحارب العدو الإسلامي سواء كان سنيًّا أو
شيعيًّا"، ولعلكم تذكرون قبل ذلك أن رئيس وزراء العدو تحدث عن جهوده لتشكيل
حلف إقليمي ودولي لمواجهة "المحور الشيعي المنهار" و"المحور السني
المتشكل".
خلاصة القول هي أن أمريكا والعدو الصهيوني لا يفرقان في حربهما على
الإسلام بين سني وشيعي، فبأي منطق يفرق السني والشيعي في مقاومتهما لما تخطط له
أمريكا وإسرائيل من حروب ضد الإسلام والمسلمين؟
لا خلاص من هذا المأزق الذي وضع فيه العرب أنفسهم إلا بإقامة حلف عربي
إسلامي قوي يشكل قطبا قويًّا في عالم يسير بخطى حثيثة نحو عالم متعدد الأقطاب، على
أن تكون السعودية وإيران وتركيا ومصر وباكستان هي النواة الصلبة لهذا الحلف، وذلك
بعد أن تتجاوز تلك الدول أخطاء الماضي وآثار الخلاف الذي فرضته الحرب الحالية. أما
الشروط الأساسية لتشكيل هذا الحلف فقد استعرضتها في مقالات سابقة، ولا يتسع المقام
لتعدادها واستعراضها من جديد في هذا المقال.
يمكنكم العودة إلى المقالات العديدة التي كتبتها منذ فترة عن ضرورة
تشكيل حلف عربي إسلامي، وهو الحلف الذي تظهر ضرورة تشكيله يوما بعد يوم.
حفظ الله بلاد العرب والمسلمين...
محمد الأمين الفاضل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق