يبدو أن دونالد ترامب بدأ يهيئ الرأي العام الأمريكي والعالمي للقطة الأخيرة التي سيعلن فيها عن نهاية حربه على إيران وانتصاره غير المسبوق الذي حقق في تلك الحرب.
يعتقد ترامب أن الحروب يمكن أن تحسم بالضجيج الإعلامي، وأن الهزيمة تمكن تغطيتها بكثرة الحديث عن نصر وهمي.
صحيح أن الحرب الحالية ألحقت بإيران دمارا كبيرا، وصحيح كذلك أن أمريكا وإسرائيل تملكان قدرة كبيرة على التدمير، ولكن الصحيح أيضا أن الحروب لا تُقاس نتائجها فقط بما تُحدثه من دمار مباشر، بل بما ستُنتجه من تحولات سياسية واستراتيجية في مناطق نشوب تلك الحروب وفي العالم، وهذا بالضبط هو ما يجعلنا نطرح السؤال عن الوجه الآخر لنتائج الحرب، والذي لم يتحدث عنه ترامب.
قد يكثر ترامب في الأيام بل وفي الساعات القادمة من إطلالاته الإعلامية التي يقول فيها إنه دمر إيران بحرا وجوا وبرا، ولكن بعيدا عن ثرثرة ترامب، دعونا ننظر إلى الوجه الآخر من نتائج هذه الحرب، ونطرح السؤال: هل انتصر ترامب على إيران كما يدعي في أحاديثه وتصريحاته وتغريداته المتكررة؟
سنجيب على هذا السؤال من خلال النقاط العشر التالية:
أولا: منح ترامب بحربه للمرشد السابق فرصة الاستشهاد في شهر رمضان الكريم، وذلك بعد أن بلغ من العمر عتيا، وجاء بدلا منه الابن، والذي تقول كل المؤشرات بأنه سيكون أكثر تشددا من الأب، وأشد عداءً للولايات المتحدة من والده.
طالعتُ تغريدة معبرة تم تداولها كثيرا مفادها أن أمريكا أسقطت طالبان في أفغانستان لتأتي بطالبان، وأسقطت خامنئي في إيران لتأتي بخامنئي!؛
ثانيا: بدلا من أن تؤدي الحرب إلى تفكيك التيار "المتشدد" في إيران أو تضعفه، أضعفت بدلا من ذلك التيار "المنفتح" والذي سحبت منه حرب ترامب أي حجة يمكن أن يواجه بها الشعب الإيراني لإقناعه بوجاهة طرحه؛
ثالثا: عرفت إيران قبل الحرب توترات داخلية واحتجاجات واسعة مناهضة للنظام، ولكن البوصلة تغيرت خلال الحرب التي عبأت الشارع، وجعلت الحشود الكبيرة تخرج للتنديد بالحرب ولتأكيد دعمها للمرشد الجديد.
كانت أمريكا تعتقد أن الحرب ستُخرج الإيرانيين إلى الشارع للاحتجاج ضد النظام، فإذا بها تزيد من شعبية النظام، ولو مؤقتا؛
رابعا: كان البعض قبل الحرب يعتقد أن المقاومة في لبنان انتهت، فجاءت الحرب لتظهر أنها ما زالت قادرة على قصف إسرائيل بقوة؛
خامسا: كان ترامب يُمَني الأمريكيين قبل الحرب بخفض الأسعار والتحسين من ظروف عيشهم، فجاءت حربه على إيران لترفع من أسعار النفط، ولتصعب الحياة على الأمريكيين وعلى غيرهم؛
سادسا: كانت القواعد الأمريكية في المنطقة تطمئن بعض قادة الخليج بتوفير الحماية لبلدانهم، فجاءت هذه الحرب لتؤكد لؤلئك القادة أن تلك القواعد تجلب لهم من العداء والدمار أكثر مما تجلب لهم من حماية وأمان. لقد عرت هذه الحرب أمريكا وقواعدها أمام القادة في الخليج؛
سابعا: أعادت الحرب إحياء الخطاب المعادي للولايات المتحدة في المنطقة، وأصبحنا نسمع من بعض النخب الخليجية ما لم نكن نسمعه في الماضي عن جدوائية الاعتماد على أمريكا؛
ثامنا: دفعت الحرب إيران إلى التفكير بشكل أكثر جدية في تعزيز قدراتها الردعية، وربما تسريع برنامجها النووي بدل إيقافه. دول أخرى في المنطقة ستفكر بنفس الطريقة؛
تاسعا: كانت إيران قبل الحرب الحالية تعرف بصبرها الاستراتيجي وحذرها الشديد الذي جعلها تضيع فرصا عديدة من أهمها عدم الدخول في حرب مع إسرائيل يوم السابع من أكتوبر ، ولكن الحرب الحالية جعلت إيران تبدل صبرها الاستراتيجي بغضب وجرأة لم يكن أحد يتوقعها، فأغلق مضيق هرمز وبدأت تقصف عدة دول في وقت واحد؛
عاشرا: ستستفيد الصين وربما الروس من هذه الحرب كثيرا، وذلك لكونها من الحروب القليلة التي يتغيب فيها الأوروبيون عن مناصرة أمريكا، ولكونها كذلك من أكثر الحروب التي كشفت عن نقاط ضعف أمريكا.
بكلمة واحدة: إن ما يحاول ترامب تسويقه على أنه نصر حاسم قد لا يكون، في جوهره، أكثر من نصر إعلامي في خطاباته التي لا تنتهي أبدا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق