السبت، 24 أبريل 2021

حتى لا نستيقظ على مجزرة أخرى في نواذيبو!

 


ما حدث الليلة البارحة في مدينة نواذيبو كان مجزرة حقيقة راح ضحيتها مواطنون أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم وُجدوا في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ.

قبل مجزرة البارحة سمعنا عن جرائم بشعة في مدينة نواذيبو راح ضحيتها مواطنون أبرياء، لا ذنب لهم هم أيضا إلا أنهم وُجدوا في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ.

من يقرأ أو يسمع عن مثل هذه الجرائم البشعة والمتكررة سيجد أنها متشابهة دائما في أهم تفاصيلها: شاب أو مجموعة شباب تحت تأثير المخدرات، ومن أصحاب السوابق، يطعنون مواطنا أو مواطنين أبرياء بسكاكين.

إن الكلمات المفاتيح التي تتكرر دائما في مثل هذه الجرائم هي : الشباب؛ المخدرات؛ سوابق؛ سكاكين. إن مثل هذه الجرائم البشعة لن يتوقف ما دام أصحاب السوابق يُسمح لهم بارتكاب المزيد من الجرائم، وما دامت المخدرات تنتشر في أوساط الشباب، وعلى من يريد أن يحد من هذه الجرائم أن يتعامل مع أصحاب السوابق بصرامة أكثر، وأن يحدَّ من انتشار تعاطي المخدرات لدى الشباب.

أن يتعاطى شاب ما المخدرات، فذلك سيعني ـ وبشكل تلقائي ـ أنه أصبح مشروع مجرم يمكن أن يرتكب جريمة في أي وقت، وعندما يتعاطى شابٌ ما المخدرات فذلك دليل على أن:

ـ هناك أسرة فشلت في تربية إبنها؛

ـ هناك مدرسة فشلت في مهمتها؛

ـ هناك إعلام فشل في تأدية رسالته؛

ـ هناك علماء ووعاظ ودعاة لم يقوموا بدورهم؛

ـ هناك مجتمع مدني فشل في أداء مهامه؛

ـ هناك مجتمع بكامله فشل في أداء واجبه.

نعم هناك مجتمع كامل فشل في مواجهة تفشي المخدرات في صفوف الشباب، والسبب في ذلك أنه من النادر جدا أن تجد أسرة ما تضع في أولوياتها حماية أبنائها من المخدرات، فكثير من الأسر لا يعتبر أصلا أن المخدرات هي أخطر ما يهدد أبناءه في زمننا هذا. ومن النادر جدا أن تجد اهتماما في المدرسة بهذا الخطر الذي يهدد شبابنا، لا تجد اهتماما به

في المناهج الدراسية، ولا في أساليب الرقابة المعتمدة داخل وخارج المدرسة.

يتحدث الإعلام ـ وبشقيه التقليدي والحديث ـ عن كل شيء ولكنه من النادر أن يتحدث عن المخدرات، ومن الصعب جدا أن تجد في كل الوسائط الإعلامية أي برامج للتوعية ضد خطر المخدرات التي تفعل أفاعيلها بالشباب.

يتحدث العلماء والوعاظ والدعاة عن كل شيء، ولكن من الصعب جدا أن تجدهم يتحدثون عن خطر المخدرات.

تهتم منظمات المجتمع المدني الفاعلة بمجالات محددة، وتجد الكثير منها يتنافس في المجال الواحد، وذلك في وقت يصعب فيه أن تجد منظمات شبابية متخصصة تنشط بشكل جدي في مجال محاربة المخدرات والحد من انتشارها في الوسط المدرسي أو في أوساط الشباب عموما.

صحيحٌ أن المسؤولية الأكبر في مواجهة الجريمة تقع على المؤسسات الأمنية، وصحيحٌ أيضا أن هناك تقصيرا أمنيا ما أدى إلى تسجيل تلك الجرائم البشعة ويجب أن يُعاقب المسؤولين عن ذلك التقصير. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا هو أن المجتمع بكامله يتحمل جزءا من المسؤولية، وأنه إذا لم تطلق حملة وطنية جادة ضد المخدرات يشارك فيها الجميع : الأمن؛ المدرسة؛ العلماء والدعاة؛ الإعلام؛ منظمات المجتمع المدني، القطاعات الوزارية المعنية...إذا لم تطلق حملة وطنية من هذا النوع فإن مثل هذه الجرائم البشعة سيظل في اتساع وتصاعد.

لقد آن الأوان لأن نعطي لتهديد المخدرات ما يستحق من اهتمام رسمي وشعبي، وإلا فإن القادم من الجرائم سيكون أكثر بشاعة وخطورة.


الخميس، 22 أبريل 2021

نعم لحماية التنقيب الأهلي من جشع الشركات الأجنبية

 


إن أي مقارنة بين ما يحققه التنقيب الأهلي من مكاسب اقتصادية واجتماعية للوطن مع مردودية شركة "كينروس تازيازت" على الاقتصاد الوطني، ستكون ـ وبكل تأكيد ـ لصالح التنقيب الأهلي.

فالمقارنة على مستوى التشغيل تُظهر أن شركة "كينروس تازيازت" تُشغل حسب أعلى الأرقام المتداولة 4000 عامل، بينما خلق التنقيب التقليدي 142000 فرصة عمل حسب خطاب الوزير الأول أمام البرلمان (45 ألف فرصة مباشرة و97 ألف فرصة غير مباشرة)، أي أن التنقيب الأهلي من حيث توفير فرص العمل يضاعف 35 مرة ما توفره شركة "كينروس تازيازت" من فرص عمل.

إن المقارنة على مستوى التشغيل يجب أن لا تتوقف فقط عند الفارق الكبير في عدد فرص العمل، والذي هو لصالح التنقيب الأهلي، بل إنها يجب أن تشمل أيضا ميزة أخرى في غاية الأهمية تُحسب لصالح التنقيب الأهلي، ذلك أن التنقيب الأهلي هو من المجالات القليلة التي بإمكانها أن تنقل العامل في فترة وجيزة، حتى ولو كان غير متعلم، من عامل بسيط إلى مستثمر في المجال، أي أن الاستخراج السطحي للذهب يمكن أن يُساعد في توسيع دائرة الطبقة المتوسطة في البلاد، بل إنه قد يساعد في خلق طبقة من رجال الأعمال منحدرة من الفئات الهشة. هناك أمثلة عديدة تتعلق بأشخاص قدموا إلى مناطق التنقيب لا يملكون إلا مجارف أو فؤوس وأصبحوا اليوم من أصحاب عشرات الملايين إن لم أقل مئات الملايين.    

وعلى مستوى الضرائب والرسوم الجمركية فإن كل ما يستهلكه التنقيب الأهلي من تجهيزات ومحروقات ومواد استهلاكية تأخذ عليه الدولة ضرائب ورسوم جمركية، في حين أن ما تستورده شركة "كينروس تازيازت" من تجهيزات ومحروقات ومواد استهلاكية معفى من الضرائب والرسوم الجمركية.

أما على مستوى الإنتاج والعوائد المالية فقد قال الوزير الأول في خطابه أمام البرلمان إن إنتاج الاستخراج الحرفي للذهب وصل إلى 5.6 طن في العام 2020 (ربما يكون هذا الرقم خاصا بما تم بيعه للبنك المركزي ولا يشمل الكميات المهربة). وذكر "دافيد هندريكس" مدير شركة "كينروس تازيازت" أن إنتاج الشركة وصل في العام نفسه، أي في العام 2020 إلى 12.6 طن.

توضح المقارنة بين هذه الأرقام أن إنتاج الاستخراج الحرفي للذهب أصبح يقترب كثيرا من نصف إنتاج شركة "كينروس تازيازت". بل إن هذا الإنتاج وصل في أحد أيام الموجة الأولى من كورونا إلى 30 كلغ  في الشامي فقط، وهذا يقترب كثيرا من المتوسط اليومي لإنتاج "كينروس تازيازت" في العام 2020، والذي يصل إلى 34 كلغ لليوم.

 أما من حيث المردودية، فإن 5.6 طن التي ينتجها الاستخراج الحرفي للذهب تباع عن طريق البنك المركزي الشيء الذي ينعكس إيجابا على قيمة الأوقية، ويزيد من رصيد العملات الصعبة. أما 12.6 طن التي أنتجتها "كينروس تازيازت"  في العام 2020 فلن يعود منها لموريتانيا إلا نسبة تتراوح بين 3 إلى 6 %، وهو ما  يمثل756 كلغ من الذهب، ويعني هذا أنه في الوقت الذي وفر فيه التنقيب التقليدي لموريتانيا 5.6 طن من الذهب في العام 2020، فإن شركة "كينروس تازيازت"  لم توفر للدولة الموريتانية إلا 756 كلغ من الذهب، أي 13.5% فقط مما وفره التنقيب التقليدي.

يقول "دافيد هندريكس" في مقابلة أجرتها معه صحراء ميديا بتاريخ 12 فبراير 2021 إن الإتاوات المدفوعة للدولة الموريتانية انتقلت من 16 مليون دولار في العام 2019 إلى 36 مليون دولار في العام 2020 ، وهو ما يقارب 12.9 مليار أوقية قديمة.

وفي مؤتمر صحفي  مشترك بين وزير النفط والطاقة والمعادن ومدير شركة معادن موريتانيا بتاريخ 23 أكتوبر 2020 قال الوزير إن القيمة المضافة لاستخراج الذهب السطحي بلغت 74 مليار أوقية في العام 2019، وهو ما يعني أن عائدات التنقيب الأهلي في العام 2019 ضاعفت 13 مرة  مجموع  ما دفعته "كينروس تازيازت" لموريتانيا في ذلك العام، وضاعفت 6 مرات مجموع  ما دفعته نفس الشركة لموريتانيا في العام 2020.

إن عائدات التنقيب الأهلي يتم ضخها في كل مدن وولايات الوطن، ولو توفرت إحصائيات بما يتم تحويله من أموال عبر وكالات تحويل الأموال في مناطق التنقيب لكنا أمام رقم كبير يعكس الدور الهام الذي يلعبه التنقيب الأهلي في تحسين مستوى معيشة نسبة كبيرة من مواطنينا في مختلف ولايات الوطن.

لقد أظهر التقرير الاقتصادي والمالي المرفق بمشروع قانون المالية 2021 أن معدن الذهب احتل المرتبة الأولى على مستوى صادرات موريتانيا من حيث عائدات العملة الصعبة خلال العام 2020. كما بينت المقارنات السابقة في هذا المقال أهمية التنقيب الأهلي ودوره المتنامي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ومن هنا تبرز ضرورة الاهتمام بالتنقيب الأهلي وواجب حمايته من جشع الشركات الأجنبية العاملة في المجال.

قد نتفهم ـ بمرارة ـ أن نقبل بتعاقد حكوماتنا المتعاقبة مع شركة "كينروس تازيازت" التي تنهب ذهبنا وتمنحنا من عائداته نسبة قليلة جدا. قد نتفهم ذلك ـ وبمرارة ـ لأنه لم يكن بإمكاننا في السنوات الماضية أن نستخرج هذا الذهب إلا من خلال التعاقد مع شركات أجنبية. لكن الشيء الذي لا يمكن تفهمه هو أن يتم منح تراخيص نهائية أو عقد اتفاقيات مبدئية مع شركات أجنبية في مناطق يوجد فيها عشرات الآلاف من منقبينا كما هو الحال بالنسبة لمنطقتي "تيجيريت" التي مُنحت لشركة (Algold Resources)، ومنطقة "تازيازت" التي مُنحت لشركة "كينروس تازيازت" وفق اتفاقية "تازيازت الجنوبية ـ انتماية".

إن منطقتي "تيجيريت" و"تازيازت" تحتضن الآن ما يزيد على نصف العدد الكلي من المنقبين من الذهب في موريتانيا، ومن هنا يكون من الواجب حماية هذه الأعداد الكبيرة من المنقبين من جشع الشركات الأجنبية، ولن يكون ذلك إلا من خلال إلغاء رخصة شركة (Algold Resources)، وعدم توقيع اتفاقية "تازيازت الجنوبية ـ انتماية".   

حفظ الله موريتانيا... 

الخميس، 8 أبريل 2021

الرئيس السابق والأخطاء القاتلة!

 


يمتلك الرئيس السابق روح المخاطرة والمغامرة، وقد تعود في قراراته على المخاطرة، ومن المعروف أن المُخاطر إما أن يكسب كل شيء أو يخسر كل شيء، ومن النادر جدا أن يؤدي القرار المخاطر إلى نصف نجاح أو إلى نصف فشل، فإما النجاح التام أو الفشل التام.

ولا شك أن الرئيس السابق قد استفاد من روح المخاطرة في بداية حكمه، ولستُ بحاجة للتذكير ببعض المواقف الصعبة التي خاطر فيها وحقق مكاسب. وربما تكون تلك المكاسب هي التي جعلته يدمن على المخاطرة في سنته الأخيرة في السلطة، وحتى ومن بعد خروجه منها طمعا في تحقيق المزيد من المكاسب، وهو الشيء الذي لم يحصل، ففي هذه الفترة بدأت المخاطرة تأتي بنتائج عكسية تماما، وتُكبد الرئيس السابق خسائر كبيرة، حتى وإن لم يُقَدِّر حجم تلك الخسائر وخطورتها.

(1)

لقد حسم البيان الرئاسي الصادر في منتصف يناير من العام 2019، وفي وقت كان فيه الرئيس خارج البلاد، الجدل الذي كان دائرا حينها حول مسألة التمديد. ولقد أصبح واضحا منذ ذلك التاريخ أنه لابد من ترك السلطة بعد أشهر قليلة، فماذا كان يجب أن يفعله الرئيس السابق خلال تلك الأشهر المتبقية من حكمه؟

كان عليه أن يتصرف في تلك الفترة تصرف الرئيس المودع الذي سيترك السلطة بعد أشهر معدودة، وهو الشيء الذي يتطلب:

ـ تهدئة الأوضاع السياسية وخلق جو تصالحي مع الجميع، وخاصة مع المعارضة؛

ـ إنهاء بعض الخصومات والخلافات ذات الطابع الشخصي، وخاصة منها تلك المتعلقة بخصومات وخلافات مع بعض رجال الأعمال؛

ـ الأخذ بالشفافية في تسيير المال العام فيما تبقى من أشهر قليلة، ومحاولة تصحيح ما يمكن تصحيحه من اختلالات سابقة في هذا المجال.

على العكس من ذلك، وفي مخاطرة يصعب فهمها، قرر الرئيس السابق أن يعمق من حجم خلافاته مع المعارضة، وأن يُعَقد ملف رجال الأعمال أكثر، وأن يزيد من حجم الخروقات في تسييره للمال العام، وكأنه لن يغادر السلطة أبدا.

 (2)

بعد الخروج من السلطة كانت المصلحة الخاصة للرئيس السابق تتطلب منه أن يبتعد بشكل كامل عن الأضواء، وأن ينسحب بهدوء من المشهد السياسي، وأن يتجنب في الوقت نفسه كل ما من شأنه أن يهز الثقة بصديقه محمد ولد الشيخ الغزواني والذي أصبح رئيسا للبلاد منذ فاتح أغسطس 2019.

لقد بينتُ في مقالات عديدة لعل من أهمها ورقة كاشفة تحت عنوان : " أي دور لولد عبد العزيز في المرحلة القادمة؟" أن الرئيس السابق سيخرج من السلطة بيدين فارغتين من أي ورقة ضاغطة يمكن أن يؤثر بها مستقبلا في مجريات الأمور، ولن تبقى لديه إلا ورقة واحدة وهي الورقة المتمثلة في علاقته القوية بصديقه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ولذا فقد كان عليه ـ ووفقا لمصلحته الخاصة ـ أن يحافظ على تلك العلاقة القوية، ولكنه بدلا من ذلك، وفي مخاطرة يصعب تفسيرها بالمنطق السليم، قرر أن يلقي بنفسه في دائرة الضوء، وأن يدخل في مواجهة مكشوفة مع صديقه الرئيس.  

(3)  

استمر الرئيس السابق في ارتكاب المزيد من الأخطاء، واستمر بعض من يرفعون شعار مناصرته بالدفع باسمه إلى واجهة الإعلام، مع محاولة تسويق الفكرة التي تقول إنه يتحكم في كل شيء من خارج السلطة، وظلت الأمور تسير في ذلك الاتجاه إلى أن قرر في نهاية المطاف أن يرتكب الخطأ القاتل أو المخاطرة القاتلة، والتي تمثلت في اجتماعه في آخر أسبوع من شهر نوفمبر 2019 بلجنة تسيير حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وإصداره لبيان يمجد فيه العشرية، ويحدد فيه موعدا لمؤتمر الحزب القادم.

كان ذلك هو الخطأ القاتل الذي سرّع بالمواجهة بين الرئيسين، ذلك أنه وضع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يقبل بتحكم الرئيس السابق في شؤون البلاد من بعد مغادرته للسلطة، وذلك أمر لا يحتمل أن يقبل به رئيس منتخب، يدعمه الجيش، وتلتف حوله الأغلبية، وتهادنه المعارضة، وإما أن يثبت بأنه هو من يتحكم بالفعل في شؤون البلاد، وكان ذلك يقتضي كشف الغطاء عن الرئيس السابق، وإظهاره للرأي العام وللشعب وحيدا بلا أنصار وبلا داعمين في صفوف الأغلبية الحاكمة، وهو ما كان.

(4)

كان من المفترض أن يتعلم الرئيس السابق من الخطأ القاتل الذي ارتكبه ليلة اجتماعه باللجنة المؤقتة لتسيير حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، ولكن يبدو أنه لم يتعلم من ذلك الخطأ فقرر في السابع من إبريل 2021 أن يوجه رسالة إلى الشعب الموريتاني يدعوه فيها إلى الالتحاق بمشروعه السياسي الذي سيكون حزب الرباط الوطني من أجل الحقوق وبناء الأجيال هو واجهته.

إن هذه الدعوة تعني أن الرئيس السابق لا يريد أن تبقى المعركة معركة قانونية وقضائية فقط، بل يريدها أن تكون سياسية أيضا، ولاشك أن توسيع دائرة المعركة إلى المجال السياسي سيجلب للرئيس السابق المزيد من الخسائر والمشاكل التي كان في غنى عنها.

(5)

ربما يكون ما دفع الرئيس السابق إلى إصدار بيانه السياسي أنه قد تأكد من دخوله إلى السجن، فأراد تحويل المعركة من معركة قضائية إلى معركة سياسية، حتى يكون دخوله إلى السجن بسبب موقف سياسي، لا بسبب تهم تتعلق بالفساد. يمكنكم أن تلاحظوا أن الرئيس السابق لم يتحدث في رسالته الطويلة عن ملفه القضائي ولو بكلمة واحدة.

لا أظن أن هذه المحاولة ستنجح، وأقصى ما يمكن أن يحدث هو أن تتسع دائرة المعركة إلى الحد الذي سيستوجب استخدام الأسلحة السياسية بالإضافة إلى المسار القانوني.

إن رسالة الرئيس السابق تطرح العديد من الأسئلة لعل من أهمها :

ـ أين التركة السياسية لعقد كامل من الحكم، ولماذا لم يبق من تلك التركة إلا ثلاثة وزراء تفرقوا طرائق قددا، أحدهم اختفى ولاذ بالصمت، والآخر توقف عن التدوين، والثالث قرر أن ينشغل عن معارك الرئيس السابق بتشكيل اتحاد المرشحين السابقين للرئاسة؟

ـ هل يمكن للرئيس السابق أن يحقق بحزب مجهري فشل في الحصول على مستشار بلدي واحد ما لم يحققه خلال عقد كامل وهو يقود بلدا بكامله؟

ـ ألا يعلم الرئيس السابق أن بيانه السياسي سيعطي المزيد من المبررات للنخب السياسية لممارسة المزيد من الضغط على النظام الحاكم من أجل التعامل بشكل أكثر صرامة مع ملف العشرية؟

ـ ألا يمكن أن يؤدي هذا التحالف الجديد بين الرئيس السابق ورئيس حزب الرباط إلى فتح ملفات فساد جديدة: ملف قمامة نواكشوط مثلا؟  

مهما تكن الإجابة على تلك الأسئلة، فإن الشيء المؤكد هو أن أسوأ قرار يمكن أن يخاطر به من يحمل سلة بيض، هو القرار المتعلق بإعلان حرب مفتوحة مع الجميع.

حفظ الله موريتانيا... 

الخميس، 1 أبريل 2021

أين ذهبت ثروات موريتانيا؟

 


أتابع في بعض الأحيان بعض النقاشات ذات البعد الجهوي والمناطقي، وأتأسف كثيرا على حال بعض نخبنا كلما تابعتُ عينة من تلك النقاشات.

المتتبع لتلك النقاشات الرديئة سيتوصل إلى استنتاج متغير، يتغير بتغير جهة المتحدث. فواحدة من نسخ هذا الاستنتاج المتداولة تؤكد أن أهلنا في "الساحل" هم الأكثر حرمانا من بين كل الجهات والمناطق من خيرات الوطن، وذلك على الرغم من أن منطقتهم تزخر بأهم خيرات البلاد : الحديد؛ السمك؛ النحاس؛ الذهب ...إلخ

وتؤكد نسخة ثانية من هذا الاستنتاج أن أهلنا في "الشر " هم الأكثر تهميشا وحرمانا ويمكن الاستدلال على ذلك بإحصائيات تفيد أنه من الصعب جدا أن تجد من بينهم رجال أعمال كبار أو تجد لمنحدر من منطقتهم شركة كبيرة إلا فيما ندر، وذلك على الرغم من أنهم يمثلون عدديا الأغلبية في هذه البلاد.

وتؤكد نسخة ثالثة من هذا الاستنتاج أن أهلنا في "الگبلة" يعانون من تهميش واضح وبيِّن منذ فجر العاشر من يوليو 1978، وحتى يوم الناس هذا. في حين تؤكد نسخة رابعة من هذا الاستنتاج أن أهلنا في "الضفة" هم الأكثر تهميشا وإقصاءً في هذه البلاد، وأنهم زيادة على  ذلك هم أصحاب مظالم تاريخية ويتعرضون لغبن ممنهج في مجال توزيع الثروة والاستثمارات والوظائف.

تعليقا على هذا الاستنتاج المتغير بتغير الجهات، دعونا نطرح السؤالين التاليين:

ـ أين ذهبت ثروات موريتانيا خلال العقود الست الماضية ما دام أهلنا في "الساحل" غاضبون بسبب الغبن، وأهلنا في "الشر " غاضبون بسبب التهميش، وأهلنا في "الگبلة" غاضبون بسبب الإقصاء، وأهلنا في الجنوب غاضبون بسبب الحرمان والتمييز الممارس ضدهم؟

ـ هل هناك موريتانيون من الجن لا ينتمون لأي جهة من جهات الوطن الأربع هم الذين نهبوا ثروات موريتانيا خلال العقود الست الماضية؟

إن هذا الخطاب الجهوي والمناطقي الذي تصاعد خلال السنوات الأخيرة تُطلقه في العادة نُخَبٌ تسعى لمصالحها الضيقة، ولا تهمها في حقيقة الأمر تنمية مناطقها ولا جهاتها، وهي تريد من خلال هذا الخطاب البائس أن تحصل على المزيد من الامتيازات في الوظائف أو الصفقات أو النفوذ، لا أقل ولا أكثر. والمؤسف أنها تجد الكثير من البسطاء في مناطقها تتبنى طرحها الجهوي، والذي لا يُراد منه إلا تحقيق المزيد من المصالح  الخاصة والضيقة على حساب الجهة أو المنطقة.

لو كان تعيين أفراد من جهة ما يكفي لتحسين وضعية تلك الجهة، لكانت في بلادنا اليوم جنات أربع : جنة في "الساحل"، وجنة في "الگبلة"، وجنة في "الجنوب"، وجنة في "الشر".

لنطرح الآن طائفة أخرى من الأسئلة؟

إذا كانت تنمية المناطق مرتبطة بالوظائف والتعيينات، فبأي منطق يشكو اليوم أهلنا في "الساحل" من الغبن والتهميش، ونصف الرؤساء الذين حكموا البلاد ينحدرون من منطقتهم؟ أو لم يحكم المنحدرون من هذه المنطقة موريتانيا لما يزيد على 35 سنة؟

ألا تعدُّ ولاية آدرار من الولايات التي يعيش أهلها في ظروف صعبة جدا؟ ألم تكن فترة حكم أحد أبناء هذه الولاية هي فترة الحكم الأطول في تاريخ البلاد؟ فبماذا استفادت هذه الولاية تنمويا من حكم أحد أبنائها للبلاد لعقدين من الزمن، وبِمَ استفادت من تصدر بعض أبنائها لواجهة المال والأعمال لعدة عقود متوالية؟

ألا تعدُّ ولاية إنشيري وعاصمتها أكجوجت من أكثر مناطق البلاد معاناة؟ أليست هذه الولاية تمتاز عن غيرها من ولايات الوطن بأنها هي الولاية الوحيدة التي ترأس البلاد اثنان من المنحدرين منها؟ فبماذا استفادت هذه الولاية تنمويا من ميزة تولي رئاسة موريتانيا لفترتين؟

ألا تعدُّ ولاية الحوض الشرقي من ولايات الوطن التي يمكن أن تنافس ـ وبقوة ـ ولاية إنشيري في المعاناة والبؤس؟ ألا تعدُّ مدينة النعمة من أكثر عواصم ولايات الوطن معاناة، فبماذا استفادت ولاية الحوض الشرقي تنمويا من احتكار الوزارة الأولى لربع قرن تقريبا؟

ألا تعدُّ ولايات الضفة من الولايات التي احتكرت النسبة الأهم من الوظائف الإدارية في السنوات الأولى من ميلاد الدولة الموريتانية، فبماذا استفادت تلك الولايات تنمويا من السيطرة في فترة ما على الوظائف الإدارية؟

ألا تعدُّ مدينة تجكجة من المدن الأكثر عزلة والأكثر معاناة في البلاد؟ ألا تعدُّ نسبة الموظفين المنحدرين من هذه المدينة من أعلى النسب في الإدارة مقارنة بالمدن الأخرى، فبماذا استفادت تنمويا مدينة تجكجة من هذه النسبة المرتفعة في الوظائف الإدارية؟  

طالعتُ منذ أيام قليلة منشورا لأحد المنحدرين من مدينة أبي تيلميت يشكو فيه من النسبة الضعيفة الممنوحة لمدينته في الحكومة، أظنه قال إن مدينته ممثلة بوزير واحد في الحكومة الحالية، وقد جاء بعض المنحدرين من هذه المدينة بإحصائية تبين النسبة الكبيرة التي يمثلها أبناء المدينة في مختلف التخصصات والقطاعات، الشيء الذي يستوجب حسب وجهة نظرهم أن تمثل مدينتهم في الحكومة بأكثر من وزير. علق أحد المنحدرين من مقاطعة باركيول على المنشور المذكور بالقول إن مقاطعته لم تحظ في كل تاريخ موريتانيا بوزير واحد ولا حتى بأمين عام، وذلك في وقت يشكو فيه المنحدرون من مقاطعة أخرى من ضعف تمثيل مدينتهم في الحكومة.

لنطرح سؤالين أخيرين في هذه الفقرة: بماذا استفادت مدينة أبي تلميت تنمويا من الوجود المعتبر لأبنائها في الجهاز الإداري؟ وبماذا تختلف هذه المدينة تنمويا عن مدن أخرى في البلاد تحتل الرتب الدنيا من حيث نسبة التوظيف؟

كثيرة هي المغالطات التي يطرحها أصحاب الخطاب الجهوي والمناطقي، وقد يكون من المهم لفت الانتباه إلى بعضها:

ـ يشكو أصحاب الخطاب الجهوي في "الشر" من قلة تمثيلهم في مجال المال والأعمال مقارنة بحضور أهلنا في "الساحل". هذه المقارنة غير موضوعية وغير مقنعة، فمن المعروف أن بعض أبناء "الساحل" اهتموا في وقت مبكر من ميلاد الدولة الموريتانية ـ بل ومن قبل ميلادها ـ بالتجارة وبالقطاع الخاص، ولذا فليس من الغريب أن يحتلوا اليوم واجهة المال والأعمال في هذه البلاد.

ـ يشكو أصحاب الخطاب الجهوي في "الساحل" من ضعف تمثيلهم في الوظائف السياسية والمناصب الانتخابية، وذلك في الوقت الذي تمتلك فيه منطقة "الشر" نسبة عالية من تلك الوظائف والمناصب. أيضا هذه المقارنة غير موضوعية وغير مقنعة، فهذه الوظائف والمقاعد الانتخابية ترتبط بشكل أو بآخر بحجم الكثافة السكانية، ومن المعروف أن بعض ولايات "الساحل" لا يصل عدد سكانها لسكان إحدى المقاطعات في "الشر".

ـ يشكو أصحاب الخطاب الجهوي في "الشر" و"الساحل" من ضعف تمثيلهم في الوظيفة العمومية مقارنة مع أهلنا في "الگبلة"..أيضا هذه المقارنة غير موضوعية وغير مقنعة. فقد كان من الطبيعي جدا بسبب الإقبال على التعليم النظامي أن يحتل أهلنا في الجنوب النسبة الأكبر من الوظائف الإدارية عند ميلاد الدولة الموريتانية، وأن يحتل تلك النسبة في مرحلة لاحقة أهلنا في "الكبلة".

على من يروج لهذا الطرح الجهوي والمناطقي أن يعلم أن تعيين هذا الشخص أو ذاك من هذه الجهة أو تلك لن يفيد تلك الجهة، ولن يفيد البلاد في أي شيء، فالذي سيستفيد هو ذلك الشخص المعين وأسرته الضيقة جدا.

إن تعيين حكومة كاملة من أهلنا في "الساحل" لن يفيد تنمويا منطقة "الساحل"، وتعيين حكومة كاملة من أهلنا في"الشر" لن يفيد تنمويا منطقة "الشر"، وهكذا...إن الذي سيفيد  حقا هذه المناطق هو تعيين أصحاب الكفاءات المشهود لهم بالاستقامة، بغض النظر عن جهاتهم، ومن المؤسف حقا أن هؤلاء يشكلون قلة قليلة جدا في"الساحل" و"الشر" و"الگبلة" و"الجنوب".

إنما سيفيد حقا هذه الجهات، وسيفيد البلد كله، هو إتباع سياسات اقتصادية ناجعة تهتم بشكل جدي بثرواتنا الطبيعية، ولو أن الحكومة اهتمت بشكل جدي بثروتنا السميكة، وثرواتنا المعدنية التي تزخر بها منطقة "الساحل" لعشنا جميعا في هذه البلاد في نعيم ورخاء. ولو أن الحكومة اهتمت بشكل جدي بالزراعة في الضفة وفي بعض مناطق "الگبلة" لعشنا جميعا في هذه البلاد في نعيم ورخاء. ولو أن الحكومة اهتمت بشكل جدي بالثروة الحيوانية في "الشر"، وأقامت مصانع لإنتاج وتصدير الألبان والجلود واللحوم لعشنا جميعا في هذه البلاد في نعيم ورخاء.

إن الدرس المستخلص من جائحة كورونا ومن إغلاق معبر "الگرگرات" يُلزم الحكومة أن تولي اهتمامها جديا ب:

ـ المزارع في الضفة وفي بعض مناطق "الگبلة"؛

ـ صياد السمك والمنقب التقليدي في "الساحل"؛

ـ المنمي في "الشر".

إن هؤلاء هم الذين يُعوَّل عليهم حقا، أما النخب التي تمتهن الخطاب الجهوي فلا خير فيها، ولا فائدة ترجى من الاستماع إليها.

تنبيه : أعتذر للقراء عن الكتابة في هذا الموضوع، والذي لم أكن أرغب في الكتابة فيه، ولكن صُراخ أصحاب الطرح الجهوي والمناطقي هو ما أجبرني على الرد عليهم. قد تلاحظون أني لم أتحدث في هذا المقال عن الخطاب الشرائحي والعرقي والذي يشكل هو أيضا كارثة، والسبب في ذلك يعود إلى أني كنتُ قد تحدثتُ عن ذلك الخطاب في مناسبات سابقة.

حفظ الله موريتانيا... 

الاثنين، 22 مارس 2021

عن فاجعة الكلم 82

 


زرنا كعادتنا في حملة "معا للحد من حوادث السير" مكان الفاجعة الأليمة التي وقعت يوم الأربعاء 17 مارس 2021 عند الكلم 82 على طريق الأمل، وهي الفاجعة التي أدت إلى سقوط عدد كبير من القتلى إثر تصادم سيارتي نقل من نوع "رينو".

كان منظر حطام السيارتين يوحي بقوة التصادم، لدرجة قد يُخيَّل فيها لمن مر بمكان الفاجعة في ذلك اليوم أن هذا الحطام ليس نتيجة لتصادم بين سيارتين، وإنما هو نتيجة لسقوط صاروخ عليهما!

كان هذا الحادث البشع والمؤلم نتيجة لأخطاء بشرية، فالمقطع الذي وقع فيه الحادث كان في وضعية جيدة، فلا حفر، ولا ألسنة رملية، ولا منعرجات، ولا ارتفاعات أو منحدرات تحجب الرؤية.

في اليوم الموالي، أي يوم الخميس 18 مارس، وقع حادث سير آخر عند الكلم 160 على طريق الأمل، وتسبب في إصابة 5 ركاب بجروح متفاوتة الخطورة. هذا الحادث الأخير كان بسبب حفر أدت إلى انقلاب حافلة نقل صغيرة قادمة من "مدينة سيلبابي".

تتعدد أسباب حوادث السير، ولكن يبقى الموت واحد، وتبقى الحصيلة مؤلمة في كل الأحوال، وللحد من هذه الحوادث لابد من العمل على عدة محاور كنا قد أجملناها في عريضتنا المطلبية التي سلمناها خلال الحملة الانتخابية الرئاسية لفخامة رئيس الجمهورية.

وهذا هو نص العريضة المطلبية مع بعض التعديلات التي استوجبتها الفاجعة الأخيرة.

1ـ المسارعة في إصلاح وترميم المقاطع المتهالكة من الطرق الحيوية، وتشييد طريق من اتجاهين على الأقل على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)؛

 2ـ توفير فرق إسعاف وإنقاذ بكامل التجهيزات على كل المقاطع الحيوية من شبكتنا الطرقية مع توفير طائرة إسعاف عسكرية للتدخل عند الاقتضاء؛

 3ـ تفعيل نقاط التفتيش والصرامة في تطبيق قواعد السلامة المرورية؛

 4ـ فرض المزيد من القيود في منح رخص السياقة، والعمل بأساليب التنقيط لسحب الرخص ممن يرتكب عددا معينا من المخالفات؛

 5ـ توفير رادارات لمراقبة السرعة، وإجبار شركات النقل على وضع أجهزة مثبت السرعة في حافلاتها (90 كلم/ للساعة) مع ضبط وتنظيم حركة الشاحنات وتحديد أوقات معينة لتحركها، وخاصة على مقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)؛

 6ـ مراجعة مبلغ الدية، وتفعيل دور شركات التأمين؛

 7ـ إطلاق المزيد من حملات التوعية والتحسيس. وهذه النقطة هي في غاية الأهمية، ولا يعني تأخيرها عدم أهميتها.

 

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 15 مارس 2021

ما لمْ يُقل عن نضال الشباب الموريتاني (ورقة كاشفة)

 

سأتحدث في هذه الورقة الكاشفة عن نضال الشباب الموريتاني خلال العقد الأخير، ومن قبل البدء في هذا الحديث سيكون من الضروري أن أوضح الآتي:

ـ أن هذه الورقة ستركز على الأخطاء ومظاهر الخلل في هذا النضال، بدلا من التركيز على الجانب الإيجابي، وسبب ذلك هو أن الأخطاء ومظاهر الخلل قلَّما تجد من يتحدث عنها، في حين أن الجانب الإيجابي قد وجد حظا كبيرا من الحديث والإشادة؛

ـ أنها ستتحدث عن نضال الشباب الموريتاني سواء كان معارضا أو مواليا وستقدم أمثلة حية من مظاهر الإخفاق، مع التركيز بطبيعة الحال على نضال الشباب المعارض، وذلك لأنه هو المعني الأول بهذه الورقة؛

ـ أن السقف الزمني لها سيمتد من تاريخ اندلاع ما يسمى بالثورات العربية إلى يوم الناس هذا.

الشباب من وقودٍ للحملات الانتخابية إلى وقودٍ للأنشطة الاحتجاجية
كثيرا ما سمعنا الشباب الموريتاني سواءً كان في المعارضة أو الموالاة يعبر عن تذمره واستيائه من تعامل الأحزاب السياسية معه، فهذه الأحزاب لا تعتبره إلا مجرد وقود لإنعاش الحملات في المواسم الانتخابية، ولا تعطيه من الأدوار إلا تلك الأدوار الهامشية المرتبطة بإنعاش الحملات. لم يُخْف الشباب الموريتاني في السنوات الأخيرة تذمره من هذه الأدوار الهامشية، فظهرت حركات شبابية مستقلة ـ بدرجة أو بأخرى ـ عن الأحزاب السياسية.

وبعيدا عن هذا الاستياء وآليات التعبير عنه، فيمكن القول إن الشباب الموريتاني، وسواء منه من انخرط في حركات شبابية مستقلة أو من بقي في الأحزاب السياسية أو من ينشط بصفة فردية قد استطاع بمختلف تشكيلاته أن يحتل واجهة مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبح تأثيرها قويا في توجيه الرأي العام وفي تحريك الشارع، كما استطاع أن يحتل الواجهة الاحتجاجية، ولكن هذا الشباب النشط في مواقع التواصل الاجتماعي وفي ميادين الاحتجاج لم يتمكن من أن يستثمر سياسيا جهوده الكبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وتضحياته الجسيمة التي قدم في ميادين الاحتجاجات.

كان هناك فشل واضح في الاستثمار السياسي لتلك الجهود، وعجز بين في خلق قنوات سياسية قادرة على توظيف تلك الجهود والتضحيات في مشروع أو مشاريع سياسية ذات نفس طويل، وبمقاسات شبابية. وبعبارة ألطف فإنه يمكن القول بأن الشباب الموريتاني لم يتمكن من أن يفرض حضورا سياسيا يتناسب مع مستوى جهوده المبذولة في مواقع التواصل الاجتماعي، وتضحياته المشهودة في ميادين الاحتجاجات. ولعل المثال الأبرز الذي يمكن تقديمه هنا هو تجربة حركة 25 فبراير، والتي تعتبر من أهم الحركات الشبابية التي ظهرت في العقد الأخير، فقد استطاعت هذه الحركة خلال السنوات الأولى مما بات يُعرف بالربيع العربي أن تستقطب أعدادا كبيرة من خيرة الشباب الموريتاني.

تمكنت الحركة من أن تنظم الكثير من الأنشطة الاحتجاجية خلال عدة سنوات، وتعرض الكثير من نشطائها للقمع والتنكيل والسجن، ولكنها مع ذلك لم تتمكن من أن تستثمر سياسيا كل هذه التضحيات. لم تستطع هذه الحركة أن تستوعب التحول الحاصل في مزاج الشارع  بعد انحسار الربيع العربي وظهور الثورات المضادة، ولم تدرك أن شعارات الربيع العربي لم تعد قادرة على استقطاب أعداد كبيرة من الشباب بعد تغير مزاج الشارع، وأنه قد أصبح من الضروري أن يتم تحديث تلك الشعارات وتحيينها وتحويلها من شعارات ثورية إلى شعارات سياسية تُناسب مرحلة ما بعد انحسار الربيع العربي، وهو ما كان سيمكن الحركة من الاحتفاظ بأكبر نسبة من الشباب الذي انخرط فيها خلال فترة ألق الربيع العربي.

لقد أتيحت لهذه الحركة فرصة ثمينة لاستثمار نضالها في مشروع سياسي قادر على البقاء والتطور، ولكنها للأسف لم تستغل تلك الفرصة، ففي مطلع العام 2014، والذي شكل بداية لانحسار الربيع العربي، انطلقت في موريتانيا الأعمال المحضرة لتأسيس المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة.

تم تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر الذي سيُعلن فيه لاحقا عن تأسيس المنتدى، وكانت حركة 25 فبراير ممثلة في هذه اللجنة، وكانت هناك رغبة جدية لدى كل الأعضاء المؤسسين للمنتدى في أن يكون حضور الشباب قويا في هذا التجمع المعارض الجديد، والذي سينفتح لأول مرة على المنظمات الحقوقية والنقابات العمالية والشخصيات المستقلة ذات التوجه المعارض.

بعد ما يزيد على شهر من الأعمال التحضيرية، وبعد أن تم البدء في توزيع الدعوات للمؤتمر، قررت الحركة ـ وبصورة مفاجئة ـ الانسحاب من اللجنة التحضيرية، فخسر بذلك المنتدى، والذي لا شك أنه كان في حاجة ماسة إلى قطب شبابي بالإضافة إلى أقطابه الأربعة التي ستتشكل فيما بعد (القطب السياسي؛ قطب النقابات؛ قطب المجتمع المدني؛ قطب الشخصيات المستقلة). نعم خسر المنتدى بسبب انسحاب الحركة التي كانت تمثل الشباب في اللجنة التحضيرية، وخسرت أيضا الحركة وكانت خسارتها أكبر، ذلك أنها ضيعت فرصة ثمينة كانت ستتيح لها أن تكون ممثلة للشباب المعارض في أكبر تجمع معارض، وكان ذلك سيتيح لها أن تشكل ذراعا سياسيا للشباب في أكبر تجمع معارض.

ضيعت الحركة تلك الفرصة الثمينة، فكان ما كان من تراجعها وانحسارها إلى أن أصبحت اليوم عاجزة حتى عن تخليد ذكرى تأسيسها بنشاط ناجح.   

وكمثال آخر من حراك شبابي آخر،  لم يصل إلى الحجم الذي وصلت إليه حركة 25 فبراير، ولكنه مع ذلك كان حاضرا وبقوة خلال فترة التعديلات الدستورية. كان حراك "محال تغيير الدستور" من أكثر الحراكات الشبابية نشاطا في تلك الفترة، فنظم العديد من الاحتجاجات، وشارك مع غيره في احتجاجات أخرى، الشيء الذي جعل مجموعة الثمانية التي تأسست قبيل التعديلات الدستورية، تدعوه للانضمام إلى تكتلها، وكان بذلك هو الممثل الوحيد للشباب في هذا التجمع المعارض الكبير. لم يُدرك الحراك أهمية وجوده في هذا التجمع المعارض، ولم يدرك أن العمل داخل هذه التكتلات التي تضم العديد من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمنظمات الحقوقية له ضوابطه وشروطه. لم يستطع الحراك أن يستفيد من هذه التجربة وأن يستغلها في التحول من حراك احتجاجي إلى مشروع شبابي ذي صبغة سياسية، وكان مثل ذلك التحول مهما للحراك الذي بدأت تسميته وشعاراته الاحتجاجية تفقد ألقها بعد تمرير التعديلات الدستورية.

الشباب المعارض والعَقْدُ الضائع سياسيا

لم يكن من السهل تصور غياب أي بصمة للشباب المعارض في رئاسيات 2019، خاصة وأن هذا الشباب المعارض كان في طليعة الرافضين للتمديد وللمأمورية الثالثة. أذكر أنه في مطلع العام 2019،  وفي محاولة لتجنب ذلك الغياب نظمت "منصة رئاسيات 2019" أياما تفكيرية لمدة يومين حضرتها أغلب الحركات الشبابية وبعض الشباب المستقل، وكانت تحت عنوان "الشباب المعارض ورئاسيات 2019 ". كان الهدف من هذه الأيام التفكيرية هو إيجاد آلية ما للتنسيق بين الشباب المعارض، وذلك لضمان مشاركة فعالة في صياغة البرنامج الانتخابي، وفي اختيار المرشح الموحد للمعارضة، ولو أن الشباب المعارض شكل إطارا للتنسيق فيما بينه، لامتلك بذلك الشرعية السياسية للتعبير عن رأي ومواقف الشباب المعارض، ولفرض في الوقت نفسه حضورا قويا في التحضيرات  لرئاسيات 2019. شهدت هذه الأيام التفكيرية في بدايتها خلافا قويا بين الشباب المنخرط في الحركات الشبابية والشباب المنتمي للأحزاب السياسية، الشيء الذي أدى في نهاية المطاف إلى توقفها، والتوقف ـ بالتالي ـ عن البحث عن آلية للتنسيق بين شباب أظهر في ذلك الوقت أنه غير مستعد أو غير مؤمن بأهمية التنسيق فيما بينه.

غاب التنسيق بين الشباب المعارض في تلك الانتخابات، وتفرقت الحركات الشبابية بين المترشحين، الشيء الذي أدى في المحصلة النهائية إلى غياب الشباب المعارض عن كل مراحل التحضير للانتخابات الرئاسية، ولم يكن أمامه في النهاية إلا أن يتوزع على المترشحين، وأن يلعب دور "منعش الحملات الانتخابية" ذلك الدور الذي طالما عبر عن استيائه منه.

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أن الشباب المعارض لم يستطع رغم تضحياته الكبيرة خلال العقد الماضي أن يخرج من دائرة إنعاش الحملات الانتخابية أو المظاهرات الاحتجاجية، ولم يستطع أن  يفرز قيادات سياسية أو حركات سياسية قادرة على أن تملأ الفراغ السياسي الذي أنتجه ـ أو سينتجه ـ تراجع دور الأحزاب التقليدية والقيادات التاريخية للمعارضة.

الشباب والتدوين السلبي

تُعدُّ مواقع التواصل الاجتماعي هي نقطة القوة الأهم التي يمتلكها الشباب الموريتاني، ولو أن الشباب استخدم نقطة القوة هذه بشكل منظم ووفق خطة مدروسة لحقق مكاسب كبيرة للوطن بصفة عامة ولشريحة الشباب بصفة خاصة. المؤسف في الأمر أن ظاهرة الانشغال بتوافه الأمور وبالتدوين السلبي أصبحت في اتساع متزايد الشيء الذي قد يقلل مستقبلا من الدور الإيجابي لمواقع التواصل الاجتماعي.

هناك أمثلة كثيرة يمكن تقديمها عن خطورة التدوين السلبي، منها هذا المثال: في يوم 14 إبريل 2018 تم الإعلان فجرا من خلال تغريدة لرئيس الحزب الحاكم عن وقف مفاوضات سرية كانت تجري بين السلطة والمعارضة، وذلك بعد تسريب وثيقة المفاوضات قبيل التوقيع عليها، وكانت تلك المفاوضات تسعى أساسا إلى ضمان حصول المعارضة على تمثيل مناسب لها في اللجنة المستقلة للانتخابات. بعد تسريب الوثيقة والإعلان عن وقف المفاوضات السرية انطلقت واحدة من أشرس الحملات التدوينية ضد الرئيس الدوري للمنتدى، والذي كان حينها الدكتور محمد مولود. شارك في هذه الحملة التي استمرت لأيام طوال الكثير من المدونين المحسوبين على المعارضة، فقدموا بذلك خدمة كبيرة للنظام من خلال محاولة تشويه سمعة أحد أبرز قادة المعارضة، وكان ذلك في فترة حساسة جدا : خمسة أشهر قبل الانتخابات التشريعية، وأربعة عشر شهرا قبل الانتخابات الرئاسية.

لا أحد من كبار المدونين في المعارضة الذين شاركوا في تلك الحملة الظالمة سأل عن حجم التضحيات التي قدمها الرئيس محمد ولد مولود وحزبه خلال العقد الأخير، وهي تضحيات انعكست سلبا على الحزب وعلى رئيسه، وما زالا حتى الآن يدفعا فاتورتها الكبيرة. ولا أحد منهم سأل عن الهدف من تلك المفاوضات السرية، فهل كان الرئيس محمد ولد مولود يسعى لتحقيق مكاسب ضيقه له أو لحزبه حتى يحق لمدوني المعارضة أن ينتقدوه بتلك الشراسة، أم أنه كان يسعى لتحقيق مكاسب للمعارضة في مجموعها من خلال تعزيز مكانتها في لجنة الانتخابات، الشيء الذي جعل من تلك المفاوضات عملا نضاليا يستحق الرئيس محمد ولد مولود أن يشكر عليه، لا أن تشن الحملات التدوينية ضده.

ومن الأمثلة التي يمكن تقديمها أيضا عن التدوين السلبي وعن الحملات التدوينية الساذجة ما تعرض له المناضل الشاب محمد الأمين ولد سيدي مولود من هجوم تدويني بسبب حضوره لإفطار نظمه حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في العام 2016. وصل مستوى الانحطاط في تلك الحملة التدوينية أن البعض اعتبر أنه يمكن لمناضل شاب بحجم محمد الأمين ولد سيدي مولود أن يتنازل عن موقفه السياسي مقابل وجبة إفطار!!!

اللافت في تلك الحملة التدوينية الظالمة هو أن بعض مروجي هذه التهم الساذجة سيلتحقون فيما بعد بالحزب الحاكم، وسيبقى محمد الأمين ولد سيدي مولود ثابتا على موقفه، بل أكثر من ذلك فقد استطاع هذا الشاب، أن يُشكل استثناءً، وأن يستثمر سياسيا نضاله في مواقع التواصل الاجتماعي وفي ميادين الاحتجاج، فترشح للبرلمان وفاز، ليصبح اليوم من أكثر النواب في البرلمان الموريتاني دفاعا عن قضايا المواطن.

الشباب وفشل التنسيق في محاربة الفساد

من المعلوم بداهة أن الشباب هو الأكثر تضررا من الفساد، وأنه هو المعني الأول بمحاربة الفساد، وفي هذا الإطار فقد أصدرت الحركات الشبابية (حراك آفاق موريتانيا السياسي ؛حراك محال تغيير الدستور؛ حركة الطليعة التقدمية؛ حركة رفض؛ حركة كفانا؛ حركة نستطيع؛ كتلة التغيير الجاد؛ مشروع إلى الأمام موريتانيا) بيانا مشتركا في يوم 13 أغسطس 2020 ثمنت فيه عمل لجنة التحقيق البرلمانية، وطالبت فيه بتوسيع التحقيقات، وإقالة كل المشمولين في الملف، وسن قوانين تمنع التعيين لكل من ثبتت إدانته في ملف فساد.

تعهد الموقعون على هذا البيان المشترك بتأسيس إطار وطني جامع ينسق عمل هذه الحركات ويوحد جهودها. كما تعهدوا أيضا أنهم سيعلنون عن خطة عمل لهذا الإطار الجامع في وقت لاحق.

للأسف لم يتأسس هذا الإطار الشبابي، ولم يعلن عن أي خطة عمل، وتوقف التنسيق بين هذه الحركات بعد إصدار بيان 13 أغسطس اليتيم. وفي المحصلة فقد غاب أي جهد مشترك لشباب هذه الحركات، ولغيره من الشباب فيما بات يعرف  ب " ملف فساد العشرية".

فشل الشباب المعارض والمستقل في استغلال فتح ملف "فساد العشرية" لتنسيق جهوده وفرض حضوره في هذا الملف، وذلك من خلال الوقوف ضد انحرافه إذا ما ظهرت أي بوادر انحراف، والمطالبة بتوسيعه حتى يشمل ملفات أخرى، والضغط بكل وسائل الضغط المتاحة لكشف ووقف أي فساد قد يقع بعد فتح هذا الملف.

فشل الشباب المعارض والمستقل في تنسيق جهوده بخصوص هذا الملف، كما فشل في أوقات سابقة في تنسيق جهوده بخصوص ملفات أخرى، ومن المؤكد بأن ذلك الفشل لن يأتي بنتائج إيجابية لا على الحركات الشبابية ولا على مسار الملف.  

عن شباب الموالاة

لا خلاف على أن مظاهر الإخفاق عند الشباب المحسوب على الموالاة هي أكثر وضوحا من مظاهر الإخفاق عند الشباب المعارض، والأمثلة كثيرة على ذلك، فمنها ما حدث في عهد الرئيس السابق الذي حاول أن يتصدى لثورات الربيع العربي من خلال الانفتاح على الشباب، فظهرت أحزاب شبابية اختزنت في جيناتها كل مساوئ الطبقة السياسية التقليدية، وزادت على تلك المساوئ بنقص في الخبرة والتجربة، فشهدت تلك الأحزاب من النزاعات و التفكك والانشطارات والصراع على المصالح الضيقة والخاصة ما لم تشهده أحزاب الموالاة التقليدية في كل تاريخها. وخارج الأطر السياسية فقد تم تأسيس المجلس الأعلى للشباب، ولكن هذا المجلس لم يقدم شيئا ملموسا للشباب، وشكل بذلك محطة أخرى من محطات فشل الشباب الدائر في فلك السلطة الحاكمة.

وفي العهد الحالي يكفي أن نطرح الأسئلة التالية : أين تبخرت عشرات إن لم نقل مئات المبادرات الشبابية الداعمة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؟ لماذا غابت هذه المبادرات عن المشهد؟ ولماذا لم تحاول هذه المبادرات أن تشكل ذراعا سياسيا للنظام الذي دعمته بدلا من ترك الأمر لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، والذي لم يستطع حتى الآن أن يخرج في دعمه عن الأنماط التقليدية في الدعم للأحزاب الحاكمة؟

إن الحجة التي يتقدم بها بعض القائمين على هذه المبادرات الشبابية هي أن النظام أو واجهته السياسية التقليدية لم تمنحهم الفرصة للظهور! ومتى كان السياسي يُعلن عن تقاعده وينسحب من المشهد لكي يتيح لسياسي شاب أن يحتل مكانته؟

على الشباب المهتم بالسياسة سواء كان في الموالاة أو المعارضة أن يعلم أن المكانة السياسية لا تُمنح، ولا توزع مجانا، وإنما تنتزع انتزاعا.

عن نقاط الضعف لدى الشباب

يمكننا أن نجمل أهم مظاهر الخلل التي يعاني منها الشباب الموريتاني المهتم بالشأن العام في النقاط التالية:

1 ـ العجز البين في القدرة على خلق مساحات عمل مشتركة تجمع أكبر عدد ممكن من الشباب النشط، مع ضعف واضح في القدرة على التنسيق. ولعل الغريب هنا هو أن الشباب المعارض الذي لم يستطع أن يتجمع في تكتلات وتنسيقيات كثيرا ما كان ينتقد الأحزاب المعارضة عند تفكك تكتلاتها السياسية، وذلك على الرغم من أن تلك التكتلات لا تتفكك عادة إلا بعد سنوات من تأسيسها، وعند الوصول إلى محطات انتخابية حاسمة. نعم لقد استطاعت المعارضة التقليدية خلال العقد الماضي أن تتجمع وتتحالف في تكتلات سياسية تضمن الحد الأدنى من التنسيق لفترات قد تطول وقد تقصر، ولكن الشباب المعارض ظل عاجزا عن تحقيق مثل ذلك.

2 ـ  اقتناع الكثير من الشباب أن دوره يقتصر فقط على نقد الأنظمة الحاكمة أو الطبقة السياسية التقليدية في الموالاة والمعارضة، الشيء الذي أبعده عن إنتاج الأفكار وتقديم المقترحات ومحاولة خلق البدائل السياسية؛

3 ـ غياب الرؤية والتخطيط والاكتفاء بردود الأفعال على ما يجري من أحداث؛

4 ـ سرعة الانجراف وراء الأخبار الكاذبة التي قد تلقى كطعم دون تحليلها والتأكد من مصداقيتها، وكذلك سرعة الانخراط في الحملات التدوينية السلبية.

كانت هذه مجرد محاولة لتشخيص واقع الشباب المهتم بالشأن العام، وقد ركزت على الأخطاء ونقاط الخلل، وذلك سعيا للفت انتباه المعنيين إليها، وربما تأتي ورقة أخرى في وقت آخر لتقديم بعض الأفكار والمقترحات في هذا المجال.

حفظ الله موريتانيا...  

الخميس، 4 مارس 2021

عن الحصانات السلبية في المجتمع!


عرفنا في هذه البلاد عدة أشكال من الحصانات السلبية المعيقة لبناء دولة القانون والمؤسسات، وتأتي على رأس تلك الحصانات السلبية الحصانة القبلية التي ازدهرت مع بداية المسلسل الديمقراطي. في بلادنا لا يمكن أن يُلقى القبض على مفسد معلوم الفساد، إلا وتحركت قبيلته ـ دون خجل ـ للتضامن والدفاع عنه.

في السنوات الأخيرة ظهر نمطٌ جديدٌ من الحصانة السلبية، ويتمثل هذا النمط في الحصانة الحقوقية وربما الشرائحية، فأصبحت بعض المنظمات الحقوقية وبعض الشرائح تقوم بنفس الدور السلبي الذي كانت تقوم به القبيلة.

هذا النمط الجديد من الحصانة السلبية المتمثل في الحصانة الشرائحية والحقوقية هو الذي يمكننا من أن نفسر سكوت القضاة عن إساءات النائب بيرام ولد الداه ولد اعبيد المتكررة للقضاء، وسرعتهم في الإعلان عن تحريك دعوى ضد النائب عبد السلام ولد حرمه. فلماذا تجاهل قضاؤنا الموقر خلال كل السنوات الماضية إساءات صريحة ومتكررة من النائب بيرام، وذلك في الوقت الذي يُسارع فيه اليوم للتصدي لما قيل إنه إساءة من النائب عبد السلام؟  

لا تتوقف الحصانات السلبية في المجتمع عند هذا الحد، بل إنها تشمل نمطا آخر من الحصانات أكثر خطورة،  توفره النقابات العمالية والمهنية والطلابية.

اليوم يمكن لأي مدون أو صحفي أن يسيء على من يشاء، وأن ينتهك عرضه، وأن يتهمه في فضاء عام بتهم لا يملك عليها أدلة، وعندما يقرر الضحية المظلوم أن يلجأ إلى العدالة لأخذ حقه، تطلق صفارات الإنذار في هذا الفضاء الأزرق، وتتحرك نقابات وروابط واتحادات الصحفيين، فتنطلق حملات التضامن الواسعة، لدرجة قد يُخَيَّل فيها للضحية المسكين أنه هو الظالم وليس هو المظلوم!

في مرات عديدة شاهدنا مدونين و صحفيين ارتكبوا ظلما في حق مواطنين أو في حق الدولة، ومع ذلك فقد خرجوا من تلك الأحداث والمعارك برؤوس مرفوعة، بينما خرج الضحايا برؤوس منكسة! 

ما يُقال عن الصحفيين والمدونين يمكن أن يُقال عن الطبيب إذا ارتكب خطأ، وعن الأستاذ والمعلم والطالب وغيرهم من المنخرطين في اتحادات أو نقابات مهنية تدافع عنهم.

المؤسف في الأمر أن النقابات المهنية لم تعد تهتم إلا بمصالحها الضيقة كنقابات، ولا تهمها المصلحة العامة أو المصلحة العليا للبلد، ولذا فهي لا تدافع إلا عن مصالحها الضيقة، أو عن مصالح أعضائها، ودون أي مراعاة للمصلحة العامة. فنقابة الصحفيين تعودت على أن تدافع عن الصحفي ظالما أو مظلوما، ونقابة الأطباء تدافع عن الطبيب ظالما أو مظلوما، ونقابة الأساتذة تدافع عن الأستاذ ظالما أو مظلوما، ونادي القضاة يدافع عن القاضي ظالما أو مظلوما، وهكذا ...

إنه يمكننا أن نكرر بالغدو والآصال أن موريتانيا تعاني من الفساد والتخلف، ولن يعترض أي أحد على ذلك، ما دمنا قد استثنينا ذكر الأشخاص الذين يتحملون بطبيعة الحال جزءا كبيرا من ذلك الفساد، وذلك لانخراطهم في أحزاب ونقابات واتحادات توفر لهم الحصانة.

يمكننا أن نقول إن العدالة فاسدة، ولكن بشرط أن نستثني القضاة من ذلك الفساد؛

يمكننا أن نقول إن الصحافة فاسدة، ولكن بشرط أن نستثني الصحفيين من ذلك الفساد؛

يمكننا أن نقول إن التعليم فاسد، ولكن بشرط أن نستثني الأساتذة والمعلمين من ذلك الفساد؛

يمكننا أن نقول إن الصحة فاسدة، ولكن بشرط أن نستثني الأطباء والممرضين من ذلك الفساد...وهكذا.

بهذا المنطق الغريب يمكننا أن نتوصل إلى استنتاج أغرب مفاده أن بلادنا تعاني من فساد كبير، ولكن لا يوجد بها مفسدون!

   

حفظ الله موريتانيا...