السبت، 19 مايو 2018

وصفة طبية لحكومة مريضة!


لا يمكن تفسير بعض القرارات التي تصدرها حكومة "ولد حدمين"، وبأوامر سامية من الرئيس"ولد عبد العزيز"، لا يمكن تفسير تلك القرارات تفسيرا منطقيا، إلا إذا جعلناها في خانة الأعراض المرضية التي تقول بمرض هذه الحكومة وبعجزها، وبمرض النظام وبعجزه، وبدخولهما في مرحلة متقدمة جدا من المرض والعجز . ومن القرارات التي تدخل في خانة الأعراض المرضية يمكن أن نتحدث عن التعميم الأخير الذي أصدره وزير الصحة في يوم 18 مايو 2018،  والذي طلب من خلاله من المديرين الجهويين للصحة ومن مديري المستشفيات العمومية تحديد أسماء الأطباء
المضربين تمهيدا لقطع رواتبهم، وربما تكون تلك الخطوة هي مجرد خطوة ممهدة لفصلهم النهائي من الوظيفة العمومية، واستبدالهم بأطباء يتم استجلابهم من الخارج، وخصوصا من الشقيقة تونس. وفي هذا الإطار فقد نشر موقع "صحراء ميديا" وثيقة رسمية لم يُظهر تاريخها، تُعَبِّر من خلالها الحكومة الموريتانية عن رغبتها في اكتتاب 14 طبيبا تونسيا وبراتب يقدر ب 3000 أورو للطبيب الواحد، أي بزيادة مليون أوقية قديمة عن راتب الطبيب الموريتاني، أو بما يضاعف 6 مرات ذلك الراتب .
إن تعامل حكومة "ولد حدمين" مع إضراب الأطباء، وتعاملها من قبل ذلك مع المنمين، لا يمكن تفسيره تفسيرا منطقيا، إلا إذا افترضنا بأنه  قد جاء نتيجة لحالة مرضية، ولمس من جنون أصيبت به هذه الحكومة.  فهل يعقل أن تترك حكومة تتمتع بقواها العقلية مرضى شعبها يعانون في المستشفيات والمراكز الصحية دون أطباء ولأكثر من أسبوعين؟ وهل يعقل أن ترفض حكومة راشدة أن تتحاور مع أطباء مضربين وأن تستجيب لمطالبهم التي هي في مجملها مطالب وجيهة، سواء  ما تعلق منها بالمريض كالمطالبة بمجانية الحالات المستعجلة وتعميم التأمين الصحي، أو ما تعلق منها بالدواء والتجهيزات الطبية كالمطالبة بتأمين الأدوية وتوحيد سعرها والسهر على جودتها وإشراك الأطباء الممارسين في اقتناء الأجهزة الطبية، أو ما تعلق منها بالأطباء والكوادر البشرية كمراجعة الرواتب والتكوين المستمر. كل هذه المطالب هي مطالب مشروعة وضرورية من أجل التحسين من واقع الصحة، ولذلك فإن عدم قبول الوزارة بمناقشة هذه المطالب بشكل جدي مع الأطباء المضربين وترك المرضى يعانون يشكل حماقة ما بعدها حماقة.
قد يقول قائل بأن من بين الأطباء من يرتكب أخطاء جسيمة، وبأن من بينهم من يترك عمله في المستشفيات العمومية ويتفرغ لعمله في العيادات الخاصة. هذا قول صحيح، ولكن من يتحمل مسؤولية ذلك، هل يتحملها الطبيب المضرب الذي يطالب بزيادة راتبه ليصل إلى الحد الأدنى الذي يمكنه من مزاولة عمله في ظروف يحصل عليها السكوت، أم تتحمله السلطة التي لا تعاقب أولئك الأطباء الذين يتركون عملهم في المستشفيات العمومية من أجل التفرغ لأعمالهم في العيادات الخاصة؟
إن السلطة هي التي تتحمل مسؤولية ذلك، وهي التي كان يجب عليها أن تعاقب الطبيب عندما يقصر في عمله، ولو أنها فعلت ذلك، لوقفنا جميعا في صفها. أما أن تصر الحكومة على وضع الطبيب في ظروف مزرية، وأن لا تقبل هذه الحكومة بتوفير قفازات أو إبر بشكل مجاني لمريض في الحالات المستعجلة، وأن لا تقبل بوضع ضوابط تمكن من رقابة فعالة على الدواء من حيث الجودة والسعر، فإنها في هذه الحالة تكون هي من يتحمل المسؤولية الكاملة في كل ما سيترتب على إضراب الأطباء من معاناة لمرضى كانوا يعانون من قبل الإضراب، ولا شك أن معاناتهم ستزداد بعد الإضراب.
إننا أمام حكومة مريضة وفاشلة، ومن قبل تقديم وصفة طبية لهذه الحكومة الفاشلة، فلا بأس  من التوقف مع جملة من المفارقات اللافتة ذات الصلة بإضراب الأطباء:
المفارقة الأولى:
أن أبرز الإضرابات التي نظمها الأطباء قد جاءت في عهد كان الكل يتوقع فيه أن يتحسن حال الأطباء، وذلك بعد أن تم تعيين أطباء شهيرين على  رأس الوزارة ، ولعلكم تتذكرون ما حدث من إضرابات في عهد الوزير الأسبق الدكتور الشيخ ولد حرمه ولد ببانا. أما ما يحدث الآن في عهد  الوزير البروفسور كان بوببكر فلستُ بحاجة لأن أذكركم به. هذه المفارقة لا تتوقف عند وزارة الصحة، فعلى سبيل المثال، فإن أكبر معاناة تعرض لها طلاب التعليم العالي في موريتانيا، وخاصة في الشق المتعلق بالمنح، كانت في عهد أستاذ جامعي حصل على شهاداته من خلال منحة كان قد حصل عليها كطالب، وأقصد هنا وزير التعليم العالي الحالي.
المفارقة الثانية :
 أن التعميم الذي أصدره وزير الصحة قد اعتمد فيه على قانون لم يعد موجودا، وهو الشيء الذي بينه المحامي "محمد المامي ولد مولاي اعل" في تدوينة له قال فيها بأن التعميم الذي أصدره وزير الصحة "أسس على القانون رقم: 207/71 الصادر بتاريخ: 05 أغسطس 1971 المتعلق بممارسة حق الإضراب بالنسبة للموظفين". وهذا القانون "قديم ولم يعد موجودا، فقد حل محله القانون رقم: 09/2015 الصادر بتاريخ: 27 يناير 2015 المحدد لبعض إجراءات حق ممارسة الإضراب في المرافق العمومية".
وأكد المحامي في تدوينته بأن المادة 13 من هذا القانون نصت على إلغاء أحكام القانون الأول.
يمكن أن نضيف إلى كل ذلك ما كان قد تحدث عنه نفس المحامي في وقت سابق من حيث "أن جميع القرارات الإدارية الصادرة في موريتانيا باللغة الفرنسية هي قرارات معرضة - قانونا - للإلغاء، وذلك لأسباب عديدة تجدونها مبسوطة في مقال كنتُ قد نشرته في وقت سابق تحت عنوان " نعم لحملة شعبية من أجل تفعيل المادة 6".
المفارقة الثالثة :
أن هذا التعميم الذي يهدد الأطباء بالفصل قد جاء في فترة حذرت فيها منظمة الصحة العالمية من انتشار فيروس "الايبولا" في المنطقة، فبدلا من أخذ هذا التحذير بشكل جدي قررت حكومتنا الفاشلة أن تصعد مع الأطباء المضربين.
المفارقة الرابعة:
 من المعلوم بأن الصحة متردية في هذه البلاد، ولاشك أن حالها قد ازداد سوءا مع إضراب الأطباء، والمفارقة هنا هي أن إصدار هذا التعميم قد تزامن مع مداخلة ل"نائبة" أشادت من خلال مداخلتها بواقع الصحة في موريتانيا. الطريف في الأمر أن النائبة كانت قد عادت للتو من رحلة استشفائية من دولة مجاورة. هذه الحالة تذكر بحالة أخرى، كان بطلها أحد مستقبلي الرئيس في مدينة "أركيز" خلال زيارته لها في العام الماضي..صاحبنا هذا أشاد في مداخلته أمام الرئيس بالتطور الحاصل في الصحة والتعليم، ولكنه  بعد تلك المداخلة قرر أن يسافر إلى السنغال لإجراء فحوصات طبية، وقد استقبله في السنغال أحد أفراد عائلته يدرس هناك. فلماذا لم تقبل النائبة المحترمة بأن تتعالج في مستشفيات بلدها المتطورة؟ ولماذا لم يقبل صاحب المداخلة أن يجري فحوصا طبية في مستشفيات بلده التي قال بأنها شهدت تطورا كبيرا، ولماذا لم يقبل بأن يدرس أبناءه في جامعات بلده التي شهدت هي أيضا ـ وحسب نفس المداخلة ـ  تطورا كبيرا.
إنه من اللافت، وهذا له علاقة وطيدة بمفارقتنا هذه، أن أطر موريتانيا ورجال أعمالها وساستها ووجهائها الذين يشيدون دائما بالتطور الحاصل في الصحة لا يموتون إلا في مستشفيات أجنبية. إنه لا يموت منهم في موريتانيا إلا من باغته الموت في أحد المستشفيات الوطنية، وذلك من قبل أن يكمل إجراءات سفره إلى  الخارج.
لو كان لي من الأمر شيئا لألزمت كل الموظفين الكبار بوزارة الصحة وبالمستشفيات العمومية، وكل من يشيد بالتطور الحاصل في وزارة الصحة، لألزمته بالعلاج هو وكل أقاربه من الدرجة الأولى في مستشفياتنا العمومية..إما أن يموتوا هنا أو يتوقفوا فورا عن الحديث عن تطور الصحة في موريتانيا. نفس الشيء يمكن أن نعمله مع كبار موظفي وزارة التعليم، ومع كل أولئك الذين تعودوا أن يشيدوا بتطور التعليم، فمثل هؤلاء يجب أن يلزموا بتدريس أبنائهم في المدارس العمومية.
هذه هي الوصفة التي أقدمها لحكومتنا الفاشلة، فلو أن وزير الصحة أُجبر على العلاج هو وأقاربه من الدرجة الأولى في مستشفياتنا العمومية لما أصدر مثل ذلك التعميم، ولاستجاب لمطالب الأطباء الوجيهة، ولكن الوزير مثله مثل كبار الموظفين وكل الميسورين في هذه البلاد ليسوا معنيين بوضعية المستشفيات الوطنية التي لا يتعالجون فيها، حتى من أمراض عادية.  
اللهم إنك تعلم حال المرضى الفقراء في مستشفياتنا وتعلم حال المنمين في عام القحط هذا.. اللهم اشف المرضى واغث المنمين، ولا تتركهم لحكومة لا تكترث لحالهم حتى في هذا الشهر الكريم.  
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق