الأربعاء، 1 يوليو 2026

عشر سنوات بلا مقر ( الحلقة الثانية: حملات معا)


في ضحى يوم الأحد الموافق 7 أغسطس 2016، ومن حفرة بالغة الخطورة تقع على الكلم 29 من طريق الأمل، أطلق ثمانية أشخاص أول نشاط ميداني لحملة معا للحد من حوادث السير، وتمثل هذا النشاط في ردم وترميم تلك الحفرة. 

هكذا ظهرت حملة معا للحد من حوادث السير في أول إطلالة ميدانية لها، وقبل ذلك بأيام،  قرر ستة أشخاص، يمكن وصفهم بالأعضاء المؤسسين، أن يطلقوا أنشطة للحد من حوادث السير، وذلك بعد أن سُجِّل في تلك الفترة عدد من الحوادث الأليمة، كانت من بينها حوادث راحت ضحيتها أسر كاملة.

مرَّت عشر سنوات تقريبا على الانطلاقة، والتحق بالحملة عدد كبير  من النشطاء، غالبيتهم شباب، فتباينت مساهمات المنخرطين بين من يشارك في نشاط أو نشاطين، ومن يُشارك في موسم أو موسمين ثم  تشغله مشاكل الحياة. ومن بين كل الذين مروا بالحملة صمدت ثلة من الشباب، يمكن أن نصفها بفريق العمل الميداني للحملة. ومن أبرز ما يميز هذا الفريق أنه على استعداد تام للنزول إلى الميدان في أي وقت، والعمل في ظروف بالغة الصعوبة، حيث لا يوجد مقر، ولا موارد، ولا شركاء داعمين، ورغم ذلك فقد استطاع هؤلاء الشباب أن يتركوا أثرا طيبا، خلال عقد من الزمن قضته الحملة بلا مقر.

من التصور إلى الميدان

عزيزي القارئ والمتابع لأنشطة حملة معا للحد من حوادث السير، إن كل ما تريد أن تعرفه عن رؤية الحملة، ورسالتها، وفلسفتها في العمل، ستجده في تسميتها وأنشطتها الميدانية، ويكفي هنا أن نجيب على سؤال واحد لتعرف كل شيء عن الحملة.

لماذا "حملة" ولماذا "معا"؟

يندر في بلادنا إطلاق اسم "حملة" على الأنشطة غير السياسية ذات الطبيعة الانتخابية، ولذلك، ورغم مرور عشر سنوات تقريبا على اختيارنا لهذه التسمية، فما زال الإعلام يرفض تسميتنا بالحملة، فهناك من يطلق علينا جمعية أو منظمة معا للحد من حوادث السير، وهناك من يطلق علينا مبادرة معا للحد من حوادث السير. لقد اخترنا تسمية هذا المشروع التوعوي الطموح بالحملة ليبقى مفتوحا في كل الأوقات أمام الجميع، فالحملات ليست حكرا لأصحابها، ويمكن لكل مهتم أن يشارك فيها بما يشاء وكيفما شاء، هذا أولا. أما ثانيا فإن لكل حملة مواسم، تكثف فيها الأنشطة، ومواسم حملتنا معروفة، فهي المواسم التي تكثر فيها الحوادث: فصل الخريف، أيام الأعياد، فترات الانتخابات والمهرجانات.

وبخصوص كلمة "معا"، فإن الرسالة أوضح وأفصح، وقد اخترنا كلمة "معا" لسببين اثنين:

الأول: إن المسؤولية فيما يقع على شبكتنا الطرقية من مجازر يومية، لا تتحمله جهة واحدة. صحيح أن السلطة تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية، لكن الصحيح أيضا أن السائق، والراكب، والمشاة، والمسجد، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، والمجتمع بكامله، يتحملون هم كذلك جزءا من المسؤولية. لقد أردنا أن تكون كلمة "معا" إقرارا بالمسؤولية المشتركة، قبل أن تكون دعوةً للعمل المشترك، ولذا فقد رفعنا في أحد مواسمنا التوعوية شعار "حوادث السير: الكل متضرر.. الكل مسؤول". لقد رفضنا رفع شعارات جذابة ومريحة لنا من قبيل "أوقفوا حوادث السير" أو "أوقفوا مجازر الطرق"، لأن من يطلق تلك الشعارات يحمل المسؤولية لجهة واحدة، ويوهم نفسه أنه بريء مما يحدث ، وأنه بالتالي غير معني بالمشاركة والمساهمة في الحل.

الثاني: أننا كنا نستحضر عند الانطلاقة بصفتنا أعضاء مؤسسين، منظومة متكاملة من المبادرات التوعوية. كان التصور لدينا في ذلك الوقت أننا سنطلق في كل عام حملة توعوية جديدة للمساهمة في حل واحدة من "كبريات المشاكل" التي تعاني منها بلادنا. وعلى هذا الأساس فقد خصصنا العام 2016 للتوعية ضد حوادث السير، فأطلقنا حملة "معا للحد من حوادث السير"، وكنا نخطط لأن نخصص العام 2017 للتوعية ضد الجريمة مثلا، فنطلق حملة "معا للحد من الجريمة"، وفي العام 2018 نشتغل على التوعية ضد المخدرات، فنطلق حملة "معا ضد المخدرات"، وفي العام 2019 نطلق حملة ضد الأغذية الفاسدة والأدوية المزورة، فنطلق حملة "معا لحماية المستهلك"، وهكذا...

لقد اكتشفنا مبكرا أن ملف حوادث السير أخطر وأكثر تعقيدا من أن تكفيه سنة واحدة، ولا حتى عقد واحد، فالتوعية ضد حوادث السير، تحتاج إلى عمل متواصل، ونفس طويل، وجهد يتراكم لسنوات وربما لعقود، ولذا فقد استمرت حملتنا للحد من حوادث السير لعشر سنوات دون إطلاق حملة أخرى، وتمكنتُ أنا من بين كل الأعضاء المؤسسين من الصمود لعقد كامل مع الشباب في الميدان، ومع ذلك، فلا أخفيكم أني بدأتُ أفكر فعلا في تخفيف حضوري في الحملة بعد موسمها العاشر، وسأكتفي في العقد القادم، إن كتب الله لي الحياة، وإن راى الشباب ذلك، أن ألعب دورا استشاريا أو إشرافيا عن بعد، فمأموريتين من خمس سنوات لكل مأمورية تكفيان، وأنا سأكمل مأموريتي الثانية كمنسق للحملة في السابع من أغسطس القادم.

لقد أصبح للحملة شبابها الرائع، وربما يكون أداؤه أفضل من أدائنا نحن الجيل المؤسس، ثم إننا في الحملة نشتغل حاليا على إطلاق منظومة رقمية متكاملة في السلامة الطرقية، تماشيا مع عصر الرقمنة، إن وجدنا دعما لذلك، وجيل الحملة من الشباب المتطوعين سيكون أكثر قدرة على تطويع الرقمنة في مجال السلامة الطرقية من مؤسسيها الكهول.

لن أترك الحملة بشكل كامل، ولكن لدي العديد من المجالات الأخرى التي أتطوع فيها، والتي تستحق اهتماما أكبر، وفي خطتي الشخصية للسنوات القادمة، سيكون تركيزي بإذن الله، على ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيزها أكثر من أي مجال آخر، وذلك نظرا للحاجة الكبيرة لتأسيس دولة المواطنة.

تشتيت الجهود أم محاولة لسد الثغور؟

ينتقدني البعض بسبب انشغالي بعدة مجالات في وقت واحد، ويرى أولئك المنتقدين أن في ذلك تشتيتا للجهد والوقت. بكل تأكيد إن التركيز على ملف واحد سيكون هو الأنجع والأعمق أثراً. ويمكنني أن أزيد منتقدي ببيت من الشعر، فأنا من الذين ينصحون الشباب في الدورات التدريبية بضرورة التخصص في مجال واحد، حتى يراكموا فيه خبرة، ويتميزوا فيه. وأنصحهم دائما بعدم تشتيت الجهد والوقت والتركيز. إن المشكلة التي تجعلني لا أتقيد بما أنصح به الآخرين من عدم تشتيت الجهد، هي أني أعاني من "حالة مرضية" يبدو أنها سترافقني طويلا، مع أنها ترهقني كثيرا، تجعلني لا أستطيع أن أبقى متفرجا على خلل ما، لا يجد من يهتم بتصحيحه أو إصلاحه. لم يكن بإمكاننا كأعضاء مؤسسين أن نواصل التفرج على مجازر الطرق اليومية دون أن نتحرك توعويا على الأقل، وضمن دائرة المتاح التي تحدثنا عنها في الحلقة الأولى من هذه السلسلة.

إن هذا التشتت ليس ناتجا عن عدم الاقتناع بأهمية التخصص، وإنما هو محاولة لسد بعض الثغرات أو الثغور إذا شئتم، والتي لا تجد من يهتم بها، سدها بالحد الأدنى مما يُتاح لي القيام به.

إني اشتغل منذ سنوات في عدة مجالات:

1. التنمية البشرية: عبر "برنامج خطوة التدريبي" لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية.

2. محاربة الفساد:  من خلال "الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد".

3. التمكين للغة العربية:  تحت عنوان"الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية".

4. تعزيز قيم المواطنة: ضمن بنود "ميثاق المواطنة"، وهذا الملف الأخير أي تعزيز قيم المواطنة هو الذي سيرتكز عليه جهدي الأكبر في خطتي الخمسية الحالية.

إني من الذين يرون أن للاهتمام بالشأن العام ثلاثة مستويات تتفاوت كثيرا من حيث الأهمية والجدوى.

المستوى الأول: وهو الأهم والأصعب، أن تنزل إلى الميدان، وتبذل وقتك وجهدك ومالك لإصلاح خلل قائم بما تملك من وسائل، مهما كانت تلك الوسائل بسيطة.

المستوى الثاني: أن تنتج الأفكار، وتقدم المقترحات والحلول لمن يمتلك القرار والقدرة على القيام بالإصلاح.

المستوى الثالث: في حالة عدم التمكن من الاشتغال في المستوى الأول والثاني يتم الاكتفاء بنقد الواقع، والكتابة 

 والحديث عنه في وسائل الإعلام والفضاءات العامة. وهذا هو أضعف مستويات التدخل، وأقلها أثرا.

ختاما

نذكر بأن موسمنا التوعوي العاشر سيبدأ يوم السابع من أغسطس 2026، ونخطط إن وجدنا شراكات لتثبيت المزيد من المجسمات التوعوية على أهم المحاور الطرقية خلال هذا الموسم، وإطلاق منظومة رقمية متكاملة في السلامة الطرقية، وتنظيم نسخة جديدة من قافلة معا من أجل خريف آمن، هذا فضلا عن عقد ندوات ونقاشات حول نداء جوك للسلامة الطرقية والذي نعتبره يشكل خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا إن تم العمل به.

حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق