في منتصف العام 2025 شاركتُ في المؤتمر الدولي المنظم في إسطنبول، حول مستقبل التعليم والتدريب في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وخلال النقاشات، طرحت ُسؤالا على الخبراء المشاركين في المؤتمر، ويدخل هذا السؤال في صميم دورة أعددتها مند سنوات، وقدمتها عشرات المرات في أماكن مختلفة، تتعلق بالموهبة واستغلالها.
يقول السؤال: ما قيمة الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
فتحتُ النقاش في هذا الموضوع، لأني أعلم أن هناك سؤالا صعبا سيُطرح عليَّ مستقبلا خلال تقديمي لتلك الدورة، فمن حقّ الموهوب أن يسأل: ما الفائدة في أن أتعب نفسي في اكتشاف وصقل موهبتي، في زمن يتيح فيه الذكاء الاصطناعي لشخص عادي غير موهوب أن يأتي بأحسن مني في مجال موهبتي؟
وتفاديا لهذا السؤال، وفي محاولة للإجابة عليه قبل أن يُطرح، قمتُ بتعديل محتوى الدورة، وأضفت إليها شرائح جديدة تتحدث عن أهمية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال النقاط التالية:
1ـ الذكاء الاصطناعي يُنتج لكنه لا يبدع، يعطيك النتيجة لكنه لا يبني لديك القدرة، يحاكي لكنه لا يكتشف، ولذا فمن لا يمتلك موهبة سيبقى مستهلكا لأدوات الذكاء الاصطناعي، بينما الموهوب هو من يقود الذكاء الاصطناعي ويوجهه ويحسن سؤاله.
2 ـ الموهبة المصقولة تكتشف الخطأ، وتُعَدِّل الاتجاه، وتكسر القالب، وترى ما لا تراه الخوارزميات.
3 ـ اكتشاف الموهبة والتدريب عليها ليس فقط لإنتاج عمل إبداعي، بل لتأهيل إنسان قادر على العمل الإبداعي.
دعونا نطرح الأسئلة التالية:
من سيقرر ماذا سيُطلب من الذكاء الاصطناعي؟
من سيحكم على جودة ما يقدمه الذكاء الاصطناعي؟
من سيحول النتائج إلى حل واقعي يُناسب سياقا بشريا معقدا؟
4 ـ إن الموهوب الذي لم يتدرب بشكل جيد لن يعرف متى يكون إنتاج الذكاء الاصطناعي ضعيفا أو مضللا أو غير مناسب.
5 ـ الذكاء الاصطناعي لا ينافس الموهوبين، بل يقصي المتوسطين ويطرد الكسالى.
6 ـ الذكاء الاصطناعي يجعل غير الموهوب يبدو موهوبا مؤقتا، لكنه يجعل الموهوب الحقيقي قمة في الإبداع، فالموهوب الحقيقي يضيف للآلة ما ينقصها، يضيف لها رؤية، ويضع لها اتجاها، ويخلق بها ما لم يكن موجودا أصلا في بياناتها.
7 ـ إذا لم تتعب في صقل موهبتك، فلن ينافسك الذكاء الاصطناعي، بل سيستغني عنك. أما إذا تعبت في صقل تلك موهبتك، فإنه سيعمل عندك، لا بدلا منك.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بدلا من السؤال العنوان، هو السؤال الذي يقول: هل تريد أن تكون مستخدما لأداة، أم صاحب موهبة تقود تلك الأداة؟
لم تتوقف الإضافات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في دورة الموهبة عند هذا الحد، بل إني أضفته إلى أهم العوامل التي تُساعد في اكتشاف وتنمية المواهب، كما أضفته أيضا إلى "عصابة الأشرار" التي تقتل المواهب في وقت مبكر، بل إني جعلته زعيم تلك العصابة، فمن المعروف أن هناك عوامل تساعد في ظهور الموهبة وتنميتها منها الجينات التي وُلد بها الموهوب، والأسرة التي تربى فيها، والمدرسة التي درس فيها، والبيئة المجتمعية والثقافية التي نشأ فيها. ولكن هذه العوامل قد تتحول إلى عصابة من الأشرار لقتل المواهب في وقت مبكر، فالأسرة والمدرسة والبيئة الثقافية والمجتمعية كثيرا ما تقوم بوأد المواهب في وقت مبكر.
إن هذه العوامل التي تساعد في كشف وتنمية المواهب، والتي قد تلعب في الوقت نفسه دورا سلبيا لوأد تلك المواهب، أصبح من اللازم أن نضيف لها اليوم الذكاء الصناعي، فهو قد يُساعد الموهوب في إبراز موهبته وتنميتها، أكثر من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وذلك لما يفتح من فرص هائلة لتنمية وتطوير المواهب والتحسين من انتاج الموهوبين بشكل لم يكن بالإمكان تخيله. ولكنه في المقابل، يمتلك قدرة تدميرية للمواهب لا تقاس بالقدرة التدميرية لكل العوامل الأخرى مجتمعة، ولذا فهو يستحق أن يوصف بزعيم عصابة الأشرار التي تقتل المواهب، إذا ما أعطيت له الفرصة لقتل تلك المواهب، أي عندما يكتفي الموهوب بالحلول الجاهزة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، ويبتعد بالتالي عن الجد والمثابرة والتدريب، ويتوقف عن تكرار المحاولة بعد الأخرى للحصول على نتائج أفضل.
ختاما
الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي ستبقى مهمة، وستبقى من أسباب التميُّز، فالذكاء الاصطناعي حتى وإن كان يفتح أبوابا واسعة أمام الجميع، إلا أنه لن يحل محل الإنسان الموهوب والمبدع الذي يمتلك رؤية وقدرة على إضافة لمسة إبداع على النتائج التي أصبحت متاحة للجميع.
إن الموهوب الحقيقي هو من سيجعل الذكاء الاصطناعي أداة بين يديه، لا خصما أو منافسا له.
----
الصورة على هامش المؤتمر مع الدكتور يانيس كولاجراكيس وقد أهديته نسخة من كتابي "أيها المواطنون الصالحون أنتم المشكلة".
يانيس هو رئيس الاتحاد العالمي للمدربين المحترفين، وأنا عضو في هذا الاتحاد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق