الاثنين، 11 يوليو 2022

الفساد ليس خصما ضعيفا.. فلنحاربه معاً!(1)


من المسلمات التي هي محل اتفاق الجميع أنه لا تنمية مع الفساد، ولا إصلاح مع الفساد، ولا تغيير نحو الأفضل مع الفساد، وأنه لن يكتب النجاح لأي خطة إصلاح، ومهما كانت جودتها، إذا لم تسبقها ـ أو تصاحبها على الأقل ـ حرب جدية تخوضها الحكومة ضد الفساد، وانتفاضة شعبية واسعة يطلقها المجتمع ضد الفساد. أنبه هنا إلى أن التفريق بين الحرب والانتفاضة في مواجهة الفساد هو تفريق مقصود، وهو من أجل التمييز بين دور الحكومة ودور المجتمع في مواجهة الفساد، وهو كذلك من أجل تبيان أهمية التكامل بين الدورين، فبدون التكامل بينهما، فسيبقى الفساد يتسع ويتمدد، وهو ما سيمكنه في نهاية المطاف من وأد أي خطة إصلاح عند ميلادها، بل وحتى من قبل من ميلادها.

إن الفساد يعدُّ خصما شرسا لأي خطة إصلاح أو أي مسعى تنموي، وهو عندما يتفشى في بلد ما بشكل واسع، فإنه في هذه الحالة يصبح لا يختلف عن المستعمر أو المحتل، ولذا فالخلاص منه يحتاج إلى حرب تحرير واسعة يشارك فيها الجميع، وحرب التحرير هذه هي حربٌ مصيرية، فإما أن ننتصر على الفساد حكومة وشعبا، فننعم بثمار ذلك النصر، وإما أن نستسلم له، ونرفع الراية البيضاء، وحينها سيصبح مستقبل البلاد مفتوحا على كل السيناريوهات والاحتمالات الأكثر سوءا.

إن الانتصار على الفساد لن يتحقق بدون حرب تحرير واسعة تخاض ضده، وتتمثل حرب التحرير هذه في : حرب جدية تطلقها الحكومة، وانتفاضة شعبية واسعة تطلقها القوى الحية في المجتمع. ومن هنا وجب التوقف قليلا مع الحرب على الفساد والانتفاضة ضد الفساد.

أولا / الحرب على الفساد

إن الحكومة هي وحدها القادرة على خوض  حرب على الفساد، ذلك أن الحرب على الفساد كأي حرب أخرى تحتاج إلى أسلحة، والأسلحة لا تملكها إلا الحكومات، وهي وحدها القادرة على استخدام تلك الأسلحة، وهذه هي أهم ثلاثة أسلحة يُمكن للحكومات أن تحارب بها الفساد:

السلاح الأول / الإرادة السياسية: أي أن تكون هناك إرادة سياسية قوية وصارمة لدى رئيس الجمهورية وحكومته لمحاربة الفساد؛

السلاح الثاني / الأجهزة الرقابية والقضائية: أي أن تكون هناك أجهزة رقابية تعمل بشكل فعال (الرقابة البرلمانية؛ محكمة الحسابات؛ المفتشية العامة للدولة؛ المفتشية العامة للمالية ..إلخ)، هذا فضلا عن وجود جهاز قضائي فعال؛

السلاح الثالث / مبدأ المكافأة والعقوبة: لابد من الأخذ بهذا المبدأ في أي حرب على الفساد، وذلك حتى ينال الموظف المفسد ما يستحق من عقوبات إدارية وقضائية، وينال الموظف النزيه ما يستحق من ترقية وتكريم.

ثانيا / الانتفاضة الشعبية ضد الفساد

على المستوى الشعبي في مواجهة الفساد، فإنه يمكننا أن نتحدث عن مقاومة شعبية أو انتفاضة شعبية، والانتفاضة الشعبية ضد الفساد كأي انتفاضة أخرى لا تحتاج إلى أسلحة محددة، فكل شيء يمكن أن يستخدم كسلاح في هذه الانتفاضة، فحتى نظرة الازدراء وإظهار عدم التقدير لكل مفسد معلوم الفساد يمكن استخدامها كسلاح قوي في الانتفاضة الشعبية ضد الفساد، فهذا السلاح البسيط لا أحد يستخدمه رغم أن استخدامه متاح للجميع، بل على العكس من ذلك فنظرة الازدراء والاحتقار لم يعد مجتمعنا ينظر بها إلا للموظف النزيه والمستقيم، والذي تمنعه استقامته من أن يجمع أموالا طائلة من سرقة المال العام، وإنفاق فتاتها كرشوة للمجتمع لينال بالتالي نظرات التقدير والإعجاب من مجتمع جشع أصبح يشكل حاضنة قوية للفساد، وأصبح لا يقدر ولا يحترم إلا المفسد الوقح الذي يسرق المال العام في وضح النهار، والذي تصل به وقاحته إلى أن يتباهى بمسروقاته نهارا جهارا من خلال تشييد العمارات واقتناء السيارات الفاخرات، مع العلم أنه لو جمع كل راتبه لثلاثة عقود كاملة لما تمكن من تشييد منزل واحد في إحدى المقاطعات الراقية في ولاية نواكشوط الغربية.

إن من أهم الأسلحة التي يمكن أن نستخدمها في أي انتفاضة شعبية ضد الفساد هي أن نصحح هذا الانقلاب القائم في قيمنا المجتمعية، وعندما نصحح ذلك الانقلاب القيمي، ونعيد بالتالي المجتمع إلى فطرته السليمة، فإننا بذلك نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في حربنا المصيرية ضد الفساد والمفسدين.

إن الانتفاضة الشعبية ضد الفساد، وكما قلنا سابقا ليست لها أسلحة محددة، وكل شيء يمكن أن يستخدم فيها كسلاح، وعموما فهناك مجالات للتحرك الشعبي ضد الفساد يجب أن يركز عليها أي حراك شعبي يخطط  ـ وبشكل جاد ـ  لأن ينتفض ضد الفساد، ولعل من أهم تلك المجالات:

المجال الأول / التوعية : لقد أصبحنا نعيش في مجتمع متصالح مع الفساد بل وحاضن له، أي أننا نعيش في مجتمع لا يرحب بأي مواجهة حقيقية وجدية مع الفساد، هذه حقيقة لابد من الاعتراف بها، ولذا فإن أهم دور يمكن أن يلعبه أي حراك شعبي ضد الفساد هو العمل على تغيير نظرة المجتمع للفساد والمفسدين، ويحتاج ذلك إلى جهد توعوي واسع وطويل النفس يشارك فيه كل من يستطيع أن يؤثر في الرأي العام من علماء وساسة ونشطاء جمعويين وصحافة ومدونين...إلخ

والهدف من هذا الجهد التوعوي هو جعل المجتمع يغير نظرته إلى الرشوة وسرقة المال العام وكل أشكال الفساد، يغيرها من نظرة تشجع تلك الأفعال إلى نظرة تزدري تلك الأفعال وتذمها وتحتقر كل من يقوم بها. وهنا لابد من الإشارة  إلى أن الكثير من أفراد المجتمع قد يقفون عمليا ضد أي جهد توعوي ضد الفساد، وذلك على الرغم من أنهم هم المستفيد الأول من مواجهة الفساد، فالتغيير ـ أي تغيير ـ قد يجد في البداية مقاومة قوية من المستفيد منه، ومن هنا تبرز أهمية التوعية أكثر؛

المجال الثاني / خلق ذراع شعبي حيوي ونشط يقدم الدعم والمؤازرة الشعبية والإعلامية للحكومة عند فتحها لأي ملف فساد. فمن المعروف أنه عند فتح أي ملف فساد فإن الذي يجد الدعم الإعلامي والشعبي هو المفسد الذي تقف معه قبيلته، وكثير من أولئك الذين وصلهم بعض الفتات من أمواله الطائلة التي سرق، وتبقى الجهة الحكومية التي تقف وراء فتح ذلك الملف وحيدة دون أي دعم، بل كثيرا ما تصبح هي المتهم الأول بممارسة جريمة "تصفية الحسابات" ضد هذا المفسد أو ذاك، أو بممارسة "التمييز السلبي" في فتح هذا الملف دون ذاك.

ولعل من أهم الحجج التي يحاول البعض أن يشوش بها على أي ملف فساد يتم فتحه، هي انشغاله عند فتح أي ملف فساد بتعداد مظاهر الفساد في البلد، والقول بأنه لا أهمية لفتح ذلك الملف من قبل فتح كل ملفات الفساد الأخرى. إن من يُطالب بفتح ملفات الفساد دفعة واحدة إنما يُطالب بالمستحيل، وهو في حقيقة أمره لا يريد حربا على الفساد، فاشتراط فتح كل ملفات الفساد دفعة واحدة، في بلد تفشى فيه الفساد هو شرط تعجيزي، ومن يطرح شرطا كذلك، إنما يناصر الفساد والمفسدين، علم بذلك أو لم يعلم.

المجال الثالث / تبيان مظاهر الخلل أو النقص في العمل الحكومي، وكشف ما يمكن كشفه من ملفات فساد، مع العمل على تقديم ما يمكن تقديمه من مقترحات قد تساهم في الحد من الفساد.

المجال الرابع/  العمل على تنفيذ توصيات الإستراتيجية الوطنية لمحاربة الرشوة، والتي تمت المصادقة عليها في العام 2010، ويتم تحيينها الآن، ومن دون أن يتم تفعيل أي توصية من توصياتها الهامة.

إن العمل على تنفيذ توصيات هذه الإستراتيجية يعدُّ من أهم الأنشطة التي يمكن لأي حراك شعبي ضد الفساد أن يقوم بها، ويتأكد الأمر بالنسبة لتلك التوصيات التي تقع مسؤولية تنفيذها على المجتمع المدني.

بهذا نكون قد وضعنا تصورا أوليا لملامح الحملة الشعبية الكبرى لمحاربة الفساد، والتي نأمل أن تنطلق في هذه البلاد للحد من الفساد، وستكون هناك مقالات أخرى إن شاء الله تقدم تفاصيل أكثر عن ملامح هذه الحملة الشعبية التي نحتاجها كثيرا للحد من الفساد في بلادنا.

حفظ الله موريتانيا...

الجمعة، 8 يوليو 2022

حتى لا تتحول فرحة العيد إلى أحزان!


جرت العادة أن تزداد كثافة حركة السير في مواسم معينة، والأكيد أنها ستزداد خلال الأيام القادمة، وذلك نظرا لتزامن ثلاثة مواسم :

1 ـ اختتام السنة الدراسية وبدء العطلة الصيفية؛

2 ـ تهاطل الأمطار في بعض مناطق البلاد، وبدء الحديث عن موسم الخريف؛

3 ـ حلول عيد الأضحى المبارك.

في كل موسم من هذه المواسم تزداد كثافة حركة السير بين الولايات والمدن والقرى، وحتى داخل المدن، وتبقى مواسم الأعياد هي الأكثر خطورة، وذلك لسببين اثنين:

أولهما : أن عطلة العيد هي مجرد أيام قليلة (ثلاثة إلى أربعة أيام)، وضيق هذا الوقت مع إصرار الكثير من الموريتانيين على الذهاب إلى الأهل والعودة إلى مكان العمل خلال فترة وجيزة قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإفراط في السرعة، ومن المعروف أن الإفراط في السرعة يعدُّ هو السبب الأول في حوادث السير؛

ثانيهما : أنه في فترة الأعياد تزداد نسبة السيارات التي يقودها القصر والمراهقون بشكل كبير، وهذه السيارات التي يقودها قصر أو مراهقون قد تكون مؤجرة، وقد تكون مملوكة للأهل والأقارب.

يعني كل ذلك أن الأيام القادمة ستكون أياما حرجة على مستوى السلامة الطرقية نسأل الله السلامة الجميع، ولذا فهذه جملة من النصائح موجهة إلى عدة جهات، نرجو أن يتم الأخذ بها حماية للأنفس والممتلكات.

أولا / نصائح موجهة إلى السائق

1ـ خفف السرعة (السرعة هي السبب الأول في حوادث السير)؛

2 ـ  ضع حزام الأمان ( بعض السائقين يتحايل على نقاط التفتيش فيضع الحزام عند نقطة التفتيش وينزعه بعد تجاوزها..إنه بهذا الفعل الغريب يتحايل على نفسه لا على عناصر نقطة التفتيش، فعندما يقع حادث ـ لا قدر الله ـ فإن الذي سيتضرر من عدم وضع الحزام هو السائق لا عناصر نقطة التفتيش)؛

 احذر مفاجآت الطريق : الحفر ؛ ألسنة الرمال؛ الحيوانات السائبة ...إلخ

 لا تستخدم الهاتف أثناء القيادة، وتوقف فورا عن القيادة عند الشعور بالتعب أو النعاس، 5 ـ التزم بكل قوانين السير.

ثانيا / نصائح موجهة إلى الراكب

1 ـ لا تشغل السائق بالأحاديث الجانبية؛

2 ـ لا تطلب من السائق أن يزيد من السرعة، ولا من الحمولة، فكثيرا ما نلاحظ أن بعض الركاب بدلا من أن يطلب من السائق التقيد بإجراءات السلامة المرورية، فإنه يشغله بالأحاديث الجانبية، ويحثه ـ في الوقت نفسه ـ على زيادة السرعة، وزيادة الحمولة حتى لا يبقى شيئا من حقائب ذلك الراكب وأمتعته.

3 ـ  لا تترك السائق يخاطر بحياتك، وهناك قصص كثيرة تؤكد أهمية الوقوف ضد تهور السائقين، ومنها أن سيدتين طلبتا من سائق حافلة ركاب صغيرة ذات سفر على طريق الأمل  أن يخفف من السرعة، فرفض، فما كان منهما إلا أن قررتا ترك الحافلة والبحث عن وسيلة نقل أخرى.. واصل سائق الحافلة طريقه وبنفس السرعة، وعلى مسافة غير بعيدة تعرضت الحافلة لحادث سير تسبب في وفاة عدد من ركابها، وإصابة آخرين بإصابات متفاوتة الخطورة.

هذا الوعي، وهذا الأسلوب المتحضر أنقذ حياة السيدتين، وهو أسلوب نطلب من كل راكب أن يتبعه إذا لم يتقيد السائق بإجراءات السلامة المرورية.

ثالثا/  نصائح إلى الآباء وإلى مؤجري السيارات

بالنسبة للآباء فنصيحتنا لهم هي أن يتوقفوا فورا عن منح السيارات لأبنائهم الصغار، وخاصة في فترة الأعياد. أما بالنسبة لمؤجري السيارات للمراهقين فندعوهم إلى أن يتقوا الله في شبابنا، وأن يتوقفوا عن تأجير السيارات للقصر والمراهقين، فتأجيرهم للسيارات للمراهقين والقصر قد تسبب في إزهاق الكثير من الأرواح.  

رابعا/  نصائح إلى نقاط التفتيش من درك وشرطة وأمن طرق

إن الصرامة في فرض إجراءات السلامة مطلوبة في كل الأوقات، ولكنها مطلوبة أكثر في مثل هذه الأيام التي تتزامن فيها عطلة العيد مع اختتام السنة الدراسية وبدء موسم الخريف.

إن الصرامة مطلوبة بشدة في هذه الأيام في نقاط التفتيش، وداخل المدن خاصة في العاصمة نواكشوط. ففي هذه الأيام يجب أن تكون هناك صرامة شديدة لمنع القصر من قيادة السيارات، ووقف السباقات الليلة التي ينظمها بعض المراهقين، ووقف كل أشكال "اتكاسكادي".

خامسا/ نصائح  إلى مؤسسة أشغال صيانة الطرق

إن صيانة الطرق مطلوبة في كل الأوقات، والتقصير في هذا المجال واضح وبيِّن، ولكن هذا التقصير يجب أن يتوقف على الأقل خلال هذه الأيام التي تكثر فيها حركة السير على شبكتنا الطرقية. على مؤسسة أشغال صيانة الطرق أن تعلن عن حالة استنفار في كل الفترات والمواسم التي تزداد فيها حركة السير كثافة، كما هو الحال في أيامنا هذه.

وتبقى الوصية الأهم، وهي وصية موجهة إلى كل سالكي الطرق : لا تنسوا دعاء السفر، وأكثروا من الصدقة عند أي سفر.

   

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 3 يوليو 2022

من الاتحاد إلى الإنصاف : هل من تغيير في الأفق؟


تابعتُ كغيري من المهتمين بالشأن العام المؤتمر الاستثنائي لما كان يعرف سابقا بحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، حزب الإنصاف لاحقا، وهو المؤتمر الذي تم تنظيمه اليوم ( 3 يوليو 2022)، والذي كان من نتائجه تغيير اسم وشعار ورئيس الحزب، فهل ستكون هذه التغييرات بداية لتغييرات أعمق في الرؤية والنهج والرجال، أم أن الأمر لن يختلف عما سبقه من تغييرات شكلية في الأحزاب الحاكمة؟

إن التجارب السابقة في تغييرات الأحزاب الحاكمة لا تبشر بخير، والعودة إلى تلك التجارب لن تمنحنا وبكل تأكيد جرعة تفاؤل، ولأن العودة إلى الماضي لن تمنحنا جرعة تفاؤل، فإننا سنكتفي بتقديم قراءة سريعة لما جرى اليوم من تغييرات، وما تضمنه خطاب الرئيس الجديد للحزب، سنكتفي بذلك في محاولة للإجابة على السؤال العنوان.

إن القراءة التحليلية لما حدث اليوم من تغييرات، تقول بأن حصر مرجعية  الحزب في شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد تأكد اليوم، وبشكل واضح لا لبس فيه، وذلك من خلال التغييرات التي تم اتخاذها على مستوى التسمية والشعار ورئاسة الحزب.

1 ـ تغيير الاسم : لقد أُخِذَتْ التسمية الجديدة للحزب من كلمة كانت حاضرة وبوضوح، نصا ومضمونا، فيما مضى من مأمورية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. إن لكل نظام قاموسه السياسي، ولعل من بين الكلمات الأكثر تداولا في هذا العهد: التآزر؛ الإنصاف؛ التهدئة..إلخ

2 ـ  الشعار : وقد استنسخ استنساخا كاملا، وبكل التفاصيل، من شعار حملة المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في رئاسيات 2019؛

3 ـ  اختيار الرئيس: لقد تم اختيار رئيس للحزب لا يمكن تصنيفه على أنه من رجالات أي نظام سابق، فلم يحدث أن تم تداول اسم الرئيس الجديد للحزب في العهود السابقة لا على المستوى السياسي ولا على المستوى الإداري، ولذا فهو أحد الرجال القلائل الذين يمكن القول ـ ودون تحفظ ـ أنهم ظهروا إداريا وسياسيا مع الرئيس محمد ولد الشيخ ولد الغزواني.

إن هذه التغييرات في التسمية والشعار ورئاسة الحزب أكدت وبشكل جلي أن مرجعية الحزب تنحصر في شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لا خلاف على ذلك، ولكن هل تكفي تلك التغييرات لوحدها للقول بأننا أمام واجهة سياسية جديدة لعهد جديد؟

إن هذه التغييرات لا تكفي لوحدها، حتى وإن كانت لها دلالتها، وهي لن تكون ذات جدوى إن لم تعقبها تغييرات عميقة في رؤية الحزب ونهجه ورجالاته وواجهته.

إن أهم التغييرات التي ستقنع الرأي العام أنه أمام حزب جديد يختلف عن سلفه قد تضمنها خطاب الرئيس الجديد، ولكن ـ وكما هو معلوم ـ فإن الخطابات لا تكفي لإقناع الرأي العام بأن هناك جديدا ما في الأفق. إن ما سيقنع الرأي العام هو القرارات والأفعال التي ستجسد ميدانيا تلك الخطابات، فهل سينفذ الرئيس الجديد للحزب ما تعهد به في خطابه اليوم، وخاصة تعهداته المتعلقة ب:

ـ إحداث تغييرات تلبي طموحات جماهير الحزب، وهي تغييرات كانت هناك فرصة للقيام بها، وتسمح بها قوانين الحزب، ولكن الحاجة إلى المزيد من الاطلاع على وضعية الحزب والاستماع إلى منتسبيه تطلبت تأجيل تلك التغييرات قليلا حسب ما يُفهم من الخطاب؛   

ـ إعادة النظر في رؤية الحزب؛

ـ إعادة النظر في تنظيمه؛

ـ إعادة النظر في أدائه؛

ـ الاستماع إلى الشباب والنساء وأهل الريف والفئات الهشة.

إن تمكن الرئيس الجديد للحزب من تنفيذ هذه التعهدات فسنكون بالفعل أمام حزب حاكم جديد. أما إن اكتفى بخطابه الجيد كما اكتفى أسلافه في الأحزاب الحاكمة بخطاباتهم الجيدة، فهذا سيعني أن حزب الإنصاف لن يكون إلا مجرد نسخة غير منقحة من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهو الذي لم يكن بدوره إلا مجرد نسخة غير منقحة من حزب عادل، والذي لم يكن هو كذلك إلا نسخة غير منقحة من الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، والذي لم يكن هو الآخر إلا نسخة غير منقحة من هياكل تهذيب الجماهير، والتي لم تكن هي بدورها إلا نسخة غير منقحة من حزب الشعب.

لقد كانت تجربة الرئيس الجديد للحزب كناطق باسم الحكومة تُحسب له، كما يحسب له حضوره الجيد في مواقع التواصل الاجتماعي (فضاء الشباب)، و يحسب له كذلك أنه من القلائل الذين يجيدون حسن الاستماع، هذا هو ما خرجتُ به من انطباعات بعد لقاء مطول معه في إطار جلسات التشاور الوطني لإصلاح التعليم، كل ذلك يحسب له، ولكن كل ذلك لا يكفي إن لم تصاحبه قرارات شجاعة وإرادة قوية لتجسيد ما تعهد به اليوم في أول خطاب له بعد اختياره رئيسا لحزب الإنصاف.

فهل سيتمكن الرئيس الجديد لحزب الإنصاف من تجسيد خطابه اليوم على أرض الواقع؟

الأسابيع والأشهر القادمة لن تبخل علينا بالإجابة على هذا السؤال.

حفظ الله موريتانيا...

الأربعاء، 29 يونيو 2022

أيهما كان أكبر كلفة على النظام : التسريب أم الاعتذار؟

 


تم في الأيام الأخيرة تداول تسريب منسوب إلى رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وتضمن هذا التسريب الصوتي إساءة لإحدى المجموعات القبلية، وبعد التداول الواسع لهذا التسريب نشر رئيس الحزب تغريدة تضمنت اعتذارا عن ما اعتبره "تسجيلا مفبركا" منسوبا إليه.

ولقد شكلت هذه التغريدة بداية لتعامل غير محترف مع التسريب، وفي اعتقادي الشخصي فإن كلفة الاعتذار كانت بالنسبة للنظام أكبر من كلفة التسريب، وقد حق لنا بمناسبة هذا الاعتذار أن نقول: ورب اعتذار أكبر كلفة من تسريب.  

لم تكن بداية مسار الاعتذار موفقة، ذلك أن الجمع بين الاعتذار والقول بفبركة التسجيل لم يكن مقنعا، ولم تكن المشكلة الكبيرة في بداية مسار الاعتذار، وإنما كانت في خاتمته، ومن قبل أن نبين ذلك، فلابد من تقديم نصيحة من خلال قوس قصير سنفتحه من قبل البدء في الحديث عن كلفة الاعتذار، والتي كانت ـ حسب وجهة نظري ـ أكبر من كلفة التسريب.

على رجال الدولة وكبار المسؤولين والشخصيات العامة، على هؤلاء وغيرهم، أن يدركوا بأننا نعيش في زمن لم تعد فيه المجالس الخاصة بالمجالس المغلقة، وما يُقال في هذه المجالس الخاصة قد ينقل في طرفة عين إلى الفضاءات العامة، ولذا فعلى هؤلاء أن لا يقولوا في مجالسهم الخاصة إلا ما يستطيعون قوله في مجالس عامة، وعليهم أن يدركوا أن تسريب ما يُقال في المجالس الخاصة، حتى وإن كان فعلا نذلا ووقحا وسيئا، قد أصبح  من الأمور التي عمت بها البلوى، والبعض قد يفعله عن سوء نية، والبعض الآخر قد يقع فيه دون قصد ودون أن تكون هناك نية مبيتة.

لقد سمعتُ ذات مرة تسجيلا صوتيا وقع في يد أمينة لأحد كبار المسؤولين، ولو أن هذا التسجيل وصل إلى أحد أولئك الذين لا يتورعون عن تسريب الأحاديث الخاصة، لكان صاحب ذلك التسجيل يعيش اليوم أزمة على المستوى الشخصي والوظيفي لن يكون بإمكانه أن يخرج منها إلا بكلفة كبيرة، بل وكبيرة جدا.

لنغلق لقوس النصيحة، ولنعد إلى التسريب الصوتي المنسوب إلى رئيس الحزب الحاكم، وإلى الاعتذار غير الموفق الذي زاد من كلفة ذلك التسريب.

ومن قبل أن نستعرض كلفة هذا الاعتذار، فنحن قد نكون بحاجة إلى التذكير بحقيقة واضحة تم تجاهلها خلال مسار الاعتذار، وهذه الحقيقة مفادها أن الذي أساء  إلى مجموعة قبلية في التسريب المذكور، والراجح أنه عن غير قصد، هو شخص رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وليس الحزب ولا النظام، ولا حتى المجموعة القبلية لرئيس الحزب، فلماذا يتم إقحام الحزب أو النظام أو حتى المجموعة القبلية لرئيس الحزب في اعتذار عن خطأ لا دخل لهم فيه.

صحيحٌ أن المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر هو رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهو وزير في الحكومة الحالية، وهو بطبيعة الحال ينتسب إلى مجموعة قبلية، ولكن هذا لا يعني أن أي خطأ شخصي يرتكبه المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر يجب على النظام وعلى المجموعة القبلية للمهندس أن تتحملا مسؤوليته، وأن تقدما ـ بالتالي ـ الاعتذار عنه للمجموعة القبلية المتضررة.

كان من الأسلم للنظام  ولرئيس الحزب الحاكم ولمجموعته القبلية أن يتم اعتبار هذا الخطأ غير المقصود خطأ شخصيا، وأن يتم الاعتذار عنه بشكل شخصي دون إقحام مجموعة قبلية لا ذنب لها، ودون إقحام نظام لديه من المشاكل ما يغنيه عن تحمل وزر مكالمة مسربة لرئيس الحزب.

كان من الأسلم للنظام ولرئيس الحزب أن يتم تقديم الاعتذار بشكل شخصي من طرف المهندس سيدي محمد ولد الطالب وأعمر ، وكان يمكن للنظام وللحزب وللمجموعة القبلية لرئيس الحزب أن تساهم بشكل غير مباشر في ترتيب جلسة الاعتذار مع الحرص على أن لا يظهر في الصورة إلا المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر، والحرص كذلك على أن يقول في جلسة الاعتذار أن الخطأ كان خطأ شخصيا، وأنه لا دخل للحزب ولا النظام في هذا الخطأ، ولأن الخطأ كان خطأ شخصيا، فقد جاء هو شخصيا وبمفرده ليقدم اعتذاره الشخصي لكل من تضرر من التسريب الصوتي المنسوب إليه.

إن أخطر ما في مسار الاعتذار الذي تم إتباعه هو أنه سيشوش على الجهود التي تم بذلها مؤخرا من طرف النظام للحد من الاجتماعات القبلية والشرائحية والجهوية، وكذلك للحد من الخطاب القبلي والجهوي والشرائحي.

لقد أضاع النظام فرصة ثمينة، فمع كل مشكلة أو أزمة تكون هناك فرصة ثمينة يمكن استغلالها، والفرصة التي كان يمكن للنظام أن يستغلها من خلال هذا التسريب، فيحول بذلك محنة التسريب إلى منحة سياسية، هي أن يجعل من هذا التسريب مناسبة لتوجيه رسالة قوية إلى الرأي العام مفادها أن جهوده في مواجهة الخطاب القبلي والجهوي والشرائحي  متواصلة ومستمرة، هذه الرسالة القوية لم تكن لتكلف النظام أي شيء، فحسب ما نطالع من تحليلات وأحاديث  من الدوائر العليا في الحزب الحاكم فإن قرار تغيير رئاسة الحزب قد تم اتخاذه منذ تشكيل حكومة ولد بلال الثانية، فماذا كان سيضر النظام لو عجل بذلك القرار، فأعطى بذلك انطباعا للرأي العام أن لذلك القرار علاقة بالتسريب؟

إن خطوة من ذلك القبيل، لو كانت قد اتخذت، فإنها كانت ستحول محنة التسريب إلى منحة سياسية، وذلك على العكس من المسار المعاكس الذي تم اتخاذه، والذي أضاف إلى الكلفة السياسية للتسريب كلفة سياسية أخرى أكبر تتمثل في كلفة مسار الاعتذار الذي  تم اتخاذه، والذي لا شك أنه سيشوش على الجهود المبذولة من طرف النظام للحد من الحضور القبلي في الشأن العام.        

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 20 يونيو 2022

هذا هو ما سيفيد الفئات والشرائح الهشة!


يرى أغلب من يرفع شعار النضال الحقوقي في هذه البلاد أن مشاكل الفئات والشرائح الهشة يمكن أن تحل من خلال التعيين والتوظيف، أومن خلال منح بعض الامتيازات الخاصة لبعض أبناء تلك الفئات والشرائح الهشة. ولقد تعود "المناضلون الحقوقيون" في هذه البلاد أن يحصروا مطلب التمييز الإيجابي في مجال التعيين والتوظيف فقط، ولذا فمن النادر جدا أن تسمعهم يطالبون بتمييز إيجابي لصالح مشاريع معينة أو قطاعات معينة من شأن التمييز الإيجابي لصالحها أن يحدث نقلة اجتماعية واقتصادية كبيرة في أوساط الفئات والشرائح الهشة.

لا يعني هذا الكلام أن التمييز الإيجابي في مجال التعيين والتوظيف لصالح أبناء الفئات والشرائح الهشة ليس بالأمر المهم، بلى إنه أمرٌ مهمٌ، لا شك في ذلك، ولكن، وبالعودة إلى كثير من الأمثلة في هذا المجال، فسنجد أن التمييز الإيجابي في مجال التوظيف أو التعيين أو في مجال منح بعض الامتيازات الخاصة الأخرى لم ينعكس إيجابا على الشرائح والفئات الهشة، وإنما اقتصرت آثاره الإيجابية على الأشخاص الذين تم تعيينهم أو توظيفهم، وإن تعدتهم تلك الآثار الإيجابية، فإنها في أحسن الأحوال لم تتجاوز أسرهم الضيقة.  

لا خلاف على أن التمييز الإيجابي في التوظيف والتعيين لصالح أبناء الفئات والشرائح الهشة سيبقى مطلبا مشروعا، ولا خلاف على أنه من دواعي الاطمئنان على وحدة هذه البلاد وتلاحم شعبها وتماسكه أن يرى الواحد منا كل مكونات موريتانيا في التعيينات التي تأتي مع بيانات مجالس الوزراء، وكذلك في نتائج أي مسابقة يتم تنظيمها، وفي واجهة كل إدارة وكل تجمع سياسي أو أهلي. 

لا خلاف على أن من دواعي الاطمئنان على وحدة هذه البلاد وعلى تلاحم شعبها وتماسكه، أن ترى موريتانيا مصغرة أينما وليت وجهك: أن تراها في قصور الأغنياء وفي أكواخ الفقراء، في هرم الوظائف وفي أدناها، في صفوف القادة وفي جماهير المناضلين، في علية المجتمع وفي عامته، في فرق الرماية وكذلك في فرق كرة القدم.

من المهم جدا أن يرى الواحد منا موريتانيا مصغرة أينما ولى وجهه، ولكن هل الطريقة الأسرع والأنجع لتحقيق ذلك ستكون من خلال التركيز على المطالبة بتمييز إيجابي في مجال  التوظيف والتعيينات، والذي لن يستفيد منه إلا عدد محدود جدا من الأشخاص وأسرهم الضيقة، أم أن الطريقة الأسرع والأنجع ستكون من خلال سياسة تمييز إيجابي على مستوى القطاعات والمشاريع، وخاصة منها تلك المشاريع التي سيساهم تطويرها في إحداث ترقية اجتماعية سريعة داخل الفئات والشرائح الهشة.

لقد أصبح المطلب الوحيد المتداول في "الخطاب الحقوقي" الرائج في السنوات الأخيرة ينحصر في التمييز الإيجابي في التوظيف والتعيين، وهذا أمرٌ مفهوم، فأصحاب ذلك الخطاب سيكونون هم أول ـ وربما آخر ـ من سيستفيد بشكل مباشر من تحقيق ذلك المطلب. أما المطلب المتعلق بالتمييز القطاعي، فلا يجد من يتحدث عنه، وذلك لأن المستفيد المباشر منه هو عامة المستضعفين والمهمشين من تلك الفئات والشرائح، وأولئك لا يجدون في كثير من الأحيان من يتبنى مطالبهم بجدية وبصدق، بل إن بعض "المناضلين الحقوقيين" قد يرى أن من مصلحته الخاصة أن يبقى حال أولئك على ما هو عليه، لكي يستمر هو بالمتاجرة بمعاناتهم.

موجب هذا الكلام هو أن وضع الحجر الأساس من طرف رئيس الجمهورية لأول قرية للصناعة التقليدية بالعاصمة نواكشوط مر دون اهتمام يذكر. ومن المؤكد أن هذه القرية سيكون لها الأثر الإيجابي الكبير على الصناعة التقليدية وعلى المجتمع بصفة عامة، وعلى إحدى فئاته بصفة خاصة، إن تم تشييد تلك القرية وفق المخطط المرسوم لها.

وموجب هذا الكلام أن ردود أفعال بعض "المناضلين الحقوقيين" على أي عملية تمييز إيجابي قد تحصل في مجال التوظيف والتعيين، يفوق بكثير ردود أفعالهم على جهود الحكومة الرامية إلى تعميم التأمين الصحي لكي يشمل كل الفئات الهشة في المجتمع.

وموجب هذا الكلام أن مشروع "البرنامج الوطني للتغذية المدرسية" لا يجد من يتحدث عنه، ولا يجد من يضغط على الحكومة لفرض تنفيذه على أحسن وجه، مع العلم أن هذا المشروع لو نجح فسيحدث نقلة نوعية في مجال تمدرس أبناء الفئات والشرائح الهشة، ومن المعروف أن الاهتمام بالتعليم والتأمين الصحي في الأوساط الهشة سيبقى من أهم الخطوات التي قد تساعد في الترقية الاجتماعية في تلك الأوساط.

وموجب هذا الكلام أن "الخطاب الحقوقي" الذي يزداد حدة وارتفاعا عند الحديث عن التمييز الإيجابي في مجال التوظيف والتعيين، هو نفسه الخطاب الذي يتحول إلى خطاب باهت أو معدوم  عندما يتعلق الأمر بالقضايا المهمة، والتي من شأن الاهتمام بها أن يحدث الأثر الأكبر في مجال الترقية الاجتماعية والاقتصادية في الأوساط الأكثر هشاشة وفقرا.

لا أحد من "المناضلين الحقوقيين" يتحدث اليوم عن مصير مئات بل آلاف صغار الجزارين وبائعات الخضروات اللواتي سيجدن أنفسهن قريبا بلا عمل، بفعل التطور الحاصل في المجازر ومحلات بيع الخضروات، وهو تطور لن يستطيع أن يواكبه إلا من يمتلك من المال ما يكفي لتجهيز مجزرة عصرية لبيع اللحوم والخضروات.

لا أحد من "مناضلي التمييز الإيجابي في مجال التوظيف" يُطالب اليوم بتوفير قروض صغيرة وميسرة لغسالي الثياب وصغار الجزارين وبائعات الخضروات حتى يتمكن هؤلاء وأولئك من مواكبة التطور الحاصل في هذه المهن، وهو تطور يفرضه واقع المدن اليوم.

لا أحد من "مناضلي التمييز الإيجابي في مجال التوظيف" يطالب اليوم بالالتفات إلى اليد العاملة وأصحاب المهن الصغيرة، ولا إلى الزراعة المطرية، ولا إلى القطاع غير المصنف، ومن المعروف أن الاهتمام بمثل هذه القطاعات هو الذي سيترك أثرا اقتصاديا واجتماعيا إيجابيا على عشرات الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من الموريتانيين الأكثر فقرا والأكثر هشاشة.

فإلى متى ستظل كل مطالب "المناضلين الحقوقيين" في بلادنا تنحصر فقط في التمييز الإيجابي في مجال التوظيف والتعيين؟ وهل لهذا الأمر علاقة ما بالمصالح الشخصية الضيقة لأولئك "المناضلين الحقوقيين"؟

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 6 يونيو 2022

تعليق التشاور : من المسؤول .. من الرابح .. من الخاسر؟


سنخصص هذه الورقة الكاشفة الجديدة لملف التشاور أو الحوار، وذلك بعد أن أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليقه مساء يوم الأربعاء الموافق
  لفاتح يونيو 2022، وسنحاول من خلال هذه الورقة الكاشفة أن نجيب على أسئلة تدور على ألسنة الكثيرين من المهتمين بالشأن العام، وهي أسئلة من قبيل:  من المسؤول عن تعثر التشاور؟ من الرابح من تعليقه؟ من الخاسر؟ ماذا بعد تعليق التشاور؟

بدءا، ومن قبل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، دعونا أولا نحدد الأهداف التي من المفترض أن المعارضة أي معارضة، والسلطة أي سلطة، تسعى لتحقيقها من خلال تنظيم حوار شامل مع شريكها أو خصمها السياسي.

في الأغلب تدخل السلطة، أي سلطة، في حوار مع معارضتها من أجل تحقيق أحد الأهداف، أو كل الأهداف التالية:

1 ـ الخروج من أزمة سياسية؛

2 ـ تحقيق تهدئة سياسية؛

3 ـ إضفاء شرعية على السلطة الحاكمة أو تعويض نقص قائم في شرعيتها؛

4 ـ السعي للحصول على إجماع وطني حول بعض القضايا والملفات الوطنية الهامة.

أما المعارضة، أي معارضة، فإنها تدخل الحوار مع السلطة أو مع الأغلبية الممثلة لتلك السلطة من أجل تحقيق أحد الأهداف، أو كل الأهداف التالية:

1 ـ التخفيف من حدة أزمة سياسية قائمة؛

2 ـ تحقيق إصلاحات سياسية  لم تتمكن المعارضة من تحقيقها من خلال النضال الميداني؛

3 ـ استثمار جهد نضالي بذلته المعارضة، والسعي لتحويل ذلك الجهد إلى مكاسب سياسية من خلال الحوار.

إن هذه الأهداف هي أهداف عامة، وتبقى لكل سلطة ومعارضتها خصوصياتهما، فما هي خصوصية السلطة والمعارضة في موريتانيا؟ وما هي الأهداف التي كان يسعى كل طرف إلى تحقيقها من خلال التشاور المعلق منذ فاتح يونيو 2022.

بالنسبة للسلطة، فإنه يمكن الجزم تحليليا أنها لم تكن تسعى من خلال التشاور إلى الخروج من أزمة سياسية قائمة، فلا أزمة سياسية قائمة في الوقت الحالي، ولم تكن تريد التشاور من أجل إضفاء شرعية مفقودة، فهي تحظى بشرعية من كل الطيف السياسي، ولم نسمع أي طرف معارض يشكك في شرعيتها، على الأقل منذ أشهر من بعد التنصيب وحتى اليوم. وهي أيضا لم تكن تسعى من خلال التشاور أو الحوار إلى تحقيق تهدئة سياسية، فالبلاد عاشت فيما مضى من المأمورية تهدئة سياسية لم تَعرِف لها مثيلا منذ انتهاء حكم الرئيس الراحل أعل ولد محمد فال وحتى اليوم.

إذن، ماذا كانت تريد السلطة من التشاور؟

الراجح عندي تحليليا، أنها كانت تسعى من خلال التشاور إلى:

1 ـ إطالة عمر التهدئة السياسية، والسعي إلى أن تبلغ هذه التهدئة أقصى مدى زمني يمكن أن تبلغه؛

2 ـ أن تُظهر لشركائها السياسيين وللرأي العام الوطني أن لها طريقتها الخاصة في التعامل مع المعارضة، فلكل نظام أسلوبه الخاص في التعامل مع معارضته، فإذا كان الرئيس السابق قد فضل أسلوب الصدام والتصادم، فإن الرئيس الحالي يفضل أسلوب التهدئة، ولذا فمن الطبيعي جدا أن ينظم لقاءات بالمعارضين ، بل وأن يدعو أغلبيته إلى التشاور معهم، متعهدا بتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه. من المهم أن نسجل هنا أن الرئيس لم يكن يرى ضرورة لتنظيم حوار أو تشاور في مأموريته الأولى، ولم يكن يرغب في ذلك، ولكن تكرر الطلب من قادة المعارضة بضرورة تنظيم حوار وطني شامل، جعله يقبل بذلك الطلب تكريسا للنهج الذي أراد أن يتعامل به مع معارضيه، وهو النهج القائم على التهدئة بدلا من الصدام؛

3 ـ من الأهداف التي يمكن القول إن السلطة كانت تسعى لتحقيقها من خلال التشاور: الوصول إلى إجماع وطني حول بعض القضايا والملفات الكبرى، وهو الشيء الذي سيمكن الرئيس من الحصول على إجماع ودعم وطني بخصوص تلك القضايا والملفات، بدلا من أن يقتصر الدعم على موالاته لوحدها. كما أن حصول هذا الإجماع سيساعد في تحصين البلاد من عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تعاني منه بعض دول المنطقة.

 

هذا هو ما يمكن القول تحليليا إن السلطة كانت تريد تحقيقه من خلال الحوار، فماذا كانت تريد المعارضة تحقيقه من الحوار؟

للجواب على هذا السؤال، لابد من التفريق بين المعارضة والموالاة، فالموالاة لها خيطها الناظم، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال الحوار مع خصمها السياسي يمكن تحديدها دون مشقة، فهي ـ وببساطة شديدة ـ تسعى إلى ما يسعى إليه الرئيس، وقد حددنا في  الفقرة السابقة ثلاثة أهداف نعتقد أنها هي الأهداف التي كانت السلطة تسعى إلى تحقيقها من خلال التشاور.أما بالنسبة للمعارضة فالأمر مختلف جدا، وأكثر تعقيدا، فالمعارضة في أكثر أوقاتها ليست على قلب رجل واحد، ولا تسير وفق اتجاه بوصلة موحدة، وقد ازداد تعدد اتجاهاتها وكثرة تشتتها من بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث لم تعد توجد منسقية أو منتدى أو تجمع كبير يضم أغلب أحزاب المعارضة، ويمتلك ـ بالتالي ـ الشرعية السياسية للتحدث باسم المعارضة.

يمكن للمتابع للشأن المعارض أن يلاحظ أن المعارضة تمر اليوم بواحدة من أصعب لحظات تشتتها وضعفها، وهي لم تستطع أن تنجب قادة جددا، وذلك في وقت دخل فيه أغلب قادتها التاريخيين في مرحلة التقاعد السياسي الإجباري، حتى وإن لم يعلنوا رسميا عن ذلك التقاعد. لا يعني هذا الكلام أن الموالاة الداعمة للرئيس تعيش أحسن أيامها، فالموالاة والمعارضة تعيشان اليوم توازنا لافتا في الضعف، وخاصة على مستوى الأداء السياسي.

عموما، هناك أربعة اتجاهات داخل المعارضة الحالية:

1 ـ المعارضة التقليدية، وهذه تتشكل من أحزاب التكتل واتحاد قوى التقدم وتواصل، وكان من المفترض أن يكون في هذه المجموعة التحالف الشعبي التقدمي، فهذه الأحزاب تسعى بشكل جاد إلى تنظيم حوار وطني شامل يفضي إلى بعض الإصلاحات. طبعا يبقى هناك اختلاف في مستوى الحماس لدى كل حزب من هذه الأحزاب الثلاثة، فتواصل مثلا لم يظهر جديته في السعي للحوار إلا في الفترة الأخيرة، وهذا ما سنبينه في بعض فقرات هذه الورقة الكاشفة، وعلى العموم، فيمكن القول إجمالا بأن هذه الأحزاب الثلاثة هي الأحزاب الأكثر جدية والأكثر تحمسا للحوار في فسطاط المعارضة؛

2 ـ  قطب التناوب الديمقراطي، وقد دخل التشاور كقطب ثالث، وهذا القطب وحتى وإن كان يتشكل من حزب الصواب وأحد أجنحة ميثاق لحراطين، ومشروع حزب "الرك"، إلا أنه في حقيقة أمره قطب قائم على تقلب مزاج النائب بيرام، فلا رأي للصواب ولا لميثاق لحراطين، ولا لمشروع حزب "الرك"، فكل الأمور تسير داخل هذا القطب وفق اتجاه بوصلة مزاج بيرام، وهو الذي يعرف بسرعة تقلب مزاجه. ربما يكون بيرام قد حاول أن يستغل غياب أي شخصية قيادية من شريحته في الجلسات التحضيرية للتشاور، وأن يستثمر ـ وبأسلوب انتهازي ـ  الهدية الثمينة التي منحها له الرئيس مسعود من خلال مقاطعته للجلسات التحضيرية. لقد شعر بيرام بعد غياب مسعود أنه يمثل شريحة هامة من المجتمع في التشاور، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييب هذه الشريحة من التشاور، ولذا فقد أعلن عن انسحابه من التشاور، محاولا بذلك أن يبتز السلطة وأن يضغط عليها، بحثا عن صفقة يستفيد منها تحت الطاولة، ولكن السلطة فاجأته هذه المرة ـ كما فاجأت آخرين ـ بتعليق التشاور إلى أجل غير مسمى.

3 ـ  تحالف العيش المشترك، والعيش المشترك  معروف ـ وبشطريه ـ  برفعه لمطالب غير واقعية، تفرق أكثر مما تجمع، ولا تخدم الانسجام المجتمعي، وتتمثل هذه المطالب فيما يسميه العيش المشترك بتقاسم السلطة والثروة وترسيم اللغات الوطنية واستخدامها في التعليم والإدارة، هذا فضلا عن ملف "الإرث الإنساني"، والذي كلما تم الاعتقاد أنه أغلق نهائيا، فإذا به يفتح من جديد مع أي حوار جديد.

4 ـ حزب التحالف الشعبي التقدمي، والذي عزف منفردا على وتر مقاطعة الجلسات التحضيرية، ولأسباب غير مفهومة، ولا مبررها لها على الإطلاق. من المصادفات غير البريئة، أن الفيسبوك ذكرني عندما بدأت أفكر في إعداد هذه الورقة الكاشفة بمنشور كنتُ قد نشرته يوم 2 يونيو 2011، أي قبل إحدى عشرة سنة من الآن، وتضمن هذا المنشور تصريحا للرئيس مسعود قال فيه إنه سيذهب يوم الاثنين القادم إلى الحوار( والاثنين القادم في المنشور كانت تعني يوم 6 يونيو 2011)، حتى ولو ذهب وحيدا، وحتى ولو أدى ذلك إلى انسحاب حزب التحالف الشعبي التقدمي من منسقية المعارضة التي قررت حينها أن تقاطع الحوار.

فَبِم تفسرون ـ يرحمكم الله ـ  هذا التناقض الصارخ في مواقف الرئيس مسعود، والذي كان قد قرر أن يذهب وحيدا في العام 2011 إلى حوار مع السلطة قاطعته منسقية المعارضة التي كان ينتمي إليها في ذلك الوقت، ويقرر اليوم أن يًقاطع وحيدا جلسات التحضير لتشاور  شارك فيها كل الطيف المعارض؟

لم يعد حزب التحالف الشعبي التقدمي يمتلك وزنا سياسيا كبيرا، ولم يعد قائده يمتلك تأثيرا كبيرا في الساحة السياسية، ولكن ومع ذلك، فستبقى للرئيس مسعود رمزيته، ومما لا شك فيه أن وجوده في التشاور كان سيفيد التشاور، وكان سيحصنه من أن يعلق، حتى ولو انسحب  بيرام في اللحظة الحرجة. كان الحضور للتشاور هو الموقف الأنسب لشخصية وطنية بحجم الرئيس مسعود، والذي عهدناه فيما مضى من تاريخه السياسي المتميز متشبثا بالحوار، حتى في فترات معارضته المتطرفة، فبأي منطق يكون الرئيس مسعود، وهو في هذه المرحلة من تاريخه السياسي الغائب الوحيد عن جلسات تحضيرية لتشاور يشارك فيه جميع الطيف السياسي؟

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أن المعارضة، لم تكن على قلب رجل واحد، ولم تكن تتحرك وفق بوصلة موحدة، بل كانت تتحرك وفق أربع بوصلات على الأقل، لها أربع اتجاهات مختلفة بل ومتعاكسة في بعض الأحيان، ولذا فيصعب أن نحدد أهدافا واضحة يمكن القول إن المعارضة كانت تسعى لتحقيقها من خلال التشاور قبل تعليقه.

 

عن المسار الطويل للتشاور

سنحاول أن نستعرض من جديد أهم المحطات التي سبقت انطلاق أعمال اللجنة التحضيرية للتشاور، وسيساعدنا هذا العرض في تحديد من لم يكن متحمسا للحوار، ومن كان مسؤولا عن وأده بعد تجاوزه لسن الفطام. لنستعرض مسار التشاور الطويل من خلال المحطات أو النقاط التالية:

1 ـ لم تكن السلطة ترى ضرورة لتنظيم هذا التشاور، خاصة مع بداية المأمورية، ولكنها قررت في النهاية أن تغير رأيها استجابة للطلبات المتكررة لقادة المعارضة بضرورة تنظيم حوار وطني شامل؛

2 ـ جاءت أول دعوة جدية وموثقة للتشاور من خلال بيان مشترك للأحزاب الممثلة في البرلمان صدر قبل عامين من الآن، وتحديدا في يوم 14 مايو 2020، وقد جاء في فقرته الختامية : "تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تُفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تُمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجتها، وفق جدول زمني متفق عليه."

يمكنكم أن تسجلوا هنا، وهذه تحسب لأحزاب الموالاة، وتعطي إشارة مهمة عن جديتها في إطلاق مسار من التنسيق المشترك مع أحزاب المعارضة يفضي إلى حوار وطني شامل، يمكنكم أن تسجلوا هنا أن هذا البيان الموقع من طرف حزب الاتحاد من أجل الجمهورية وبقية أحزاب الأغلبية الممثلة في البرلمان، كان بيانا  غير مسبوق في شكله ومحتواه، حتى وإن كان لم يجد من التغطية الإعلامية ولا من التفاعل السياسي ما يستحق. لقد تضمن هذا البيان عشر نقاط  تحدثت كلها، باستثناء نقطتين فقط، عن بعض أوجه التقصير في العمل الحكومي. فمنذ متى كان الحرص على التنسيق مع المعارضة يدفع بأحزاب الأغلبية إلى أن توقع بيانا مشتركا يتحدث عن بعض أوجه التقصير في الأداء الحكومي؟

3 ـ بعد صدور هذا البيان قرر حزب تواصل أن ينسحب من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، وقد انتقد بشدة ما أسماه بعملية التسلل إلى التشاور من خلال تنسيقية أحزاب تشكلت في الأصل للتصدي لجائحة كورونا. في يوم 2 نوفمبر 2020، أي بعد نصف سنة تقريبا من دعوة الأحزاب الممثلة في البرلمان للحوار، أصدر حزب تواصل وثيقة بعنوان: "رؤيتنا للإصلاح .. من أجل تحول توافقي"، وقد دعا فيها إلى حوار وطني شامل.

يمكنكم أن تسجلوا هنا أن حزب تواصل رفض التنسيق مع أحزاب معارضة وموالية ممثلة في البرلمان لتقديم مبادرة مشتركة للحوار باسم الموالاة والمعارضة ، ثم أطلق من بعد ذلك بعدة أشهر مبادرته الخاصة به، والتي دعا فيها إلى الحوار. مثل هذا التصرف يعني بلغة سياسية فصيحة وصريحة أن الحزب لم يكن وقتها متحمسا للحوار ولا للتهدئة مع النظام الحاكم.

4 ـ في يوم الأربعاء الموافق 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض أحزاب المعارضة ( التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق التشاور. كما شكلت هذه الأحزاب  لجنة اتصال كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور. كل هذا العمل الهام سيتم رميه كاملا في سلة المهملات حرصا من المنسقية على مشاركة الجميع في مسار تشاور جديد ينطلق من نقطة بداية يتساوى عندها جميع المشاركين. هذا التصرف لوحده يعد أقوى دليل على حرص منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان على إنجاح التشاور.

5 ـ بعد أكثر من نصف عام على إعلان منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان عن خارطتها للتشاور، وتحديدا في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب :  تواصل؛ التحالف الشعب التقدمي؛  المستقبل ؛ تحالف العيش المشترك بشطريه ؛ مشروع حزب "الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديقراطية" بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي، واللافت في هذا البيان أنه كان مليئا بعبارات ذات شحنة عرقية وشرائحية من قبيل: " إقصاء مكون الأفارقة السود"؛ " البيظان البيض" "شريحة لحراطين الجانب المرئي للقضية" ...إلخ.

6 ـ في يوم 17 أغسطس 2021 استقبل رئيس الجمهورية منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، وشكل ذلك اللقاء نقطة انطلاق جديدة في ملف التشاور الوطني، وقد غاب عن ذلك اللقاء تواصل والتحالف الشعبي التقدمي والتحالف من أجل العدالة والديمقراطية . وفي يوم  22 سبتمبر 2021 أكد رئيس الجمهورية في خطابه خلال افتتاح أعمال المنتديات العمومية لقطاع البناء والأشغال، أن التشاور الوطني المرتقب "لن يستثني أحدا، ولن يحظر فيه موضوع."

7 ـ  في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار، وذلك "بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية، واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.

8 ـ في يوم الأربعاء 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، كما تم دعمه بفريق من كبار الموظفين يتكون من ثلاثة مستشارين في رئاسة الجمهورية، ومستشار من الوزارة الأولى، وممثل للجمعية الوطنية، وممثلين اثنين من وزارة الداخلية، وفي يوم  16 إبريل 2022 انطلقت أشغال اللجنة التحضيرية للتشاور الوطني، وفي يوم 1 يونيو  2022 أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور، وذلك في انتظار: " خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".

إن اختيار رئيس الجمهورية للوزير الأمين العام للرئاسة، وهو حديث عهد بالمعارضة ومحل ثقة قادتها، للإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، ودعمه بفريق كبير من الموظفين السامين، كان بمثابة رسالة غير مشفرة وضعتها رئاسة الجمهورية في صندوق أو صناديق  برد المعارضة، وهي رسالة تعبر ـ وبشكل قوي ـ  عن مدى حرص رئيس الجمهورية على إنجاح التشاور الوطني.

من المسؤول عن تعليق التشاور الوطني؟

بعد هذا الاستعراض لأهم المحطات التي سبقت الإعلان عن انطلاق جلسات التشاور الوطني، فإنه يمكننا القول ـ وبكل اطمئنان ـ بأن رئيس الجمهورية وأغلبيته الداعمة وبعض أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب اتحاد قوى التقدم بذلوا جهودا كبيرة في سبيل إنجاح التشاور الوطني.

ويمكننا القول ـ وبنفس المستوى من الاطمئنان ـ بأن لائحة المتسببين في تعليق التشاور الوطني إلى أجل غير مسمى، يتصدرها:

1 ـ الرئيس مسعود ولد بلخير الذي قرر أن يتغيب عن كل جلسات التحضير للتشاور، ودون أن يقدم مبررا به أي ذرة وجاهة أو إقناع؛

2 ـ قطب التناوب الديمقراطي، ممثلا في شخص النائب بيرام الداه أعبيد، والذي قرر أن يوجه للتشاور الوطني طعنة غادرة في الوقت الحرج، وذلك من خلال إعلان انسحابه، بعد أن تم تجهيز كل شيء  للدخول في مرحلة الورشات، أي المرحلة الأهم في مسار التشاور الوطني؛

3 ـ بعض أحزاب العيش المشترك، والتي تصر على طرح بعض القضايا التي تفرق أكثر مما توحد.

من الخاسر ومن الرابح من فشل التشاور؟

يمكن القول إن الخاسر الأبرز هو المعارضة، فتنظيم حوار أي حوار سيكون دائما بمثابة فرصة ثمينة للمعارضة لتحقيق بعض مطالبها، وتحقيق بعض المطالب عن طريق الحوار كان سيمكن المعارضة من أن تبرهن لجماهيرها بأن تهدئتها مع النظام لم تكن سلبية، وأنها قد أثمرت في النهاية عن حوار شامل حقق بعض مطالب المعارضة، والتي لم تكن لتتحقق لولا التهدئة والحوار. كانت المعارضة بحاجة ماسة للحصول على ثمرة هدنتها التي استمرت لأكثر من سنتين من خلال ما كان منتظرا من نتائج للتشاور..المؤسف في الأمر أن الجهات التي أفشلت هذا التشاور، وحالت بالتالي  دون قطف المعارضة لثمار هدنتها مع النظام، هي جهات محسوبة على المعارضة.

أضاعت المعارضة فرصة ثمينة للتشاور، وكان على أحزابها التي بذلت جهودا كبيرة في التحضير للتشاور أن تتخلى ولو لمرة واحدة عن المجاملة السياسية، وأن تحمل مسؤولية فشل التشاور لمن أفشل بالفعل ذلك التشاور من خلال غيابه غير المبرر عن تشاور لا يُراد له أن يستثني أحدا، أو من خلال انسحابه في الوقت الحرج، وبعد أن تم الانتهاء من كل التفاصيل خلال جلسات التحضير، ولم يبق إلا الدخول في مرحلة العمل الجدي، أي مرحلة الجلسات النقاشية وإصدار التوصيات.

إن الخسارة الكبيرة من تعليق التشاور كانت من نصيب المعارضة. أما بخصوص السلطة، حتى وإن كان لها حظها من الخسارة بسبب فشل التشاور، إلا أنها مع ذلك ربحت ـ بشكل أو بآخر ـ فصورتها كسلطة تسعى للتهدئة مع المعارضة لم تهتز بعد تعليقها للتشاور، وذلك لكونها قد أرغمت على تعليقه بسبب إصرار بعض الأطراف المحسوبة على المعارضة على إفشاله. ثم إن عمر التهدئة مع المعارضة لم يعد بالإمكان إطالته، على الأقل على مستوى الخطاب السياسي، فمع قرب موعد الانتخابات النيابية والبلدية فإن المعارضة ستعود حتما إلى خطابها التصعيدي بحثا عن الأصوات، ولم يكن من المتوقع أن لا تعود إلى ذلك الخطاب مع قرب موعد الاستحقاقات التشريعية والبلدية والجهوية، حتى وإن تم تنظيم تشاور وطني ناجح.

يبقى من أهداف السلطة من الحوار، والتي حددناها سابقا، الهدف المتعلق بالوصول إلى إجماع وطني حول بعض القضايا والملفات الكبرى، والظاهر أن التشاور لو تم تنظيمه لم يكن ليصل إلى ذلك الإجماع بفعل إصرار البعض على طرح قضايا تفرق أكثر مما تجمع، ولذا فإن تعليق حوار كان سيثير من الخلاف أكثر مما كان سيصل إليه من إجماع، هو تعليق في صالح النظام الحاكم، وفي صالح الوطن كذلك، ومع ذلك فسيبقى الحوار أمرا مطلوبا ـ وبإلحاح ـ  في أي لحظة تكون فيها كل الأطراف المعنية به جاهزة له، ومستعدة للمشاركة في حوار جدي ومسؤول يضع المصلحة العليا للبلد فوق المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.

ماذا بعد تعليق التشاور؟

في اعتقادي الشخصي أن السلطة مطالبة بعد تعليق التشاور، والراجح أنها ستستمر في تعليقه إن لم تُظهر الأطراف التي تسببت في فشله ما يثبت أنها غيرت من موقفها، أقول إنها مطالبة بأن تناقش مع السياسيين فرادى أو جماعات ملف الانتخابات والتحضير الجيد لها، فموعد الانتخابات قد اقترب، وهذا الملف لابد من نقاشه مع السياسيين، وهم المعنيون أولا به،  ويمكن للسلطة بعد ذلك أن تنظم حوارات تنموية يُفتح فيها مجال المشاركة أمام الخبراء الوطنيين ومن مختلف التخصصات.

إننا في هذه البلاد بحاجة ماسة إلى تشاور تنموي يسعى للوصول إلى أنجع السبل للنهوض بالزراعة والتنمية الحيوانية والصيد البحري والتنقيب التقليدي. وتتأكد أهمية هذا النوع من الحوارات التنموية بعد أن عشنا مع بقية دول العالم الآثار السلبية لجائحة كورونا والحرب على أوكرانيا، والعالم سيبقى معرضا في المستقبل لمثل هذا النوع من الأزمات، وهذه الفقرة الأخيرة هي خلاصة أو توصية هذه الورقة الكاشفة.

حفظ الله موريتانيا...