الاثنين، 19 أكتوبر 2026

نص مقترح قانون نظامي يتعلق بتطبيق المادة 6 من الدستور بشأن اللغة الرسمية واللغات الوطنية

 


نص مقترح قانون نظامي يتعلق بتطبيق المادة 6 من الدستور بشأن اللغة الرسمية واللغات الوطنية

عرض الأسباب

استنادا إلى المادة 6 من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي تنص على أن "اللغة العربية هي اللغة الرسمية، واللغات الوطنية هي الولفية والبولارية والسوننكية"، واستحضارا لما ورد في ديباجة الدستور من أن التنوع الثقافي واللغوي للمجتمع الموريتاني يشكل "أساس وحدته الوطنية ولحمته الاجتماعية"، وإدراكا لما للغة من دور محوري في ترسيخ الهوية الوطنية وتحقيق الانسجام الاجتماعي وتعزيز المشاركة المتساوية في الحياة العامة.

وإيمانا بحق جميع المواطنين، بصرف النظر عن لغاتهم الأم، في التمتع الكامل بحقوقهم اللغوية والثقافية، وضمان مساواتهم في النفاذ إلى المرافق العمومية، والتعليم والعدالة والإعلام.

وتكريسا للالتزام الدستوري للدولة بصون هذا التنوع وتطويره والاعتراف به كمصدر غنى وركيزة للوحدة الوطنية.

يأتي هذا المقترح من أجل وضع الآليات القانونية والمؤسسية والإجرائية التي تضمن التطبيق الفعلي للمادة 6 من الدستور، بما يضمن:

ـ ترسيم اللغة العربية في الإدارات والتعليم والإعلام الرسمي.

ـ تطوير وحماية اللغات الوطنية (الولفية، البولارية، السوننكية) بوصفها موروثا وطنيا مشتركا.

ـ تعزيز التعددية اللغوية في إطار من الانسجام والاحترام المتبادل.

مقترح القانون النظامي

الفصل الأول: أحكام عامة

المادة 1: يهدف هذا القانون النظامي إلى تطبيق المادة 6 من الدستور المتعلقة باللغة الرسمية واللغات الوطنية، من خلال وضع إطار قانوني شامل لحمايتها وتطويرها وضمان استخدامها في المجالات العمومية.

المادة 2: اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، ويجب أن تعتمد في جميع أعمال الدولة، بما في ذلك الإدارة، التعليم، القضاء، والإعلام العمومي.

المادة 3: اللغات الوطنية: الولفية، البولارية، والسوننكية، تعتبر مكونات أساسية من الهوية الوطنية، ويعترف بها كموروث مشترك لجميع الموريتانيين.

 

الفصل الثاني: ترسيم اللغة الرسمية

المادة 4: تلزم الإدارات والمؤسسات العمومية باستخدام اللغة العربية في جميع الوثائق والمراسلات والمعاملات الرسمية.

المادة 5: يجب أن تعتمد اللغة العربية كلغة تعليم وتلقين أساسية في المؤسسات التعليمية، مع مراعاة التدرج وملاءمة البرامج التربوية.

المادة 6: يلزم الإعلام العمومي (المرئي، المسموع، المكتوب) بإعطاء الأولوية للغة العربية، مع تخصيص مساحات عادلة ومتوازنة للغات الوطنية الأخرى.

الفصل الثالث: حماية وتطوير اللغات الوطنية

المادة 7: تنشأ هيئة وطنية مستقلة تسمى "الهيئة العليا لحماية وتطوير اللغات الوطنية"، تتولى:

إعداد سياسة لغوية وطنية مندمجة.

اقتراح مناهج تعليمية باللغات الوطنية.

دعم الإنتاج الثقافي والأدبي والإعلامي بهذه اللغات.

تعزيز استخدام اللغات الوطنية في الحياة العامة.

المادة 8: تدرج اللغات الوطنية، حسب المناطق، في التعليم الأساسي مع مراعاة الخصوصيات الجهوية والثقافية.

المادة 9: تمنح تسهيلات ودعم مالي وفني للمبادرات الثقافية والإعلامية التي تستخدم اللغات الوطنية.

الفصل الرابع: في المخالفات والجزاءات

المادة 10: البطلان لعدم احترام اللغة الرسمية

كل إجراء أو وثيقة صادرة عن إدارة عمومية أو مرفق عمومي لا تحرر باللغة العربية دون مبرر قانوني مشروع تعتبر باطلة بطلانا نسبيا، ما لم يتم تصحيحها دون مساس بحقوق الأطراف.

المادة 11: المسؤولية التأديبية

يعرض كل موظف أو مسؤول عمومي يخالف عمدا الالتزام باستعمال اللغة الرسمية في الوثائق أو المعاملات الإدارية، أو يعرقل استعمال اللغات الوطنية في الحالات المقررة قانونا، للمساءلة التأديبية، طبقا للنظم المعمول بها في الوظيفة العمومية.

المادة 12: العقوبات الجزائية

يعاقب كل من: يتعمد عرقلة أو منع استخدام اللغة الرسمية أو إحدى اللغات الوطنية في الحالات التي يوجب فيها القانون استعمالها، أو يمارس تمييزا لغويا في مرفق عمومي أو مؤسسة تعليمية، بـ غرامة من 50.000 إلى 200.000 أوقية جديدة، وفي حال العود تضاعف العقوبة ويمكن الحكم بحرمان مؤقت من الوظيفة العمومية أو التسيير الإداري لمدة لا تتجاوز سنة.

المادة 13: الرقابة والمتابعة

تكلف "الهيئة العليا لحماية وتطوير اللغات الوطنية" بمتابعة تطبيق هذا القانون، وترفع تقارير سنوية إلى البرلمان والحكومة تتضمن:

مستوى احترام اللغة الرسمية واللغات الوطنية.

الانتهاكات المسجلة.

التوصيات اللازمة لتصحيح المسار.

المادة 14: دور المجتمع المدني

يجوز للجمعيات والمنظمات الثقافية المعترف بها أن:

تقدم شكاوى باسم المتضررين من الانتهاكات اللغوية.

تتابع تنفيذ هذا القانون أمام الجهات القضائية أو الإدارية.

تقترح آليات تكميلية لحماية التعددية اللغوية وتعزيزها.

الفصل الخامس: أحكام ختامية

المادة 15: يمكن عند الاقتضاء أن تطبق أحكام هذا القانون بنصوص تنظيمية.

المادة 16: تلغى كافة النصوص السابقة المخالفة لهذا القانون الذي ينشر في الجريدة الرسمية، وينفذ بوصفه قانونا نظاميا للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية


عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية

·      إيمانا منا بأن الاستقلال الحقيقي لا يمكن أن يكتمل دون استقلال ثقافي؛

·      قناعة منا بأنه لا استقلال ثقافي يمكن أن يتحقق دون سيادة لغوية كاملة؛

·      سعيا منا لإظهار مدى الترابط القوي بين الاستقلال الوطني والسيادة اللغوية؛

·      وفاءً منا لآبائنا وأجدادنا من مختلف الجهات والمكونات الوطنية الذين نشروا الإسلام في دول الجوار باللغة العربية ولغاتنا الوطنية الأخرى؛

·      استشعارا منا بخطورة الاستمرار في انتهاك المادة السادسة من الدستور الموريتاني الذي صادق عليه الشعب الموريتاني منذ أكثر من ثلث قرن.  

نظرا لكل ما سبق، وتأسيسا عليه، فإننا نحن الموقعين أسفله لنعلن على بركة الله، إطلاق عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر المتضمنة للمطالب التسعة التالية:

أولا: إصدار قانون نظامي يحدد جزاءات على مخالفة المادة السادسة من الدستور الموريتاني؛

ثانيا: تحريم الحديث باللغات الأجنبية داخل البرلمان الموريتاني ، كما جرت بذلك الأعراف في كل برلمانات العالم؛

ثالثا: العمل على تقريب خدمات الإدارة من المواطن من خلال التعريب الشامل للخطابات والوثائق الرسمية والمراسلات الإدارية؛

رابعا: خلق هوية بصرية تتناغم مع نص المادة السادسة من الدستور الموريتاني، وذلك من خلال تعريب لوحات ترقيم السيارات الحكومية عملا بالمادة الثامنة من المرسوم 31/ 2017 المنظم لترقيم لوحات السيارات، وكذلك تعريب اللافتات الإشهارية على عموم التراب الوطني تفعيلا للمادة 66 من القانون 017/2018 المنظم للإشهار؛

خامسا: إشعار الهيئات والمنظمات الدولية والسفارات العاملة في موريتانيا أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، مع إلزامها بالعمل بمقتضى ذلك؛

سادسا: استخدام إحدى لغاتنا الوطنية بدلا من اللغات الأجنبية في كل الأنشطة الرسمية التي يتعذر فيها إلقاء الخطابات الرسمية باللغة العربية، مع ضرورة توفير الترجمة بين اللغة الرسمية واللغات الوطنية؛

سابعا: توفير الترجمة من وإلى اللغات الوطنية في المؤسسات الخدمية التي توجد في أحياء أو مدن يكثر فيها استخدام إحدى لغاتنا الوطنية؛

ثامنا: إلزام القطاع الخاص باستخدام اللغة الرسمية للبلد ضمانا لحق المستهلك في أن يُخاطب بلغته الرسمية التي يفهمها أو يُفترض فيه أنه يفهمها؛

تاسعا: البدء في وضع خطة عملية ذات سقف زمني محدد، والعمل على تنفيذها من أجل الوصول إلى مرحلة يكون فيها كل الموظفين في القطاع العام يمتلكون القدرة على التحدث والعمل باللغة الرسمية للبلد، ولغة وطنية أخرى، من خلال إعطاء امتيازات أو تحفيزات للموظفين الذين يتعلمون إحدى لغاتنا الوطنية بالإضافة إلى اللغة الرسمية.

الموقعون:

1 ـ مدارس الفلاح الإسلامية

2 ـ مجلس اللسان العربي

3 ـ الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية

4ـ اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين

5 ـ معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها

6 ـ جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم

7 ـ المرصد الموريتاني للغة العربية

8 ـ المركز الموريتاني للغة العربية

9 ـ هيئة جيرنو مختار ساقو

10 ـ المنتدى الإسلامي الموريتاني

11 ـ اتحاد الأكاديميين والمثقفين الموريتانيين

12 ـ شبكة الصحفيات الموريتانيات

13 ـ بيت الشعر

14 ـ المنتدى الموريتاني للأدب واللغة والثقافة

15 ـ جمعية الركب الشنقيطية للثقافة والتنمية

16 ـ نادي المتخرجين من الجامعات السورية

17 ـ منسقية أساتذة التربية الإسلامية واللغة العربية

18 ـ جمعية الوعي المعرفي

19 ـ اللجنة الشعبية لمناصرة القضايا العادلة

20 ـ الائتلاف التربوي الموريتاني

21 ـ جمعية العقل للثقافة وأحياء التراث

22 ـ الجمعية الموريتانية لخريجي دولة الكويت

23 ـ مركز ابن مقلة للخط العربي والزخرفة الإسلامية

24 ـ جمعية المرأة للتربية والثقافة

25 ـ رابطة الأخوه الموريتانية الجزائرية

26 ـ المركز الموريتاني للترجمة والتدقيق اللغوي

27 ـ مركز المرابطون للدراسات الاستراتيجية

28 ـ مركز خير الدين حسيب للدراسات والإعلام

29 ـ جمعية كاركور للتنمية وحماية البيئة

30 ـ منظمة معا لتبادل اللغات والثقافات الوطنية

31 ـ منظمة الثقافة والاتصال والبيئة والتنمية

32 ـ مركز موازين للدراسات الشرعية والقانونية

33 ـ جمعية التواصل الثقافي المغاربي

34 ـ الهيئة الموريتانية للأقلام النسائية

35 ـ منتدى المرأة للثقافة والتنمية

36 ـ نادي المرأة للإبداع الأدبي

37 ـ مركز الدفاع عن اللغة العربية

38 ـ جمعية سدنة الحرف الثقافية والأدبية

39 ـ جمعية الضاد لنشر اللغة العربية و الدفاع عنها

40 ـ المرصد الموريتاني للعدالة والمساواة

41 ـ اتحاد المواقع الإخبارية الموريتانية

42 ـ المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية

43 ـ مركز شنقيط للدراسات والإعلام

44 ـ المركز العربي الافريقي للإعلام و التنمية

45 ـ المركز الإقليمي للأبحاث والاستشارات

46 ـ مركز محيط للمرأة والتنمية

47 ـ حركة مجتمع السلم الموريتاني

48 ـ صفحة الأمالي

49 ـ مرصد سيدات للحقوق والحريات

50 ـ جمعية شبيبة بناء الوطن

51 ـ رابطة تخليد بطولات المقاومة

52 ـ جمعية أطر وكفاءات من أجل التنمية

53 ـ مركز دراسات الإسلام والمستقبل

54ـ  مركز المرحوم: فودي بوبو كوريرا

55 ـ الجمعية الموريتانية للتنمية والبحث والمتابعة

56 ـ جمعية المرصاد لمحاربة الفساد

57- الجمعية الموريتانية لتغيير العقليات

58 ـ جمعية النجم لمساعدة المحتاجين

59 ـ مركز السلام للدراسات والبحوث

60 ـ منظمة بوابة الشمس العالمية الخيرية الإ نسانية

61 ـ شبكة التميز للإعلام والأبحاث والدراسات

62 ـ مركز نواذيبو للدراسات والبحوث الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية

63 ـ جمعية قلقم لإحياء التراث

64 ـ جمعية كفاءات للتنمية

65 ـ جمعية أخلاف النواب الموريتانيين

66 ـ رابطة رخاء.

من تحذير أمير قطر إلى احتجاجات فرنسا.. هل من رسائل لنا في موريتانيا؟


نشرتُ قبل ثلاثة أيام مقالا بعنوان "إذا كانت قطر تستعد لأسوأ الاحتمالات.. فماذا نفعل في موريتانيا؟"، تعليقا على التحذير الذي أطلقه أمير قطر، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، حين دعا المواطنين والمؤسسات في بلده إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، في ظل الأزمات المتفاقمة التي يشهدها العالم.

واليوم، وجدتني مضطرا إلى العودة إلى الموضوع نفسه، بعد اندلاع احتجاجات واسعة ضد غلاء المعيشة في عدد من الدول الأوروبية، على رأسها فرنسا، التي شهدت يوم السبت 17 أكتوبر احتجاجات عنيفة، شارك فيها، حسب الإحصائيات المتداولة، ما يتراوح بين 500 ألف و800 ألف محتج.

أن تصل إلينا في موريتانيا، وإلى غيرنا من الدول الفقيرة في المنطقة، رسالتان متزامنتان، بالبريد السريع والمضمون، غير مشفرتين، في ظل أزمة عالمية مرجحة للتفاقم، أولاهما من أمير خليجي في دولة غنية، والثانية من فرنسا التي ينبهر بها أغلبنا، فهذا أمر جلل، يستوجب منا أن نسارع إلى استخلاص الدروس والعبر من هاتين الرسالتين، ما دام في الوقت متسع لذلك، إن كان في الوقت متسع أصلا.

ليس من الحكمة إطلاقا أن نتعامل مع تحذيرات أمير قطر باعتبارها شأنا قطريا داخليا لا يعنينا، أو أن ننظر إلى الاحتجاجات العنيفة في فرنسا باعتبارها أحداثا بعيدة عنا لا تعنينا في شيء. فالقاسم المشترك بين تحذيرات أمير قطر واحتجاجات فرنسا هو أن العالم يعيش اليوم أزمات متفاقمة، وأنه لا يوجد بلد، أيًّا كان، محصن تماما من آثار تلك الأزمات وتداعياتها. ويتأكد ذلك بالنسبة إلى البلدان الفقيرة التي تستورد أغلب احتياجاتها من الخارج، ويتأكد أكثر بالنسبة إلى بلد مثل موريتانيا، لم يكتمل فيه حتى الآن تشييد مخازن للمحروقات تتيح له تأمين احتياجاته منها لعدة أشهر.

لقد أقلقتني كثيرا مشاهد العنف والنهب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة في فرنسا، البلد الذي يعتبره كثيرون منا بلد الحرية والديمقراطية والتقدم. وأقلقني أكثر أن تصدر هذه المشاهد من شباب متعلم، في بلد يُنظر إلى شعبه - من طرف بعضنا - باعتباره شعبا راقيا. فأن تتحول احتجاجات ضد غلاء المعيشة في بلد متقدم كفرنسا إلى عمليات سطو ونهب وإحراق وإتلاف للممتلكات العامة والخاصة، فهذا أمر مقلق لنا في أفريقيا، ويستدعي أن نطرح السؤال التالي: كيف سيكون الحال إذا شهدت بلدان أفريقية، تنتشر فيها الأمية، وتتفشى فيها الخطابات القبلية والشرائحية والعرقية، ولم تترسخ فيها المؤسسات وقيم المواطنة، احتجاجات مماثلة على غلاء المعيشة؟

من يتابع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها بلدان مختلفة خلال السنوات الأخيرة، متقدمة كانت أو نامية، سيجد أن الكثير منها شهد أعمال عنف ونهب واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. وهنا مكمن الخطورة: أن تتحول المطالب المشروعة إلى احتجاجات واضطرابات لا يمكن التحكم في مسارها.

ليس من الحكمة، في هذه الفترة الحرجة التي يمر بها العالم، الاستهانة بمخاطر الاحتجاجات أو التعامل معها باعتبارها أحداثا يمكن ضمان بقائها سلمية. فلا أحد يستطيع أن يضمن مسار أي احتجاج إن انطلق، ولا أن يستبعد انحرافه إلى أعمال سطو ونهب واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، مثلما حدث في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية.

قد تتردد النخب الوطنية، حتى المعارضة منها، في الدعوة إلى احتجاجات لا تستطيع ضمان سلميتها أو التحكم في مسارها. لكن المشكلة أن الاحتجاجات قد تندلع فجأة، دون إشعار مسبق وبلا قيادة معروفة، بفعل تراكم صعوبات الحياة وانسداد آفاق الحل. وهذا تحديدا هو ما ينبغي أن تنتبه إليه الحكومات في البلدان الفقيرة. 

إن غياب الاحتجاجات لا يعني بالضرورة غياب أسبابها، والغضب المتراكم قد يظهر بصورة مفاجئة يصعب احتواؤها.

على الحكومات في منطقتنا أن تدرك أنه إذا كان الفساد، وسوء التسيير، وتعيين غير الأكفاء في الوظائف الخدمية الحساسة، جرائم في حق الشعوب والدول في الماضي، فإنها اليوم، في ظل هذه الأزمات المتفاقمة، لم تعد مجرد جرائم عادية، بل أصبحت من أمهات الجرائم ومن كبائرها، في حق الشعوب والدول، وذلك لأنها قد تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وتُضعف قدرة الدولة على الصمود، وتفتح الباب أمام اضطرابات تهدد استقرار البلدان وتماسكها.

إن محاربة الفساد، وانتقاء الأكفاء للوظائف الخدمية والإنتاجية، والمحاسبة الصارمة على الأخطاء الفادحة في التسيير والأداء، لم تعد اليوم مجرد مطالب إصلاحية، بل أصبحت من أهم شروط استقرار الدول وضمان قدرتها على البقاء والصمود في عالم تتفاقم فيه الأزمات، وتزداد فيه معاناة الشعوب، في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء.

المقلق في الأمر أن كثيرا من كبار الموظفين في بلدنا لا يدركون، فيما يبدو، حجم التحديات والمخاطر التي تواجه موريتانيا وغيرها من بلدان العالم، وخاصة البلدان الفقيرة، في ظل تفاقم الأزمات العالمية.

المقلق أكثر أنه لا يوجد في بلادنا "مفسدون عاقلون"، هذا إذا افترضنا جدلا أن الفساد والعقل يمكن أن يجتمعا في قلب أو عقل موظف واحد، فأي مفسد يفكر اليوم بعقل راجح، لابد وأن يتوقف فورا عن ممارسة الفساد في ظل هذه الفاصلة الزمنية من تاريخ العالم الحبلى بالأزمات، وذلك خوفا من أن تنفجر الأوضاع في بلده، وتندلع احتجاجات، يقع فيها نهب واعتداء على الأملاك العامة والخاصة، فتنهب أموال ذلك المفسد، الحلال منها والحرام، فيكون هو الخاسر الأكبر في نهاية المطاف.

فيا أيها المفسدون في بلادنا، كونوا عاقلين راشدين، ولو لفترة مؤقتة، وتوقفوا فورا عن الفساد، لا لمصلحة البلد، بل لمصلحتكم أنتم أولا، فمصلحتكم تقتضي أن تتوقفوا فورا عن الفساد في ظل هذه الأزمات العالمية المتفاقمة، وذلك قبل أن تصيبنا عدواها لا قدر الله، فعندما تصيبنا عدوى تلك الاحتجاجات، فإن أموالكم التي جمعتم بالحلال أو الحرام لن تكون في مأمن. 

علينا في هذه البلاد، أن ندرك ـ وبمن فيها من المصلحين والمفسدين ـ أن الاستقرار في أوقات الأزمات العالمية، لا يُحمى بتجاهل أسباب غضب الشعوب، ولا بالتعويل على صبر المواطنين، وإنما يحمى بمعالجة المظالم، واختيار الأكفاء، ومحاربة الفساد بشكل صارم.

فهل سنقرأ في موريتانيا الرسائل التي وضعت في صناديق بريدنا قادمة من الخليج ومن أوروبا، فنتخذ ما يلزم قبل فوات الأوان، أم أننا سننتظر حتى تتحول التحذيرات إلى وقائع يصعب التعامل معه؟

حفظ الله موريتانيا...