الخميس، 12 فبراير 2026

داعمون يُحاربون النظام إعلاميا وسياسيا!


قبل عام من الآن، وتحديدًا في يوم السبت الموافق 18 يناير 2025، نشرتُ مقالا تحت عنوان: "داعمون يُحاربون النظام إعلاميا وسياسيا!". تحدثتُ في ذلك المقال عن ثلاث قضايا يُحارب فيها بعض الداعمين النظام إعلاميا وسياسيا. سأعيد نشر إحدى تلك القضايا الثلاث، وسأضيف إليها اليوم قضية مستجدَّة، لأنها هي التي ذكَّرتني من جديد بذلك المقال.

في العام الأول من المأمورية الثانية لفخامة الرئيس، انشغل بعض الداعمين بالحديث المبكر عن مرشح النظام المحتمل في العام 2029، فقلتُ حينها في المقال المذكور: "إن من ينخرط من داعمي النظام في أي حديث من هذا القبيل، ولأي سبب كان، فإنما يُحارب النظام إعلاميا وسياسيا بحديثه في هذا الموضوع، علم ذلك أو لم يعلم، قصد ذلك أو لم يقصده.

إن السياسة تقوم أساسا على خلق الأمل لدى المواطنين، ومن يتحدث الآن عن المرشح المفترض للرئيس في العام 2029 إنما يريد أن يقول سياسيا: إنه لا إنجازات تحققت تستحق أن نتحدث عنها، ولا إنجازات تنتظر، ولذا فعلينا أن ننشغل من الآن بالبحث عن مرشح الرئيس وخليفته القادم.

إن ما يخدم الأغلبية سياسيا وإعلاميا هو تأخير الحديث عن هذا الموضوع إلى آخر سنة من المأمورية الحالية، ولكن بعض مدونيها يبدو أنهم استعجلوا الأمر، وانخرطوا - بالتالي - في موجة التخمينات التي أُطلقت حول إمكانية ترشيح فلان أو علان.

ولستُ بحاجة إلى القول إن الأسماء التي تُذكر حاليا ما هي إلا مجرد تخمينات لا يدعمها شيء، وأي مدوِّن داعم للنظام يروِّج لهذا الوزير أو ذاك العسكري المتقاعد، أو ذلك الموظف السامي، بوصفه مرشحا مفترضا للرئيس في العام 2029، إنما يضرُّ من يروِّج له من حيث أراد أن ينفعه". انتهى الاستشهاد.

لقد أُغلق هذا الجدل السابق لأوانه بخصوص مرشح النظام لعام 2029، بعدما حذَّر فخامة الرئيس، يوم 12 نوفمبر 2025 من مدينة تمبدغة، كل من لديه أصدقاء أو أنصار يفكرون له أو يخططون له، حذَّرهم بشدة من الحديث في هذا الموضوع، مؤكدًا أنهم يضرُّون بذلك الحديث من يناصرونه ويخططون له الآن وغدًا.

وبعد هذا التحذير الصريح والواضح جدًا، أُغلق بشكل كامل ملف تخمينات مرشح النظام لعام 2029.

في العام الثاني من المأمورية الثانية، وبعد إغلاق ملف الترشح لعام 2029 داخل الأغلبية، بدأ بعض داعمي النظام يحاولون فتح ملف آخر، ويتعلق هذه المرة بإدراج نقاش المأموريات في الحوار المنتظر، وهو ما يُفهم منه - تلميحا - الدعوة إلى التمديد لفخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني.

إن إثارة هذا الموضوع، في مثل هذا التوقيت، بل وفي أي توقيت آخر ، تضر النظام سياسيا وإعلاميا، وهي تؤثر سلبا على:

1 ـ تنظيم الحوار الذي دعا إليه فخامة رئيس الجمهورية، ووعد به في برنامجه الانتخابي، وأظهر اهتماما كبيرا به، مع أنه لا توجد أزمة تستدعي ذلك الحوار، ولا يوجد ضغط معارض لفرضه. وكان المفترض أن ينشغل الرئيس بتنفيذ برنامجه الانتخابي دون الوعد بحوار في ذلك البرنامج.

إن تكرار مثل هذه الدعوات من طرف بعض الفاعلين في الأغلبية سيجعل المعارضة، التي لم تكن متحمسة أصلا للحوار، تزداد عدم تحمس، وربما تقاطعه بحجة أنه يهدف إلى المساس بالمواد المحصّنة في الدستور. بكلمة واحدة: إن الحديث عن المأموريات يعني إفشال الحوار المنتظر.

2 ـ إن الحديث عن المأموريات قد شوَّش على زيارة الرئيس المهمة لولاية كوركول، إعلاميا وسياسيا.

3 ـ إن الاستمرار في الحديث عن المأموريات من طرف بعض الفاعلين في الأغلبية يتناقض تماما مع الحرص الذي أظهره فخامة رئيس الجمهورية على تعزيز القيم الديمقراطية وصيانة المكتسبات في هذا المجال. فهل يمكن أن نتصور أن الرئيس الذي أظهر أكثر من غيره حرصه على التهدئة السياسية وتعزيز القيم الديمقراطية سيفتح ملف المأموريات الرئاسية الذي تجنب سلفه فتحه؟

4 ـ لا يمكن أن نتصور أن المكسب الدستوري الوحيد الذي يتفق أغلب الموريتانيين على أهميته سيتم الإخلال به في هذا العهد، الذي كان أكثر حرصا من العهود التي سبقته على ترسيخ وتعزيز القيم الديمقراطية.

5 ـ إن المساس بالمأموريات سيعني - بلغة سياسية فصيحة - إلغاء مبدأ التناوب السلمي على السلطة، والعودة بالتالي إلى خيار الانقلابات للوصول إلى السلطة. ولا يخفى على أي عاقل خطورة ذلك، خاصة وأن بلدنا يقع في منطقة مضطربة.

يبدو أننا أصبحنا اليوم بحاجة إلى رسائل تحذيرية أخرى من فخامة الرئيس لوقف هذا الحديث المتكرر والمتنامي عن فتح المأموريات. فهل سنسمع من ولاية كوركول أو من خارجها رسائل تحذيرية كالتي سمعناها في ولاية الحوض الشرقي؟

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 9 فبراير 2026

ولد غده: الأكثر سجنا والأقل تضامنا


 يُعَدّ الشيخ السابق، والرئيس الحالي لمنظمة الشفافية الشاملة، السيد محمد غدَّه، من أكثر الموريتانيين تعرضا للسجن خلال العقد الأخير، ومن أقلِّهم حظًّا في التضامن عند دخوله السجن.

فكثيرا ما يُسجن محمد غدَّة، وقليلا ما يحظى بتضامن يُذكر من النخب السياسية والحقوقية والإعلامية في البلد، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا: ما سبب غياب التضامن مع ولد غدَّه؟

كان بإمكان محمد غدَّه أن يعيش في رفاهية هادئة، فهو يملك من المال ما يكفي لتمويل مشاريعه التجارية وتطويرها، وكان يمكنه كذلك أن يضمن مقعدا انتخابيا في البرلمان، فيصبح نائبا مواليا أو معارضا، يتمتع بما يتيحه ذلك من حماية ونفوذ.

غير أن محمد غدَّه انشغل عن أنشطته التجارية، وابتعد عن العمل السياسي التقليدي، واختار التفرغ لمنظمة الشفافية الشاملة، والانخراط الكامل في معركة محاربة الفساد. فجاءت الثمار واضحة للأسف: تكرار السجن، وتكرار غياب التضامن.

صحيحٌ أن محمد غدَّه قد ارتكب أخطاء، ولا أحد معصوم من الخطأ، لكن الصحيح أيضا - وهذا ما أستطيع قوله بكل اطمئنان - إن محمد غدَّه يُعَدُّ من بين قِلَّة من الموريتانيين المستعدين للتضحية بمصالحهم الخاصة في سبيل مقارعة الفساد.

خلاصة القول: إن محمد غدَّه يُعَدُّ اليوم من أكثر الموريتانيين جدية وصدقا في محاربة الفساد، وأكثرهم  استعدادا لدفع كلفة تلك المواجهة من مصالحه الشخصية، ومع ذلك يظلُّ هو الأقل حظًّا في نيل التضامن، في بلد تمَّ فيه تمييع التضامن، كما مُيِّعت فيه أشياء كثيرة أخرى.

الصورة لأعضاء من المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد في زيارة لمحمد غدَّه في منزله، قبل شهر من الآن، وبعد الإفراج عنه في واحدة من محطات سجنه.

السبت، 7 فبراير 2026

بيان من حملة “معا للحد من حوادث السير”


تابعنا في حملة “معا للحد من حوادث السير”، وبقلق بالغ، حوادث السير التي سُجِّلت خلال الثماني والأربعين ساعة الأخيرة على مختلف محاور شبكتنا الطرقية، والتي أدت، وفق الحصيلة الأولية، إلى وفاة تسعة (9) أشخاص على الأقل، وإصابة عشرات الجرحى.

ففي صباح اليوم، اصطدم صهريج تابع لمؤسسة أشغال صيانة الطرق بحافلة لنقل الركاب عند الكلم 45 على طريق نواذيبو، وقد أسفر هذا الحادث عن وفاة ثلاثة أشخاص، وإصابة اثني عشر (12) آخرين، وُصفت إصابات بعضهم بالخطِرة. وتزامن هذا الحادث مع حادث آخر على طريق أوجفت – أطار، أدى إلى إصابة ستة (6) أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة.

وفي قرية أدويرارة بولاية الحوض الغربي، انحرفت شاحنة عن الطريق وهدَمت عريشا دون تسجيل إصابات. كما سقطت شاحنة أخرى يوم أمس الأربعاء 04 فبراير على سيارة صغيرة في العاصمة نواكشوط (حي سوكوجيم بغداد)، ولم يكن، ولله الحمد، في السيارة ركاب وقت الحادث.

وفي يوم الثلاثاء 03 فبراير، سُجِّلت عدة حوادث، من بينها حادث على طريق بوكي - ألاك، ناجم عن انفجار إحدى عجلات حافلة ركاب، وأدى إلى وفاة أربعة (4) ركاب وإصابة ستة (6) آخرين. كما شهدت العاصمة نواكشوط في اليوم نفسه ثلاثة حوادث سير على الأقل؛ حيث توفي طفل كان على دراجة بعد أن دهسته شاحنة لنقل القمامة في الرياض عند الكلم 11، كما توفيت سيدة إثر عملية دهس في حي ملح، وأُصيب شخص ثالث في حي بوحديدة بعد أن دهسته دراجة.

ونحن في حملة “معا للحد من حوادث السير” إذ نستحضر هذه الحصيلة الثقيلة خلال الثماني والأربعين ساعة الأخيرة، فإننا نود تسجيل ما يلي:

1- استغرابنا الشديد من إصرار الجهات المعنية على عدم نشر الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، ورفض تقديمها للمنظمات الفاعلة لتولي نشرها للرأي العام؛

2 - تنبيهنا إلى أن هذه الحصيلة الثقيلة قد لا تكون نهائية، إذ كثيرا ما تقع حوادث لا تتوصل الحملة بمعلومات عنها، ولا تتمكن بالتالي من توثيقها، كما أننا لا نملك آلية لمتابعة الوضع الصحي للمصابين، خصوصا من كانت إصاباتهم حرِجة، وهو ما يعني أن الأرقام المنشورة تقتصر على حالات الوفاة الفورية فقط؛

3 - تأكيدنا أن أي تأخير في تفعيل “نداء جوك للسلامة الطرقية” سيعني، لا محالة، سقوط المزيد من الضحايا.

إن نداء جوك للسلامة الطرقية، الذي أطلقته الحملة من منطقة جوك في يوم 18 سبتمبر 2025، ليس مجرد وثيقة نظرية، بل يمثل خريطة طريق شاملة جاءت ثمرة عقدٍ كامل من المتابعة الميدانية، والاستماع للسائقين والخبراء، وتنظيم العديد من الأنشطة والقوافل التوعوية.

ويتضمن هذا النداء تسعة عشر (19) مطلبا أساسيا موزعة على خمسة محاور متكاملة:

- الإصلاح المؤسسي والاستراتيجي: ومن أبرز مطالبه تأسيس هيئة عليا للسلامة الطرقية، وتنظيم منتديات وطنية عاجلة.

- البنية التحتية والبيئة الطرقية: ويشمل تشييد طرق آمنة باتجاهين، والصيانة الفورية للشبكة الطرقية.

- القوانين والتطبيق الميداني: ويتضمن فرض الصرامة في التفتيش، والفحص الفني الدوري، وتفعيل المراقبة الذكية.

- تكوين السائقين ورخص السياقة: ويشمل إنشاء أكاديمية متخصصة، واعتماد نظام الصلاحية والتنقيط وسحب الرخص.

- التدخل السريع وإنقاذ الأرواح: ويشمل تجهيز فرق الحماية المدنية، وتوفير مروحيات طبية للتدخل في المناطق النائية.

إننا في حملة “معا للحد من حوادث السير”، نجدد دعوتنا للجهات المعنية إلى المسارعة العاجلة في تفعيل نداء جوك للسلامة الطرقية، صونا للأرواح وحماية للممتلكات.

نواكشوط بتاريخ: 05 فبراير 2026.

حملة معا للحد من حوادث السير.

الخميس، 5 فبراير 2026

بعض تفاصيل فاجعة نواذيبو


نظمت منسقية حملة معا للحد من حوادث السير في نواذيبو ( عبد الله أمانة الله و محمد فاضل الخضر ) زيارة ميدانية مساء اليوم لموقع الفاجعة، وحسب الملاحظات الميدانية وشهادات بعض العناصر الأمنية، فإن السبب المباشر للحادث هو السرعة المفرطة والتجاوز الخطر. 

حافلة النقل التي تعرضت للحادث كانت في وضعية جيدة جدا، بل إنها حافلة جديدة، وجرت العادة أن يقود سائقو سيارات النقل الجديدة بسرعة مفرطة، وذلك لضمان عدة رحلات في فترة زمنية محدودة. 

سائق الحافلة كان يقود بسرعة مفرطة، وحاول أن يتجاوز شاحنة كانت تسير في نفس الاتجاه، وتزامنت محاولة التجاوز مع قدوم الشاحنة الصهريج من الاتجاه المعاكس.

كل من السائقين اتخذ للأسف نفس القرار ونفس ردة الفعل، فكلاهما حاول أن ينحرف عن الطريق ليتفادى الاصطدام بالثاني، ولكنهما في النهاية ذهبا في نفس الاتجاه، فوقع التصادم، فكانت الفاجعة.

على بعد أقل من 10 كلم من موقع الحادث توجد الآن شاحنة متوقفة عند منعرج على الطريق ، وفي الاتجاه المعاكس لسيرها، وهو ما يشكل خطرا كبيرا على سالكي الطريق، وقد يتسبب لا قدر الله في فاجعة أخرى.

طريق نواذيبو طريق ضيق أصلا، وتوجد به مقاطع متهالكة وفي وضعية ردينة جدا، ولكن المقطع الذي وقع عليه الحادث في وضعية مقبولة وفي منطقة مستوية. 

صورة من الحافلة ومن الشاحنة المتعطلة حاليا على الطريق.

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع.



الثلاثاء، 3 فبراير 2026

ما فائدة الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟


في منتصف العام 2025 شاركتُ في المؤتمر الدولي المنظم في إسطنبول، حول مستقبل التعليم والتدريب في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وخلال النقاشات، طرحت ُسؤالا على الخبراء المشاركين في المؤتمر، ويدخل هذا السؤال في صميم دورة أعددتها مند سنوات، وقدمتها عشرات المرات في أماكن مختلفة، تتعلق بالموهبة واستغلالها.

 يقول السؤال: ما قيمة الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

فتحتُ النقاش في هذا الموضوع، لأني أعلم أن هناك سؤالا صعبا سيُطرح عليَّ مستقبلا خلال تقديمي لتلك الدورة، فمن حقّ الموهوب أن يسأل: ما الفائدة في أن أتعب نفسي في اكتشاف وصقل موهبتي، في زمن يتيح فيه الذكاء الاصطناعي لشخص عادي غير موهوب أن يأتي بأحسن مني في مجال موهبتي؟

وتفاديا لهذا السؤال، وفي محاولة للإجابة عليه قبل أن يُطرح،  قمتُ بتعديل محتوى الدورة، وأضفت إليها شرائح جديدة تتحدث عن أهمية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال النقاط التالية:

1ـ الذكاء الاصطناعي يُنتج لكنه لا يبدع، يعطيك النتيجة لكنه لا يبني لديك القدرة، يحاكي لكنه لا يكتشف، ولذا فمن لا يمتلك موهبة سيبقى مستهلكا لأدوات الذكاء الاصطناعي، بينما الموهوب هو من يقود الذكاء الاصطناعي ويوجهه ويحسن سؤاله.

2 ـ الموهبة المصقولة تكتشف الخطأ، وتُعَدِّل الاتجاه، وتكسر القالب، وترى ما لا تراه الخوارزميات.

3 ـ اكتشاف الموهبة والتدريب عليها ليس فقط لإنتاج عمل إبداعي، بل لتأهيل إنسان قادر على العمل الإبداعي.

دعونا نطرح الأسئلة التالية:

من سيقرر ماذا سيُطلب من الذكاء الاصطناعي؟

من سيحكم على جودة ما يقدمه الذكاء الاصطناعي؟

من سيحول النتائج إلى حل واقعي يُناسب سياقا بشريا معقدا؟

4 ـ إن الموهوب الذي لم يتدرب بشكل جيد لن يعرف متى يكون إنتاج الذكاء الاصطناعي ضعيفا أو مضللا أو غير مناسب.

5 ـ الذكاء الاصطناعي لا ينافس الموهوبين، بل يقصي المتوسطين ويطرد الكسالى.

6 ـ الذكاء الاصطناعي يجعل غير الموهوب يبدو موهوبا مؤقتا، لكنه يجعل الموهوب الحقيقي قمة في الإبداع، فالموهوب الحقيقي يضيف للآلة ما ينقصها، يضيف لها رؤية، ويضع لها اتجاها، ويخلق بها ما لم يكن موجودا أصلا في بياناتها.

7 ـ إذا لم تتعب في صقل موهبتك، فلن ينافسك الذكاء الاصطناعي، بل سيستغني عنك. أما إذا تعبت في صقل تلك موهبتك، فإنه سيعمل عندك، لا بدلا منك.

إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بدلا من السؤال العنوان، هو السؤال الذي يقول: هل تريد أن تكون مستخدما لأداة، أم صاحب موهبة تقود تلك الأداة؟

لم تتوقف الإضافات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في دورة الموهبة عند هذا الحد، بل إني أضفته إلى أهم العوامل التي تُساعد في اكتشاف وتنمية المواهب، كما أضفته أيضا إلى "عصابة الأشرار" التي تقتل المواهب في وقت مبكر، بل إني جعلته زعيم تلك العصابة، فمن المعروف أن هناك عوامل تساعد في ظهور الموهبة وتنميتها منها الجينات التي وُلد بها الموهوب، والأسرة التي تربى فيها، والمدرسة التي درس فيها، والبيئة المجتمعية والثقافية التي نشأ فيها. ولكن هذه العوامل قد تتحول إلى عصابة من الأشرار لقتل المواهب في وقت مبكر، فالأسرة والمدرسة والبيئة الثقافية والمجتمعية كثيرا ما تقوم بوأد المواهب في وقت مبكر.

إن هذه العوامل التي تساعد في كشف وتنمية المواهب، والتي قد تلعب في الوقت نفسه دورا سلبيا لوأد تلك المواهب، أصبح من اللازم أن نضيف لها اليوم الذكاء الصناعي، فهو قد يُساعد الموهوب في إبراز موهبته وتنميتها، أكثر من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وذلك لما يفتح من فرص هائلة لتنمية وتطوير المواهب والتحسين من انتاج الموهوبين بشكل لم يكن بالإمكان تخيله. ولكنه في المقابل، يمتلك قدرة تدميرية للمواهب لا تقاس بالقدرة التدميرية لكل العوامل الأخرى مجتمعة، ولذا فهو يستحق أن يوصف بزعيم عصابة الأشرار التي تقتل المواهب، إذا ما أعطيت له الفرصة لقتل تلك المواهب، أي عندما يكتفي الموهوب بالحلول الجاهزة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، ويبتعد بالتالي عن الجد والمثابرة والتدريب، ويتوقف عن تكرار المحاولة بعد الأخرى للحصول على نتائج أفضل.

ختاما

الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي ستبقى مهمة، وستبقى من أسباب التميُّز، فالذكاء الاصطناعي حتى وإن كان يفتح أبوابا واسعة أمام الجميع، إلا أنه لن يحل محل الإنسان الموهوب والمبدع الذي يمتلك رؤية وقدرة على إضافة لمسة إبداع على النتائج التي أصبحت متاحة للجميع. 

إن الموهوب الحقيقي هو من سيجعل الذكاء الاصطناعي أداة بين يديه، لا خصما أو منافسا له.

----

الصورة على هامش المؤتمر مع الدكتور يانيس كولاجراكيس وقد أهديته نسخة من كتابي "أيها المواطنون الصالحون أنتم المشكلة".

  يانيس هو رئيس الاتحاد العالمي للمدربين المحترفين، وأنا عضو في هذا الاتحاد.