الأحد، 15 مارس 2026

هل تريدون أن تتكرر فاجعة أخرى؟!


هذه الشاحنة متعطلة قرب الكلم 90 على طريق الأمل، ويمكن أن تلاحظوا أن سائقها وضع "بيدونا أصفر" كبديل للمثلثات العاكسة للضوء ليلا (انظر الصورة).

هناك شاحنة أخرى مغربية متعطلة على طريق الأمل عند الكلم 129 ( تيفكين). يمكنكم أن تلاحظوا قطعة القماش المستخدمة كإشارة تحذير! (انظر الصورة).

بالنسبة لطريق روصو فسنكتفي بهذه الشاحنة التي تعطلت عند الكلم 35 بالضبط، ووضع سائقها قنينة إطفاء (انظر الصورة).

نشير إلى أن الشاحنات المتعطلة على الطريق كثيرا ما تتسبب في حوادث سير مميتة، وقد زرنا في الحملة موقع حادث الكلم 102 على طريق الأمل الذي وقع بعد مغرب الثلاثاء 17 أكتوبر 2023 والذي تسببت فيه شاحنة متعطلة على الطريق، وأدى  إلى وفاة 5 أشخاص فورا من بينهم الداعية المعروف إنجيه ولد زروق (صورة الشاحنة مرفقة خلال زيارتنا لموقع الفاجعة)، وزرنا في العام 2025 موقع حادث سير  وقع قرب قرية اكيمي (21 مايو )، و أدى هو كذلك إلى وفاة 5 أشخاص من نشطاء العمل الخيري بعد ان اصطدمت سيارتهم بشاحنة تعطلت على الطريق.

مساء الثلاثاء الماضي زرنا في الحملة موقع حادث وقع على طريق الميناء وتوفي فيه شابان كانا على دراجة نارية اصطدمت دراجتهما بشاحنة متعطلة على الطريق بعد صلاة المغرب، ولم يكن صاحبها يضع إشارات تحذيرية. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير.





ميثاق المواطنة يعزي أسرة بوبكر مسعود


أدى أعضاء من لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة، مساء اليوم، زيارة تعزية ومواساة لأسرة الفقيد الحقوقي البارز بوبكر ولد مسعود، تقديرا لمسيرته النضالية الطويلة في حقوق الإنسان، ولجهوده الكبيرة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية في موريتانيا.

​ضم الوفد كلا من:

​الوالي السابق صيدو حسن صال.

​الناشط الحقوقي الداه أحمد المختار.

​الناشط في المجتمع المدني باب الشيخ.

​الكاتب محمد الأمين ولد الفاضل.

​وفي سياق متصل، وعقب مداولات أجرتها لجنة الإشراف على الميثاق، تقرر رسميا إطلاق اسم الحقوقي الراحل بوبكر ولد مسعود على "قافلة المواطنة" التي تعدُّ من أهم الأنشطة في برنامج الميثاق للعام 2026.

​تأتي هذه الخطوة الرمزية تقديرا لجهود الراحل في مجال حقوق الانسان وترسيخ قيم المواطنة، وسعيا لإبقاء إرثه النضالي ملهما للأجيال في مسيرة بناء دولة القانون والعدل والمساواة.

#ميثاق_المواطنة

الصورة من اللافتة الجدارية للميثاق، والتي وقعتها في اليوم التوعوي المفتوح أكثر من 100 شخصية وطنية.

ميثاق المواطنة يبدأ لقاءاته بالأحزاب السياسية بلقاء مع رئيس حزب الإنصاف


في إطار سعيه لتفعيل خطته للعام 2026، والتي كان قد أعلن عنها يوم 15 فبراير الماضي، بدأ ميثاق المواطنة سلسلة لقاءاته مع القوى السياسية الوطنية، حيث التقت اليوم لجنة الإشراف على الميثاق، برئيس حزب الإنصاف، المهندس محمد بلال مسعود.

وخلال اللقاء، قدمت اللجنة عرضا مفصلا عن الميثاق، الذي أُعلن عن تأسيسه في يوم 27 نوفمبر 2025، بوصفه إطارا جامعا يهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة، والوحدة الوطنية، وتعزيز الانتماء المشترك للوطن.

وافتتح الحديث الكاتب محمد الأمين الفاضل، قبل أن تتوالى مداخلات أعضاء اللجنة، وهم: الإداري السابق صيدو حسن صال والنشطاء في المجتمع المدني الداه أحمد المختار، وفاطمة منت الداه، ومحمد أمبارك.

وقد ركزت مداخلات أعضاء اللجنة على جملة من المحاور الأساسية، من أبرزها:

- أهمية الميثاق باعتباره ضرورة وطنية لتعزيز الشعور بالانتماء المشترك، ونبذ الخطابات الضيقة.

- خطة الميثاق للعام 2026، والتي ستبدأ بسلسلة من اللقاءات مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

- إطلاق قافلة المواطنة التي ستجوب كل ولايات الوطن، والتي تهدف إلى نشر ثقافة المواطنة وترسيخ قيمها.

ومن جانبه، رحب رئيس حزب الإنصاف بلجنة الإشراف، وأكد في كلمته أن تعزيز المواطنة يمثل أولوية كبرى في أنشطة الحزب، وأنها كانت حاضرة  بقوة في الوثيقة التي قدمتها أحزاب الأغلبية للمنسق الوطني للحوار، مما يعكس مكانتها في اهتمامات الأغلبية عموما، وحزب الإنصاف خصوصا.

كما أكد رئيس الحزب أن الإنصاف يتقاسم مع الميثاق أهدافه الساعية إلى ترسيخ قيم المواطنة، وأنهم في الحزب على استعداد تام لتقديم كل أشكال الدعم للميثاق في أنشطته الهادفة إلى  تعزيز  قيم المواطنة والانتماء الوطني.

ويشكل هذا اللقاء فاتحة لسلسلة من اللقاءات التي ستنظمها لجنة الأشراف لميثاق المواطنة مع مختلف الفاعلين الوطنيين خلال الأيام والأسابيع القادمة، وذلك سعيا منها لضمان تخصيص مساحة واسعة في الحوار المنتظر للمواطنة ولكل ما من شأنه أن يرسخها ويعزز قيمها في نفوس المواطنين.

نواكشوط بتاريخ: 11 مارس 2026

لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة



بيانات النعي لا تكفي: متى تتحرك الحكومة لمواجهة نزيف الطرق؟


 لقد طالعنا اليوم في حملة "معا للحد من حوادث السير" على حساب معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم في الفيسبوك منشورا نَعَتْ فيه مديريْ مدرستين في ولاية كوركول توفيا في حادث سير اليم، وقع يوم الخميس 12 مارس 2026، كما أصيب في الحادث ثلاثة آخرون بجروح متفاوتة حسب المنشور. وقبل ذلك بأقل من ثلاثة أشهر، وتحديدا في يوم 27 ديسمبر 2025، نَعَتْ معالي الوزيرة ثلاثة مدرسين توفوا في حادث سير على طريق نواذيبو، وقبل ذلك بيومين فقط، نَعَتْ ثلاثة من أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى توفوا في حادث سير على طريق أكجوجت. نسأل الله تعالى أن يرحم جميع الضحايا، وأن يَمُنَّ على المصابين في الحادث الأخير بالشفاء العاجل. إن تكرار هذه الحوادث، وما تكشف عنه من خسائر بشرية موجعة داخل الأسرة التربوية، يجعل من غير المقبول أن يظل تفاعل الوزارة مع هذه الحوادث محصورا في بيانات التعزية، حتى وإن كانت تلك البيانات صادقة ومقدَّرة. فالتعزية ورغم أهميتها، لا يمكن أن تكون سياسة وقائية لحماية المدرسين والتلاميذ من النزيف المستمر للطرق. إن المدرسة ليست فقط مجرد فضاء للتحصيل الدراسي، بل إنها ـ وبالإضافة إلى ذلك ـ هي المؤسسة الأقدر على غرس القيم، وتعديل السلوك، وبناء الوعي المدني. ومن هنا، فإن إدراج مبادئ السلامة الطرقية في المناهج الدراسية والأنشطة التربوية أصبح ضرورة ملحة، تفرضها الحوادث المتكررة، وتؤكدها الخسائر المتزايدة في صفوف التلاميذ والمدرسين على حد سواء. لقد سبق لنا في حملة "معا للحد من حوادث السير" أن وجهنا، مع افتتاح العام الدراسي الحالي، دعوة إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم، بتخصيص درس موحد في السلامة الطرقية في أول يوم دراسي، وذلك انطلاقا من قناعتنا بأن التوعية المبكرة أكثر أثرا، وأن المدرسة هي المكان الأنسب لبناء وعي مروري راسخ لدى الأجيال الصاعدة. وللأسف الشديد، لم تجد تلك الدعوة أي تجاوب، رغم وجاهتها، وبساطة تنفيذها، ونبل الغاية منها، فعندما تصبح الطرق مصدرا دائما للخطر على التلاميذ والمربين، فإن إدخال السلامة الطرقية إلى الفضاء المدرسي يصبح جزءا أصيلا من المسؤولية التربوية. واليوم، وبعد أن تكررت حوادث السير الأليمة في الوسط التربوي، يصبح من المشروع لنا في الحملة أن طرح السؤال:  ما الذي يؤخر تفاعل الوزارة مع مطلب بهذا الوضوح، وبهذا القدر من الإلحاح؟ وفي هذا السياق، لا بد لنا أيضا من التذكير بأهمية توفير ونشر الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، لأن أي عمل توعوي أو تربوي جاد لا يمكن أن ينجح في ظل غياب معطيات دقيقة ومحدثة. فالمعلومات المتعلقة بحوادث السير ليست سرا من أسرار الدولة، ولا ينبغي أن تحجب عن الرأي العام والجهات الجادة التي تعمل في مجال التوعية والوقاية، فمن دون هذه المعطيات، لا يمكن تحديد أسباب الحوادث، ولا النقاط السوداء، ولا الفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا بناء سياسات فعالة للحد من حوادث السير، وموجب هذا الكلام، أن الحادث الأليم الذي نشرت عنه معالي الوزيرة لا نعرف حتى الآن سببه، ولا أين وقع، ولا متى وقع بالضبط؟ ولغياب مثل هذه المعلومات، وكثيرا ما تغيب عنا معلومات مشابهة، بسبب عدم وجود أي جهة رسمية تنشر أو توفر على الأقل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، دعونا في المطلب الرابع من "نداء جوك للسلامة الطرقية"  إلى: "توفير ونشر كل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، وإدراج مادة السلامة الطرقية في المناهج الدراسية، بما يضمن غرس ثقافة احترام القانون المروري لدى الأجيال الصاعدة." وقد كنا في الحملة نتوقع أن تسارع الحكومة في تسلم هذا النداء، والذي يشكل ـ حسب اعتقادنا ـ خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا، ومع ذلك فما زالت الحكومة ترفض تسلمه، والاستجابة لمطالبه التسعة عشر. ختاما، إننا في حملة معا للحد من حوادث السير لنؤكد من جديد أن جهودنا الرامية إلى أن يحظى موضوع السلامة الطرقية بما يستحق في المنظومة التربوية، وأن تتبني الحكومة نداء جوك للسلامة الطرقية، لن تتوقف، ومهما كان مستوى التجاهل، وذلك لإدراكنا أن العمل ببنود هذا النداء سيساهم كثيرا في إنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات. نواكشوط بتاريخ: 23 رمضان 1447 الموافق 13 مارس 2026. حملة معا للحد من حوادث السير.

ضريبة الهواتف: حين لا تراعى الظروف عند اتخاذ القرار


استوقفني بيان حزب الإنصاف الصادر يوم 13 مارس 2026، والمتعلق بما بات يُعرف بـ"الضريبة على الهواتف"، واستوقفتني بالذات الفقرة التي جاء فيها:

"ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين وظروفهم المعيشية، خصوصاً فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".

هذه الفقرة تفتح بابا مهما للنقاش، لأن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب.

ليس المهم فقط أن تكون الحكومة على حق في قراراتها، بل المهم أكثر أن تنجح في إقناع المواطنين بأنها على حق. والظاهر حتى الآن أن الحكومة لم تستطع أن تقنع الرأي العام بوجاهة الضريبة التي قررت فرضها على الهواتف، و يعود ذلك إلى عدة أسباب، لعل من أبرزها سوء التوقيت.

إن التوقيت في القرارات الاقتصادية التي تمس حياة الناس ليس مسألة ثانوية، بل هو العامل الحاسم في نجاح القرار أو فشله. فكثيرا ما يتحول القرار الصحيح إلى عبء سياسي واجتماعي إذا اتُّخذ في توقيت سيئ، في حين قد يمرُّ قرار أقل وجاهة بأقل الخسائر إذا جاء في ظرف مناسب، وسبقته تهيئة جيدة للرأي العام.

ومن هذه الزاوية، فإن الإعلان عن ضريبة الهواتف جاء في توقيت غير مناسب لعدة اعتبارات:

أولها أنه جاء في شهر رمضان، وهو شهر ترتفع فيه تكاليف المعيشة على المواطنين، وتزداد فيه الضغوط على الأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود.

ثانيها أنه جاء في ظرف دولي مقلق، وفي ظل حرب تثير مخاوف اقتصادية واسعة، من بينها ارتفاع أسعار النفط، وما يعنيه ذلك من زيادة في أسعار النقل والسلع الأساسية، وهو ما يجعل المواطنين أكثر حساسية اتجاه أي قرار ضريبي جديد من شأنه أن يرفع الأسعار.

وثالثها أن القرار جاء بعد أن قطعت الدولة أشواطا مهمة في الرقمنة، ومن المعروف أن الهاتف لم يعد سلعة كمالية في حياة كثير من المواطنين، بل أصبح أداة أساسية للولوج إلى الخدمات، والتواصل، والعمل، والتعلم، والاندماج في الفضاء الرقمي. ومن ثم، فإن أي زيادة كبيرة في أسعار الهواتف قد تنعكس سلبا على الفئات الهشة، وتحدُّ من اتساع استخدام الوسائط الرقمية، في وقت تبذل فيه الدولة جهودا معتبرة لتعزيز الرقمنة وتوسيع الاستفادة منها.

رابعها أن هذا القرار لم يسبقه، في نظر كثيرين، ما يكفي من الصرامة في مواجهة ملفات الفساد الكبرى أو التهرب الضريبي لدى الأغنياء. فحين لا يرى المواطن البسيط حزما واضحا مع من ينهبون الأموال الضخمة أو يتحايلون على الضرائب بمبالغ كبيرة، يصبح من الصعب إقناعه بوجاهة التشدد معه في ما يؤثر على حياته اليومية بشكل مباشر.

يكفي هنا أن نذكر بأن الإعلان عن هذه الضرائب تزامن مع سجن ومحاكمة رئيس منظمة الشفافية الشاملة الذي أنصفه القضاء في أحد الملفات التي فتحها، ومع ذلك فلم يُتَّخذ أي إجراء لاستعادة الأموال المنهوبة في ذلك الملف، والتي أكد القضاء نهبها.

خامسها، إن المشكلة ليست فقط في قيمة الضريبة أو أصل القرار، بل كذلك في الإحساس العام بالعدالة. فالفقراء لا يعترضون عادة على القرارات الصعبة لمجرد أنها صعبة، بل لأنهم يريدون أن يشعروا بأن الجميع يخضع للمعايير نفسها، وأن الأعباء لا تُفرض دائما على الحلقة الأضعف.

إن المتضرر المباشر أو الأكثر استشعارا لأثر هذه الضريبة هم آلاف الشباب، المنحدرين في غالبيتهم من الأوساط الفقيرة أو المتوسطة، والذين يعتمد كثير منهم على التجارة والخدمات المرتبطة بالهواتف ومشتقاتها كمصدر رزق، ولذلك فقد يُفهم رفع الضريبة على الهواتف، في هذا السياق، باعتباره رسالة سلبية إلى شريحة كانت محل عناية خاصة في هذا  العهد الذي رفع شعارات دعم الفئات الهشة وتمكين الشباب، واتخذ بالفعل جملة من الإجراءات لصالح الفئات الهشة والشباب، كان من آخرها الإعلان عن اكتتاب 3000 شاب من خلال مسابقات قائمة على الرقمنة.

لستُ هنا بصدد مناقشة شرعية القرار من حيث الأصل، ولا حق الدولة في جباية الضرائب وأهمية ذلك الحق، وإنما بصدد التنبيه إلى الانعكاسات السلبية لهذا القرار، وسوء الفهم الذي قد يسببه لدى الفئات الفقيرة عموما، ولدى الشباب خصوصا.

إن القرار  الحكومي لا يُقاس فقط بسلامته القانونية أو الاقتصادية، بل يُقاس أيضا بآثاره الاجتماعية، وبرسائله الرمزية، وبمدى انسجامه مع أولويات المرحلة. وأي قرار لا يرتاح له الفقراء، ولا يتحمس له الشباب، ولا تشعر معه الفئات الهشة بالإنصاف، هو قرار ستكون كلفته السياسية والإعلامية أكبر من جدواه، خاصة في هذا العهد الذي يولي اهتماما خاصا بالفئات الهشة والشباب.

حفظ الله موريتانيا...


الثلاثاء، 10 مارس 2026

عن انتصار ترامب الوهمي والدعائي


يبدو أن دونالد ترامب بدأ يهيئ الرأي العام الأمريكي والعالمي للقطة الأخيرة التي سيعلن فيها عن نهاية حربه على إيران وانتصاره غير المسبوق الذي حقق في تلك الحرب.

يعتقد ترامب أن الحروب يمكن أن تحسم بالضجيج الإعلامي، وأن  الهزيمة تمكن تغطيتها بكثرة الحديث عن نصر وهمي.

صحيح أن الحرب الحالية ألحقت بإيران دمارا كبيرا، وصحيح كذلك أن أمريكا وإسرائيل تملكان قدرة كبيرة على التدمير، ولكن الصحيح أيضا أن الحروب لا تُقاس نتائجها فقط بما تُحدثه من دمار مباشر، بل بما ستُنتجه من تحولات سياسية واستراتيجية في مناطق نشوب تلك الحروب وفي العالم، وهذا بالضبط هو ما يجعلنا نطرح  السؤال عن الوجه الآخر لنتائج الحرب، والذي لم يتحدث عنه ترامب.

قد يكثر ترامب في الأيام بل وفي الساعات القادمة من إطلالاته الإعلامية التي يقول فيها إنه دمر إيران بحرا وجوا وبرا، ولكن بعيدا عن ثرثرة ترامب، دعونا ننظر إلى الوجه الآخر من نتائج هذه الحرب، ونطرح السؤال: هل انتصر ترامب على إيران كما يدعي في أحاديثه وتصريحاته وتغريداته المتكررة؟

سنجيب على هذا السؤال من خلال النقاط العشر التالية:

أولا: منح ترامب بحربه للمرشد السابق فرصة الاستشهاد في شهر رمضان الكريم، وذلك بعد أن بلغ من العمر عتيا، وجاء بدلا منه الابن، والذي تقول كل المؤشرات بأنه سيكون أكثر تشددا من الأب، وأشد عداءً للولايات المتحدة من والده.

طالعتُ تغريدة معبرة تم تداولها كثيرا مفادها أن أمريكا أسقطت طالبان في أفغانستان لتأتي بطالبان، وأسقطت خامنئي في إيران لتأتي بخامنئي!؛

ثانيا: بدلا من أن تؤدي الحرب إلى تفكيك التيار "المتشدد" في إيران أو تضعفه، أضعفت بدلا من ذلك التيار "المنفتح" والذي سحبت منه حرب ترامب أي حجة يمكن أن يواجه بها الشعب الإيراني لإقناعه بوجاهة طرحه؛

ثالثا: عرفت إيران قبل الحرب توترات داخلية واحتجاجات واسعة مناهضة للنظام، ولكن البوصلة تغيرت خلال الحرب التي عبأت الشارع، وجعلت الحشود الكبيرة تخرج للتنديد بالحرب ولتأكيد دعمها للمرشد الجديد.

كانت أمريكا تعتقد أن الحرب ستُخرج الإيرانيين إلى الشارع للاحتجاج ضد النظام، فإذا بها تزيد من شعبية النظام، ولو مؤقتا؛

رابعا:  كان البعض قبل الحرب يعتقد أن المقاومة في لبنان انتهت، فجاءت الحرب لتظهر أنها ما زالت قادرة على قصف إسرائيل بقوة؛

خامسا: كان ترامب يُمَني الأمريكيين قبل الحرب بخفض الأسعار والتحسين من ظروف عيشهم، فجاءت حربه على إيران لترفع من أسعار النفط، ولتصعب الحياة على الأمريكيين وعلى غيرهم؛

سادسا: كانت القواعد الأمريكية في المنطقة تطمئن بعض قادة الخليج بتوفير الحماية لبلدانهم، فجاءت هذه الحرب لتؤكد لؤلئك القادة أن تلك القواعد تجلب لهم من العداء والدمار أكثر مما تجلب لهم من حماية وأمان. لقد عرت هذه الحرب أمريكا وقواعدها أمام القادة في الخليج؛

سابعا: أعادت الحرب إحياء الخطاب المعادي للولايات المتحدة في المنطقة، وأصبحنا نسمع من بعض النخب الخليجية ما لم نكن  نسمعه في الماضي عن جدوائية الاعتماد على أمريكا؛

ثامنا: دفعت الحرب إيران إلى التفكير بشكل أكثر جدية في تعزيز قدراتها الردعية، وربما تسريع برنامجها النووي بدل إيقافه. دول أخرى في المنطقة ستفكر بنفس الطريقة؛

تاسعا: كانت إيران قبل الحرب الحالية تعرف بصبرها الاستراتيجي وحذرها الشديد الذي جعلها تضيع فرصا عديدة من أهمها عدم الدخول في حرب مع إسرائيل يوم السابع من أكتوبر ، ولكن الحرب الحالية جعلت إيران تبدل صبرها الاستراتيجي بغضب وجرأة لم يكن أحد يتوقعها، فأغلق مضيق هرمز وبدأت تقصف عدة دول في وقت واحد؛

عاشرا: ستستفيد الصين وربما الروس من هذه الحرب كثيرا، وذلك لكونها من الحروب القليلة التي يتغيب فيها الأوروبيون عن مناصرة أمريكا، ولكونها كذلك من أكثر الحروب التي كشفت عن نقاط ضعف أمريكا.

بكلمة واحدة: إن ما يحاول ترامب تسويقه على أنه نصر حاسم قد لا يكون، في جوهره، أكثر من نصر إعلامي في خطاباته التي لا تنتهي أبدا.

السبت، 7 مارس 2026

انتصار وهمي أم استفزاز مقصود؟/ قراءة في تصريحات ترامب الأخيرة حول إيران


في مقالي الأخير "موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران"، المنشور صبيحة يوم الجمعة 06 مارس 2026، جددتُ الدعوة إلى ضرورة التفكير الجدي في تشكيل حلف عربي إسلامي، تشكل نواته الصلبة من السعودية، إيران، تركيا، مصر، وباكستان. وقد تضمن المقال الدعوة إلى اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة، أبرزها ضرورة نأي دول الخليج بنفسها عن الهجوم على إيران، وفي المقابل توقف إيران عن استهداف دول الجوار، على أن تركز في هجومها على العدو الصـ.هيوني.

​وما هي إلا ساعات، حتى استبشرنا خيرا بكلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي حملت اعتذارا صريحا لدول الجوار، وإعلانا بقرار "مجلس القيادة المؤقت" تعليق الهجمات، شريطة عدم انطلاق أي عدوان من تلك الدول.

​ثم بعد ذلك جاء تصريح للرئيس الأمريكي ترامب ادعى فيه أن إيران اعتذرت واستسلمت لجيرانها بعد هزيمة نكراء. ورغم أن محاولة فهم دلالات كلام ترامب مغامرة محفوفة بالمخاطر - نظرا لأسلوبه الذي يفتقر غالبا لخيط ناظم، ويتسم دائما بالتناقض والثرثرة - إلا أنه يمكننا حصر تصريحه الأخير ضمن فرضيتين:

​الفرضية الأولى: أن يكون التصريح  تمهيدا ذكيا لوقف الحرب؛ فمن خلال تسويق فكرة "هزيمة إيران واستسلامها"، سيجد ترامب مخرجا سياسيا للاحتفال بنصر وهمي لتبرير إيقاف العمليات العسكرية.

​الفرضية الثانية: محاولة استفزازية لعرقلة التقارب؛ حيث صدمت خطوة بزشكيان الإدارة الأمريكية التي تخشى تفرغ إيران كليا لمواجهة إسرائيل. لذا، يسعى ترامب لاستفزاز طهران ودفعها لاستئناف الهجمات على الخليج، لكي لا يبدو توقفها الآن "صك استسلام" كما زعم هو  في خطابه.

​ختاما، إننا إذ نرحب بتوجه القيادة الإيرانية الجديد وبضبط النفس العالي الذي تمارسه حتى الآن دول الخليج، فإننا نؤكد أن حماية المنطقة من الأطماع الأمريكية الإسرائيلية تبدأ من سد أبواب الفتنة البينية، والتمسك بخيار "الحلف العربي الإسلامي" كدرع وحيد سيضمن الأمن في المنطقة.


الجمعة، 6 مارس 2026

موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران


في عالمٍ يمورُ بالتحولات المتسارعة، وتتبدل فيه موازين القوى مبشرة ـ أو منذرة ـ بتشكل عالم متعدد الأقطاب، يخطئ من يظن أن الجمود في المواقف يعدُّ ثباتاً على المبادئ. إن التمسك بالثوابت في المواقف، لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ تجاهل المتغيرات السريعة التي تحدث أمام أعيننا؛ فالعالم يتغير بسرعة كبيرة، ويكفي أن نذكر في هذا المقام أن رئيس "أقوى دولة" قرر أن يلغي الأمم المتحدة بكل هيئاتها، ويستبدلها بواجهة تجارية سماها "مجلس السلام"، ولما أخذ مئات المليارات من دول الخليج باسم هذا المجلس، أشعل واحدة من أخطر الحروب، والتي سيكون المتضرر الأول منها هو دول الخليج التي أنفقت بسخاء حاتمي على "مجلس سلامه".

إن الحكمة تقتضي أن نراجع دائماً مواقفنا في عالم كهذا لم يعد يحكمه أي منطق، ومن هذا المنطلق، يأتي موقفي الشخصي "المركب" من العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

سأكون دائماً مع من يحارب العدو الصهيوني

 لقد كنتُ، ولا زلت، أنتقد التغلغل الإيراني في بعض الدول العربية، وكنتُ أرى فيه تهديدا للمنطقة، ولكن ذلك لن يمنعني من أن أقف اليوم مع إيران وهي تقصف بقوة العدو الصهيوني، وتقف وجها لوجه ـ وبكل شجاعة وثبات ـ أمام غطرسة وجنون الرئيس الأمريكي ترامب.

أقولها اليوم، وبدون مواربة: إني أدعم وبقوة إيران في حربها مع أمريكا والعدو الصهيوني، وكيف لا أدعمها وهي الدولة الوحيدة التي تضرب الآن الكيان الصهيوني بشراسة، في وقت رفعت فيه كل الدول العربية راية الاستلام، بل إن بعضها انخرط في تطبيع مذل؟

وهمُ الحماية الأمريكية

 إن ما يجب أن يُدركه قادة الدول العربية والإسلامية، هو أن "القلب الأمريكي" ـ إن كان لأمريكا قلبٌ ـ لا يتسع إلا لحب واحد، وهو حب إسرائيل والدفاع عنها، وهذا الحب الأعمى لإسرائيل، هو الذي جعل ترامب يُبدل شعاره الانتخابي "أمريكا أولا" بـ "إسرائيل أولا"، وقديماً قالت العرب: "ومن الحب ما قتل"، وفي اعتقادي الشخصي أن حب أمريكا الجنوني لإسرائيل قاتلها، أو بعبارة أدق؛ سيكون سببا في تراجع قوتها ونفوذها.

على الدول العربية، وخاصة دول الخليج، أن تدرك أنها مهما أنفقت من الأموال على أمريكا، وحتى وإن احتضنت كل قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، فإن كل ذلك لن يمنع أمريكا من أن تضحي بتلك العلاقات إذا ما اقتضت مصلحة إسرائيل ذلك، ومن المؤكد أن مصلحة إسرائيل ستقتضي ذلك.

إن العقيدة الصهيونية تقوم على أنه "لا مكان لدولة قوية في المنطقة"، بغض النظر عن نظام حكمها؛ فإسرائيل ترى في أي نهضة عسكرية أو اقتصادية أو تقنية لأي دولة عربية أو إسلامية تهديدا وجوديا لها. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تنتبه لها السعودية بالذات؛ فالدور الريادي الذي تطمح له المملكة العربية السعودية في المنطقة، لن يكون محل ترحيب أبدا، لا في تل أبيب ولا واشنطن.

أما بالنسبة للإمارات التي تتلقى اليوم أقوى هجوم من إيران، فعليها أن تأخذ الدروس والعبر من المصائب التي أتتها دفعة واحدة في الفترة الأخيرة (الخلاف مع السعودية ـ ملفات جيفري إبستين ـ تركيز الهجوم الإيراني عليها). على الإمارات أن تدرك أن الارتماء في أحضان العدو الصهيوني لن يحميها، وأن قيادتها للتطبيع في المنطقة، وابتداعها للإبراهيمية لن يجلب لها خيرا ولا أمنا.

لا بد من تشكيل حلف عربي إسلامي

 لم يعد تشكيل حلف عربي إسلامي في عالم مضطرب لا تحكمه أي قوانين ولا أي أعراف دولية مجرد خيار قابل للتأجيل، بل أصبح ضرورة بقاء بالنسبة للدول العربية والإسلامية الكبرى قبل الصغرى. ولتأسيس هذا الحلف، الذي من المهم أن تتشكل نواته الصلبة من (السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، وباكستان)، فلا بد من اتخاذ إجراءات ضابطة يتم التقيد ببعضها خلال الحرب المشتعلة حاليا، والتقيد ببعضها الآخر بعد انتهاء الحرب، وتتمثل هذه الضوابط في: 

ـ على دول الخليج ألا تهاجم إيران مهما كان مسار الحرب الحالية؛ 

ـ على إيران أن تتوقف فورا عن توجيه ضربات إلى دول الخليج، وأن تركز في المرحلة القادمة على العدو الصهيوني؛

عندما تتوقف الحرب، وبعد أن تكون دول الخليج قد تأكدت من أن الرهان على أمريكا لحمايتها كان رهانا خاسرا، فحينها يجب البدء في التمهيد لتشكيل الحلف من خلال اتخاذ الخطوات التالية لبناء الثقة: 

ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛

 ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج منح الأموال الضخمة لترامب؛

 ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.

بكلمة واحدة: لقد ولى زمن الرهانات المنفردة، وبدأ زمن الأحلاف الكبرى، فهل يستوعب قادة الدول العربية والإسلامية الكبرى الدرس قبل فوات الأوان؟

موقف موريتانيا: الرسمي والشعبي

 بصفتي مواطنا موريتانيا، أتفهم جيدا الموقف الرسمي لبلادنا المنحاز لدول الخليج؛ فدول الخليج لم نعرف منها في الماضي والحاضر إلا خيرا، وهي لم تقصر يوما في دعم حكوماتنا المتعاقبة، ولا في استقبال واحتضان جالياتنا. حتى الكويت التي وقفنا ضدها حكومة وشعبا بعد غزو العراق لها، لم تناصبنا العداء، بل استمرت في تقديم الدعم لحكوماتنا المتعاقبة. كل هذا يفرض على النظام أن يتخذ موقفا منحازا لدول الخليج، خاصة عندما تتلقى قصفا على أراضيها، مثلما يحدث الآن.

لكن، وفي المقابل، على الحكومة أن تتفهم كذلك موقف الشارع، أو موقف أغلبيته؛ فلا يمكن للشارع الموريتاني المناصر دائما وأبدا لفلسطين، إلا أن يدعم إيران في حربها الحالية ضد أمريكا والكيان الصهيوني.

بكلمة واحدة: لا إشكالية في موقف رسمي داعم لدول الخليج، وموقف شعبي متعاطف مع إيران، وكل من الموقفين يكمل الآخر.