الاثنين، 8 سبتمبر 2025

تقرير عن حصيلة الأسبوع الأول من سبتمبر


بقلوب يعتصرها الألم، تعلن حملة "معًا للحد من حوادث السير" عن حصيلة الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، وهي حصيلة ثقيلة تُعيد التذكير بأن طرقنا ما زالت تحصد أرواح المسافرين يوميًا، وذلك في ظل غياب أي إجراءات جادة للحد من هذا النزيف المتواصل.

ملاحظات أولية:

- هذه الحصيلة تشمل فقط الحوادث التي سُجلت فيها وفيات.

- هناك حوادث سير سُجلت فيها إصابات حرجة، لكننا لا نملك أي معلومات عن مصير أصحابها.

- هناك كذلك حوادث سير مميتة أخرى قد تقع ولا تصلنا أخبارها، فنحن في الحملة نعتمد في جمع المعلومات على وسائل تقليدية نظرًا لغياب أي جهة رسمية تنشر للعموم بيانات دقيقة عن الحوادث.

تفاصيل الحوادث المميتة المسجلة لدى الحملة:

فاتح سبتمبر: ثلاث حوادث مميتة  

• طريق نواذيبو (الكلم 20): 4 وفيات وإصابة واحدة.  

• طريق روصو (الكلم 75): حالة وفاة واحدة.

• وفاة طفل في الغايرة بعد أن دهسته سيارة.

03 سبتمبر: ثلاثة حوادث، بينها حادث مميت على طريق أكجوجت – أطار أودى بحياة 3 أشخاص من أسرة واحدة، مع إصابة شخصين.

04 سبتمبر: حادثان مميتان  

• مدخل مدينة كيفة الغربي: وفاة طفلين على الفور، وإصابة طفل ثالث إصابة حرجة، وإصابة السائق.  

• طريق الأمل (الكلم 38): وفاة شخص واحد.

05 سبتمبر: حادثان مميتان  

• مدخل صنكرافة الشرقي: وفاة شخص واحد وإصابة آخر.  

• قرية بوحديدة – ألاك: عملية دهس أدت إلى وفاة طفل (4 سنوات).

07 سبتمبر: حادث قرب مطار لعيون أدى إلى وفاة شابين وإصابة ثالث.

الحصيلة:  

في أسبوع واحد فقط، فقدت موريتانيا ما لا يقل عن 16 شخصًا بسبب حوادث السير (أكثر من شخصين كل يوم بلغة المتوسطات الإحصائية). وهو عدد قد يكون أقل من العدد الحقيقي لغياب المعلومات عن مصير المصابين، ولعدم اطلاعنا على بعض الحوادث.

ملاحظات مقلقة:  

يُعرف موسم الخريف بارتفاع معدلات الحوادث، وتزامن موسم الخريف هذا العام مع زيادة كبيرة في عدد المهرجانات الثقافية التي نُظمت في مختلف المدن، مما زاد من كثافة حركة السير عبر محاور شبكتنا الطرقية.

رغم هذه الظروف، لم تُسجَّل أي إجراءات وقائية جديدة:  

• وزارة التجهيز والنقل لم تُكثف بهذه المناسبة أنشطتها المحدودة أصلًا في مجال السلامة الطرقية.  

• مؤسسة أشغال صيانة الطرق لم تطلق خطة استثنائية للتعامل مع المقاطع المتهالكة أصلًا، ولا مع  تلك المقاطع التي تضررت حديثًا بسبب الأمطار.  

• نقاط التفتيش الأمنية لم تُعزَّز الرقابة على السرعة المفرطة ولا الحمولة الزائدة وبقية المخالفات.  

• لم تُطلق حملات توعوية واسعة للحد من المخاطر المتزايدة.

نداؤنا:  

إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي أرواحٌ أُزهقت وأُسرٌ فقدت أعزاءها، ولذا فإننا نطلق نداءً إلى كل الجهات المعنية بضرورة تكاتف الجهود للحد من "حرب الشوارع" المستمرة على مختلف محاور شبكتنا الطرقية.

إننا ندعو تحديدًا إلى:  

1. إطلاق خطة طوارئ في مجال السلامة الطرقية خاصة بموسم الخريف والمهرجانات.  

2. المسارعة في إصلاح المقاطع الطرقية المتضررة، مع الإشادة بما تم ترميمه في السنوات الأخيرة، وخاصة على طريق الأمل، والذي هو الآن في أحسن حالاته منذ عقود.  

3. تعزيز وتفعيل الرقابة الأمنية، وفرض المزيد من الصرامة في تعامل نقاط التفتيش مع سالكي الطرق.  

4. إطلاق حملات توعوية واسعة يُشرك فيها المجتمع المدني ووسائل الإعلام، ويأخذ فيها العلماء والأئمة دورهم المنتظر في إنقاذ الأنفس من مجازر الطرق.

نواكشوط بتاريخ: 07 سبتمبر 2025

حملة "معًا للحد من حوادث السير"

الأحد، 7 سبتمبر 2025

ليت نشطاء الفيسبوك تعلّموا من النمل!


في مملكة النمل، يمكن للإنسان أن يتعلم درسًا بليغا، ربما يكون من أهم الدروس التي يجب عليه أن يتعلمها؛ فالنمل يمتلك قدرة عجيبة ومدهشة في تحديد الجهد المطلوب لكل عمل، فلا يُهدر طاقته في توافه الأمور، ولا يتقاعس أبدا إذا ما واجه عملا عظيما يستحق البذل والتضحية.

يُروى عن أحد دارسي سلوك النمل أنه غطَّى قطعتين من مادتين مختلفتين بالسكر، وكان حجم القطعتين متساويا وشكلهما متطابقا، ولكن وزن إحداهما كان يُضاعف وزن القطعة الثانية ثلاث مرات.  

اكتشفت نملةٌ القطعتين، فعادت إلى مستعمرتها، وجاءت بتسع نملات لحمل القطعة الأخف، وبسبع وعشرين نملة لحمل القطعة الأثقل ثلاث مرات من القطعة الأخف!  

أليست هذه دقة مدهشة في ضبط الجهد اللازم لكل عمل؟ أليس هذا تخطيطا مذهلا في عدم الإسراف في الجهد والطاقة، وكذلك عدم البخل بهما عندما تكون هناك حاجة للإنفاق منهما؟  

إن كل الأعمال والمهام في مملكة النمل تنال ما تستحق من جهد وطاقة، دون أي زيادة أو نقصان، حتى ولو كانت تلك الزيادة أو ذلك النقصان طفيفا جدا.

ليتنا نحن ـ في هذا الفضاء الافتراضي (أما الفضاء الميداني فلا تسأل عنّا فيه) ـ تعلمنا من النمل هذه الدقة المتناهية في بذل الجهد والطاقة؛ فكم من قضايا ثانوية شغلتنا بنقاشات لا بداية لها ولا نهاية، وكم من قضايا مصيرية تُركت على هامش اهتماماتنا، ولم تحظَ حتى بالحد الأدنى من النقاش.  

ولو أردنا أن نعبّر عن ذلك حسابيًا، فسنجد أن 80% من المواضيع التي نناقشها في الفيسبوك لم تكن لتستحق عُشر ما كُتب عنها، وأن 80% من القضايا الأهم التي كان علينا أن نركِّز عليها في نقاشاتنا لا تنال عُشر ما كانت تستحق من اهتمام!

نحن في هذا الفضاء أحوج ما نكون إلى دروس متكررة في ترتيب الأولويات، ودروس أخرى في اختيار التوقيت الأنسب لإثارة النقاش حول بعض القضايا والملفات العالقة.

إن ما دفعني لاستحضار تجربة النمل هذه، هو هذا الجدل الواسع والنقاش المحتدم حول بعض الهويات الضيقة، وقد شغل هذا النقاش نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي عن قضايا وملفات أخرى أكثر أهمية.  

وإن كان لا بد من فتح نقاش عن الهوية في مثل هذا الوقت بالذات، فلنوجّه بوصلة النقاش في اتجاه الهوية الوطنية الجامعة؛ فنحن في هذه البلاد بأمسّ الحاجة لما يجمعنا لا لما يفرّقنا.  

فلنوجّه بوصلة النقاش إلى هوية "الموريتاني" أيًّا كان عرقه، أو شريحته، أو جهته.  

وأنا لن أحدثكم هنا عن هوية الموريتاني من منظوري الخاص، ولن أقدِّم لكم اجتهادات شخصية عن الهوية قد تُخطئ أو تُصيب، وإنما سأحدثكم عنها من خلال ديباجة دستوركم وصريح مواده؛ فالدستور الموريتاني ـ وكما قلتُ في مقال سابق ـ قد حسم هوية الموريتاني، وحدّد لها أربعة مرتكزات أساسية، لا خامس لها:

1. دينه الإسلام: فالموريتاني مسلم، لا يُجيز له الدستور، وقبل ذلك لا يُجيز له الشرع، أن يبتغي دينا غير الإسلام. يقتضي هذا المرتكز الأول للهوية أن يتمسك الموريتاني بالدين الإسلامي، وأن يدافع عن قيم هذا الدين وثوابته؛  

2. عربي إفريقي: فهويّة الموريتاني جينيّا وجغرافيا عربية وإفريقية معا؛  

3. لغته الرسمية العربية: فاللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في موريتانيا، ويفترض هذا المرتكز أن يتعامل الموريتاني مع اللغة العربية على أساس أنها لغته الرسمية، مهما كان انتماؤه العرقي أو الشرائحي؛  

4. لغاته الوطنية: هي البولارية والسنونكية والولفية، وهي تمثِّل ـ حسب ديباجة الدستور ـ إرثا وطنيّا مشتركا لكل الموريتانيين، لا فرق في ذلك بين من كانت هذه لغته الأم ومن لم تكن.

هذه المرتكزات الأربع هي التي تحدد الهوية الوطنية الجامعة للموريتانيين، والتي علينا أن نتفق عليها أولا، وندافع عنها قبل أن نخوض في هويات ضيقة ستزيد من انقسام وتشظِّي المجتمع الموريتاني، الذي يحتاج إلى أشياء أخرى كثيرة أكثر أولوية وإلحاحا من نقاشات قد تزيده تشظّيا وانقساما.

حفظ الله موريتانيا...

الجمعة، 5 سبتمبر 2025

مالي.. أزمة متفاقمة وارتدادات مقلقة


ما يجري في مالي اليوم يتجاوز حدودها ليشكّل أزمة إقليمية ذات تداعيات خطيرة ومباشرة على موريتانيا وبقية جيران مالي. الأزمة معقدة ومركبة، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية، مما يجعل التعامل معها تحديًا استثنائيا.

الخيار الصعب: بين خطورة التدخل وضرورته!

من حيث المبدأ، لا يمكن لموريتانيا أن تخاطر بتدخل عسكري مباشر داخل الأراضي المالية، فذلك يتناقض مع مبادئ السيادة، ومخاطره متعددة، ويجب أن يبقى التدخل العسكري خطا أحمر  دائما، وفي كل الظروف، لكن في المقابل، ليس من المقبول أيضا أن تقف الدولة مكتوفة الأيادي أمام تهديد يطال شيخ الطريقة الحموية محمدو ولد الشيخ حماه الله، والتي هي طريقة لها مكانتها الرمزية وأتباعها الكثر في موريتانيا. فالقضية هنا لا تتعلق بتهديد شخص مع أهمية هذا الشخص، وإنما تتعلق بتهديد شيخ طريقة تشكل جزءا من الامتداد الروحي والثقافي والاجتماعي لموريتانيا في فضائها الإقليمي.

خطوة وقائية عاجلة

أول ما يجب التفكير فيه هو إخراج  شيخ الطريقة الحموية مع بعض أتباعه من الأراضي المالية، بشكل مؤقت، حتى تتضح مآلات الوضع، والقرار يجب أن يتخذه الشيخ الذي ما زال يرفض الخروج من مالي حسب ما يتم تداوله إعلاميا.

 خروج الشيخ من مالي يعد خطوة ضرورية لحمايته شخصيا، ولحماية محيطه من أي مواجهات محتملة، كما أنها تمنح وقتا له وللدولة الموريتانية لتقدير الموقف وصياغة سياسة متوازنة. أظن أن قرار الخروج يجب أن يتخذه الشيخ محمدو في أسرع وقت ممكن. 

الخلاف بين المتصوفين والسلفيين وقود إضافي للأزمة

أزمة مدينة انيور الحالية ليست أزمة أمنية فقط مرتبطة بالحركات المسلحة، وإنما هي أيضا أزمة دينية تذكي الصراع والخلاف بين الحركات السلفية والطرق الصوفية، ومما يزيد الأمر تعقيدا هو تزامنها مع ذكرى المولد النبوي الشريف حيث تعتبره االطرق الصوفية عيدا يجب تخليده والاحتفال به، بينما يعتبر بعض السلفيين الاحتفال به بدعة بل وكفر وضلال مبين. 

هذا الخلاف لا يمكن التقليل من شأنه، عند الحديث عما يجري حاليا من حصار لمدينة انيور، خاصة وأن من يحاصر المدينة حاليا كان قد اختطف وقتل شيخا متصوفا في وقت سابق.

بالنسبة لنا في موريتانيا، هناك ثلاثة دروس أساسية ينبغي استخلاصها من المشهد المالي:

1. أولوية الوقاية: منع امتداد الفوضى التي أصبحت على حدودنا من الوصول إلى الأراضي الموريتانية، وذلك عبر تعزيز الرقابة الحدودية وتكثيف التعاون الاستخباراتي.

2. حماية شيخ الطريقة الحموية: فحماية الشيخ محمدو  تدخل في إطار الأمن القومي لموريتانيا، لأن استهدافه يعني استهداف طريقة صوفية لها حضورها وتعتبر جزءا من النسيج الاجتماعي والديني في موريتانيا.

3. توازن العلاقات: الحفاظ على علاقة جيدة مع الحكومة المالية القائمة، مع الانفتاح على الأطراف الفاعلة الأخرى، لضمان لعب دور وساطة محتمل إذا ما نضجت الظروف لذلك.

ففي ضوء المشهد الحالي في مالي وتعقيداته المتشعبة، فربما تكون موريتانيا مدعوة ـ أكثر من غيرها ـ لطرح مبادرة إقليمية لحل الأزمة في مالي.

ختاما: الأزمة المالية ليست أزمة مالي وحدها؛ إنها أزمة جوارنا الإقليمي كله. وموريتانيا، بحكم التاريخ والجغرافيا والروابط الروحية، لا تستطيع أن تنأى بنفسها عنها. الخيار الصائب ليس في التدخل العسكري، ولا في الوقوف موقف المتفرج، وإنما في  الجمع بين الحذر الدبلوماسي، واليقظة الأمنية، وحماية الموريتانيين كل الموريتانيين في مالي وعلى رأسهم الشيخ محمدو، ويستدعي ذلك تشكيل خلية أزمة أو لجنة وزارية ( الدفاع، الداخلية، الخارجية) تتابع ما يجري على الحدود يوميا، وتتخذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.

---

في ظل هذه التعقيدات البالغة الخطورة على حدودنا الشرقية ما تزال نخب التشظي منشغلة بنقاش لا يفيد حول بعض الهويات الضيقة. 

حفظ الله موريتانيا...

هذه هي هويتي: مقال رأي في مواجهة نخب التشظي!


في خضم الحرب المستمرة التي تخوضها بعض نخب التشظي ضد الدولة الوطنية، وفي ظل محاولات متكررة منها لتقويض ثقافة المواطنة، يعود الجدل العقيم حول الهويات الضيقة ليطفو على السطح من جديد. هذا الجدل، الذي ما كان له أن يُفتح أصلا، لو أن بوصلة النقاش وُجهت نحو القضايا الجوهرية التي تستحق فعلًا نقاشًا جادًا ومعمقًا في هذه المرحلة. ولعل ما يحدث حاليا في مالي، وانعكاساته المتوقعة على موريتانيا، هو إحدى تلك القضايا التي تستحق أن تُفتح حولها نقاشات وطنية مسؤولة.

ولأني لا أرغب في الانجرار إلى هذا الجدل العقيم، فقد ارتأيت أن أتناول سؤال الهوية من زاوية وطنية جامعة، بعيدا عن منطق التشظي والانقسام. فلتتشظَّ نخب التشظي ما شاء لها أن تتشظى، ولكن عليها أن تدرك أن المجتمع الموريتاني سيظل متماسكا، وأن صلات الأخوة والتضامن بين شرائحه وأعراقه ستبقى قوية، عصية على محاولات التشظي والتفكيك.

إن هوية الموريتاني – يا نخب التشظي – لم تعد محل نقاش ولا مجال اجتهاد، أو هكذا يجب أن تكون، بعد أن حددها الدستور، الذي يُفترض فيه أنه الوثيقة القانونية الأسمى التي نحتكم إليها عند أي خلاف. وإذا كانت بعض مواد هذا الدستور لا تروق لكم، فلتسلكوا المسار القانوني لتعديلها، ولتحشدوا ما يكفي من النواب ومن أصوات المواطنين عند الاستفتاء الشعبي. لكن المشكلة أن الشعب الموريتاني المتآخي لن يدعمكم في مسعى التفكيك والتشظي الذي تسعون إليه.

لقد قال الدستور الموريتاني كلمته الفصل في هوية الموريتاني، أيا كان أصله أو نسبه أو عرقه: إنه مسلم، عربي، إفريقي.

هكذا نصّت ديباجة الدستور، وأكدت مادته الخامسة أن الإسلام هو دين الشعب والدولة.

ثم جاءت المادة السادسة لتقرر أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للجمهورية الإسلامية الموريتانية، وأن البولارية والسوننكية والولفية لغات وطنية، وموروث وطني مشترك لكل الموريتانيين دون استثناء، ويجب على الدولة باسم الجميع حفظه وتطويره.

إنه ترتيب بليغ؛ فحين نحسم دين الشعب ولغته حسما قويا صريحا غير قابل للتأويل، نكون قد حسمنا تقريبا هويته. والشعب الموريتاني هو شعب مسلم، لغته الرسمية هي العربية، وله لغات وطنية يجب أن تُحفظ وتُطوَّر باعتبارها موروثا مشتركًا لكل الموريتانيين.

وإذا أردتم الحديث عن جينات الموريتاني أو انتمائه الجغرافي، في إطار الحديث عن الهوية الوطنية، فستجدون أن الدستور قد حسم ذلك أيضا في ديباجته، معتبرا أن الشعب الموريتاني شعب عربي إفريقي. ولكم أن تضعوا نقطة نهاية هنا، فالانتماء الجيني والجغرافي للشعب الموريتاني قد حسم كذلك دستوريا، ولكم بعد وضع نقطة نهاية أن تنتقلوا إلى الفقرة التالية.


إن هوية الموريتاني قائمة على أربعة مرتكزات أساسية:


1. أنه مسلم، لا يجوز له دستوريا ولا شرعا أن يخرج عن دائرة الإسلام. فإن فعل، فقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛

2. أنه عربي إفريقي، فهويته تربطه جينيا وجغرافيا بالعرب والأفارقة؛

3. أن لغته الرسمية الوحيدة هي اللغة العربية، والتي يجب أن يتعامل معها كل موريتاني بصفتها لغته الرسمية، بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الشرائحي؛

4. أن لغاته الوطنية: البولارية، والسنونكية، والولفية، هي إرث مشترك لكل الموريتانيين، ويجب أن يتساوى في ذلك من كانت هذه اللغات لغته الأم ومن لم تكن لغته الأم.


هذه هي الأركان الأربعة للهوية الموريتانية، ولا خامس لها. هذه هي مرتكزات هويتي الشخصية، وهوية خمسة ملايين موريتاني، قد تزيد أو تنقص وفق الإحصاءات. ومن يزعم غير ذلك، فقد خالف الدستور، وجانب الحقيقة، وضاع في متاهات التشظي والهويات الضيقة.

إن الموريتاني لا يحق له – شرعا – أن يخرج عن دين الإسلام، ولا يجوز له أن يدَّعي لبلده انتماءً خارج الدائرة العربية والفضاء الإفريقي، ولا يُستساغ منه – لغويا – أن يُفضّل أي لغة على لغة بلده الرسمية، والتي هي أيضا لغة دينه، مما يزيد من مقامها ويرفعها مكانا عليّا. ولا يُستساغ منه كذلك أن يتأخر عن أي جهد لحفظ وتطوير لغاته الوطنية، باعتبارها موروثا وطنيا مشتركا لكل الموريتانيين.


وفي إطار النقاش الدائر حاليا، وفي محاولة بائسة من نخب التشظي لإبدال الهوية الوطنية الجامعة بهويات ضيقة فرعية، يجتهد البعض في البحث عن فوارق بين هذه المجموعة من المواطنين أو تلك، خدمة لمسعى التشظي والانقسام المجتمعي.

على هؤلاء أن يعلموا أن الدستور الموريتاني قد اعترف بالتنوع الثقافي، حين جاء في ديباجته:

_"إن الشعب الموريتاني الذي توحده عبر التاريخ قيم أخلاقية وروحية مشتركة وطموح إلى مصير واحد، يعترف ويعلن تنوعه الثقافي الذي هو أساس وحدته الوطنية ولحمته الاجتماعية وما ينجر عنه من حق في الاختلاف. وتشكل اللغة العربية، اللغة الرسمية للبلاد، واللغات الوطنية الأخرى: البولارية والسوننكية والولفية، كلٌّ في حد ذاتها، موروثا وطنيا مشتركا لجميع الموريتانيين، يجب على الدولة باسم الجميع أن تحفظه وتطوره."_

تجتهد بعض نخب التشظي في البحث عن فوارق بين هذه المجموعة وتلك، لإحداث شرخ بينها، ولادّعاء أن لكل واحدة من المجموعتين هوية خاصة بها. ومع أنني أكدت سابقا وجود هوية وطنية جامعة، إلا أنه لا يفوتني قبل أن أختم هذا المقال أن أشير إلى أن من يبحث عن فوارق بين أشقائه الذين ينحدرون معه من نفس الأب والأم، سيجد حتما فوارق كثيرة. ويبقى السؤال: هل وجود تلك الفوارق يكفي لإخراج بعض أبناء الأسرة الواحدة من الانتماء لتلك الأسرة؟

خلاصة القول: إن هذه المرتكزات الأربع التي تضمنها المقال هي مرتكزات هويتي، وهوية كل موريتاني، شاء ذلك أم أبى.

والسلام على من لا يتعصب لزيف الأهواء، ولا يجادل في الحق حين يأتيه ساطعا، مكتوبا بمداد ديباجة دستوره، ونصوص مواده الصريحة.

حفظ الله موريتانيا...


الخميس، 4 سبتمبر 2025

ميثاق المواطنة والوحدة الوطنية في موريتانيا


إيمانًا منا بأن مستقبل موريتانيا لن يكون آمنا ومزدهرا دون ترسيخ قيم المواطنة وتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي؛

وسعيًا منا لأن يكون التنوع العرقي والثقافي والاجتماعي في بلادنا، والذي نعترف به، مصدرَ ثراءٍ وقوة، لا عاملَ تفرقةٍ أو تمييز؛

واستشعارًا منا لخطورة الخطابات الضيقة التي تستند إلى الانتماءات العرقية أو الشرائحية أو القبلية، وما تخلّفه من آثارٍ سلبية على النسيج الوطني؛

وتأكيدًا منا على أن المواطنة هي الرابط الأسمى الذي يجمعنا، وأن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات؛

وقناعةً منا بكل ذلك، فإننا نحن الموقعين أدناه، نعلن التزامنا بهذا الميثاق وببنوده الاثني عشر، ونعاهد أنفسنا ومجتمعنا على العمل بمقتضاها، سعيًا لترسيخ قيم المواطنة الجامعة، وتعزيز اللحمة الوطنية.

بنود الميثاق

1. الاعتراف بالتنوع العرقي والثقافي

نقرُّ بأن موريتانيا بلدٌ متعدد الأعراق والثقافات، ونعتبر هذا التنوع مصدرًا للثراء والقوة، وسنعمل من أجل أن يكون عاملَ وحدةٍ وتكامل، لا عاملَ تفرقةٍ وانقسام.

2. استخدام المصطلحات الجامعة

نلتزم باستخدام كلمة "موريتاني" أو "مواطن" في الفضاءات العامة عند الحديث عن أي فرد أو جماعة تنتمي لهذا البلد، ونرفض بشكلٍ حازمٍ أي تصنيفات أو مسمّيات عرقية أو شرائحية أو قبلية في الخطاب العام، خاصة في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

3. المساواة أمام القانون

نؤمن بأن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، ويجب أن تُكفل لهم فرصٌ متكافئة في التعليم، والصحة، والعمل، والتمثيل السياسي، دون أي تمييز.

4. محاربة التهميش والغبن الاجتماعي

نلتزم بالتصدي لكل مظاهر الغبن أو الإقصاء أو التهميش، وندعو إلى معالجة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية من خلال سياساتٍ عادلةٍ وشاملة.

وعند تناول قضايا الغبن أو التهميش أو الظلم أو الفساد، وهي قضايا موجودة بالفعل، وقد تضرر منها المجتمع بكامله، حتى وإن كانت مستويات التضرر متفاوتة بين مكوناته؛ فإن انتقاد ذلك التضرر القائم يجب أن يُوجَّه حصرًا إلى الحكومات أو إلى الأنظمة المتعاقبة على الحكم، لا إلى بعض المكونات العرقية أو الشرائحية أو القبلية في الوطن.

5. تعزيز الخطاب الوطني الجامع

نعمل على إنتاج وتسويق خطابٍ إعلامي وتربوي يعزز الانتماء الوطني، ويُعلي من قيم التضامن والتعايش المشترك بين مكونات المجتمع، ويقف بشكلٍ حازمٍ ضد أي خطابٍ استعلائي أو هوياتي ضيق من شأنه أن يُذكي النعرات القبلية، أو يُغذي الصراعات الشرائحية، أو يُعمّق الانقسامات العرقية بين مكونات المجتمع.

6. رفض استغلال الانتماءات الضيقة في الصراعات السياسية

نرفض توظيف الانتماءات والهويات الضيقة في الحملات الانتخابية أو الصراعات السياسية، وندعو إلى التنافس على أساس البرامج والرؤى الإصلاحية.

7. الالتزام بمبدأ المحاسبة الفردية

نؤمن بأن الأفراد يُحاسبون أو يُكافؤون على أفعالهم وإنجازاتهم، لا على انتماءاتهم الضيقة؛ فالفساد والظلم لا نسب لهما، والعدالة والمساواة والاستفادة من ثروات البلد يجب أن تشمل الجميع، دون أن يُحرَم منها أي مواطن مهما كانت انتماءاته العرقية أو الشرائحية أو القبلية.

8. تشجيع المشاركة المدنية

نحث المواطنين على الانخراط في الحياة العامة، والمساهمة في بناء الدولة، من خلال منظمات المجتمع المدني، والنقابات المهنية، والتشكيلات السياسية، بدلًا من الانخراط في مبادرات قبلية أو شرائحية أو عرقية.

9. إحياء الرموز الوطنية المشتركة

نؤكد على ضرورة التمسك بقيم الإسلام، واحترام المقدسات الإسلامية، والرموز الوطنية: العلم، والنشيد، والتاريخ المشترك، وذلك باعتبارها عناصر توحّد ولا تفرّق.

10. تعزيز قيم المواطنة في المدارس

ندعو إلى إدماج قيم المواطنة، والتسامح، واحترام الآخر، في المناهج التعليمية، وخاصة في المرحلة الابتدائية.

11. المساءلة والشفافية

نطالب بمحاسبة كل من يروّج للخطابات العنصرية، أو يساهم في تغذية الانقسامات، وندعو إلى تطبيق القانون بشكل صارم على الجميع دون استثناء.

12. نشر الميثاق وتوسيع أثره

نلتزم بالعمل على نشر قيم المواطنة الجامعة في محيطنا الاجتماعي وفي كل مساحات تحركنا، من خلال بنود هذا الميثاق، وحث الآخرين على تبني بنوده والعمل بمقتضاها.

ختامًا

إن الموقعين طوعًا واختيارًا على هذا الميثاق، يلتزمون بنشره والعمل بمقتضاه، ويعتبرونه عهدًا أخلاقيًا ووطنيًا لا رجعة فيه، من أجل موريتانيا موحدة، عادلة، وآمنة.

والله ولي التوفيق.

نواكشوط: 11 ربيع الأول 1447 الموافق 04 سبتمبر 2025.

الموقعون:

الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

مسودة نداء إلى عقلاء الأغلبية والمعارضة (دعوة للنقاش )


في وقتٍ يغيب فيه الخطاب الوطني الجامع، وتتصاعد فيه خطابات التفرقة والتشظي العرقي والشرائحي والقبلي، وتتراجع فيه أصوات العقل والحكمة، يكون صمت العقلاء واستمرارهم في التفرج على هذه المخاطر دون فعلٍ إيجابي خطيئة لا تُغتفر.

إن العاقل الذي يصمت في مثل هذه الأوقات يُعدّ شريكًا ومتواطئًا في هدم النسيج الاجتماعي، ومساهمًا فيما يحدث من انقسام وتشظٍّ بين مكونات المجتمع.

لقد انشغل بعض رموز الأغلبية بإطلاق المبادرات القبلية وإقحام القبيلة في المجال السياسي، وذلك رغم التعميم الواضح الذي أصدره معالي وزير الداخلية واللامركزية يوم الاثنين الموافق 24 يناير 2020، والذي طلب فيه من الولاة عدم الترخيص لأي نشاط قبلي على أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، ومع ذلك فقد أقحم العديد من داعمي النظام القبيلة في المجال العام، وخصوصًا السياسي، وذلك بسبب غياب أي رصيد سياسي حقيقي لديهم يمكّنهم من الحشد الجماهيري دون اللجوء إلى الخطاب القبلي.

وفي المقابل، وهنا قد يكون الأمر أكثر خطورة، لجأ بعض رموز المعارضة إلى تأجيج الخطاب العرقي والشرائحي تعويضًا عن الفشل في بلورة برامج ومشاريع سياسية قادرة على استقطاب الجماهير.

وفي ظل لجوء بعض الأطراف في الأغلبية إلى القبيلة، ولجوء بعض الأطراف في المعارضة إلى الشحن العرقي والشرائحي، يصبح النسيج الاجتماعي مهددًا، واستقرار البلد في خطر، خاصة وأنه يقع بحكم الجغرافيا في منطقة غير مستقرة، ويزيد من تعقيد الأمور أنه ينعم بخيرات كثيرة يسيل لها لعاب القوى العظمى المتنافسة على خيرات المنطقة.

المقلق في الأمر أن كل العوامل المؤثرة حاليًا تساهم في خلق بيئة جاذبة لعدم الاستقرار، فالعقلاء في طرفي المعادلة السياسية (الأغلبية والمعارضة) مستمرون في تفرجهم وصمتهم، ويزداد ضعفهم وقلة حيلتهم يومًا بعد يوم، وفي المقابل، فإن أصحاب الخطاب القبلي في الأغلبية يزداد حضورهم، ودعاة التفرقة الشرائحية والعرقية في المعارضة يزداد نفوذهم، وهذا يعني أن الخطر بات يقترب بخطوات أسرع.

ومما يؤسف له كثيرا، أن المعارض صاحب المشروع الوطني، لا يمتلك الجرأة لانتقاد المعارض صاحب الخطاب الشرائحي والعنصري، مع أن هذا الأخير ينمو ويكبر على حساب الأول، ونفس الشيء يحدث في الفسطاط الثاني، فالموالي الوطني الذي يوالي لمصلحة وطنية لا يمتلك هو أيضا الجرأة لانتقاد أولئك الموالين الذين يختصرون الموالاة في مصالح ضيقة، ويذكون النعرات القبلية لتحقيق تلك المصالح، ومن المعلوم بداهة أن صمت الموالين الوطنيين سيؤدي إلى المزيد من نفوذ وتحكم الموالين من أصحاب المصالح الضيقة.    

إننا نعتقد أن واجب العقلاء الوطنيين في طرفي المعادلة السياسية (الأغلبية والمعارضة) يفرض عليهم التحرك العاجل والفوري لحماية البلد من كل هذه المخاطر المحدقة به، ولذا فإن هذا النداء يدعو إلى تشكيل "حلف عقلاء" يضع انسجام مكونات المجتمع ووحدة البلد فوق كل اعتبار، ويقطع - بالتالي - الطريق أمام كل من يذكي النعرات القبلية أو يستغل المظالم الشرائحية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة وآنية.

إن هذا النداء يدعوكم إلى التصدي لخطاب التشظي والكراهية، والعمل على إبعاد القبيلة عن السياسة، ولن يتحقق ذلك إلا بتعزيز الخطاب الوطني الجامع، ودعم الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية الجادة، حتى تكون قادرة على أن تحقق لمنتسبيها ما يسعون لتحقيقه من خلال العودة إلى الهويات الضيقة كالقبيلة أو الشريحة.

نحن اليوم بحاجة ماسة إلى:

1 - إطلاق نقاش وحوار جدي بين عقلاء هذا البلد يعترف - بشجاعة - بحجم المخاطر والتحديات القائمة، ويعمل على بناء الثقة وترسيخ اللحمة بين مكونات المجتمع.

2 - صياغة ميثاق شرف يُلزم الجميع بالابتعاد عن الخطاب القبلي والشرائحي والعرقي، والعمل معًا من أجل أن يكون الخطاب الوطني الجامع هو السائد بين السياسيين، سواء كانوا في المعارضة أو الموالاة أو أصحاب مواقف سياسية مستقلة.

3 - بناء جبهة واسعة من المثقفين والساسة والفاعلين الجمعويين، تتصدى لكل الخطابات الشرائحية والعرقية والقبلية، وتقف ضد كل أشكال العنصرية والكراهية ومحاولات التفرقة بين مكونات المجتمع.

إننا لا نحتاج اليوم إلى شعارات ومبادرات جديدة، بقدر ما نحتاج إلى شجاعة في الموقف، وجرأة في المبادرة، واستعداد للعمل الواعي والهادف حمايةً لبلدنا ومجتمعنا. فالوقت بدأ ينفد بالفعل، فلا تتأخروا - يا عقلاء البلد - في التصدي لكل ما يهدد وحدة واستقرار بلدكم.

خارطة طريق أولية

1 - تشكيل نواة صلبة من 10 إلى 15 شخصية مستقلة ومعروفة بالوطنية والحكمة، تتولى إطلاق النداء رسميًا.

2 - تنظيم لقاء تشاوري يجمع ممثلين عن مختلف الأطياف السياسية والمدنية لمناقشة آليات عمل الحلف.

3 - إطلاق حملة إعلامية واسعة لنشر النداء بشكل مكثف عبر كل وسائل الإعلام المتاحة، مع التعريف بالحلف، والعمل على استقطاب المزيد من الداعمين له.

في انتظار آرائكم وملاحظاتكم ومقترحاتكم لتطوير هذه المسودة وصياغتها بشكل نهائي.

حفظ الله موريتانيا..


الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

خطرٌ قائمٌ منذ أكثر من سنتين!


عند هذه الصالة أو شبه الصالة التي ترونها في الصورة وقع حادث سير يوم أمس وأدى إلى إصابة شاب وهو الآن الإنعاش، نسأل الله تعالى أن يمن عليه بالشفاء العاجل.

وعندها أيضا وقع حادث سير آخر قبل يوم أمس، والحمد لله لا خسائر بشرية، فالسائق كان يقود بسرعة آمنة، ولكن السيارة تضررت كثيرا من الحادث.

وقبل ذلك كانت هناك حوادث سير عديدة أخرى عند هذه الصالة،  والتي كثيرا ما  تفاجئ السائقين دون أن يشعروا بها، فلا لا فتات إرشادية، ولا شواخص تحذيرية عندها، وهي لم تصبغ بشكل مختلف عن المقطع الذي توجد فيها حتى يلفت ذلك انتباه السائقين.

قبل عامين من الآن، وتحديدا في يوم 22 مايو 2023، وفي طريق عودتنا من فاجعة الكلم 143 والتي أدت إلى وفاة 4 أشخاص، واشتعال شاحنة صهريج وشاحنة أخرى محملة بالبضائع، في طريق عودتنا من مكان تلك الفاجعة سجلنا مقطعا تحذيريا للتنبيه على خطورة هذه الصالة، والتقطنا هذه الصورة،  ولو أن الجهات المعنية أخذت بذلك التنبيه لتجنبنا بقدرة الله تعالى العديد من حوادث السير التي سجلت عند هذه الصالة خلال السنتين الأخيرتين. 

تصوروا أن مجرد لافتات إرشادية أو شواخص تحذيرية يُبخل بها  لحماية الأنفس والممتلكات من مخاطر هذه الصالة.

للاستماع إلى المقطع التحذيري (أطلقناه قبل سنتين).



الاثنين، 1 سبتمبر 2025

صالون المدونين يختتم موسمه الأول بندوة حول الحوار الوطني


اختتم "صالون المدونين" مساء السبت 30 أغسطس 2025 موسمه الأول للعام 2025 بتنظيم الحلقة السابعة والعشرين حول ملف الحوار الوطني، متسائلًا عن أسباب تعثره، رغم التهدئة السياسية وتعدد المبادرات الداعية إليه وتنوع رعاتها، لا سيما خلال السنوات الخمس الأخيرة، التي شهدت عدة مبادرات بدأت بمبادرة الأحزاب الممثلة في البرلمان خلال فترة تنسيقها للتصدي لجائحة كورونا، ثم المبادرة التي أشرف عليها الوزير الأمين العام السابق لرئاسة الجمهورية يحيى ولد الوقف، تلتها مبادرة التكتل واتحاد قوى التقدم (الميثاق الجمهوري)، وأخيرًا المبادرة الحالية التي يتولى تنسيقها السياسي المعروف موسى فال.

شارك في النقاش نخبة من الشخصيات الوطنية، من بينهم الرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان الأستاذ أحمد سالم بوحبيني، والنقابي الساموري ولد بي، والأستاذان الجامعيان ديدي ولد السالك ومصطفى علال، والناشط السياسي مصطفى نزيه بلال، والأستاذ محمد الأمين الداه، والكاتب الصحفي البشير عبد الرزاق.

هذا فضلا عن شخصيات أخرى شاركت في هذا النقاش.  

وفي كلمته الافتتاحية، أكد المشرف على الصالون الكاتب محمد الأمين الفاظل أن هذه الحلقة الختامية تأتي بعد سبعة أشهر من النقاشات الأسبوعية المنتظمة، التي انطلقت في فبراير بندوة عن محاربة الفساد، وتُختتم اليوم بندوة عن الحوار الوطني، في تقاطع رمزي بين ملفين يُعدّان من أعقد تحديات البلاد.

وأشار إلى أن الصالون نجح في ترسيخ منبر للحوار المسؤول، حيث ناقش قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، واستقطب شخصيات من مختلف المشارب الفكرية، كما حقق تفاعلًا واسعًا على المنصات الرقمية، تجاوز في بعض الحلقات مئات الآلاف من المشاهدات، وبلغ في إحدى المناسبات 2.4 مليون مشاهدة لإعلان حلقة حول السلامة الطرقية.

ورغم هذا النجاح، أقر المشرف على الصالون بعدم تمكن الصالون من إطلاق برنامجه الخاص بالتكوين والتدريب لصالح المدونين، وكذلك البرنامج المتعلق باستضافة الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، وطرح مشاكل المواطن عليهم والاستماع إلى ردودهم، مؤكدًا أن هذين البرنامجين سيظلان في صدارة أولويات الصالون خلال موسم المقبل.

واختتم الصالون موسمه برسالة شكر لجميع الضيوف والمتابعين، مؤكدًا أن موريتانيا قادرة على تنظيم منابر حوار راقٍ، تتسم بالاختلاف المسؤول، والابتعاد عن الإساءة والتخوين.

الأحد، 31 أغسطس 2025

بيان إيرا وتقرير هيومن رايتس ووتش... هل من خيط ناظم؟


تعيش موريتانيا، ورغم كل ما يُقال، حالة فريدة من الاستقرار السياسي والأمني، في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة موجة من الانقلابات العسكرية، والصراعات العرقية، وتمدد الجماعات المسلحة. ولأن الاستقرار هو أغلى ما نملك في هذه البلاد، بل ربما يكون هو كل ما نملك، فإن من حقنا أن نشعر بقلق عميق إزاء تزامن بعض البيانات والتقارير والتصريحات في الأيام الأخيرة، والتي حاولت أن تسوّق مغالطة في منتهى الخطورة مفادها أن موريتانيا بلد عنصري يعذّب ويقتل السود، سواء كانوا من المواطنين أو الأجانب.

هذا التزامن يفرض علينا طرح سؤال مشروع: هل هناك شرٌّ يُراد بهذه البلاد؟ وهل من خيط ناظم بين بيان حركة "إيرا"، وتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، وتصريحات النائب بيرام الداه أعبيد المتداولة اليوم، والتي يبدو أنه أدلى بها من دولة أوروبية؟

 بيان إيرا: أول محاولة من نوعها لتقسيم السكان

في يوم الخميس 21 أغسطس 2025، أصدرت حركة "إيرا" بيانًا يُعد سابقة في الخطاب السياسي، حاولت فيه تقسيم المواطنين الموريتانيين إلى "سكان أصليين" و"سكان غير أصليين".

البيان روّج لخطاب يستدعي مفردات الإقصاء والتمييز العرقي، محمِّلًا القانون الجديد لترخيص الأحزاب ما لا يحتمل، معتبرا أنه جاء فقط لمنع ترخيص الأحزاب التي تمثل "السكان الأصليين السود".

وقد ورد في البيان المذكور: "وها قد أصبح الدليل على الفصل العنصري واضحًا أمام الرأي العام بشكل لا لبس فيه. إن تسييج التعددية الحزبية يهدف إلى إقصاء ممثلي السكان الأصليين من التنافس، أي إقصاء السود الموريتانيين الجنوب صحراويين الذين يمثلون، في الآن نفسه، أرضية خصبة للممانعة، وأكبر ضحايا الإفلات من العقوبة، وأكبر المعاقل البنيوية للبؤس."

تقرير هيومن رايتس ووتش: اتهامات في توقيت غير بريء

بعد ستة أيام فقط، وتحديدًا في يوم الأربعاء 27 أغسطس، نشرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريرًا من 142 صفحة، تحدّث عن "انتهاكات جسيمة" بحق المهاجرين من غرب ووسط أفريقيا بين عامي 2020 وأوائل 2025.

التقرير لم يكتفِ بالإشارة إلى ممارسات فردية أو حوادث معزولة، بل صاغ رواية كاملة عن التعذيب، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والابتزاز، والطرد التعسفي، وسوء المعاملة العنصرية، مما يوحي بأن الصورة المقصودة ليست توصيفًا حقوقيًا، بل بناء اتهامي شامل يراد منه تلطيخ سمعة البلد في محيطه الإقليمي والدولي.

اللافت أن التقرير يعزف على نفس الوتر: العرقية، والعنصرية ضد السود، فالضحايا فيه هم أيضًا سود من غرب إفريقيا ووسطها.

 تصريحات بيرام: القتل بسبب اللون والسكن

في آخر مقطع متداول لرئيس حركة "إيرا"، يبدو أنه مسجّل في دولة أوروبية، ادّعى بيرام أن "لحراطين" و"الفلان" يُقتلون في موريتانيا فقط لأنهم ينتمون لهذه المكونات، ولأنهم يسكنون في أحياء معينة مثل السبخة والرياض.

إنه استمرار لنفس الخطاب الذي يسعى أصحابه في الداخل والخارج إلى تصوير موريتانيا على أنها بلد عنصري يعذّب ويقتل السود، سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين.

 تزامن مريب... وسؤال مشروع

إن تزامن هذه الثلاثية القائمة على الكذب والتلفيق: بيان إيرا، وتقرير هيومن رايتس ووتش، وتصريحات بيرام الأخيرة، يشرّع لنا أن نطرح السؤال بجدية: هل من خيط ناظم يربط بين هذه الأكاذيب والتلفيقات ( البيان والتقرير والمقطع الصوتي)؟

حفظ الله موريتانيا...

الجمعة، 29 أغسطس 2025

بيان صحفي


حرصًا من حملة "معًا للحد من حوادث السير" على أن تكون مبادراتها التوعوية ذات بُعد إنساني ورمزي عميق، تُعلن الحملة للرأي العام الوطني أنها قررت تأجيل تدشين أول مجسم توعوي للسلامة الطرقية في موريتانيا عن الموعد الذي حُدِّد له سلفًا، وذلك ليتزامن تدشينه مع اليوم العالمي لتذكّر ضحايا حوادث السير، الذي يُخلَّد في ثالث يوم أحد من شهر نوفمبر من كل عام، وسيصادف هذا العام 16 نوفمبر 2025.

وستُخلّد الحملة هذا اليوم بعدة أنشطة نوعية ومؤثرة، من أبرزها استئناف برنامجها التأبيني والتوعوي، الذي يهدف إلى تذكّر الضحايا، وترسيخ ثقافة السلامة الطرقية، وتعزيز الوعي الجماعي بخطورة حوادث السير وسبل الوقاية منها.

وتتوجه الحملة بجزيل الشكر والتقدير إلى "تطبيق السداد"، شريكها الاستراتيجي في تشييد أول نصب توعوي من نوعه في بلادنا، مؤكدة بهذه المناسبة أن الشراكات الوطنية الواعية بين القطاع الخاص والمجتمع المدني هي السبيل الأمثل لإنجاح الجهود الجماعية للحد من نزيف الطرق.

وفي إطار خطتها المستقبلية، تُعلن الحملة عن التحضير لإطلاق قافلة وطنية توعوية حول السلامة الطرقية، ستجوب –بإذن الله– جميع ولايات الوطن خلال موسم الخريف هذا، وذلك سعيًا منها للوصول إلى أكبر عدد من المستهدفين، ونشر ثقافة الالتزام بقوانين السير في صفوفهم، وتقديم إرشادات عملية قد تُسهم في الحد من حوادث السير.

وتدعو الحملة المؤسسات الوطنية والجهات الفاعلة والشركاء المحتملين إلى المساهمة في رعاية هذه القافلة ودعمها، لما لها من أثر مباشر في حماية الأرواح وإنقاذ الأنفس من خلال تعزيز ثقافة السلامة المرورية بين سالكي الطرق.

إن حملة "معًا للحد من حوادث السير" تؤكد التزامها الثابت بمواصلة العمل الميداني والإعلامي للحد من مجازر الطرق، التي لم تسلم منها –بشكل أو بآخر– أي أسرة موريتانية، وتدعو الجميع –مؤسسات وأفرادًا– إلى الوقوف صفًا واحدًا من أجل الحد من نزيف الطرق.

السلامة الطرقية مسؤولية الجميع.

نواكشوط: 29 أغسطس 2025

معًا للحد من حوادث السير

الخميس، 28 أغسطس 2025

الحوار الوطني المنتظر... لماذا لم ينطلق رغم تعدد المحاولات؟


حرص الرئيس محمد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة، على تهدئة الساحة السياسية، والسعي إلى إطلاق حوار وطني شامل لا يستثني ملفا ولا يُقصي أحدا، ومع ذلك، فإن الحوار لم ينظم حتى الآن رغم مرور ست سنوات، ورغم تعدد الجهات الراعية، وتعدد المبادرات الهادفة إلى تنظيمه، والتي نذكر منها: 

1- محاولة أولى عبر منسقية أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان، والتي كانت تنسق حينها لمواجهة جائحة كورونا. وقد أصدرت هذه المنسقية بيانا في يوم 14 مايو 2020، ختمته بالتعبير عن أملها في أن يفضي التنسيق القائم داخلها إلى حوار وطني وفق جدول زمني متفق عليه؛ 

2- محاولة ثانية قادها يحيى ولد الوقف، القادم من صفوف المعارضة، والذي كان حينها وزيرا أمينا عاما للرئاسة آنذاك، وقد كلفه رئيس الجمهورية في يوم 6 أبريل 2022 بالإشراف على اللجنة التحضيرية للتشاور الوطني، وكان مدعوما بفريق ضم مستشارين في الرئاسة، وممثلين عن الوزارة الأولى، والجمعية الوطنية، ووزارة الداخلية؛ 

3- محاولة ثالثة من خلال مبادرة مشتركة بين تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم، وحزب الإنصاف، أثمرت عن إصدار "الميثاق الجمهوري" الذي تم توقيعه رسميا مساء الخميس الموافق 21 سبتمبر 2023؛

4 - محاولة رابعة ما تزال مستمرة حتى الآن، بدأت مساء الاثنين 10 مارس 2025  بإفطار في رئاسة الجمهورية، أعلن خلاله رئيس الجمهورية عن "نقطة ربط" ستتحول لاحقا إلى "منسقية حوار" وعيَّن عليها السياسي المخضرم موسى فال، القادم من المعارضة.

لم يسبق أن شهدت البلاد، في فترة لا تتجاوز خمس سنوات، هذا العدد الكبير من المبادرات الساعية إلى إطلاق حوار وطني واسع، وهي مبادرات  شاركت في بعضها  أطراف من المعارضة، واختير لبعضها الآخر شخصيات قادمة من المعارضة، ورغم ذلك، انتهت جميعها بالفشل، هذا إذا ما استثنينا المبادرة الأخيرة، والتي ما تزال متعثرة حتى الآن.

لقد  قررنا في صالون المدونين، عند عودتنا للمواضيع السياسية، أن نفتتح هذه العودة بملف الحوار المتعثر، وذلك  بحثًا عن إجابات عن أسئلته الملحة:

- هل الحوار الوطني ضرورة فعلية، أم أن بقاء المعادلة التقليدية (أغلبية تحكم ومعارضة تعارض) يكفي في انتظار استحقاقات انتخابية جديدة؟

- إذا كان الحوار الوطني ضرورة، فلماذا تعجز النخب السياسية عن إطلاقه حتى الآن،  رغم تعدد المبادرات وتنوع رعاتها؟

- من يتحمل مسؤولية فشل كل هذه المحاولات المتكررة لتنظيم حوار وطني شامل؟

هذه  الأسئلة سنطرحها على طاولة النقاش في جلستنا النقاشية القادمة، إن شاء الله.

قريبا الحلقة 27 من #صالون_المدونين.

الأربعاء، 27 أغسطس 2025

إلى السيد الرئيس محمد جميل منصور


بدءًا أعتذر لكم، سيادة الرئيس، عن تأخري في شكركم على توضيحاتكم المهمة المتعلقة بحديثكم، أو بالأصح، ترجمتكم لمداخلة ألقيتموها في نشاط لجبهة المواطنة والعدالة بلغة أجنبية، كما أعتذر لكم أيضًا عن تأخر هذا الرد بسبب انشغالات ضاغطة.

السيد الرئيس،

أما بخصوص سؤالكم المتعلق بمدى اهتمام الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية باللغات الوطنية، فإليكم هذه التوضيحات:

1 ـ إن الحملة الشعبية تنظر إلى المادة السادسة من الدستور الموريتاني كوحدة واحدة لا يمكن تجزئتها بأي حال من الأحوال. فنحن نعتبر أن من أفدح الأخطاء التي ارتكبتها بعض النخب في المسألة اللغوية يتمثل في تجزئة هذه المادة، وتشكيل طائفتين من الموريتانيين على أساس تلك التجزئة: إحداهما تُطالب بتفعيل ترسيم اللغة العربية مع تجاهل المطالبة بتطوير اللغات الوطنية الأخرى، وطائفة ثانية تُطالب بتطوير اللغات الوطنية وتتجاهل ترسيم اللغة العربية. وهذا ما أتاح للفرانكفونيين استغلال تلك التجزئة وتعميق الخلاف بين الطائفتين لصالح بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، تحتل مساحات في التعليم والإدارة والفضاءات العمومية ليست من حقها، على حساب تفعيل ترسيم اللغة العربية، وكذلك على حساب تطوير اللغات الوطنية. ونحن في الحملة قررنا عند التأسيس ألا نقع في هذا الخطأ، وأن نتعامل مع المادة السادسة من الدستور كوحدة واحدة لا تقبل التجزئة. فنحن نعتبر أن الجهد الذي نقوم به للمطالبة بتفعيل ترسيم اللغة العربية يجب أن يصاحبه جهد موازٍ للمطالبة بتطوير لغاتنا الوطنية، فكون الدستور الموريتاني اعتبر في مادته السادسة أن هذه اللغات لغات وطنية، فهذا يستوجب أن تكون لها مكانة أرفع شأنًا عند المواطن الموريتاني الذي يحترم دستور بلاده من أي لغة أجنبية أخرى لم يرد ذكرها في الدستور؛

2 ـ نحن في الحملة لم نأت بجديد، ولا نخطط إطلاقًا للإتيان بجديد للموريتانيين. فكل ما نريده هو أن يوقفوا تعطيل مادة من دستورهم ظلت معطلة في جوانب عديدة لأكثر من ثلث قرن، فلا اللغة الرسمية للبلاد تم ترسيمها بشكل كامل، ولا اللغات الوطنية تم تطويرها، والسبب في ذلك أن هناك لغة أجنبية تحتل مساحة لا يحق لها احتلالها وعلى حساب كل لغاتنا الوطنية، وقد آن الأوان لتحرير تلك المساحة، وبدون تحريرها لا يمكن الحديث عن تفعيل ترسيم اللغة العربية، ولا عن تطوير لغاتنا الوطنية.

إن كل ما نطلب من الموريتانيين هو أن يفعلوا مادة من دستورهم ظلت معطلة لأكثر من ثلث قرن، دون أن يندد أغلب السياسيين بتعطيلها، أو يجروا تعديلاً دستوريًا لتغييرها إن لم ترضهم بصيغتها الحالية، إن استطاعوا حشد ما يكفي من أصوات النواب والشعب لتعديلها، والراجح، بل المؤكد، أنهم لن يجدوا النصاب التشريعي ولا الشعبي الكافي لتعديل تلك المادة؛

3 ـ وحتى نوضح موقفنا بشكل كامل في المسألة اللغوية، فإننا في الحملة الشعبية لا نعادي اللغة الفرنسية، فاللغة ـ أي لغة ـ ليست محل عداء أصلًا، بل نعتبر هذه اللغة لغة عالمية لنا بها صلة تاريخية، وأنه علينا في هذه البلاد أن نمنحها مكانة اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا، وأن نعطيها كل الامتيازات التي تُمنح لأي لغة أجنبية أولى في أي بلد من بلدان العالم. أليس هذا في غاية الإنصاف؟

إننا ندعو لأن تُعطى للغة الفرنسية مكانة متميزة في موريتانيا بصفتها اللغة الأجنبية الأولى في بلادنا، ولو على حساب اللغة الإنجليزية التي تُعد لغة العلم والعالم في هذه المرحلة من تاريخ البشرية.

إننا في الحملة الشعبية ندعو لأن تُمنح اللغة الفرنسية مكانة اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا، ولكن بشرط وحيد لا يمكننا التنازل عنه تحت أي ظرف، وهو ألا تسطو على مساحة لا تستحقها على حساب تفعيل ترسيم اللغة العربية أو على حساب تطوير لغاتنا الوطنية؛

4 ـ إن الشرط الأول لتطوير لغاتنا الوطنية هو أن تجد مساحة مناسبة من التداول في الفضاءات العامة. ولذلك فنحن ندعو الأحزاب السياسية إلى ترجمة خطاباتها في الأنشطة السياسية إلى اللغات الوطنية، كما يحصل في البرلمان، بدلًا من ترجمتها إلى لغة أجنبية. فترجمة الخطابات السياسية في الأنشطة الجماهيرية إلى اللغات الوطنية تشكل احترامًا للدستور الذي اعتبرها لغات وطنية، هذا  أولًا، وتعزز اللحمة الوطنية ثانيًا، وتساهم ثالثًا في تطوير هذه اللغات التي لا يمكن أن تتطور دون استخدامها في الفضاءات العامة كلما أتيحت الفرصة لذلك.

ولهذا فقد استغربتُ شخصيًا ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تترجموا خطابكم في نشاط حزبي إلى لغة أجنبية بدلًا من أن تترجموه إلى اللغات الوطنية، خاصة وأننا نعلم يقينًا أن جبهة المواطنة والعدالة تضم قيادات حزبية قادرة على ترجمة خطابكم إلى كل اللغات الوطنية؛

5 ـ أما بخصوص قولكم إنكم لم تسمعوا عن أي نشاط أو مبادرة تتعلق بالجزء الثاني من مهام الحملة الشعبية، أي تطوير لغاتنا الوطنية، فأذكر هنا أن الحملة تعتمد أساسًا في أنشطتها على توجيه الرسائل وتقديم العرائض المطلبية. وبخصوص الرسائل، فإن أول رسالة وجهتها الحملة بعد تأسيسها كانت إلى معالي وزير الثقافة، طالبت فيها بمنح مساحة أوسع للغات الوطنية في قناة الموريتانية، وفي أوقات الذروة، بل طالبنا بأن تُخصص لكل لغة وطنية قناة من القنوات التابعة للتلفزة الموريتانية؛

6 ـ قمنا في الحملة بتكريم رئيس البرلمان السابق اعترافًا بجهوده لصالح لغاتنا الوطنية، والتي مكنت من توفير الترجمة في البرلمان من وإلى اللغات الوطنية بدلًا من الترجمة من وإلى لغة أجنبية كما كان سائدًا. وقد مكنت هذه الخطوة البالغة الأهمية من أن يسمع الموريتاني كل ما يجري في الجلسات العلنية في برلمانه بلغته الأم - أيا كانت لغته الأم - عبر قناة البرلمانية؛

7 ـ ليس هذا فقط، بل تقدمنا بعريضة مطلبية من تسعة بنود اقترحتها الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، ووقعتها حتى الآن أكثر من ستين هيئة ومنظمة فاعلة. ومن بين الموقعين عليها: مدارس الفلاح التي تأسست قبل ميلاد الدولة الموريتانية، ومركز المرحوم فودي بوبو كوريرا، وهيئة جيرنو مختار ساغو، ومنظمات وهيئات أخرى معروفة لا يتسع المقام لذكرها جميعًا. وقد تضمنت هذه العريضة بعض البنود الخاصة بلغاتنا الوطنية، وإليكم تلك البنود كما وردت في العربضة:

1 ـ استخدام إحدى لغاتنا الوطنية بدلًا من اللغات الأجنبية في كل الأنشطة الرسمية التي يتعذر فيها إلقاء الخطابات الرسمية باللغة العربية، مع ضرورة توفير الترجمة بين اللغة الرسمية واللغات الوطنية؛

2 ـ توفير الترجمة من وإلى اللغات الوطنية في المؤسسات الخدمية التي تقع في أحياء أو مدن يكثر فيها استخدام إحدى لغاتنا الوطنية؛

3 ـ البدء في وضع خطة عملية ذات سقف زمني محدد، والعمل على تنفيذها من أجل الوصول إلى مرحلة يكون فيها كل الموظفين في القطاع العام قادرين على التحدث والعمل باللغة الرسمية للبلد، ولغة وطنية أخرى، من خلال منح امتيازات أو تحفيزات للموظفين الذين يتعلمون إحدى لغاتنا الوطنية إلى جانب اللغة الرسمية.

هذه بعض المطالب التي تضمنتها عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية، وهي العريضة التي قدمناها في لجنة العرائض برئاسة معالي الوزير السابق صو آداما صمبا لرؤساء عدة أحزاب في الأغلبية والمعارضة، وكنا نود تقديمها لسيادتكم للاطلاع على مضامينها، وما زلنا ننتظر منكم تحديد موعد لتسلمها، مع العلم أننا كررنا الطلب، وأن فترة الانتظار طالت أكثر من اللازم، وتجاوزت الشهر، على خلاف ما جرى مع بقية رؤساء الأحزاب الذين التقينا بهم في أوقات سابقة.

حفظ الله موريتانيا...

الثلاثاء، 26 أغسطس 2025

طرقنا تتنافس في القتل، فليتنافس السائقون في الحياة!


عندما نتحدث عن حوادث السير في بلادنا، فإن أول ما سيخطر ببالنا هو الطريق المتهالك والسائق المتهور. في هذا المقال سنتحدث عن تنافس محاور شبكتنا الطرقية في القتل، وسنتحدث كذلك عن غياب التنافس لدى السائقين للحد من الضحايا في حرب الشوارع المشتعلة باستمرار على شبكتنا الطرقية.  

أي محاور شبكتنا الطرقية أكثر دموية؟

إن المتابع لحوادث السير في بلادنا، خلال السنوات الماضية، وخاصة في أيامنا هذه، سيظن أن محاور شبكتنا الطرقية قد دخلت منذ شهر في سباق محموم وتنافس دموي غير مسبوق لتسجيل أكبر عدد من حوادث السير القاسية والمؤلمة.

ولأن طريق الأمل، وتحديدا مقطع (نواكشوط – بوتلميت)، لا يمكن أن تنتزع منه صدارة مجازر الطرق، فقد أيقظنا هذا المقطع ذات صباح أحد حزين (20 يوليو 2025) على فاجعة أليمة، وكثيرا ما أيقظنا صباحا على فاجعة أليمة، أو حرمنا ليلا من النوم بسبب فاجعة ليلية أكثر إيلاما. أيقظنا هذا المقطع في صباح ذلك اليوم على واحدة من فواجعه الأليمة، تمثلت في اشتعال سيارة صغيرة على أسرة كاملة من ستة أشخاص، توفوا جميعا على الفور. وما كاد طريق نواذيبو يعلم بتلك الفاجعة، حتى بادر بتكرارها بعد ثلاثة أيام فقط، وبالسيناريو نفسه تقريبا، فكان عدد المتوفين ستة أشخاص، وكانوا أيضا من أسرة واحدة.

الغريب في الأمر، أنه عندما أضاف طريق الأمل لفاجعة يوم الأحد حادث سير آخر أدى إلى وفاة شخص، ليصل المجموع الكلي في ذلك اليوم إلى سبع وفيات، تكرر على طريق نواذيبو الأمر نفسه، فشهد هذا الطريق حادث سير آخر، أدى بدوره إلى وفاة شخص آخر، ليكون عدد الوفيات على طريق نواذيبو في ذلك اليوم سبعة أشخاص!

ومع أن طريق نواذيبو قد لا يتمكن من تسجيل أعداد ضحايا، بحجم أعداد ضحايا طريق الأمل، إلا أنه مع ذلك سيبقى منافسا قويا وشرسا له في سباق الموت، وخاصة على مستوى عدد الضحايا ونوعية الحوادث.

مساء السبت الماضي (23 أغسطس 2025)، وفي محاولة جديدة من طريق أكجوجت لدخول حلبة التنافس، أطل علينا هذا الطريق بفاجعة أليمة، زاد من ألمها وقسوتها أن الضحايا هذه المرة كانوا أطفالا، نعم أطفالا، توفي أحدهم فورا، وأصيب آخرون بجروح متفاوتة الخطورة. ولما علم طريق روصو بتلك الفاجعة، سارع هو بدوره لإثبات جاهزيته لدخول حلبة المنافسة في حوادث السير، فكان أن ذكّرنا بجاهزيته من خلال حادث سُجِّلَ صباح  (الأحد 24 أغسطس) عند الكيلومتر 54، أصيب فيه سبعة أشخاص بجروح.

وفي ليلة ذلك اليوم، وحتى يؤكد طريق الأمل أنه سيبقى محتلا دائما للصدارة، سُجِّل على هذا الطريق، في المقطع الواقع شرق مدينة كيفة، وتحديدا عند الكيلومتر 40، حادث سير جديد ناتج عن انقلاب شاحنة، أدى إلى حالة وفاة وعدة إصابات.

هذا الحادث لم يُنشر عنه خبر، وكثيرًا ما تقع حوادث سير دون أن ينشر عنها أي خبر، فحتى الآن لا توجد جهة رسمية أو غير رسمية تتابع إحصائيات الحوادث وتنشر عنها بشكل مستمر.

بالطبع، لم يغب طريق ازويرات عن المنافسة، وما كان لهذا الطريق أن يغيب، حيث أطل علينا في يوم الاثنين (25 أغسطس) بفاجعة أكثر إيلاما، تتعلق هذه المرة بوفاة شقيقين من أسرة واحدة، وإصابة ثالث من الأسرة نفسها، في حادث سير أليم تعرضت له سيارة كانت تقل الإخوة الثلاثة برفقة جنازة أخيهم المتوفى.

ثلاثة إخوة تعرضوا لحادث سير أليم، وهم ينقلون جنازة أخيهم لدفنها، حتى الأموات لم يسلموا من حوادث السير على هذا الطريق. وقبل أن نترك هذا الطريق، فقد علمتُ - وأنا على وشك نشر هذا المقال - بحادث سير أليم وقع عليه، في وقت متأخر من ليلة البارحة، وأدى إلى وفاة عامل في سنيم كان في طريقه من مكان العمل إلى المنزل.

لم تغب بطبيعة الحال شوارع العاصمة نواكشوط عن المشهد، حيث أطل علينا أحد شوارع لكصر في اليوم نفسه بحادث سير من تلك الحوادث التي تكثر على شوارع العاصمة. مراهقون يدهسون شابا لا ذنب له، إلا أنه كان في المكان الخطأ، أي أنه كان على طريق أولئك الشباب المتهورين، الذين دهسوه فأردوه قتيلا. هذا حادث سير آخر لم ينشر عنه رغم أنه وقع في العاصمة نواكشوط، وهذا مما يُظهر أن الكثير من حوادث السير المميتة لا يُنشر عنها.

لماذا لا يتنافس السائقون في حماية أنفسهم وحماية الركاب؟

من المؤكد أن أسباب حوادث السير عديدة ومتنوعة، فمن أسبابها بطبيعة الحال تهالك الطرق وعدم صيانتها، وتهالك الطرق لا يؤدي فقط إلى حوادث سير، بل زيادة على ذلك يؤدي إلى إتلاف سيارات المواطنين، وإحداث نقص كبير في أعمارها الافتراضية، وهذا يعني خسائر اقتصادية كبيرة للأفراد وللدولة. كما أن تهالك الطرق يؤدي أيضا إلى مشقة كبيرة لسالكيها، ثم إنه في النهاية يشكل مظهرا لا يليق بدولة تحترم نفسها، فليس من اللائق أن تكون بعض مقاطع طرقنا متهالكة  في العام 2025، وحتى في العاصمة نواكشوط فإننا نجد مقاطع متهالكة على شوارع رئيسية في أرقى أحياء العاصمة.

كل ذلك صحيح، وهذا يُشرّع لنا أن ننتقد كل الحكومات المتعاقبة على تهالك الطرق وعدم صيانتها، ليس بمقال واحد فقط، بل بسلسلة من المقالات. ولكن، ومع ذلك، فإن الموضوعية تقتضي التنبيه إلى النقاط التالية:

1 ـ يمكن القول إن وضعية طريق الأمل في هذه الفترة هي من أحسن الوضعيات التي عرفها هذا الطريق خلال العقود الماضية، ومع ذلك - ولتسجلوا هذه المفارقة الأولى- فإن حوادث السير المميتة على هذا الطريق قد زادت ولم تنقص.

2 ـ منذ سنوات وطريق روصو في حالة جيدة جدا، وذلك بعد تهالك دام لسنوات، ولكن، وهذه هي المفارقة الثانية، فإن حوادث السير المميتة التي سُجِّلت على هذا الطريق في سنوات جودته، تفوق بكثير حوادث السير المميتة التي سُجِّلت عليه في سنوات تهالكه.

3 ـ اطلعت مؤخرا على إحصائية نشرها أحد المتابعين لحوادث السير على طريق (شوم – ازويرات)، فذكر فيها أن هذا الطريق شهد 25 حالة وفاة منذ تعبيده في عام 2018، وتحدث صاحب هذه الإحصائية عن جودة هذا الطريق، وأنَّه شُيِّد وفق المعايير الدولية للسلامة الطرقية. المفارقة هنا، وهذه هي المفارقة الثالثة والأكثر صدمة، أن هذا الطريق لم تُسجّل عليه حالة وفاة واحدة في حادث سير قبل تشييده في عام 2018!

قد لا تكون هذه الأرقام الأخيرة أرقاما رسمية، ولكن مع ذلك يمكن أن يُستأنس بها، فشواهدها كثيرة، فتشييد الطرق وترميمها يُغري دائما السائقين بزيادة السرعة، مما قد يتسبب في المزيد من الحوادث المميتة.

إن تشييد الطرق وترميمها إذا لم تصاحبه صرامة قوية في مراقبة السرعة، وإلزام السائقين بالتقيد بإجراءات السلامة الطرقية، وإذا لم تُصاحبه كذلك حملات توعوية جادة للسائقين، فإنه قد يتحول إلى كارثة. والحقيقة أن القطاعات الحكومية والأمنية المعنية مقصرة كثيرا في الرقابة على السائقين، وخاصة على مستوى السرعة والحمولة الزائدة، ومقصرة أكثر في توعيتهم بأهمية التقيد بإجراءات السلامة المرورية.

هناك تقصير كبير في أداء القطاعات الحكومية المعنية بالسلامة الطرقية، ونحن في حملة معا للحد من حوادث السير أدرى من غيرنا بذلك التقصير وأكثر إحاطة به، بل إننا ضحية لذلك التقصير، ولكن، ومهما كان تقصير الجهات الرسمية، فإن ذلك لا يبرر للسائقين أن يزهقوا أرواحهم وأرواح غيرهم من خلال القيادة بسرعة مفرطة.

إن السائق الذي يقرر أن يقود سيارته بسرعة معقولة، لن يتعرض على الأرجح لحادث سير، وإن تعرض لحادث سير، فإن الكلفة البشرية والمادية لذلك الحادث لن تكون ثقيلة، وتبقى الوسيلة الأنجع لحماية أنفسنا من مجازر الطرق، في كل الأوقات وفي كل الظروف، هي القيادة بسرعة آمنة، والتقيد بكل إجراءات السلامة الطرقية، وهذه الوسيلة ستبقى فعالة، حتى وإن استمرت الحكومات في تقصيرها في مجال تشييد الطرق وصيانتها، وفي تفعيل نقاط التفتيش، وضبط رخص القيادة، وإلى غير ذلك من المهام التي تقع مسؤوليتها على الجهات الرسمية حصرا.

علينا كسائقين أن نفعل دائمًا ما يمكننا فعله حماية لأنفسنا، وحماية سالكي الطرق من حولنا، ويُعد ضبط السرعة هو أهم شيء يمكننا القيام به لتحقيق تلك الحماية، ولنتذكر دائما أن السرعة يتحكم فيها أولا وأخيرا سائق المركبة، على العكس من وضعية الطريق، وتفعيل نقاط التفتيش، وإصدار رخص القيادة، وإلى غير ذلك من الأمور التي تتحكم فيها الحكومة حصرا.

فلنتنافس إيجابيا فيما نتحكم فيه، ونقدر عليه، أي نتنافس في التقيد بالسرعة وضبطها على مستوى آمن أثناء القيادة، حماية لأنفسنا ولغيرنا، وهذا أمر متاح لكل واحد منا، ولا ينقصنا لتنفيذه إلا أن نقرر ذلك. وهذا بالضبط هو ما جعلنا في حملة معا للحد من حوادث السير نجمع التوقيعات على التزام طوعي وعلني بسرعة لا تتجاوز 100 كلم في الساعة، مهما كانت درجة الاستعجال، وهنا لابد وأن نشكر كل أولئك الذين بادروا بتوقيعه من علماء ووزراء سابقين ونواب وموظفين وفاعلين خصوصيين وكتاب ومدونين ونشطاء في المجتمع المدني، وأن أشكر بشكل خاص القيادات في نقابات السائقين وكل السائقين المهنيين الذين وقعوه.  

إن ضبط السرعة أثناء القيادة هو  أمر متاح لكل واحد منا، فلنلتزم به حفاظًا على سلامتنا وسلامة غيرنا، وبعد أن نلتزم بهذا المتاح، حُقَّ لنا بعد ذلك ـ بل وجب علينا بعد ذلك ـ  أن نطالب الحكومة بالقيام بواجبها في مجال السلامة الطرقية، وهو واجب لا شك أنها قصَّرت فيه كثيرا في الماضي، وما تزال تقصر فيه حتى اليوم.

حفظ الله موريتانيا..


الاثنين، 25 أغسطس 2025

ضحايا حوادث منسيون (1)


مع كل موسم خريف نفقد في موريتانيا عشرات الأرواح بسبب الغرق والسيول، وغالبية الضحايا – للأسف – هم من الأطفال. ورغم أن هذه المأساة تتكرر مع كل موسم خريف، إلا أنك لن تجد منظمة مجتمع مدني واحدة تهتم بهذه المأساة، وتقوم بالتالي  بالتوعية الاستباقية للحد من ضحاياها، أما النزول إلى الميدان لإنقاذ ضحايا الغرق فذلك أمر مستبعد أصلا.

في المقابل،  وأقولها بكل اعتزاز، فإن حملة "معا للحد من حوادث السير"، أخذت على عاتقها، ومنذ تسع سنوات خلت،  مهمة التوعية حول خطورة حوادث السير، سعيا منها للمساهمة في إنقاذ الأرواح  التي تزهق بشكل مستمر على الطرق، ولولا انشغالنا في الحملة بملف حوادث السير – الذي لم يجد حتى الآن اهتماما يتناسب مع مستوى خطورته – لأطلقنا ودون تردد حملة توعوية أخرى لصالح ضحايا الغرق والسيول، الذين هم اليوم في أمس الحاجة إلى من يهتم بأمرهم، على الأقل خلال موسم الخريف.

الغريب في الأمر أن بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي لا شغل لهم إلا التفرج من بعيد على مآسي ضحايا الحوادث بمختلف أصنافها، ثم توجيه سهام النقد إلى الحملة، بحجة أن هذا النشاط أو ذاك قد شابه خطأ ما. 

وهنا لا بد أن نوضح، أن أي عمل بشري، مهما كان، لا يسلم من الأخطاء. لكن الفرق بين من يعمل ومن يتفرج، هو أن الأول يتحمل مسؤولية النزول إلى الميدان لإنقاذ الأنفس، بينما الثاني يكتفي بإحصاء الأخطاء – الحقيقية أو المتوهمة – وهو جالس في مكانه دون فعل اي شيء مفيد.

إن من ينتقد من يعمل على إنقاذ الضحايا، دون أن يفعل هو شيئا، لا يختلف في حقيقة أمره عن الذي يرى دار جاره تحترق، فيبقى يتفرج، ولا يفعل شيئا غير انتقاد أولئك الذين جاؤوا مسرعين بما تيسر من وسائل لإطفاء الحريق، فينتقد من جاء منهم بسطل غير مملوء بالماء، متجاهلا أن ذلك الشخص لم يكن يملك من الماء إلا ما جاء به في السطل لإطفاء الحريق. 

ألا يكفيه شرفا أنه جاء مسرعا، وبكل ما يملك من وسائل الإطفاء، للمساهمة في إخماد النيران التي اشتعلت في دار جاره؟ 

وإذا اردتم مثالا آخر، إنه يشبه من يكتفي بالتفرج على شخص يغرق أمام عينه دون أن يفعل شيء غير انتقاد ذلك الشخص الآخر الذي جاء مسرعا يلهث لينقذ الغريق، مصحوبا بالحبل الذي يملك، فتبين لاحقا أن الحبل الذي جاء به لم  يكن بالطول الكافي. 

إذا كان المنتقدون صادقين في غيرتهم على المجتمع، فليذهبوا الآن إلى الميدان، وليطلقوا حملة توعوية لصالح ضحايا الغرق والسيول، فهؤلاء لا يجدون حتى الآن منظمة واحدة ترفع صوتها لأجلهم. وليحرصوا – في حملاتهم التوعية ضد الغرق– على أن لا يقعوا في أي خطأ من الأخطاء التي وقعت فيها حملة معا للحد من حوادث السير، حينها، وحينها فقط،  سيكون من حقهم أن ينتقدوا الحملة والقائمين عليها، بالحق أو الباطل، لا يهم.

أما أن تبقى - هداك الله -  متفرجا، لا تفعل شيئًا، لإنقاذ ضحايا حوادث  السير، أو ضحايا الغرق،  أو ضحايا أي مأساة أخرى، ثم تسارع في انتقاد من قرر أن يتحمل المسؤولية وينزل إلى الميدان بما هو متاح لديه من وسائل متواضعة، فأنت في هذه الحالة، كان الأولى بك أن تنتقد نفسك قبل أن تنتقد الآخرين، أن تنتقد صمتك، تفرجك، تقاعسك، وخذلانك للضحايا، وذلك قبل أن تبدأ في التفتيش عن أخطاء من نزل إلى الميدان، لإنقاذ الضحايا، وبما توفر لديه من وسائل بسيطة.

إننا في حملة "معًا للحد من حوادث السير" لا ندعي الكمال، ولا يمكن لمن يقوم بعمل بشري - أيا كان - أن يدعي الكمال، ولكننا في المقابل ندعي بأننا لم نقبل بالاستمرار في التفرج على مجازر الطرق، بل بادرنا ومنذ تسع سنوات إلى النزول إلى الميدان،  من أجل المساهمة في إنقاذ الأرواح. ولذا فمن حقنا – بل من واجبنا – أن نطالب من كل من ينتقدنا اليوم أن يقدم  بديلا عمليا، ولو في مجال آخر، كالتوعية ضد الغرق في موسم الخريف.

إن البلد - هداك الله - مليء بالضحايا المنسيين: ضحايا حوادث السير، ضحايا الغرق، ضحايا التنقيب، ضحايا الإهمال في مجالات أخرى متعددة. والمؤلم أن الكثير من هؤلاء الضحايا يموت مرتين: مرة بسبب الحادث، ومرة أخرى بسبب تجاهل مأساتهم.

والمؤلم أكثر أن هناك من لا يفعل شيئا لإنقاذ هؤلاء الضحايا، غير انتقاد من يحاول أن ينقذهم بإمكانياته المتواضعة. 

يا للجراة ..

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الأحد، 24 أغسطس 2025

توقيع التزام طوعي على هامش حلقة صالون المدونين


خصص صالون المدونين حلقته السادسة والعشرين لملف السلامة الطرقية، وتُعد هذه الحلقة ثاني حلقة ينظمها الصالون عن السلامة الطرقية أمام المجسم التوعوي الذي شيدته حملة "معاً للحد من حوادث السير" عند الكيلومتر 44 من المقطع نواكشوط - بوتلميت، والذي يُعد المقطع الأكثر خطورة على طريق الأمل.

افتتحت الحلقة بالتذكير بالتوصيات التي أصدرها المشاركون في حلقة السلامة الطرقية الأولى، والتي تضمنت 11 توصية، كان من أبرزها:

- تأسيس هيئة عليا للسلامة الطرقية تتبع لرئاسة الجمهورية، تتولى وتنسق كل أنشطة القطاعات الحكومية والأمنية المتعلقة بالسلامة الطرقية؛

- تشييد طرق مزدوجة على المحاور الأكثر خطورة، خاصة على المقطع (نواكشوط - بوتلميت)؛

- وقف منح رخص سياقة صالحة مدى الحياة، وإدخال نظام التنقيط على الرخص؛

- إلزام نقاط التفتيش بالمزيد من الصرامة للتقيد بإجراءات السلامة الطرقية.

ثم بدأت المداخلات الرئيسية بمداخلة أولى ركزت على الجانب الصحي في ملف السلامة الطرقية، ألقاها الدكتور سيدي ولد بولمساك من العون الطبي الاستعجالي، تلتها مداخلة ثانية ركزت على الجوانب القانونية والعقوبات التي قد يتعرض لها السائق، قدمها المحامي مولاي الحافظ، في حين خُصصت المداخلة الثالثة لاستعراض بعض المقترحات للحد من الحوادث، قدمها خبير السلامة الطرقية محمد محمود ولد الداه.

بعد ذلك، توالت مداخلات السائقين من مختلف نقاباتهم، حيث ركزوا على التحديات التي يواجهها السائق على الطرق، لتُختتم الحلقة بتوقيع التزام طوعي من طرف ممثلي نقابات السائقين، وضيوف الحلقة، والمشاركين فيها، وتضمن هذا الالتزام الطوعي والعلني ثلاث نقاط:

1. عدم تجاوز سرعة 100 كم/ساعة بأي حال من الأحوال، ومهما كان الظرف الاستعجالي؛

2. الالتزام بقيادة السيارة في أغلب الأوقات بسرعة أقل من السرعة القصوى، وبحسب ما يتناسب مع وضعية الطريق؛

3. العمل قدر المستطاع على تعزيز ثقافة السلامة الطرقية، ونشر الوعي المروري، وحث الآخرين على الالتزام بقوانين السير.













الجمعة، 22 أغسطس 2025

عندما تُقرر ألّا تشارك في الامتحان!


أذكر أني في المرحلة الإعدادية لم أكن أهتم بالمواد الأدبية، وكنتُ لا أطيق بشكل خاص مادة الجغرافيا، ولارتباط مادة التاريخ بها، إذ كانت تُدرَّس معها كمادة واحدة على يد نفس الأستاذ، أصبحتُ كذلك لا أطيق مادة التاريخ.

وأذكر أني في إحدى حصص السنة الثانية إعدادية حضرتُ لحصة من مادة التاريخ والجغرافيا، ففوجئت بالأستاذ يقرر أن يجري في تلك الحصة اختبارا، وما زلتُ حتى الآن أذكر سؤال التاريخ في ذلك اليوم، فقد كان عن الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة بني أمية.

وبما أني كنت كثير الغياب عن مادة التاريخ والجغرافيا، فقد فاتتني كل الدروس المتعلقة بدولة بني أمية. لم أكن أعرف يومها كيف تأسست هذه الدولة، ولا كيف سقطت، لذلك كان واضحا لي أن نتيجتي في الاختبار ستكون متدنية جدا، ولن تبتعد كثيرا عن الصفر، ولهذا قررتُ ألّا أشارك أصلا في الاختبار؛ فأن أجد صفرا يمكن أن أبرره بالغياب، خيرٌ من أن أجد نتيجة مخجلة قريبة منه لا يمكن تبريرها.

رفعتُ يدي وطلبت من الأستاذ أن يسمح لي بطرح سؤال، فأذن لي، فسألته عمَّا إذا كان المطلوب منا أن نذكر فقط الأسباب الأساسية التي أدت إلى سقوط الدولة الأموية، أم أننا مطالبون أيضا بذكر الأسباب الثانوية معها.

لم أكن بطبيعة الحال، أعرف في ذلك الوقت، إن كانت هناك أسباب أساسية وأخرى ثانوية أدت لسقوط دولة بني أمية، وحتى اليوم لا أعلم إن كان المؤرخون يقسمون تلك الأسباب بهذه الطريقة. كل ما في الأمر هو أني كنت أبحث عن أي ذريعة تحرمني من المشاركة في الاختبار، وكان لا بد أن أختلق سببا يقود إلى ذلك.

لم يُجبني الأستاذ على سؤالي، بل هدَّدني بالطرد إن أعدته. ولأن الطرد كان هو هدفي في ذلك الوقت، فقد كررتُ السؤال، فما كان منه إلا أن طردني من القاعة، و"حرمني" بالتالي من المشاركة في الاختبار.

عندما يُقرر مشروع حزب الرك ألّا يشارك في امتحان التراخيص!

أطلقت وزارة الداخلية منصةً للترخيص للأحزاب السياسية الجديدة، ووضعت شروطا لم تكن، على ما يبدو، تعجيزية. والدليل على ذلك أن آخر إحصائية أشارت إلى وجود 27 مشروعا حزبيا بدأت إجراءات الترخيص. وهذا العدد لوحده، إن رُخِّص، يُعتبر  كبيرا على دولة لا يتجاوز سكانها 5 ملايين، والراجح أن عدَّاد التراخيص لن يتوقف عند الرقم 27، وربما يتضاعف، مما يعني أن تضخم عدد الأحزاب السياسية لن يجد حلا في المستقبل المنظور، وحاله في ذلك كحال تضخم أعداد منظمات المجتمع المدني، والنقابات، ومراكز الدراسات، والصيدليات، والمدارس الحرة، والبنوك، والمؤسسات الصحفية، والعيادات الطبية، ومحطات البنزين، والشعراء، والوجهاء، والمتسولين.

وحتى لا يُخرجنا الحديث عن هذا التضخم العددي من موضوع المقال، أعود فأقول: عندما قررت وزارة الداخلية إطلاق منصة لترخيص الأحزاب، قرر مشروع حزب الرك ألّا يتقدم بطلب للترخيص، وألّا يشارك ـ بالتالي ـ في امتحان وزارة الداخلية.

لم يكن ذلك بسبب خوفه من الحصول على نتيجة ضعيفة جدا، كما كان الحال مع كاتب هذه السطور حين فوجئ ذات حصة دراسية باختبار في مادة التاريخ، بل العكس هو الأرجح؛ فلو أن مشروع حزب الرك  دخل امتحان وزارة الداخلية لكان في مقدمة الناجحين. وكيف لا  ينجح وهو يقوده مرشح رئاسي حصل على المرتبة الثانية في ثلاث انتخابات رئاسية متتالية؟ وكيف لا ينجح وقد نجحت  مشاريع أحزاب أخرى تقودها شخصيات لا يمكن مقارنة شعبيتها بشعبية رئيس مشروع حزب الرك؟

ويبقى السؤال: لماذا إذن لم يُشارك مشروع حزب الرك في امتحان وزارة الداخلية؟

يَدَّعي القائمون على مشروع الحزب أن حزبهم استكمل شروط الترخيص قبل صدور القانون الجديد، وأن الوزارة ينبغي أن ترخص له على ذلك الأساس. لكن هذه الحجة تبدو ضعيفة جدا؛ إذ أن عشرات المشاريع الحزبية الأخرى كانت قد استوفت الشروط نفسها قبل صدور القانون الجديد، فهل يُعقل أن يُرخص لحزب الرك وفق القانون القديم، بينما تُطبق القوانين الجديدة على البقية؟ وهل من المنطقي أن تُصدر دولة ما قانونا جديدا، ثم توقف العمل به مؤقتا لترخيص حزب سياسي وفق قانون قديم أُلغي أو حل محله قانون آخر؟

لا أظن أن مشروع حزب الرك جاد في المطالبة بالترخيص وفق القانون القديم الذي لم يعد موجودا. ما يبدو لي ـ وأنا هنا أعتمد على التحليل المتماسك منطقيا  لا على  معلومات حصلتُ عليها ـ أن حزب الرك لا يرغب حاليا في الحصول على ترخيص، وذلك لعدة أسباب، لعل من أبرزها:

1 ـ أن الترخيص سيضع النائب بيرام والنواب المحسوبين عليه أمام خيارين أحلاهما مرٌّ: إما فقدان مقاعدهم البرلمانية، أو فقدان مواقعهم القيادية داخل حزب الرك بعد ترخيصه.

2 ـ أن الترخيص سيجبر  الرئيس بيرام وبعض القيادات الأخرى على الانسحاب من حركة إيرا، وهذه الحركة ما تزال تمنح لقادتها مكاسب حقوقية، وإعلامية، وربما مالية، من الصعب التخلي عنها بسهولة.

3 ـ أن الترخيص سيُسقط خطاب "المظلومية" الذي يقتات عليه قادة الحزب إعلاميا سياسيا وحقوقيا، فقادة الحزب يزعمون أن الحزب مُنِع  من الترخيص لأسباب عنصرية إقصائية، وأنه مُنِع كذلك من الترخيص لأنه هو الحزب المعارض الوحيد للنظام، أما بقية الأحزاب - حسب الرئيس بيرام وصحبه- فهي مجرد موالاة من درجات مختلفة، فأحزاب الأغلبية تمثل موالاة من الدرجة الأولى، وأحزاب المعارضة تمثل موالاة من الدرجة الثانية، فوفق خطاب الرئيس بيرام وأتباعه، لا يمثل المعارضة اليوم إلا حزب الرك، وحزب القوى التقدمية للتغيير، وقد بلغ الحماس بالقوم أن رفعوا من مستوى خطاب التمثيل، حتى صاروا يقولون إن مشروعي حزبيهما يمثلان حصرا "السكان الأصليين" في موريتانيا!

الراجح عندي أن الرئيس بيرام، وهو المعروف بذكائه،  وحرصه الشديد على جني المكاسب الشخصية، قد قرر أن يستثمر خطاب الإقصاء السياسي إلى أقصى مدى، وأن يواصل الاستفادة من إيرا ومقاعد البرلمان إلى آخر لحظة، وبعد أن يحصل على كل ذلك، وعندما يصبح الحصول على  الترخيص للحزب لا مهرب منه ولا مفر، فحينها وحينها فقط، سيتقدم مشروع حزب الرك بطلب للترخيص، وفق القانون الجديد، وسينال الحزب ذلك الترخيص في نهاية المطاف.

عودة إلى الصفر مرة أخرى!

لنترك السياسة قليلا، ولنعد إلى ثانوية لعيون في ثمانينيات القرن الماضي. أذكر في تلك الفترة أن تلميذا من جيلنا حصل في اختبار على "صفر مربع" أو "صفر مكعب" كما كنا نقول، وبعد حصوله على ذلك الصفر  ذهب إلى والدته ـ وهي سيدة أمية من بسطاء نساء المدينة ـ  وأخبرها أنه حصل على صفر، فما كان منها إلا أن زغردت بصوت عالٍ، وحين سألتها جارتها عن السبب، أجابت بكل فخر: "لقد حصل ولدي على صفر في الامتحان!"، لقد كانت والدة زميلنا تعتقد أن درجة الصفر تعتبر  نتيجة جيدة في الامتحان!

اليوم، يحق لأنصار بيرام أن يزغردوا هم أيضا لحصولهم على صفر في امتحان وزارة الداخلية الذي لم يشاركوا فيه أصلا، فهذا الصفر، كما أسلفت، مفيد لهم، فهو سيضمن لهم استمرار مقاعدهم البرلمانية لأطول فترة ممكنة، وسيحافظ لهم على عائدات إيرا الحقوقية والمالية، وسيمدِّد لهم من صلاحية خطاب المظلومية. 

من حق أنصار بيرام أن يزغردوا لهذا الصفر، وأن يستغلوه سياسيا وإعلاميا وحقوقيا أحسن استغلال، ولكن ليس من حقهم إطلاقا أن يبلغ بهم الحماس إلى أن يقسموا سكان موريتانيا على أساس اللون إلى سكان"أصليين"  وسكان "غير أصليين"، وأن يعتبروا أن مشروعهم السياسي بوجهيه "الإيراوي" و"لفلامي" هو الممثل حصريا للسكان الأصليين في موريتانيا.  

هذا كلام خطير، وسأعود إليه - إن شاء الله - بمقال مستقل، إن وجدت الوقت لذلك.

حفظ الله موريتانيا..


عن مبادرة الالتزام الطوعي والعلني بسرعة محددة


بدءا نشكركم على اهتمامكم وتعليقاتكم على هذا "الالتزام العلني" الذي أطلقناه في حملة معا للحد من حوادث السير ، ويسعدنا أن نتابع تفاعلكم، حتى لو تضمن بعض التعليقات القليلة، التي حاول أصحابها التشكيك أو التقليل من قيمة هذا الالتزام. 
إن وجود نقاش حول هذا الالتزام العلني يؤكد أهمية الموضوع الذي نطرحه، وهو السلامة الطرقية، ويؤكد أيضًا أننا نجحنا في إثارة اهتمامكم.
إن الهدف من هذه المبادرة ليس نشر قائمة بأسماء عدد من الأشخاص. لو كان هذا هو هدفنا، لكان بإمكاننا أن نطلق أي مبادرة أخرى أقل عمقا وأكثر سطحية. هدفنا أعمق وأشمل: أن نحول قضية السلامة الطرقية من مجرد نصائح نظرية تُلقى على السامعين إلى ممارسة عملية يلتزم بها الأفراد على مرأى ومسمع من الجميع.
إننا نؤمن أن القدوة هو الأقدر على التأثير، وعندما يرى الناس قامات في مجتمعنا من علماء، ووزراء سابقين، ونواب، وعمد، وإعلاميين، ومدونين يلتزمون طوعا وعلنا بسرعة محددة، فإنهم سيدركون أن هذه المبادرة ليست مجرد شعار، بل هي مسؤولية شخصية يلتزم بها من وقع عليها.
أما بالنسبة لمن يقلل من قيمة هذا الالتزام ويراه مجرد "عرض أسماء"، فإننا نقول له إن الالتزام الطوعي والعلني يتطلب شجاعة وقناعة حقيقية.
 إن الشخص الذي يلتزم طوعا وعلنا أمام الناس، يضع نفسه في موضع تحدٍ حقيقي: فهو إما أن يفي بوعده ويحترم كلمته، فيصبح قدوة في هذه الجزئية، وإما أن يتراجع فيخسر مصداقيته. 
إن الالتزام العلني بهذا الشكل ليس سهلاً، بل هو تحدٍ يُلزم به الشخص نفسه أولا، ذلك أن إغراءات زيادة السرعة أثناء القيادة ستبقى قائمة دائما في كل سفر ((خلق الإنسان من عجل)).
نحن لا ندّعي أن هذا الالتزام سيقضي على حوادث السير ، ولا ندّعي أنه هو الحل الوحيد، ولا الحل الأكثر مثالية، ولكننا في المقابل نؤمن أنه خطوة أساسية ومهمة جدا، بل إنه قد يشكل نقلة نوعية في التعامل مع ملف السلامة الطرقية، فينقلها بالنسبة للموقعين على هذا الالتزام من خانة الحديث النظري إلى خانة الفعل الميداني.
لذلك، فكان عليكم بدلا من التشكيك في جدوى المبادرة، أن تسألوا أنفسكم: ما هو البديل المتاح؟ وماذا قدمنا نحن للمساهمة في إنقاذ الأرواح التي تزهق بشكل شبه يومي على الطرق؟ وماذا تقترحون لتحويل السلامة الطرقية من مجرد شعارات تُردد إلى التزام حقيقي يمارسه كل واحد منا على الطريق؟
إن كانت لديكم مبادرة أفضل، فسنكون أول من يدعمها في الحملة، وإلى أن تظهر تلك المبادرة، فستبقى مبادرتنا "الالتزام العلني والطوعي بسرعة محددة" خطوة عملية قابلة للتنفيذ، تتيح لكل واحد منا سائقا كان أو راكبا، أن يساهم في الحد من السرعة المفرطة، والتي تعتبر هي السبب الأول في حوادث السير المميتة في بلادنا.
الصورة من نقاش توعوي مع بعض سائقي وكالات تأجير السيارات في يوم عيد.
#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 
#معا_للحد_من_حوادث_السير

الخميس، 21 أغسطس 2025

تفاهات (4)


في هذا الفضاء، كلما كتبتَ "كلامًا.. مجرد كلام"، ستجد التفاعل حاضرا. ويزداد التفاعل أكثر كلما كان نقدك حادا جارحا إن كنتَ "ضد"، أو كان مديحك متزلفا مطبِّلا إن كنتَ "مع" .

ويبلغ التفاعل ذروته حين تُطعِّم نقدك بعبارات مسيئة وبذيئة، أو تُطعِّم تثمينك بكلمات تملق وتزلف وتصفيق.

أما إذا تجنبت النقد والتثمين، وجئتَ بفكرة عملية، أو مقترح يعالج خللا كنتَ تنتقده، أو يدعم إنجازًا كنتَ تثمّنه، فستجد التفاعل يتلاشى، أو يكاد أن يتلاشى.

ويختفي التفاعل تماما إن أبدلت الكلام بالفعل، ونزلت إلى الميدان لتترك أثرا طيبا ينفع الناس ويمكث في الأرض..

أعرف أشخاصًا يعملون في الميدان بإخلاص لا يذكرهم أحد، وأعرف آخرين يكتبون بعمق وأسلوب أنيق فلا يحصدون إلا قليلا من الإعجاب.

وفي المقابل، هناك من ينشر كلاما تافها، وجملا ركيكة سخيفة، لكنه يَحصد سيلا من التعليقات والإعجابات.

الغريب أن كثيرا من أصحاب الإعجابات المزاجية ينتقدون الحكومة لأنها لا تضع "الشخص المناسب في المكان المناسب"، بينما هم أنفسهم لا يضعون "الإعجاب المناسب على المنشور المناسب"! ، ولو أوكلت لهم السلطة التعيين في إدارة ما، لوضعوا الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، تماما كما يضعون الآن الإعجاب غير المناسب في المكان غير المناسب، وستكون أخطاؤهم أكثر فداحة في التعيبن  من أخطاء الحكومات التي يهاجمونها حاليا.

إن من لم يُحسن إدارة "إعجاباته" وتعليقاته على الفيسبوك – وهو لا يملك غيرها – لن يُحسن - بكل تأكيد -  إدارة مؤسسة عمومية لو أوكلت له إدارتها؟ والراجح أنه سيغرقها في فوضى من التعيينات المزاجية البعيدة عن أي منطق أو معيار، تماما كما يغرق الآن المنشورات التافهة بسيل من الإعجابات والتعليقات.

ومن يسرق منشورا في الفيسبوك وينشره باسمه دون أن يُشير لصاحبه الأصلي، فهو لن يتورع إن وجد الفرصة لذلك عن سرقة المال العام. والفرق الوحيد هنا أن السرقة الأولى متاحة له حاليا، والسرقة الثانية لم تتَح له بعد.

فالسرقة سرقة، سواء كانت "منشورًا" أو "مالًا عامًا".

وغياب الموضوعية هو غياب الموضوعية، سواء كان في "إعجاب زائف" أو في "تعيين غير مستحق".