الاثنين، 31 يوليو 2023

نجاح دبلوماسي كبير

مع بداية تشكل نظام متعدد الأقطاب، وانتهاء نظام القطب الواحد، فإنه قد يكون من الضروري لدبلوماسية بلادنا أن تلتفت شرقا، ودون أن تدير ظهرها للغرب، وهذا بالضبط هو ما تعكسه الزيارات الأخيرة لفخامة رئيس الجمهورية ومعالي الوزير الأول.

الالتفات شرقا

في ظل بروز الصين كقوة اقتصادية كبرى، وفي ظل الحضور العسكري الروسي على حدودنا الجنوبية، والذي أصبح واقعا لا يمكن تجاوزه شئنا ذلك أم أبينا، يكون في هذه الحالة من واجبنا أن نلتفت شرقا للاستفادة اقتصاديا من الصين (القوة الاقتصادية التي أصبحت اليوم تنافس ـ وبقوة ـ أمريكا)، وكذلك لتحصين بلادنا أمنيا من خطر الوجود العسكري الروسي، والذي أصبح يتمدد في المنطقة من خلال قوات "فاغنر".

زيارة سيكون لها ما بعدها

كانت زيارة الصداقة والعمل التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية إلى جمهورية الصين الشعبية ابتداءً من يوم الجمعة الموافق 28 يوليو 2023 زيارة ناجحة وبكل المقاييس، وكان من نتائجها:

1 ـ  إعفاء موريتانيا من 150 مليون إيوان من الديون الصينية (حوالي 8 مليارات أوقية قديمة)؛

2 ـ اتفاقية إطار بين البلدين في إطار مبادرة "الحزام والطريق"؛

3 ـ إعطاء رئيس مجلس الدولة الصيني تعليماته للجهات الفنية في بلده بالشروع الفوري في إجراء الدراسات الفنية الضرورية لإنجاز مشروع صرف صحي في مدينة نواكشوط. إن تشييد صرف صحي بالعاصمة نواكشوط سيكون واحدا من أهم مشاريع البنية التحتية الكبرى في البلد، وهو مشروع طال انتظاره كثيرا، وكان من المفترض أن ينجز منذ عقود. للتذكير فإن في سجل الصين مشاريع كبرى أنجزتها لصالح العاصمة نواكشوط، ومن تلك المشاريع ميناء نواكشوط المستقل الذي رفض الغرب تشييده بحجة أن كلفته كانت كبيرة، ومنها أيضا توفير المياه من بحيرة "إديني" لسكان نواكشوط، وذلك بعد موجة عطش شديدة عرفتها العاصمة نواكشوط بسبب تعطل في محطة تصفية مياه البحر؛

4 ـ قبول الرئيس الصيني للدعوة التي وجهها له فخامة رئيس الجمهورية لزيارة بلادنا، وفي حالة تمت هذه الزيارة، فسنكون أمام زيارة تاريخية، فهي ستكون أول زيارة يقوم بها رئيس صيني لبلادنا، فلم يحدث أن زار أي رئيس صيني موريتانيا، حتى في عهد الرئيس الراحل المختار ولد داده، والذي كانت علاقات الصين مع بلادنا في عهده علاقات قوية جدا.

نعم كانت علاقاتنا مع الصين قوية جدا، ولكن لم يحدث أن زارنا رئيس صيني، وذلك في وقت كانت فيه زيارات رؤساء الصين إلى السنغال تتكرر، ومن المعروف أننا كنا قد سبقنا السنغال في إقامة علاقات مع الصين.

فمن المعروف تاريخيا أن الرئيس الراحل المختار ولد دداه رحمه الله، قد لعب دورا بارزا في استعادة الصين لعضويتها في الأمم المتحدة. فخلال فترة رئاسته الدورية لمنظمة الوحدة الإفريقية كان يحث القادة الأفارقة للتصويت لصالح استعادة الصين لعضويتها في الأمم المتحدة، وهو ما تحقق في يوم 25 أكتوبر1971، خلال التصويت على قرار الأمم المتحدة رقم (2785)، والذي نصَّ على استعادة جمهورية الصين الشعبية لمقعدها في الأمم المتحدة، والاعتراف بممثل حكومتها باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للصين في الأمم المتحدة.  وقد صوتت لصالح هذا القرار الأممي 76 دولة، أكثر من ثلثها من إفريقيا ( تحديدا 26 دولة إفريقية), وهو الشيء الذي جعل الرئيس الصيني الراحل "ماو تسي تونغ" يقول كلمته الشهيرة : "إن أصدقاءنا الأفارقة هم الذين أوصلونا إلى الأمم المتحدة".

قبل التصويت على ذلك القرار بست سنوات، وتحديدا في يوم 19 يوليو 1965 أقامت موريتانيا والصين علاقات دبلوماسية، وبموجب ذلك تم قطع العلاقات مع تايوان التي كانت قد فتحت في فبراير 1961 أول سفارة في نواكشوط، وقد ظلت سفارتها لمدة أشهر هي السفارة الوحيدة في عاصمتنا الناشئة.

خلاصة القول في هذه الجزيئة هو أنه قد آن الأوان لأن نعزز علاقاتنا مع الصين، وأن نستفيد من رصيدنا التاريخي لتعزيز تلك العلاقات، فالصين أصبحت قوة اقتصادية عظمى، ونحن أولى من غيرنا في إفريقيا ببناء علاقات صداقة قوية معها.

الوزير الأول في الروس

إن بناء علاقات صداقة مع الروس يدخل في خانة الالتفات شرقا، ولذا فإن مشاركة موريتانيا من خلال وزيرها الأول في قمة روسيا وإفريقيا الثانية، والتي انعقدت يومي 27 و28 يوليو في مدينة سانت بطرسبورغ، كانت مشاركة في المستوى المطلوب.

إن الحضور العسكري الروسي في المنطقة أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها، شئنا ذلك أم أبينا، ومن المحتمل أن يتمدد هذا الحضور في ظل السخط المتنامي لدى بعض الشعوب الإفريقية ضد فرنسا، وضد كل ما له صلة بها.

المقلق في الأمر هو أن هناك إرهاصات لتشكيل حلف روسي في المنطقة، وهو ما قد ينذر بصراع نفوذ مع حلف الناتو في المنطقة، وقد بدأت بوادر تشكيل حلف روسي في المنطقة تظهر، وذلك من خلال رفع الأعلام الروسية والمالية والبوركينابية في مظاهرة نظمها بعض مؤيدي الانقلاب في النيجر.

خلاصة القول في هذه الفقرة: من المهم تعزيز العلاقات مع الروس، إن لم يكن من الأجل الاستفادة اقتصاديا أو عسكريا من هذا البلد، فعلى الأقل لضمان تجنب شره.

نعم لطمأنة الغرب

كما قلنا سابقا فإن الالتفات شرقا لا يعني إدارة الظهر للغرب، ولذا فقد كان من المهم أن يزور فخامة رئيس الجمهورية فرنسا بعد زيارته للصين، ومن شأن تلك الزيارة أن تبعث برسائل طمأنة للغرب مفادها أن تعزيز العلاقات مع الصين أو الروس لن يكون على حساب العلاقات مع الغرب.

لقد بدأت علاقاتنا مع الغرب تتعزز في السنوات الأخيرة، ولعل من الدلائل التي يمكن تقديمها في هذا السياق تصنيف موريتانيا في التقرير السنوي الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية حول أوضاع الاتجار بالبشر لسنة 2022، تصنيفها ضمن قائمة "بلدان المستوى الثاني بدون مراقبة"، وهو ما سيسمح لبلادنا بالمبادلات التجارية مع الولايات المتحدة، والحصول على التمويلات منها.

يُدرك الغرب أهمية بناء علاقات قوية مع موريتانيا (البلد الوحيد المستقر أمنيا وسياسيا في منطقة الساحل)، وندرك نحن في موريتانيا أهمية الحفاظ على علاقتنا بالغرب، وسيبقى هذا الوعي المتبادل بأهمية تلك العلاقات هو الضامن الوحيد لتعزيزها وتقويتها.

وتبقى كلمة أخيرة موجهة إلى فرنسا

على فرنسا أن تُدرك بأن العالم من حولها يتغير، وأن نفوذها في تراجع، وأن السخط الشعبي ضدها يتصاعد بوتيرة كبيرة في المنطقة، ولذا فقد أصبح لزاما عليها أن تتوقف عن ممارسة سياستها الاستعمارية، وفرض لغتها وقيمها على دول ذات سيادة، فالاستمرار في ذلك لن يؤدي إلا لمزيد من السخط، وربما إلى مزيد من ارتماء بعض مستعمراتها القديمة في أحضان الروس نكاية بها.

 لقد أصبح هناك من يقول متهكما بأن الدول الفقيرة التي تقيم علاقات مع الصين ستحصل على مشاريع في البنية التحتية، والدول الفقيرة التي تقيم علاقات مع الروس ستجد دعما عسكريا، أما الدول الفقيرة التي تقيم علاقات مع فرنسا فلن تجد إلا الترويج للشذوذ الجنسي، والمطالبة بالخروج عن الفطرة البشرية السليمة.

حفظ الله موريتانيا..


الاثنين، 24 يوليو 2023

تحدثت نتائج الباكالوريا فقالت

 تابعتُ نتائج باكالوريا 2023 على المستوى الوطني هنا في موريتانيا، وتابعتُ بعض نتائجها في دول شقيقة كالجزائر والمغرب وتونس، وبعد هذه المتابعة وجدت أن تلك النتائج تستحق قراءة خاصة، وذلك لكونها أبرقت برسائل في غاية الأهمية، تستحق أن نتوقف معها ونقرأها بتأمل، بل ونستثمرها في تحصين شبابنا ضد مخاطر المخدرات والترويج للشذوذ والفكر الإلحادي والإساءة إلى المقدسات، خاصة وأن الترويج لتلك المنكرات لا يمكن منع وصوله إلى شبابنا، فهو يأتي من فضاءات الانترنت المفتوحة التي لا يمكن غلقها.

حَفظوا القرآن فتفوقوا في الباكالوريا

لقد كان أبرز قاسم مشترك بين الأوائل على المستوى الوطني في هذه الدول الأربع هو حفظ القرآن، ففي موريتانيا احتل الرتبة الأولى وطنيا حافظ القرآن التلميذ محمد المصطفى سيدي محمد النابغة بمعدل 17.02(شعبة العلوم الطبيعية)، وفي تونس احتل الرتبة الأولى وطنيا التلميذ عبد الرحمن بن احميدان بمعدل 19.75، (شعبة الرياضيات)، وهو الحاصل على جائزة أصغر حافظ للقرآن في تونس في العام 2016، وفي الجزائر احتل الرتبة الأولى على المستوى الوطني التلميذ بلقداش محمد الأمين بمعدل 19.50 (شعبة علوم تجريبية)، وهو الحاصل على الجائزة الأولى في حفظ القرآن في ولايته. 

طبعا لا يتوقف الأمر على الأوائل وطنيا، ففي موريتانيا مثلا نجد أن الأولى على مستوى الباكالوريا شعبة الآداب الاصلية هي حافظة القرآن التلميذة فاطمة صمب أعليوات، والأول على مستوى الحوض الغربي شعبة العلوم الطبيعية هو حافظ القرآن التلميذ محمد الأمين سيدي المختار حني. وفي تونس نجد أن الأول في شعبة العلوم التقنية، وبمعدل 19.61 هو حافظ القرآن، وإمام صلاة التراويح التلميذ مهتدى باش طبجي، والأولى بولاية المهدية بمعدل 19.20 (شعبة الرياضيات) هي حافظة القرآن أميمة يعيش. وفي المغرب تصدر الرتبة الأولى على مستوى جهة سوس ماسة حافظ القرآن التلميذ أنس أرفاك بمعدل 19.33. هذه مجرد أمثلة جمعتها على عجل، ويمكن لكل من يقوم ببحث أعمق أن يأتي بأمثلة أخرى.

أسر ربت فأحسنت التربية

القاسم المشترك الثاني الذي يجمع بين المتفوقين في الباكالوريا، هو أنه وراء كل متفوق أسرة عظيمة، ربت فأحسنت التربية. لقد تابعت مقابلات عديدة مع بعض آباء وأمهات المتفوقين خارج موريتانيا، وكانت كلها تبرز دور الأسرة في ذلك التفوق. وفي موريتانيا يمكن القول بأن أسرة الأولى في الباكالوريا (شعبة الآداب الأصلية) تبقى خير دليل على الدور الذي يمكن أن تلعبه الأسرة في نجاح وتفوق الأبناء.

كانت أسرة الأولى في الباكالوريا شعبة الآداب الأصلية أسرة استثنائية بحق، ولو لم تكن أسرة استثنائية لكان مصير الطفلة فاطمة لا يختلف عن مصير غيرها من بنات العائلات الفقيرة في القرى والأرياف. لم تكن هذه الطفلة لتُحظى بدخول المدرسة أصلا، وكان من المحتمل أن يدفع بها والداها إلى العمل المبكر لمساعدته في أعباء الحياة، وربما دفع بها لأن تكون صاحبة "طابلة" تبيع للتلاميذ في مدرسة قريتها، وتسأل نفسها في كل يوم لماذا يدرس من هو في سنها في المدرسة، وتحرم هي من الدراسة؟ حتى وإن افترضنا أن والدها سمح لها في طفولتها بالدراسة، فالراجح أنه كان سيأخذها من المدرسة بعد الحادث الذي تعرض له وجعل منه مقعدا، وبذلك تصبح التلميذة فاطمة واحدة من آلاف بل وعشرات آلاف الفتيات المتسربات من المدرسة. 

لم تكن فاطمة لتُحظى بالدراسة، وتتاح لها بالتالي الفرصة لأن تتفوق في الباكالوريا، لو لم يكن والدها رجلا مكافحا واستثنائيا أصر على أن يدرس أبناءه رغم الفقر والإعاقة الجسدية.

هذه ليست هي الرسائل الوحيدة التي بعثت بها نتائج باكالوريا 2023، فهناك رسائل أخرى ربما نتحدث عنها في مناسبة أخرى، ولكننا الآن سنكتفي بهتين الرسالتين مع تقديم بعض المقترحات التي قد تمكننا من استثمار هتين الرسالتين أحسن استثمار في كل ما من شأنه أن يحصن أبناءنا من مخاطر المخدرات والشذوذ والفكر الإلحادي.

مقترحات

1 ـ تستحق الأسر التي ربت أحسن تربية، والتي كان لها دور كبير في تفوق الأوائل في الباكالوريا أن تُكَرَم، وفي هذا الإطار، وعلى مستوى ما يمكن أن يساهم به المجتمع المدني، فقد أعلنا في جمعية خطوة للتنمية البشرية عن "وسام الأب المثالي" الذي سيمنح في هذا العام لوالد التلميذة التي حصلت على الرتبة الأولى في الباكالوريا شعبة الآداب الأصلية، كما سنمنح أوسمة تكريمية أخرى لآباء وأمهات التلاميذ الأوائل في الشعب الأخرى؛

2 ـ نقترح على قناة الأسرة أن تطلق برنامجا تلفزيونيا أسبوعيا يستمر لعام كامل، تستضيف في كل حلقة من حلقاته إحدى الأسر التي احتل أحد أبنائها المرتبة الأولى في أي شعبة من شعب الباكالوريا، وفي أي مدينة من مدن الوطن، وبذلك تكون هذه القناة قد كرمت إعلاميا أسر المتفوقين في الباكالوريا في كل أنحاء الوطن، من خلال ذلك البرنامج، وتكون كذلك قد أضافت إلى برامجها الموجهة إلى الأسرة برنامجا مفيدا، من شأنه أن يعزز من دور الأسرة التربوي؛

3 ـ سعيا لتحصين أبنائنا من كل تلك الشرور المذكورة أعلاه فإنه قد يكون من المهم جدا أن نقدم لشبابنا قدوات شبابية، وخير قدوة يمكن تقديمه لهم هو ذلك الشاب الذي جمع بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي. ومن هنا فإننا نقترح تخصيص جوائز سنوية للتلاميذ الذي جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق في الامتحانات والمسابقات الوطنية. يمكن لوزارة الشؤون الإسلامية أو هيئة علماء موريتانيا أو قناة المحظرة أن تتكفل بتلك الجوائز السنوية؛

4 ـ من المهم كذلك تقديم هذه القدوات الشبابية إعلاميا، ويمكن أن يتم ذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك من خلال إطلاق برنامج تلفزيوني يستضيف في كل حلقة من حلقاته أحد شبابنا المتميزين الذين استطاعوا أن يجمعوا بين حفظ القرآن والتميز الدراسي، ويمكن أن يتوسع البرنامج ليشمل كل شاب حفظ القرآن وتميز في أي مجالات من المجالات الأخرى، سواء كان ذلك المجال ثقافيا أو رياضيا أو مهنيا أو دراسيا؛

ويبقى أن اختم هذه المقترحات بالقول بأننا ما زلنا بحاجة ـ وعلى المستويين الرسمي والشعبي ـ  إلى المزيد من تكريم المتفوقين في الباكالوريا. ففي الجزائر مثلا فإن وزير التربية هناك هو من يبلغ شخصيا الثلاثة الأوائل على المستوى الوطني في الباكالوريا بنجاحهم متفوقين مع وعدِ بجائزة للأول. وفي الولايات التي يتفوق بعض أبنائها تنظم احتفالات على المستوى الجهوي، رسمية وشعبية، لصالح المتفوقين في كل ولاية.            

حفظ الله موريتانيا...

الثلاثاء، 11 يوليو 2023

إلى "جماعة اللغة غير مهمة"!


كثيرا ما يعلق البعض على منشوراتي في الفيسبوك الداعية للتمكين للغة العربية في هذه البلاد، بتعليقات تقول بأن اللغة غير مهمة، وأنه لا مشكلة في استخدام أية لغة، فلتستخدم الإدارة الموريتانية اللغة الفرنسية أو الصينية أو الهندية، فذلك لا يهم، فالمهم في النهاية هو أن يُحارب الفساد، وأن يُعيَّن الأكفأ، وأن تكون الإدارة قريبة من المواطن، وأن تحسن من خدماتها.

في هذا المقال سنكشف عن علاقة اللغة بإصلاح الإدارة ومحاربة الفساد والوحدة الوطنية، وإلى غير ذلك من القضايا التي تهم المواطن، ولكن، ومن قبل ذلك، دعونا نفترض جدلا أن اللغة غير مهمة، على رأي "جماعة اللغة غير مهمة"، فإذا كانت اللغة غير مهمة، فلماذا تتمسك هذه الجماعة بلغة أجنبية؟ ولماذا تقف ضد إبدالها بلغتنا الرسمية ما دامت اللغة غير مهمة حسب رأيهم؟.

إن القول بأن اللغة غير مهمة ما هو إلا حيلة مكشوفة يدفع بها المتمسكون ببقاء اللغة الفرنسية مسيطرة على الإدارة في هذه البلاد، ولأنهم لا يملكون حجة واحدة متماسكة منطقيا يدافعون بها عن بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، جاؤوا بمقولة اللغة غير مهمة، سعيا منهم إلى إبقاء الحال على ما هو عليه، أي أن تبقى اللغة الفرنسية مسيطرة، وأن يستمر تهميش اللغة العربية في الإدارة.

وحتى ندرك العلاقة بين اللغة والعديد من القضايا التي تهم المواطن، فإليكم هذه النقاط والأمثلة التي تبين وجود تلك العلاقة وقوتها.

اللغة وإصلاح الإدارة

إن أهم خطوة في إصلاح الإدارة تتمثل في تقريب خدماتها من المواطن، ويبقى الشرط الأول في تقريب خدمات الإدارة من المواطن هو في مخاطبة المواطن بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها.

إذن لا إصلاح للإدارة دون تقريب خدماتها من المواطن، ولا تقريب لخدمات الإدارة من المواطن دون مخاطبة ذلك المواطن بلغته الرسمية.

اللغة ومحاربة الفساد

لا يمكن أن نتحدث عن محاربة الفساد، دون أن تكون هناك رقابة شعبية على إنفاق المال العام، ولا يمكن أن نتحدث عن رقابة شعبية على إنفاق المال العام، وذلك في وقت تنفق فيه 40 % من الميزانية على الصفقات العمومية، وكل الوزارات والمؤسسات العمومية تشترط استخدام اللغة الفرنسية فقط في كل مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية (العروض؛ العقود؛ المراسلات ..إلخ).

من أجل أن تكون هناك رقابة شعبية على الصفقات العمومية التي تستنزف فيها نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، فقد تم الإلزام بنشر كل ما يتعلق بالصفقات العمومية، ولكن المشكلة أن النشر يتم بالفرنسية فقط، مما يعني أنه لم يحقق الهدف المراد منه، على الأقل بالنسبة ل90% من الشعب الموريتاني التي لا تفهم اللغة الفرنسية. خلاصة القول في هذه النقطة أنه لا حرب على الفساد بدون رقابة شعبية، ولا رقابة شعبية فعالة في ظل نشر كل ما يتعلق بالصفقات العمومية بلغة أجنبية لا تفهمها 90 % من الشعب الموريتاني؛

اللغة وحقوق المستهلك

يُوَقِّع المستهلك الموريتاني على عقود عديدة مع شركة الماء والكهرباء والبنوك وشركات الاتصال، دون أن يفهم أي شيء مما وقع عليه، وتأتيه فواتير ورقية من شركة الكهرباء والماء بلغة لا يفهمها، وبذلك يضيع واحد من أهم حقوقه كمستهلك، أي معرفة تفاصيل ما في الفواتير التي سيسدد، وما في العقود التي وقع.

في هذه الجزئية سأقدم مثالين اثنين لتقريب الفكرة أكثر:

1 ـ في بداية هذا العام حدثت أزمة بطاطس في البلاد، فاستغلها بعض المتحايلين لبيع بطاطس غير صالحة للاستهلاك البشري، وقد بيعت منها كميات كبيرة بالفعل، رغم أن خنشة البطاطس من هذا النوع كُتِبَ عليها باللغة الفرنسية بأنها غير صالحة للاستهلاك البشري. تصوروا أن ذلك التحذير كان مكتوبا باللغة العربية، فهل تعتقدون أنه كانت ستباع كميات كبيرة من هذه البطاطس دون أن يتمكن المستهلكون من قراءة التحذير المكتوب عليها باللغة العربية؟

2 ـ في إحدى القرى الموريتانية تعاقد سكان قرية مع شركة بخصوص جلب وتثبيت مضخة ماء في القرية. بدأت المضخة تشتغل، وكانت عندما تتعرض لبعض الأعطاب الخفيفة يتولى أهالي القرية تكاليف الإصلاح. وفي إحدى المرات تعرضت المضخة لخلل كبير كانت كلفة إصلاحه كبيرة، الشيء الذي جعل أهل القرية يستنجدون بأحد المنحدرين من قريتهم وهو إطار في الدولة ويحتل وظيفة سامية.. طلب الإطار من أهل القرية أن يأتوه بالعقد الذي وقعوه مع الشركة، فإذا ببند في العقد يلزم الشركة بإصلاح أي خلل يقع في فترة معينة، ولكن أهل القرية لم يطلعوا على ذلك البند لأن العقد كان مكتوبا باللغة الفرنسية، وأهل القرية لا يعرفون الفرنسية. فلو أن هذا العقد كان باللغة العربية لعلم أهل القرية بأن الشركة ملزمة بتحمل تكاليف إصلاح المضخة لفترة محددة.

اللغة والتعليم

من المعروف أن إصلاح التعليم هو الخطوة الأولى لإحداث أي نهضة في بلد ما، ويتفق خبراء التربية أن التعليم باللغة الأم يعدُّ شرطا أساسيا للنهوض بالتعليم.

إذن لا نهضة من دون إصلاح التعليم، ولا إصلاح للتعليم من دون التعليم باللغة الأم، ولكم في بعض الدول الآسيوية خير مثال؛

اللغة والقانون

على من يسعى حقا لبناء دولة قانون ومؤسسات، أن يدرك بأنه لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نعطل مادة من مواد الدستور الموريتاني. لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نميز بين مواد الدستور الموريتاني، نتحرك بقوة عندما نشعر بمحاولة المساس بالمادة 28 من الدستور، والتي تقول : " يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة". ونضع أنفسنا على الصامت، ونحن نتابع الانتهاك اليومي للمادة السادسة من نفس الدستور، والتي تقول : " اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية . اللغة الرسمية هي العربية.".

لا مجال للحديث عن دولة القانون والمؤسسات ونحن ننتهك، وبشكل يومي، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود المادة السادسة من الدستور الموريتاني الصادر بتاريخ 21 يوليو 1991.

اللغة والترقية الاجتماعية

لا يمكن أن نتحدث عن ترقية اجتماعية، وعن نهوض بالفئات الهشة دون أن نعطي للغة العربية مكانتها في التعليم والإدارة، فأبناء الفئات الهشة لا يستطيعون تعليم أبنائهم في المدارس الخصوصية، ولا يستطيعون التكفل بدروس خصوصية في اللغة الفرنسية، على العكس من أبناء الأسر الميسورة الذين يدرسون أبناءهم في المدارس الفرنسية ذات الكلفة العالية جدا. 

بعد التخرج، تتناقص حظوظ أبناء الفئات الهشة في الحصول على وظائف، وذلك بسبب الوساطة أولا، وثانيا بسبب فرنسة سوق العمل : الإدارة، البنوك، شركات الاتصال، الشركات الأجنبية، وممثليات الهيئات الدولية العاملة في نواكشوط. ستبقى حظوظ أبناء الفئات الهشة ضعيفة في الحصول على وظائف ما دامت اللغة الفرنسية هي المسيطرة على سوق العمل في موريتانيا. فمثلا لا يستطيع حامل شهادة باللغة العربية لم يتعلم اللغة الفرنسية أن يحصل على وظيفة ذات صلة بقطاع الصفقات العمومية الذي يُنفق عليه سنويا ما يقارب نصف الميزانية، وذلك بسبب اشتراط الوزارات والمؤسسات العمومية اللغة الفرنسية فقط في العروض والعقود والمراسلات، وفي كل ما له صلة بالصفقات العمومية؛

اللغة والوحدة الوطنية

لا يمكن أن نتحدث عن وحدة وطنية في بلد لم تحسم فيه قضية اللغة بشكل نهائي، في أغلب بلدان العالم هناك لغة رسمية واحدة، هي لغة الإدارة التي تعد بها الوثائق وكل المستندات الرسمية، وهي التي توجه بها كذلك الخطابات الرسمية، ولكن في بلادنا فإن الأمر يختلف، فمن المفارقات العجيبة أن رئيس المجلس الدستوري في موريتانيا يلقي خطاباته دائما بلغة غير دستورية!!

ومن المفارقات العجيبة كذلك أنك قد تسمع سفير اليابان أو ألمانيا أو أمريكا في نواكشوط يلقي خطابا باللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية على هامش حفل تقديم مساعدات لإحدى الوزارات، وذلك في وقت يكون فيه الوزير المستلم للمساعدات لا يستطيع أن يتحدث باللغة الرسمية لبلده، فيلقي خطابه باللغة الفرنسية.

لن تتعزز الوحدة الوطنية، دون حسم نهائي للمٍسألة اللغوية، وليس من اللائق أن تبقى إدارتنا تعمل وتتحدث بلسان غير دستوري، وذلك رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على المصادفة على دستور 1991، وأكثر من ستة عقود على استقلال البلد؛

اللغة والدين

لقد أنعم الله علينا في هذه البلاد أن جعلنا جميعا مسلمين، ولقد اختار الله لحكمة يعلمها هو أن ينزل آخر كتبه باللغة العربية، ولذا فعلى من أراد أن يتدبر القرآن أن يتعلم اللغة العربية، وعلى من أن أراد أن يؤدي صلاته أن يحفظ بعض السور التي نزلت بلسان عربي مبين، وعلى من أراد أن يتفقه في دينه أن يتعلم اللغة العربية أولا.

إن اللغة العربية لا ترتبط فقط بأمورنا الدنيوية، بل إنها ترتبط بديننا، أي بأمورنا الأخروية، ومن هنا يصبح تعلمها للمسلم ليس ترفا، وإنما هو ضرورة، ولقد سمعتُ من بعض كبار العلماء في هذا البلد، بأن الدفاع عن اللغة العربية في هذه البلاد جهاد في سبيل الله، وما على من انشغل به إلا أن يخلص نيته.

وتبقى كلمة

كثيرا ما يطرح علي البعض السؤال التالي : لماذا أنت ضد اللغة الفرنسية؟

أنا لستُ ضد اللغة الفرنسية، بل إني اعتبرها لغة عالمية مهمة رغم تراجعها في العقود الأخيرة، وأدعو إلى تعلمها. ما أنا ضده هو أن تستولي هذه اللغة الأجنبية على مكانة لا تستحقها في الإدارة أو التعليم، وأن يكون ذلك على حساب اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

إن السؤال الصحيح الذي كان يجب أن يُطرح هو : لماذا أنتم ضد اللغة العربية يا "جماعة اللغة غير مهمة"؟

في الحقيقة لم أجد سببا واحدا مقنعا يجعلني أتفهم أن ينتصر موريتاني مسلم للغة الفرنسية، وأن يكون ذلك على حساب لغة قرآنه، ولغة بلده الرسمية.  

حفظ الله موريتانيا...


الأحد، 9 يوليو 2023

28 مقترحا للتصدي للمخاطر التي يواجهها الشباب!


يواجه الشباب الموريتاني العديد من المخاطر، بعضها يتعلق بتفشي الجريمة وانتشار تعاطي المخدرات في صفوف المراهقين والقصر، ويكفي لإدراك مستوى الخطر الذي يهدد الشباب في هذا المجال أن نتابع ما يحدث في بلادنا من جرائم، وأن نرصد أعمار مرتكبي تلك الجرائم، فسنجد أن أغلب تلك الجرائم قد تم ارتكابها من طرف قصر ومراهقين تسربوا من المدرسة، يتعاطون المخدرات، ويستخدمون أسلحة بيضاء، وربما يكونون من أصحاب السوابق. هناك نوع آخر من المخاطر يتعلق بالجرأة على الإساءة للمقدسات الدينية، والتي يلاحظ تزايدها بوتيرة مقلقة في صفوف الشباب، ولعل ورقة الامتحان المسيئة التي اكتشفها بعض مصححي الباكالوريا، لخير دليل على خطورة الأمر. وبطبيعة الحال فإنه لا يمكننا أن نتحدث عن المخاطر التي يتعرض لها الشباب، والمشاكل التي يواجهونها، دون ذكر البطالة، ويكفي لمعرفة المستوى الذي وصلت إليه البطالة في صفوف الشباب، أن نتابع أفواج المهاجرين الشباب إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولمواجهة هذه المخاطر، فهذه بعض الأفكار والمقترحات التي قد تساهم في الحد منها. سنستعرض هذه الأفكار والمقترحات دون ترتيب، وذلك مع العلم أن بعضها خاص بمحاربة الجريمة وتفشي المخدرات في صفوف الشباب، والبعض الآخر خاص بمواجهة موجة الإساءة للمقدسات، في حين أن طائفة منها خاصة بالبطالة والحد منها.   

إليكم 28 مقترحا للتصدي للمخاطر التي يواجهها الشباب:  

1 ـ الاهتمام أكثر بالأسرة والعمل على الحد من التفكك الأسري؛

2 - إيواء الأطفال الذين فشلت ـ أو عجزت ـ أسرهم عن تربيتهم، وتكفل الدولة بتربيتهم وتعليمهم، وتأهيلهم من بعد ذلك مهنيا؛  

3 ـ  إنشاء مراكز ثقافية ورياضية في كل المدن لصالح الشباب والعمل على تنشيطها بشكل مستمر؛ 

4 ـ إنشاء مراكز متخصصة في علاج الإدمان؛

5 ـ إنشاء المزيد من مراكز الإيواء والتدريب لصالح الأطفال المشردين وأصحاب السوابق الإجرامية مع محاولة دمجهم في الحياة النشطة؛

6 ـ إنشاء مراكز للتثقيف الحرفي (تكوين مهني مبسط) بما يلبي حاجة السوق، وبما يمكن من امتصاص أعداد المتسربين من المدرسة؛

7 ـ تفعيل دور المجتمع المدني وحثه على التوعية في مجال محاربة المخدرات والتسرب المدرسي وكل المشاكل التي تواجه الشباب، وذلك بدلا من التنافس في مجالات أصبحت تجد فائضا من الاهتمام؛

8 ـ تشديد العقوبة علي مستوردي وبائعي ومروجي المخدرات وكل المؤثرات العقلية، والصرامة في تنفيذ العقوبات وتطبيق أحكام الإعدام فيمن قتلته الشريعة؛ 

9 ـ إصلاح ودعم القطاع الأمني وإعادة الاعتبار لقطاع الشرطة؛

10 ـ إصلاح قطاع السجون والقضاء؛

11 ـ العمل بإلزامية التجنيد الإجباري؛ 

12 ـ الاهتمام أكثر بالمحاظر والعمل على تطويرها وعصرنتها لتمكينها من استقطاب جيل الانترنت؛

13 ـ تدريب العلماء والأئمة والدعاة الشباب على التقنيات الحديثة وحثهم على التواصل مع الشباب من خلال مواقع التواصل الاجتماعي للإجابة على أسئلتهم واستشكالاتهم واستفساراتهم التي يطرحونها؛  

14 ـ منح مادة التربية الإسلامية المزيد من الاهتمام، وتقوية ضاربها في المرحلتين الأساسية والثانوية؛ 

15 ـ البحث من خلال العلاقات الدبلوماسية عن فرص عمل لاكتتاب الشباب العاطل عن العمل في الدول التي تعاني من نقص في العمالة؛ 

16 ـ رسم سياسات اقتصادية واجتماعية للحد من اليد العاملة الأجنبية، ومحاولة إحلالها بيد عاملة وطنية مدربة؛

17 ـ منح تعويض اجتماعي للعاطل عن العمل إلى أن يحصل على شغل؛ 

18 ـ الاهتمام أكثر بالتكوين المهني وتوفير المزيد من القروض الميسرة للشباب؛

19 ـ العمل على خلق هجرة شبابية واسعة إلى الزراعة وتوفير الدعم الحكومي اللازم لذلك، وهو ما قد يحقق أمرين في غاية الأهمية: المساهمة في امتصاص بطالة الشباب مع تحقيق الاكتفاء الذاتي للبلد؛

20 ـ إطلاق جائزة سنوية باسم رئيس الجمهورية للمقاولات الشبابية الناجحة؛ 

21 ـ تخصيص نسبة من أعضاء مجالس إدارات المؤسسات العمومية للشباب العاطل عن العمل من حملة الشهادات العليا من ذوي التخصصات التي لها علاقة بالمؤسسات المعنية؛

22 ـ وضع سياسة تمييز إيجابي في التشغيل لصالح الأسر التي لديها ثلاثة أبناء إلى ما فوق من حملة الشهادات العاطلين عن العمل، فمن الملاحظ أن هناك سوء توزيع في فرص العمل المتاحة، فأبناء المنحدرين من الأسر الميسورة لا يعانون من البطالة، ويجدون وظائف عند التخرج، وذلك في وقت يظل فيه عدد العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات في ازدياد في الأوساط الأكثر فقرا. هذا التمييز الإيجابي أصبح ممكنا من خلال السجل الوطني للسكان؛

23 ـ العمل على تعريب الإدارة بشكل حقيقي، وهو ما سيمكن حملة الشهادات العربية المنحدرين من الأوساط الأكثر فقرا من المنافسة في فرص التوظيف المتاحة، فعلى سبيل المثال فإن حملة الشهادات العربية لا يستطيعون العمل في قطاع الصفقات الذي أنفقت عليه في السنة الماضية لوحدها أكثر من 300 مليار أوقية قديمة، وذلك بسبب اشتراط اللغة الفرنسية لوحدها في العروض والعقود وفي كل مراحل إبرام الصفقات العمومية؛

24 ـ تشجيع التميز وتحفيز التفوق والابتكار لدى الشباب؛

25 ـ منح المزيد من الاهتمام للمواهب الشبابية في مختلف المجالات، وذلك باعتبار تلك المواهب ثروة وطنية يجب استغلالها، والإعلان عن يوم وطني للمواهب يتم فيه رصد كل المواهب في مختلف المجالات الثقافية والرياضية والعلمية، والتي تمكنت من المشاركة في منافسات إقليمية ودولية، واستقبالها من طرف رئيس الجمهورية تشجيعا لها على تمثيل موريتانيا في المنافسات الإقليمية والدولية؛

26 ـ تنظيم دورات وملتقيات للتوعية حول مخاطر الهجرة، وكذلك للتعريف بالفرص المتاحة في مجال القطاع غير المصنف والمقاولات الصغيرة؛ 

27 ـ تنظيم أيام تشاورية حول التحديات التي تواجه الشباب، ورسم استراتيجية وطنية لمواجهة تلك التحديات؛

28 ـ الرفع من المكانة لبروتوكولية للوزارة المعنية بقضايا الشباب، ومنحها المزيد من الموارد المالية.  

ختاما

يبقى أن أقول بأن أي جهد يبذل لصالح الشباب، أو في أي مجال آخر، سيبقى عديم الجدوى إذا لم تصاحبه حربٌ جدية ضد الفساد. كما أن أي جهد يبذل لصالح الشباب يجب أن يبدأ بإصلاح التعليم ومضاعفة الجهود للنهوض بالمدرسة الجمهورية، وينتهي بالمزيد من إشراك الشباب في قضايا الشأن العام، وهنا لابد من الإشادة بتخصيص لائحة للشباب في البرلمان، وتخصيص وزارات في الحكومة الحالية للشباب.  

حفظ الله موريتانيا...

الأربعاء، 5 يوليو 2023

من الاحتجاجات إلى أعمال الشغب.. ما العمل؟


تابعتُ خلال الأسابيع الأخيرة، وبشيء من التأمل، أعمال شغب ونهب واسعة للأملاك العامة والخاصة في ثلاث دول، وهي على التوالي: موريتانيا ـ السنغال ـ فرنسا.

أعمال الشغب والنهب هذه جاءت بعد أحداث معروفة، ففي موريتانيا جاءت بعد وفاة "عمار جوب" من بعد توقيفه من طرف مفوضية الشرطة رقم 1 في السبخة، وفي السنغال جاءت من بعد الحكم على المعارض السنغالي "عثمان سونكو" بالسجن لسنتين نافذتين، وفي فرنسا جاءت من بعد أن أطلق شرطي رصاصة قاتلة على الشاب أو المراهق "وائل".

كان من المتوقع بعد هذه الأحداث أن تنطلق احتجاجات سلمية أو عنيفة ترفع مطالب محددة وواضحة، ولكن ما شاهدنا بعد تلك الأحداث لم تكن له أي صلة بالاحتجاجات، سلمية كانت أو عنيفة، لم نشاهد إلا عمليات السرقة والنهب وإشعال النيران في الأملاك العامة والخاصة.

لم نشاهد خلال كل أعمال الشغب تلك لافتة واحدة تتضمن مطالب المحتجين، إلا فيما ندر. لم نشاهد شعارات مرفوعة، ولا صور من يُقال بأن تلك الاحتجاجات انطلقت للتضامن معهم، ولم يظهر في تلك الاحتجاجات من يمكن أن يُصنف بأنه من المهتمين بالشأن العام. 

في أعمال الشغب تلك غابت المطالب والشعارات وحضرت عمليات السرقة والنهب، وفي أعمال الشغب تلك غاب السياسيون والمهتمون بالشأن العام حتى وإن كان بعضهم قد حاول أن يلعب دور المحرض، وحضر المراهقون والشباب بكثرة، وحتى الشباب الذي حضر لم يكن من الشباب المعروف باهتمامه وتفاعله مع قضايا الشأن العام.

هناك شيء ما يتغير في ميادين الاحتجاج والتظاهر، وهذا التغير لا يقتصر فقط على الأساليب، وإنما يشمل أيضا الأشخاص، فأساليب الاحتجاج أصبحت اليوم أقرب إلى عمليات النهب والسرقة، والمحتجون ـ والذين هم في الأغلب الأعم من المراهقين ـ أصبحوا يأتون من الشوارع ومن عالم الجريمة بدلا من أن يأتوا من الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو الحركات الشبابية.

إن هذا النوع من الاحتجاجات، والذي أصبح أقرب لعمليات السرقة والنهب، وإن هذا الصنف من المحتجين، والذي هو أقرب لعالم الجريمة من عالم السياسة، سيطرحان مشكلة كبيرة للأنظمة الحاكمة في الحاضر والمستقبل، وسيشكلان تحديا وتهديدا لتلك الأنظمة الحاكمة أقوى و أخطر من التحديات التي قد تطرحها قوى المعارضة ـ وبمختلف أشكالها وألوانها ـ لتلك الأنظمة الحاكمة.

إن الدرس الأول، والذي يجب على الأنظمة الحاكمة أن تأخذه من أعمال الشغب تلك، يمكن أن نلخصه في جملة واحدة : احتضنوا الشباب واخلقوا لديه أملا من قبل فوات الأوان.

إن أولى أولويات الحكومة الجديدة يجب أن يكون العمل على انتشال الشباب وخلق أمل لديه، وذلك من خلال العمل على:

1ـ مكافحة الجريمة وتفشي المخدرات في صفوف المراهقين والشباب؛

2ـ مواجهة البطالة وخلق فرص عمل للشباب؛

3ـ الحد من موجة الهجرة الشبابية إلى أمريكا.

هناك حزمة من الأفكار والمقترحات، والتي من شأنها أن تحد من تفشي الجريمة والبطالة والإحباط في صفوف الشباب، إن تم العمل بها. هذه الأفكار والمقترحات سنتركها لمقال قادم إن شاء الله. 

حفظ الله موريتانيا...


السبت، 1 يوليو 2023

كيف نتعامل مع الأخطاء في قطاع الشرطة؟


أثارت كل من جريمة مقتل "الصوفي ولد الشين" في مفوضية الشرطة رقم 1 بدار النعيم، وحادثة وفاة عمار جوب بعد توقيفه في مفوضية الشرطة رقم 1 بالسبخة نقاشا حادا وجدلا كبيرا، وأعمال شغب واسعة شملت عدة مدن في حادثة وفاة عمار جوب، وكان من نتائجها وفاة الشاب محمد الأمين في بوكي، ونهب وإتلاف بعض الممتلكات الخاصة والعامة.

إن تلك الأحداث تستوجب منا نقاشا هادئا، في مثل هذه الأوقات الهادئة، والتي توقف فيها النقاش الحاد حول الحادثتين. يهدف هذا النقاش الهادئ الذي أرجو أن يفتتحه هذا المقال، إلى وضع ضوابط متفق عليها للتعامل مستقبلا مع هذا النوع من الأحداث، والذي نأمل أن لا يتكرر مستقبلا، حتى وإن كنا ندرك بأن احتمال تكرره سيبقى قائما.    

أخطاء الشرطة ظاهرة عالمية

 تتولى الشرطة في كل دول العالم مهمة توفير الأمن للمواطن، وتعدُّ هذه المهمة من أكثر المهام أولوية، ومن أكثرها تعقيدا، ولا يمكن تصور وجود دولة دون توفير الأمن. خلال تأدية الشرطة لمهامها الأمنية قد تحدث بعض الأخطاء، بل بعض الجرائم التي قد تتسبب في فقدان الأمن الذي وُجدت الشرطة أصلا لتوفيره. 

والأمثلة على ما قد تتسبب فيه أخطاء الشرطة من فقدان للأمن في بلد ما كثيرة، ولعل من أبرز الأمثلة ما يحدث حاليا في فرنسا من احتجاجات ومن أعمال شغب واسعة جاءت كردة فعل على جريمة إقدام ضابط شرطة على إطلاق رصاصة قاتلة على الشاب نائل (17 سنة) عند نقطة تفتيش في "نانتير" (15 كلم غرب باريس). وقد سجلت في فرنسا من قبل هذه الحادثة، وفي العام الماضي وحده 13 عملية قتل ارتكبها شرطيون عند نقاط التفتيش. 

ومن قبل هذا، وفي العام 2005 شهدت فرنسا أعمال شغب واسعة بعد وفاة مراهقين اثنين في يوم 27 أكتوبر من ذلك العام، كانت وفاتهما ناتجة عن صعق كهربائي تعرضا له أثناء مطاردة بعض عناصر الشرطة لهما. أحداث الشغب التي أعقبت تلك الحادثة استمرت لثلاثة أسابيع تقريبا، وأدت في المحصلة النهائية إلى حرق ما يقارب عشرة آلاف سيارة، وتدمير أو إلحاق الضرر ب 300 مبنى.

وفي أمريكا ارتكبت بعض عناصر الشرطة الكثير من الجرائم التي أدت إلى وفاة عدد كبير من الأمريكيين كان أغلبهم من السود، فحسب صحيفة "الواشنطن بوست" فقد قتلت الشرطة الأمريكية في العام 2019 لوحده 1014 أمريكيا من السود، ولعل من أشهر الجرائم المرتكبة من طرف عناصر الشرطة، ما حدث يوم 25 مايو 2020، حيث ظهر ضابط الشرطة الأمريكي " ديريك تشوفين" في فيديو مصور وهو يضغط بركبته على رقبة المواطن الأمريكي "جورج فلويد" إلى أن توفى، وهو يصرخ مستغيثا "من فضلك، لا أستطيع التنفس". ومن قبل ذلك في العام 2014 وبنفس الطريقة قتل عناصر من الشرطة المواطن الأمريكي "إيريك غارنر"، وقد توفي أيضا وهو يصرخ مستغيثا "لا أستطيع التنفس".

تسببت جريمة مقتل "جورج فلويد" في احتجاجات واسعة شملت 2000 مدينة وبلدة أمريكية، وأكثر من 60 دولة في العالم، ومع أن هذه الاحتجاجات كانت في بدايتها سلمية، إلا أنها شهدت أعمال شغب واسعة، وقد أدت إلى وفاة 11 شخصا، وتوقيف أكثر من 11 ألف مواطن، وفرض حظر التجول في 200 مدينة أمريكية، وفي مدينة " مينيابوليس" التي قُتل فيها "جورج فلويد" تم إشعال النيران في 220 مبنى، وقدرت الخسائر في هذه المدينة لوحدها ب 55 مليون دولار.

وفي بريطانيا، وتحديدا في "توتنهام" شمال لندن، أطلق شرطي في يوم 4 أغسطس 2011 الرصاص على مواطن بريطاني أسود يدعى "مارك دوغان" (29 سنة) فقتله بعد عملية مطاردة، وأدت تلك الحادثة إلى أعمال شغب غير معهودة في بريطانيا، تم خلالها توقيف أكثر من ألف متهم، ووفاة 5 أشخاص، وإصابة أكثر من مائة شخص، وتم الاعتداء خلال أعمال الشغب تلك على حوالي 6 آلاف محل تجاري.  

هذه بعض أعمال الشغب الواسعة التي حدثت في بعض الدول الغربية بسبب جرائم ارتكبها شرطيون ضد مواطنين من أصول إفريقية في تلك الدول، وخارج الغرب يمكن أن نتحدث عن اعتقال المواطنة الإيرانية "مهسا أميني" (22 عاما) في يوم 16 سبتمبر 2022، من طرف شرطة الأخلاق، والتي أدت وفاتها بعد يومين من اعتقالها إلى احتجاجات واسعة في إيران رفعت شعار إسقاط النظام. وفي مصر، في يوم 6 يونيو 2010 تعرض الشاب خالد سعيد (28 سنة) للضرب من طرف اثنين من مخبري الشرطة حتى الموت، وقد مهد الحراك الذي أعقب تلك الجريمة للثورة المصرية، وفي تونس فقد شكلت صفعة شرطية تونسية لمحمد البوعزيزي شرارة للثورة التونسية.

بعد استعراض هذه الأمثلة من خارج حدودنا دعونا نأخذ منها بعض الدروس والعبر، وذلك من خلال تقديم بعض النصائح التي قد تساعد مستقبلا في تفادي مثل هذه الأخطاء داخل قطاع الشرطة، والتقليل من الآثار الكارثية لتلك الأخطاء في حالة وقوعها.

الوقاية أولا 

إن أفضل وسيلة لتفادي الاحتجاجات وأعمال الشغب التي تأتي كردة فعل على أخطاء الشرطة، تتمثل في تجنب الوقوع في تلك الأخطاء، وذلك من خلال تكوين عناصر الشرطة وتدريبهم حتى يكونوا قادرين على تأدية مهامهم دون الوقوع في مثل تلك الأخطاء.

تجنب بيانات "الوعكة الصحية"

من القواسم المشتركة بين هذه الأمثلة التي استعرضناها هنا هو أن الشرطة حاولت دائما أن تقدم روايات وحججا غير مقنعة لتبرير تلك الأخطاء، وكثيرا ما تتهاوى تلك الروايات أمام أدلة موثقة يتم تقديمها من طرف المحتجين. 

على الشرطة أن تدرك بأن المعلومات أصبح من الصعب حجبها في زمن تدفقها، وأن كاميرات الهواتف المحمولة جاهزة لتوثيق ما يحدث، ففي الأحداث الأخيرة في فرنسا مثلا حاولت الشرطة في البداية أن تبرر قتل الشاب "نائل" برواية مفادها أن الشرطي أطلق الرصاص دفاعا عن النفس، وذلك بعد أن حاول "نائل" أن يدهسه بسيارته، وهو الشيء الذي أثبت الفيديو المتداول عدم صحته.

نفس الشيء حدث مع جريمة قتل "الصوفي ولد الشين"، حيث حاولت الشرطة في البداية أن تقول من خلال بيانها الذي لقي استنكارا واسعا بأن "الصوفي ولد الشين" توفى بسبب وعكة صحية. مثل هذه البيانات غير المقنعة يأتي دائما بنتائج عكسية. 

إن ما أريد قوله هنا هو أنه ليس من مصلحة الشرطة محاولة التستر على ما قد يرتكبه بعض عناصرها من أخطاء قد تؤدي إلى وفاة أشخاص أبرياء، فمن جهة فإن عملية التستر لم تعد ممكنة في زمن تعدد مصادر المعلومات، ومن جهة أخرى فإن عملية التستر قد تجعل الشرطة بكاملها في محل اتهام من طرف المواطنين، وذلك بدلا من حصر الاتهام في عنصر الشرطة ـ أو عناصرها ـ الذين ارتكبوا تلك الجريمة.

لا لتشويه سمعة الشرطة

ليس من مصلحتنا أن نشوه سمعة الشرطة، وهي التي تتحمل مسؤولية توفير الأمن لنا، فإذا كان مطلوبا من الشرطة أن لا تتستر على أخطاء عناصرها، فإنه مطلوب كذلك من قادة الرأي العام أن لا يحملوا الشرطة في مجموعها أخطاء بعض عناصرها.

خلاصة القول في هذه النقطة هو أنه على الشرطة أن لا تتستر على من يرتكب الأخطاء من عناصرها، وعلى صناع الرأي العام أن لا يعمموا الأخطاء الفردية التي يرتكبها شرطيون على كل قطاع الشرطة.

لا للشحن ..لا للتجاهل

أظهرت حادثة وفاة عمر جوب مدى خطورة الشحن الإعلامي والتجييش العاطفي الذي قام به بعض المعارضين بعد تداول خبر وفاة عمر جوب. حاولت المعارضة ومنذ أول لحظة أن تجرم الشرطة وأن تؤلب عليها الرأي العام، فكان ما كان. وفي المقابل، أظهرت تلك الحادثة أيضا خطورة تجاهل مثل هذه الأحداث من طرف الأغلبية، والتي كثيرا ما تظهر عند المغنم وتغيب عند المغرم.

في مثل هذه الأحداث فإنه لا يجوز الاستغلال السياسي لها، والذي قد تقوم به المعارضة، ولا يجوز كذلك تجاهلها، والذي قد تقوم به الأغلبية، وإنما يجب على الطبقة السياسية بمختلف أطيافها أن تتفق على النقاط التالية:

ـ التضامن مع ذوي الضحايا، وإظهار ما يمكن إظهاره من مؤازرة؛

ـ المطالبة بتحقيق شفاف؛

ـ العمل من أجل معاقبة الجناة، إن كان هناك جناة.

الشرطة ليست مسؤولة لوحدها

إن هذه الاحتجاجات وأعمال الشغب التي تأتي كردة فعل على جرائم فردية يرتكبها شرطيون ليست من أجل التضامن فقط مع ضحايا تلك الجرائم، وإن كان ذلك هو عنوانها الأبرز، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك تشكل تعبيرا قويا ـ وربما عنيفا ـ عن رفض لواقع معين، ولذا فإن شعور السود بالتمييز في أمريكا، ومعاناة الفرنسيين وغيرهم من أصحاب الأصول الإفريقية في أوروبا هو الذي يغذي تلك الاحتجاجات وأعمال الشغب، ومن يخرج في تلك الاحتجاجات تضامنا مع هذه الضحية أو تلك، فهو يخرج أيضا ضد الفقر والبطالة والتهميش وغياب العدالة.

وبما أننا بدأنا هذه النقاط بنقطة تتعلق بالوقاية، فسنهيها أيضا بنقطة أخرى تتعلق بالوقاية. وإذا كانت النقطة الأولى تتعلق بالوقاية داخل قطاع الشرطة لتفادي مثل هذه الأخطاء، فإن النقطة الأخيرة تتعلق بالوقاية من خارج قطاع الشرطة. فمثل هذه الاحتجاجات وأعمال الشغب لن تتوقف حتى وإن توقفت أخطاء الشرطة. إنها لن تتوقف في ظل الشعور بالغبن وتفشي البطالة وغياب العدالة وانتشار الفساد، ولذا فإن الوقاية منها تبدأ وتنتهي بمحاربة البطالة والفساد وتوفير العدالة، والقضاء على كل أشكال الغبن والتمييز.     

 حفظ الله موريتانيا...


الأحد، 18 يونيو 2023

إلى النواب في أول جلسة لهم


من المتوقع أن تكون أول جلسة للبرلمان الجديد في إنابته الجديدة، جلسة ناطقة بلغة أجنبية (اللغة الفرنسية)، وهو ما سيشكل انتهاكا صريحا للدستور الموريتاني، ومخالفة صارخة لما يجري في أغلب برلمانات العالم، حيث يحظر استخدام أي لغة أجنبية، لما يشكل ذلك من انتقاص للسيادة الوطنية.
ففي البرلمان الفرنسي مثلا يحظر استخدام أي لغة غير الفرنسية، وفي تونس التي تصل فيها نسبة المتحدثين باللغة الفرنسية إلى ما يقارب 50 % من الشعب التونسي، فإن المادة 104 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي تحظر استخدام اللغة الفرنسية داخل البرلمان، وفي المغرب يحظر استخدام أي لغة غير العربية والأمازيغية داخل البرلمان المغربي، وهكذا في بقية برلمانات العالم.
رغم كل ذلك، فإنه يتم الآن التحضير لأن تكون أول جلسة للبرلمان الموريتاني في مأموريته الجديدة جلسة ناطقة بلغة أجنبية (اللغة الفرنسية)، ومبرر ذلك هو أن "عميد السن" في البرلمان الموريتاني حاليا النائب "موسى دمبا صو"، والذي سيترأس الجلسة بمساعدة خمسة من أصغر النواب لا يتحدث باللغة العربية (اللغة الرسمية لبلادنا)، ولذا تقرر اللجوء إلى اللغة الفرنسية لتكون هي لغة أول جلسة للبرلمان الموريتاني في إنابته الجديدة، وذلك بطبيعة الحال مما لا يبشر بخير على برلماننا الجديد.
إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، وبإلحاح، هو: لماذا لا يتم اللجوء إلى إحدى لغاتنا الوطنية ما دام رئيس الجلسة لا يستطيع التحدث باللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية؟.
إن اعتماد اللغة البولارية ـ وهي إحدى لغاتنا الوطنية بنص المادة السادسة من الدستور الموريتاني ـ في جلسة انتخاب رئيس البرلمان له إيجابيات كثيرة لعل من أهمها:
1 ـ أنه عمل دستوري لا يمكن الطعن فيه، هذا فضلا عن كونه سيجنب البرلمان الموريتاني الوقوع في فضيحة كبرى يصعب أن تحدث في أي برلمان في العالم، وتتمثل تلك الفضيحة في استخدام لغة أجنبية وغير دستورية في أول جلسة لمؤسسة تشريعية تعدُّ من أهم مؤسسات السيادة في البلد.
2 ـ أنه سيمنح لواحدة من لغاتنا الوطنية (البولارية ) مكانة معتبرة، وذلك من خلال اعتمادها لغة رسمية لأول جلسة للبرلمان الموريتاني في مأموريته الجديدة؛
3 ـ أنه سيعزز من المكاسب المهمة التي تحققت للغاتنا الوطنية بعد التعديل الذي تم إجراؤه من طرف البرلمان السابق على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، وهي المادة المتعلقة بالترجمة الفورية داخل الجمعية الوطنية. إن هذا التعديل الهام أعطى مكانة معتبرة في البرلمان الموريتاني للغاتنا الوطنية، والتي أصبح يبث بها كل ما يجري داخله من مداولات ونقاشات من خلال قناة البرلمانية، وهو ما أتاح لكل موريتاني أن يُتابع ما يجري داخل برلمانه بلغته الأم. إن هذا المكسب الكبير الذي حققه البرلمان السابق يجب أن نحافظ عليه، ولن يكون بالإمكان المحافظة عليه إذا ما تم تشجيع بعض النواب على الحديث باللغة الفرنسية، وترجمة مداخلاتهم بتلك اللغة إلى كل اللغات الوطنية. إن مما يؤسف له هو أن بعض نوابنا الموقرين على استعداد تام للتخلي عن الحديث بلغته الأم إذا ما وفرت له الجمعية الوطنية ترجمة مداخلاته باللغة الفرنسية إلى لغاتنا الوطنية، وهذا مما كان يرفضه رئيس البرلمان السابق انتصارا للغاتنا الوطنية، وسعيا منه للتمكين لتلك اللغات داخل مؤسستنا التشريعية.
إن من واجب كل من يسعى حقا إلى تطوير لغاتنا الوطنية أن يدعم المطلب المتعلق باعتماد اللغة البولارية في أول جلسة للبرلمان الموريتاني في مأموريته الجديدة، وعلى أولئك الذين يرفعون شعار تطوير لغاتنا الوطنية وإعطاءها المكانة التي تستحق، أن يدركوا بأن تمسكهم بلغة أجنبية على حساب لغاتنا الوطنية سيشكل مستقبلا ـ كما شكل في الماضي ـ خذلانا للغاتنا الوطنية ووقوفا ضد تطويرها.
إننا نرجو من نوابنا الموقرين أن يبتعدوا عن استخدام لغة أجنبية في أول جلسة لهم، وأن يجعلوا من اللغة البولارية لغة تلك الجلسة، خاصة وأن الترجمة من هذه اللغة الوطنية وإليها متاحة داخل البرلمان ، وبشكل جيد، وهم إن فعلوا ذلك سيكونون قد خلدوا ذكرى نائب شجاع يرجع له الفضل بأنه كان أول نائب موريتاني يتحدث باللغة البولارية داخل البرلمان الموريتاني، وكان ذلك ذات ثلاثاء صادف الخامس من يونيو من العام 2012، أي قبل إحدى عشرة سنة من الآن.
رحم الله نائب بوكي السابق سي صمبا، والذي لا شك أننا سنفتقده يوم 19 يونيو 2023 في أول جلسة للبرلمان الموريتاني في إنابته الجديدة.
حفظ الله موريتانيا..

الجمعة، 16 يونيو 2023

مقترحٌ على مائدة عشاء رئيس حزب الإنصاف

 


وجه رئيس حزب الإنصاف دعوة إلى نواب حزبه لحضور حفل عشاء سينظمه على شرفهم مساء الأحد الموافق 18 يونيو 2023، أي ساعات قبل أول جلسة للبرلمان الجديد، وبمناسبة حفل العشاء هذا فإني أتقدم من جديد إلى رئيس الحزب ونواب الحزب بمقترح كنتُ قد قدمته في وقت سابق للجنة الإصلاح في الحزب.

بدءا هناك أسئلة سنطرحها من قبل عرض المقترح، وسنحاول من خلال هذه الأسئلة أن نفتح شهية رئيس الحزب ونواب الحزب لتناول هذا المقترح مع ما سيتناولون مما لذ وطاب من طعام وشراب على مائدة العشاء المنتظر. 
هل من الأولى بالنائب في حزب الإنصاف أن يدافع في البرلمان عن الحكومة أم عن المواطن الذي انتخبه في حالة ما إذا كان هناك بعض التقصير الملاحظ في الأداء الحكومي؟
هل إذا تجاهل كل نواب حزب الإنصاف "تقصيرا ما" في عمل الحكومة، فهل سيعني ذلك أن هذا التقصير سيبقى محجوبا عن المواطن، وأن بقية النواب ـ وخاصة نواب المعارضة ـ سيتجاهلون ذلك التقصير، أم أنهم سيسارعون إلى كشفه وربما يبالغون في تضخيمه؟
ألن يُبثَّ نقد نواب المعارضة للحكومة في قناة البرلمانية، وبكل اللغات الوطنية، مما يعني أن الفرصة ستتاح لكل مواطن موريتاني لأن يسمع ذلك النقد المعارض، والذي ربما يكون مبالغا فيه؟
فبأي منطق بعد هذا يستمر صمت نواب الإنصاف وتجاهلهم للتقصير في الأداء الحكومي؟ ألم يحن الوقت للاستفادة مما قالت العرب قديما : "بيدي لا بيد عمرو"؟ ألم يحن الوقت لأن يرفع نواب الإنصاف شعار: "بلساني الناعم لا باللسان الحاد للنائب المعارض"؟
لقد استفاد نواب المعارضة إعلاميا وسياسيا من تجاهل نواب الأغلبية للتقصير في الأداء الحكومي، بل والدفاع في الكثير من الأحيان عن ذلك التقصير ومحاولة تبريره. هذا التجاهل أعطى الفرصة لنواب المعارضة لأن يظهروا دائما في مظهر المدافعين عن المواطن في البرلمان، والمتحدثين عن همومه، وفي كثير من الأحيان لا يكون حديث نواب المعارضة عن التقصير في الأداء الحكومي من أجل تصحيح ذلك التقصير، وإنما من أجل إظهار عجز الحكومة وتعرية النظام الحاكم، وبالتالي كسب المزيد من النقاط السياسية، وهذا حق سياسي للمعارضة عليها أن تستغله، ولا يمكن أن تلام إن هي استغلته. ما أردتُ لفتَ الانتباه إليه هنا هو أن هناك فرقا كبيرا بين الحديث عن خلل ما في العمل الحكومي من أجل تصحيحه (وهذا ما يجب على نواب حزب الإنصاف أن يقوموا به)، والحديث عن ذلك الخلل من أجل كشف العجز الحكومي وتعرية النظام وتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية، لا أقل ولا أكثر، وهذا ما يقوم به العديد من نواب المعارضة. لا يعني هذا الكلام أن كل نواب المعارضة لا يتحدثون عن التقصير في الأداء الحكومي من أجل تصحيحه، فهناك نواب في المعارضة يتحدثون عن ذلك الخلل من أجل تصحيحه، ويسعون بالفعل إلى ذلك، ولكن في المقابل هناك نواب آخرون في المعارضة يتحدثون عن ذلك الخلل لا من أجل تصحيحه، وإنما فقط من أجل كسب نقاط سياسية وإعلامية.
من هنا على حزب الإنصاف ونوابه أن يدركوا أن أساليب العمل التقليدي للأحزاب الحاكمة التي كانت تصلح للعقود الماضية لم تعد تصلح في أيامنا هذه، ولذا فقد أصبح من الضروري إحداث تغييرات جوهرية في أساليب عمل الحزب، وخصوصا في أساليب عمل فريقه البرلماني..
وعلى حزب الإنصاف ونوابه أن يعلموا بأنه لا توجد حكومة في هذا العالم بلا أخطاء، وبلا أوجه تقصير، ويتأكد الأمر بالنسبة للحكومات في دول العالم الثالث كما هو الحال بالنسبة لبلدنا.
إن التقصير في الأداء الحكومي موجود تلك حقيقة لا يمكن إنكارها، والحديث عن ذلك التقصير لن يتوقف لا داخل البرلمان ولا خارجه وتلك حقيقة ثانية لا يمكن تجاهلها. فما دام التقصير موجودا، وما دام الحديث عنه لن يتوقف بأي حال من الأحوال، فلماذا لا يأخذ نواب حزب الإنصاف زمام المبادرة ويتحدثون عن ذلك التقصير لا من أجل إظهار ضعف الأداء الحكومي كما يفعل بعض نواب المعارضة، وإنما من أجل تصحيح أوجه ذلك التقصير، وهناك فرق كبير بين أن تتحدث عن خلل ما من أجل تصحيحه، وأن تتحدث عن ذلك الخلل من أجل كشف عيوب المسؤول عنه، وإظهار عجزه للرأي العام. 
إن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف ( وما ينطبق على هذا الفريق ينطبق على كل الفرق البرلمانية المحسوبة على الأغلبية) بحاجة إلى أن يغير أسلوبه في التعامل مع الحكومة داخل البرلمان، وأن يعتمد في هذه الإنابة الجديدة على أسلوب جديد في التعامل معها يقوم على المرتكزات التالية:
1 ـ أن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف أولى من غيره بكشف أوجه التقصير في الأداء الحكومي والحديث عن ذلك التقصير بالطرق والأساليب التي يمكن أن تساهم في معالجة ذلك التقصير، وهو إن تقاعس عن ذلك الدور، فإنه سيعطي فرصة ثمينة لنواب المعارضة للحديث عن ذلك التقصير، وربما المبالغة في الحديث عنه سعيا لتسجيل المزيد من المكاسب السياسية والإعلامية؛
2  ـ إن الحديث عن أوجه التقصير في الأداء الحكومي، والبحث عن حلول لذلك التقصير ستمنح نواب حزب الإنصاف مصداقية لدى المواطن هم في أمس الحاجة إليها؛
3 ـ من جهة أخرى فإن تحقيق تلك المصداقية هو ما سيمكن نواب حزب الإنصاف من تسويق إنجازات الحكومة للمواطن، وكثيرا ما يفشل نواب الحزب الحاكم ـ بل الأغلبية كلها ـ في تسويق تلك الإنجازات.
على حزب الإنصاف في عمومه، وعلى فريقه البرلماني بشكل خاص أن يعلم بأن النائب الذي لا يستطيع أن ينتقد خللا ما، لن يكون بمقدوره تسويق إنجاز ما.
إن تسويق الإنجازات والدفاع عن النظام يحتاج إلى المصداقية، والمصداقية لا يمكن أن يحصل عليها من يكرر على مسامع المواطنين بالغدو والآصال أن الحكومة لم ترتكب خطأ واحدا خلال أدائها لمهامها. 
إن هذا النوع من النواب الذي يتحدث بهذه الطريقة الفاقدة للمصداقية، والتي لم تعد في زماننا هذا تقنع أحدا، لا يشكل فقط عبئا ثقيلا على الأنظمة الحاكمة، بل إنه زيادة على ذلك يشكل خطرا كبيرا على أرصدة تلك الأنظمة، وذلك لأنه يسحب من تلك الأرصدة ودون أن يضيف لها شيئا.  
وتبقى همسة في أذن "النائب الإنصافي" : إذا خلوت بوزير فلا تحدثه فقط عن همومك الخاصة، ولا تجعل حديثك معه يبدأ بطلب وظيفة لأحد أفراد العائلة، وينتهي بطلب صفقة لك أو لأحد أقربائك.. لا تنس أن تتحدث معه عن هموم المواطن بصفة عامة، والمواطن في دائرتك الانتخابية بشكل خاص.
شهية طيبة للجميع.. 

حفظ الله موريتانيا...

السبت، 10 يونيو 2023

وتمت عملية الشحن بنجاح!


شهدت بلادنا خلال الأيام الماضية، أعمال شغب واسعة، بدأت مباشرة بُعيد الإعلان عن وفاة المواطن عمار جوب غفر الله له، وإذا كان هناك من هو مسؤول جنائيا عن أعمال الشغب تلك، والتي أدت إلى خسائر مادية كبيرة وإلى وفاة الشاب محمد الأمين في بوكي رحمه الله،  فإن هناك في المقابل من هو مسؤول سياسيا وإعلاميا عن أعمال الشغب تلك، وذلك من خلال  مشاركته في عملية الشحن العاطفي والتجييش الإعلامي، والتي أدت  في المحصلة النهائية إلى أعمال الشغب تلك.

لنعد قليلا إلى تسلسل عمليات الشحن والتجييش العاطفي التي مهدت لأعمال الشغب والنهب، ولنذكر من قبل ذلك بأن الجهات المعنية بدأت منذ الساعات الأولى بتشريح الجثة بحضور محام وطبيب انتدبتهما عائلة الضحية، وهو ما كان يستوجب من كل واجد منا انتظار نتائج التشريح لاتخاذ الموقف الذي يراه مناسبا من هذه الحادثة.

(1)

سارع النائب العيد ولد محمدن بعيد حادثة الوفاة، ومن داخل المستشفى الوطني، وحسب ما نقل عنه موقع "صحراء ميديا" إلى القول بأن الفقيد عمار جوب "تعرض للتعذيب في المفوضية، وهناك ضرب وجرح ظاهر على أماكن من جسمه"، وأضاف النائب العيد من داخل المستشفى بأن "المتبادر وحسب الخيوط التي حصل عليها، تفيد أن الشاب توفي في المفوضية، بسبب التعذيب" .

كان النائب العيد حاضرا لعملية التشريح بصفته محاميا لعائلة الضحية، ولكنه لم يتحدث بلسان المحامي، ولا بلسان الحقوقي، وإنما تحدث ـ وللأسف الشديد ـ بلسان السياسي المعارض الخارج للتو من انتخابات يرى بأنها مزورة ، والذي لا يجد حرجا في استغلال أي حادثة لتجييش الشارع ضد النظام، فما كان منه إلا أن ألصق جريمة القتل بالشرطة في لحظة مضطربة سياسيا وحرجة أمنيا، وذلك من قبل أن تتوفر لديه الأدلة الكافية.

(2)

لم يتردد النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود هو أيضا في المسارعة إلى إلصاق جريمة قتل عمار جوب  بالشرطة، بل إنه سبق النائب العيد في اتهام الشرطة، وكان ذلك من خلال العديد من المنشورات والتصريحات والرسائل الصوتية، وكان من أوائل منشوراته عن الحادثة هذا المنشور : "الصوفي ولد الشين" من جديد، إنه المرحوم عمار چوب، ذهبت به الشرطة البارحة بعد العاشرة في كامل صحته، ليتصلوا على أهله فجر اليوم أنه توفي، كعادتهم في مثل هذه الجرائم. فهل يقف الرأي العام معه كما فعل مع الصوفي حتى يحاسب الفاعلون وتتوقف هذه الجرائم؟!

قد يبرر المبررون وقد يتجاهل المتجاهلون، وقد تصدر الشرطة بيانات كاذبة وتفبرك شهادات وتصريحات كل ذلك حصل مع الصوفي من قبلُ، لكنه لم يستطع حجب الجرم أخيرا.  قفوا مع هذا الشاب وأهله حتى تنكشف الحقيقة وتتجسد العدالة." انتهى منشور النائب.

هنا أكد النائب في هذا المنشور وفي غيره مما نشر أن الشرطة وراء الجريمة كعادتها، وطالب الرأي العام بالوقوف مع الضحية حتى تُحاسب الشرطة، والتي توقع منها أن تصدر بياناتٍ كاذبةً، وأن تُفبرك شهاداتٍ، مع قناعته أنها في النهاية لن تتمكن من حجب الجريمة.

( 3)

في نفس الاتجاه ـ وبحماس أكبر ـ  سار الكاتب الصحفي أحمدو الوديعة، والذي كثَّف من النشر حول الحادثة، وكان مما نشر على حسابه في الفيسبوك : "شريك في قتل جوب والصوفي كل مروج لروايات القتلة، ومحاولاتهم التستر على الجرم والإفلات من العقاب".

بالنسبة للكاتب الصحفي أحمدو الوديعة فقد اعتبر أن كل هؤلاء شركاء في جريمة قتل عمر جوب:

-  مروجو روايات القتلة، والقتلة هنا يَقصدُ بها الشرطة؛

-  كل من يحاول التستر على الجريمة؛

-  كل من يساهم في إفلات المجرمين من العقاب.

(4)

في نفس الاتجاه سار الكاتب الصحفي حنفي ولد الدهاه، وعندما نتحدث عن الصحفي حنفي فلا بد من أن نتحدث عن الحقوقية آمنة منت المختار، والتي نقلت أول رواية تدين الشرطة، وقد تم تداولها بشكل واسع، وهي رواية اعتمدها  الكاتب الصحفي حنفي، والذي كتب في منشور له : "الشرطة تستصحب "عمر جوب" من منزله في السبخة، ليلة البارحة، وهو في كامل صحته، فيصبح وقد فارق الحياة..

القصة كما وردتني من مصادر متطابقة تقول: إن الشاب الذي كان مشهورا في حيه، باع سيارته ليصرف ثمنها على الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عبر المكسيك، غير أن أفراداً من الشرطة اقتادوه البارحة إلى مخفرهم، بعد أن قاموا بتفتيشه وعثروا على المبلغ المالي بحوزته، وقد تعرض للتعذيب بعد مقاومته لهم، لما أرادوا أن يسلبوه إياه.

عمر جوب فارق الحياة تحت وطأة التعذيب، و تم نقله للمستشفى. وحسب المصادر فإن الشرطة ترفض تشريح جثته.

فإلى متى يستمر استهتار إدارة الأمن بأرواح المواطنين؟!

انتهى المنشور الذي أكد فيه الكاتب الصحفي حنفي الدهاه بأن عمار جوب تُوفيَّ تحت وطأة التعذيب، وأن الشرطة تَرفضُ تشريحَ الجثة.

( 5)

لم يتأخر الصحفي الهيبة ولد الشيخ سيداتي مدير أهم وكالة إخبارية مستقلة في البلد، في السير في نفس الاتجاه، بل إن الوكالة نفسها سارت وللأسف الشديد في تغطيتها للحادثة في نفس الاتجاه.

 وكان مما كتب مدير وكالة الأخبار المستقلة : "من غير المناسب أن تكون شرطة السبخة التي يتهمها الأهالي بقتل ابنهم، هي من يتولى الآن تفريق المتظاهرين داخل المستشفى وفي محيط المشرحة".

هنا أراد الصحفي الهيبة أن تتولى مُفوضيةُ شرطة أخرى تفريقَ المتظاهرين بدلا من المفوضية المُتهمةِ بجريمة القتل.  بالطبع لم يطرح الهيبة السؤال الأذكى صحفيا، فبدلا من أن يسأل لماذا حضرت مفوضية شرطة السبخة لتفريق "المحتجين"، كان عليه أن يسأل لماذا لم يتظاهر "المحتجون" أمام مفوضية شرطة السبخة رقم 1 المتهمة بقتل الضحية، كما فعل المحتجون من قبل بعد وفاة الصوفي، والذين كانت أغلب احتجاجاتهم أمام مفوضية دار النعيم رقم 2؟

طبعا هذا السؤال لم يُطرح لأنه إن طُرح كان سيصيب حجج القائمين على الشحن والتجييش في مقتل، وهم الذين حاولوا "تلوين الحادثة" من خلال تصنيفها في إطار الأعمال العنصرية التي تمارسها إحدى المكونات الوطنية ضد مكونة أخرى..الذهاب إلى مفوضية السبخة كان سيظهر أن ضابط المداومة المتهم بقتل الضحية من نفس شريحة الضحية بل ومن مدينته، وكان سيكشف أيضا أن المفوضية تعرف الضحية، وأن سيدة من شريحة أخرى كانت قد عفت عن الضحية بعد أن قتل ابنها، مما يعني أن العداء بين الشرائح والمكونات ليس بتلك الصورة التي تروج لها نخب الشحن والتجييش العرقي.

(6)

ويبلغ مستوى الشحن الإعلامي والسياسي ذروته عندما تقرر ستةُ أحزاب معارضة إصدارَ بيان في اليوم الموالي للحادثة جاء في مقدمته : "في ظروف غامضة وفي تطور خطير، أُخرِج صباح أمس الاثنين، المواطن عمر حمادي جوب، جثة هامدة من مخافر مفوضية الشرطة رقم:1 بمقاطعة السبخة بولاية انواكشوط الغربية، وذلك بعد فترة وجيزة من توقيفه لديها".

هذه الفقرة من البيان والتي تؤكد بأن الضحيةَ خَرجَ جُثَّةً هامدةً من مفوضية الشرطة، وذلك على الرَّغمِ من اتفاق الجميع بأن الوفاة حدثت داخل المستشفى، لم يكتبها نشطاء مراهقون على حساباتهم الشخصية في الفيسبوك، بل كتبها من تولى صياغة بيان موقع من طرف أهم ستة أحزاب سياسية معارضة في البلد!!

الغريب حقا أن أحزاب المعارضةِ التي حَكمت بخُروجِ الضَّحيةِ جُثَّةً هامدةً من مخافر الشرطة، طالبت في الوقت نفسه بتحقيقٍ شفافٍ، فهل بَقيَت هناك حَاجةٌ إلى التَّحقيقِ ما دامَ الكُلُّ قد حَكَمَ مسبقا بأن الشُّرطَةَ هي القَاتِل؟

لا أدري إن كانت أحزاب المعارضة قد قررت أن تشارك ببيانها هذا في عملية الشحن والتجييش فجاءت بمعلومة كاذبة مفادها أن الضحية خرج جثة هامدة من مفوضية الشرطة، أم أن هذه الأحزاب كانت هي بنفسها ضحية للشحن فصدقت ما ينشره ويصرح به البعض، وكان مما صدقت أن الضحية خرج جثة هامة من مفوضية الشرطة.

ومهما يكن من أمر فإن كل هؤلاء الذين شاركوا عن قصد أو عن غير قصد في عملية الشحن العاطفي والتجييش الإعلامي والسياسي مطالبون اليوم بالاعتذار للشعب الموريتاني عما تسببوا فيه من أعمال شغب ونهب طالت عدة مدن موريتانية، كما أنهم مطالبون بالاعتذار لأسرة الشاب محمد الأمين الذي توفي في مدينة بوكي بفعل رصاصة أطلقها شرطي، والذي يجب أن يحقق معه جنائيا، وأن يعاقب بقسوة إذا ثبت أنه استخدم السلاح دون مبرر.

أشير في ختام هذه الفقرة بأني اكتفيتُ في الفقرات السابقة برصد ما نشره صحفيون كبار، وبما صرح به سياسيون كنا نعول عليهم كثيرا في قيادة معارضة قوية ومسؤولة . أما من عرفوا أصلا بالتحريض واستغلال كل حدث لإشعال الفتنة فلم أتحدث عنهم هنا، وذلك لأن ما قاموا به من تحريض كان متوقعا منهم.

(7)

إن الواجب الأخلاقي يقتضي منا في هذا المقام أن نتحدث عن الوجه المضيء في التعامل مع هذه الحادثة، والذي أظهره أولئك الذين وقفوا بقوة ضد عملية الشحن، وحاولوا أن يكونوا  رجال إطفاء.

لقد غاب الصف الأول من داعمي النظام، المستفيدين من تعييناته وترشيحاته عن المواجهة مع مروجي خطاب الفتنة، وحضر الصف الثاني من الداعمين، وذلك على الرغم من أن جلهم لم يستفد حتى الآن من النظام.

ولعل الحاضر الأبرز في هذه المواجهة هم بعض المستقلين سياسيا، وبعض المعارضين للنظام، والذين يحسب لهم أنهم فرقوا في لحظة وطنية حساسة بين معارضة النظام ومعارضة الدولة الموريتانية، وعند الحديث عن هؤلاء لا بد أن نذكر المدون المقيم في كندا الطالب عبد الودود، والذي أختلف كثيرا مع أسلوبه الجارح في النقد. هذا  المدون المعارض المقيم في الخارج  يُحسب له أنه وقف ـ وبقوة ـ ضد عملية الشحن، وضد كل أعمال الشغب والنهب التي حدثت بعد ذلك، وذلك على العكس من مدون آخر في الخارج، تم استغلال حسابه في الفيسبوك، وكما هي العادة، من طرف مجموعة متخفية أرادت ـ وبكل ما لديها من أعواد كبريت ومن بنزين ـ أن تستغل حادثة وفاة عمار جوب لإشعال النيران في كل مكان من موريتانيا.

حفظ الله موريتانيا..

الأربعاء، 7 يونيو 2023

ملف الوحدة الوطنية والمغالطات الكبرى!


كثيرا ما تستوقفني بعض المغالطات التي يدفع بها البعض عند أي حديث أو نقاش في ملف الوحدة الوطنية والتعايش بين شرائح ومكونات المجتمع.. هذه المغالطات من كثرة تكرارها تحولت لدى البعض إلى مسلمات أو حقائق لا يمكن التشكيك فيها.

المغالطة الأولى (تاريخية):

يحاول البعض أن يرسخ في الأذهان بأن ملف التعايش بين المكونات الوطنية لم يطرح إشكالا حقيقيا إلا مع بداية النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، أي من بعد وصول الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع إلى السلطة، وبالعودة إلى مذكرات الرئيس الراحل المختار ولد داداه رحمه الله (موريتانيا على درب التحديات)، فسنجد أنه في العام 1966 حدثت صدامات عرقية في منتهى الخطورة تسببت في وفاة 5 موريتانيين وإصابة 70 آخرين بجروح، وكان سبب تلك الصدامات حسب ما جاء في المذكرات هو إضراب "التلاميذ الزنوج" ضد إلزامية تدريس اللغة العربية إلى جانب اللغة الفرنسية في التعليم الثانوي!!

وقد جاء في المذكرات أن  بعض الأطر الناطقين بالفرنسية من الزنوج استغلوا العطلة الصيفية قبل الافتتاح الدراسي في ذلك العام لتعبئة التلاميذ من "بني جلدتهم" لتنظيم مظاهرات ضد إلزامية تعليم اللغة العربية، كما أعلن 19 موظفا ساميا من "منطقة النهر" في "بيان التسعة عشر" أنهم يساندون إضراب التلاميذ الزنوج ضد إلزامية تعليم اللغة العربية. من هنا يمكن القول بأن إشكال التعايش بين مكوناتنا الوطنية قد بدأ يطفو على السطح منذ منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي، أي من قبل من وصول الرئيس معاوية إلى الحكم بثمان عشرة سنة.

المغالطة الثانية : 

 إن التذكير بأن الصدامات العرقية قد بدأت في العام 1966 سيقودنا إلى كشف مغالطة أخرى يُحاول البعض من خلالها أن يرسخ في الأذهان بأن إقصاء بعض المكونات الوطنية من الوظائف ومن خيرات البلد هو السبب الأول في الصدام العرقي، وفي كل ما يطفو على السطح من مشاكل تتعلق بإشكالية التعايش بين المكونات الوطنية.

إذا كان هذا التفسير صحيحا فلنا أن نتساءل: بأي منطق يقود بعض الموريتانيين الزنوج مظاهرات واحتجاجات ذات طابع عرقي في العام 1966، وهم الذين كانوا يشكلون في تلك الفترة أغلبية كبيرة في الوظيفة العمومية؟

جاء في كتاب " موريتانيا : إشكالية التعايش العرقي"  لمؤلفه الدكتور أعل ولد أصنيبه أن الباحثة "كامي هود" ذكرت في أطروحتها للدكتوراة بأن " التوجيهات الاستعمارية خلفت داخل الوظيفة العمومية في بداية الستينيات تمثيلا قويا للزنوج ( ما يناهز 75% من الموظفين و80% في البريد والمواصلات)".

إن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذه الفقرة هي أن الاحتجاجات ذات الطابع العرقي قد ظهرت في فترة كان فيها الموريتانيون الزنوج يشكلون الأغلبية العظمى في صفوف عمال وموظفي الدولة الموريتانية.

المغالطة الثالثة :

يُحاول البعض أن يرسخ في الأذهان بأن تدريس اللغة العربية، وجعلها لغة رسمية في موريتانيا من بعد ذلك ما هو إلا وسيلة لإقصاء الموريتانيين الزنوج من الوظائف وحرمانهم ـ بالتالي ـ  من خيرات بلدهم، ولذا فقد جاء في "بيان التسعة عشر" أنهم "يساندون إضراب التلاميذ الزنوج من أجل سد الطريق أمام التعريب القسري، ومن أجل فرض تعديل قوانين 30 يناير 1965 لأن الازدواجية ليست سوى خدعة لإقصاء المواطنين السود من كل شؤون الدولة.".

إن مما يجب لفت الانتباه إليه هنا، هو أنه حتى ولو بقت اللغة الفرنسية هي اللغة الوحيدة في التعليم والإدارة في موريتانيا، فإن ذلك لن يمنع تراجع نسبة الموظفين الزنوج في الوظيفة العمومية. لقد استفادت هذه المكونة من التعليم المبكر لأبنائها في زمن الاستعمار، ولذا فقد كان من الطبيعي جدا أن تشكل أغلبية في صفوف العمال والموظفين خلال السنوات الأولى من بعد الاستقلال. وقد كان أيضا من الطبيعي جدا أن يشكل الموريتانيون "البيظان" أغلبية في الوظيفة العمومية، وذلك من بعد إقبالهم على التعليم. ومما لاشك فيه كذلك أن شريحة "لحراطين"، والتي لا تحظى اليوم بما يناسب حجمها من الوظائف، ستحظى عاجلا أو آجلا بنسبة كبيرة من الوظائف، تتناسب طرديا مع ازدياد إقبال أبنائها على التعليم.

إن تغير نسبة الحضور الشرائحي والعرقي في الوظائف لا علاقة له باللغة، وإنما يرتبط أساسا بحجم الشرائح والمكونات وكثرتها العددية، وبمدى إقبال أبنائها على التعليم. يمكن للغة أن يكون لها الأثر السلبي في حالة واحدة، وهي أن يرفض بعض أبناء مكونة معينة تعلم اللغة الرسمية لبلد ما، فمثل ذلك قد يقلل من حظوظهم في الوظيفة، إذا ما قام ذلك البلد بتفعيل ترسيم اللغة التي اختارها لأن تكون لغته الرسمية.

المغالطة الرابعة:

هناك من يعتقد أن الوحدة الوطنية يمكن أن تتحقق في بلد يرفض بعض أبنائه تعلم اللغة الرسمية لذلك البلد، بل فيهم من يرفض استخدام تلك اللغة بحجة أنه لا يعرفها، وهو في حقيقة أمره يعرفها، وقد اطلعت شخصيا على أمثلة من هذا النوع.

لا يمكن للوحدة الوطنية أن تتحقق، ولا للحمة الوطنية أن تتجذر في بلد ما إذا ما استمر ذلك البلد في اللجوء إلى الترجمة بلغة أجنبية من أجل ضمان التفاهم بين أبناء مكوناته.

إنه لمن المخجل حقا، أننا وبعد مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال ما يزال بعض الوزراء والموظفين السامين يعجزون عن تهجي خطاب رسمي من سطر واحد باللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية. في بعض الأحيان أشاهد سفراء بعض الدول الغربية في نواكشوط يتحدثون باللغة العربية في نشاط تحدث فيه وزراء موريتانيون بلغة أجنبية!!

لقد آن الأوان لأن نكون مثل كل بلدان العالم لنا لغتنا الرسمية التي لا يجوز استخدام غيرها في الخطابات الرسمية، ولا في المراسلات الإدارية، ولا في غير ذلك من المجالات التي يجب فيها استخدام اللغة الرسمية للبلد.

لو كانت هناك حجة منطقية واحدة تسمح بجعل أي لغة أخرى غير اللغة العربية لغة رسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية لقبلنا بهذا التردد في تفعيل ترسيم اللغة العربية، ولكن لا حجة منطقية واحدة يمكن أن تقف ضد جعل اللغة العربية لغة رسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، ولا حجة واحدة يمكن أن نبرر بها عدم تفعيل ترسيمها، فاللغة العربية هي:

1 ـ اللغة العالمية الوحيدة من بين كل لغاتنا الوطنية، وهي تحتل المرتبة الرابعة عالميا من حيث عدد الناطقين بها؛

2 ـ هي لغة قرآننا، وهي اللغة التي نحتاج لتعلمها لأداء بعض شعائرنا الدينية، وكذلك للتفقه في ديننا؛

3 ـ هي  لغة المراسلات والمعاملات لكل الموريتانيين من قبل دخول الاستعمار؛

4 ـ هي اللغة الأم لعدد كبير من الموريتانيين، وهي لغة دين لكل الموريتانيين الذين يدينون جميعا بالإسلام؛

5 ـ كانت الحجة الوحيدة التي يتقدم بها البعض لتبرير بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، هي أن اللغة الفرنسية لغة تحتاجها بعض مكوناتنا الوطنية للتواصل مع امتداداتها في إفريقيا. هذه الحجة لم تعد مقنعة كما كانت، فاللغة العربية تحتل اليوم الرتبة الثانية في إفريقيا من حيث الاستخدام، في حين أن اللغة الفرنسية تأتي في الرتبة الرابعة في إفريقيا، وهي في تراجع مستمر نتيجة لتخلي بعض الدول الإفريقية عنها، وإبدالها باللغة الانجليزية. كما أنه من الملاحظ أن عداء فرنسا وكل ماله صلة بها يتنامى بوتيرة سريعة داخل الأوساط الشابة في إفريقيا السوداء، وقد أصبح من النادر جدا أن تنظم احتجاجات في بلد إفريقي دون أن يحرق فيها العلم الفرنسي.   

كل ذلك سيزيد مستقبلا من سرعة تراجع اللغة الفرنسية في إفريقيا، وذلك بصفتها لغة تواصل، وهو ما يعني سقوط آخر حجة يمكن للفرانكفونيين في هذا البلاد أن يبرروا بها تمسكهم بلغة أجنبية تتراجع بشكل ملحوظ، وبدأ أهلها يتخلون عنها.

إن استمرار احتلال اللغة الفرنسية لمساحة لا تستحقها في التعليم، وهي اللغة التي تتراجع مكانتها عالميا، يعني سرقة مستقبل أجيال بكاملها، وإن استمرار احتلال اللغة الفرنسية لمساحة لا تستحقها في الإدارة الموريتانية يعني الاستمرار في إبعاد خدمات الإدارة من المواطن، ويعني كذلك بقاء أهم عائق ضد تعزيز وحدتنا الوطنية، ففي كل دول العالم، ومع الاعتراف بوجود استثثناءات قليلة جدا جدا هناك دائما  لغة واحدة وواحدة فقط هي التي تستخدم في كل ما هو رسمي، حتى في البلدان التي يوجد بها تعدد لغوي، ذلك أن وجود لغة رسمية واحدة يعد من أهم العوامل التي تعزز من وحدة وتماسك المجتمعات.  

حفظ الله موريتانيا..