من المتوقع أن تكون أول جلسة للبرلمان الجديد في إنابته الجديدة، جلسة ناطقة بلغة أجنبية (اللغة الفرنسية)، وهو ما سيشكل انتهاكا صريحا للدستور الموريتاني، ومخالفة صارخة لما يجري في أغلب برلمانات العالم، حيث يحظر استخدام أي لغة أجنبية، لما يشكل ذلك من انتقاص للسيادة الوطنية.
إني أحلم بأن أستيقظ ذات يوم على وطن حقيقي، يكون انتماء المواطن فيه للوطن من قبل أن يكون للقبيلة، أو للجهة ، أو للعرق، أو للشريحة.
الأحد، 18 يونيو 2023
إلى النواب في أول جلسة لهم
من المتوقع أن تكون أول جلسة للبرلمان الجديد في إنابته الجديدة، جلسة ناطقة بلغة أجنبية (اللغة الفرنسية)، وهو ما سيشكل انتهاكا صريحا للدستور الموريتاني، ومخالفة صارخة لما يجري في أغلب برلمانات العالم، حيث يحظر استخدام أي لغة أجنبية، لما يشكل ذلك من انتقاص للسيادة الوطنية.
الجمعة، 16 يونيو 2023
مقترحٌ على مائدة عشاء رئيس حزب الإنصاف
وجه رئيس حزب الإنصاف دعوة إلى نواب حزبه لحضور حفل عشاء سينظمه على شرفهم مساء الأحد الموافق 18 يونيو 2023، أي ساعات قبل أول جلسة للبرلمان الجديد، وبمناسبة حفل العشاء هذا فإني أتقدم من جديد إلى رئيس الحزب ونواب الحزب بمقترح كنتُ قد قدمته في وقت سابق للجنة الإصلاح في الحزب.
بدءا هناك أسئلة سنطرحها من قبل عرض المقترح، وسنحاول من خلال هذه الأسئلة
أن نفتح شهية رئيس الحزب ونواب الحزب لتناول هذا المقترح مع ما سيتناولون
مما لذ وطاب من طعام وشراب على مائدة العشاء المنتظر.
هل من الأولى بالنائب في حزب الإنصاف أن يدافع في البرلمان عن الحكومة أم
عن المواطن الذي انتخبه في حالة ما إذا كان هناك بعض التقصير الملاحظ في
الأداء الحكومي؟
هل إذا تجاهل كل نواب حزب الإنصاف "تقصيرا ما" في عمل الحكومة، فهل سيعني
ذلك أن هذا التقصير سيبقى محجوبا عن المواطن، وأن بقية النواب ـ وخاصة نواب
المعارضة ـ سيتجاهلون ذلك التقصير، أم أنهم سيسارعون إلى كشفه وربما
يبالغون في تضخيمه؟
ألن يُبثَّ نقد نواب المعارضة للحكومة في قناة البرلمانية، وبكل اللغات
الوطنية، مما يعني أن الفرصة ستتاح لكل مواطن موريتاني لأن يسمع ذلك النقد
المعارض، والذي ربما يكون مبالغا فيه؟
فبأي منطق بعد هذا يستمر صمت نواب الإنصاف وتجاهلهم للتقصير في الأداء
الحكومي؟ ألم يحن الوقت للاستفادة مما قالت العرب قديما : "بيدي لا بيد
عمرو"؟ ألم يحن الوقت لأن يرفع نواب الإنصاف شعار: "بلساني الناعم لا
باللسان الحاد للنائب المعارض"؟
لقد استفاد نواب المعارضة إعلاميا وسياسيا من تجاهل نواب الأغلبية للتقصير
في الأداء الحكومي، بل والدفاع في الكثير من الأحيان عن ذلك التقصير
ومحاولة تبريره. هذا التجاهل أعطى الفرصة لنواب المعارضة لأن يظهروا دائما
في مظهر المدافعين عن المواطن في البرلمان، والمتحدثين عن همومه، وفي كثير
من الأحيان لا يكون حديث نواب المعارضة عن التقصير في الأداء الحكومي من
أجل تصحيح ذلك التقصير، وإنما من أجل إظهار عجز الحكومة وتعرية النظام
الحاكم، وبالتالي كسب المزيد من النقاط السياسية، وهذا حق سياسي للمعارضة
عليها أن تستغله، ولا يمكن أن تلام إن هي استغلته. ما أردتُ لفتَ الانتباه
إليه هنا هو أن هناك فرقا كبيرا بين الحديث عن خلل ما في العمل الحكومي من
أجل تصحيحه (وهذا ما يجب على نواب حزب الإنصاف أن يقوموا به)، والحديث عن
ذلك الخلل من أجل كشف العجز الحكومي وتعرية النظام وتحقيق مكاسب سياسية
وإعلامية، لا أقل ولا أكثر، وهذا ما يقوم به العديد من نواب المعارضة. لا
يعني هذا الكلام أن كل نواب المعارضة لا يتحدثون عن التقصير في الأداء
الحكومي من أجل تصحيحه، فهناك نواب في المعارضة يتحدثون عن ذلك الخلل من
أجل تصحيحه، ويسعون بالفعل إلى ذلك، ولكن في المقابل هناك نواب آخرون في
المعارضة يتحدثون عن ذلك الخلل لا من أجل تصحيحه، وإنما فقط من أجل كسب
نقاط سياسية وإعلامية.
من هنا على حزب الإنصاف ونوابه أن يدركوا أن أساليب العمل التقليدي للأحزاب
الحاكمة التي كانت تصلح للعقود الماضية لم تعد تصلح في أيامنا هذه، ولذا
فقد أصبح من الضروري إحداث تغييرات جوهرية في أساليب عمل الحزب، وخصوصا في
أساليب عمل فريقه البرلماني..
وعلى حزب الإنصاف ونوابه أن يعلموا بأنه لا توجد حكومة في هذا العالم بلا
أخطاء، وبلا أوجه تقصير، ويتأكد الأمر بالنسبة للحكومات في دول العالم
الثالث كما هو الحال بالنسبة لبلدنا.
إن التقصير في الأداء الحكومي موجود تلك حقيقة لا يمكن إنكارها، والحديث عن
ذلك التقصير لن يتوقف لا داخل البرلمان ولا خارجه وتلك حقيقة ثانية لا
يمكن تجاهلها. فما دام التقصير موجودا، وما دام الحديث عنه لن يتوقف بأي
حال من الأحوال، فلماذا لا يأخذ نواب حزب الإنصاف زمام المبادرة ويتحدثون
عن ذلك التقصير لا من أجل إظهار ضعف الأداء الحكومي كما يفعل بعض نواب
المعارضة، وإنما من أجل تصحيح أوجه ذلك التقصير، وهناك فرق كبير بين أن
تتحدث عن خلل ما من أجل تصحيحه، وأن تتحدث عن ذلك الخلل من أجل كشف عيوب
المسؤول عنه، وإظهار عجزه للرأي العام.
إن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف ( وما ينطبق على هذا الفريق ينطبق على كل
الفرق البرلمانية المحسوبة على الأغلبية) بحاجة إلى أن يغير أسلوبه في
التعامل مع الحكومة داخل البرلمان، وأن يعتمد في هذه الإنابة الجديدة على
أسلوب جديد في التعامل معها يقوم على المرتكزات التالية:
1 ـ أن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف أولى من غيره بكشف أوجه التقصير في
الأداء الحكومي والحديث عن ذلك التقصير بالطرق والأساليب التي يمكن أن
تساهم في معالجة ذلك التقصير، وهو إن تقاعس عن ذلك الدور، فإنه سيعطي فرصة
ثمينة لنواب المعارضة للحديث عن ذلك التقصير، وربما المبالغة في الحديث عنه
سعيا لتسجيل المزيد من المكاسب السياسية والإعلامية؛
2 ـ إن الحديث عن أوجه التقصير في الأداء الحكومي، والبحث عن حلول لذلك
التقصير ستمنح نواب حزب الإنصاف مصداقية لدى المواطن هم في أمس الحاجة
إليها؛
3 ـ من جهة أخرى فإن تحقيق تلك المصداقية هو ما سيمكن نواب حزب الإنصاف من
تسويق إنجازات الحكومة للمواطن، وكثيرا ما يفشل نواب الحزب الحاكم ـ بل
الأغلبية كلها ـ في تسويق تلك الإنجازات.
على حزب الإنصاف في عمومه، وعلى فريقه البرلماني بشكل خاص أن يعلم بأن
النائب الذي لا يستطيع أن ينتقد خللا ما، لن يكون بمقدوره تسويق إنجاز ما.
إن تسويق الإنجازات والدفاع عن النظام يحتاج إلى المصداقية، والمصداقية لا
يمكن أن يحصل عليها من يكرر على مسامع المواطنين بالغدو والآصال أن الحكومة
لم ترتكب خطأ واحدا خلال أدائها لمهامها.
إن هذا النوع من النواب الذي يتحدث بهذه الطريقة الفاقدة للمصداقية، والتي
لم تعد في زماننا هذا تقنع أحدا، لا يشكل فقط عبئا ثقيلا على الأنظمة
الحاكمة، بل إنه زيادة على ذلك يشكل خطرا كبيرا على أرصدة تلك الأنظمة،
وذلك لأنه يسحب من تلك الأرصدة ودون أن يضيف لها شيئا.
وتبقى همسة في أذن "النائب الإنصافي" : إذا خلوت بوزير فلا تحدثه فقط عن
همومك الخاصة، ولا تجعل حديثك معه يبدأ بطلب وظيفة لأحد أفراد العائلة،
وينتهي بطلب صفقة لك أو لأحد أقربائك.. لا تنس أن تتحدث معه عن هموم
المواطن بصفة عامة، والمواطن في دائرتك الانتخابية بشكل خاص.
شهية طيبة للجميع..
حفظ الله موريتانيا...
السبت، 10 يونيو 2023
وتمت عملية الشحن بنجاح!
شهدت بلادنا خلال الأيام الماضية، أعمال شغب واسعة، بدأت مباشرة بُعيد الإعلان عن وفاة المواطن عمار جوب غفر الله له، وإذا كان هناك من هو مسؤول جنائيا عن أعمال الشغب تلك، والتي أدت إلى خسائر مادية كبيرة وإلى وفاة الشاب محمد الأمين في بوكي رحمه الله، فإن هناك في المقابل من هو مسؤول سياسيا وإعلاميا عن أعمال الشغب تلك، وذلك من خلال مشاركته في عملية الشحن العاطفي والتجييش الإعلامي، والتي أدت في المحصلة النهائية إلى أعمال الشغب تلك.
لنعد قليلا إلى تسلسل عمليات الشحن والتجييش العاطفي التي مهدت لأعمال الشغب والنهب، ولنذكر من قبل ذلك بأن الجهات المعنية بدأت منذ الساعات الأولى بتشريح الجثة بحضور محام وطبيب انتدبتهما عائلة الضحية، وهو ما كان يستوجب من كل واجد منا انتظار نتائج التشريح لاتخاذ الموقف الذي يراه مناسبا من هذه الحادثة.
(1)
سارع النائب العيد ولد محمدن بعيد حادثة الوفاة، ومن داخل المستشفى الوطني، وحسب ما نقل عنه موقع "صحراء ميديا" إلى القول بأن الفقيد عمار جوب "تعرض للتعذيب في المفوضية، وهناك ضرب وجرح ظاهر على أماكن من جسمه"، وأضاف النائب العيد من داخل المستشفى بأن "المتبادر وحسب الخيوط التي حصل عليها، تفيد أن الشاب توفي في المفوضية، بسبب التعذيب" .
كان النائب العيد حاضرا لعملية التشريح بصفته محاميا لعائلة الضحية، ولكنه لم يتحدث بلسان المحامي، ولا بلسان الحقوقي، وإنما تحدث ـ وللأسف الشديد ـ بلسان السياسي المعارض الخارج للتو من انتخابات يرى بأنها مزورة ، والذي لا يجد حرجا في استغلال أي حادثة لتجييش الشارع ضد النظام، فما كان منه إلا أن ألصق جريمة القتل بالشرطة في لحظة مضطربة سياسيا وحرجة أمنيا، وذلك من قبل أن تتوفر لديه الأدلة الكافية.
(2)
لم يتردد النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود هو أيضا في المسارعة إلى إلصاق جريمة قتل عمار جوب بالشرطة، بل إنه سبق النائب العيد في اتهام الشرطة، وكان ذلك من خلال العديد من المنشورات والتصريحات والرسائل الصوتية، وكان من أوائل منشوراته عن الحادثة هذا المنشور : "الصوفي ولد الشين" من جديد، إنه المرحوم عمار چوب، ذهبت به الشرطة البارحة بعد العاشرة في كامل صحته، ليتصلوا على أهله فجر اليوم أنه توفي، كعادتهم في مثل هذه الجرائم. فهل يقف الرأي العام معه كما فعل مع الصوفي حتى يحاسب الفاعلون وتتوقف هذه الجرائم؟!
قد يبرر المبررون وقد يتجاهل المتجاهلون، وقد تصدر الشرطة بيانات كاذبة وتفبرك شهادات وتصريحات كل ذلك حصل مع الصوفي من قبلُ، لكنه لم يستطع حجب الجرم أخيرا. قفوا مع هذا الشاب وأهله حتى تنكشف الحقيقة وتتجسد العدالة." انتهى منشور النائب.
هنا أكد النائب في هذا المنشور وفي غيره مما نشر أن الشرطة وراء الجريمة كعادتها، وطالب الرأي العام بالوقوف مع الضحية حتى تُحاسب الشرطة، والتي توقع منها أن تصدر بياناتٍ كاذبةً، وأن تُفبرك شهاداتٍ، مع قناعته أنها في النهاية لن تتمكن من حجب الجريمة.
( 3)
في نفس الاتجاه ـ وبحماس أكبر ـ سار الكاتب الصحفي أحمدو الوديعة، والذي كثَّف من النشر حول الحادثة، وكان مما نشر على حسابه في الفيسبوك : "شريك في قتل جوب والصوفي كل مروج لروايات القتلة، ومحاولاتهم التستر على الجرم والإفلات من العقاب".
بالنسبة للكاتب الصحفي أحمدو الوديعة فقد اعتبر أن كل هؤلاء شركاء في جريمة قتل عمر جوب:
- مروجو روايات القتلة، والقتلة هنا يَقصدُ بها الشرطة؛
- كل من يحاول التستر على الجريمة؛
- كل من يساهم في إفلات المجرمين من العقاب.
(4)
في نفس الاتجاه سار الكاتب الصحفي حنفي ولد الدهاه، وعندما نتحدث عن الصحفي حنفي فلا بد من أن نتحدث عن الحقوقية آمنة منت المختار، والتي نقلت أول رواية تدين الشرطة، وقد تم تداولها بشكل واسع، وهي رواية اعتمدها الكاتب الصحفي حنفي، والذي كتب في منشور له : "الشرطة تستصحب "عمر جوب" من منزله في السبخة، ليلة البارحة، وهو في كامل صحته، فيصبح وقد فارق الحياة..
القصة كما وردتني من مصادر متطابقة تقول: إن الشاب الذي كان مشهورا في حيه، باع سيارته ليصرف ثمنها على الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عبر المكسيك، غير أن أفراداً من الشرطة اقتادوه البارحة إلى مخفرهم، بعد أن قاموا بتفتيشه وعثروا على المبلغ المالي بحوزته، وقد تعرض للتعذيب بعد مقاومته لهم، لما أرادوا أن يسلبوه إياه.
عمر جوب فارق الحياة تحت وطأة التعذيب، و تم نقله للمستشفى. وحسب المصادر فإن الشرطة ترفض تشريح جثته.
فإلى متى يستمر استهتار إدارة الأمن بأرواح المواطنين؟!
انتهى المنشور الذي أكد فيه الكاتب الصحفي حنفي الدهاه بأن عمار جوب تُوفيَّ تحت وطأة التعذيب، وأن الشرطة تَرفضُ تشريحَ الجثة.
( 5)
لم يتأخر الصحفي الهيبة ولد الشيخ سيداتي مدير أهم وكالة إخبارية مستقلة في البلد، في السير في نفس الاتجاه، بل إن الوكالة نفسها سارت وللأسف الشديد في تغطيتها للحادثة في نفس الاتجاه.
وكان مما كتب مدير وكالة الأخبار المستقلة : "من غير المناسب أن تكون شرطة السبخة التي يتهمها الأهالي بقتل ابنهم، هي من يتولى الآن تفريق المتظاهرين داخل المستشفى وفي محيط المشرحة".
هنا أراد الصحفي الهيبة أن تتولى مُفوضيةُ شرطة أخرى تفريقَ المتظاهرين بدلا من المفوضية المُتهمةِ بجريمة القتل. بالطبع لم يطرح الهيبة السؤال الأذكى صحفيا، فبدلا من أن يسأل لماذا حضرت مفوضية شرطة السبخة لتفريق "المحتجين"، كان عليه أن يسأل لماذا لم يتظاهر "المحتجون" أمام مفوضية شرطة السبخة رقم 1 المتهمة بقتل الضحية، كما فعل المحتجون من قبل بعد وفاة الصوفي، والذين كانت أغلب احتجاجاتهم أمام مفوضية دار النعيم رقم 2؟
طبعا هذا السؤال لم يُطرح لأنه إن طُرح كان سيصيب حجج القائمين على الشحن والتجييش في مقتل، وهم الذين حاولوا "تلوين الحادثة" من خلال تصنيفها في إطار الأعمال العنصرية التي تمارسها إحدى المكونات الوطنية ضد مكونة أخرى..الذهاب إلى مفوضية السبخة كان سيظهر أن ضابط المداومة المتهم بقتل الضحية من نفس شريحة الضحية بل ومن مدينته، وكان سيكشف أيضا أن المفوضية تعرف الضحية، وأن سيدة من شريحة أخرى كانت قد عفت عن الضحية بعد أن قتل ابنها، مما يعني أن العداء بين الشرائح والمكونات ليس بتلك الصورة التي تروج لها نخب الشحن والتجييش العرقي.
(6)
ويبلغ مستوى الشحن الإعلامي والسياسي ذروته عندما تقرر ستةُ أحزاب معارضة إصدارَ بيان في اليوم الموالي للحادثة جاء في مقدمته : "في ظروف غامضة وفي تطور خطير، أُخرِج صباح أمس الاثنين، المواطن عمر حمادي جوب، جثة هامدة من مخافر مفوضية الشرطة رقم:1 بمقاطعة السبخة بولاية انواكشوط الغربية، وذلك بعد فترة وجيزة من توقيفه لديها".
هذه الفقرة من البيان والتي تؤكد بأن الضحيةَ خَرجَ جُثَّةً هامدةً من مفوضية الشرطة، وذلك على الرَّغمِ من اتفاق الجميع بأن الوفاة حدثت داخل المستشفى، لم يكتبها نشطاء مراهقون على حساباتهم الشخصية في الفيسبوك، بل كتبها من تولى صياغة بيان موقع من طرف أهم ستة أحزاب سياسية معارضة في البلد!!
الغريب حقا أن أحزاب المعارضةِ التي حَكمت بخُروجِ الضَّحيةِ جُثَّةً هامدةً من مخافر الشرطة، طالبت في الوقت نفسه بتحقيقٍ شفافٍ، فهل بَقيَت هناك حَاجةٌ إلى التَّحقيقِ ما دامَ الكُلُّ قد حَكَمَ مسبقا بأن الشُّرطَةَ هي القَاتِل؟
لا أدري إن كانت أحزاب المعارضة قد قررت أن تشارك ببيانها هذا في عملية الشحن والتجييش فجاءت بمعلومة كاذبة مفادها أن الضحية خرج جثة هامدة من مفوضية الشرطة، أم أن هذه الأحزاب كانت هي بنفسها ضحية للشحن فصدقت ما ينشره ويصرح به البعض، وكان مما صدقت أن الضحية خرج جثة هامة من مفوضية الشرطة.
ومهما يكن من أمر فإن كل هؤلاء الذين شاركوا عن قصد أو عن غير قصد في عملية الشحن العاطفي والتجييش الإعلامي والسياسي مطالبون اليوم بالاعتذار للشعب الموريتاني عما تسببوا فيه من أعمال شغب ونهب طالت عدة مدن موريتانية، كما أنهم مطالبون بالاعتذار لأسرة الشاب محمد الأمين الذي توفي في مدينة بوكي بفعل رصاصة أطلقها شرطي، والذي يجب أن يحقق معه جنائيا، وأن يعاقب بقسوة إذا ثبت أنه استخدم السلاح دون مبرر.
أشير في ختام هذه الفقرة بأني اكتفيتُ في الفقرات السابقة برصد ما نشره صحفيون كبار، وبما صرح به سياسيون كنا نعول عليهم كثيرا في قيادة معارضة قوية ومسؤولة . أما من عرفوا أصلا بالتحريض واستغلال كل حدث لإشعال الفتنة فلم أتحدث عنهم هنا، وذلك لأن ما قاموا به من تحريض كان متوقعا منهم.
(7)
إن الواجب الأخلاقي يقتضي منا في هذا المقام أن نتحدث عن الوجه المضيء في التعامل مع هذه الحادثة، والذي أظهره أولئك الذين وقفوا بقوة ضد عملية الشحن، وحاولوا أن يكونوا رجال إطفاء.
لقد غاب الصف الأول من داعمي النظام، المستفيدين من تعييناته وترشيحاته عن المواجهة مع مروجي خطاب الفتنة، وحضر الصف الثاني من الداعمين، وذلك على الرغم من أن جلهم لم يستفد حتى الآن من النظام.
ولعل الحاضر الأبرز في هذه المواجهة هم بعض المستقلين سياسيا، وبعض المعارضين للنظام، والذين يحسب لهم أنهم فرقوا في لحظة وطنية حساسة بين معارضة النظام ومعارضة الدولة الموريتانية، وعند الحديث عن هؤلاء لا بد أن نذكر المدون المقيم في كندا الطالب عبد الودود، والذي أختلف كثيرا مع أسلوبه الجارح في النقد. هذا المدون المعارض المقيم في الخارج يُحسب له أنه وقف ـ وبقوة ـ ضد عملية الشحن، وضد كل أعمال الشغب والنهب التي حدثت بعد ذلك، وذلك على العكس من مدون آخر في الخارج، تم استغلال حسابه في الفيسبوك، وكما هي العادة، من طرف مجموعة متخفية أرادت ـ وبكل ما لديها من أعواد كبريت ومن بنزين ـ أن تستغل حادثة وفاة عمار جوب لإشعال النيران في كل مكان من موريتانيا.
حفظ الله موريتانيا..
الأربعاء، 7 يونيو 2023
ملف الوحدة الوطنية والمغالطات الكبرى!
كثيرا ما تستوقفني بعض المغالطات التي يدفع بها البعض عند أي حديث أو نقاش في ملف الوحدة الوطنية والتعايش بين شرائح ومكونات المجتمع.. هذه المغالطات من كثرة تكرارها تحولت لدى البعض إلى مسلمات أو حقائق لا يمكن التشكيك فيها.
المغالطة الأولى (تاريخية):
يحاول البعض أن يرسخ في الأذهان بأن ملف التعايش بين المكونات الوطنية لم يطرح إشكالا حقيقيا إلا مع بداية النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، أي من بعد وصول الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع إلى السلطة، وبالعودة إلى مذكرات الرئيس الراحل المختار ولد داداه رحمه الله (موريتانيا على درب التحديات)، فسنجد أنه في العام 1966 حدثت صدامات عرقية في منتهى الخطورة تسببت في وفاة 5 موريتانيين وإصابة 70 آخرين بجروح، وكان سبب تلك الصدامات حسب ما جاء في المذكرات هو إضراب "التلاميذ الزنوج" ضد إلزامية تدريس اللغة العربية إلى جانب اللغة الفرنسية في التعليم الثانوي!!
وقد جاء في المذكرات أن بعض الأطر الناطقين بالفرنسية من الزنوج استغلوا العطلة الصيفية قبل الافتتاح الدراسي في ذلك العام لتعبئة التلاميذ من "بني جلدتهم" لتنظيم مظاهرات ضد إلزامية تعليم اللغة العربية، كما أعلن 19 موظفا ساميا من "منطقة النهر" في "بيان التسعة عشر" أنهم يساندون إضراب التلاميذ الزنوج ضد إلزامية تعليم اللغة العربية. من هنا يمكن القول بأن إشكال التعايش بين مكوناتنا الوطنية قد بدأ يطفو على السطح منذ منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي، أي من قبل من وصول الرئيس معاوية إلى الحكم بثمان عشرة سنة.
المغالطة الثانية :
إن التذكير بأن الصدامات العرقية قد بدأت في العام 1966 سيقودنا إلى كشف مغالطة أخرى يُحاول البعض من خلالها أن يرسخ في الأذهان بأن إقصاء بعض المكونات الوطنية من الوظائف ومن خيرات البلد هو السبب الأول في الصدام العرقي، وفي كل ما يطفو على السطح من مشاكل تتعلق بإشكالية التعايش بين المكونات الوطنية.
إذا كان هذا التفسير صحيحا فلنا أن نتساءل: بأي منطق يقود بعض الموريتانيين الزنوج مظاهرات واحتجاجات ذات طابع عرقي في العام 1966، وهم الذين كانوا يشكلون في تلك الفترة أغلبية كبيرة في الوظيفة العمومية؟
جاء في كتاب " موريتانيا : إشكالية التعايش العرقي" لمؤلفه الدكتور أعل ولد أصنيبه أن الباحثة "كامي هود" ذكرت في أطروحتها للدكتوراة بأن " التوجيهات الاستعمارية خلفت داخل الوظيفة العمومية في بداية الستينيات تمثيلا قويا للزنوج ( ما يناهز 75% من الموظفين و80% في البريد والمواصلات)".
إن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذه الفقرة هي أن الاحتجاجات ذات الطابع العرقي قد ظهرت في فترة كان فيها الموريتانيون الزنوج يشكلون الأغلبية العظمى في صفوف عمال وموظفي الدولة الموريتانية.
المغالطة الثالثة :
يُحاول البعض أن يرسخ في الأذهان بأن تدريس اللغة العربية، وجعلها لغة رسمية في موريتانيا من بعد ذلك ما هو إلا وسيلة لإقصاء الموريتانيين الزنوج من الوظائف وحرمانهم ـ بالتالي ـ من خيرات بلدهم، ولذا فقد جاء في "بيان التسعة عشر" أنهم "يساندون إضراب التلاميذ الزنوج من أجل سد الطريق أمام التعريب القسري، ومن أجل فرض تعديل قوانين 30 يناير 1965 لأن الازدواجية ليست سوى خدعة لإقصاء المواطنين السود من كل شؤون الدولة.".
إن مما يجب لفت الانتباه إليه هنا، هو أنه حتى ولو بقت اللغة الفرنسية هي اللغة الوحيدة في التعليم والإدارة في موريتانيا، فإن ذلك لن يمنع تراجع نسبة الموظفين الزنوج في الوظيفة العمومية. لقد استفادت هذه المكونة من التعليم المبكر لأبنائها في زمن الاستعمار، ولذا فقد كان من الطبيعي جدا أن تشكل أغلبية في صفوف العمال والموظفين خلال السنوات الأولى من بعد الاستقلال. وقد كان أيضا من الطبيعي جدا أن يشكل الموريتانيون "البيظان" أغلبية في الوظيفة العمومية، وذلك من بعد إقبالهم على التعليم. ومما لاشك فيه كذلك أن شريحة "لحراطين"، والتي لا تحظى اليوم بما يناسب حجمها من الوظائف، ستحظى عاجلا أو آجلا بنسبة كبيرة من الوظائف، تتناسب طرديا مع ازدياد إقبال أبنائها على التعليم.
إن تغير نسبة الحضور الشرائحي والعرقي في الوظائف لا علاقة له باللغة، وإنما يرتبط أساسا بحجم الشرائح والمكونات وكثرتها العددية، وبمدى إقبال أبنائها على التعليم. يمكن للغة أن يكون لها الأثر السلبي في حالة واحدة، وهي أن يرفض بعض أبناء مكونة معينة تعلم اللغة الرسمية لبلد ما، فمثل ذلك قد يقلل من حظوظهم في الوظيفة، إذا ما قام ذلك البلد بتفعيل ترسيم اللغة التي اختارها لأن تكون لغته الرسمية.
المغالطة الرابعة:
هناك من يعتقد أن الوحدة الوطنية يمكن أن تتحقق في بلد يرفض بعض أبنائه تعلم اللغة الرسمية لذلك البلد، بل فيهم من يرفض استخدام تلك اللغة بحجة أنه لا يعرفها، وهو في حقيقة أمره يعرفها، وقد اطلعت شخصيا على أمثلة من هذا النوع.
لا يمكن للوحدة الوطنية أن تتحقق، ولا للحمة الوطنية أن تتجذر في بلد ما إذا ما استمر ذلك البلد في اللجوء إلى الترجمة بلغة أجنبية من أجل ضمان التفاهم بين أبناء مكوناته.
إنه لمن المخجل حقا، أننا وبعد مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال ما يزال بعض الوزراء والموظفين السامين يعجزون عن تهجي خطاب رسمي من سطر واحد باللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية. في بعض الأحيان أشاهد سفراء بعض الدول الغربية في نواكشوط يتحدثون باللغة العربية في نشاط تحدث فيه وزراء موريتانيون بلغة أجنبية!!
لقد آن الأوان لأن نكون مثل كل بلدان العالم لنا لغتنا الرسمية التي لا يجوز استخدام غيرها في الخطابات الرسمية، ولا في المراسلات الإدارية، ولا في غير ذلك من المجالات التي يجب فيها استخدام اللغة الرسمية للبلد.
لو كانت هناك حجة منطقية واحدة تسمح بجعل أي لغة أخرى غير اللغة العربية لغة رسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية لقبلنا بهذا التردد في تفعيل ترسيم اللغة العربية، ولكن لا حجة منطقية واحدة يمكن أن تقف ضد جعل اللغة العربية لغة رسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، ولا حجة واحدة يمكن أن نبرر بها عدم تفعيل ترسيمها، فاللغة العربية هي:
1 ـ اللغة العالمية الوحيدة من بين كل لغاتنا الوطنية، وهي تحتل المرتبة الرابعة عالميا من حيث عدد الناطقين بها؛
2 ـ هي لغة قرآننا، وهي اللغة التي نحتاج لتعلمها لأداء بعض شعائرنا الدينية، وكذلك للتفقه في ديننا؛
3 ـ هي لغة المراسلات والمعاملات لكل الموريتانيين من قبل دخول الاستعمار؛
4 ـ هي اللغة الأم لعدد كبير من الموريتانيين، وهي لغة دين لكل الموريتانيين الذين يدينون جميعا بالإسلام؛
5 ـ كانت الحجة الوحيدة التي يتقدم بها البعض لتبرير بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، هي أن اللغة الفرنسية لغة تحتاجها بعض مكوناتنا الوطنية للتواصل مع امتداداتها في إفريقيا. هذه الحجة لم تعد مقنعة كما كانت، فاللغة العربية تحتل اليوم الرتبة الثانية في إفريقيا من حيث الاستخدام، في حين أن اللغة الفرنسية تأتي في الرتبة الرابعة في إفريقيا، وهي في تراجع مستمر نتيجة لتخلي بعض الدول الإفريقية عنها، وإبدالها باللغة الانجليزية. كما أنه من الملاحظ أن عداء فرنسا وكل ماله صلة بها يتنامى بوتيرة سريعة داخل الأوساط الشابة في إفريقيا السوداء، وقد أصبح من النادر جدا أن تنظم احتجاجات في بلد إفريقي دون أن يحرق فيها العلم الفرنسي.
كل ذلك سيزيد مستقبلا من سرعة تراجع اللغة الفرنسية في إفريقيا، وذلك بصفتها لغة تواصل، وهو ما يعني سقوط آخر حجة يمكن للفرانكفونيين في هذا البلاد أن يبرروا بها تمسكهم بلغة أجنبية تتراجع بشكل ملحوظ، وبدأ أهلها يتخلون عنها.
إن استمرار احتلال اللغة الفرنسية لمساحة لا تستحقها في التعليم، وهي اللغة التي تتراجع مكانتها عالميا، يعني سرقة مستقبل أجيال بكاملها، وإن استمرار احتلال اللغة الفرنسية لمساحة لا تستحقها في الإدارة الموريتانية يعني الاستمرار في إبعاد خدمات الإدارة من المواطن، ويعني كذلك بقاء أهم عائق ضد تعزيز وحدتنا الوطنية، ففي كل دول العالم، ومع الاعتراف بوجود استثثناءات قليلة جدا جدا هناك دائما لغة واحدة وواحدة فقط هي التي تستخدم في كل ما هو رسمي، حتى في البلدان التي يوجد بها تعدد لغوي، ذلك أن وجود لغة رسمية واحدة يعد من أهم العوامل التي تعزز من وحدة وتماسك المجتمعات.
حفظ الله موريتانيا..
الأحد، 4 يونيو 2023
ماذا بعد أعمال الشغب الأخيرة؟
إننا بحاجة اليوم إلى أن نفتح نقاشا جديا حول حادثة مقتل الشاب عمار جوب رحمه الله، ومقتل الشاب محمد الأمين ولد صمب من بعد ذلك، وما صاحب الحادثتين من أعمال شغب ونهب، ولعل السؤال الأبرز الذي يجب علينا أن نفتتح به هذا النقاش هو السؤال الذي يقول: كيف نفرق بين الاحتجاجات وأعمال الشغب؟
كثيرا ما يقع خلطٌ كبيرٌ بين الاحتجاج والتظاهر من جهة، وأعمال الشغب والنهب من جهة أخرى، ولذا فمن المهم أن نحدد بعض النقاط التي يمكن نستأنس بها للتفريق بين الاحتجاجات وأعمال الشغب.
أولا / الاحتجاج والتظاهر:
1 ـ ترفع فيهما لافتات تحمل مطالب أو مواقف محددة؛
2 ـ ينادى فيهما بمطالب محددة؛
3 ـ يتجه المشاركون فيهما إلى الوزارات والإدارات الحكومية المعنية بالمطالب المرفوعة في الاحتجاج أو التظاهر؛
4 ـ يشارك فيهما أشخاص معروفون مسبقا باهتمامهم بالشأن العام، أو على الأقل باهتمامهم بموضوع الاحتجاج والتظاهر.
ثانيا / أعمال الشغب والنهب :
1 ـ لا ترفع فيهما لافتات؛
2 ـ لا ينادى فيهما بمطالب واضحة ومحددة؛
3 ـ يتجه المشاركون فيهما إلى الأسواق وإلى كل الأماكن الشعبية أو الحكومية التي تسهل فيها عمليات النهب والسرقة؛
4 ـ لا يعرف للمشاركين فيهما أي اهتمام سابق بقضايا الشأن العام.
والآن أترك لكم الإجابة على السؤال : هل ما حدث خلال الأيام الماضية كان احتجاجات وتظاهرات أم كان أعمال شغب ونهب؟
عن مشاركة بعض الأجانب في أعمال الشغب والنهب
من المصادفات أن أعمال الشغب والنهب التي شهدتها بعض مدننا تزامنت مع أعمال شغب ونهب أكثر اتساعا وخطورة في بعض مدن جارتنا الشقيقة السنغال، ومن المعروف أن لدينا جالية مسالمة في السنغال، لا تشارك في أي مظاهرات سلمية أو عنيفة تحدث في السنغال، وعندما تقع أعمال شغب في السنغال، كما هو حاصل الآن تنشغل تلك الجالية بالبحث عن طريقة ما للخروج الآمن، وبوسيلة ما لتؤمن من خلالها ممتلكاتها,
وعلى العكس من ذلك، ففي أعمال الشغب الأخيرة التي حدثت في بلادنا، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على أجانب من بينهم سنغاليون شاركوا بقوة في أعمال الشغب تلك، بل إن من بينهم من قاد بعض فرق النهب والسرقة، وقد تواترت شهادات لمواطنين من مختلف الشرائح والمكونات بمشاركة أجانب في أعمال الشغب تلك.
عندما قررت الجهات الأمنية ترحيل كل أجنبي ثبتت مشاركته في أعمال الشغب تلك، وهذا هو أبسط ردة فعل يمكن اتخاذها بهذا الخصوص، قامت قائمة البعض، وأخذ البعض يوزع تهم العنصرية على الجهات الأمنية وعلى كل من يؤيد هذا القرار من المواطنين. ولعل من أهم الدروس التي يمكن أن نخرج بها من أعمال الشغب الأخيرة بخصوص ملف الجاليات :
1 ـ ضرورة التنفيذ الصارم للقرار الذي اتخذته إدارة الأمن الوطني بترحيل كل أجنبي ثبتت مشاركته في أعمال الشغب والنهب الأخيرة، مع العمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع عودته مستقبلا إلى البلاد. ومن المهم أن لا يكون مصير هذا القرار كمصير تعميم سابق اتخذته نفس الإدارة قبل عام من الآن، وتحديدا في يوم 11 يناير 2022، يقضي بحظر ممارسة النقل العمومي للأشخاص والبضائع في بلادنا على الأجانب؛
2 ـ ضرورة العمل مستقبلا على وضع خطة لتوزيع الأجانب على مقاطعات العاصمة، وذلك بدلا من تمركزهم في مناطق محددة، ربما أصبحوا يشكلون فيها أغلبية؛
3 ـ ضرورة الانتباه إلى أن عدد سكان بلادنا يشكل أقلية إذا ما قورن بعدد سكان أشقائنا شمالا ( المغرب والجزائر)، أو أشقائنا جنوبا ( مالي والسنغال). فكل سكان موريتانيا إذا ما هاجروا إلى المغرب أو السنغال مثلا فإنهم لن يحدثوا خللا كبيرا في التركيبة السكانية للبلدين، وعلى العكس من ذلك فتكفي هجرة نسبة كبيرة من سكان المغرب أو السنغال إلى موريتانيا لإحداث خلل كبير في التركيبة السكانية لبلادنا.
الشرطة والحاجة إلى المزيد من التكوين وإعادة الهيكلة
لستُ ممن يحمل الشرطة ( أو على الأصح بعض عناصر الشرطة) المسؤولية في وفاة عمار جوب، ولا أبرئها كذلك، فأنا من الذين ينتظرون نتائج التشريح والتحقيق ليتخذوا موقفهم من هذه الجريمة، ففي قضايا القتل يكون من أسوأ المواقف التي يمكن أن نتخذها هو أن يسارع الواحد منا في اتهام بريء بجريمة قتل، أو تبرئة قاتل من جريمة قتل، وذلك من قبل أن يحصل على أدلة قطعية تبرئ هذا أو تجرم ذاك.
وفي انتظار نتائج التشريح والتحقيق، فمن المهم أن نذكر بحاجة الكثير من عناصر شرطتنا الوطنية إلى التكوين، ومن المهم أن يعلم كل شرطي موريتاني بأن أي خطأ يرتكبه في أي مفوضية شرطة يؤدي إلى إزهاق نفس بشرية قد يتسبب في الكثير من المشاكل للبلد، فقتل "جورج فلويد" من طرف شرطي أمريكي كاد أن يعصف بأمن واستقرار أمريكا، وقتل "مهسا أميني" من طرف شرطي إيراني كاد أن يعصف بأمن واستقرار إيران، وقتل الشاب "خالد سعيد" في مصر، والصفعة التي تعرض لها "البوعزيزي" في تونس تسببتا بشكل مباشر في ثورتي تونس ومصر.
لا يمكن تجنب أخطاء الشرطة بشكل كامل، ولكن علينا أن نعمل كل ما في وسعنا من أجل التقليل منها ومن آثارها، وذلك من خلال التكوين أولا، وثانيا من خلال المسارعة في المحاسبة والعقاب عند حدوث أي خطأ مهما كان، وذلك حتى لا تتسبب تلك الأخطاء في كوارث للبلد.
لا لإخراج المجرمين من السجون من قبل انتهاء فترة العقوبة
أعلنت الشرطة مؤخرا عن قبضها في بوكي على المجرم المسؤول عن حرق سيارات مواطنين في مقاطعة عرفات، واللافت في الأمر أن الشرطة ذكرت في بيانها أن المعني هو نفسه المجرم الذي كان قد ألقي عليه القبض يوم 8 سبتمبر 2022 ، أي قبل أقل من عام من الآن، وذلك بسبب ارتكابه لنفس الجرم، أي إشعال النيران في سيارات مواطنين أبرياء!!!
السؤال : لماذا لم يكن مرتكب هذه الجريمة داخل السجن الآن، ولماذا يطلق سراحه ليُسمح له بارتكاب المزيد من جرائم حرق سيارات المواطنين؟؟؟؟
أغلب الجرائم التي ترتكب في هذه البلاد يرتكبها أصحاب سوابق كان يفترض فيهم أن يكونوا داخل السجن لحظة ارتكاب تلك الجرائم، وهذا هو بالضبط ما دفعني قبل ست سنوات من الآن، وتحديدا في يوم الخميس الموافق 26 يناير 2017 أن أنشر مقالا تحت عنوان : "مجرمون وأصحاب سوابق يتجولون في الشوارع!"، وذلك بعد أن لفت انتباهي أن المجرمين الذي اغتصبوا وقتلوا وحرقوا الطفلة "زينب" رحمها الله في آخر شهر من العام 2014 هم من أصحاب السوابق، وأن المجرم الذي قتل السيدة "خدوج" في سوق العاصمة في آخر شهر من العام 2015 هو مجرم كان يمارس السطو و يتعاطى المخدرات وقد ألقي عليه القبض من قبل جريمة القتل التي ارتكب في سوق العاصمة، وكان يُفترض فيه أن يكون داخل السجن لحظة ارتكابه لجريمة قتل "خدوج" رحمها الله تعالى.
لا أدري إن كان المجرمون الذين ارتكبوا جريمة اغتصاب وقتل الطفلة "زينب"، والمجرم الذي ارتكب جريمة قتل "خدوج"، وغيرهم من عتاة المجرمين هم الآن خارج السجون، مما قد يسمح لهم بارتكاب المزيد من الجرائم البشعة.. فإلى متى سيستمر إطلاق سراح عتاة المجرمين ليرتكبوا المزيد من الجرائم؟
رسائل غير مشفرة في صندوق بريد النظام
هناك رسائل غير مشفرة تم وضعها في صندوق بريد النظام من بعد انتخابات 13 مايو 2023، وكذلك من بعد أعمال الشغب التي أعقبت حادثة قتل عمر جوب، وعلى النظام أن يقرأ هذه الرسائل قراءة جيدة.
الرسالة الأولى: لقد انتهت الهدنة السياسية بعد الانتخابات الأخيرة، وإذا كان النظام قد أتيح له في السنوات الماضية أن يستفيد من أطول هدنة سياسية، فإن السنوات القادمة ستكون سنوات مواجهة وصدام حقيقي مع المعارضة؛
الرسالة الثانية : إذا كانت المعارضة التقليدية ( التكتل، التحالف، قوى التقدم) لها أساليبها الهادئة في مواجهة النظام وذلك نظرا لتجاوزها لمرحلة المراهقة السياسية، ودخولها في مرحلة الشيخوخة السياسية، فعلى النظام أن يدرك بأن هذه المعارضة لم تعد اليوم موجودة، وحلت محلها معارضة جديدة تعيش مراهقتها السياسية، ويبدو أنها على استعداد لاستغلال أي شيء في صراعها مع النظام، حتى ولو كان ذلك قد يهدد استقرار وأمن البلد، ولعل الأحداث الأخيرة التي أعقبت مقتل عمر جوب خير دليل على ذلك.
لقد تجددت المعارضة مع الانتخابات الأخيرة ولكن الأغلبية لم تتجدد، وبما أن هذه المعارضة الجديدة تعيش مراهقتها السياسية، فإنه لن يكون بالإمكان مواجهتها بأغلبية تقليدية تعيش مرحلة الشيخوخة، على الأقل في أساليب عملها؛
الرسالة الثالثة : أثبتت الأحداث الأخيرة أن الكثرة العددية لن تنفع النظام سياسيا ولا إعلاميا. صحيح أنها قد تنفعه في تمرير القوانين في البرلمان، ولكن الصحيح أيضا هو أنها لن تنفعه كواجهة سياسية فعالة، فالمائة نائب وزيادة لم يكن لها أي دور في الأيام الماضية في مواجهة عدد قليل من نواب المعارضة تمكن بالفعل من التجييش والشحن الإعلامي لحادثة مقتل عمر جوب، فكان ما كان من أعمال شغب ونهب.
الرسالة الرابعة: وهذه تكملة للرسالة السابقة إذا قرر النظام الاعتماد على فوزه الساحق في الانتخابات الأخيرة، وعلى نوابه وعمده الذين جاءت بهم تلك الانتخابات، فسيعني ذلك أن النظام سيواجه في الفترة القادمة مشاكل كبيرة على المستويين السياسي والإعلامي، وذلك نظرا لضعف الأداء المنتظر من واجهته السياسية والإعلامية الحالية؛
الرسالة الخامسة : كان من المقبول خلال المأمورية الأولى أن يتفهم المواطن حجم التحديات ( جائحة كورونا؛ حرب أوكرانيا؛ ملف العشرية)، وكان من المقبول كذلك أن يتفهم المواطن الصعوبات وأن يتقبل الوعود، ولكن مع انتهاء المأمورية الأولى ( تقريبا)، فإن المواطن لن يكون متفهما لأي تحديات، ولن يتقبل أي وعود، ولن يرضى بالحد الأدنى من الإنجازات...لابد في الفترة القادمة من إنجازات كبرى يصاحبها تسويق إعلامي وسياسي فعال؛
الرسالة السادسة : لابد للإصلاح من مصلحين، وهذه حقيقة لابد أن تكون حاضرة عند النظام في المرحلة القادمة، ولا بد كذلك للإنجاز من أشخاص قادرين على الإنجاز، ولعل الأصعب دائما هو اختيار المصلحين القادرين على الإنجاز. لابد للمرحلة القادمة من حكومة قوية قادرة على تحقيق إنجازات كبرى، ولابد أيضا من ذراع سياسي وإعلامي فعال وقادر على أن يسوق تلك الإنجازات، وأن يدافع عن النظام كلما كانت هناك حاجة لذلك، ومن المؤكد أن الحاجة لذلك ستتكرر كثيرا في المرحلة القادمة.
بهذه الرسائل الست الموجهة إلى النظام أختم هذا المقال الذي تجاوز كثيرا المساحة المخصصة له.
حفظ الله موريتانيا..
الثلاثاء، 30 مايو 2023
لا أحد من هؤلاء أو أولئك يبحث عن قاتل عمار جوب!
حاول البعض منذ اللحظات الأولى من بعد الإعلان عن جريمة قتل عمار جوب رحمه الله أن يُثْبتَ أن الشرطة هي من ارتكبت جريمة القتل تلك، وأخذ هؤلاء يبحثون عن كل دليل يؤكد هذا الحكم الجاهز، ويلغون أي دليل آخر قد يضعف من قوة حكمهم الجاهز بأن الشرطة هي من ارتكبت جريمة القتل هذه. لم يكن أصحاب هذا الحكم الجاهز بحاجة للكثير من جمع القرائن فجريمة قتل الصوفي ولد الشين رحمه الله في إحدى مفوضيات الشرطة لم تكن منا ببعيدة.
هذه الطائفة أخذت تنبش في كل جرائم الشرطة هنا بل وفي الخارج، وما أكثر جرائم الشرطة هنا وفي الخارج، وذلك من أجل تأكيد ما كانت تريده أن يكون هو الحقيقة بعينها، وهو أن الشرطة الموريتانية هي من قتلت المرحوم عمار جوب في مفوضية السبخة رقم1.
البعض الآخر حاول أن يبرئ الشرطة، وسعيا منه لتبرئة الشرطة أخذ ينبش في سيرة الضحية نفسه ليكتشف أن الضحية له سوابق في عالم الإجرام، وأن في صحيفته جريمة قتل على الأقل. فهل من كانت له سوابق إجرامية يجوز قتله في مفوضية للشرطة؟
إن السوابق الإجرامية يمكن أن نتحدث عنها في هذه الحالة لتبيان الخلل الذي يعاني منه القضاء، فكيف لقاتل في العام 2018 أن يكون حرا طليقا في العام 2023؟ ويمكن أن نتحدث عنها وقت القبض على المجرم، وإن حدث قتل في مكان إلقاء القبض على المجرم يمكن أن نتحدث في تلك الحالة عن السوابق الإجرامية، فربما يكون المجرم قد حاول المقاومة أو حتى الاعتداء على الشرطة. أما إذا كانت جريمة القتل قد حدثت داخل مفوضية الشرطة، وبعد أن أصبح المجرم تحت سيطرة الشرطة بشكل كامل، ففي هذه الحالة لا معنى إطلاقا لاستحضار السوابق الإجرامية للضحية، وقتله في هذه الحالة يعد من أعظم جرائم القتل لأنه قُتل في المكان الذي يفترض فيه أن يوفر له الأمن، ولا تختلف في هذه الحالة جريمة قتل مواطن صالح بلا سوابق عن قتل مواطن آخر له سوابق، فقتل أي منهما في مفوضية شرطة يعتبر جريمة نكراء.
المؤسف حقا هو أن هؤلاء وأولئك هم من سيطر على مواقع التواصل الاجتماعي يوم أمس، فالطائفة الأولى حاولت أن تُحَمِّل الشرطة ومن ورائها النظام جريمة قتل عمار جوب رحمه الله، ولم تقصر في تجييش العواطف ولا في الشحن الإعلامي، وبالتالي فهي مسؤولة بشكل أو بآخر عن كل ما حدث من بعد ذلك من تخريب في نواكشوط ونواذيبو..
والطائفة الثانية، وفي محاولتها لتبرئة الشرطة تصرفت بشكل بعيد من الإنسانية والأخلاق، فاستحضرت سوابق الضحية في ظرف يُفترض فيه أنه وقت تضامن مع الضحية وذويه. هذه الطائفة التي تُحاول أن تَسْتَسهل مثل هذا النوع من الجرائم، عليها أن تعلم هي أيضا بأنها تتحمل بشكل أو بآخر جزءا من المسؤولية في كل جريمة قتل من هذا النوع قد تقع مستقبلا. إن اسْتِسهال جرائم القتل هو جريمة في حد ذاته، ثم إن المسارعة في تبرئة متهم بجريمة قتل، أو المسارعة في اتهام بريء بجريمة قتل، كلاهما يعدُّ من الأخطاء الكبيرة التي يجب على العقلاء أن يبتعدوا عنها.
في جرائم القتل يجب الابتعاد كليا عن المسارعة في إصدار الأحكام الجاهزة بالبراءة أو الإدانة، ومما عمت به البلوى في زمن سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي أن المدون الذي لا صلة له بالموضوع، قد لا يتورع عن استخدام حسابه في اتهام من قد يكون بريئا بجريمة قتل، أو تبرئة من قد يكون مجرما، تبرئته من جريمة قتل ارتكبها.
أين العقلاء من رجال الإطفاء؟
بالأمس حضر الجميع ولم يغب إلا العقلاء من رجال الإطفاء الذين لا يتسرعون في إصدار الأحكام الجاهزة، والذين يحاولون إطفاء نيران يريد العض هنا أو هناك إشعالها. حضرت المعارضة بنوابها وحقوقييها وإعلامييها وسياسييها، وحاولت أن تستغل هذه الجريمة ضد النظام، وكانت الفرصة مناسبة، فالجريمة وقعت بعد أيام قليلة من إعلان نتائج انتخابات مشكوك فيها من طرف المعارضة. لم يقصر المعارضون الذين حضروا في تجييش العواطف ولا في الشحن الإعلامي فكان ما كان من مظاهرات تخريبية في نواكشوط ونواذيبو.
وبالأمس حضر أيضا الصف الثاني أو الثالث من الأغلبية ( الصف الأول تبخر كما تبخرت الأغلبية دائما عندما يجد النظام نفسه أمام أزمة، ولكم أن تسألوا عن المائة والسبعة نواب التي حصدها حزب الإنصاف لوحده في الانتخابات الأخيرة، ولكم أن تستغربوا من عدم مشاهدة نائب واحد من المائة نائب وزيادة من حزب الإنصاف، وذلك في الوقت الذي شاهدتم فيه بعض نواب المعارضة، والتي لم تتمكن في مجموعها من حصد ربع ما حصده حزب الإنصاف لوحده). المهم تبخر الصف الأول في الأغلبية كما تعود دائما أن يتبخر في أوقات الشدة وأن يحضر في أوقات الرخاء، وحضر البعض من الصف الثاني من الأغلبية، وقد حاول هذا البعض أن يبرئ النظام من خلال كشف سوابق الضحية الإجرامية، وربما يكون هذا هو أسوأ أشكال الدفاع عن النظام في مثل هذه الأوقات.
لو حضر العقلاء يوم أمس لكان موقفهم السليم هو الوقوف مع من كلف بالتشريح، والوقوف بقوة من بعد ذلك مع من سيكلف بالتحقيق في الجريمة، فذلك هو ما سيخدم الضحية وذويه، وذلك هو ما سيخدم العدالة، وذلك هو أيضا ما سيخدم الوطن.
إن حضور ذوي الفقيد والسماح لهم باختيار محام يثقون فيه للحضور لتشريح الجثة يعد أمرا مهما كسبناه من جريمة قتل الصوفي، وما دامت هناك لجنة تشريح بحضور ذوي الفقيد ومحاميهم، فالمطلوب في هذه الحالة هو أن لا نتسرع في إثبات أو نفي الجريمة عن الشرطة أو عن غيرها من قبل صدور التقرير الطبي ومن قبل أن تقول لجنة التحقيق كلمتها.
حفظ الله موريتانيا..
الخميس، 25 مايو 2023
رسائل "مهرجان الرفض"
نظمت المعارضة الموريتانية مساء اليوم الخميس الموافق 25 مايو 2023 أول مهرجان جماهيري لها بعد طول غياب امتد لسنوات، وقد كان من المتوقع أن يكون الحضور الجماهيري ضعيفا لهذا المهرجان، وذلك لعدة أسباب نذكر منها:
1 ـ أن المعارضة لم تنظم خلال العهد الحالي مهرجانا واحدا يرفع مطالب المواطن، ولذا فقد كان من المتوقع أن لا يتحمس جمهورها لحضور هذا المهرجان الذي يرفع مطالب "انتخابية" قد لا تهم المواطن بشكل مباشر؛
2 ـ أن هذا المهرجان قد جاء بعد حديث في مؤتمر صحفي لأحد قادة المعارضة قد يُفهم منه بأنه دعوة لحمل السلاح، ومن المعروف بأن المواطن الموريتاني شديد الحساسية من أي دعوة لحمل السلاح؛
3 ـ أن المهرجان كان مهرجانا للمعارضة لوحدها، ولم تنفتح فيه المعارضة على أطراف سياسية أخرى تعتبر أنها كانت ضحية للتزوير، وكان من المحتمل أن يستقطب مثل ذلك الانفتاح حضور جمهور غير معارض يرى أنه تضرر من التزوير؛
4 ـ أن الوقت الذي خصص للتحضير للمهرجان لم يكن كافيا، كما أن مكان المهرجان قد عرف تغييرا؛
5 ـ أنه جاء بعد اللقاء الثلاثي الذي جمع بين الداخلية والأحزاب السياسية ولجنة الانتخابات، مما يعني انطلاق مسار تفاوضي، وقد طالبت الداخلية وقف كل الأنشطة بما فيها مهرجان المعارضة دعما لذلك المسار؛
6 ـ شن بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي المحسوبين على المعارضة حملة تدوينية ضد المهرجان؛
كل هذه النقاط السابقة جعلت أغلب متابعي الشأن العام يتوقعون حضورا جماهيريا ضعيفا لمهرجان المعارضة الرافض لنتائج الانتخابات، ومع ذلك فقد كان الحضور مقبولا إن لم أقل معتبرا، وهو ما يعني أن المعارضة مازالت قادرة رغم كل نقاط ضعفها على تحريك الشارع، وهذه هي الرسالة الأولى للمهرجان.
وهو ما يعني كذلك أن هناك مستوى من الرفض الشعبي للانتخابات الأخيرة، وهذا الرفض هو الذي مكن المعارضة من أن تستقطب حضورا معتبرا أو على الأقل مقبولا لمهرجانها الذي اختارت له شعار " مهرجان الرفض". وهذه هي الرسالة الثانية للمهرجان.
وبكلمة واحدة، فيمكننا أن نقول بأن المعارضة من خلال هذا المهرجان قد أثبتت، وبالرغم كل نقاط ضعفها، أنها ما تزال قادرة على تحريك الشارع. وليس الشارع هو السلاح الوحيد الذي تمتلكه المعارضة للطعن في الانتخابات، فهي تمتلك أيضا سلاحا آخر كلفته أقل من تحريك الجماهير، ومع ذلك فله تأثيره القوي، واقصد هنا عدم اعترافها بنتائج الانتخابات، والذي قد تمتد عدواه خارج المعارضة ليشمل عددا من الأحزاب السياسية الداعمة للرئيس.
لقد عمل رئيس الجمهورية ، ومنذ أول يوم بعد التنصيب، وظل يعمل على ذلك خلال ما يقارب أربع سنوات مضت من مأموريته، على تهدئة الأوضاع، والانفتاح على المعارضة، وخلق مناخ سياسي وانتخابي توافقي، فكيف تكون الحصيلة بعد كل هذا الاستثمار الكبير في التهدئة انتخابات لا تعترف بنتائجها أغلب الأحزاب السياسية في المعارضة وربما في الموالاة؟
إن لجنة الانتخابات الحالية، والتي كان تشكيلها محل توافق غير مسبوق، قد وضعت الجميع في مواقف صعبة، فبالنسبة للمعارضة التي تشكك في نتائج الانتخابات، فإن حكماءها الذين زكت قد زكوا نتائج الانتخابات، وهم أكثر تحمسا من حكماء الأغلبية في الدفاع عن هذه النتائج, أما بالنسبة للنظام فإن اللجنة قد وضعته أمام خيارين كلاهما أصعب من الآخر، فإما أن يمرر انتخابات لا تعترف بها أغلب الأحزاب السياسية، وإما أن يعيد تلك الانتخابات رغم صعوبة إعادتها، ورغم ما تطرح الإعادة من مشاكل وتحديات كبيرة منها:
1 ـ أن رئيس الجمهورية ليس من صلاحياته إلغاء الانتخابات وإعادتها؛
2 ـ أن البرلمان القادم لا يمكن حله إلا من بعد سنة كاملة، وذلك لأن البرلمان السابق قد تم حله من قبل انتهاء مأموريته؛
3 ـ أن إلغاء الانتخابات بسبب التزوير، قد يشجع كل من سيفشل مستقبلا في الانتخابات القادمة على المطالبة بإلغائها، ولذا فإلغاء الانتخابات دون تعهد مسبق من كل المشاركين في تلك الانتخابات بأنهم سيعترفون بنتائجها بعد استنفاد التظلمات والطعون، فبدون وجود مثل ذلك التعهد فإننا سندخل دوامة من عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات بلا أول ولا آخر.
نعم نحن أمام خيارين كلاهما أصعب من الآخر، وسيبقى المخرج الوحيد من هذه المعضلة الانتخابية التي وضعتنا فيها لجنة الانتخابات هو الاستمرار في حوار الداخلية مع الأحزاب السياسية إلى أن يتم التوصل لحل توافقي يرضي جميع الأطراف السياسية.
حفظ الله موريتانيا..
السبت، 20 مايو 2023
ماذا بعد الحديث عن الواسع عن التزوير ؟
أشرتُ في مقالي السابق الذي قدمتُ فيه قراءة تحليلية مطولة للنتائج الأولية لانتخابات 13 مايو2023، أشرتُ في ذلك المقال إلى أن أغلب الأحزاب السياسية في المعارضة والأغلبية باستثناء حزب الإنصاف الذي اكتفى ببعض التظلمات قد أجمعت على أن انتخابات 13 مايو قد شهدت عمليات تزوير واسعة وغير مسبوقة.
لنطرح السؤال : من يتحمل أخطاء اللجنة المستقلة للانتخابات؟
للإجابة على هذا السؤال علينا أن نوضح بعض الأمور من خلال المقارنة بين انتخابات 2018 و انتخابات 2023.
1 ـ في انتخابات 2018 نزل رئيس الجمهورية إلى الميدان للمشاركة بقوة في حملة الاتحاد من أجل الجمهورية. في انتخابات 2023 لم يسجل أي تدخل لرئيس الجمهورية في الحملة الانتخابية؛
2 ـ في انتخابات 2018 كنا أمام لجنة غير توافقية لم تمثل فيها أغلب أحزاب المعارضة..في لجنة 2023 مُثلت جميع أحزاب المعارضة في هذه اللجنة والتي يعتبر رئيسها ونائبه من المحسوبين على المعارضة، أو على الأقل من المقربين منها خلال فترة العشرية؛
3 ـ لاحظنا خلال الحملة الانتخابية في سابقة من نوعها أن التجاذبات الانتخابية كانت أشد بين حزب الإنصاف وأحزاب الأغلبية، أكثر مما هو الحال بين الأغلبية والمعارضة؛
4 ـ بخصوص توفير الموارد المالية للجنة فإن الحكومة لم تقصر في هذا المجال، ووفرت للجنة ميزانية ضخمة جدا، لا يمكن أن تقارن بميزانية اللجنة السابقة، كما أن الأحزاب السياسية حصلت على الدعم المالي في الوقت المناسب.
نظرا لكل ذلك فإنه يمكن القول وبكل اطمئنان بأن أخطاء لجنة الانتخابات الحالية وفشلها البيِّن تتحمله الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة على حد سواء، ولا يتحمله رئيس الجمهورية، والذي كان حريصا على الاستجابة لكل مطالب المعارضة وشروطها خلال الحوار الممهد لهذه الانتخابات، وهو الحوار الذي أجرته الأحزاب السياسية مع وزارة الداخلية.
كان على المعارضة في مؤتمرها الصحفي الأخير أن تكون أكثر شجاعة، وأن تتحمل علنا نصيبها من فشل اللجنة.
لم تتحمل المعارضة نصيبها من فشل اللجنة، وإنما هددت في مؤتمرها الصحفي بالنزول إلى الشارع، وهذا التهديد قد لا يطرح مشكلة كبيرة للنظام، وذلك لكون جمهور المعارضة قد لا يستجيب لأي دعوة للنزول إلى الشارع، وقد ظهرت بوادر ذلك الرفض في مواقع التواصل الاجتماعي، فجمهور المعارضة يرى أن المعارضة قد تخلت عنه خلال السنوات الماضية، ولم تنزل إلى الشارع دفاعا عنه، وهو اليوم لن يستجيب لدعوتها التي جاءت من بعد حصولها على نتائج ضعيفة جدا في الانتخابات.
المشكلة ليست في تهديد المعارضة بالنزول إلى الشارع، وإنما في عدم اعترافها بنتائج الانتخابات، فمن المعروف بأن رئيس الجمهورية عمل منذ وصوله إلى السطلة على تهدئة الأجواء السياسية والانفتاح على المعارضة، ولذا فهو لن يرتاح لانتخابات لا تعترف المعارضة ولا الأغلبية باستثناء حزب الإنصاف بنتائجها.
إن الأخطاء الكبيرة للجنة الانتخابات وضعت النظام أمام خيارات صعبة، فإما أن يعتمد نتائج انتخابات لا تعترف معظم الأحزاب في المعارضة والأغلبية بنتائجها، ويكسر بذلك مناخ التهدئة الذي حققه رئيس الجمهورية وبذل جهدا كبيرا في سبيل تحقيقه، وإما أن يعيد هذه الانتخابات جزئيا أو كليا وهو ما ستترتب عليها مشاكل وتحديات كثيرة.
ويبقى السيناريو الأقرب هو أن تستأنف وزارة الداخلية اجتماعاتها بالأحزاب السياسية، وأن تفتح نقاشا جديا معها من أجل الخروج بحلول توافقية لمعالجة الأخطاء التي ارتكبتها لجنة الانتخابات.
وبغض النظر عما سيحدث، فسأبقى من الذين يعتقدون بأن لجان الانتخابات السياسية، والتي يتم تشكيلها من طرف الأحزاب السياسية هي في الغالب لجان فاشلة، وسيبقى البديل الأفضل هو تشكيل لجنة انتخابية فنية تضم خبرات وكفاءات غير سياسية مشهود لها بالاستقامة وحسن السيرة الوظيفية.
تنبيه : هذا المقال يعبر فقط عن رأيي كمتابع لقضايا الشأن العام، وحاولتُ أن أكون فيه موضوعيا وأن أقدم من خلاله رأيا تحليليا واستشرافيا لمسار انتخابات 13 مايو، وهو لا يعبر ـ بأي حال من الأحوال ـ عن رأيي كمرشح خاسر في هذه الانتخابات، يعتقد بأنه كان ضحية من ضحايا التزوير والارتباك وانشغال القائمين على لجنة الانتخابات بتشغيل الأقارب والبحث عن مكاسب شخصية بدلا من الإنشغال بتأدية الأمانة الجسيمة التي كلفوا بها. لو كتبتُ المقال بصفتي مرشحا خاسرا في هذه الانتخابات لكان نقدي للجنة الانتخابات أشد وأقسى مما هو عليه في هذا المقال.
Haut du formulaire
حفظ الله موريتانيا..







