الأحد، 3 يوليو 2022

من الاتحاد إلى الإنصاف : هل من تغيير في الأفق؟


تابعتُ كغيري من المهتمين بالشأن العام المؤتمر الاستثنائي لما كان يعرف سابقا بحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، حزب الإنصاف لاحقا، وهو المؤتمر الذي تم تنظيمه اليوم ( 3 يوليو 2022)، والذي كان من نتائجه تغيير اسم وشعار ورئيس الحزب، فهل ستكون هذه التغييرات بداية لتغييرات أعمق في الرؤية والنهج والرجال، أم أن الأمر لن يختلف عما سبقه من تغييرات شكلية في الأحزاب الحاكمة؟

إن التجارب السابقة في تغييرات الأحزاب الحاكمة لا تبشر بخير، والعودة إلى تلك التجارب لن تمنحنا وبكل تأكيد جرعة تفاؤل، ولأن العودة إلى الماضي لن تمنحنا جرعة تفاؤل، فإننا سنكتفي بتقديم قراءة سريعة لما جرى اليوم من تغييرات، وما تضمنه خطاب الرئيس الجديد للحزب، سنكتفي بذلك في محاولة للإجابة على السؤال العنوان.

إن القراءة التحليلية لما حدث اليوم من تغييرات، تقول بأن حصر مرجعية  الحزب في شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد تأكد اليوم، وبشكل واضح لا لبس فيه، وذلك من خلال التغييرات التي تم اتخاذها على مستوى التسمية والشعار ورئاسة الحزب.

1 ـ تغيير الاسم : لقد أُخِذَتْ التسمية الجديدة للحزب من كلمة كانت حاضرة وبوضوح، نصا ومضمونا، فيما مضى من مأمورية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. إن لكل نظام قاموسه السياسي، ولعل من بين الكلمات الأكثر تداولا في هذا العهد: التآزر؛ الإنصاف؛ التهدئة..إلخ

2 ـ  الشعار : وقد استنسخ استنساخا كاملا، وبكل التفاصيل، من شعار حملة المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في رئاسيات 2019؛

3 ـ  اختيار الرئيس: لقد تم اختيار رئيس للحزب لا يمكن تصنيفه على أنه من رجالات أي نظام سابق، فلم يحدث أن تم تداول اسم الرئيس الجديد للحزب في العهود السابقة لا على المستوى السياسي ولا على المستوى الإداري، ولذا فهو أحد الرجال القلائل الذين يمكن القول ـ ودون تحفظ ـ أنهم ظهروا إداريا وسياسيا مع الرئيس محمد ولد الشيخ ولد الغزواني.

إن هذه التغييرات في التسمية والشعار ورئاسة الحزب أكدت وبشكل جلي أن مرجعية الحزب تنحصر في شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لا خلاف على ذلك، ولكن هل تكفي تلك التغييرات لوحدها للقول بأننا أمام واجهة سياسية جديدة لعهد جديد؟

إن هذه التغييرات لا تكفي لوحدها، حتى وإن كانت لها دلالتها، وهي لن تكون ذات جدوى إن لم تعقبها تغييرات عميقة في رؤية الحزب ونهجه ورجالاته وواجهته.

إن أهم التغييرات التي ستقنع الرأي العام أنه أمام حزب جديد يختلف عن سلفه قد تضمنها خطاب الرئيس الجديد، ولكن ـ وكما هو معلوم ـ فإن الخطابات لا تكفي لإقناع الرأي العام بأن هناك جديدا ما في الأفق. إن ما سيقنع الرأي العام هو القرارات والأفعال التي ستجسد ميدانيا تلك الخطابات، فهل سينفذ الرئيس الجديد للحزب ما تعهد به في خطابه اليوم، وخاصة تعهداته المتعلقة ب:

ـ إحداث تغييرات تلبي طموحات جماهير الحزب، وهي تغييرات كانت هناك فرصة للقيام بها، وتسمح بها قوانين الحزب، ولكن الحاجة إلى المزيد من الاطلاع على وضعية الحزب والاستماع إلى منتسبيه تطلبت تأجيل تلك التغييرات قليلا حسب ما يُفهم من الخطاب؛   

ـ إعادة النظر في رؤية الحزب؛

ـ إعادة النظر في تنظيمه؛

ـ إعادة النظر في أدائه؛

ـ الاستماع إلى الشباب والنساء وأهل الريف والفئات الهشة.

إن تمكن الرئيس الجديد للحزب من تنفيذ هذه التعهدات فسنكون بالفعل أمام حزب حاكم جديد. أما إن اكتفى بخطابه الجيد كما اكتفى أسلافه في الأحزاب الحاكمة بخطاباتهم الجيدة، فهذا سيعني أن حزب الإنصاف لن يكون إلا مجرد نسخة غير منقحة من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهو الذي لم يكن بدوره إلا مجرد نسخة غير منقحة من حزب عادل، والذي لم يكن هو كذلك إلا نسخة غير منقحة من الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، والذي لم يكن هو الآخر إلا نسخة غير منقحة من هياكل تهذيب الجماهير، والتي لم تكن هي بدورها إلا نسخة غير منقحة من حزب الشعب.

لقد كانت تجربة الرئيس الجديد للحزب كناطق باسم الحكومة تُحسب له، كما يحسب له حضوره الجيد في مواقع التواصل الاجتماعي (فضاء الشباب)، و يحسب له كذلك أنه من القلائل الذين يجيدون حسن الاستماع، هذا هو ما خرجتُ به من انطباعات بعد لقاء مطول معه في إطار جلسات التشاور الوطني لإصلاح التعليم، كل ذلك يحسب له، ولكن كل ذلك لا يكفي إن لم تصاحبه قرارات شجاعة وإرادة قوية لتجسيد ما تعهد به اليوم في أول خطاب له بعد اختياره رئيسا لحزب الإنصاف.

فهل سيتمكن الرئيس الجديد لحزب الإنصاف من تجسيد خطابه اليوم على أرض الواقع؟

الأسابيع والأشهر القادمة لن تبخل علينا بالإجابة على هذا السؤال.

حفظ الله موريتانيا...

الأربعاء، 29 يونيو 2022

أيهما كان أكبر كلفة على النظام : التسريب أم الاعتذار؟

 


تم في الأيام الأخيرة تداول تسريب منسوب إلى رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وتضمن هذا التسريب الصوتي إساءة لإحدى المجموعات القبلية، وبعد التداول الواسع لهذا التسريب نشر رئيس الحزب تغريدة تضمنت اعتذارا عن ما اعتبره "تسجيلا مفبركا" منسوبا إليه.

ولقد شكلت هذه التغريدة بداية لتعامل غير محترف مع التسريب، وفي اعتقادي الشخصي فإن كلفة الاعتذار كانت بالنسبة للنظام أكبر من كلفة التسريب، وقد حق لنا بمناسبة هذا الاعتذار أن نقول: ورب اعتذار أكبر كلفة من تسريب.  

لم تكن بداية مسار الاعتذار موفقة، ذلك أن الجمع بين الاعتذار والقول بفبركة التسجيل لم يكن مقنعا، ولم تكن المشكلة الكبيرة في بداية مسار الاعتذار، وإنما كانت في خاتمته، ومن قبل أن نبين ذلك، فلابد من تقديم نصيحة من خلال قوس قصير سنفتحه من قبل البدء في الحديث عن كلفة الاعتذار، والتي كانت ـ حسب وجهة نظري ـ أكبر من كلفة التسريب.

على رجال الدولة وكبار المسؤولين والشخصيات العامة، على هؤلاء وغيرهم، أن يدركوا بأننا نعيش في زمن لم تعد فيه المجالس الخاصة بالمجالس المغلقة، وما يُقال في هذه المجالس الخاصة قد ينقل في طرفة عين إلى الفضاءات العامة، ولذا فعلى هؤلاء أن لا يقولوا في مجالسهم الخاصة إلا ما يستطيعون قوله في مجالس عامة، وعليهم أن يدركوا أن تسريب ما يُقال في المجالس الخاصة، حتى وإن كان فعلا نذلا ووقحا وسيئا، قد أصبح  من الأمور التي عمت بها البلوى، والبعض قد يفعله عن سوء نية، والبعض الآخر قد يقع فيه دون قصد ودون أن تكون هناك نية مبيتة.

لقد سمعتُ ذات مرة تسجيلا صوتيا وقع في يد أمينة لأحد كبار المسؤولين، ولو أن هذا التسجيل وصل إلى أحد أولئك الذين لا يتورعون عن تسريب الأحاديث الخاصة، لكان صاحب ذلك التسجيل يعيش اليوم أزمة على المستوى الشخصي والوظيفي لن يكون بإمكانه أن يخرج منها إلا بكلفة كبيرة، بل وكبيرة جدا.

لنغلق لقوس النصيحة، ولنعد إلى التسريب الصوتي المنسوب إلى رئيس الحزب الحاكم، وإلى الاعتذار غير الموفق الذي زاد من كلفة ذلك التسريب.

ومن قبل أن نستعرض كلفة هذا الاعتذار، فنحن قد نكون بحاجة إلى التذكير بحقيقة واضحة تم تجاهلها خلال مسار الاعتذار، وهذه الحقيقة مفادها أن الذي أساء  إلى مجموعة قبلية في التسريب المذكور، والراجح أنه عن غير قصد، هو شخص رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وليس الحزب ولا النظام، ولا حتى المجموعة القبلية لرئيس الحزب، فلماذا يتم إقحام الحزب أو النظام أو حتى المجموعة القبلية لرئيس الحزب في اعتذار عن خطأ لا دخل لهم فيه.

صحيحٌ أن المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر هو رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهو وزير في الحكومة الحالية، وهو بطبيعة الحال ينتسب إلى مجموعة قبلية، ولكن هذا لا يعني أن أي خطأ شخصي يرتكبه المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر يجب على النظام وعلى المجموعة القبلية للمهندس أن تتحملا مسؤوليته، وأن تقدما ـ بالتالي ـ الاعتذار عنه للمجموعة القبلية المتضررة.

كان من الأسلم للنظام  ولرئيس الحزب الحاكم ولمجموعته القبلية أن يتم اعتبار هذا الخطأ غير المقصود خطأ شخصيا، وأن يتم الاعتذار عنه بشكل شخصي دون إقحام مجموعة قبلية لا ذنب لها، ودون إقحام نظام لديه من المشاكل ما يغنيه عن تحمل وزر مكالمة مسربة لرئيس الحزب.

كان من الأسلم للنظام ولرئيس الحزب أن يتم تقديم الاعتذار بشكل شخصي من طرف المهندس سيدي محمد ولد الطالب وأعمر ، وكان يمكن للنظام وللحزب وللمجموعة القبلية لرئيس الحزب أن تساهم بشكل غير مباشر في ترتيب جلسة الاعتذار مع الحرص على أن لا يظهر في الصورة إلا المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر، والحرص كذلك على أن يقول في جلسة الاعتذار أن الخطأ كان خطأ شخصيا، وأنه لا دخل للحزب ولا النظام في هذا الخطأ، ولأن الخطأ كان خطأ شخصيا، فقد جاء هو شخصيا وبمفرده ليقدم اعتذاره الشخصي لكل من تضرر من التسريب الصوتي المنسوب إليه.

إن أخطر ما في مسار الاعتذار الذي تم إتباعه هو أنه سيشوش على الجهود التي تم بذلها مؤخرا من طرف النظام للحد من الاجتماعات القبلية والشرائحية والجهوية، وكذلك للحد من الخطاب القبلي والجهوي والشرائحي.

لقد أضاع النظام فرصة ثمينة، فمع كل مشكلة أو أزمة تكون هناك فرصة ثمينة يمكن استغلالها، والفرصة التي كان يمكن للنظام أن يستغلها من خلال هذا التسريب، فيحول بذلك محنة التسريب إلى منحة سياسية، هي أن يجعل من هذا التسريب مناسبة لتوجيه رسالة قوية إلى الرأي العام مفادها أن جهوده في مواجهة الخطاب القبلي والجهوي والشرائحي  متواصلة ومستمرة، هذه الرسالة القوية لم تكن لتكلف النظام أي شيء، فحسب ما نطالع من تحليلات وأحاديث  من الدوائر العليا في الحزب الحاكم فإن قرار تغيير رئاسة الحزب قد تم اتخاذه منذ تشكيل حكومة ولد بلال الثانية، فماذا كان سيضر النظام لو عجل بذلك القرار، فأعطى بذلك انطباعا للرأي العام أن لذلك القرار علاقة بالتسريب؟

إن خطوة من ذلك القبيل، لو كانت قد اتخذت، فإنها كانت ستحول محنة التسريب إلى منحة سياسية، وذلك على العكس من المسار المعاكس الذي تم اتخاذه، والذي أضاف إلى الكلفة السياسية للتسريب كلفة سياسية أخرى أكبر تتمثل في كلفة مسار الاعتذار الذي  تم اتخاذه، والذي لا شك أنه سيشوش على الجهود المبذولة من طرف النظام للحد من الحضور القبلي في الشأن العام.        

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 20 يونيو 2022

هذا هو ما سيفيد الفئات والشرائح الهشة!


يرى أغلب من يرفع شعار النضال الحقوقي في هذه البلاد أن مشاكل الفئات والشرائح الهشة يمكن أن تحل من خلال التعيين والتوظيف، أومن خلال منح بعض الامتيازات الخاصة لبعض أبناء تلك الفئات والشرائح الهشة. ولقد تعود "المناضلون الحقوقيون" في هذه البلاد أن يحصروا مطلب التمييز الإيجابي في مجال التعيين والتوظيف فقط، ولذا فمن النادر جدا أن تسمعهم يطالبون بتمييز إيجابي لصالح مشاريع معينة أو قطاعات معينة من شأن التمييز الإيجابي لصالحها أن يحدث نقلة اجتماعية واقتصادية كبيرة في أوساط الفئات والشرائح الهشة.

لا يعني هذا الكلام أن التمييز الإيجابي في مجال التعيين والتوظيف لصالح أبناء الفئات والشرائح الهشة ليس بالأمر المهم، بلى إنه أمرٌ مهمٌ، لا شك في ذلك، ولكن، وبالعودة إلى كثير من الأمثلة في هذا المجال، فسنجد أن التمييز الإيجابي في مجال التوظيف أو التعيين أو في مجال منح بعض الامتيازات الخاصة الأخرى لم ينعكس إيجابا على الشرائح والفئات الهشة، وإنما اقتصرت آثاره الإيجابية على الأشخاص الذين تم تعيينهم أو توظيفهم، وإن تعدتهم تلك الآثار الإيجابية، فإنها في أحسن الأحوال لم تتجاوز أسرهم الضيقة.  

لا خلاف على أن التمييز الإيجابي في التوظيف والتعيين لصالح أبناء الفئات والشرائح الهشة سيبقى مطلبا مشروعا، ولا خلاف على أنه من دواعي الاطمئنان على وحدة هذه البلاد وتلاحم شعبها وتماسكه أن يرى الواحد منا كل مكونات موريتانيا في التعيينات التي تأتي مع بيانات مجالس الوزراء، وكذلك في نتائج أي مسابقة يتم تنظيمها، وفي واجهة كل إدارة وكل تجمع سياسي أو أهلي. 

لا خلاف على أن من دواعي الاطمئنان على وحدة هذه البلاد وعلى تلاحم شعبها وتماسكه، أن ترى موريتانيا مصغرة أينما وليت وجهك: أن تراها في قصور الأغنياء وفي أكواخ الفقراء، في هرم الوظائف وفي أدناها، في صفوف القادة وفي جماهير المناضلين، في علية المجتمع وفي عامته، في فرق الرماية وكذلك في فرق كرة القدم.

من المهم جدا أن يرى الواحد منا موريتانيا مصغرة أينما ولى وجهه، ولكن هل الطريقة الأسرع والأنجع لتحقيق ذلك ستكون من خلال التركيز على المطالبة بتمييز إيجابي في مجال  التوظيف والتعيينات، والذي لن يستفيد منه إلا عدد محدود جدا من الأشخاص وأسرهم الضيقة، أم أن الطريقة الأسرع والأنجع ستكون من خلال سياسة تمييز إيجابي على مستوى القطاعات والمشاريع، وخاصة منها تلك المشاريع التي سيساهم تطويرها في إحداث ترقية اجتماعية سريعة داخل الفئات والشرائح الهشة.

لقد أصبح المطلب الوحيد المتداول في "الخطاب الحقوقي" الرائج في السنوات الأخيرة ينحصر في التمييز الإيجابي في التوظيف والتعيين، وهذا أمرٌ مفهوم، فأصحاب ذلك الخطاب سيكونون هم أول ـ وربما آخر ـ من سيستفيد بشكل مباشر من تحقيق ذلك المطلب. أما المطلب المتعلق بالتمييز القطاعي، فلا يجد من يتحدث عنه، وذلك لأن المستفيد المباشر منه هو عامة المستضعفين والمهمشين من تلك الفئات والشرائح، وأولئك لا يجدون في كثير من الأحيان من يتبنى مطالبهم بجدية وبصدق، بل إن بعض "المناضلين الحقوقيين" قد يرى أن من مصلحته الخاصة أن يبقى حال أولئك على ما هو عليه، لكي يستمر هو بالمتاجرة بمعاناتهم.

موجب هذا الكلام هو أن وضع الحجر الأساس من طرف رئيس الجمهورية لأول قرية للصناعة التقليدية بالعاصمة نواكشوط مر دون اهتمام يذكر. ومن المؤكد أن هذه القرية سيكون لها الأثر الإيجابي الكبير على الصناعة التقليدية وعلى المجتمع بصفة عامة، وعلى إحدى فئاته بصفة خاصة، إن تم تشييد تلك القرية وفق المخطط المرسوم لها.

وموجب هذا الكلام أن ردود أفعال بعض "المناضلين الحقوقيين" على أي عملية تمييز إيجابي قد تحصل في مجال التوظيف والتعيين، يفوق بكثير ردود أفعالهم على جهود الحكومة الرامية إلى تعميم التأمين الصحي لكي يشمل كل الفئات الهشة في المجتمع.

وموجب هذا الكلام أن مشروع "البرنامج الوطني للتغذية المدرسية" لا يجد من يتحدث عنه، ولا يجد من يضغط على الحكومة لفرض تنفيذه على أحسن وجه، مع العلم أن هذا المشروع لو نجح فسيحدث نقلة نوعية في مجال تمدرس أبناء الفئات والشرائح الهشة، ومن المعروف أن الاهتمام بالتعليم والتأمين الصحي في الأوساط الهشة سيبقى من أهم الخطوات التي قد تساعد في الترقية الاجتماعية في تلك الأوساط.

وموجب هذا الكلام أن "الخطاب الحقوقي" الذي يزداد حدة وارتفاعا عند الحديث عن التمييز الإيجابي في مجال التوظيف والتعيين، هو نفسه الخطاب الذي يتحول إلى خطاب باهت أو معدوم  عندما يتعلق الأمر بالقضايا المهمة، والتي من شأن الاهتمام بها أن يحدث الأثر الأكبر في مجال الترقية الاجتماعية والاقتصادية في الأوساط الأكثر هشاشة وفقرا.

لا أحد من "المناضلين الحقوقيين" يتحدث اليوم عن مصير مئات بل آلاف صغار الجزارين وبائعات الخضروات اللواتي سيجدن أنفسهن قريبا بلا عمل، بفعل التطور الحاصل في المجازر ومحلات بيع الخضروات، وهو تطور لن يستطيع أن يواكبه إلا من يمتلك من المال ما يكفي لتجهيز مجزرة عصرية لبيع اللحوم والخضروات.

لا أحد من "مناضلي التمييز الإيجابي في مجال التوظيف" يُطالب اليوم بتوفير قروض صغيرة وميسرة لغسالي الثياب وصغار الجزارين وبائعات الخضروات حتى يتمكن هؤلاء وأولئك من مواكبة التطور الحاصل في هذه المهن، وهو تطور يفرضه واقع المدن اليوم.

لا أحد من "مناضلي التمييز الإيجابي في مجال التوظيف" يطالب اليوم بالالتفات إلى اليد العاملة وأصحاب المهن الصغيرة، ولا إلى الزراعة المطرية، ولا إلى القطاع غير المصنف، ومن المعروف أن الاهتمام بمثل هذه القطاعات هو الذي سيترك أثرا اقتصاديا واجتماعيا إيجابيا على عشرات الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من الموريتانيين الأكثر فقرا والأكثر هشاشة.

فإلى متى ستظل كل مطالب "المناضلين الحقوقيين" في بلادنا تنحصر فقط في التمييز الإيجابي في مجال التوظيف والتعيين؟ وهل لهذا الأمر علاقة ما بالمصالح الشخصية الضيقة لأولئك "المناضلين الحقوقيين"؟

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 6 يونيو 2022

تعليق التشاور : من المسؤول .. من الرابح .. من الخاسر؟


سنخصص هذه الورقة الكاشفة الجديدة لملف التشاور أو الحوار، وذلك بعد أن أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليقه مساء يوم الأربعاء الموافق
  لفاتح يونيو 2022، وسنحاول من خلال هذه الورقة الكاشفة أن نجيب على أسئلة تدور على ألسنة الكثيرين من المهتمين بالشأن العام، وهي أسئلة من قبيل:  من المسؤول عن تعثر التشاور؟ من الرابح من تعليقه؟ من الخاسر؟ ماذا بعد تعليق التشاور؟

بدءا، ومن قبل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، دعونا أولا نحدد الأهداف التي من المفترض أن المعارضة أي معارضة، والسلطة أي سلطة، تسعى لتحقيقها من خلال تنظيم حوار شامل مع شريكها أو خصمها السياسي.

في الأغلب تدخل السلطة، أي سلطة، في حوار مع معارضتها من أجل تحقيق أحد الأهداف، أو كل الأهداف التالية:

1 ـ الخروج من أزمة سياسية؛

2 ـ تحقيق تهدئة سياسية؛

3 ـ إضفاء شرعية على السلطة الحاكمة أو تعويض نقص قائم في شرعيتها؛

4 ـ السعي للحصول على إجماع وطني حول بعض القضايا والملفات الوطنية الهامة.

أما المعارضة، أي معارضة، فإنها تدخل الحوار مع السلطة أو مع الأغلبية الممثلة لتلك السلطة من أجل تحقيق أحد الأهداف، أو كل الأهداف التالية:

1 ـ التخفيف من حدة أزمة سياسية قائمة؛

2 ـ تحقيق إصلاحات سياسية  لم تتمكن المعارضة من تحقيقها من خلال النضال الميداني؛

3 ـ استثمار جهد نضالي بذلته المعارضة، والسعي لتحويل ذلك الجهد إلى مكاسب سياسية من خلال الحوار.

إن هذه الأهداف هي أهداف عامة، وتبقى لكل سلطة ومعارضتها خصوصياتهما، فما هي خصوصية السلطة والمعارضة في موريتانيا؟ وما هي الأهداف التي كان يسعى كل طرف إلى تحقيقها من خلال التشاور المعلق منذ فاتح يونيو 2022.

بالنسبة للسلطة، فإنه يمكن الجزم تحليليا أنها لم تكن تسعى من خلال التشاور إلى الخروج من أزمة سياسية قائمة، فلا أزمة سياسية قائمة في الوقت الحالي، ولم تكن تريد التشاور من أجل إضفاء شرعية مفقودة، فهي تحظى بشرعية من كل الطيف السياسي، ولم نسمع أي طرف معارض يشكك في شرعيتها، على الأقل منذ أشهر من بعد التنصيب وحتى اليوم. وهي أيضا لم تكن تسعى من خلال التشاور أو الحوار إلى تحقيق تهدئة سياسية، فالبلاد عاشت فيما مضى من المأمورية تهدئة سياسية لم تَعرِف لها مثيلا منذ انتهاء حكم الرئيس الراحل أعل ولد محمد فال وحتى اليوم.

إذن، ماذا كانت تريد السلطة من التشاور؟

الراجح عندي تحليليا، أنها كانت تسعى من خلال التشاور إلى:

1 ـ إطالة عمر التهدئة السياسية، والسعي إلى أن تبلغ هذه التهدئة أقصى مدى زمني يمكن أن تبلغه؛

2 ـ أن تُظهر لشركائها السياسيين وللرأي العام الوطني أن لها طريقتها الخاصة في التعامل مع المعارضة، فلكل نظام أسلوبه الخاص في التعامل مع معارضته، فإذا كان الرئيس السابق قد فضل أسلوب الصدام والتصادم، فإن الرئيس الحالي يفضل أسلوب التهدئة، ولذا فمن الطبيعي جدا أن ينظم لقاءات بالمعارضين ، بل وأن يدعو أغلبيته إلى التشاور معهم، متعهدا بتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه. من المهم أن نسجل هنا أن الرئيس لم يكن يرى ضرورة لتنظيم حوار أو تشاور في مأموريته الأولى، ولم يكن يرغب في ذلك، ولكن تكرر الطلب من قادة المعارضة بضرورة تنظيم حوار وطني شامل، جعله يقبل بذلك الطلب تكريسا للنهج الذي أراد أن يتعامل به مع معارضيه، وهو النهج القائم على التهدئة بدلا من الصدام؛

3 ـ من الأهداف التي يمكن القول إن السلطة كانت تسعى لتحقيقها من خلال التشاور: الوصول إلى إجماع وطني حول بعض القضايا والملفات الكبرى، وهو الشيء الذي سيمكن الرئيس من الحصول على إجماع ودعم وطني بخصوص تلك القضايا والملفات، بدلا من أن يقتصر الدعم على موالاته لوحدها. كما أن حصول هذا الإجماع سيساعد في تحصين البلاد من عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تعاني منه بعض دول المنطقة.

 

هذا هو ما يمكن القول تحليليا إن السلطة كانت تريد تحقيقه من خلال الحوار، فماذا كانت تريد المعارضة تحقيقه من الحوار؟

للجواب على هذا السؤال، لابد من التفريق بين المعارضة والموالاة، فالموالاة لها خيطها الناظم، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال الحوار مع خصمها السياسي يمكن تحديدها دون مشقة، فهي ـ وببساطة شديدة ـ تسعى إلى ما يسعى إليه الرئيس، وقد حددنا في  الفقرة السابقة ثلاثة أهداف نعتقد أنها هي الأهداف التي كانت السلطة تسعى إلى تحقيقها من خلال التشاور.أما بالنسبة للمعارضة فالأمر مختلف جدا، وأكثر تعقيدا، فالمعارضة في أكثر أوقاتها ليست على قلب رجل واحد، ولا تسير وفق اتجاه بوصلة موحدة، وقد ازداد تعدد اتجاهاتها وكثرة تشتتها من بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث لم تعد توجد منسقية أو منتدى أو تجمع كبير يضم أغلب أحزاب المعارضة، ويمتلك ـ بالتالي ـ الشرعية السياسية للتحدث باسم المعارضة.

يمكن للمتابع للشأن المعارض أن يلاحظ أن المعارضة تمر اليوم بواحدة من أصعب لحظات تشتتها وضعفها، وهي لم تستطع أن تنجب قادة جددا، وذلك في وقت دخل فيه أغلب قادتها التاريخيين في مرحلة التقاعد السياسي الإجباري، حتى وإن لم يعلنوا رسميا عن ذلك التقاعد. لا يعني هذا الكلام أن الموالاة الداعمة للرئيس تعيش أحسن أيامها، فالموالاة والمعارضة تعيشان اليوم توازنا لافتا في الضعف، وخاصة على مستوى الأداء السياسي.

عموما، هناك أربعة اتجاهات داخل المعارضة الحالية:

1 ـ المعارضة التقليدية، وهذه تتشكل من أحزاب التكتل واتحاد قوى التقدم وتواصل، وكان من المفترض أن يكون في هذه المجموعة التحالف الشعبي التقدمي، فهذه الأحزاب تسعى بشكل جاد إلى تنظيم حوار وطني شامل يفضي إلى بعض الإصلاحات. طبعا يبقى هناك اختلاف في مستوى الحماس لدى كل حزب من هذه الأحزاب الثلاثة، فتواصل مثلا لم يظهر جديته في السعي للحوار إلا في الفترة الأخيرة، وهذا ما سنبينه في بعض فقرات هذه الورقة الكاشفة، وعلى العموم، فيمكن القول إجمالا بأن هذه الأحزاب الثلاثة هي الأحزاب الأكثر جدية والأكثر تحمسا للحوار في فسطاط المعارضة؛

2 ـ  قطب التناوب الديمقراطي، وقد دخل التشاور كقطب ثالث، وهذا القطب وحتى وإن كان يتشكل من حزب الصواب وأحد أجنحة ميثاق لحراطين، ومشروع حزب "الرك"، إلا أنه في حقيقة أمره قطب قائم على تقلب مزاج النائب بيرام، فلا رأي للصواب ولا لميثاق لحراطين، ولا لمشروع حزب "الرك"، فكل الأمور تسير داخل هذا القطب وفق اتجاه بوصلة مزاج بيرام، وهو الذي يعرف بسرعة تقلب مزاجه. ربما يكون بيرام قد حاول أن يستغل غياب أي شخصية قيادية من شريحته في الجلسات التحضيرية للتشاور، وأن يستثمر ـ وبأسلوب انتهازي ـ  الهدية الثمينة التي منحها له الرئيس مسعود من خلال مقاطعته للجلسات التحضيرية. لقد شعر بيرام بعد غياب مسعود أنه يمثل شريحة هامة من المجتمع في التشاور، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييب هذه الشريحة من التشاور، ولذا فقد أعلن عن انسحابه من التشاور، محاولا بذلك أن يبتز السلطة وأن يضغط عليها، بحثا عن صفقة يستفيد منها تحت الطاولة، ولكن السلطة فاجأته هذه المرة ـ كما فاجأت آخرين ـ بتعليق التشاور إلى أجل غير مسمى.

3 ـ  تحالف العيش المشترك، والعيش المشترك  معروف ـ وبشطريه ـ  برفعه لمطالب غير واقعية، تفرق أكثر مما تجمع، ولا تخدم الانسجام المجتمعي، وتتمثل هذه المطالب فيما يسميه العيش المشترك بتقاسم السلطة والثروة وترسيم اللغات الوطنية واستخدامها في التعليم والإدارة، هذا فضلا عن ملف "الإرث الإنساني"، والذي كلما تم الاعتقاد أنه أغلق نهائيا، فإذا به يفتح من جديد مع أي حوار جديد.

4 ـ حزب التحالف الشعبي التقدمي، والذي عزف منفردا على وتر مقاطعة الجلسات التحضيرية، ولأسباب غير مفهومة، ولا مبررها لها على الإطلاق. من المصادفات غير البريئة، أن الفيسبوك ذكرني عندما بدأت أفكر في إعداد هذه الورقة الكاشفة بمنشور كنتُ قد نشرته يوم 2 يونيو 2011، أي قبل إحدى عشرة سنة من الآن، وتضمن هذا المنشور تصريحا للرئيس مسعود قال فيه إنه سيذهب يوم الاثنين القادم إلى الحوار( والاثنين القادم في المنشور كانت تعني يوم 6 يونيو 2011)، حتى ولو ذهب وحيدا، وحتى ولو أدى ذلك إلى انسحاب حزب التحالف الشعبي التقدمي من منسقية المعارضة التي قررت حينها أن تقاطع الحوار.

فَبِم تفسرون ـ يرحمكم الله ـ  هذا التناقض الصارخ في مواقف الرئيس مسعود، والذي كان قد قرر أن يذهب وحيدا في العام 2011 إلى حوار مع السلطة قاطعته منسقية المعارضة التي كان ينتمي إليها في ذلك الوقت، ويقرر اليوم أن يًقاطع وحيدا جلسات التحضير لتشاور  شارك فيها كل الطيف المعارض؟

لم يعد حزب التحالف الشعبي التقدمي يمتلك وزنا سياسيا كبيرا، ولم يعد قائده يمتلك تأثيرا كبيرا في الساحة السياسية، ولكن ومع ذلك، فستبقى للرئيس مسعود رمزيته، ومما لا شك فيه أن وجوده في التشاور كان سيفيد التشاور، وكان سيحصنه من أن يعلق، حتى ولو انسحب  بيرام في اللحظة الحرجة. كان الحضور للتشاور هو الموقف الأنسب لشخصية وطنية بحجم الرئيس مسعود، والذي عهدناه فيما مضى من تاريخه السياسي المتميز متشبثا بالحوار، حتى في فترات معارضته المتطرفة، فبأي منطق يكون الرئيس مسعود، وهو في هذه المرحلة من تاريخه السياسي الغائب الوحيد عن جلسات تحضيرية لتشاور يشارك فيه جميع الطيف السياسي؟

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أن المعارضة، لم تكن على قلب رجل واحد، ولم تكن تتحرك وفق بوصلة موحدة، بل كانت تتحرك وفق أربع بوصلات على الأقل، لها أربع اتجاهات مختلفة بل ومتعاكسة في بعض الأحيان، ولذا فيصعب أن نحدد أهدافا واضحة يمكن القول إن المعارضة كانت تسعى لتحقيقها من خلال التشاور قبل تعليقه.

 

عن المسار الطويل للتشاور

سنحاول أن نستعرض من جديد أهم المحطات التي سبقت انطلاق أعمال اللجنة التحضيرية للتشاور، وسيساعدنا هذا العرض في تحديد من لم يكن متحمسا للحوار، ومن كان مسؤولا عن وأده بعد تجاوزه لسن الفطام. لنستعرض مسار التشاور الطويل من خلال المحطات أو النقاط التالية:

1 ـ لم تكن السلطة ترى ضرورة لتنظيم هذا التشاور، خاصة مع بداية المأمورية، ولكنها قررت في النهاية أن تغير رأيها استجابة للطلبات المتكررة لقادة المعارضة بضرورة تنظيم حوار وطني شامل؛

2 ـ جاءت أول دعوة جدية وموثقة للتشاور من خلال بيان مشترك للأحزاب الممثلة في البرلمان صدر قبل عامين من الآن، وتحديدا في يوم 14 مايو 2020، وقد جاء في فقرته الختامية : "تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تُفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تُمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجتها، وفق جدول زمني متفق عليه."

يمكنكم أن تسجلوا هنا، وهذه تحسب لأحزاب الموالاة، وتعطي إشارة مهمة عن جديتها في إطلاق مسار من التنسيق المشترك مع أحزاب المعارضة يفضي إلى حوار وطني شامل، يمكنكم أن تسجلوا هنا أن هذا البيان الموقع من طرف حزب الاتحاد من أجل الجمهورية وبقية أحزاب الأغلبية الممثلة في البرلمان، كان بيانا  غير مسبوق في شكله ومحتواه، حتى وإن كان لم يجد من التغطية الإعلامية ولا من التفاعل السياسي ما يستحق. لقد تضمن هذا البيان عشر نقاط  تحدثت كلها، باستثناء نقطتين فقط، عن بعض أوجه التقصير في العمل الحكومي. فمنذ متى كان الحرص على التنسيق مع المعارضة يدفع بأحزاب الأغلبية إلى أن توقع بيانا مشتركا يتحدث عن بعض أوجه التقصير في الأداء الحكومي؟

3 ـ بعد صدور هذا البيان قرر حزب تواصل أن ينسحب من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، وقد انتقد بشدة ما أسماه بعملية التسلل إلى التشاور من خلال تنسيقية أحزاب تشكلت في الأصل للتصدي لجائحة كورونا. في يوم 2 نوفمبر 2020، أي بعد نصف سنة تقريبا من دعوة الأحزاب الممثلة في البرلمان للحوار، أصدر حزب تواصل وثيقة بعنوان: "رؤيتنا للإصلاح .. من أجل تحول توافقي"، وقد دعا فيها إلى حوار وطني شامل.

يمكنكم أن تسجلوا هنا أن حزب تواصل رفض التنسيق مع أحزاب معارضة وموالية ممثلة في البرلمان لتقديم مبادرة مشتركة للحوار باسم الموالاة والمعارضة ، ثم أطلق من بعد ذلك بعدة أشهر مبادرته الخاصة به، والتي دعا فيها إلى الحوار. مثل هذا التصرف يعني بلغة سياسية فصيحة وصريحة أن الحزب لم يكن وقتها متحمسا للحوار ولا للتهدئة مع النظام الحاكم.

4 ـ في يوم الأربعاء الموافق 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض أحزاب المعارضة ( التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق التشاور. كما شكلت هذه الأحزاب  لجنة اتصال كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور. كل هذا العمل الهام سيتم رميه كاملا في سلة المهملات حرصا من المنسقية على مشاركة الجميع في مسار تشاور جديد ينطلق من نقطة بداية يتساوى عندها جميع المشاركين. هذا التصرف لوحده يعد أقوى دليل على حرص منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان على إنجاح التشاور.

5 ـ بعد أكثر من نصف عام على إعلان منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان عن خارطتها للتشاور، وتحديدا في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب :  تواصل؛ التحالف الشعب التقدمي؛  المستقبل ؛ تحالف العيش المشترك بشطريه ؛ مشروع حزب "الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديقراطية" بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي، واللافت في هذا البيان أنه كان مليئا بعبارات ذات شحنة عرقية وشرائحية من قبيل: " إقصاء مكون الأفارقة السود"؛ " البيظان البيض" "شريحة لحراطين الجانب المرئي للقضية" ...إلخ.

6 ـ في يوم 17 أغسطس 2021 استقبل رئيس الجمهورية منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، وشكل ذلك اللقاء نقطة انطلاق جديدة في ملف التشاور الوطني، وقد غاب عن ذلك اللقاء تواصل والتحالف الشعبي التقدمي والتحالف من أجل العدالة والديمقراطية . وفي يوم  22 سبتمبر 2021 أكد رئيس الجمهورية في خطابه خلال افتتاح أعمال المنتديات العمومية لقطاع البناء والأشغال، أن التشاور الوطني المرتقب "لن يستثني أحدا، ولن يحظر فيه موضوع."

7 ـ  في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار، وذلك "بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية، واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.

8 ـ في يوم الأربعاء 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، كما تم دعمه بفريق من كبار الموظفين يتكون من ثلاثة مستشارين في رئاسة الجمهورية، ومستشار من الوزارة الأولى، وممثل للجمعية الوطنية، وممثلين اثنين من وزارة الداخلية، وفي يوم  16 إبريل 2022 انطلقت أشغال اللجنة التحضيرية للتشاور الوطني، وفي يوم 1 يونيو  2022 أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور، وذلك في انتظار: " خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".

إن اختيار رئيس الجمهورية للوزير الأمين العام للرئاسة، وهو حديث عهد بالمعارضة ومحل ثقة قادتها، للإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، ودعمه بفريق كبير من الموظفين السامين، كان بمثابة رسالة غير مشفرة وضعتها رئاسة الجمهورية في صندوق أو صناديق  برد المعارضة، وهي رسالة تعبر ـ وبشكل قوي ـ  عن مدى حرص رئيس الجمهورية على إنجاح التشاور الوطني.

من المسؤول عن تعليق التشاور الوطني؟

بعد هذا الاستعراض لأهم المحطات التي سبقت الإعلان عن انطلاق جلسات التشاور الوطني، فإنه يمكننا القول ـ وبكل اطمئنان ـ بأن رئيس الجمهورية وأغلبيته الداعمة وبعض أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب اتحاد قوى التقدم بذلوا جهودا كبيرة في سبيل إنجاح التشاور الوطني.

ويمكننا القول ـ وبنفس المستوى من الاطمئنان ـ بأن لائحة المتسببين في تعليق التشاور الوطني إلى أجل غير مسمى، يتصدرها:

1 ـ الرئيس مسعود ولد بلخير الذي قرر أن يتغيب عن كل جلسات التحضير للتشاور، ودون أن يقدم مبررا به أي ذرة وجاهة أو إقناع؛

2 ـ قطب التناوب الديمقراطي، ممثلا في شخص النائب بيرام الداه أعبيد، والذي قرر أن يوجه للتشاور الوطني طعنة غادرة في الوقت الحرج، وذلك من خلال إعلان انسحابه، بعد أن تم تجهيز كل شيء  للدخول في مرحلة الورشات، أي المرحلة الأهم في مسار التشاور الوطني؛

3 ـ بعض أحزاب العيش المشترك، والتي تصر على طرح بعض القضايا التي تفرق أكثر مما توحد.

من الخاسر ومن الرابح من فشل التشاور؟

يمكن القول إن الخاسر الأبرز هو المعارضة، فتنظيم حوار أي حوار سيكون دائما بمثابة فرصة ثمينة للمعارضة لتحقيق بعض مطالبها، وتحقيق بعض المطالب عن طريق الحوار كان سيمكن المعارضة من أن تبرهن لجماهيرها بأن تهدئتها مع النظام لم تكن سلبية، وأنها قد أثمرت في النهاية عن حوار شامل حقق بعض مطالب المعارضة، والتي لم تكن لتتحقق لولا التهدئة والحوار. كانت المعارضة بحاجة ماسة للحصول على ثمرة هدنتها التي استمرت لأكثر من سنتين من خلال ما كان منتظرا من نتائج للتشاور..المؤسف في الأمر أن الجهات التي أفشلت هذا التشاور، وحالت بالتالي  دون قطف المعارضة لثمار هدنتها مع النظام، هي جهات محسوبة على المعارضة.

أضاعت المعارضة فرصة ثمينة للتشاور، وكان على أحزابها التي بذلت جهودا كبيرة في التحضير للتشاور أن تتخلى ولو لمرة واحدة عن المجاملة السياسية، وأن تحمل مسؤولية فشل التشاور لمن أفشل بالفعل ذلك التشاور من خلال غيابه غير المبرر عن تشاور لا يُراد له أن يستثني أحدا، أو من خلال انسحابه في الوقت الحرج، وبعد أن تم الانتهاء من كل التفاصيل خلال جلسات التحضير، ولم يبق إلا الدخول في مرحلة العمل الجدي، أي مرحلة الجلسات النقاشية وإصدار التوصيات.

إن الخسارة الكبيرة من تعليق التشاور كانت من نصيب المعارضة. أما بخصوص السلطة، حتى وإن كان لها حظها من الخسارة بسبب فشل التشاور، إلا أنها مع ذلك ربحت ـ بشكل أو بآخر ـ فصورتها كسلطة تسعى للتهدئة مع المعارضة لم تهتز بعد تعليقها للتشاور، وذلك لكونها قد أرغمت على تعليقه بسبب إصرار بعض الأطراف المحسوبة على المعارضة على إفشاله. ثم إن عمر التهدئة مع المعارضة لم يعد بالإمكان إطالته، على الأقل على مستوى الخطاب السياسي، فمع قرب موعد الانتخابات النيابية والبلدية فإن المعارضة ستعود حتما إلى خطابها التصعيدي بحثا عن الأصوات، ولم يكن من المتوقع أن لا تعود إلى ذلك الخطاب مع قرب موعد الاستحقاقات التشريعية والبلدية والجهوية، حتى وإن تم تنظيم تشاور وطني ناجح.

يبقى من أهداف السلطة من الحوار، والتي حددناها سابقا، الهدف المتعلق بالوصول إلى إجماع وطني حول بعض القضايا والملفات الكبرى، والظاهر أن التشاور لو تم تنظيمه لم يكن ليصل إلى ذلك الإجماع بفعل إصرار البعض على طرح قضايا تفرق أكثر مما تجمع، ولذا فإن تعليق حوار كان سيثير من الخلاف أكثر مما كان سيصل إليه من إجماع، هو تعليق في صالح النظام الحاكم، وفي صالح الوطن كذلك، ومع ذلك فسيبقى الحوار أمرا مطلوبا ـ وبإلحاح ـ  في أي لحظة تكون فيها كل الأطراف المعنية به جاهزة له، ومستعدة للمشاركة في حوار جدي ومسؤول يضع المصلحة العليا للبلد فوق المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.

ماذا بعد تعليق التشاور؟

في اعتقادي الشخصي أن السلطة مطالبة بعد تعليق التشاور، والراجح أنها ستستمر في تعليقه إن لم تُظهر الأطراف التي تسببت في فشله ما يثبت أنها غيرت من موقفها، أقول إنها مطالبة بأن تناقش مع السياسيين فرادى أو جماعات ملف الانتخابات والتحضير الجيد لها، فموعد الانتخابات قد اقترب، وهذا الملف لابد من نقاشه مع السياسيين، وهم المعنيون أولا به،  ويمكن للسلطة بعد ذلك أن تنظم حوارات تنموية يُفتح فيها مجال المشاركة أمام الخبراء الوطنيين ومن مختلف التخصصات.

إننا في هذه البلاد بحاجة ماسة إلى تشاور تنموي يسعى للوصول إلى أنجع السبل للنهوض بالزراعة والتنمية الحيوانية والصيد البحري والتنقيب التقليدي. وتتأكد أهمية هذا النوع من الحوارات التنموية بعد أن عشنا مع بقية دول العالم الآثار السلبية لجائحة كورونا والحرب على أوكرانيا، والعالم سيبقى معرضا في المستقبل لمثل هذا النوع من الأزمات، وهذه الفقرة الأخيرة هي خلاصة أو توصية هذه الورقة الكاشفة.

حفظ الله موريتانيا...

الثلاثاء، 31 مايو 2022

حتى لا نخلط بين النضال الحقوقي وإذكاء الشرائحية

 


لم يفاجئني على المستوى الشخصي الخلاف الذي نشب بين حزب تواصل وإحدى نائباته، فمثل هذا الخلاف كان لابد أن يقع، وكان لابد لحزب تواصل أن يكتوي بنار ما يمكن تسميته بالمجاملة السياسية التي قدمها خلال السنوات الماضية لأصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية المتشنجة.

وما يحدث الآن داخل حزب تواصل قد يكون هو أفضل مناسبة للفت الانتباه من خلال هذه الورقة الكاشفة الجديدة على ما يقع من خلط خطير بين النضال الحقوقي وإذكاء النعرات الشرائحية والفئوية، وعلى ما كان يحصل عليه أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية المتشنجة من دعم رسمي وحزبي وإعلامي، وهو الشيء الذي كان من نتائجه هذا الانفلات اللفظي الذي نعيشه منذ سنوات، والذي أصبحت فيه الإساءة إلى الشرائح والأعراق وإلى الثوابت الدينية أمرا عاديا ومألوفا في نقاشاتنا اليومية.

في اعتقادي الشخصي أنه قد أن الأوان لنقاش هذا الموضوع بشكل أكثر عمقا، ومن زوايا لم تطرق من قبل إلا قليلا، وكمساهمة في نقاش هذا الموضوع الذي سيبقى يحتاج إلى المزيد من النقاش المعمق، جاءت هذه  الورقة الكاشفة، والتي سنحاول في بدايتها أن نعود بكم قليلا إلى  الوراء، وإلى العقد الماضي، والذي كان ـ بحق ـ هو عقد نمو وانتشار الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج.

 

عن عقد الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج

 

لا خلاف على أن الخطاب الفئوي والشرائحي المتشنج قد ظهر منذ فترة طويلة، ولكن لا خلاف أيضا على أنه نما واتسع كثيرا وازداد تشنجا خلال العقد الأخير.

هناك جهات عديدة بعضها على طرفي نقيض في كثير من الأحيان، ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر، في بروز واتساع هذا الخطاب الفئوي والشرائحي المتشنج خلال العقد الأخير، وبطبيعة الحال فلكل جهة من تلك الجهات دوافعها المختلفة، والتي على أساسها قدمت الدعم لذلك الخطاب ولأصحابه. 

على رأس تلك الجهات التي دعمت واحتضنت هذا الخطاب السلطة في عهد الرئيس السابق، والتي حاولت ـ ولأسباب معلومة ـ أن تخلق قيادات وزعامات بديلة لبعض قيادات المعارضة التقليدية وتشكيلاتها السياسية التي وقفت بقوة ضد انقلاب 6 أغسطس 2008.

اللافت في الأمر، أن المعارضة التقليدية، والتي ستتضرر كثيرا من أصحاب هذا الخطاب المتشنج الذي يجد الدعم المباشر وغير المباشر من السلطة، قدمت هي الأخرى دعما كبيرا له، معتقدة أنه سيكون بإمكانها تعزيز صفوفها بمثل أصحاب ذلك الخطاب، أو ربما اعتقدت أن السحر سينقلب يوما ما على الساحر.

المهم أن البحث عن المصالح الضيقة الآنية، وعلى حساب المصلحة العليا للبلد، خلال العقد الماضي أدى إلى تنافس قوي  بين السلطة وبعض أطراف المعارضة على تقديم الدعم المباشر وغير المباشر لأصحاب الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج، كما تنافس الإعلام المحسوب على الإسلاميين (وهو الإعلام الأقوى تأثيرا في موريتانيا) مع الإعلام المحسوب على اليسار على تسويق الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج، وفي ترويج وتلميع أصحابه.

حدث كل ذلك في فترة شهدت فيها البلاد انفلاتا لفظيا غير مسبوق، زاد من حدته مستوى الانتشار الكبير وقوة التأثير الذي عرفته مواقع تواصل الاجتماعي خلال العقد الأخير. ومن المعروف أن لغة السب والشتم والإساءة هي اللغة الأكثر رواجا في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي التي تجد تفاعلا أكبر من نشطاء هذه المواقع. وبطبيعة الحال فقد استفاد أصحاب الخطاب الفئوي والشرائحي المتشنج، والذين لا يتورعون عن استخدام أي لفظ مسيء من ذلك. إن التفاعل هنا لا يعني فقط الإعجاب والتعليق الإيجابي، إنه يعني أيضا التعليق الناقد، فالتعليق الناقد والإكثار من الحديث ـ ولو سلبا ـ عن أصحاب تلك الخطابات المتشنجة يشكل هو أيضا ترويجا وتسويقا لخطابهم المتشنج، لأنه يعطيه مساحة أوسع من التداول في النقاشات العامة، حتى ولو كان ذلك من خلال انتقاده. ما أريد أن الفت الانتباه إليه في هذه الجزئية هو أن انتقاد أصحاب الخطاب الشرائحي والفئوي، والإكثار من التعليق على ما يكتبون أو ما يقولون، يشكل هو الآخر شكلا من أشكال الدعاية والتسويق الإعلامي لهم..إن التجاهل الكامل لما يكتبون أو ما يتحدثون عنه سيبقى هو الأسلوب الأنجع لمواجهة ذلك الخطاب والحد من انتشاره واتساع تداوله.

نعم لقد وجد أصحاب الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج في العقد الأخير دعما قويا، مباشرا أو غير مباشر، مقصودا أو غير مقصود، عن وعي أو عن غير وعي، من السطلة والمعارضة والإعلام المحسوب عليها، وكذلك من مواقع التواصل الاجتماعي، وخير مثال يمكن تقديمه هنا هو الدعم المتعدد الأطراف الذي وجده زعيم حركة "إيرا"، والذي سينقلب فيما بعد على كل داعميه واحدا بعد الآخر وبمن فيهم أولئك الذين أسسوا معه حركة "إيرا". لقد وجد زعيم حركة "إيرا" ـ والذي يمكن اعتباره "رائد" الخطاب الشرائحي المتشنج في العقد الأخيرـ  دعما قويا من السلطة والمعارضة، ومن الإعلام المحسوب على الإسلاميين واليسار، ومن بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي..هذه الخلطة الغريبة التي تجمع بين السلطة والمعارضة والإعلام المحسوب على الإسلاميين واليسار، قد استغلها زعيم حركة "إيرا" أحسن استغلال، وبذكاء يحسد عليه، وكان في كل مرحلة من مراحل صعوده، وكلما شعر بأنه لم يعد بحاجة إلى جهة ما كانت قد وفرت له الدعم في مرحلة ما، انقلب على تلك الجهة وهاجمها بأحدث ما أنتج قاموسه اللفظي من عبارات السب والشتم.

لم أكن من المعارضين الذين انخدعوا في فترة ما بنضال زعيم حركة "إيرا"، وأذكر أني نشرتُ مقالا على وجه الاستعجال بُعَيد حرق الكتب الفقهية، طالبتُ فيه من المعارضة أن تستنكر بشدة حرق الكتب الفقهية، وأن تخرج في مسيرة على وجه الاستعجال تندد فيها بذلك الفعل المسىء، وتحمل في مسيرتها المسؤولية لحركة "إيرا" والنظام الحاكم. ما حدث بعد ذلك كان هو العكس تماما، فقد نددت أحزاب الأغلبية وبسرعة كبيرة بالمحرقة، وحملت المسؤولية ل"إيرا" وأحزاب المعارضة، وقام النظام الحاكم بسجن "بيرام" وبعض أعضاء الحركة لفترة من الزمن، وذلك من قبل أن يطلق سراحهم فيما بعد.عندما خرج "بيرام" من السجن وجه للمعارضة التي وقفت معه أكثر من صفعة قوية، فشارك في الانتخابات الرئاسية التي قاطعتها، وخصص كل حملته الانتخابية للهجوم على المعارضة بدلا من الهجوم على منافسيه في تلك الانتخابات.

لقد كانت مواقف أحزاب المعارضة من محرقة الكتب الفقهية مواقف سيئة جدا، وهذا ما قلته في حينه، وكان أسوأ تلك المواقف موقف حزب تواصل والذي كان يفترض فيه أن يكون من أول المنددين بحرق الكتب الفقهية.

لقد أصدر حزب تواصل في ذلك الوقت بيانا ناعما جاء فيه "أن كل كلام يؤخذ منه ويرد، وأن الملزم هو الكتاب والسنة".. بالطبع هذه حقيقة لا جدال فيها، ولكن التذكير بها في يوم حرق مجموعة من كتب الفقه المالكي له دلالته السياسية التي لا تخفى على أحد.

خلاصة هذه الفقرة هي أن العقد الأخير قد دفع برموز الخطاب الفئوي والشرائحي المتشنج، إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي والحقوقي، وبمساهمة قوية من السلطة وبعض أطراف المعارضة، والإعلام المحسوب على المعارضة. أما أصحاب الخطاب الحقوقي الناضج، مثلهم مثل أصحاب الخطاب الوطني الجامع فقد عانوا كثيرا خلال ذلك العقد، من تجاهل السلطة والمعارضة والإعلام المحسوب عليها، ومنهم من اعتزل، ومنهم من ظل يحاول أن يوصل خطابه المبحوح إلى جمهور لم يعد يهتم إلا بالخطابات المتشنجة، والمشحونة بعبارات السب والشتم والإساءة.

عن الخيط الرفيع الفاصل بين النضال الحقوقي وإذكاء الشرائحية

يقع خلط كبير عند الكثير من المهتمين بالشأن العام بين النضال الحقوقي وإذكاء النعرات الشرائحية نظرا لقوة التداخل بينهما، مع أن الفرق بينهما، وعلى الرغم من قوة التداخل، واضح وبين، وللتفريق بين النضال الحقوقي لصالح الفئات والشرائح التي عانت وما تزال تعاني من الغبن والتهميش، وإذكاء النعرات الشرائحية والفئوية، للتفريق بين هذا وذاك، فإليكم النقاط السبع التالية:

1 ـ إن النضال الحقوقي الجاد والذي يستحق الدعم من الجميع، هو ذلك النضال الذي يدافع عن حقوق المهمشين والمغبونين دون أن يسيء أصحابه إلى الشرائح والمكونات الأخرى في المجتمع. أما الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج، والذي يجب أن يرفضه الجميع، فهو ذلك الخطاب الذي يسيء أصحابه إلى شرائح ومكونات أخرى بحجة الدفاع عن المغبونين والمهمشين من فئات وشرائح معينة.

2 ـ لا أظن أن هناك أي خلاف على أن الأنظمة التي حكمت هذه البلاد خلال الفترات الماضية قد فشلت في إحداث تنمية في هذه البلاد..فشلت في التعليم والصحة ومكافحة الفقر والتشغيل ومحاربة الرق والترقية الاجتماعية...إلخ.

إن طبيعة النظرة إلى هذا الفشل المتراكم هي التي تفرق بين أصحاب الخطاب الحقوقي الجاد، والساعين إلى الفتنة من خلال إذكاء النعرات الشرائحية والفئوية، فأصحاب الخطاب الحقوقي الجاد ينظرون إلى الفشل في القضاء على مخلفات الاسترقاق وإحداث ترقية اجتماعية في المجتمع على أنه مجرد وجه من أوجه الفشل المتعددة للأنظمة المتعاقبة، وهو لا يختلف عن الفشل في التعليم أو الصحة أو التشغيل أو الزراعة ...إلخ. أما أصحاب الخطاب الفئوي والشرائحي الساعي إلى إحداث الفتنة، فهم ينسون كل أوجه فشل الأنظمة المتعاقبة، ويركزون فقط على الفشل في محاربة آثار الاسترقاق والترقية الاجتماعية، ويعتبرون ذلك الفشل فشلا مخططا له، وأنه  نتيجة حتمية لعنصرية تلك الأنظمة ودولة "البيظان".

3 ـ إن من النقاط التي يمكن أن نفرق من خلالها بين يناضل حقوقيا بشكل جاد ومن يسعى إلى إذكاء النعرات الشرائحية هو أن الأول يضع مصالح من يناضل من أجلهم على أعلى القائمة، ثم تأتي مصالحه الشخصية من بعد ذلك، وقد لا تأتي. أما من يسعى لإذكاء الفتنة الشرائحية، فهو لا يفكر في مصالح شريحته ولا فئته ولا وفي مصالح وطنه، وإنما يفكر فقط في مصلحته الخاصة، ولا شيء غير مصلحته الخاصة، ولكم أن تتأملوا حال أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية المتشنجة، فإن تأملتم حالهم، فستجدون ما يدعم قولي هذا.

4 ـ إن أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية المتشنجة، لا يبحثون إلا عن مصالحهم الخاصة، وهذا ما قلناه في النقطة السابقة، ولذا فستجدون مطالبهم تنحصر أساسا في المحاصصة على مستوى الوظائف، ومن النادر جدا أن تجدهم يتحدثون عن تنمية قطاعية قد تفيد الشريحة أو الفئة التي يرفعون راية النضال باسمها. لا حديث لهم عن تطوير الصناعة التقليدية مثلا، ولاعن الاهتمام بالزراعة الموسمية، أو باليد العاملة، أو بالتعليم والصحة في المناطق الهشة، والاهتمام بمثل هذه الأمور هو ما سيفيد بالفعل الشرائح والفئات التي يدعون النضال باسمها.

إنهم يبحثون فقط عن وظائف وعن امتيازات شخصية على حساب الشريحة أو الفئة، ومن المعروف أن منح وظيفة أو امتياز لشخص ما لن يفيد فئته أو شريحتة أو جهته. فبماذا استفادت إحدى شرائح مجتمعنا من تولي أحد أبنائها رئاسة البرلمان الموريتاني؟

لم تستفد تلك الشريحة من ذلك، وكل ما حدث هو أن المعني شيد قصرا على هضبة مرتفعة، وأخذ ينظر باستعلاء إلى ساكنة المدينة التي شيد بها ذلك القصر، ونسي تماما معاناة أبناء شريحته، وظل ذلك هو حاله إلى أن فقد رئاسة البرلمان مع كل الامتيازات التي كان يحظى بها.

إن من يتأمل حال هذه البلاد ـ وهذه فقرة قصيرة لأصحاب الخطاب الجهوي المتشنج ـ  سيجد أن المدينة الأكثر بؤسا في وطننا هي تلك المدينة التي تتميز بأنها هي المدينة الوحيدة في موريتانيا التي تولى اثنان من أبنائها الرئاسة، ثم إن المدينة الأكثر معاناة في موريتانيا هي عاصمة الولاية التي احتكرت منصب الوزير الأول لربع قرن تقريبا. أما الولاية التي حكم أحد أبنائها لأكثر من عقدين من الزمن فإنها تعاني اليوم من كل أشكال البؤس والمعاناة. هذه مجرد أمثلة سريعة تؤكد أن تنمية أي منطقة معينة وترقية أي شريحة أو فئة لن يتحقق إطلاقا بتعيين شخص ما من تلك الشريحة أو الفئة وتقديم امتيازات خاصة له .

5 ـ  من الفوارق الأخرى بين النضال الحقوقي الجاد وإذكاء النعرات الشرائحية أن المناضل الحقوقي الجاد لا مشكلة لديه مع العلماء والمقدسات الدينية، أما أصحاب الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج فيبدو أن لديهم أكثر من مشكلة مع العلماء والثوابت الدينية، ولذا فهم يسارعون دوما إلى الإساءة إلى العلماء، وإلى كل ما له صلة بقيمنا الدينية، فلم يسلم من إساءاتهم العالم والشيخ الجليل الزاهد في الدنيا، والذي عاش كل حياته في شبه عزلة تامة الحاج ولد فحفو رحمه الله، ولم يسلم منهم الداعية الكبير محمد ولد سيدي يحيى الذي تفرغ للدعوة والتعليم، ولم ينافس أحدا على مال أو جاه، ولم يسلم من إساءاتهم بقية العلماء والدعاة.

6ـ ويمكن أن نفرق أيضا بين من يناضل حقوقيا ومن يسعى إلى إذكاء النعرات الشرائحية والفئوية بخطاباته المتشنجة، هو أن خطاب الطائفة الأولى يسعى لاستقطاب الجميع، أما خطاب الطائفة الثانية فهو يقوم على الإساءة إلى الجميع، مع محاولة تحميل المسؤولية فيما تعاني منه بعض الشرائح والفئات إلى جهة واحدة أو مكونة واحدة من مكونات المجتمع. وللأسف فقد ساعدت هذه "التهمة الجاهزة" دائما وأبدا في ظهور خطابات عنصرية ومتشنجة تحاول أن تدافع عن "الشريحة المتهمة" بنفس الأسلوب المتشنج الذي يستخدمه الساعون إلى إذكاء النعرات الشرائحية والفئوية من أبناء الفئات والشرائح المهمشة.

إنه لمن الظلم البين أن نحمل شريحة واحدة من شرائح المجتمع كل ما تعاني منه الشرائح والمكونات الأخرى. إن الكثير من أبناء هذه "الشريحة المتهمة" يعاني من الفقر والبؤس والتهميش، ومع ذلك فقد يحمله البعض من دعاة الشرائحية والفئوية المسؤولية الكاملة فيما تعاني منه بقية شرائح ومكونات المجتمع من معاناة!! المستفز في الأمر أن من يحمله ذلك من أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية المتشنجة قد يكون يعيش في نعيم يحسده عليه الكثير من أبناء "الشريحة المتهمة" دائما وأبدا، بكل ما حصل ـ وما سيحصل ـ في هذه البلاد من مصائب.

إن الاستمرار في تحميل كل مشاكل البلد لشريحة واحدة من المجتمع، هو الذي جعل بعض أبناء تلك الشريحة يحاول في الفترة الأخيرة أن يستنسخ خطابا شرائحيا متشنجا يدعي من خلاله أنه يدافع به عن شريحته التي تتعرض لاتهامات بلا أول ولا آخر. وإذا ما استمر الحال على هذا الحال، فلن يكون غريبا أن ينمو الخطاب الشرائحي والفئوي المتشنج داخل هذه الشريحة، وقد بدأ شيء من ذلك يحدث.

أختم هذه الفقرة بتقديم مثال سريع عن أحد الذين يناضلون بشكل جاد ومسؤول عن إحدى شرائح المجتمع، ومع ذلك فلم يجد ـ مثله مثل كل صاحب خطاب حقوقي جاد ـ  من يسوقه إعلاميا ولا من يرشحه انتخابيا.

يعدُّ محمد يحيى ولد عبد الرحمن من أوائل الذين رفعوا شعار "أمعلم وافتخر"، ويشهد له الجميع أنه لم يترك أي منبر يمكن أن تطرح فيها قضية شريحة لمعلمين إلا وطرحها فيه بقوة، ويمتاز هذا المناضل الحقوقي، وهو يستحق أن يوصف بذلك، بأنه لم يسئ في أي يوم من الأيام لأي شريحة أو مكونة أخرى، وأنه من أكثر المدافعين عن العلماء والثوابت الدينية في مواقع التواصل الاجتماعي.

عن المجاملة السياسية والكيل بمكيالين

سأحاول في هذه الفقرة من الورقة الكاشفة أن أقدم مثالين من بين أمثلة أخرى كثيرة لا يتسع المقام لبسطها ولا لتعدادها، أول المثاليين سيعطيكم صورة  واضحة عن المستوى المقلق الذي وصل إليه الكيل بمكيالين عند بعض الأحزاب السياسية، والمثال الثاني سيعطيكم صورة لا تقل وضوحا عن الصورة الأولى تبين لكم ماذا يمكن أن تفعل المجاملة السياسية بالأحزاب، وإلى أي مدى يمكن أن تنحرف الأحزاب عما كان متوقعا منها بسبب مبالغتها في المجاملة السياسية.

بخصوص الكيل بمكيالين فإليكم هذا المثال الذي كنتُ قد قدمته في وقت سابق.

في مقاطعة "أنبيكت لحواش"، وفي يوم 16 مارس 2019 تسبب إطلاق نار من طرف جندي موريتاني في وفاة شيخ مسن (80 عاما)، وفي قرية "ويندنيك" التابعة لمقاطعة "أمبان"، وفي يوم 28 مايو 2020 تسبب إطلاق نار من طرف جندي موريتاني آخر في وفاة شاب ثلاثيني.

دعونا نجري مقارنة سريعة بين هاتين الحادثتين الأليمتين:

من حيث التوقيت : حادثة أمبان وقعت ليلا (الساعة التاسعة) وفي فترة حظر بسبب كورونا، أما حادثة انبيكت لحواش فقد وقعت في وضح النهار.

في حادثة أمبان كان الأمر يتعلق بمطاردة مجموعة من المهربين حسب بيان الجيش، وفي حادثة انبيكت لحواش فكان الأمر يتعلق بشيخ أعزل يبحث عن قطيع سائم.

عن ردود الفعل السياسية على الحادثتين الأليمتين:

في حادثة أنبيكت لحواش لم يصدر على الإطلاق أي بيان من أي حزب سياسي، ومرت الحادثة وكأن شيئا لم يكن، وفي حادثة أمبان أصدر كل من حزب تواصل واتحاد قوى التقدم والتكتل وإيناد بيانات منددة بالحادثة، وكان ذلك بعد ساعات قليلة من نشر خبر عنها.

كان حزب تواصل هو أول حزب يصدر بيانا منددا بالحادثة، على الأقل كان هو الأول من حيث توقيت النشر، وقد وصف الحزب العملية بأنها تتعلق "بمقتل مواطن موريتاني رميا بالرصاص"، وقد عبر من خلال البيان بأنه "يدين بشدة هذا الفعل البشع الذي يظهر فيه استخدام مفرط لقوة"، وقد دعا الحزب في بيانه " كل الموريتانيين إلى رص الصفوف ووحدة الكلمة واستحضار الأخوة الإسلامية في وجه دعاة التفرقة".

ولكم أن تسألوا بأي منطق تتم إدانة إطلاق جندي للرصاص ليلا على شاب كان رفقة مجموعة في زورق  في فترة حظر تجوال، ولا تتم إدانة إطلاق جندي آخر للرصاص على شيخ في وضح النهار، كان يبحث عن قطيع سائم؟ 

أما بخصوص المجاملة السياسية، فسنقدم مثالا يبين كيف جعلت المجاملة السياسية حزبا كبيرا كتواصل يتجاهل ـ وبشكل كامل ـ  واحدة من أهم القضايا التي كان يجب عليه أن يكون أول المدافعين عنها..سنبين ذلك من خلال طرح بعض الأسئلة وتقديم أجوبة عليها.

سؤال : ما هو الحزب الذي يفترض فيه أن يكون أول المدافعين عن اللغة العربية في موريتانيا؟

جواب : في اعتقادي أنه حزب تواصل، وذلك لأنه أولا حزب إسلامي، واللغة العربية ـ وكما هو معروف ـ هي لغة القرآن والسنة النبوية والفقه الإسلامي، وثانيا لأن جماهيره هي من أكثر جماهير الأحزاب السياسية تضررا من سيطرة اللغة الفرنسية في الإدارة والتعليم.

سؤال : ما هو الحزب الذي لم يصدر في كل تاريخه أي بيان يندد بتهميش اللغة الرسمية في الإدارة، ولم يطرح أي نائب من نوابه سؤالا شفهيا أو مكتوبا عن تهميش اللغة العربية في الإدارة؟

جواب : كل أحزاب المعارضة تقريبا، وعلى رأسها حزب تواصل.

لا يوجد أي تفسير يمكن أن نفسر به عدم دفاع حزب تواصل عن اللغة العربية، سوى أن المجاملة السياسية التي يتعامل بها الحزب مع بعض أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية المتشنجة هي التي جعلت الحزب لا يندد بتهميش اللغة العربية، ولا يدافع عنها.

ومن المفارقات اللافتة أن الأمين التنفيذي للإعلام والاتصال في الحزب، وهو من الذين يتفاعلون بشكل دائم مع قضايا الشأن العام  من خلال حسابه على الفيسبوك، نشر منذ أيام قليلة منشورات تنتقد بشدة السلطة والنخبة على تقصيرها في حق لغاتنا الوطنية، وكان ذلك على هامش وقفة تم تنظيمها أمام البرلمان. اللافت في الأمر أن أرشيف حساب الأمين التنفيذي للإعلام في الحزب لا يوجد به  منشور واحد يتحدث عن تهميش اللغة العربية في الإدارة.

إن الدفاع عن اللغة الرسمية واللغات الوطنية هو واجب الجميع، ولكن من حيث ترتيب الأولويات فإن الدفاع عن اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، يجب أن يسبق الدفاع عن أي لغة وطنية أخرى.

وتبقى توضيحات وتوصيات في ختام هذه الورقة الكاشفة

من التوضيحات التي يجب التنبيه إليها هي أن هذه الورقة تحدثت بالأساس عن حزب تواصل، ويعود ذلك إلى سببين اثنين: أولهما أن ما يجري الآن في تواصل هو حديث الساعة، وثانيهما أن حزب تواصل هو الحزب الأكثر مؤسسية في هذه البلاد، وهو حزب يعول عليه كثيرا، ولذا فلا غرابة إن وجه إليه من النقد أضعاف ما يوجه للأحزاب الأخرى.

التوضيح الثاني هو أني لم أتحدث في هذه الورقة عما تعاني منه بعض شرائح وفئات المجتمع من غبن وتهميش، ويوجد من ذلك الشيء الكثير، والسبب هو أني كنتُ قد تحدثت في مناسبات كثيرة عن ذلك، كما أن ذلك الغبن والتهميش هو موضوع حديث مستمر ولا يتوقف أبدا، ويكفي أن رئيس الجمهورية قد تحدث عنه وبشكل صريح في خطاب وادان. لقد ارتأيت أن أتحدث في هذه الورقة عن جوانب أخرى من الموضوع لا تجد في الغالب الأعم من يتحدث عنها.

وبخصوص التوصيات، فإليكم هذه التوصيات الثلاث:

1 ـ  ضرورة تكاتف جهود الجميع من أجل القضاء على  كل مظاهر الغبن والتمييز الذي تعاني منه بعض شرائح المجتمع؛

2 ـ ضرورة تكاتف جهود الجميع في مواجهة كل الساعين إلى إذكاء النعرات الشرائحية  والقبلية والفئوية والجهوية؛

3 ـ الصرامة في تطبيق القانون في حق كل من يسعى إلى المساس بالوحدة الوطنية والانسجام المجتمعي.     

  

حفظ الله موريتانيا...