الثلاثاء، 26 يناير 2021

بكل وضوح !

 


تصلني ـ من حين لآخر ـ ملاحظات وتعليقات من بعض القراء والأصدقاء تدور في مجملها حول علاقتي بالنظام القائم، ومن بين القراء والمتابعين من أصبح يعتبرني ناطقا رسميا باسم النظام.

إن الرد على هذه الملاحظات والتعليقات يستدعي عرض ثلاث خلاصات توصلتُ إليها بعد طول تأمل في مجريات الأحداث خلال السنتين الأخيرتين، وهذه الخلاصات الثلاث هي التي تحدد اتجاه وطبيعة موقفي من النظام القائم.

الخلاصة الأولى : إن أي متابع فطن لما جرى من أحداث سياسية في السنة الأخيرة من حكم الرئيس السابق، ولما جرى من أحداث بعد ذلك في السنة الأولى من حكم الرئيس الحالي سيدرك دون عناء أن أهم استنتاج يمكن الخروج به هو أن الرئيس الحالي دون غيره، هو من كان بإمكانه أن يحقق تناوبا آمنا على السلطة، وذلك نظرا لبعض الصفات الشخصية التي يتمتع بها ونظرا كذلك لطبيعة علاقته الخاصة بالرئيس السابق. ومن المعلوم بداهة لكل من يُتابع ما يجري في بعض دول المنطقة من فتن وعدم استقرار أن التناوب الآمن على السلطة قد أصبح في حد ذاته وفي زماننا هذا مكسبا شعبيا ثمينا، بل وثمينا جدا.

يمكنني أن أجزم هنا، بناءً على قراءات وتحليلات أراها موضوعية، أنه لو قُدِّر لشخص آخر غير الرئيس الحالي أن يتولى السلطة من بعد الرئيس السابق، لكنا اليوم قد عدنا إلى المربع الأول، وفي أحسن الأحوال، لكنا نعيش أزمة سياسية بالغة التعقيد.

الخلاصة الثانية: إن بلدنا كغيره من البلدان المشابهة بحاجة إلى رئيس قادر على أن يتحول به من ديمقراطية تتحكم فيها المؤسسة العسكرية إلى ديمقراطية تتحكم فيها القوى المدنية. وفي اعتقادي الشخصي فإن الرئيس الحالي هو الأكثر تأهيلا لقيادة هذه المرحلة التي تحتاج إلى تطبيع العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية من أجل انتقال آمن من الديمقراطية التي تتحكم فيها المؤسسة العسكرية إلى الديمقراطية التي تتحكم فيها القوى المدنية. إننا في هذه البلاد لسنا بحاجة إلى تكرار تجربة مشابهة لما حدث في مصر في عهد الراحل محمد مرسي، أو لما حدث هنا في عهد الرئيس الراحل سيدي ولد الشيخ عبد الله.

الخلاصة الثالثة : إن المتأمل في حال المعارضة اليوم، وكذلك في حال الأغلبية سيدرك دون مشقة أن البديل غير جاهز في الوقت الحالي ، وأنه في حالة فشل النظام القائم لا قدر الله، فإن البلاد ستدخل في نفق مظلم مفتوح على كل الاحتمالات السيئة.

 بعد استحضار هذه الخلاصات الثلاث تظهر مدى الحاجة إلى اتخاذ موقف غير متسرع من النظام القائم، موقف نابع من رؤية إستراتيجية تستحضر الماضي وتتطلع إلى مستقبل "متحكم فيه". ومن هنا يكون الموقف الأسلم بالنسبة لشخص مثلي مهتم بالشأن العام، وليست لديه انتماءات حزبية تتحكم في خياراته ومواقفه السياسية، هو ذلك الموقف القائم على المرتكزات التالية:

1 ـ دعم وتثمين أي خطوة إصلاحية يقوم بها النظام القائم، على أن لا يكون ذلك الدعم بالأساليب المبتذلة التي تعودنا عليها عند الكثير من داعمي الأنظمة الحاكمة في هذه البلاد؛                                

2 ـ تبيان أماكن الخلل وتوجيه النقد كلما كانت هناك ضرورة لذلك، ولكن هذا النقد سيبقى محكوما بضوابط محددة، فهو لا يهدف إلى تعرية النظام القائم ولا إلى إظهاره بمظهر النظام العاجز، فالخلاصات الثلاث التي تقدمتُ بها في بداية هذا المقال تمنعني من ممارسة أي نقد من ذلك النوع. إن النقد الذي أتبناه في هذه الفترة من تاريخ البلد هو ذلك النقد الهادف فقط إلى لفت الانتباه إلى أماكن الخلل والتقصير من أجل تصحيحها ومعالجتها؛

 3 ـ الاستعداد التام للوقوف ضد "الجناح المفسد" في النظام، مع الاستعداد التام لدعم الجناح الإصلاحي في هذا النظام، ولكل نظام جناحه إصلاحي، ولكن المشكلة التي تتكرر دائما هي أن الجناح الإصلاحي يكون في أغلب الأحيان أقل حيوية وأقل قدرة على التنسيق، على العكس من "الجناح المفسد" الذي يمتلك في أغلب الأحيان روح المبادرة، مع خبرة وحيوية، وقدرة كبيرة على التنسيق والعمل المنظم.   

تلكم هي المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها موقفي الحالي، وأرجو أن تكون البوصلة التي تحدد اتجاه هذا الموقف هي بوصلة المصلحة العامة، لا المصلحة الشخصية، وأرجو أن أكون ممن يضع المصلحة العامة لموريتانيا فوق مصالحه الخاصة.

أما بالنسبة لأولئك الذين يكررون القول دائما بأن هذا التغير الحاصل في الموقف، إنما هو نتيجة للبحث عن "وظيفة ما ". لهؤلاء أقدم هذه المعلومة : لم يتركني فخامة الرئيس ألجأ لهذا النوع من الكتابة، فقد استدعاني في أسبوعه الأول في القصر الرئاسي وعرض علي وظائف سامية، وأنا هو من اعتذر عن تلك الوظائف بحجة أنها تفرض على من يمارسها التوقف عن الكتابة في الشأن العام والانسحاب من العمل الجمعوي. لا يعتبر هذا الكلام اعتذارا عن العمل مع النظام القائم، فأنا أعمل معه حاليا ويشرفني ذلك، ولكن في مهام لا تتعارض مع الحق في التعبير عن الرأي، ولا تمنع من ممارسة العمل الجمعوي.

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 24 يناير 2021

عندما تهتز الصور النمطية!

 


(1)

ـ لم يحدث، ومنذُ أن بدأتُ الكتابة في الشأن العام، أن انتقدتُ موظفا حكوميا مثلما انتقدتُ الرئيس الحالي للجمعية الوطنية النائب الشيخ ولد بايه؛

ـ كنتُ من أوائل الذين حصلوا على مقطع الفيديو الشهير " متليت آن ومتلات موريتانِ"، وكان ذلك خلال مؤازرتي لحراس أزويرات، وكنتُ من الذين دونوا ونشروا العديد من المقالات عن مقطع الفيديو المذكور؛

ـ كنتُ من الذين شاركوا بقوة في حملة إعلامية شرسة ضد الرجل عندما ترشح لمقعد نائب عن مقاطعة ازويرات في انتخابات 2018، وكنتُ من الذين انتقدوا بقوة ترشيحه رئيسا للبرلمان الموريتاني.

بطبيعة الحال، ونظرا لما أوردته في النقاط السابقة، فلم يكن من الغريب أن أسيء الظن برئيس البرلمان، ولا أن أترصد أخطاءه خلال رئاسته للبرلمان..كنتُ أريد أن أجمع من أخطاء الرجل خلال رئاسته للبرلمان الموريتاني ما يدعم الصورة التي تكونت لدي عنه، وتكونت أيضا لدى أغلب المهتمين بالشأن العام. ولا أظنني أفشي سرا إن قلت لكم إن النائب ولد بايه قد فاجأني بعد انتخابه رئيسا للبرلمان بإنجازات ومواقف لم أكن أتوقعها منه.

وإذا ما استثنينا بعض الأخطاء التي تتعلق بزلات لسان، وقد كتبتُ عنها في وقت سابق، فإن أداء ولد بايه كرئيس للبرلمان فيما مضى من مأموريته كان في محصلته أداءً جيدا يستحق التثمين، ومن المواقف والإنجازات التي تحسبُ له :

ـ رفضه الحاسم للتوقيع على مبادرة النواب المطالبة بالتمديد للرئيس السابق، وقد اعتبرناها في ذلك الوقت ـ نحن الذين ننظر بعين ناقدة لأداء الرجل ـ أنها مجرد ردة فعل شخصية بسبب تبليغه بالمبادرة من طرف نواب يعملون تحت إمرته؛

ـ محاولته لأخذ نفس المسافة من نواب الأغلبية والمعارضة خلال إدارته لجلسات البرلمان وخلال تسييره للغرفة، ومثل ذلك شيء نادر، وهو ما يليق برئيس جمعية وطنية في نظام ديمقراطي؛

ـ إطلاقه لواجهة إعلامية تليق بمكانة البرلمان الموريتاني (قناة البرلمانية؛ موقع على الانترنت وصفحة على الفيسبوك)؛

ـ تسييره المقبول للموارد المالية للجمعية الوطنية على العكس مما كان يحصل في الماضي؛

ـ ويبقى إنجازه الأهم ـ والذي لم يكن متوقعا منه ـ هو إصراره الشديد رغم معارضة قوية من بعض النواب على أن تكون اللغة الرسمية واللغات الوطنية هي اللغات المستخدمة حصرا في البرلمان الموريتاني. لقد بذل رئيس البرلمان جهودا كبيرة في هذا المجال، فاكتتب مترجمين من وإلى اللغات الوطنية، وأعطى مساحة واسعة في قناة البرلمانية للغاتنا الوطنية، فأصبحت كل الجلسات تنقل بكل لغاتنا الوطنية، الشيء الذي أتاح للموريتانيين بمختلف مكوناتهم أن يتابعوا كل مداخلات الوزراء والنواب في الجلسات البرلمانية.

(2)

ـ لم يحدث في المقابل، ومنذ أن بدأتُ اهتم بالشأن العام، أن ناصرتُ موظفا حكوميا مثلما ناصرتُ وزير الصحة الحالي الدكتور نذيرو ولد حامد؛

ـ كنتُ من أوائل أولئك الذين سارعوا في إطلاق الوسوم (الهاشتاكات) ونظموا الوقفات ونشروا التدوينات والمقالات دعما لوزير الصحة ولإصلاحاته الموعودة؛

ـ  في السادس من نوفمبر 2019 نشرتُ على حسابي في الفيسبوك هذه الرسالة المختصرة جدا، والموجهة إلى وزير الصحة، والتي تقول: " يمكن أن تعتبرني جنديا خلفك، وعلى استعداد كامل لأن أقاتل معك حتى آخر لحظة في معركة الإصلاح التي قررت أن تخوضها..سأبقى جنديا خلفك ما دمت مصرا على خوض معركة إصلاح القطاع.

ـ لقد أطلقتُ ذلك التعهد وكنتُ صادقا فيه، ولقد عملتُ خلال أشهر بمضمون تلك الرسالة، فكنتُ أشيد بقوة بكل ما يمكن اعتباره انجازا للوزير، وإذا ما اطلعتُ على ما يمكن اعتباره إخفاقا أو تقصيرا أقوم بإرساله في رسالة خاصة إلى معالي الوزير ودون نشره، وذلك حتى لا أشوش على "جهوده الإصلاحية"؛

ـ كنتُ أتوقع بالفعل نجاح الوزير في جهوده الإصلاحية، وذلك رغم إدراكي لصعوبة إصلاح قطاع فاسد كقطاع الصحة، وكان ذلك التفاؤل ناتج عن أربع نقاط قوة يمتلكها الوزير، فهو طبيب ميداني يعرف القطاع، ولديه رؤية إصلاحية للقطاع حسب ما كان يقول، ومدعوم شعبيا، هذا فضلا عن كونه يتمتع ـ كغيره من الوزراء ـ  بصلاحيات واسعة منحها له رئيس الجمهورية، ولكي تدركوا حجم الصلاحيات الممنوحة للوزير فعليكم فقط أن تتذكروا كيف أغلقت ـ وفي غمضة عين ـ عشرات الصيدليات التي يملكها متنفذون، ودون أن تنطح شاة شاة؛

ـ للأسف لم يركز الوزير على الأهم ثم الأهم فبدأ بفرض التباعد على الصيدليات، وأضاع في ذلك جهدا ووقتا ثمينين، كان يجب أن يخصصهما لما هو أهم وأكثر أولوية من تباعد الصيدليات الذي كانت نتائجه سلبية (نقص في بعض الأدوية؛ حصول مشقة إضافية  لمرافقي المرضى الفقراء الذين لا يمتلكون سيارات، والذين قد يحتاجون لشراء دواء في وقت متأخر من الليل..)

ـ بعد أشهر قليلة تراجع التفاؤل، وبدأت أخطاء الوزير تتكشف لي ولغيري من داعميه، فما كان مني إلى أن نشرتُ في يوم 20 مايو 2020 مقالا تحت عنوان "هل سيصحح وزير الصحة أخطاءه؟". كان ذلك المقال بمثابة أول نقد علني للوزير في فضاء عام، وكان محاولة من مشفق للفت انتباه معالي الوزير إلى أخطائه، وذلك لكي يبدأ في تصحيحها من قبل فوات الأوان؛

ـ إني أدرك جيدا أن وباء كورونا قد أربك وزارات الصحة في كبريات دول العالم، وأدرك كذلك أن الوزير يعمل في ظروف صعبة جدا، ولكن كل ذلك لن يمنعني من القول بأن الوزير قد أضاع فرصا ثمينة لن تتكرر، ولعل أثمنها ذلك التعاطف الشعبي الكبير الذي حظي به، والذي لا أظن أنه قد حظي به وزير من قبله. هذا التعاطف الشعبي الواسع تحول اليوم إلى سخط شعبي، وتحولت بذلك وقفات التضامن مع الوزير أمام وزارة الصحة إلى وقفات تطالب باستقالته.

(3)

لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما تغيرت مواقفي، فقد كان من الطبيعي جدا أن انتقد العمدة ولد بايه خلال فترة مناصرتي لحراس ازويرات، وكان من الطبيعي جدا أن أدعم الدكتور نذيرو عندما بدأ يتحدث عن رؤية إصلاحية للقطاع بعد تعيينه وزيرا للصحة. لستُ نادما على أي شيء من ذلك، ففي تلك الفترات كانت تلك المواقف هي المواقف السليمة حسب وجهة نظري المتواضعة.

لستُ نادما على تلك المواقف، ولكن النزاهة الفكرية والموضوعية تقتضيان اليوم أن انتقد بقوة وزير الصحة، وذلك بعد أن تضامنتُ معه بقوة لأشهر . كما تقتضيان أيضا أن أنصف رئيس البرلمان الذي كنتُ قد انتقدته بقسوة خلال السنوات الماضية. 

حفظ الله موريتانيا...

الخميس، 14 يناير 2021

إعلاميا : لا شيء تحقق لصالح الفئات الهشة!


 يمكن القول بأن من أهم ملامح هذا العهد: التهدئة السياسية والاهتمام بالفئات الهشة. وإذا كان الملمح الأول قد وجد حظه من التسويق الإعلامي، ويرجع الفضل في ذلك بالأساس إلى المعارضة ، فإن الملمح الثاني ـ والذي غابت عن تسويقه المعارضة لأسباب مفهومة ـ  لم يجد أي اهتمام إعلامي يذكر، الشيء الذي يؤكد أن الذراع السياسي والإعلامي للنظام الحاكم يعاني من عجز بَيِّن.

هناك إنجازات هامة تحققت على أرض الواقع لصالح الفئات والهشة والعمال، ولكن هذه الإنجازات الهامة التي تحققت في ظرفية صعبة جدا (جائحة كورونا) ظلت غائبة بشكل شبه كامل عن التداول الإعلامي وعن أحاديث المواطنين، ومن هذه الإنجازات يمكننا أن نذكر:

ـ  زيادة المعاش الأساس بنسبة 100% لجميع المتقاعدين؛
ـ  مضاعفة معاش أرامل المتقاعدين واستفادتهن من التأمين الصحي؛
ـ صرف معاشات التقاعد شهريا؛
ـ تعميم علاوة الطبشور لتشمل كل مديري المدارس الأساسية والمؤسسات الثانوية، وصرفها على مدى اثني عشر شهرا بدلا من تسعة أشهر فقط؛
ـ مضاعفة علاوة البعد؛
ـ زيادة علاوة التأطير بالنسبة لمفتشي التعليم الأساسي والثانوي والفني، بمبلغ 10 آلاف أوقية قديمة؛
ـ زيادة رواتب عمال الصحة بنسبة 30%، وتعميم علاوة الخطر عليهم؛
ـ زيادة التكفل بحصص التصفية لفائدة مرضي الفشل الكلوي المعوزين بنسبة 50%، واستفادتهم من تحويلات نقدية شهرية بمبلغ 15.000 أوقية قديمة؛
ـ تأمين الضمان الصحي لذوي الاحتياجات الخاصة؛
ـ  صرف تحويلات نقدية شهرية بمبلغ 20.000 أوقية قديمة للأطفال متعددي الإعاقات؛

ـ تحمل الدولة لفواتير الماء والكهرباء عن الأسر الفقيرة لمدة شهرين؛

ـ توزيعات نقدية على دفعتين : الأولى كانت لصالح 186293 أسرة فقيرة بقيمة إجمالية تصل إلى 4 مليار و191 مليون أوقية قديمة، والثانية بمبلغ يصل إلى 4 مليار و725 مليون أوقية قديمة لصالح 210 ألف أسرة فقيرة؛

ـ تحمل الدولة عن المواطنين في القرى كافة، تكاليف المياه القروية طيلة بقية السنة؛

ـ تحمل الدولة عن أصحاب المهن والأنشطة الصغيرة ولمدة شهرين، كافة الضرائب البلدية؛

ـ تحمل الدولة عن أرباب الأسر العاملين في قطاع الصيد التقليدي، كافة الضرائب والأتاوات المترتبة على هذا النشاط خلال العام 2020؛

ـ منح راتب إضافي و80% من راتب ثان لصالح عمال اسنيم؛

ـ إقرار علاوات على رواتب الأسلاك العسكرية والأمنية؛

ـ دمج 100 ألف أسرة في نظام التأمين الصحي (حوالي 620 ألف مواطن)

إن هذه الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع خلال فترة صعبة جدا، لم تجد من التسويق الإعلامي ما تستحق، الشيء الذي يؤكد أن الذراع الإعلامي للنظام يعاني من ضعف واضح. هذا الضعف الذي ظهر بشكل بين في فترة مريحة إعلاميا تطبعها التهدئة السياسية التي تساعد على عمليات التسويق الإعلامي، إن دل على شيء إنما يدل على أن الضعف سيكون أوضح عندما تنتهي الهدنة السياسية، ويقترب موعد الانتخابات الشيء الذي سيجعل المعارضة تبدأ في حملات إعلامية قوية ضد النظام.

إن هذا العجز البين للذراع الإعلامي للنظام، والذي ظهر مبكرا وفي وقت مريح إعلاميا، يستوجب إعادة النظر في هذا الملف، وذلك من قبل الدخول في المرحلة الأصعب إعلاميا على النظام، والتي أظلنا زمانها.

إن النظام الحاكم، أي نظام حاكم، بحاجة إلى أمرين أساسيين: أولهما إنجازات ملموسة على الأرض، وثانيهما تسويق تلك الإنجازات للرأي العام، وأي خلل على مستوى الإنجازات أو تسويقها سينعكس سلبا على أدائه.     

حفظ الله موريتانيا...

السبت، 9 يناير 2021

لماذا لا نفكر في تدوير النفايات؟

 


يطرح مكب تيفيريت مشكلة حقيقية للحكومة الموريتانية، خاصة بعد أن صدر حكما قضائيا بإغلاقه. لقد أصبح من اللازم إغلاق هذا المكب وإنشاء مكب آخر أو التفكير في حلول إبداعية للتعامل مع القمامة قد تغني عن إنشاء مكب جديد، أو تقلل ـ على الأقل ـ من الضغط على أي مكب جديد يتم إنشاؤه.

كما هو معلوم للجميع فقد أحيل ملف القمامة خلال العقدين الأخيرين إلى عدة جهات (بلديات؛ شركة أجنبية؛ رجال أعمال؛ حملات حكومية وتدخلات موسمية للجيش)، ولكن في المحصلة النهائية فإن كل هذه  المحاولات لم تأت بنتيجة تذكر.

تمثلت المحطة الأخيرة في هذا الملف إلى إحالته لشركة تدعى "الشركة الموريتانية لمعالجة النفايات"، ومن يسمع بتسمية هذه الشركة سيعتقد للوهلة الأولى أنها تمارس الحد الأدنى من معالجة النفايات، والحقيقة أنها لا تمارس أي نوع من أنواع معالجة النفايات، وإنما تكتفي فقط بجمع القمامة ونقلها بطرق بدائية، ثم رميها من بعد ذلك بطرق أكثر بدائية في مكب تيفيريت الشيء الذي زاد من معاناة أهلنا في تيفيريت وفي القرى المجاورة.

أذكر أني كتبتُ منذ عقد ونصف عن قمامة العاصمة، ومن قبل أن يتم التعاقد مع شركة "بيزورنو"، وقد دعوتُ حينها ـ ومن خلال رسالة مفتوحة موجهة إلى الرئيس ـ إلى إنشاء شركة لشراء القمامة من المواطنين، ففي اعتقادي أنه لما تتحول القمامة إلى سلعة تباع وتشترى فإنها ستختفي من شوارع العاصمة كما اختفت الخردة، وكما اختفت مواد البلاستيك الصلبة.

إن العمل بمقترح من هذا القبيل سيساعد في:

1ـ تغيير سلوك وعقلية المواطن الموريتاني، وهذا شرطٌ ضروري لضمان نظافة العاصمة، فمن شأن هذا المقترح أن يدفع المواطن إلى جمع القمامة من الشارع بدلا مما كان متعودا عليه أي رميها في الشارع؛

2ـ النظر إلى القمامة باعتبارها "ثروة وطنية" يمكن أن تتحول إلى مصدر للدخل بدلا من النظر إليها باعتبارها تحديا ومشكلة لا يمكن حلها؛

3ـ تحويل القمامة إلى مورد اقتصادي لا يستفيد منه إلا الفئات الأكثر فقرا، على عكس مما هو قائم الآن، حيث تعود الاستفادة الكبرى لرجال الأعمال الذين تم التعاقد معهم لتنظيف العاصمة؛

4 ـ العمل على حل مشكلة من خلال التخفيف من مشكلة أخرى، فأهمية هذا المقترح تكمن في كونه سيحل مشكلة القمامة من خلال المساهمة في حل مشاكل أخرى ذات صلة بالفقر والبطالة في الأوساط الأكثر فقرا.

تحصل الشركة الموريتانية لمعالجة القمامة على 12.50 أوقية قديمة عن كل كيلو قمامة تجمعه وتنقله إلى مكب تيفيريت، وتتهم هذه الشركة بزيادة الوزن في بعض الأحيان من خلال إضافة مواد أخرى، فلماذا لا يمنح هذا المبلغ لشراء القمامة من عند الفقراء، ليتولوا هم جمعها وفرزها ونقلها إلى الأماكن المخصصة لها؟

بل لماذا لا يضاعف هذا المبلغ في حالة تولى المواطنون الفقراء جمع القمامة وفرزها ونقلها، ويمكن اعتبار هذه الزيادة تدخل في إطار الإنفاق الاجتماعي الذي تقوم به الدولة لصالح الفئات الهشة والمواطنين الأكثر فقرا.

إن إنفاق مبالغ مالية أو توزيع سلات غذائية على المواطنين الأكثر فقرا دون تقديم أي جهد هو أمرٌ مهم وضروري لاشك في ذلك، وتتأكد أهميته عند تفشي الأوبئة التي تؤثر سلبا على الأنشطة الاقتصادية والتجارية كما هو حاصل الآن، ولكن ذلك لا يعني عدم وجود سلبيات لهذا النوع من الإنفاق، خاصة في مجتمع كمجتمعنا تسود فيه الاتكالية وتتجذر فيه ثقافة "لِسْعافات". من المهم جدا أن يكون هناك جهد يبذل مقابل تلك المبالغ التي توزع، ويمكن أن يكون جمع وفرز ونقل القمامة هو الوجه الأنسب للإنفاق، ذلك أن فقراء هذه البلاد لن يجدوا في جمع القمامة منافسة قوية من الأغنياء والميسورين الذين تعودوا على منافستهم، كلما كانت هناك عمليات توزيع ومنح تقوم بها الدولة لصالح الفقراء.

الآن لنعد إلى السؤال الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال: لماذا لا نفكر في تدوير النفايات؟

إن مما يشجع على التفكير في تدوير النفايات:

1 ـ أن هناك اهتماما عالميا بتدوير النفايات، وذلك لانعكاساته الإيجابية على التنمية المستدامة، ولن يكون من الصعب الحصول على تمويلات وقروض من المؤسسات والشركاء الدوليين لمشاريع من هذا القبيل يمكن تصنيفها في دائرة "الاقتصاد الأخضر"؛

2 ـ هناك مستثمرون أجانب يمكن أن يستثمروا بالشراكة مع الحكومة الموريتانية أو مع بعض رجال الأعمال الوطنيين في مجال تدوير النفايات؛

3 ـ لا توجد دراسات عن تركيبة القمامة في موريتانيا، ولكن باعتبار أن بلدنا من البلدان الفقيرة، فإن تركيبة القمامة فيه ستكون على النحو التالي:50 إلى 60 % مواد عضوية، وهذه يمكن أن تُحَول إلى سماد؛ 15 إلى 20 % بلاستيك ؛ 15% أقمشة ـ أخشاب ـ ورق ـ كرتون...إلخ؛ 10 % مخلفات معادن. كل هذه المواد قابلة للتدوير، وبتدويرها أو بتدوير كميات معتبرة منها فإن ذلك سيقلل من حجم القمامة التي لابد من طمرها.

خلاصة القول

إن شراء القمامة من المواطنين سيشكل مصدر دخل للمواطنين الأكثر فقرا والأكثر استعدادا للعمل، وهو وجه من أوجه الإنفاق الاجتماعي للدولة، ومن هنا تبرز أهميته، خاصة وأنه سيساعد في تنظيف عاصمة عانت في الماضي وما تزال تعاني من انتشار القمامة. كما أن التفكير في إقامة مصانع لمعالجة وتدوير القمامة هو كذلك أمرٌ قد أصبح من الضروري جدا التفكير فيه.

حفظ الله موريتانيا...

السبت، 2 يناير 2021

فكرة جيدة وإخراج غير موفق!

 


بثت قناة الموريتانية مع مطلع العام الجديد برنامجا حواريا تحت عنوان " 2020 ـ 2021: الإنجازات، التحديات والتطلعات"، وقد جمع هذا البرنامج عددا من الوزراء مع عدد من السياسيين الذي يمثلون أهم الأحزاب  السياسية في البلاد.

لقد كانت فكرة البرنامج فكرة جديدة، فلأول مرة يجتمع عدد من الوزراء مع عدد من السياسيين من الموالاة والمعارضة في برنامج مباشر بمناسبة نهاية عام وبداية عام آخر للحديث عن الإنجازات والتحديات والتطلعات. نعم لقد كانت الفكرة فكرة جيدة، ولا شك أنها ستساهم كثيرا في تسويق "الانفراج السياسي" الذي كان من أهم ملامح هذا العهد. ومع ذلك فلابد من القول بأن "الانفراج السياسي" قد أخذ في السنة المنتهية ما يستحق من التسويق الإعلامي، والتركيز كان يجب أن يخصص مع بداية العام الجديد للبعد الاجتماعي والاهتمام بالفئات الهشة، والذي شكل هو أيضا ملمحا من ملامح السنة الماضية، ولكنه لم يجد حظه من التسويق الإعلامي، بل على العكس من ذلك فيمكن القول بأن النظام قد "ظُلم إعلاميا" في هذا الملف، وربما يعود ذلك إلى ضعف أداء الإعلام الحكومي، وإلى غياب ذراع إعلامي للنظام  قادر على التفاعل والتأثير في رأي عام أصبح أكثر مشاكسة، بفعل الحضور القوي لمواقع التواصل الاجتماعي.

نعم لقد كانت فكرة البرنامج فكرة جيدة، ولاشك أنها ستساهم في إظهار مستوى "الانفراج السياسي" الذي عرفته البلاد في هذا العهد، ولكن ذلك لن يمنع من القول بأن "الانفراج السياسي" قد وجدا حظا لا بأس به من التسويق الإعلامي، وأن الحاجة كانت أكبر لتسويق التدخلات التي قيم بها لصالح الفئات الهشة، والتي لم تجد حظها من التسويق الإعلامي، بل على العكس من ذلك فقد واجهت هذه التدخلات في بعض الأحيان حملات إعلامية مضادة اعتمدت على "معلومات" ثبت فيما بعد عدم صحتها. ومهما يكن أمر، وبغض النظر عن أهمية ترتيب الأولويات بخصوص الملفات التي كانت هي الأحوج إلى تسويق إعلامي، فإن ما يمكن قوله هنا هو أن فكرة البرنامج كانت فكرة جيدة، ومن المؤكد بأن محتوى الحلقة سيعزز من صورة "الانفراج السياسي" الذي طبع الستة عشر شهرا التي مضت من مأمورية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

نعم لقد كانت الفكرة فكرة جيدة، ولكن نقطة الضعف الكبيرة كانت في إخراجها، فإخراجها لم يكن موفقا. فما معنى أن تطلق الحكومة الحملات للتوعية ضد كورونا، وتُطالب المواطنين بالتباعد واحترام المسافة الآمنة، وتعطل صلاة الجمعة خوفا من العدوى، ثم يظهر من بعد هذا كله عدد من الوزراء والقادة السياسيين في مكان ضيق جدا لا تحترم فيه المسافة الآمنة.

لم يكن ظهور عدد من الوزراء والقادة السياسيين بهذا الشكل موفقا، وقد كان يمكن تجنب هذا الخطأ الإخراجي الفادح بتنظيم الحلقة في إحدى قاعات فنادق العاصمة التي تتيح قاعاتها إمكانية احترام المسافة الآمنة، وبثها من هناك، ما دامت استوديوهات قناة الموريتانية لا توجد بها قاعة توفر المسافة الآمنة في برنامج يستضيف عددا معتبرا من الضيوف.  

حفظ الله موريتانيا...                                    

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2020

بأي منطق تهادن المعارضة؟


 بدءا لابد من التذكير بأني لستُ ناطقا باسم المعارضة الموريتانية حتى أجيب نيابة عنها، لم أكن ناطقا باسمها في عشرية الرئيس السابق، ولن أكون ـ وبكل تأكيد ـ ناطقا باسمها في العهد الحالي. هذه مجرد وجهة نظر شخصية لمتابع للشأن العام، تحاول أن تجيب بمنطق تحليلي بحت على أسئلة يطرحها بعض الشباب المعارض، وهي أسئلة من قبيل: أين المعارضة؟ أين اختفت؟ ولماذا تهادن النظام؟

نعم هذه مجرد وجهة نظر تحليلية عن أسباب ومبررات تهدئة المعارضة، ولكنها مع ذلك تتضمن أجوبة ذات طابع شخصي على أسئلة وجهها إلي بعض الأصدقاء والمتابعين، وهي أسئلة من قبيل: لماذا توقفتَ عن نقد النظام؟ ما الذي تغير؟ لماذا لم تعد تُطالب بتخفيض أسعار المحروقات؟

(1)

إن أي متابع فطن للشأن العام لابد وأن يكون قد لاحظ أن خطاب إعلان ترشح غزواني كان خطابا مختلفا عن كل خطابات مرشحي الأنظمة، وأن حملته الانتخابية كانت أكثر اختلافا عن الحملات المعهودة لمرشحي الأنظمة الحاكمة، فلم تتضمن تلك الحملة ـ مع استثناء واحد ـ أي انتقاد مهما كان للمترشحين المنافسين. كما أن خطاب التنصيب قد جاءت فيه جملة ذات دلالة تقول : " سأكون رئيسا للجميع مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية، أو خياراتهم الانتخابية".

بعد التنصيب فُتحت أبواب القصر الرئاسي أمام المعارضين، ومُنحت لمؤسسة المعارضة وزعيمها المكانة لبروتوكولية المناسبة، وشُكلت لجنة تحقيق برلمانية ضمت نوابا من الأغلبية والمعارضة، وأصبح بالإمكان أن يرافق نائب من أكبر حزب معارض رئيس الجمهورية في زيارة لبلد شقيق.

لقد انفتح رئيس الجمهورية على المعارضة، إلى درجة أصبح فيها بعض الموالين يتساءل إن كان القصر الرئاسي لم يعد مفتوحا إلا للمعارضين؟ نعم لقد تعامل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع المعارضة بأسلوب مختلف تماما عما كان معهودا في السابق، فلماذا لا تتعامل هي معه بأسلوب مختلف عن أساليبها المعهودة؟

(2)

هناك إنجاز هام له قيمة كبيرة عند كل من يقدر أهمية الأمن والاستقرار، والمعارضة الموريتانية معروفة بتقديرها لأهمية الأمن والاستقرار في منطقة يعاني الكثير من بلدانها من انعدام الأمن والاستقرار. هذا الانجاز يتعلق بتحقيق التدوال أو التناوب الآمن على السلطة.

لم يكن هذا التناوب الآمن على السلطة ليتحقق لو أن الرئيس السابق خلفه في الحكم أي شخص آخر غير الرئيس الحالي، حتى ولو كان ذلك الشخص من أركان النظام السابق. لقد تبين ذلك بشكل أكثر وضوحا لما ظهر بعد أشهر قليلة من مغادرة الرئيس السابق للسلطة، بأنه لم يغادرها عن قناعة، وأنه كان يفكر في العودة إليها، ولو أن شخصا آخر، أيا كان ذلك الشخص، تولى الرئاسة من بعد الرئيس السابق، لكانت البلاد تعاني اليوم من عدم الاستقرار، ولربما عرفت انقلابا عسكريا أشد ضررا من الانقلاب الذي عرفته صبيحة أربعاء السادس من أغسطس 2008.

هناك نقاط قوة وصفات شخصية يتمتع بها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هي التي أهلته لتحقيق تناوب آمن على السلطة، ولعل من أهم تلك نقاط القوة أنه قاد المؤسسة العسكرية لعقد كامل.

إن تحقيق هذا التناوب الآمن على السلطة كان يحتاج لشخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وكان يحتاج أيضا إلى تهدئة من طرف المعارضة، وتتأكد أهمية تلك التهدئة أكثر في ظل وجود جائحة غير مسبوقة، ولذا فلم يكن يليق بمعارضة ناضجة ومسؤولة تضع المصلحة العليا للوطن فوق أي مصلحة أخرى أن تدعو إلى التصعيد والتأزيم في فترة اجتمعت فيها الجائحة مع التحديات المصاحبة للتناوب الآمن على السلطة.

(3)

 من المعلوم أن المعارضة تمر بمرحلة حرجة، فأغلب أحزابها التقليدية تعاني من مشاكل حقيقية، هذا فضلا عن كونها عجزت عن خلق قيادات بديلة تملأ الفراغ الناتج عن تقاعد أو قرب تقاعد قادتها التاريخيين، ولذلك فهي ليست مهيأة في الوقت الحالي لأن تشكل بديلا للنظام، مما يعني أن الضغط على النظام والعمل على تأزيم الأوضاع لن يكون في مصلحتها، ولا في مصلحة الوطن، فأي فشل للنظام الحالي لا قدر الله سيدخل البلاد في مرحلة من عدم الاستقرار مفتوحة على كل الاحتمالات.

إن أي معارضة تنظر إلى مآلات الأمور ستدرك دون عناء أن إعانة النظام القائم على الإصلاح أولى من التصعيد والدفع إلى تأزيم الوضع، وإعانة النظام القائم تتمثل في النقد وتقديم النصح والمقترحات وتبيان الأخطاء بشكل مباشر إن أتيحت الفرصة لذلك، وكثيرا ما تتاح الفرصة لذلك من خلال اللقاءات المباشرة برئيس الجمهورية.

إن أنظمة الحكم هي التي تخلق معارضتها، فنظام الحكم الذي يسد كل الأبواب أمام المعارضة، ويصنفها على أنها تجمع من الخونة وأعداء الوطن، لا يترك للمعارضة من خيار إلا التصعيد والتأزيم. أما النظام الذي ينفتح على المعارضة، ويعتبرها شريكا سياسيا، فهو يستحق معارضة ناصحة لا معارضة التأزيم والتصعيد.

من هنا فإن تلبية بعض المعارضين لدعوات الرئيس أمرٌ مطلوب، ومثل تلك الدعوات يمكن أن يستغل في تقديم النصح وإسماع هموم المواطنين، وتبيان أماكن الخلل، وبذلك فيكون الخطأ هو عدم تلبية تلك الدعوات. إن تلبية تلك الدعوات يكون خطأ في حالة واحدة، وهي أن يستغل لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، أما إذا استغل لتقديم النصح ولتبيان الخلل ولتبليغ مطالب المواطنين، فإنه بذلك يكون من أهم أساليب النضال المعارض ومن أرقاها.

(4)

خلاصة القول هي أن الظرفية التي تمر بها البلاد بحاجة إلى مزيد من التهدئة، ولكن لهذه التهدئة بعض الشروط التي لابد من توفرها :

ـ أن تقتنع المعارضة بأهمية التهدئة، وبأهمية تغيير أساليب اللعبة، ما دام النظام قد غير تلك الأساليب؛

ـ أن يواصل الرئيس الانفتاح على المعارضة، وأن يستمع لنصحها وأن يستجيب لبعض مطالبها، حتى تُدرك المعارضة أن ما ستحققه لها وللشعب الموريتاني عن طريق التهدئة أكثر أهمية مما ستحققه عن طريق التصعيد والتأزيم؛

ـ أن تُشكل الأغلبية النظيفة في النظام "لوبيات للإصلاح"، وأن تكون أكثر قدرة على المبادرة، وأن تعمل بجد وحيوية من أجل أن تحتل الواجهة السياسية لنظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.   

حفظ الله موريتانيا...  

الاثنين، 21 ديسمبر 2020

معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني

 


أعلنت مجموعة من الموريتانيين من مختلف المشارب والاتجاهات والمكونات، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية (18 دجمبر 2020)، عن إطلاق حملة شعبية لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني.

ولقد وقع في أقل من يومين مئات الموريتانيين على عريضة الحملة، وقع وزراء سابقون ونواب وأكادميون وكتاب وصحفيون ومدونون وأطر ورجال أعمال ومواطنون عاديون  على عريضة هذه الحملة التي ستبدأ أنشطتها بشكل فعلي عندما تتحسن الظروف الصحية وتتراجع الموجة الثانية من جائحة كورونا.

إني من الذين يرون بأن هذه الحملة يمكن لها أن تنجح فيما فشل فيه الآخرون خلال العقود الماضية، وذلك لكونها تمتاز بثلاث نقاط قوة هامة، إن هي استغلت بذكاء فستأتي حتما بنتائج إيجابية.

نقطة القوة الأولى : الشرعية القانونية

لم تأت الحملة باجتهادات ولا بمطالب جديدة من صياغة المنخرطين فيها، مما قد يجعل تلك المطالب معرضة للرفض من طرف البعض، وأن لا تكون محل إجماع. كل مطالب الحملة تنحصر في أمر واحد وهو تفعيل مادة من مواد الدستور الموريتاني الذي صادق عليه الموريتانيون، ولذا فهي تطالب بما أجمع عليه الموريتانيون، وضمنوه في مادة من مواد دستورهم تقول بأن : " اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية. اللغة الرسمية هي العربية."

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن الحملة تمتلك أقوى شرعية قانونية يمكن أن تمتلكها أي عريضة مطلبية، وذلك لكونها قد حصرت مطالبها في تفعيل مادة هامة من مواد الدستور الموريتاني، وكل مواد الدستور الموريتاني مهمة.

نقطة القوة الثانية : النظر إلى اللغات الوطنية كوحدة واحدة لا تتجزأ

من أخطاء النخب في الماضي هو أن طائفة من الموريتانيين ظلت خلال العقود الماضية تطالب بترسيم اللغة العربية وتنسى المطالبة بتطوير بقية لغاتنا الوطنية، وطائفة أخرى من الموريتانيين ظلت تطالب بتطوير لغاتنا الوطنية وتنسى المطالبة بترسيم اللغة العربية، الشيء الذي جعل الفرانكفونيين في الطائفتين يستغلون بمكر هذه الوضعية المختلة لتخويف هؤلاء من أولئك، وأولئك من هؤلاء، فضمنوا بذلك بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، الشيء الذي أدى في المحصلة النهائية إلى عدم ترسيم اللغة العربية بشكل فعلي، وإلى شبه غياب  تام للغاتنا الوطنية في الإعلام المحلي وفي نقاشات البرلمان وفي كل المحافل التي تهتم بالشأن العام.

إن هذه الوضعية المختلة هي التي مكنت اللغة الفرنسية من البقاء مسيطرة لستة عقود على حساب لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، ولتصحيح هذا الوضع المختل كان من الواجب النظر إلى لغاتنا الوطنية (العربية والبولارية والسوننكية والولفية) كوحدة واحدة، وأن يكون المطلب بتفعيل ترسيم اللغة العربية، يصاحبه ـ وبنفس القوة والإلحاح ـ مطلبا أخر في غاية الأهمية يتعلق بتطوير لغاتنا الوطنية.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هو أنه قد آن الأوان لأن نفهم بأنه لا خصومة ولا تنافس بين من يطالب بتفعيل ترسيم اللغة العربية ومن يطالب بتطوير لغاتنا الوطنية، وحضورها أكثر في المشهد الإعلامي والسياسي المحلي، لا خصومة ولا تنافس بين هؤلاء وأولئك، وإنما هناك تكامل لمن ينظر إلى الأمور ببصيرة وتعقل. الخصومة إن كانت هناك من خصومة وتنافس، فستكون مع أولئك الذين يريدون بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة على حساب لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية.

نقطة القوة الثالثة : البعد الوطني للحملة

ستعمل الحملة ـ وقد بدأت بالفعل في ذلك ـ على استقطاب كل الموريتانيين من مختلف المكونات والشرائح والأيدلوجيات، فمثل هذا المطلب الهام الذي ترفعه الحملة والمتعلق بتفعيل مادة هامة من مواد الدستور الموريتاني لا ينبغي أن يكون خاصا بمكونة أو بشريحة أو بإيدلوجيا معينة.

خلاصة القول في هذه النقطة هو أنه ما دام الأمر يتعلق بتفعيل مادة من مواد الدستور الموريتاني، وما دام يتعلق بلغاتنا الوطنية التي لا يمكن لأي كان أن يحصل على الجنسية الموريتانية إذا لم يكن قادرا على إتقان إحداها، ما دام الأمر يتعلق بمطلب بهذا المستوى من الأهمية، فإنه سيكون من واجب كل موريتاني أن يلتف حول أي عريضة مطلبية تسعى إلى تحقيق هذا المطلب الوطني الملح، والذي تأخر تحقيقه كثيرا.

خلاصة الخلاصات : إذا تم استغلال نقاط القوة الثلاثة هذه بذكاء، فسيعني ذلك بأن هذه الحملة المباركة، ستكون قادرة ـ بإذن الله ـ على تحقيق ما عجزت عن تحقيقه كل النخب الموريتانية خلال العقود الست الماضية.

حفظ الله موريتانيا..

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

متى سننقب عن الذهب في شمامة؟

 


أطلقت شركة معادن موريتانيا (يوم الثلاثاء 15 دجمبر 2020) أول قافلة تنقيب إلى منطقة الشگات، وتضم هذه القافلة ما يُقارب 2000 سيارة عابرة للصحراء، ويقدر عدد المنقبين بها  ب25.000 منقب.

من المهم جدا أن يشتغل مئات الآلاف من الموريتانيين في مجال التنقيب عن الذهب، فمثل ذلك  سيوفر دخلا مهما لنسبة كبيرة من هؤلاء المنقبين، كما أنه سيوفر للبلاد مبالغ هامة من العملات الصعبة من خلال تصدير الذهب المتحصل عليه من خلال عمليات التنقيب هذه.

أن يخرج عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الموريتانيين إلى منطقة الشگات أو غيرها من المناطق بحثا عن مصدر عيش كريم لهم ولذويهم، فذلك أمر مهم، وأن تشجعهم الدولة على ذلك، فذلك أمر أكثر من مهم.

لا خلاف على ذلك، ولكن، من تابع انطلاق هذه القافلة التي تضم 25 ألف منقب و2000 سيارة عابرة للصحراء، من حقه أن يحلم بأن يشاهد قوافل مماثلة أخرى بهذا الحجم تتجه إلى شمامة للتنقيب عن الذهب هناك من خلال زراعة الأرض، أو تتجه إلى واحد من أغنى الشواطئ في العالم بالسمك للتنقيب عن الذهب هناك من خلال ممارسة مهنة الصيد، أو تتجه إلى المناطق الرعوية حيث يوجد ما يزيد على 26 مليون رأس من مختلف المواشي (إبل، بقر،غنم) لتنقب عن الذهب هناك من خلال عصرنة تربية هذه المواشي والاستثمار في مجال إنتاج الألبان واللحوم والجلود.

لدينا في موريتانيا الكثير من مناجم الذهب في شمامة وفي المحيط الأطلسي وفي المناطق الرعوية، ولكن للأسف الشديد لا تجد مناجم الذهب هذه من ينقب عنها، فلا الشباب اهتم بها كاهتمامه بالتنقيب عن الذهب في الصحاري، ولا الحكومات المتعاقبة رسمت سياسيات جادة ووضعت خططا فعالة للاستفادة من هذه الثروات الهائلة التي تزخر بها بلادنا في الضفة وفي المحيط الأطلسي و في مناطقنا الرعوية.

إننا بأمس الحاجة إلى قوافل مماثلة لقافلة الشگات تضم آلاف الشباب المتحمس تتجه إلى شمامة وإلى المحيط الأطلسي وإلى مناطقنا الرعوية للتنقيب عن الذهب هناك، ويتأكد الأمر أكثر بعد جائحة كورونا وحادثة إغلاق معبر الگرگرات لثلاثة أسابيع.

فمتى ستنطلق قوافل أخرى للتنقيب عن الذهب في شمامة، وفي المحيط الأطلسي، وفي مناطقنا الرعوية؟

متى؟

متى؟

متى؟

 

حفظ الله موريتانيا..

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

هل موريتانيا مقبلة على التطبيع مع العدو الصهيوني؟


تحاول بعض المصادر الإعلامية وبعض التحليلات السياسية أن تضع اسم موريتانيا على رأس قائمة الدول التي يُقال بأنها ستطبع قريبا مع العدو الصهيوني. لا أملك ـ بكل تأكيد ـ أية معلومات عما يدور في مطبخ الخارجية الموريتانية، ولكن ذلك لن يمنعني من محاولة الإجابة على السؤال العنوان بمنطق تحليلي بحت يعتمد على التحليل والاستنتاج أكثر من اعتماده على المعلومات.

يمكن القول ـ وبالمنطق التحليلي البحت ـ بأن موريتانيا كانت أكثر قربا إلى التطبيع في الأسابيع الماضية منها في الوقت الحالي أو في المستقبل القريب.

لقد واجهت موريتانيا ضغوطا قوية خلال الفترة الماضية لتكون ضمن "الدفعة الأولى" من لائحة المطبعين، وقد جاءت هذه الضغوط من الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، ومن دولة الإمارات الشقيقة التي تربطها علاقات قوية مع موريتانيا.

فمن الراجح  جدا أن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته قد مارس خلال الفترة الماضية ضغوطا قوية على موريتانيا ليزيد بها لائحة الدول التي استطاع أن يجرها إلى التطبيع من قبل مغادرته للسلطة، ومن الراجح أيضا أن دولة الإمارات قد مارست هي الأخرى ضغوطا قوية على موريتانيا لتزيد بها عدد الدول التي جرتها إلى مشروعها التطبيعي، فمن المعروف بأن المشروع التطبيعي الحالي تقوده دولة الإمارات وهو "محسوب لها".

لقد تمكنت موريتانيا أن تتجاوز تلك الضغوط القوية، وأن تنجو من التطبيع في الفترة الماضية التي كانت صعبة جدا، فكيف لا تنجو منه الآن، والرئيس اترامب الذي كان يمارس الضغوط من أجل التطبيع سيترك السلطة، ولن يُمارس خلفه ـ حسب أغلب المحللين السياسيين ـ نفس الضغوط التي كان يمارسها سلفه على بعض الدول العربية من أجل جرها  إلى التطبيع مع العدو الصهيوني. كما أن الإمارات لن تمارس مستقبلا نفس الضغوط التي كانت تمارسها في آخر أيام اترامب، ذلك أن الإمارات والسعودية ومصر ستنشغل في الفترة القادمة بتحسين علاقتها مع بايدن الرئيس الأمريكي الجديد الذي انتصر انتخابيا على الحليف اترامب، ولن يكون جر الدول إلى التطبيع مع العدو الصهيوني هو أولوية بايدن في المرحلة القادمة.

لقد قاومت موريتانيا ضغوطا قوية في آخر أيام اترامب، وتمكنت بذلك من النجاة من شر التطبيع، فكيف لا تتمكن من مقاومة الضغوط في عهد بايدن، هذا إن سلمنا بوجود تلك الضغوط، وحتى إن سلمنا بوجود تلك الضغوط، فإنها ستكون ـ في كل الأحوال ـ أقل حدة بكثير من الضغوط التي مورست في آخر أيام اترامب في السلطة.

في اعتقادي بأن هناك ثلاثة عوامل قد تجعلنا نستبعد من الناحية التحليلية البحتة أي تطبيع قريب لموريتانيا مع العدو الصهيوني، وهذه العوامل الثلاثة هي :

1 ـ أن الضغوط على موريتانيا مستقبلا لن تكون بحجم الضغوط عليها في الأسابيع الماضية، وهذا ما بيناه في الفقرات السابقة من المقال، ولذا فما دامت موريتانيا قد تمكنت من تجنب شر التطبيع في الفترة الماضية، فإن احتمال تجنبه في المستقبل القريب سيكون أقوى.

2 ـ صحيحٌ أن المملكة المغربية قد طبعت، ربما مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادتها على الصحراء الغربية، ولكن الصحيح أيضا هو أن المغرب العربي الكبير لا زال في أغلبه خارج دائرة التطبيع، ولذا فبإمكان موريتانيا مستقبلا أن تربط موقفها من التطبيع بموقف الدول المغاربية فإن طبعت تلك الدول طبعت هي، وإن رفضت تلك الدول التطبيع رفضته هي.

3 ـ من الراجح أن ملف التحقيق سيحال قريبا إلى القضاء، ومن المعروف بأن الرئيس السابق كان قد قطع العلاقات مع العدو الصهيوني، ومن المعروف أيضا بأن الشعب الموريتاني شديد الحساسية اتجاه أي شكل من أشكال التطبيع. يعني هذا بأن أي خطوة في اتجاه التطبيع في الفترة القادمة ستكون بمثابة أكبر هدية يمكن تقديمها للرئيس السابق قبل أو خلال فترة إحالة ملفه إلى القضاء.

  حفظ الله موريتانيا..

السبت، 21 نوفمبر 2020

من عزل الرئيس السابق إلى عزل نمط حكمه!

 


تمر بنا اليوم أول ذكرى للاجتماع المثير الذي عقده الرئيس السابق مع لجنة التسيير المؤقتة لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية. بعد ذلك الاجتماع المثير بساعات قليلة نشرتُ مقالا تحت عنوان :" ماذا بعد اجتماع الرئيس السابق بلجنة تسيير الحزب؟"، وأعيد اليوم نشر هذا المقال دون أبسط تعديل، هذا إذا ما استثنينا تصحيح خطأ مطبعي ورد في كلمة، وإضافة نقطة لم تكن في المقال الأصل.

نص المقال

ماذا بعد اجتماع الرئيس السابق بلجنة تسيير الحزب؟

إن أول ملاحظة يمكن الخروج بها من اجتماع البارحة هو أننا قد دخلنا مرحلة جديدة لن تكون سهلة. لقد قرر الرئيس السابق أن يخاطر من جديد وأن يغامر، وهو الذي تعود على المخاطرة، والمخاطر إما أن يكسب كل شيء أو يخسر كل شيء، فهل ستكون هذه هي آخر مخاطرة سياسية للرئيس السابق؟

لقد أبرق الرئيس السابق من خلال اجتماع البارحة ببرقية واضحة وصريحة جدا تقول بلسان الحال : أنا هو مرجعية الحزب، ولذا فقد ترأست لجنة تسييره رغم عدم عضويتي فيها، وعلى من يرفض مرجعيتي للحزب أن يخرج من باب الحزب أو من نافذته، وإلى غير رجعة.

لقد جاء في بيان الحزب الذي صدر بعد الاجتماع بأن الحزب غير مرتبط بالأشخاص وبالسلطة، وتعني هذه العبارة سياسيا بأنه غير مرتبط بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي يمثل السلطة، أما ارتباطه بالأشخاص، أو بصفة أدق بشخص محدد، فهو أمر معلوم، وقد أكده اجتماع البارحة الذي ترأسه شخص ليس عضوا في لجنة تسييره.

لقد قرر الرئيس السابق أن يخاطر وأن يدخل في معركة مفتوحة مع جهات عدة، فهل سينجح في هذه المخاطرة أم أنها ستكون آخر مخاطرة؟
من المؤكد بأنه لا يمكن لأي بلد أن يقاد برأسين، ولقد قرر الرئيس السابق أن يطل برأسه إلى السلطة من خلال اجتماع البارحة، فهل ستنجح تلك الإطلالة أم أن الرأس سيقطع هذه المرة؟

هذه بعض النقاط المتفرقة التي قد تساعدنا في الإجابة على السؤال العنوان:

1 ـ لم يعد بإمكان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يستمر في تجاهل ما يحدث داخل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، فتجاهل ما حدث البارحة، سيعزز من حجة أولئك الذين يقولون بأن الرئيس السابق هو من يتحكم في الأمور. إن "الحقيقة السياسية" هي تلك التي تتشكل في أذهان المواطنين، فعندما يقتنع المواطنون بأن الرئيس السابق هو من يتحكم في الأمور فإن ذلك سيتحول إلى حقيقة وإلى أمر واقع، حتى وإن لم يكن كذلك في الأصل.

2 ـ هناك خصوم كثر للرئيس السابق، فهناك المعارضة، وهناك داعمو الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من خارج حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهناك داعموه من داخل الحزب، وهناك ضحايا الرئيس السابق ..فهل سيتمكن الرئيس السابق أن ينتصر على كل هؤلاء وهو يحارب بسلة مملوء بالبيض، ويمكن لبيضها أن ينكسر بكامله عند أبسط حركة؟

3 ـ لا شك أن خصوم الرئيس السابق كثر ، ولكن السؤال هو : هل سيكون بإمكان خصومه السياسيين أن ينسقوا فيما بينهم لتوجيه الضربة القاضية سياسيا على الرئيس السابق؟

مهما يكن من أمر، فإن إدارة هذا الصراع تحتاج إلى احترافية كبيرة، وتحتاج من قبل ذلك كله إلى الاعتراف ـ ومن أعلى مستوى ـ  بأننا قد انتقلنا من مرحلة الاحتواء والصراع من وراء حجاب إلى مرحلة الصدام الحتمي والصراع المكشوف. انتهى المقال.

تعقيب سريع على المقال بعد مرور عام على كتابته

بعد مرور عام على الاجتماع المثير الذي عقده الرئيس السابق مع اللجنة السابقة لتسيير حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، فإنه يمكننا أن نقول ـ وبكل اطمئنان ـ بأن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد أدار الصراع مع الرئيس السابق باحترافية كبيرة، وأنه قد تمكن خلال سنة واحدة من عزل الرئيس السابق بشكل كامل، وأن يبعد عنه أي دعم سياسي يمكن أن يعول عليه مستقبلا.

لا خلاف على أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد أدار هذا الصراع باحترافية كبيرة، وأنه تمكن ـ وفي وقت قياسي ـ من عزل الرئيس السابق، ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح بعد مرور عام على ذلك الاجتماع المثير هو : هل كان الهدف هو عزل الرئيس السابق وحشره في أضيق زاوية ، أم أن الهدف هو عزل نمط تسيير معين كان الرئيس السابق يتبعه في تسييره لشؤون البلاد ؟

قد يرضى البعض ممن لديه أحقاد ومشاكل شخصية مع الرئيس السابق بالاكتفاء بعزل الرئيس السابق والتضييق عليه ومحاسبته قضائيا من بعد ذلك، ولكن أغلبية الموريتانيين ليست لديها أي أحقاد ولا أي مشاكل مع شخص الرئيس السابق، وإنما لديها مشاكل مع نمط حكم مارسه الرئيس السابق ومارسه رؤساء من قبله، وكانت محصلته النهائية كل هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها بلادنا اليوم.

لقد آن الأوان لأن يبدأ نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مرحلة جديدة لا تكتفي بعزل الرئيس السابق، وإنما تعمل بالإضافة إلى ذلك على عزل نمط سيء من الحكم مارسه الرئيس السابق ورؤساء من قبله، وقد سئم الموريتانيون من ذلك النمط من الحكم، ولم يعد بإمكانهم أن يتحملوه أكثر.

إن أغلبية هذا الشعب تريد نمط حكم جديد يأتيها بأساليب جديدة في التعامل مع ملفات حساسة، كملف التوظيف والتعيينات، وملف الزيارات التفقدية، ويأتيها أيضا ـ وهذا لا يقل أهمية ـ بواجهة سياسية وإدارية جديدة قادرة على أن تبعث الأمل في نفوس المواطنين.

فليكن عامنا هذا عام عزل أنماط الحكم السابقة، وذلك بعد أن كان العام الماضي عام عزل للرئيس السابق.