الأحد، 16 ديسمبر 2012

معارضون خارج الملعب!!



بدءا لابد من القول بأن من أبغض "حلال الكتابة" هو الكتابة التي تنتقد المعارضة، ويزداد ذلك الحلال بغضا عندما يأتي في لحظة حرجة تمر بها المعارضة، كما هو الحال في مثل هذه اللحظة الحرجة. ولكن لابد أيضا من القول بأن المعارضة تستفزنا في كثير من الأحيان، وتجبرنا ـ في أحيان كثيرة ـ على أن ننتقدها في وقت نعلم بأن أسوأ شيء يمكن فعله هو أن ننتقدها.
لقد كان غياب قادة المعارضة عن مباراة الأمس عملا استفزازيا، فالذي كان يلعب ضد المنتخب الليبري في مباراة الأمس لم يكن منتخب "توفالو"، وإنما كان المنتخب الوطني الذي طالما أزعجنا بكثرة هزائمه، والذي بدا في الأيام الأخيرة، خاصة بعد انتصاره على منتخب ليبريا، وكأنه أصبح  يسعى ـ  وبشكل جاد ـ لأن يودع الهزائم، وكان ذلك السعي يستدعي المؤازرة والمناصرة من كل الموريتانيين حتى يتحول إلى نتيجة ملموسة.
فلماذا تغيب قادة المنسقية عن مباراة الأمس؟ وهل كان لديهم من المشاغل المستعجلة ما شغلهم عن الحضور؟ ولماذا تغيب من قبل ذلك شباب المنسقية؟ ولماذا لم ينظم شباب المنسقية من قبل اللقاء حملات دعائية في أوساط المعارضة لضمان حضور جماهيري كبير للمباراة؟
قد يقول قائل من المعارضة: وأين كانت الأغلبية يا هذا؟ وَلِم لم تطلبْ من شبابها ما طلبتَ من شباب المعارضة؟
إن الإجابة البسيطة على هذا السؤال تقول بأنه من حقنا أن ننتظر شيئا مختلفا من المعارضة، وذلك الشيء المختلف هو الذي يبرر أصلا وجود المعارضة، أما إذا كانت المعارضة لا تفعل إلا ما تفعله الأغلبية، فما الحاجة إذن لوجودها؟
ثم إن هناك شيئا آخر.
لقد عودتنا المعارضة على أنها لا تحب الحديث عن الأغلبية، لأنه لا وجود أصلا لأغلبية حقيقية، وكل ما هنالك هو أنه يوجد رئيس يمسك بالسلطة، ويلتف حوله خلق كثير ما دام يمسك بتلك السلطة.
إذن لن نتحدث عن الأغلبية، وإنما سنتحدث عن الرئيس، فما الذي فعله الرئيس من أجل مناصرة الفريق الوطني؟
لقد فعل الرئيس أشياء كثيرة، فقد عاد من سفره العلاجي، وأصر على أن يحضر شخصيا للمباراة رغم أنه يعيش فترة نقاهة، وتفاعل مع بعض لحظاتها المثيرة، وهو المعروف أصلا بعدم تفاعله مع ما يجري من حوله.
لقد كان وجود الرئيس في الملعب بثوب رياضي، خلال كل المباراة، وبرفقة وزيره الأول هو أقصى ما يمكن أن نطلبه من الرئيس خلال التسعين دقيقة التي جرت فيها المباراة. ومن قبل المباراة بساعات كانت وزيرة الثقافة والشباب والرياضة قد قامت بزيارة تشجيعية للمنتخب الوطني في معسكره التدريبي، فما الذي منع قادة المعارضة من الحضور للمباراة، ومن القيام من قبل ذلك بزيارة تشجيعية للمنتخب الوطني في معسكره التدريبي؟
تقول المعارضة ـ ولها الحق في قول ذلك ـ بأن الرئيس يتعامل مع مؤسسات الدولة وكأنها ممتلكات شخصية، ولكن الشيء الذي لم تقله المعارضة، هو أنها هي من يشجع الرئيس على ذلك.
أليس المنتخب الوطني فريقا وطنيا لكل الموريتانيين؟ فَلِم تترك المعارضة الرئيس ينفرد بمناصرته؟ ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن كل المؤسسات الأخرى، بما في ذلك المؤسسة العسكرية التي رفضت المعارضة أن تشاركها في احتفاليتها الكبيرة في العام  (2011)، وتركت الرئيس ينفرد بالمشاركة، مع أنه كان بإمكان المعارضة أن تشارك الجيش في احتفالاته بطريقة تربك الرئيس من جهة، وربما قد تساعد ـ من جهة ثانية ـ في بناء الثقة بين الجيش كمؤسسة لا كأفراد مع المعارضة.
نفس الشيء حدث خلال فاجعة قتل الدعاة في مالي، والذين لا يمكن اعتبارهم ـ بأي حال من الأحوال ـ من الأمور التي تخص الرئيس.
لقد غابت المعارضة، وغاب قادتها عن استقبال الجثامين، كما غابوا من بعد ذلك عن الصلاة في مسجد التوبة، وذلك في الوقت الذي أصر فيه الرئيس على أن يستقبل الجثامين في المطار رغم الموقف المحرج الذي تعرض له هناك. كما أصر على أن يستقبل أسر الضحايا، وعلى أن يحضر وزيره للشؤون الإسلامية للصلاة في مسجد التوبة، هذا فضلا عن إرسال وزراء من حكومته لتعزية أسر الضحايا، ولتقديم تعويضات مالية لتلك الأسر.
ففي كل تلك المناسبات كانت المعارضة تغيب دائما، وتترك بذلك الميدان للرئيس وحده، يلعب لوحده ضد اللاشيء، وينتصر بسهولة على اللاشيء، ثم يحتفل هو وأغلبيته بانتصارهم على اللاشيء، والطريف أنهم يبالغون في احتفالاتهم بعد انتصارهم على اللاشيء.
تصبحون على معارضة داخل الملعب... 

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

يومٌ مباركٌ وسبعٌ عجافٌ



يُعد يوم (12/12/12) يوما مميزا في التأريخ المسيحي، على الأقل من الناحية العددية، فهو لم  يتكرر منذ ميلاد عيسى عليه السلام، بصيغته هذه، إلا ثلاث مرات فقط ، وكان ذلك في العام 12م، والعام 1012، والعام 2012، وهو لن يتكرر للمرة الرابعة، وبهذا الشكل، إلا بعد ألف عام من الآن، وتحديدا في العام 3012، هذا إن قُدِّر للبشرية أن تعيش حتى ذلك اليوم.
ولقد ارتبط هذا اليوم الذي يتكرر فيه الرقم (12) ثلاث مرات،  بالكثير من الخرافات التي تحدثت عن نهاية العالم، بعضها تحدث عن 21/ 12 من هذا العام، والبعض الآخر تحدث عن 12/ 12. كما أن هذا اليوم ولميزته الشكلية، قد يتحول إلى أشهر يوم في تاريخ البشرية، من حيث عدد الزيجات المسجلة، وذلك بعد أن اختاره الكثير من شباب العالم كيوم للزواج، الشيء الذي انعكس إيجابا على أصحاب صالات وقاعات الأفراح، والتي شهد سعر إيجارها ارتفاعا ملحوظا في هذا اليوم، وفي كثير من مدن العالم.
أما عندنا في موريتانيا فإن هذا اليوم يمتاز لكونه يصادف الذكرى الثامنة والعشرين لانقلاب 12/12 الذي أوصل معاوية إلى السلطة. ومع أن ذكرى 12/12 ظلت تمر منذ الإطاحة بمعاوية في الثالث من أغسطس 2005، دون أي اهتمام يذكر، إلا أنها في هذا العام قد تثير جدلا واسعا، وذلك بعد ظهور مبادرة "جيل معاوية ولد الطايع"، والتي كانت تعتزم تنظيم احتفالية ثقافية كبرى في هذا اليوم تخليدا لما تسميه بأمجاد معاوية.
 ولقد رفضت السلطات الترخيص للاحتفالية، وهو ما تسبب في إلغائها، حسب بيان صحفي منشور في بعض المواقع، اعتذر فيه أصحاب المبادرة عن إلغاء النشاط، كما شكروا من خلاله أنصار معاوية، والذين أعلنوا ـ حسب البيان ـ عن استعدادهم للمشاركة في الأنشطة، بل إن بعض الأنصار ـ وحسب البيان دائما ـ  كان قد وصل فعلا إلى العاصمة، قادما من الداخل للمشاركة في الاحتفالية التي تم إلغاؤها.
كما اعتذر أصحاب المبادرة للمثقفين وللسفراء الذي أعلنوا عن استعدادهم للحضور والمشاركة في الاحتفالية، هذا فضلا عن الاعتذار لفنانين موريتانيين كانوا قد أعلنوا عن استعدادهم لإنعاش التظاهرة فنيا.
وبطبيعة الحال فأنا لست هنا لأنفي ما جاء في البيان المذكور، بل على العكس من ذلك، فإنه يمكنني القول بأن الحنين لحكم معاوية قد أصبح يشكل ظاهرة لافتة ومتنامية، حتى أصبح بإمكان البعض أن  يفكر في الاحتفال بذكرى (12/12)، بل وبتخليد أمجاد الرئيس معاوية، حتى ولو كان ذلك التخليد لا يزال يقتصر ـ حسب المعلن ـ على الجانب الثقافي، والذي سيتحول في المستقبل إلى عمل سياسي، إن وجد أصحاب المبادرة تفاعلا شعبيا مع أنشطتهم الثقافية.
وبكل تأكيد فإن الحنين إلى نظام معاوية قد زاد، بعد سبع عجاف، أعقبت الانقلاب عليه ذات صبيحة أربعاء مبارك، صادف الثالث من أغسطس من العام 2005. ولكن ذلك الأربعاء المبارك، وهذا هو المؤلم حقا، لم تعقبه إلا أنظمة، لم تفعل من شيء يستحق أن يذكر، سوى أنها دفعت طائفة من الموريتانيين ـ ليست بالقليلة ـ إلى الحنين إلى نظام معاوية، رغم أن تلك الطائفة كانت قد فرحت فرحا شديدا يوم الانقلاب عليه.
إن هذا الحنين المتنامي إلى نظام معاوية، أو ـ على الأصح ـ إلى شخصه، لأن نظامه لم يسقط حتى اللحظة، ليس حنينا إلى شخص معاوية،  بقدر ما هو إدانة لكل من حكم هذا البلد من بعده، وهذا ما على مبادرة "جيل معاوية" أن تسمعه وأن تعيه، وذلك حتى لا تفسر ذلك الحنين المتنامي تفسيرا خاطئا.
لن أتحدث في هذا المقال عن أخطاء معاوية، لأنه ليس من الأخلاق أن أتحدث عنها الآن، خاصة أن الرجل كان قد تركنا لحالنا ولإخفاقاتنا، ولن أتحدث عن تلك الأخطاء مستقبلا إلا إذا كان ذلك في إطار نقاش عام، للحديث عن فترة حكم الرجل، وبشرط أن يشارك فيه الأنصار والخصوم على حد سواء.
لن أتحدث الآن عن أخطاء معاوية، لأن الحديث يجب أن يوجه إلى الرؤساء الذين حكموا من بعده، والذين جعلوا بعض الموريتانيين يشتاقون إلى رئيس كان بالنسبة لهم، وحتى يوم سقوطه، فاسدا ومفسدا.
ومما يؤسف له أيضا هو أن الرؤساء الذين حكموا بعد معاوية ليسوا هم وحدهم من تسبب في ظهور هذا الحنين المتنامي إلى نظام معاوية، بل إن المعارضة، وبأدائها الباهت ساهمت هي بدورها في الزيادة من مستوى الحنين إلى نظام معاوية.
ولعل من المبكيات المبكيات، ولا شيء في هذا البلد يدعو للضحك، حتى ولو كان ضحكا ساخرا، أن المعارضة ستخلد يوم 12/12/ 12 وهي تحت قيادة رجل من أركان نظام معاوية، كان قد تجرأ في وقت قريب لأن يقول ـ وبأعلى صوته ـ بأن الدولة في عهد معاوية كانت دولة قانون ومؤسسات.
تصبحون وقد شُغلتم عن الحنين إلى نظام معاوية....

الأحد، 9 ديسمبر 2012

فسادٌ خارج التغطية



كثيرة هي أوجه الفساد، ومتعددة هي أشكاله وأنماطه، ولعل من أخطر تلك الأنماط والأوجه ما هو مرتبط بذلك الفساد المُشرع قانونيا، والمسكوت عنه من طرف الجميع، رغم ما  يُنهب من خلاله من ثروات هذا الشعب الفقير.
لا أحد يستنكر ذلك الفساد، لا صحافة تتحدث عنه، ولا نائبا برلمانيا يثيره في نقاشات البرلمان، ولو بشكل عابر، وبالطبع فلا مواطن يستنكره من خلال تنظيم وقفة أو احتجاج ضد ممارسيه.
إنه فساد ظل يمارس خارج التغطية، لذلك فقد يكون من المناسب، بل من الملح جدا، أن يتم الحديث عنه في هذا اليوم الذي يصادف اليوم العالمي لمكافحة الفساد.
فعلينا أن نعلم بأنه في كل يوم من أيام السنة ينهب وسيط الجمهورية 200.000 أوقية من ثروتنا، ودون أن يؤدي أية خدمة مقابل هذا المبلغ الكبير. أما المجلس الدستوري فإنه يبتلع يوميا 274.387 أوقية من ثرواتنا. في حين أن المجلس الإسلامي الأعلى ينهب يوميا 185.000 أوقية، حتى مجلس جائزة شنقيط، والذي توقفت جائزته  لثلاث سنوات فإنه ظل يبتلع يوميا 184,000 أوقية، أي 67 مليون أوقية سنويا. ونفس الشيء سيحصل مع المجلس الأعلى للفتوى وللمظالم المشكل أخيرا، والذي تشير كل الدلائل بأنه لن يختلف عن المجالس والهيئات المذكورة آنفا.
ولمعرفة عدم جدوائية تلك الهيئات والمجالس دعونا نطرح الأسئلة التالية:
ـ ما هو الانجاز الذي حققه مكتب وسيط الجمهورية منذ تأسيسه في بداية التسعينات وحتى اليوم، مع العلم بأن الميزانية السنوية لوسيط الجمهورية تزيد على سبعين مليون أوقية؟
ـ ما هو الضرر الذي كان سيلحق بالشعب الموريتاني لو لم يكن هناك وسيط للجمهورية؟
ـ هل هناك مواطن موريتاني واحد قدم له وسيط الجمهورية أية خدمة مهما كانت بساطتها؟
وللإجابة على هذه الأسئلة فيكفينا أن نتتبع أخبار وسيط الجمهورية في الإعلام الرسمي حيث لم يذكر هذا الوسيط ولا لمرة واحدة، وهو يقوم بإنجاز أي مهمة من المهام المحددة له قانونيا، والتي من بينها:
ـ استقبال شكاوي المواطنين المتعلقة بنزاعات لم تتم تسويتها في إطار علاقاتهم مع إدارات الدولة.
ـ صياغة رأيه بشأن النزاعات بين المواطنين و الإدارة، وإرسال هذا الرأي لرئيس الجمهورية، إذا ما طلب منه الرئيس إبداء الرأي، هذا فضلا عن تقديم تقرير سنوي عن حصيلة نشاطه.
لقد تتبعت أخبار الوسيط الحالي، فوجدت أنه منذ تعيينه أو تنصيبه قام بنشاط واحد، تمثل في سفر إلى فرنسا للمشاركة في الملتقى السادس لمنظمة الآمبوديسمان والوسطاء في البحر الأبيض المتوسط، والذي تم تنظيمه في العاصمة الفرنسية من 11 إلى 14 يونيو من السنة الجارية.
هذا هو النشاط الوحيد الذي قام به وسيط الجمهورية الحالي، ذلك الوسيط الذي تخصص له الحكومة 200.000 أوقية يوميا من أموال شعبها الفقير.
فما الذي استفاده المواطن الموريتاني من مشاركة وسيط الجمهورية في ملتقى نظمته مجموعة وسطاء لم نسمع عنها من قبل ونجد صعوبة كبيرة في نطق اسمها بشكل صحيح؟
ذلك سؤال سأترك لكم الإجابة عليه، ولكن من قبل الإجابة، عليكم أن تعلموا بأن وسيط الجمهورية لم يتم تعيينه وتوفير تلك الموارد الطائلة لمكتبه لكي يخدم المواطن، وإنما تم تعيينه فقط من أجل إرضائه هو، ومن أجل أن توضع بين يديه ميزانية يتصرف فيها كما يشاء وبالطريقة التي يشاء، وبعيدا عن أعين المشاغبين والحساد.
والحقيقة أن ذلك لا يقتصر على الوسيط فقط، بل يتعداه ليشمل كل المكاتب والهيئات الاستشارية الأخرى، فعلى سبيل المثال، فإن أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي لم يتم تعيينهم لكي يقدموا استشارات للحكومة، فهم بتركيبتهم الحالية ليست لهم القدرة ولا المؤهلات لتقديم تلك الاستشارة حتى ولو تولدت لديهم الرغبة لتقديمها. إن أعضاء هذا المجلس إنما تم اختيارهم كغيرهم من أعضاء المجالس والهيئات الأخرى لكي يستفيدوا من مورد من موارد الدولة، لا لكي يقوموا بتحقيق خدمة للمواطن.
ومن مهام المجلس الاقتصادي والاجتماعي المحددة له، والتي لم يقم بها في أي وقت من الأوقات، بل ولا يستطيع القيام بها بتشكيلته الحالية، يمكننا أن نذكر:  إبداء الرأي ـ  إجراء دراسة عن أي مشكلة تمس الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ـ اتخاذ المبادرة بتدارس المسائل الاقتصادية والاجتماعية، والقيام من أجل ذلك بما يلزم من دراسات ومسوح وتحقيقات مع الاعتماد على نتائجها لإصدار آراء أو اقتراح الإصلاحات التي يرى أنها قد تعزز النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وهو فوق ذلك يمكن له أن يضطلع بمهمة التوسط لحل النزاعات الاجتماعية
إن تلك المجالس والهيئات إنما تم تأسيسها من أجل تشريع نهب جزء كبير من ثروة الشعب الموريتاني، لا من أجل تقديم خدمات ملموسة لهذا الشعب، لذلك فإن رؤساءها وأعضاءها لا يزال يتم اختيارهم بنفس تلك الطريقة الغريبة التي يتم بها اختيار من سيتم توشيحه في كل عام بمناسبة الاحتفال بذكرى الاستقلال، حيث يوشح في كل ذكرى عسكريون ومدنيون يظهرون فجأة مع تلك التوشيحات، ويختفون بعدها، لأنه ليس لدى أي واحد من أولئك الموشحين، ما يمكنه من الاستمرار في الظهور بعد انتهاء الاحتفالات المخلدة لذكرى الاستقلال.
تصبحون على انتفاضة شعبية ضد الفساد...

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

اعتذار



لا يمكن لأي واحد منا أن يحصي الأخطاء الكثيرة التي يرتكبها في حياته، ولا يمكن له أن يقدم اعتذارا عن كل تلك الأخطاء، لأنه لو فعل ذلك لما وجد فراغا ولا متسعا من الوقت يمكن أن يستغله في أي شيء آخر، غير تقديم الاعتذارات، اعتذارا تلو الاعتذار.
تلك حقيقة لابد من الاعتراف بها في بداية هذا الاعتذار، وذلك حتى لا يفهم القارئ الكريم بأني إنما أردت أن أقول له من خلال هذا المقال، بأني لم أرتكب من الأخطاء ـ التي تستوجب تقديم اعتذارات ـ  غير أخطاء مرتبطة بمقالين كنت قد كتبتهما في "أربعينية الاحتجاب"، ولم أوفق إطلاقا في كتابتهما.
أخطائي كثيرة لا يمكن حصرها، ولكن في بلد كبلدنا والذي تغيب فيه نهائيا ثقافة الاعتذار، يكون من اعتذر عن خطئ واحد فكأنما قد اعتذر عن أخطائه كلها.
ولقد كان من بين الأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها خلال الأربعينية، والتي تستحق أن يُعتذر عنها، بعض الأخطاء التي وردت في مقالين اثنين، أولهما كان تحت عنوان "الانقلاب الناعم"، أما ثانيهما فكان تحت عنوان " إنهم الآن يصوغون البيان الأول".
ويكفي لمن لم يطالع المقالين المذكورين، ما يوحي به العنوانان، لمعرفة طبيعة الخطأ الذي وقعت فيه، والذي أريد أن أعتذر عنه الآن من خلال هذا المقال.
لقد كنت ضحية للإشاعات التي راجت خلال الأربعينية، وهذا هو ما جعلني أفترض بأن انقلابا ناعما سيحدث، ولقد أثبتت الأيام بأن ذلك الافتراض لم يكن في محله.
صحيح أن الشائعات في الأربعينية، كانت كالسيل الجارف الذي لم يكن بالإمكان الوقوف في وجهه، وصحيح أيضا أن الرئيس تصرف في تلك الأربعينية بأغرب ما يمكن أن يتصرف به رئيس دولة، حيث احتجب عن الأنظار، وأصر على الاستمرار في الاحتجاب، في وقت كان فيه بإمكان  تلك الشائعات أن تُحدث أمرا، ليس على مستوى النظام الحاكم لوحده، وإنما على مستوى كيان الدولة بأكمله، ولكن الله سلم.
صحيح ذلك كله، ولكن كل ذلك، لم يكن يكفي للحديث عن فرضية "الانقلاب الناعم".
والحقيقة أني في البداية حاولت جاهدا أن أقف في وجه سيل الشائعات العرم، لدرجة أني كتبت مقالا لدعم الرواية الرسمية، وكان على شكل قصة قصيرة تحت عنوان " الرئيس والملازم"، رغم أن تلك الرواية تم تقديمها بطريقة بائسة، لا يمكن إلا أن تثير شكوك شهودها، إن كان لها شهود، فكيف إذا تعلق الأمر بمن هو مثلي، ولم يسمع عن تلك الرواية إلا ما سمعه الجميع من تصريح مرتبك لوزير الإعلام ليلة الحادثة، ومن لقاء حصري مع ملازم بدا أكثر ارتباكا من الوزير؟
لقد قبلت الرواية الرسمية ودعمتها، ليس لأني كنت أملك دليلا واحدا يثبتها، ولكن، لأن كل الروايات المنافسة لها كانت أقل مصداقية، وأضعف حبكة.
وحتى في يوم السبت الذي أطلقت فيها شائعة الانقلاب، فقد تمكنت من الثبات أول الأمر، واعتكفت مساء ذلك اليوم أمام صفحتي على الفيسبوك، لأكتب سيلا من التدوينات التي كانت تحاول عبثا أن تقف في وجه شائعة الانقلاب.
وكانت تلك الليلة هي آخر عهد لي بالوقوف أمام سيل الشائعات الجارف.
فبعد شائعة الانقلاب، وبعد غياب أي رد رسمي عليها، بدأت أصدق تلك الشائعات التي كانت تقول بأن صحة الرئيس في تدهور شديد، ولكن الأخطاء التي ارتكبت في المقالين المذكورين لم تكن بسبب تصديقي للشائعات التي كانت تتحدث عن تدهور صحة الرئيس، وإنما كانت بسبب أني بدأت أصغي لتلك الأصوات الضعيفة والمرتبكة، والتي كانت تقول بأن صحة الرئيس في تحسن.
وعندما بدأت أصغي لتلك الأصوات، والتي كان أكثرها مصداقية ما نُقل عن الرئيس النيجري بعد لقائه مع الرئيس، عندما بدأت أصغي لتلك الأصوات بدأت أتوقع بأن هناك انقلابا ناعما يخطط له، وهذا هو ما جعلني أكتب مقالين حول تلك الفرضية الخاطئة.
ففي تلك الفترة كنت أطرح دائما، وبإلحاح شديد، السؤال التالي على نفسي: إذا كانت صحة الرئيس في تحسن، فلماذا لا ينظم الرئيس لقاء أو مقابلة أو يجري تصريحا يبث عبر التلفزة حتى يُطمئن من خلاله الشعب الموريتاني على تحسن صحته؟
وكنت دائما أجيب على ذلك السؤال بالإجابة الخطأ، فكنت أقول بأن الرئيس ربما يكون قد حاول ذلك، ولكن ربما تكون هناك جهات صديقة، لا تريد له أن يُظهر تحسن صحته للشعب الموريتاني، لأن لتلك الجهات مصلحة في أن يظل الشعب يصدق الشائعات التي كانت تتحدث عن انهيار صحة الرئيس.
طبعا كان هناك احتمال آخر، خطر ببالي ولكني استبعدته بسرعة، وسيثبت فيما بعد بأنه كان هو الاحتمال الصحيح :  إن الرئيس كان يريد أن يظل متخفيا عن الأنظار، وكان يريد الجميع أن يصدق الشائعات، حتى يقرر هو، وفي اللحظة المناسبة، أن يفاجئ  الجميع بتحسن وضعيته الصحية.
ولقد قال الرئيس بعد عودته، وفي لقائه الصحفي بالقصر الرئاسي، بأن السبب كان يكمن في كونه لم يصحب معه صحفيا، حتى يجري معه لقاء يطمئن من خلاله الشعب الموريتاني على وضعيته الصحية، وهذا القول يكفي لوحده لأن يؤكد بأن الرئيس ـ على عكس ما أراد أن يقول ـ كان يتعمد فعلا أن يحتجب عن أنظار الجميع.
وبالتأكيد فلم أكن أنا هو الوحيد الذي فوجئت بظهور الرئيس، فقد كانت هناك جهات في أعلى سلم النظام فوجئت مثلي، وهي جهات كانت قبل ذلك قد تصرفت تصرفات غير محسوبة جعلتني أنخدع  أكثر بفرضية "الانقلاب الناعم".
لقد كان من الأسلم أن لا أستبعد الاحتمال الثاني، خصوصا وأننا في بلد يمكن فيه للرئيس أن يتصرف كما يشاء، وأن يحتجب عن المواطنين، وأن يحجب عنهم وضعيته الصحية إلى الوقت الذي يشاء.
كان عليَّ أن لا أنسى بأن الرئيس يمكنه أن يعتبر صحته ـ كأشياء أخري في حياته ـ شأنا خاصا به، وأن له الحق الكامل في التعامل مع وضعيته الصحية بالطريقة التي يشاء، يحجب حقيقتها عندما يشاء، ويستخدمها كورقة سياسية ضد خصومه السياسيين إذا ما شاء، وإذا ما اقتضت المصالح السياسية الآنية مثل ذلك الاستخدام.
واستبعاد هذا الاحتمال الأخير هو الذي انحرف بي،  بعيدا عن حقيقة ما كان يجري، وهو الذي جعلني أكتب مقالين أعترف الآن بأن لم أوفق إطلاقا في كتابتهما.
وبمناسبة هذا الاعتذار، فإني أعد القارئ الكريم بأني سأحاول أن أكون أكثر حذرا في المستقبل، وأن أحاول قدر المستطاع أن لا أنخدع بكل ما يطفو من زبد على سطح المشهد السياسي..
تصبحون على مقالات أكثر مصداقية...

الاثنين، 3 ديسمبر 2012

للشباب فقط (1)



من المؤسف حقا أنه لا زال هناك من شبابنا من يقبل أن يسير في أي اتجاه تشير إليه سبابة يد القائد أو المجتمع أو القبيلة أو من سلمه ذلك الشاب ـ لسبب أو لآخر ـ المقود، ثم تبعه دون أن يكلف نفسه عناء التفكير في جدوائية السير في ذلك الاتجاه.
ومن المؤسف أن الكثير من الشباب لا يزال يمارس رياضة السير خلف الطابور، يمارسها دون أن يتوقف قليلا، أو يفكر قليلا، لأن السير في ذلك الاتجاه قد لا يكون هو الأسلم .
إنه لمؤسف حقا أن يغمض أحدنا عينيه، ويمنح عطلة دائمة لعقله، ثم يبدأ بالسير خلف الطابور، إن واصلوا السير واصل السير خلفهم، وإن توقفوا توقف، وإن التفتوا يمينا التفت يمينا، وإن التفتوا شمالا ألتفت شمالا، وإن سقطوا في الهاوية سقط خلفهم في الهاوية، وبنفس الطريقة التي سقطوا بها.
يسقط ودون أن يبدع طريقة خاصة به في السقوط، فحتى في الفشل فإنه لا يستطيع أن يبتدع فشلا خاصا به، بل إنه يجبر نفسه على أن يفشل كما فشل الآخرون الذين كانوا يتقدمونه في الطابور.
إننا نعيش في مجتمع اختار أغلب شبابه أن يمنحوا عطلة دائمة لعقولهم لكي يواصلوا هوايتهم في تقليد الآخرين، وفي السير خلفهم، لذاك فعلينا أن لا نتوقع أن حالنا سيتغير نحو الأفضل ما دام أمر شبابنا على هذا الحال.

ومات الطفل عبد الرحمن



عجزت موريتانيا برئيسها وبحكومتها وبرجال أعمالها وبعلمائها وبساستها وبمجتمعها المدني وبمواطنيها العاديين من أن تتكفل بعلاج طفل مريض...
مات الطفل عبد الرحمن بعد أن قصرنا جميعا في حقه، ورحل من بيننا دون أن نفعل من أجله شيئا..
كان بإمكان الرئيس ـ والذي كان يعاني من إصابة ألزمته البقاء في المستشفى لأربعين يوما ـ أن يتكفل بعلاج الطفل عبد الرحمن، ولكنه لم يفعل.
وكان بإمكان وزير الصحة أن يتكفل بعلاج الطفل عبد الرحمن بعد أن عرضت عليه حالته، ولكنه لم يفعل.
وكان بإمكان أحد رجال أعمالنا أن يتكفل بعلاج هذا الطفل، وذلك بعد النداءات التي تكررت من خلال المواقع الإخبارية ومن خلال الصفحات الشخصية، ولكن لا أحد منهم تكفل بعلاجه رغم كرمهم عندما يتعلق الأمر بالإنفاق في مجالات أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها تعد تبذيرا لا طائل من ورائه.
وكان بإمكان إحدى مؤسسات الاتصال أو شركات المعادن أن تتكفل بعلاجه.
وكان بإمكان أئمة المساجد أن يجمعوا له التبرعات من عند المصلين، وكان، وكان...
كان بإمكان كل واحد منا أن يفعل شيئا لعلاج الطفل عبد الرحمن، ولكننا جميعا ـ وباستثناء منظمة العطف والحنان وقلة قليلة جدا ـ لم نفعل شيئا من أجل إنقاذ حياة هذا الطفل المريض.
اللهم أغفر لي تقصيري في حق الطفل عبد الرحمن، ووفقني مستقبلا للوقوف مع كل مريض محتاج تقطعت به السبل، ولم يجد من يعينه...آمين.

شكرا لليعقوبيْن!



لا أفهم كثيرا في كرة القدم (وهذا لا يعني إطلاقا بأني أفهم شيئا كثيرا في كرة السلة) ولكني مع ذلك قد سعدت كثيرا بالفوز التاريخي الذي حققه المرابطون في مباراتهم الأخيرة ضد المنتخب الليبري، ذلك المنتخب الذي كان يلعب على أرضه، وأمام أنظار رئيسة ليبريا، وبحضور جمهور كبير من المشجعين.
إنه انتصار تحقق خارج الديار، لذلك فقد كان انتصارا تاريخيا، فحسب المتابعين فإن الفريق الوطني لم يحقق في تاريخه أي انتصار خارج أرضه، هذا إن كان قد حقق على أرضه أي انتصار يستحق أن يذكر.
إنه فوز جاء بعد سنوات من الهزائم، حتى لا أقول جاء بعد نصف قرن كامل من الهزائم، أو في أحسن الأحوال، جاء بعد نصف قرن شحت فيه انتصاراتنا، وكثرت فيه هزائمنا، وتعددت وتنوعت.
فمن حقنا، بل ومن واجبنا جميعا، أن نفرح بأي انتصار، كبيرا كان أو صغيرا، رياضيا كان أو سياسيا أو ثقافيا يتحقق على هذه الأرض التي ارتوت من الهزائم، والتي ظلت متعطشة، ومنذ ميلادها، لأي انتصار مهما كانت طبيعة ذلك الانتصار.
ففي زمن الهزائم الذي ندُرت فيه الانتصارات، يكون من واجبنا أن نحتفل بأي انتصار يتحقق، وأن نبالغ قي ذلك الاحتفال، عسى أن يساعدنا ذلك في استعادة ثقتنا المهزوزة في أنفسنا، وفي رياضيينا، وفي مثقفينا، وفي ساستنا، وفي كل كلمة ختامها "نـــــــــــــــــــــــــــــــــا".
فشكرا للفريق الوطني لأنه أثبت، على الأقل، في مباراته مع ليبريا بأنه يستحق أن يلقب بالمرابطين، وأنه يستحق أن يسمى بالفريق الوطني.
وشكرا لهذه التشكيلة الرائعة التي رفعت رؤوسنا بعدما طأطأت كثيرا، فهي تستحق منا جميعا أن نناصرها، وأن ندعمها، وأن نهنئها ونبارك لها على انتصارها، حتى وإن كنا لا نفهم شيئا في كرة القدم كما هو الحال بالنسبة للعبد لله.
فسجلوا من فضلكم إعجابا بهذا الانتصار ..
وسجلوا من فضلكم إعجابا باليعقوبيين، "يعقوب دينا" الذي تسبب في الحصول على ركلة جزاء، و"يعقوب فال" الذي حول تلك الركلة المستحقة إلى هدف الانتصار.
فشكرا لليعقوبيْن..
وشكرا للمنتخب الوطني..
وتصبحون على مزيد من الانتصارات...

الأحد، 2 ديسمبر 2012

مناضل مشاكس (تدوينة)


تابعت البارحة الدكتور الرائع الشيخ سيدي عبد الله في حلقة جديدة من برنامجه "الفضاء الثقافي"، وهو البرنامج الوحيد في التلفزة الموريتانية الذي أصر دائما على متابعته لما فيه من متعة وفائدة.
وكانت الحلقة البارحة ـ حسب ما خُيِّل إلىَّ ـ من أكثر الحلقات صعوبة بالنسبة للدكتور، فالضيف وهو المناضل البعثي والأديب البارز أحمد بياه،  كان ضيفا مشاكسا صعب المراس، وقد تلفظ في الحلقة بكلمات لا تليق أخلاقيا بمن في سنه (امرأة ....)، وكلمات أخرى لا تليق بمن في مكانته السياسية والأدبية  ( خاص بإيقاون و لمعلمين، لمرابط ...) . ولقد طلب الدكتور من ضيفه أن يعتذر عن تلك الكلمات، ولكن الضيف رفض ـ وبشدة ـ أن يعتذر.
ومع أنه لا يمكننا أن نلوم الدكتور الشيخ سيدي عبد الله على كلمات غير لائقة تلفظ بها ضيفه أثناء بث حلقة مباشرة، إلا أننا في المقابل كنا ننتظر ـ كمشاهدين ـ من الدكتور أن يعتذر لنا في نهاية الحلقة عن تلك الكلمات بعد أن رفض ضيفه الاعتذار عن قولها.
وعموما فيمكن القول بأن الحلقة في مجملها كانت حلقة رائعة، ولم ينتقص من روعتها إلا تلك الكلمات التي لا محل لها في الإعراب، ولا في السياسة، ولا في الثقافة، ولا في تلفزيون وطني من المفترض أن ما يبث فيه موجه لكل الموريتانيين بمختلف فئاتهم وشرائحهم.
كشفت الحلقة عن حجم التضحيات الكبيرة التي دفعها الضيف من أجل مبادئه وفكره الذي يؤمن به، وهي تضحيات لا يمكن لأي كان إلا أن يقدرها. والحقيقة أن كل القادة المؤسسين في كل الحركات الإيديولوجية قد قدموا جهودا نضالية كبيرة لا يمكن إلا أن تقدر لهم، بغض النظر عن الاتفاق  أو عدم الاتفاق معهم.
فهؤلاء القادة سواء كانوا من (الكادحين أو البعثيين أو الناصريين أو الإسلاميين) قد بذلوا تضحيات كبيرة يجب أن تقدر لهم على المستوى الوطني، وعلى المستوى الفردي أيضا.
 وكان ضيف الحلقة واحدا ممن بذلوا كثيرا في سبيل ما يؤمن به ( الاستقالة من الوظيفة، المخاطرة المستمرة، تخصيص جل الوقت والجهد للحركة التي ينتسب لها).
وبعد متابعة الحلقة كاملة وجدتني مضطرا لطرح سؤال كنت أطرحه دائما كلما تابعت شيئا من سير أحد القادة المؤسسين لإحدى الحركات الإيديولوجية في موريتانيا.
فماذا لو أن تلك الحركات خصصت نسبة 50% أو حتى 25% من نضالها وجهدها الكبير لمشاكل موريتانيا الحقيقية، والتي لا زالت تعيق نهضتها حتى اليوم؟
فماذا لو أن تلك الحركات خصصت شيئا من جهدها النضالي لتعزيز قيم المواطنة، أو لمحو الأمية، أو لنبذ الاتكالية وتشجيع العمل؟  
والحقيقة أن الابتعاد عن الهم الموريتاني الخالص، كان عاملا مشتركا لدى كل تلك الحركات، وإذا ما أخذنا كمثال حركة البعث والتي كان الضيف من قادتها، فسنجد أن الضيف والذي أمسك الملف الثقافي في حركة البعث لمدة من الزمن لا يزال ينطق بكلمات لا تساهم في تشكيل وبناء ثقافة موريتانية معاصرة.
وهذا يفرض طرح السؤال التالي : ما هي طبيعة الثقافة التي كانت تهتم بها حركة البعث في موريتانيا؟  

السبت، 1 ديسمبر 2012

علقوا شهاداتكم على حبل الغسيل (تدوينة)


يا حملة الشهادات (اقتصاد ـ قانون ـ آداب ـ فلسفة ـ تاريخ ......) علقوا شهاداتكم على حبل الغسيل ..هذا هو ما يمكنني أن أقول لكم بعد المؤتمر الصحفي للرئيس.
الغريب في الأمر أن النظام الحالي لا يزال بسجل كل عام الآلاف من الناجحين في الباكالوريا في مثل هذه التخصصات التي يلوم الرئيس أصحابها بمناسبة أو بدون مناسبة، ويحملهم مسؤولية البطالة التي يعانون منها.
فهل من الإنصاف أن نلوم شابا لم يجد غير جامعة نواكشوط ليتابع دراسته في تخصص وصل العاطلون فيه إلى عشرات الآلاف، أم نلوم الحكومة التي لم توفر له فرصة للدراسة في تخصصات أخرى قد يحتاجها سوق العمل.
بالطبع هذا الكلام لا يعني بأن المهندسين أو الأطباء أوفر حظا،  فهم أيضا ليس أمامهم إلا أن يعلقوا شهاداتهم على حبل الغسيل بعد أن أصبح الخريجون في مثل هذه التخصصات ليس أمامهم إلا أن يزاحموا غيرهم من العاطلين عن العمل من خريجي جامعة نواكشوط على أي فرصة تفتح  للاكتتاب في أي مجال من المجالات بما في ذلك مسيري دكاكين أمل.
وفي الأخير فإن هذا الكلام لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ بأن النظام الحاكم هو وحده الذي لا يهتم بحملة الشهادات العاطلين عن العمل، فالمعارضة أيضا لا تهتم بهم، ولا زالت تطرح معاناتهم وكأنها مشكلة ثانوية.
كان الله في عون كل شاب حامل شهادة وعاطل عن العمل.

الجمعة، 30 نوفمبر 2012

بالبريد السريع...إلى الصحفي محمد فال ولد عمير



إلى متى تستمر إهانة اللغة العربية في موريتانيا؟
فكم هو مؤسف أن يصر الصحفي محمد فال ولد عمير على أن يطرح أحد أسئلته باللغة الفرنسية، وأن يصر في نفس الوقت على أن يجيبه الرئيس باللغة الفرنسية.
وكم هو مؤسف أن يستجيب الرئيس لطلب الصحفي محمد فال ولد عمير ولشرطه، فيجيب على السؤال المذكور باللغة الفرنسية..
ألا يكفي الصحفي محمد فال ولد عمير  أن الرئيس كان أول شيء فعله بعد خروجه من المستشفى الفرنسي هو  التحدث باللغة الفرنسية، ومن العاصمة الفرنسية، وعبر قنوات وإذاعات وجرائد فرنسية؟
ألا يكفي الصحفي محمد فال ولد عمير بأن أول حديث مصور للرئيس الموريتاني بعد شفائه كان في قناة فرنسية و باللغة الفرنسية؟
ألا يكفي الصحفي محمد فال ولد عمير بأن أول حديث مسموع للرئيس الموريتاني بعد شفائه كان عبر الإذاعة الفرنسية وهو يتحدث باللغة الفرنسية؟
ألا يكفي الصحفي محمد فال ولد عمير بأن أول حديث مقروء للرئيس الموريتاني بعد شفائه كان في جريدة  فرنسية و باللغة الفرنسية؟
فلماذا بعد هذا كله يصر الصحفي محمد فال ولد عمير على أن يجيبه الرئيس على أحد أسئلته  بالفرنسية في المؤتمر الصحفي الذي عُقد بعد يوم واحد من ذكرى "الاستقلال"؟
ولماذا استجاب الرئيس للصحفي محمد فال ولد عمير ؟ ألم يشبع الرئيس من الحديث بالفرنسية خلال مقابلاته المصورة والمسموعة والمكتوبة مع التلفزيونات والإذاعات والجرائد الفرنسية؟
كنا نتمنى ـ على الأقل ـ  أن تمر ذكرى الاستقلال دون أن يساء بشكل مباشر وصريح للغة العربية، ودون أن يساء للمادة السادسة من الدستور، ولكن يبدو أن هناك من لا يزال يصر على أن يحرمنا من تحقيق أبسط أمانينا.
فإلى متى ستسمر إهانة اللغة العربية لغة القرآن ولغة الدستور في هذا البلد؟
وهل نحن بحاجة إلى مرور نصف قرن آخر حتى نكون على استعداد للتصالح مع لغتنا الدستورية؟ وهل نحن بحاجة إلى مرور نصف قرن آخر على "الاستقلال" حتى نتأكد بأن اللغة الفرنسية ما هي إلا لغة المستعمر، وليست بلغتنا، وأننا يجب أن لا نستخدمها إلا لضرورات قاهرة يفرضها التواصل والانفتاح على الغير، ليس إلا.
تصبحون وأنتم تحترمون المادة السادسة من الدستور...

الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

هذا هو الجديد في خطاب الرئيس!!



تابعت باهتمام كبير خطاب الرئيس، وخرجت بعد متابعته بجملة من الملاحظات اللافتة التي تستحق أن نتوقف عندها، وذلك لأنها هي التي تمثل الجديد في ذلك الخطاب، حتى وإن كان ذلك الجديد لم يكن هو الجديد الذي كان يتوقعه الموريتانيون.
لقد توقع الموريتانيون أن يأتيهم خطاب الرئيس بالجديد، فجاءهم الخطاب بالجديد، ولكنه كان جديدا غير منتظر، ولأنه لم يكن هو الجديد المنتظر، فربما يجعله ذلك يمر دون أن يُشعر به، وحتى لا يحدث مثل ذلك، فقد ارتأيت أن أخصص هذا المقال لإبراز الجديد المتخفي في ثنايا خطاب الرئيس، وسيتم ذلك من خلال الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: لقد اختفت ـ وبشكل كامل ـ كلمة جديد من كل خطاب الرئيس، كما اختفى شعار "موريتانيا الجديدة"، وشعار "تجديد الطبقة السياسية" من كل الخطاب، هذا فضلا عن اختفاء  شعار"الحرب على الفساد" و شعار"التغيير البناء" وشعارات أخرى ارتبطت في أذهان الموريتانيين بموريتانيا الجديدة .
وبطبيعة الحال فإن اختفاء مثل تلك الشعارات، والتي لم يذكر أي منها ولا بالإشارة، في كل خطاب الرئيس يعد جديدا في حد ذاته، وربما يكون تجاهل تلك الشعارات هو نتيجة لتحول يعيشه الرئيس، لم تضح ملامحه بعد، وإن كان العنوان الأبرز لهذا التحول هو أن "موريتانيا الجديدة" لم تعد تمثل أي شيء في برنامج الرئيس، أو أنها أصبحت بالنسبة له حلما يستحيل تحقيقه.

الملاحظة الثانية : لقد غابت نسبة 70%  (النسبة الشهيرة) عن كل خطاب الاستقلال، ولم يشر الرئيس في خطابه على النسب التي تحققت من برنامجه الانتخابي. وربما يعود ذلك إلى أن الرئيس قد اكتشف متأخرا بأن تكرار نسبة 70% دون زيادة منذ إطلاقها، قد يعطي انطباعا بأن الحكومة قد توقفت نهائيا عن العمل وعن الإنجاز منذ تلك اللحظة التاريخية التي تمكنت خلالها من إنجاز 70% من البرنامج الانتخابي لرئيس الفقراء. أما القفز في الوقت الحالي، إلى نسب أعلى من نسبة 70%  فهو قد يثير سخرية المواطنين، لذلك فلم تحسب النسب المتحققة من برنامج الرئيس، وتم تجاهلها في هذا الخطاب. وربما سيستمر ذلك التجاهل، لأن الحديث مستقبلا عن نسبة 70% سيعني أن الحكومة قد توقفت تماما عن الانجاز منذ انجازها لتلك النسبة. أما زيادة نسبة المنجز من برنامج الرئيس إلى 80% أو إلى 90% فإنه سيثير سخرية الشعب، وسيزيد من تهكمه وتنكيته حول مصداقية تلك النسب.

الملاحظة الثالثة بدا تسلسل فقرات الخطاب غريبا أو جديدا إذا شئتم، رغم أنه يعكس ـ وبدقة كبيرة ـ  حقيقة الواقع الذي تعيشه موريتانيا منذ 10 يوليو 1978 وحتى اليوم. لقد بدأ الخطاب بالعسكر، وانتهى بالشعب، وذلك بعد أن تم تخصيص أول فقرة من الخطاب للجيش وللإنجازات التي حققها، أما آخر فقرة من الخطاب فقد تم تخصيصها لشكر الشعب الموريتاني، والذي تأخر الرئيس كثيرا في شكره، ليس في خطاب الاستقلال فحسب، وإنما أيضا في كل الحوارات التي أجراها الرئيس بعد تماثله للشفاء.
 وإذا ما نظرنا إلى القوات المسلحة بوصفها قطاعا كغيرها من قطاعات الدولة، فهنا سنجد كذلك بأن الانجازات المرتبطة بها قد جاء ذكرها في أول الخطاب، ثم تلتها الإنجازات المتحققة في قطاع الحالة المدنية، ثم جاءت القطاعات الأخرى، وذلك من قبل أن يختم الرئيس خطابه بقطاع الصحة وبدولة القانون.
والحقيقة أن الرئيس قد وُفق تماما عندما أخر قطاع الصحة في خطابه، فقد تزامن تسجيل الخطاب مع موت طفلين في مقاطعة أركيز، وهو ما كشف شيئا يسيرا من المشاكل الكثيرة التي يتخبط فيها ذلك القطاع. أما الحديث عن دولة القانون بعد الحديث عن قطاع الصحة المريض فهو يكفي لوحده، لكي نعرف مدى ضآلة ما تحقق من انجاز على صعيد بناء دولة القانون.
ولعل الجديد الذي يمكن إبرازه من خلال هذه الملاحظة، هو أن الرئيس لم يتحدث عن الانجازات في قطاع الطرق، وكانت تلك سابقة من نوعها. فمن المعروف أن تشييد الطرق ظل يشكل دائما الموضوع الرئيس في أي خطاب رسمي، حتى وصل الأمر في وقت من الأوقات إلى أن أصبحت الطرق المشيدة هي أول انجاز يتحدث عنه وزير التوجيه الإسلامي، أو وزير البيئة، أو وزير العدل، أو أي وزير آخر إذا ما أراد أن يتحدث عن الانجازات المتحققة في قطاعه.
ومن اللافت في هذه الجزئية من الخطاب أن الرئيس لم يتحدث عن قطاع العدل في كل الخطاب، حيث لم يذكر كلمة القضاء بدلالتها المرتبطة بالعدل، ولا لمرة واحدة. وهذا من الجديد الذي جاء به خطاب الاستقلال، خصوصا أننا لا زلنا نذكر بأن توزيع العدالة بين المواطنين، وتسليم كل مواطن "نصيبه من العدل" كاملا غير منقوص، كانا من أهم الوعود التي تم إطلاقها بعد السادس من أغسطس.

الملاحظة الرابعة : ومن الجديد أيضا اختفاء كلمة "جهود جبارة" من كل فقرات الخطاب، حيث لم تذكر هذه الكلمة إلا مرة واحدة، وكان ذلك عند الحديث عما تحقق من انجازات في مجالي الطاقة والمياه رغم أن هذه الكلمة  كانت تتردد كثيرا  في كل الخطابات الرسمية. وبالتأكيد فإن الكثير منكم لا يزال يذكر الانقطاعات المتكررة في الكهرباء بعد أن أعلن الرئيس عن تفكير الحكومة في تصدير الفائض من الكهرباء إلى الدول المجاورة، وهذا ما يؤكد أن كلمة "جهود جبارة" تم وضعها في المكان المناسب لأنها جاءت في الخطاب لتصف حجم الإنجازات المتحققة في قطاعي الطاقة والمياه!!

الملاحظة الخامسة : لقد وقع خلط كبير في الأزمنة، ومع أن ذلك الخلط ظل يحدث باستمرار في كل الخطابات الرسمية، إلا أن الجديد هنا هو أنه هذه المرة قد حدث يشكل صريح وواضح جدا.
لقد تحدث الرئيس في خطابه عن منتديات التعليم وكأنها قد اكتملت، وطًبقت نتائجها. وتحدث أيضا عن مياه مقطع لحجار وكأنها قد تدفقت مع أن الحقيقة ليست كذلك.
تلكم كانت بعض الملاحظات السريعة التي حاولت من خلالها  أن أترصد الجديد في خطاب الاستقلال، ذلكم الخطاب الذي لم يأت بأي جديد مما كان ينتظره الشعب الموريتاني، حيث جاءت الزيادة في الأجور مخيبة للآمال، وحيث تم تجاهل الأزمة السياسية يشكل كامل، وهي الأزمة التي كان الكل يتوقع أن يخصص لها الرئيس جل خطابه، وأتمنى أن يستغل الصحفيون المؤتمر الصحفي المرتقب فيركزوا  عليها ـ دون غيرها ـ في أسئلتهم.

ولعل من أكثر ما استوقفني في هذا الخطاب هو أن المحنة الصعبة التي مر بها الرئيس، بعد إطلاق النار عليه، والتي كان من المفترض أن يكون لها تأثيرا كبيرا عليه، وعلى أسلوبه في الحكم، لم تنعكس على الخطاب، ولا  حتى على أي فقرة من فقراته، أو أي كلمة من كلماته.  
تصبحون على الجديد المنتظر...