الأحد، 25 نوفمبر 2012

قصاصة (15) / ألا توجد في موريتانيا قطعة صابون..!؟



هذه القصاصة تبين أن العمل الخيري قد لا يحتاج في كل الأوقات إلى كثير من المال، ففي أوقات كثيرة قد لا يحتاج إلا لوجود روح المبادرة، وإلى قطعة صابون.
ففي عام مضى، أخبرني أحد الأصدقاء عن وجود حالة إنسانية صعبة جدا في المستشفى المعروف حينها بمستشفى الصباح، وهو المستشفى الواقع غرب المستشفي الوطني.
صديقي هذا طلب مني أن أكتب عن تلك الحالة الإنسانية، وهو ما فعلته حينها، ولأنني موريتاني حتى النخاع فلم أفكر في أي شيء آخر غير كتابة بضع كلمات ميتة، ونشرها في واحدة من الجرائد التي كانت تصدر في ذلك الوقت.
كانت الحالة صعبة جدا : مواطن موريتاني يعاني من أمراض متعددة، جيء به من السجن المدني، لأنه كان سجينا، وألقي به في إحدى غرف مستشفى الصباح، وتُرك هناك وحيدا بلا رفيق.
كانت الروائح الكريهة تنبعث من الغرفة التي يوجد بها النزيل، حتى أصبح أصحاب الغرف المجاورة يتضررون منها، وكانت تلك الروائح الكريهة، أكرمكم الله، تنبعث من الرجل، ومن فراشه، فهو من شدة المرض لم يكن قادرا على أن يقضي حوائجه في الحمام، فظل يقضيها على فراشه، ولأنه كان وحيدا بلا رفيق، ولأن الرأفة غائبة في مستشفياتنا، فقد ظلت حالة الرجل تتفاقم، حتى وصلت الروائح إلى درجة أصبح فيها مجرد المرور من أمام غرفة هذا المريض مجازفة كبرى.
كانت حالة الرجل تزداد سوءا، ومع ذلك فلم يفكر أي واحد من الملايين الثلاثة وزيادة من إخوة هذا الرجل بالتطوع بمرافقته في المستشفى حتى يشفى من مرضه، أليس المسلم أخ المسلم؟ أليس المواطن أخ المواطن؟ ألم يعلمونا ذلك نظريا أما عمليا فإنهم لم يعلمونا أي شيء مفيد.
كانت حالة الرجل تزداد سوءا، ومع ذلك لم نسمع عن أي منظمة غير حكومية من آلاف المنظمات المرخصة حاولت أن تغيث ذلك الرجل المريض.
كانت حالة الرجل تزداد سوءا، ومع ذلك لم نسمع عن أي عالِم أو عن أي سياسي، أو عن أي وجيه، أو عن أي تاجر، أو حتى عن أي عابر سبيل فعل شيئا ـ أي شيءـ لهذا المريض المسكين الذي يجمعه بنا، وطن واحد، ودين واحد.
كانت حالة الرجل تزداد سوءا، ومع ذلك فقد ظلت موريتانيا تتفرج على معاناة ذلك الرجل دون أن تفعل شيئا، وكأنه ليس أحد أبنائها.
ظلت موريتانيا ـ كعادتها ـ تتفرج، في انتظار أن يأتي مغيث ليغيث ذلك الرجل المسكين.
ذلك هو الوجه البائس من المشهد، فدعونا نتأمل الوجه "المضيء" من المشهد :
فتاة أمريكية في مقتبل عمرها (21 سنة)، تربت في بيئة أكثر "نظافة" من بيئتنا، جاءت من بعيد إلى هنا، وبالتأكيد فإن في بلدها ما يمكن أن يشغلها عن المجيء إلى هنا، فإن كانت تريد علما فالعلم هناك، وإن كانت تريد مناظر سياحية فالمناظر السياحية أكثر هناك، وإن كانت تريد حياة لهو وبذخ وفحش ففي بلدها من البذخ والفحش ما لا يخطر على بال.
جاءت، ولابد أنها جاءت لغاية...
المهم أنها جاءت إلى هنا، وعَلِمت ـ ولا أدري ممن ـ بقصة المريض الذي يعاني في مستشفى الصباح.
جاءت، وهي ولا تحمل معها سوى قفازات وقطعة صابون وغطاء من قماش رقيق (بالمناسبة هذا هو ما بخلت به موريتانيا على أحد أبنائها المرضى).
وضعت القفازات على يديها، وأخذت تنظف ثوب وفراش وجسد المريض بالماء والصابون، ثم وضعت عليه غطاء القماش، وبعد ذلك أخذت تصرخ، وتصرخ، فجاءت إدارة المستشفى لتهتم بالمريض، وذلك من قبل مجيء أحد العاملين في إدارة السجن بكيس مملوء بشتى أصناف الفواكه!!!
بالمختصر المفيد: لقد اهتم الجميع بهذا المريض لأن أمريكية لا يتجاوز عمرها واحد وعشرون سنة اهتمت به، وأوصتهم عليه، وكأنهم قد فاتهم أن ربهم ورب الأمريكية كان قد أوصاهم من قبل ذلك بذلك المريض، وبغيره من المرضى والضعفاء.

السبت، 24 نوفمبر 2012

خياران أمام الرئيس


حسب ما نشره موقع الوكالة الموريتانية للأنباء فإن الرئيس سيعود اليوم، على تمام الساعة الثالثة ظهرا، بحول الله وبمشيئته. سيعود الرئيس وسط استقبال شعبي حاشد وعارم، لا شك في ذلك، ولكن ذلك الاستقبال لن يغير شيئا من حقيقة "الأغلبية المفبركة"، والتي تبخرت تماما خلال الأربعينية التي قضاها الرئيس في المستشفيات الفرنسية.
سيعود الرئيس، وسيجد نفسه أمام واحد من خيارين اثنين عليه أن يختار أحدهما:

الخيار الأول:

وهذا الخيار يبدو أنه ـ وللأسف الشديد ـ هو ما يدور حاليا في ذهن الرئيس، حسب ما تم إرساله من إشارات. ويتمثل هذا الخيار في أن الرئيس لن يغير من طريقة تعامله مع الأمور، وذلك لأنه لا يشعر بأن هناك فرقا كبيرا  بين ما قبل الثالث عشر من أكتوبر وما بعده، إذا ما استثنينا بعض التغيرات في صحة الرئيس، والتي لا تقتضي منه حسب هذا الخيار إلا أن يمنح بعض سلطاته التنفيذية للوزير الأول، وبعض سلطاته العسكرية للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وذلك في انتظار أن يشفى تماما من الإصابة، والتي قد يكون علاجها لا يزال يتطلب العودة إلى فرنسا، والإقامة هناك فترة من الزمن، قد تطول وقد تقصر، حسب ما سيقرره الأطباء لاحقا.
ولا يخفى حجم المخاطر التي قد تترتب على مثل هذا الخيار، فرئيس الجمعية الوطنية، والذي يعتقد بأنه قد قدم خدمات جليلة للرئيس عزيز خلال محنته،  سيعتبر أن هذا الخيار بمثابة "رصاصات صديقة" يطلقها الرئيس عزيز عليه، وعلى مبادرته.
ومن الراجح بأن البدء في تنفيذ هذا الخيار سيفرض على الرئيس مسعود أن يعيد التفكير في علاقته مع الرئيس عزيز، وهو ما قد يترتب عليه  فتح صفحة جديدة بينهما، وهي صفحة  لن تكون أقل شراسة من الصفحة التي فتحتها المعارضة المقاطعة منذ أن قررت رفع شعار الرحيل.
وعندما يقرر مسعود العودة إلى المعارضة الصريحة للرئيس عزيز، فإن ذلك سيزيد من ارتباك "الأغلبية المفبركة" للرئيس، كما أنه سيزيد من ارتباك الحكومة المرتبكة منذ ظهورها، الشيء الذي قد ينتج عنه ارتكاب المزيد من الأخطاء والهفوات.
وسيؤدي ارتكاب مثل تلك الأخطاء والهفوات إلى أن يضطر الرئيس إلى أن يخالف نصائح أطبائه، وإلى أن يقطع علاجه للمرة الثانية، وذلك لكي يتلافى تدهور الأوضاع، وهو ما سينعكس بشكل سيء على صحته، مما سيؤدي في النهاية إلى مزيد من تدهور الأوضاع ، وهو ما ستستغله المعارضة من خلال زيادة  احتجاجاتها كما وكيفا.
وبالتأكيد فإن المعارضة لن تعدم المزيد من الأنصار المتحمسين في مثل تلك الظروف، خاصة بعد أن تجاوزت "امتحان الأربعاء" والذي شهدت المسيرة التي نظمتها المعارضة خلال ذلك اليوم، حضورا لافتا، رغم أن الجميع توقع لها فشلا مريعا بعد أن ظهر الرئيس أمام قصر الإليزيه بصحة جيدة جدا، إذا ما قورنت بتلك الصورة السيئة جدا لصحته، والتي كانت ترتسم  ـ بفعل الشائعات ـ في أذهان أغلب الموريتانيين، إن لم أقل جميعهم.
وفي المحصلة النهائية فإن الرئيس عزيز سيجد نفسه في وضعية حرجة جدا، وسيجد أن الخيارات التي كانت متاحة له في الأواخر من شهر نوفمبر لم تعد متاحة له في الأسابيع والأشهر القادمة.

الخيار الثاني : 

أن يكون من أول القرارات التي سيتخذها الرئيس بعد عودته، هو أن يحسم موقفه من مبادرة الرئيس مسعود، والتي ربما تكون هي آخر ما استلم من ملفات وقضايا من قبل إصابته. وإذا ما قرر الرئيس أن يقبل بمبادرة مسعود فإنه سيجد حينها بأنه قد أزاح عن نفسه عبئا ثقيلا لا شك أن إزاحته، في مثل هذا الوقت، ستساعد الرئيس كثيرا في استعادة صحته بشكل أسرع.
وبالتأكيد فإن كل الأمور العالقة لن يتم حسمها بقبول الرئيس لمبادرة مسعود، لأن المعارضة المقاطعة لن تتنازل بشكل تلقائي عن مطلب الرحيل، أو مطلب الشغور الذي ظهر مع حادثة رصاصات أكتوبر، وهو ما سيفتح نقاشا بين المعارضة المقاطعة من جهة مع المعاهدة والأغلبية من جهة أخرى. ويمكن أن يفضي ذلك النقاش إلى أن تتوصل الأطراف إلى أن يعلن الرئيس إما عن استقالته الفورية، وإما عن عدم نيته للترشح لمأمورية ثانية، مع اعتبار ما تبقى من مأموريته هو المدة اللازمة لفتح حوار وطني واسع، ولتشكيل حكومة وحدة وطنية، ولتسريع عملية تقييد السكان الجارية، وذلك  من أجل تهيئة الظروف الملائمة لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية شفافة .
تصبحون على الخيار الثاني.

الخميس، 22 نوفمبر 2012

وماتت مبادرة 14 نوفمبر!!



كثيرة هي المبادرات التي تطفو من حين إلى آخر على سطح المشهد السياسي، وبعض تلك المبادرات ـ  وهو النادر جدا ـ يتأسس لتحقيق مصلحة وطنية، أما أغلبها فهو لا يتعدى كونه مجرد مبادرات يسعى أصحابها لتحقيق مكاسب شخصية وآنية، وبعد تحقيق تلك المكاسب فإن تلك المبادرات  تموت، ودون أن يترحم عليها أي أحد، تموت تلك المبادرات بصمت، على العكس مما يحدث عند ميلادها، والذي كثيرا ما يصاحبه الكثير من الضجيج والصراخ.
 ولم تكن مبادرة 14 من نوفمبر إلا واحدة من تلك المبادرات الكثيرة التي ولدت من رحم أزمة عقيمة لم تنجب حتى الآن ولدا صالحا، ورغم أنه يصعب أن نصنف هذه المبادرة على أنها واحدة من تلك المبادرات الساذجة التي يؤسسها بعض السذج لتحقيق مكاسب شخصية تافهة، إلا أننا مع ذلك لا يمكننا أن نتجاهل الكثير من الشكوك والأسئلة التي ولدت في أذهان البعض بعد ميلاد هذه المبادرة، وهي الشكوك والأسئلة التي لا تزال ترفض أن تموت بعد موت المبادرة، والتي تم نعيها من طرف مؤسسيها ببيان تم نشره في بعض المواقع الوطنية.
ومن بين الشكوك والأسئلة التي أثارتها هذه المبادرة، يمكنني أن أذكر:
1 ـ إن السيرة الذاتية لهذه المبادرة تثير الكثير من الشك والارتياب حول جدوائية تأسيسها. ففي يوم 14 نوفمبر تم الإعلان عن تأسيس هذه المبادرة، وفي يوم 17 نوفمبر أعلنت مبادرة "يدا بيد من اجل الوطن" عن دعمها لمبادرة 14 نوفمبر. وفي يوم 18 نوفمبر أعلنت مبادرة 14 نوفمبر عن تشكيل لجنة متابعة و تنسيق و اتصال، وتمت تسمية رئيس هذه اللجنة، وبإجماع الحضور. وفي يوم 20 نوفمبر اجتمعت لجنة المتابعة لمبادرة 14 نوفمبر لتعلن عن تعليق أنشطة مبادرتها، أي موت المبادرة، وكان الله غفورا رحيما.
2 ـ أليس من العبث تأسيس مبادرة بهذا الحجم، وبهذا الثقل، تضم العشرات من الشخصيات الوازنة  لستة أيام فقط، كانت هي عمر المبادرة؟
3 ـ لقد كان بين الأنشطة المستقبلية التي وعدت المبادرة بتنفيذها : "العمل الميداني المتعلق بالتعبئة و التنظيم الجماهيري في إطار تحضير الاستقبال الشعبي لفخامة رئيس الجمهورية"، فلماذا تم تجميد أنشطة المبادرة من قبل عودة الرئيس، ومن قبل المشاركة الميدانية في استقباله؟
4 ـ  من المستغرب حقا أن الدكتور/ الشيخ المختار ولد حرمة ولد بابانه في مقاله الأخير الذي كتبه بعد ظهور الرئيس، وكان تحت عنوان "القوى الأمين.. شهادة للتاريخ، ونصائح لمن يهمه الضمير..." لم يذكر شيئا عن مبادرة 14 نوفمبر، والتي هو أحد أعضائها، ولم يشكر أي عضو فيها ولو بشطر كلمة، رغم أنه وجه الشكر للعديد من الشخصيات والجهات،  فلماذا يحاول أصحاب هذه المبادرة ـ وحسب الظاهر تصرفاتهم ـ محو كل أثر لهذه المبادرة من قبل عودة الرئيس؟
الغريب في الأمر أن الدكتور شكر في مقاله رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، ومن المعروف أن العلاقات بين الرجلين لم تكن حسنة، على الأقل في قترة من الفترات، حيث كان الدكتور من بين عدد من الوزراء ( وزير الداخلية، وزير الاقتصاد، وزير التجارة)، والذين حاولوا وبقيادة من  نائب رئيس مجلس الشيوخ، إسقاط نفس رئيس الحزب الذي أثنى عليه الدكتور في مقاله الأخير ثناءً كثيرا.
5 ـ هذه الجهود الجبارة التي يقوم بها  مؤسسو مبادرة 14 نوفمبر لمحو أي أثر لهم من قبل عودة الرئيس، ألا تشرع لنا أن نتساءل : هل هذه المبادرة  التي تم تأسيسها في وقت لم تكن فيه الأخبار المتسربة عن صحة الرئيس مطمئنة قد تم تأسيسها من أجل الحصول على نصيب من تركة الرئيس، ولما ظهر الرئيس في يوم 19 نوفمبر بصحة مطمئنة إلى حد ما،  قررت المبادرة أن تتوقف عن البحث عن نصيبها من تركة الرئيس؟
6 ـ لقد قلت سابقا بأن هناك الكثير من البيانات التي يعد وقت إصدارها أكثر دلالة مما كتب فيها، وأعتقد بأن بيان إعلان ميلاد مبادرة 14 نوفمبر، وبيان نعيها هما من ذلك النوع من البيانات، خصوصا أن بيان النعي جاء بعد يوم واحد من ظهور الرئيس.
ويبدو أن الرئيس قد نجح تماما في إخفاء وضعيته الصحية عن الجميع، بما في ذلك أصحاب مبادرة 14 نوفمبر والذين يصعب أن يخفى عليهم شيئا من أمور الدولة، لمكانتهم ولوزنهم ولصلاتهم القوية بأعلى السلطات.
لقد استطاع الرئيس أن يخفي وضعيته الصحية عن الجميع، ففاجأ ظهوره معارضيه، كما فاجأ أنصاره. وكان من بين من فاجأهم ذلك الظهور مؤسسي مبادرة 14 نوفمبر، والذين ربما يكونون قد صدقوا كغيرهم من الموريتانيين الإشاعات الكثيرة التي كانت تُسرب عن تدهور صحة الرئيس، مما جعلهم يقررون تأسيس مبادرة 14 من نوفمبر، لحماية نصيبهم من التركة السياسية للرئيس،  ولكن بعد ظهور الرئيس لم يكن أمامهم من خيار سوى نعي مبادرتهم.
بالطبع ستبقى هناك أسئلة مطروحة حول صحة الرئيس، ولكن ظهور الرئيس وهو يمشي على قدميه، ويلوح بيده، ويتحدث بصوت مسموع بعد ذلك الكم الهائل من الإشاعات السيئة عن تدهور صحته، جعل الأنصار يؤجلون ـ ولو إلى حين ـ التنافس بينهم على توزيع التركة السياسية للرئيس.
تصبحون على مبادرات أطول عمرا.. 

القصاصة (14)/ قصص ومشاهد غريبة!!



سأخصص بعض هذه القصاصات، لبعض القصص التي كان أبطالها أجانب، وهي قصص تعكس مدى تدني الحس الوطني لدينا نحن الموريتانيين، حيث يكون الأجانب أكثر رأفة منا بوطننا.
(1)
حدثني صديق لي، وهو دكتور في الصيدلة، كان يعمل في صيدلية خصوصية، وقال لي بأنه في يوم من أيام عمله، باع بعض الأدوية لفرنسي، وناوله كيسا بلاستيكيا ليضع فيه تلك الأدوية، ولكن الفرنسي رفض أخذ الكيس بحجة أنه لا يريد أن يساهم في تلويث البيئة الموريتانية، حتى ولو اضطر لأن يحمل أدويته مبعثرة، وحتى ولو تساقطت كلها في الطريق.
أتذكر الآن، وأنا أحكي لكم هذه القصة مشهدا غريبا عجيبا في سلوك المواطن الموريتاني،لم أجد له تفسيرا، ويتكرر دائما عند الأمكنة المخصصة لوضع القمامة. فكثيرا ما أشاهد امرأة أو رجلا يأتي بالقمامة من منزله، وفي بعض الأحيان يكون منزله يبعد عن الحاوية بعشرات الأمتار، ولكنه عندما يصل للحاوية المخصصة للقمامة، يتصرف تصرفا غريبا ومحيرا، فبدلا من أن يخطو خطوة أخيرة حتى يضع القمامة داخل الحاوية، فإنه بدلا من ذلك يرمي القمامة جنب الحاوية، ثم يأتي آخرون ويفعلون نفس الشيء، حتى تصبح عملية وضع القمامة داخل الحاوية، لمن أراد فعلا أن يفعل ذلك، عملية شبه مستحيلة نظرا لأكوام القمامة التي تحيط بالحاوية من كل الجهات.
في النهاية يكون المشهد كالتالي : حاوية فارغة تماما، محاطة بسور مرتفع من القمامة، وهو ما ينتج عنه:
ـ منظر سيء على شارع عام.
ـ إرهاق عمال النظافة وتكليفهم بجهود إضافية، فوق جهودهم المتعبة أصلا .
ـ جعل المكان بؤرة للجراثيم والميكروبات، والتي ستؤثر حتما على صحة كل أولئك الذين قاموا بذلك السلوك الغريب.
ـ هذا المشهد قد يعطي انطباعا سيئا للزائر الأجنبي، وربما يجعله يعتقد بأننا الشعب الأكثر غباءً في العالم، مع أننا من أكثر شعوب العالم ذكاءً، إلا أننا نستخدم ذكاءنا ـ في كثير من الأحيان ـ استخداما سيئا.
المؤكد أن كل من يرمي القمامة ليس بأحول حتى يقول الأجنبي بأن حِوَلَه هو الذي حال بينه وبين الحاوية، وقطعا فهو لم يفعل ذلك رحمة بالحاوية وخوفا عليها من أن تتسخ من الداخل، حتى يقول الأجنبي بأننا بلغنا مرحلة متطورة من النظافة حتى أصبحنا نشفق على الحاويات.
فلماذا نحن من بين كل شعوب الأرض نتصرف بهذه الطريقة الغريبة العجيبة؟؟؟؟؟

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

وأخيرا ظهر الرئيس بالصوت والصورة!!



يحكى أن عجوزا لبست ثوبا رثا، وحملت معها سلة للبيض، ووقفت أمام الطابور الطويل الممتد من أمام شباك البنك، وقد كان ذلك في أول  يوم من الشهر، حيث جرت العادة أن تحدث زحمة كبيرة أمام شباك البنك، في مثل ذلك اليوم من كل شهر.
عندما وصلت العجوز إلى الطابور، سألت ببراءة : هل يباع  البيض هنا؟
كان أغلب من في الطابور الطويل بحاجة إلى أن يسرق ابتسامة من نكد الحياة، بعد ساعات طويلة من الوقوف في طابور ممل.
ترك المصطفون في الطابور مكانا متقدما لصاحبة سلة البيض، وانتظروا المشهد الساخر، أي أن تقف العجوز أمام عامل البنك، وتطلب منه أن يبيعها بيضا.ولكن المفاجأة أن العجوز عندما وصلت إلى الشباك أخرجت من ثيابها الرثة شيكا، وقدمته لعامل البنك، وسحبت مبلغا من المال، ولتودع من بعد ذلك المصطفين في الطابور، وذلك من قبل أن تعود من حيث أتت، تاركة كل من في الطابور في ارتباك  شديد.
لقد أراد المصطفون في الطابور أن يسخروا  من العجوز، ولكن العجوز كانت  هي في النهاية من سخر من المتواجدين في الطابور.
في الرابع عشر من أكتوبر سافر الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى فرنسا لإكمال علاجه، بعد إجراء عملية عاجلة في المستشفى العسكري. وعندما وصل الرئيس إلى فرنسا قرر أن يتخلص من كل معاونيه، وأن يحجب كل أخباره، ولم يعد يُسمع عنه إلا بعض التسريبات التي كانت تثير من الشكوك أكثر مما تطمئن.
وترك الرئيس الشائعات تتناسل وتتناسل، حتى كاد الجميع أن يتيقن من عجزه، لدرجة أن أحد معارضيه أقسم على ذلك العجز، ثم فجأة ظهر الرئيس وهو يمشي على قدميه، ويلوح بيديه، ويتحدث بصوت مسموع، في يوم  لا يفصله إلا يوم واحد عن يوم المعارضة الموعود.
إنها قصة العجوز تتكرر، إنها نفس حركتها المسرحية يتم إعادة استنساخها، ولكن بإثارة أكثر، وبغرابة أشد، ومن طرف رئيس جمهورية.
لقد "لعيها الرئيس صح"، فأوقع خصومه في حيرة شديدة، وفي ارتباك فظيع.
ولكن، دعونا نطرح السؤال التالي : هل يجوز لرئيس جمهورية أن يتصرف بطريقة العجوز صاحبة سلة البيض؟ بالتأكيد لا،  فأخبار صحة رئيس الجمهورية ليست ملكا خاصا له، يغامر به كما يشاء،  ولا يجوز للرئيس ـ بأي حال من الأحوال ـ أن يحجب وضعيته الصحية عن شعبه، ولشهر كامل، حتى ولو كان ذلك لغرض توجيه ضربة قاسية لخصومه السياسيين، لأن مثل ذلك الحجب قد جعل الشعب ـ  بنخبه وبعامته ـ  يقع فريسة لسيل عارم من الشائعات التي لم يكن بالإمكان التحكم في البوصلة التي تحدد اتجاهها وتحركها.
لم يكن من الجائز للرئيس أن يتصرف بطريقة صاحبة سلة البيض، ولم يكن بحق له أن يتلاعب بأعصاب الشعب الموريتاني، ولشهر كامل،  ولكن في المقابل، لا بد من الاعتراف بأن هذه الطريقة الغريبة التي تصرف بها الرئيس، كانت لها إيجابيات عديدة، تستحق أن نتوقف عندها.
وقبل التوقف عند تلك الإيجابيات أرجو أن تسمحوا لي بأن أفتح قوسا لأجيب على سؤال كنت قد وعدت في مقال " سأحدثكم عن صحة الرئيس" بأن أجيب عليه.
يقول السؤال: لماذا أصر المعارض الإمام الشافعي على أن ينقل للموريتانيين شهادة الرئيس النيجري حول تحسن صحة الرئيس عزيز في وقت كان فيه أغلب الموريتانيين قد اقتنع بأن الوضعية الصحية للرئيس قد أصبحت في مرحلة حرجة؟
أعتقد بأن الجواب قد أصبح الآن واضحا لكم، لقد حاول الإمام الشافعي أن ينبه الطابور إلى أن العجوز لا تريد بيضا، وإنما جاءت لتسحب راتبها، ولكن المشكلة أن الطابور لم يكن  ليصدق الإمام الشافعي في تلك اللحظة، ولم يكن ليشك في العجوز، فما كان من العجوز إلا أن واصلت تنفيذ خطتها الذكية.
والآن ما هي الدروس والعبر التي يمكن أن نستخلصها من قصة العجوز والطابور؟
بالتأكيد هناك الكثير من الدروس والعبر التي يمكن أن نستخلصها، إذا ما تأملنا ردود أفعال كل المتواجدين في الطابور أثناء تخفي العجوز، ولكننا في هذا المقال سنتوقف عند درسين فقط من تلك الدروس الكثيرة.
بدءا دعونا نقسم الطابور إلى طابورين : طابور أغلبية، وطابور معارضة، وذلك من أن أجل أن نأخذ عبرة أو درسا من كل طابور.
طابور الأغلبية: لقد صمت طابور الأغلبية أثناء احتجاب الرئيس، صمتا طويلا، وهو سيصرخ كثيرا في الأيام القادمة بعد ظهور الرئيس بالصوت والصورة.
لن تسمعوا شيئا في الأيام القادمة بسبب صراخ وضجيج طابور الأغلبية، وعليكم أن تتفهموا ذلك، وعليكم أن تتحملوه أيضا. إن الأغلبية ستحاول أن تعوض في يوم السبت القادم شهرا كاملا من الصمت المريب.
والغريب أن هذه الأغلبية التي ستصك آذان الجميع في الأيام القادمة، بخطبها وببياناتها، وبمسيراتها، وبتصفيقها لم تفعل أي شيء من ذلك خلال شهر كامل.
هذه الأغلبية لم تنظم مسيرة واحدة، حتى بيانها المكون من ست وعشرين سطرا، والذي نشرته بمناسبة أحداث غزة، أصرت على أن لا تذكر فيه أهم انجاز للرئيس محمد ولد عبد العزيز، ألا وهو قطع العلاقات مع العدو الصهيوني، مع أن المقام كان يستدعي ذكر ذلك، والمناسبة كانت تفرضه، والوفاء للرئيس المريض كان يستوجبه.
على الرئيس أن يعلم بأن أغلبيته قد تبخرت خلال الشهر الماضي، وأن الستمائة ألف مناضل في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية عجزوا في مجملهم أن يقوموا بما قامت به نساء فقيرات غير منخرطات في أي حزب سياسي داعم.
إنهن نساء فقيرات جئن للرئاسة لكي يبلغن عن بعض المظالم، ولكن لما أصيب الرئيس قررن أن يبدلن اعتصامهن من اعتصام لرفع الظلم عنهن، إلى اعتصام متضامن مع الرئيس في مرضه.
نساء فقيرات من حي شعبي، لا صلة لهن بالعمل السياسي، ولكنهن مع ذلك تمكن من فعل ما لم تتمكن من فعله كل نساء الاتحاد من أجل الجمهورية.
وما يقلقني هو أن يتجاهل الرئيس النساء الفقيرات اللواتي اعتصمن لأسابيع تضامنا معه، وينشغل بعد قدومه باستقبالات وبمبادرات نساء الاتحاد من أجل الجمهورية. وما يقلقني أكثر هو أن يكون الرئيس لم يستخلص العير من هذه المحنة التي ألمت به، وعموما فإني أهنئه من كل فلبي بتماثله للشفاء، وأعده بأني سأعود إلى كتابة الرسائل المفتوحة التي كنت قد قطعتها في وقت سابق، وأتمنى أن يكون قد أصبح  الآن أكثر استعدادا للاستماع لغير المصفقين.
ولا يفوتني هنا أن أبلغ للرئيس استيائي، وهو استياء تشاركني فيه غالبية الشعب الموريتاني، من استخدامه للغة الفرنسية في أول حديث له بعد شهر من الغياب، خصوصا أن ذلك كان في أيام معدودات من قبل الاحتفال بذكرى الاستقلال.
كان من الأسلم أن يستدعي الرئيس صحفيا موريتانيا ووسيلة إعلام وطنية لإجراء أول مقابلة معه بدلا من إجرائها مع قناة أجنبية.
طابور المعارضة: أتذكر بأني وجهت طلبين ملحين لمنسقية المعارضة خلال الشهر الماضي، كان أولهما بمناسبة تعليق أنشطتها بعد حادثة إطلاق النار على الرئيس، ولقد هنأت المعارضة على ذلك الموقف النبيل، وطلبت منها أن تستمر فيه حتى يشفى الرئيس بشكل كامل، ثم بعد ذلك تستقبله في المطار لحظة قدومه من رحلة الاستشفاء بمسيرة حاشدة تطالب بالرحيل. أما الطالب الثاني فقد يبدو أكثر غرابة، حيث طلبت من أحزاب المنسقية أن تعلق لافتات على كل المقرات التابعة لها، وأن تتمنى من خلال تلك اللافتات شفاءً عاجلا للرئيس محمد ولد عبد العزيز.
طبعا لم تستجب المعارضة للمطلبين، ورغم أني لازلت أعتقد بأنه كان بإمكان المعارضة أن تحقق مكاسب سياسية كبيرة لو استمرت في إضفاء بعد أخلاقي على كل أنشطتها خلال غياب الرئيس، أو أن ذلك  كان  سيمكنها ـ على الأقل ـ من تجنب الخسارة التي تكبدتها، فرغم قناعتي بذلك، إلا أنه لا يمكنني أن ألوم اليوم المعارضة لأنها لم تواصل تجميد أنشطتها، فلا يعقل أن تجمد أحزاب معارضة كل أنشطتها خلال شهر كامل لم ينشر فيه  أي إيجاز عن صحة الرئيس.
لا يمكنني أن ألوم المعارضة على عدم الاستمرار في تجميد أنشطتها، ولكن ـ في المقابل ـ  يمكنني أن ألومها على أنها غيرت شعاراتها المرفوعة اعتمادا على شائعات ومعلومات غير مؤكدة.
ويمكنني أن ألومها على أنها لم تعط الأولوية للبعد الأخلاقي في أنشطتها السياسية، خاصة وأننا نعيش في مجتمع انهارت فيه القيم والأخلاق لدى أغلب نخبه السياسية، وأصبحت الأخلاق هي أول شيء يبحث عنه المواطن في نخبه السياسية.
كان على المعارضة أن تعلم بأن التغيير الذي لا يأتي نتيجة لتراكم عمل نضالي وتوعوي متواصل، لن يكون فيه خيرا، وأن أي تغيير تحدثه رصاصة صديقة أو شقيقة، أو يحدثه انقلاب على انقلاب  لن يكون هو التغيير المنشود.
وعلى المعارضة أن تعلم بأن من بين أهم الأسباب التي أدت إلى عدم حصول تغيير في هذا البلد هو أن نَفسها في النضال لم يكن طويلا.  ففي الخمس سنوات الأخيرة تم ارتكاب العديد من الأخطاء الإستراتيجية، ولم يسلم أي حزب من أحزاب المعارضة من تلك الأخطاء.
فحزب التحالف الشعبي كان هو السباق في ارتكاب الأخطاء، حيث دعم في الشوط الثاني مرشحا للانتخابات الرئاسية لم يكن في سجله أي تضحيات قدمها في سبيل إحداث تغيير في البلد.
و اتحاد قوى التقدم وتواصل قررا أيضا في لحظة حساسة أن ينسحبا من المعارضة للمشاركة في حكومة رئيس لم يأت من رحم المعارضة.
أما التكتل وحاتم فقد اعترفا بانقلاب السادس من أغسطس، وقاما بدعمه في لحظة حرجة جدا.
ختاما، على المعارضة أن تستثمر هذه اللحظة، وأن تستغلها في مراجعة أساليبها وأنشطتها وتاريخها النضالي، لكي تستخلص ما يمكن استخلاصه من دروس وعبر،  فطريق التغيير طريق شاق وصعب، ولن يبسط عليه أي سجاد أحمر.
تصبحون على معارضة طويلة النفس..  

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

القصاصة (13)/ الراعي والمستشار



يحكى أن أحد المستشارين الكبار قرر في يوم من الأيام أن يذهب إلى أحد السهول الخضراء خارج المدينة، وذلك لكي يأخذ قسطا من الراحة بعد أسبوع من العمل الشاق. ويقال أن ذلك المستشار صادف في طريقه راعي غنم يرعى غنما سوداء، تكاد لكثرتها تغطي السهل بكامله، فما كان من المستشار إلا أن أوقف سيارته الفاخرة، واتجه نحو الراعي، ودار بينهما الحوار التالي:
المستشار للراعي :ـ إذا أخبرتك بعدد غنمك فهل ستعطينني واحدة منها؟
ـ إذا حددت لي عددها بالضبط فسأعطيك منها واحدة.
أرسل المستشار رسالة نصية إلى صديق له، يعمل في شركة للتصوير الفضائي، وطلب منه أن يحدد له عدد النقاط السوداء الموجودة في السهل الذي كانت توجد به غنم الراعي.
وبعد وصول الجواب على الرسالة النصية، التفت المستشار إلى الراعي، وقال له :
ـ غنمك عددها بالضبط 1647 شاة.
ـ عجيب كيف عرفت!؟
ـ لا يهم، المهم أنه عليك أن تفي بما تعاهدنا عليه.
أخذا الراعي واحدة من "النقاط السوداء" ووضعها في مؤخرة سيارة المستشار.
وهنا توجه المستشار نحو سيارته، بخطوات مغرورة، وعندما وصل إليها اتجه إلى مقعد السائق، ثم بعد ذلك أدار محرك سيارته، ولكن قبل أن تنطلق السيارة، التفت الراعي بكل ثقة إلى المستشار، وقال له بصوت واثق:
ـ إذا حددت لك وظيفتك بالضبط فهل ستعيد لي ما أخذت من غنمي؟
ـ إذا حددت لي وظيفتي بالضبط فسأعيد لك ما أخذت منك.
ـ أنت تعمل مستشارا.
ـ ولكن كيف عرفت؟
ـ لا يهم، المهم أنه عليك أن تلتزم بما قلت.
ـ سأعيد لك ما أخذت، ولكن أرجوك قل لي كيف عرفت وظيفتي؟
ـ عرفتها بثلاثة أشياء، أولها أنك جئتني دون أن أطلب منك ذلك، وهذه واحدة من صفات المستشارين فهم دائما يأتون لعرض خدماتهم دون أن نطلب منهم ذلك. أما الثانية فهي أنك لم تأتيني بمعلومة جديدة، والمستشار دائما لا يضيف معلومة جديدة، فأنا كنت أعرف عدد غنمي من قبل أن تخبرني أنت به. أما الثالثة وهي التي تأكدت من خلالها أنك تعمل مستشارا فهي أنك لا تفرق بين النعجة والكلب ففي سيارتك لا توجد نعجة بل يوجد كلبي الأسود.
تلكم كانت مجرد قصة للتسلية، وإن كان يمكن الاستفادة منها.
تنبيه: البعض قد يعتقد بأن المستشار لابد أن يأتي بمعلومات جديدة، مع أن الأمور في الواقع قد لا تكون كذلك، فهو قد يكتفي بأخذ بعض المعلومات من عندنا ثم يعيد تقديمها لنا بطريقة مثيرة وأنيقة ومبهرة قد تجعلنا نستفيد من تلك المعلومات.

لهذا السبب بشر الشافعي بتحسن صحة الرئيس..!



هل فهمتم الآن لماذا قرر الإمام الشافعي المعارض الشرس للرئيس محمد ولد عبد العزيز أن يكون هو أول من يطمئن الموريتانيين على صحة الرئيس عزيز؟
هل فهمتم لماذا أصر الإمام الشافعي على أن يفشي ما أسر له به رئيس النيجر من تقدم صحة عزيز في وقت كان الرائج فيه أن صحة الرئيس عزيز قد تدهورت شيئا كثيرا؟
يُخَيل إلي ـ والله أعلم ـ بأن الإمام الشافعي قرر أن يبشر الموريتانيين بصحة الرئيس لأنه يعارض عزيز بشكل شرس وعنيف لا يعارضه به أي معارض آخر.
ما معني هذا الكلام يرحمك الله؟
لقد أراد الرئيس عزيز أن يفاجئ خصومه، وفي وقت حساس جدا، بتقدم صحته، بينما أراد الشافعي أن يفسد عليه تلك المفاجأة فكشف للموريتانيين أن صحة الرئيس في تحسن من قبل أن يكشف الرئيس نفسه عن ذلك التحسن.
لقد ترك الرئيس عزيز الفرصة مواتية لكي يثبت لكل الموريتانيين بأن وضعيته الصحية حرجة جدا، حتى أقسم البعض على عجزه،  وذلك من قبل أن يختار هو "وقتا مناسبا" ليفاجئ الموريتانيين بتقدم صحته. ولقد أراد الشافعي أن يفسد على الرئيس عزيز هذه الخطة الغريبة،  فما كان منه إلا أن نقل للعلن الشهادة الإيجابية للرئيس النيجري، تلك الشهادة التي لم تتحدث عنها حتى الصحافة الرسمية في النيجر.
يبقى أن أشير هنا بأن هناك صفة في شخص الرئيس ولد عبد العزيز تستحق التأمل:
وهي إصراره على أن يواجه خصومه لوحده سواء كان في كامل صحته أو أثناء مرضه، فلم يشرك عزيز حكومته وأنصاره في إدارة المعركة مع معارضيه أثناء مرضه، وإنما قرر أن يديرها هو لوحده، لذلك فقد  ظل مختفيا حتى ظهر اليوم أمام الاليزيه بشكل مفاجئ،  وبدون مقدمات، في مؤتمر صحفي يعلن من خلال  قرب عودته.
تبقى كلمة : هذا المؤتمر، وهذا الظهور فاجأ الجميع بما في ذلك الوزراء وقيادات الحزب الحاكم، فهؤلاء لم يكونوا على علم بما يفكر به الرئيس عزيز من قبل أن يفاجئهم به كما فاجأ به عامة الناس، وكما فاجأ به معارضيه الذين لم يعد يفصلهم إلا يوم واحد عن أضخم مسيرة خططوا لتنظيمها.