الجمعة، 17 فبراير 2012

حكايات من وادان (2 )

لقد حرصت خلال كل أيام المهرجان أن أبتعد عن المنصة الرسمية، وأن أرابط في المدينة القديمة، حتى استرق السمع لضيوف المدينة، ولزوار معالمها الأثرية وهم يعلقون بعفوية وتلقائية على المعالم الأثرية في المدينة القديمة، وذلك لكي أسجل ملاحظاتهم وتعليقاتهم على المعالم الأثرية في المدينة، ودون أن يفوتني أن أسجل ردود أفعالهم وهم يستمعون لبعض الحكايات الشعبية المرتبطة بتلك الآثار، والتي قد يصعب تصديقها، خاصة بالنسبة للزوار الأجانب.
كما حرصت أيضا على تسجيل شهادات سكان المدينة أنفسهم، ورواياتهم الشفهية وحكاياتهم الشعبية التي يحكونها عن مختلف الآثار التي تزخر بها مدينتهم، وذلك لأقدمها خاما للقراء دون أن أعدل فيها أو أتصرف، ودون أن أقتصر في هذه الحكايات التي أكتب لكم عن وادان على الحقائق التاريخية على حساب الروايات الشفهية، والحكايات الشعبية التي يتناقلها الوادانيون جيلا بعد جيل. وتعد صخرة "الفاضل ولد أحمد امحمد" واحدة من تلك المعالم التي أثارت جدلا كبيرا بين الزوار، لذلك فقد اخترتها لتكون مدخلا للحلقة الثانية من حلقات "حكايات من وادان"، وهي الحلقة التي ارتأيت أن أخصصها لصاحب الصخرة الذي يعد واحدا من الذين تعاقبوا على الرئاسة في هذه المدينة العريقة. يتفق الوادانيون جميعا على تسمية الصخرة المذكورة بصخرة "الفاضل ولد أحمد امحمد" وإن كانوا يختلفون حول علاقة الفاضل بالصخرة. فمنهم من يقول بأن الصخرة كانت تسد أحد الزقاق في المدينة القديمة، وأن الفاضل قد أزاحها لكي يفتح الطريق أمام المارة. ومنهم من يقول بأن الفاضل كان يستخدم الصخرة لإغلاق الطريق ليلا، ثم يزيحها في صباح اليوم الموالي عن الطريق، لذلك فقد حملت اسمه. وهناك من يجمح مع خياله بعيدا، ويقول بأن الفاضل قد جاء يحمل الصخرة من مكان بعيد، وظل في الطريق يبادلها بين يديه، فيرميها إلى أعلى بيد، ويستقبلها بيده الأخرى من قبل أن تسقط على الأرض، وظل يفعل ذلك حتى وصل إلى المكان الذي وضع فيه الصخرة، والذي لا زالت توجد فيه حتى الآن.
إن هذا الاختلاف الكبير في قصة الصخرة صاحبه كذلك اختلاف كبير حول تعليقات الزوار الذين زاروها، حتى الأجانب أنفسهم فقد اختلفت تعليقاتهم كثيرا.
بعض الزوار لم يستغرب وجود رجال في القرون الماضية لهم من القوة ما يمكنهم من حمل صخرة بذلك الحجم، ويدعم هؤلاء حجتهم بعشرات الصخور الكبيرة التي شُيد فوقها العديد من البيوت القديمة، والتي يظهر من خلال شكلها وتنسيقها وترتيبها بأنها لم تكن موجودة في الأماكن التي توجد فيها حاليا، وبأن هناك رجالا أقوياء وضعوها في الأمكنة التي توجد فيها حاليا. البعض الآخر تقبل القصة وصدقها ولكنه رفض أن يربط حمل الصخرة بقوة الفاضل، وإنما ربطها بصلاحه، فكان حملها نتيجة لكرامة، ولم يكن نتيجة لقوة خارقة، حسب هذه الفئة.
وهناك فئة ثالثة من الزوار أصرت على رفض قصة الصخرة من أصلها، واعتبرتها مجرد أسطورة من الأساطير التي تتناقلها الأجيال، جيلا بعد جيل.
ولعل من أطرف تعليقات الزوار التي سجلتها عن الصخرة، هو تعليق الممثل المعروف "بط مقعور" حيث قال لبعض أبناء الفاضل بأنه لم يكن يعتقد بأن والدهم كان "صَمْبَ طَل".
ويروي الوادانيون قصصا أخرى عن قوة الفاضل، ويقول بعضهم بأنه كان يخط "ظامت" بالشادوف أي "أشيلال" (وهو الخشبة الكبيرة التي يجلب بها الماء من البئر، والتي لا يستطيع أن يحملها في العادة إلا مجموعة من الرجال).
 وليست قصة الصخرة أو الشادوف هما القصتان الوحيدتان اللتان تثيران جدلا كبيرا بين الناس، عند الحديث عن سيرة "الفاضل ولد أحمد امحمد" رحمه الله. فهناك أيضا قصة الجنية "عيشة الساعدة" التي يقال بأنه كان قد تزوجها وأنجب منها ابنتين. ولقد ظل البيت الذي كان الفاضل يخصصه لزوجته الجنية ـ حسب الرواية الشعبية ـ قائما حتى وقت قريب. وتضيف الرواية الشعبية بأن الجنية "عيشة الساعدة" اشترطت على الفاضل بأن يخصص لها بيتا في منزله، وأن لا يدخله من الإنس إلا هو. ولقد استطاع الفاضل أن يلتزم بالشرط لعدة سنوات إلى أن جاء يوم نسى فيه مفتاح البيت في ثوب من ثيابه، وعندما عثرت عليه زوجته الإنسية، اتجهت فورا إلى البيت الذي ظل يثير فضولها لسنوات عديدة لفك طلاسمه. ويقول أصحاب هذه الرواية بأن الفاضل تذكر مبكرا بأنه نسى المفتاح، فعاد مسرعا، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان، فقد وجد زوجته الإنسية مغشيا عليها، بعد أن رمتها زوجته الجنية من باب بيتها المشيد على سطح المنزل، بعد ما فوجئت بها تدخل عليها في بيتها الخاص. وبعد تلك الحادثة عادت"عيشة الساعدة" إلى عالم الجن مصحوبة بإحدى ابنتيها، قبل أن تلتحق بها ابنتها الثانية، والتي تركتها مع والدها، بشرط أن لا يغضبها، وهو ما لم يكن ممكنا، فقد ظلت البنت تتصرف بشكل طائش، حتى أغضبت بعض الجيران مما شَرع لها العودة لعالم الجن، حسب ما تقول الرواية الشعبية.
 وتكثر عند الوادانيين الحكايات والأساطير المرتبطة بالجن، ولعل من أشهرها قصة طلاب الجن المنحدرين من أسر جنية مسلمة، والذين تخرجوا من محظرة "أهل شماد"، والذين لا يزالون يسكنون ـ حسب الرواية الشعبية ـ في بيت خلفي من دار "أهل شماد"، تلك الدار التي يوجد فيها الطبل الواداني المشهور. ولايزال الكثير من الوادانيين يُسَلم على طلبة الجن كلما مر خلف منزل "أهل شماد"، معتقدا بأن عدم السلام عليهم قد يثير غضبهم، وربما يكون سببا في التعرض لأذاهم.
 وبعيدا عن تلك الحكايات، يمكن القول بأن الفاضل ولد أحمد امحمد كان رجلا قويا بإجماع الوادانيين، ويروي الثقاة في المدينة بأن أحد رجالها، أرسل له ذات يوم خمسة رجال أشداء ليباغتوه وهو يصلي الضحى في الحقول فيقيدوه، ووعدهم ـ إن نجحوا في مهمتهم ـ بمكافآت مغرية. ولكن الذي حدث في النهاية كان العكس تماما، فقد تمكن الفاضل من تقييد الرجال الخمسة.
ويروي نفس الثقاة بأن أحد الشرفاء في المدينة كان في صف الرجل المذكور فتتبع خفية الفاضل في أحد الأيام، ولحق به قرب باب منزله، وتحديدا عند "ظامت" التي لا زالت منحوتة حتى الآن على صخرة قرب باب المنزل، وصفعه هناك. وعندما التفت الفاضل إلى الوراء، وتأكد بأن الذي صفعه كان أحد الشرفاء في المدينة، فما كان منه إلا أن أخذ يقبل اليد التي صفعته، ويعتذر لصاحبها إن كان خده قد تسبب في إيذاء يد أحد أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكتف الفاضل بذلك الاعتذار، وإنما قدم للشريف الذي صفعه بعض الهدايا الثمينة جدا، وهو ما أحرج كثيرا صاحب الصفعة.
وحسب الروايات الموثوقة فإن قوة الفاضل ظلت دائما قوة تحت السيطرة، ولم تكن في أي يوم من الأيام قوة مستهترة، وتؤكد تلك الروايات بأن الفاضل كان يستغل قوته ويستخدمها فيما ينفع الناس. فكان يخرج في كل يوم من المدينة مبكرا، ولا يعود إليها إلا مع آذان الظهر لتأدية الصلاة في المسجد. وكان يقضي كل وقته في العمل في حقول الضعفاء من الناس، ومساعدتهم في أعمال لم يكن بوسعهم أن ينجزوها لوحدهم. كما كان رحمه الله يقضي جزءا كبيرا من وقته في جلب الخشب والفحم وحاجات ضرورية أخرى إلى المدينة وتركها في الرحبة ( ساحة عامة) لينتفع بها المحتاجون إليها. ولقد أصبح معروفا عند الوادانيين بأن لكل الحق في استغلال أي شيء يجلبه الفاضل إلى الرحبة، بل وتملكه.
 لقد كان الفاضل رحمه الله مؤسسة خيرية متنقلة، ولم يكن يقبل بأن يمر يوم من حياته دون أن يؤدي فيه خدمة عامة تنفع الناس.
ويقول عنه الدكتور محمد الأمين ولد كتاب في كتابه "وادان : نبذة عن تأسيسه ومؤسسيه ومختلف الهجرات منه" : " الفاضل ولد أحمد امحمد السيد الرئيس، العالم، العامل، الرشيد، القوي النفس مع الشجاعة". كما تعاقب على رئاسة وادان بعض أبنائه، وكان من بينهم يحظيه ولد الفاضل صاحب القوافل المشهورة، ومشيد جامع وادان الحالي.
تصبحون على حكاية ثالثة من وادان.....

الخميس، 16 فبراير 2012

إني أشفق على سيادة الوزير.. !!

أيها الوزير إني أشفق عليك، يغضب عليك الرئيس في مجلس الوزراء، ويطلب منك أن تكون أكثر قربا من المواطن فلا ترد، ولا تجد من الشجاعة لتقول له بأنك تحتاج لصلاحيات أكثر لتكون أقرب من المواطن.. أيها الوزير إني أشفق عليك فالمواطن أيضا يشتمك لأنه يسمع في كل حين بأن الرئيس قد طلب منك أن تكون أقرب من هموم المواطن، ومع ذلك فإن هذا المواطن يجدك قد ازددت بعدا من همومه. أيها الوزير إني أشفق عليك، فالنواب يشتمونك، والصحافة تشتمتك، والرئيس يشتمك، والمواطن يشتمك، وحتى الأقارب والأهل يشتمونك، ومع ذلك فلا تزال تصر على أن تكرر وببلادة شديدة بأن الرئيس يمنح قطاعك الأولوية القصوى، وأن تعليمات سيادته واضحة بضرورة الاهتمام بهموم المواطنين، فلم لا تهتم إذن بالمواطن أيها الوزير... ؟ ذلك سؤال أعرف بأنك لا تملك له إجابة.. أيها الوزير حاول أن تجرب ولو لمرة واحدة أن تخاف من الله أكثر من خوفك من الرئيس، وأن تسعى ليرضى عنك الله أكثر من سعيك لأن يرضى عنك الرئيس. لو جربت ذلك فلن يشتمك الرئيس، ولن يشتمك النواب، ولن تشتمك الصحافة، ولن يشتمك المواطن، بل على العكس فسيحبك الجميع. أيها الوزير إني أشفق عليك لأني أعلم بأنك لن تستطيع أن تجرب ولو لمرة واحدة بأن تخاف من الله أكثر من خوفك من الرئيس، ولذلك فسيظل الجميع يشتمك: الرئيس، المواطن، الصحافة، الأهل، النواب.... أما بالنسبة للرئيس فلن أطلب منه إلا ما طلبت منه سابقا، فبدلا من شتم الوزراء في اجتماعات الحكومة، فعليه أن يقيل الحكومة، أو يصدرـ على الأقل ـ البيان الرئاسي التالي، حتى يشرك الحكومة في النعيم الذي يعيش فيه المواطنين. فربما يساعد هذا البيان ـ الذي تطوعت بكتابة نصه ـ في تحسن أداء الحكومة. مقترح لبيان رئاسي، يتم بموجبه: 1 ـ تحويل مكاتب وزارة التجهيز والنقل، وعلى وجه السرعة، إلى مباني وزارة البيئة الواقعة أمام نادي الضباط. وتحويل سكن الوزير إلي مقاطعة "توجنين". والغرض من هذه العملية المستعجلة، أن يضطر وزير التجهيز لمشاركة المواطنين في الزحمة التي تحدث كل يوم، خاصة منها تلك التي تحدث عند ملتقى نادي الضباط. ومن المؤكد أن المشاركة الميدانية للوزير في زحمة السير، وبشكل يومي، ستكون هي أفضل طريقة لإجباره على حل مشكلة زحمة المرور، وربما تجعله يبتدع حلولا ثورية لحل أزمة المرور المتفاقمة. 2 ـ تحويل مكاتب وزارة المياه والصرف الصحي إلى "سوكوجيم"، مع تحويل سكن الوزير إلى هناك، واختيار أحد المنازل التي تحيط بها المستنقعات والمياه الراكدة من كل الجهات، ليكون سكنا دائما للوزير، عسى أن يساهم ذلك في إيجاد حلول جذرية لمشكلة المياه المتعفنة والراكدة في ذلك الحي منذ مدة طويلة. 3 ـ طرد أبناء وزير الدولة للتهذيب، وأبناء الوزراء المنتدبين من المدارس الحرة، مع إجبار الوزراء الأربعة ( وزير الدولة + الوزراء المنتدبين الثلاثة) على تسجيل أبنائهم، في المدارس الحكومية، التي يدرس فيها أبناء الفقراء. هذا بالإضافة لإصدار قرار يُحَرم تسجيل أبناء وزراء التعليم، وأبناء كبار موظفي الوزارة، في أي مدرسة حرة، وذلك لكي ينعموا ويستفيدوا من ثمرة جهودهم، والتي كان من نتائجها هذا "التطور" الحاصل في التعليم الحكومي، والذي كثيرا ما تغنى به وزراء التعليم. فإذا كان التعليم العمومي قد شهد ثورة في السنوات الأخيرة، فليس من المنطق، وليس من العدل، أن يُحرم أبناء وزراء التعليم الذين قادوا تلك الثورة من نتائج جهودهم "الجبارة" و"المعتبرة" التي بذلوها في سبيل تطوير التعليم العمومي. أما إذا كان هذا التعليم قد ازداد سوءا في عهدهم، فهم أولى من غيرهم بأن يكتووا بذلك السوء. 4 ـ يكلف وزير التنمية الريفية بأن يقوم ـ وعلى وجه السرعة ـ بزيارات ميدانية للمنمين في الولايات الداخلية، دون أن يرافقه أي عسكري. ويجب أن تعطى الأولوية للولايات المتضررة أكثر من انخفاض مستوى الأمطار في هذا العام، وذلك لكي يقتنع الوزير بأن أحوال المنمين ليست بخير، وأن الأمور قد تخرج عن السيطرة. فإن عاد الوزير سالما، بعد جولته تلك، تم تكريمه وتوشيحه بأعلى وسام وطني. وإن لم يعد تم استبداله بوزير آخر، يكون على استعداد لأن يعترف بأن البلد قد يواجه كارثة كبرى، إذا لم يتم الاهتمام العاجل بالمنمين، خاصة في الولايات المتضررة. 5 ـ تمنح قطعة أرضية قاحلة وجرداء مساحتها 120م² لوزير الإسكان، في أحد أحياء الترحيل، ويتم إجباره على السكن هناك، مع حرمانه من أي سيارة شخصية. فالوزير أولى من غيره بالعيش في "نعيم" أحياء الترحيل، والذي كثيرا ما تغنى به بمناسبة وبغير مناسبة. ولا يسمح للوزير بالسكن خارج نعيم أحياء الترحيل، إلا أثناء عطلته السنوية، والتي يمكن له أن يقضيها ـ إذا ما أراد أن ينعم بنعيم آخر ـ في أفخر قصر يقع عليه اختياره في إحدى مدن موريتانيا الجديدة: " ترمسه" أو "انبيكت لحواش" والتي قال عنها الوزير ـ أكثر من مرة ـ بأنها أصبحت مدنا عصرية، تتوفر فيها كل مستلزمات الحياة العصرية!!! 6 ـ يُحْرَمُ وزير الصحة، وكل أفراد عائلته، وكل العاملين في الوزارة من أطباء، ومن موظفين كبار من العلاج في أي مصحة خاصة، لا في الداخل ولا في الخارج، في حالة تعرض أي واحد منهم للإصابة بأي مرض مهما كانت طبيعة ذلك المرض. ففي حالة التعرض لمرض شديد، يسمح لهم بالعلاج في أحد المستشفيات الحكومية. أما في حالة الإصابة بمرض عادي، فعليهم أن يستجيبوا لتعليمات الرئيس السامية، وأن يكتفوا بالتداوي في أحد المراكز الصحية، حتى يخففوا من الضغط على المستشفى الوطني. 7 ـ سحب ملف الحج والحجاج من وزارة التوجيه الإسلامي، وإلحاقه بالوزارة المنتدبة للبيئة، وذلك لكي لا نستمر في فضح علماء البلد أمام حجاج العالم الإسلامي، وفي أعظم الأيام عند الله. ففي موسم الحج لهذا العام، كما في العام السابق، أثبتت الحكومة بأنها تسعى فعلا لسعادة المواطنين في الدنيا، وفي الآخرة. وأنها تريد لمواطني بلدها أن ينعموا في الآخرة كما نعموا في الدنيا، لذلك أجبرت وزارة التوجيه الإسلامي حجاجنا على المشي على أقدامهم مسافات طويلة، في الأراضي المقدسة، وذلك لكي تتضاعف حسناتهم. إن موسم الحج أصبح مناسبة للإساءة في كل عام إلى وزارة التوجيه الإسلامي، وإلى العلماء التابعين لها. لذلك فإن الرئاسة قد ارتأت أن تلحق ملف الحج بمشروع غرس مليون شجرة. 8ـ إجبار وزير التجارة على أن لا يستهلك إلا المواد التي تباع في دكاكين التضامن سابقا، دكاكين أمل لاحقا، خاصة منها تلك التي قيل بأنها منتهية الصلاحية. ويتم تكليف أحد أفراد عائلته، بأن يقف يوميا في الطابور الطويل، ليشتري استهلاك الأسرة اليومي، من أحد دكاكين التضامن. 9 ـ إجبار وزير الخارجية أن يقضي أسبوعا كاملا يتجول فيه لوحده في إحدى الدول المجاورة: مالي أو المغرب أو السينغال... ومن المؤكد أن المواطنين ستغمرهم سعادة كبيرة، في هذا العام العصيب، عند صدور هذا البيان الرئاسي، والذي لا يحتاج إصداره لموارد مالية، قد لا تكون متوفرة، ولا لجهود خارقة. إن هذا البيان سيجبر الوزراء على أن يشاركوا المواطنين في "النعيم" الذي يعيشون فيه. فالمواطنون لا يرضون ـ وهذا من طيبتهم ـ أن يعيشوا في نعيم الترحيل، ونعيم الجفاف، ونعيم دكاكين التضامن، ودكاكين أمل، ونعيم المستنقعات، ونعيم ارتفاع الأسعار، ونعيم زحمة السير لوحدهم. وهم يؤلمهم حقا، أن لا تشاركهم حكومتهم الموقرة العيش في مثل هذا النعيم، خاصة أنها هي التي بذلت جهودا "جبارة" و"معتبرة" لكي تجعلهم يعيشون في هذا "النعيم"، والذي لم يعرفوا له مثيلا من قبل، في ظل كل الحكومات السابقة، والتي بدورها ظلت تجبرهم على العيش لوحدهم في "النعيم الحكومي" الذي لا ينقطع. تصبحون على بيان رئاسي يقيل الحكومة...

حييت وادان فاقبل ان تحييني

الاثنين، 30 يناير 2012

حكايات شعبية من مدينة وادان*

 حكايات شعبية من مدينة وادان*
 تستعد مدينة وادان لأن تحتضن نسخة جديدة من مهرجان مدائن التراث، وقد تكون هذه هي أفضل مناسبة للتعريف بهذه المدينة التاريخية الرائعة وبآثارها المدهشة. سأحاول في هذا المقال أن استعرض معكم لمحات سريعة من تاريخ هذه المدينة العريقة من خلال مجموعة من الحكايات الشعبية التي لا يمكن الجزم بدقة بعضها، ولا نفي المبالغة عن بعضها الآخر، ، حتى وإن ظلت الأجيال الوادانية  تتناقل تلك الحكايات جيلا بعد جيل. 
مدينة وحكايات
كل شيء في مدينة وادان له حكاية تُروى، وأسطورة تحكى،  فلموقع منازل مؤسسي المدينة حكاية؛ وللمسجد حكاية؛ وللسور حكاية؛ وللبئر المحصنة حكاية؛ وللأضرحة حكاية؛ ولشارع الأربعين عالما حكاية؛ ولوادي العلم والتمر أكثر من حكاية. كل شيء في مدينة وادان له حكاية تستحق أن تُروى، ولعل الأصعب هو أن نعرف من أين نبدأ الحكاية.
حكاية المؤسسين
إن الحديث عن تاريخ وادان يبدأ حتما بالحديث عن ثلاثة رجال من طراز نادر، جمعهم طلب العلم عند القاضي "عياض"، ثم جمعهم الحج، فعُرفوا بالحجاج الثلاثة، ثم جمعتهم بعد ذلك كله فكرة طموحة وحلم كبير، فقرروا أن يؤسسوا مدينة وادان ليشتهروا بالمؤسسين الثلاثة، وقد التحق بهم حاج رابع، سيصبح فيما بعد هو المؤسس الرابع لهذه المدينة. هؤلاء الرجال المؤسسين لم يجمعهم نسب واحد، ولكن جمعتهم فكرة واحدة ومشروع واحد، وكانت تلك مجرد ميزة واحدة من ميزات عديدة لمؤسسي مدينة وادان. فلم يكن من المألوف في ذلك الزمن أن يقرر رجال من أنساب مختلفة تأسيس مدينة واحدة جمعت عدة قبائل في انسجام نادر. ففي العام 536 هجري الموافق 1142م، قرر الحاج "يعقوب القرشي"، والحاج "عثمان الأنصاري"، والحاج "علي الصنهاجي" أن يؤسسوا مدينة وادان، وبعد ذلك انضم إليهم الحاج "عبد الرحمن الصائم"، وكانت تلك هي البداية لمشروع  طموح، بدأ بفكرة، وتحول إلى مدينة مزدهرة وعامرة. ومن اللافت أن منازل المؤسسين الثلاثة، لم يتم تشييدها بجوار المسجد القديم، وكان من المفترض أن تكون هي المنازل المجاورة له، ويفسر الوادانيون ذلك بأن المؤسسين الثلاثة أرادوا أن تكتب لهم خطاهم إلى المسجد مع كل صلاة، فابتعدوا قليلا بمنازلهم عن المسجد، ولا غرابة في أن يفكر علماء عُبَّاد بتلك الطريقة. 
حكاية المنارة والدهن          
حُقَّ للوادانيين أن يفتخروا بأنهم هم أول من صدح على هذه الأرض بالآذان من منارة مسجد، حسب بعض الروايات. فمنارة مسجد وادان الذي تم تشييده منذ 870 عاما، ربما تكون أقدم منارة في هذه البلاد. وحُقَّ للوادانيين أن يفتخروا كذلك بأنهم استطاعوا أن يشيدوا مسجدا جامعا بين جمعتين،  حسب ما تقول رواياتهم الشعبية. فمسجد المدينة القديمة وجامعها الحالي تم تشييده في العام 1835م بمبادرة من رجل الخير المنفق "يحظيه ولد الفاظل". تقول الرواية الشعبية التي يتداولها الوادانيون بأن الماء الذي كان يستجلب من الوادي قد نفد قبيل اكتمال بناء منارة المسجد، ونظرا لحرص المشيدين على إكمال بناء المسجد قبل وقت صلاة الجمعة، فقد اضطروا لخلط الطين بالدهن لإكمال بناء المنارة. 
حكاية مفاتيح
ستظل حكاية مفاتيح "الطالب عيدي" هي أفضل حكاية شعبية متداولة يمكن من خلالها إعطاء صورة عن مدى العمران الكبير الذي عرفته مدينة وادان في فترة من فترات تاريخها. يقول الوادانيون في إحدى حكاياتهم الشعبية إن "الطالب عيدي" نسى في يوم من الأيام مفاتيح داره في الحقل، ولم يتذكر ذلك إلا بعد وصوله إلى منزله في المدينة، فما كان منه إلا أن طلب من مزارع بجوار المدينة أن يخبر المزارع الذي يليه، ليخبر ذلك المزارع بدوره المزارع الذي يليه، وهكذا، حتى وصل الطلب للمزارع الذي لديه المفاتيح، والذي كان على بعد 12 كيلومتر من المدينة، فما كان من المزارع الذي كانت لديه المفاتيح إلا أن سلم المفاتيح للمزارع الذي يليه، ليسلمها ذلك بدوره للمزارع الذي يليه، حتى وصلت المفاتيح إلى "الطالب عيدي" في منزله دون أن يتحرك من مكانه، ويعرف الطريق الذي سلكته المفاتيح بطريق "الطالب عيدي".
حكاية شارع الأربعين عالما
تعكس حكاية مفاتيح الطالب عبدي مستوى التطور العمراني الذي وصلت إليه مدينة وادان في فترة من فترات تاريخها، أما التطور الثقافي والعلمي الذي عرفته المدينة، والذي يعتبر هو ميزتها الأولى، فتعكسه الحكايات والمرويات التي تروى عن شارع الأربعين عالما، وتُجمع تلك الحكايات والمرويات على أنه كان يوجد في وادان أربعون منزلا متجاورا في كل منزل عالم على الأقل. وكان بإمكان طالب العلم في وادان أن يتجول في المدينة وهو يتلو القرآن أو يقرأ بعض المتون، دون الحاجة إلى شيخ، وإذا ما واجه صعوبة أثناء تلاوته أو أثناء مراجعته لأحد المتون فما عليه إلا أن يقف عند باب أي منزل، وهناك سيجد من يقوم بمهمة الأستاذ ويصحح له. 
صخرتان وحكايتان
تبقى الصخرة الأكثر شهرة في وادان هي تلك الصخرة التي يقول الوادانيون في حكاياتهم الشعبية بأنها قد أصبحت قبرا للعالم العابد "الطالب أحمد ولد اطوير الجنة"، وهو قبر ما زال قائما في وسط المدينة القديمة. وتقول الروايات الشعبية إن "الطالب أحمد ولد اطوير الجنة" كان قد أوصى قبل موته بأن يُذهب بجنازته إلى صخرة معروفة في وادان، وأن يقال لتلك الصخرة : يا صخرة انشقي فقد جاءك "الطالب أحمد"، وتقول الروايات الشعبية بأن الصخرة انشقت، وأدخلت فيها جنازة "الطالب أحمد" لتنغلق بعد ذلك، وتعود كما كانت.
أما الصخرة الثانية فهي صخرة "الفاظل ولد أحمد امحمد"، أحد سادة مدينة وادان ، وقد عُرف هذا السيد الرئيس بقوته البدنية مع ميزات أخرى، ويقول الوادانيون بأن "الفاظل" كان قد جاء بهذه الصخرة الكبيرة إلى المكان الذي توجد فيه الآن، وأنه كان يستخدمها لإغلاق المدينة ليلا، كنوع من الحراسة الليلية، ويزيحها في النهار لفتح  الطريق.
حكاية البئر والسور
يبدو أن تأمين مدينة وادان كان هو الشغل الشاغل لأهلها في تلك الفترة، وتذهب حكاية صخرة الفاظل في ذلك الاتجاه، كما تذهب أيضا حكاية البئر المحصنة وسور المدينة في نفس الاتجاه.
 تقول الحكاية أن سور المدينة تم تشييده بعد تأسيسها بأربع سنوات فقط، وقد أعطى هذا السور  شهرة كبيرة  للمدينة، على مر تاريخها، وللسور أربعة أبواب مشهورة، يقال إن كل باب منها كان يمكن أن يمر منه جمل يحمل هودجا، دون أن يلمس أي جزء من أجزاء السور العلوية أو الجانبية. ولقد حفر الوادانيون بئرا داخل السور لتأمين المدينة بالماء في حالة إغلاق السور عند التعرض لأي تهديد أمني خارجي. وتعرف هذه البئر الآن بالبئر المحصنة، ولها طريق سري يوصل إليها يمر من داخل ثلاث ديار أو منازل في المدينة القديمة. وعند البئر توجد أمكنة للحراسة أو ما يعرف بالرقابة الداخلية للبئر، وتوجد بعض الفتحات التي تمكن الحراس من مراقبة ما يجري خارج موقع البئر، كما أن تلك الفتحات كانت تستخدم لتصويب فوهات البنادق من خلالها. وكان من مهام الرقابة الداخلية - حسب الحكايات الشعبية المتداولة -  أن تشرف على تنظيم جلب الماء من البئر المحصنة في حالة إغلاق السور مع العدالة في توزيعه، حيث لم يكن يسمح لأي أسرة بأن تجلب الماء من البئر المحصنة، للمرة الثانية، قبل أن يأتيها الدور ، أي بعد أن يكون كل أهل المدينة قد أخذوا نصيبهم من الماء. وهناك أيضا دار للرقابة الخارجية، تراقب الخارجين والداخلين، وفي حالة الإغلاق المفاجئ للسور نظرا لأي طارئ، فإنه يكون بإمكان أهل الرقابة الخارجية أن يحددوا أسماء  كل الوادانيين الذين أغلق السور قبل عودتهم إلى المدينة.
حكاية المرأة والدار
اشتهر الوادانيون بالتعاون والتكافل، وفي الماضي كان يكفي لمن يريد بناء دار مثلا أن يعلن ذلك، ليجتمع الناس من حوله ويعينوه على بنائها. وقد يكون المال والجهد الذي يبذله مالك الدار لتشييدها، أقل مما ينفقه ويبذله بعض المتعاونين معه في بنائها. وتقول الحكايات الشعبية التي تختلف حول بعض الجزئيات إن امرأة غنية من أهل وادان، قررت أن تحفر بئرا أو تشيد دارا، فما كان من تلك المرأة إلا أن أجَّرت بعض العمال لإنجاز المهمة، وبعد اكتمال العمل قام رئيس وادان آنذاك باستدعاء السيدة المذكورة، وكان الرئيس في تلك الفترة هو "سيد أحمد الأطرش"، والذي لُقِّب بالأطرش لأنه ـ حسب الحكايات الشعبية ـ كانت له قدرة عجيبة في التفريق بين صاحب الشكوى الحقيقية، وصاحب الشكوى المزورة، فكان يتظاهر بالصمم لأصحاب الشكاوى المفبركة بلغة أهل هذا الزمان، فلقبوه بالأطرش. وتقول الرواية الشعبية بأن "سيد أحمد الأطرش" قام بهدم المنزل حسب أصحاب الرواية الأولى، أو بردم البئر حسب أصحاب الرواية الثانية، وطلب من أهل وادان أن يحفروا للسيدة بئرا، أو يشيدوا لها دارا، وذلك بعد أن حذرها من العودة لمثل هذه التصرفات التي تمس من روح التكافل الذي عُرف به أهل وادان على مر العصور .
 حكاية الطبل والساحة
ساحة الرحبة هي ساحة فسيحة كانت تستخدم في الماضي لأغراض شتى، وتوجد بها حاليا صخرة يقال إنها كانت - وحسب الروايات الشعبية - تستخدم لقياس قوة الشاب الذي يريد أن يُعلن عن دخوله في مرحلة الرجولة. وعلى جانب من الرحبة توجد خشبة يقال إنها كانت تستخدم لإقامة الحدود، وبجنب تلك الخشبة يوجد مكان لخشبتين مثبتتين يقال إن طبل وادان كان يوضع بينهما، والطبل يوجد حاليا في دار "أهل شماد" المجاورة لساحة الرحبة. وكان الطبل يستخدم لعدة أغراض، فكان يستخدم للأفراح، وكان يستخدم كصفارة إنذار، كما كان يستخدم أيضا للإعلان عن قدوم الضيوف.
ختاما
من المؤكد أن أغلب هذه الحكايات ليست دقيقة في تفاصيلها، ولكنها مع ذلك تبقى حكايات تستحق أن تروى، فلكل مدينة تاريخية أساطرها، ولوادان بطبيعة الحال أساطيرها، ولها ذاكرتها التاريخية وما جمعت من حقيقة وخيال.
من حق الوادانيين أن يفتخروا بما سطر عنهم التاريخ من حقائق مشرفة، ولهم أيضا أن يبالغوا في حكاياتهم الشعبية كما يبالغ أبناء المدن التاريخية في كل بلدان العالم، عندما يروون تاريخهم للأجيال المعاصرة.
ــــــــ
*هذا المقال كنتُ قد نشرته بعد أول زيارة لي لمدينة وادان في العام 2012، وذلك للمشاركة في أول نسخة من مهرجان المدن القديمة تنظم في هذه المينة.
أعيد نشر المقال الآن قبيل انطلاق نسخة جديدة من المهرجان بالمدينة. 
الصور من آثار الأسرة في المدينة..

الخميس، 26 يناير 2012

أين ملعقة البن..؟


يحكى فيما يحكى، أن طباخا حكيما كانت له ابنة واجهت في حياتها العديد من المشاكل، وكانت ابنة الطباخ الحكيم كلما خرجت من مصيبة أو أزمة وقعت في مصيبة أو أزمة أشد عمقا وأكثر حدة. وذات يوم شكت ابنة الطباخ لوالدها الحكيم، من كثرة المصائب والمشاكل التي تواجهها في حياتها، فما كان من الوالد إلا أن أخذ ابنته إلى المطبخ، وهناك قدم لها درسا في غاية الروعة وفي منتهى الحكمة. وهو درس ارتأيت أن أقدمه للقراء في مثل هذه الأيام الحبلى بالأزمات والصراعات. وقصة ابنة الطباخ هي واحدة من قصص قليلة أحب دائما أن أحكيها، وقد جعلت منها مقدمة ثابتة لدورة "كيف تتعامل مع المشاكل والأزمات"، وهذه القصة تذكرني دائما بحال موريتانيا التي لا تأتيها الأزمات والمصائب فرادى، وإنما تأتيها مجتمعة، حتى أصبحت النصال تتكسر على النصال، ولم يعد هناك أي مجال، أو أي وجه من أوجه الحياة إلا وفيه من المصائب والمشاكل ما يكفي لأن يدمر بلدا بكامله. في المطبخ، أخذ الطباخ الحكيم جزرة وبيضة وملعقة من البن، ووضع كل ذلك في الماء ليغلى فوق نار هادئة، مع إضافة ملاعق من سكر، وأخذ يراقب البيضة والجزرة ومعلقة البن وهي تتفاعل مع الماء المغلي، ودون أن ينطق بكلمة. وبعد صمت طويل، التفت الطباخ الحكيم إلى ابنته، وطلب منها أن تتأمل ما حدث للجزرة والبيضة وملعقة البن بعد أن تعرضت لنفس درجات الحرارة العالية، ودعونا نعتبر أن حرارة الماء المغلي تمثل المخاطر والمصائب التي نواجهها في حياتنا. أخذت الفتاة تتأمل الجزرة والبيضة وملعقة البن، دون أن تلاحظ شيئا مذكورا، ولم تجد ما تعلق به، سوى القول بأنها لاحظت أن البيضة أصبحت صلبة من الداخل، ولم تستطع قشرتها أن تحمي أحها ومحها ( بياضها وصفارها) من تأثيرات الماء المغلي، وأن الجزرة التي كانت رخوة أصبحت أيضا صلبة، أما البن فقد اختلط بالماء وامتزج به، وغير من طعم الماء حتى أصبح طعمه رائعا. قال الطباخ الحكيم لابنته بأنه رغم تعرض الجزرة والبيضة وملعقة البن لنفس النار، أي لنفس التهديدات والمخاطر الخارجية، إلا أن ردود أفعالها كانت مختلفة ومتباينة. نحن أيضا نتعرض في هذا البلد لنفس الضغوط والتحديات ولكن ردود أفعالنا تأتي دائما مختلفة، فكثير من نخبنا يكون كالبيضة، وكثير من العامة يكون كالجزرة، ولكن لا يوجد من بيننا، لا من نخبنا ولا من العامة من يحاول أن يكون كحبات البن التي تتمكن من تغيير الماء المغلي وتغيير طعمه، أي تغيير المخاطر والمصائب المحيطة بنا. وكثرة المشاكل والأزمات التي تمر بها موريتانيا كان من المفترض أن تجعل فئة من أبناء هذا البلد تقرر بأن تتشبه بملعقة البن في طريقة تعاملها مع المخاطر التي تواجه البلاد، بدلا من التشبه بالجزرة أو بالبيضة. فلعب دور الجزرة والبيضة سيزيد حتما من انهيار موريتانيا الشقية بعقوق أبنائها، البائسة بأنانية نخبها، والتائهة بتيه عوامها. ولعل ما يفرق موريتانيا عن ابنة الطباخ الحكيم، هو أنه في موريتانيا لا يوجد "طباخ حكيم" يمكن أن يُلجأ إليه إذا ما تزاحمت المصائب، وكثرت الخطوب، وتعددت الأزمات وتنوعت، كما هو حال بلدنا في هذه الأيام، وكما كان حاله في الماضي القريب والبعيد على حد سواء. ونظرا لغياب "طباخ حكيم" في بلادنا، فقد يكون من الحكمة أن نستمع قليلا لما قاله الطباخ الحكيم لابنته، في قصة الجزرة والبيضة وملعقة البن، فربما نستخلص من القصة ما ينفعنا في مواجهة المخاطر والأزمات والتهديدات الكثيرة التي تواجهنا وتواجه بلادنا. وإذا كان لا يجوز لنا أن نلوم عوام الناس إذا ما تغلب عليهم الحقد والمرارة في الفترات التي تكثر فيها الأزمات والمصائب، نظرا لكونهم كالجزرة، يعانون من رخاوة طبيعية، ولا يمتلكون قشرة تحميهم من المخاطر. فإذا كان لا يجوز لنا أن نلوم عوام الناس، إلا أنه في المقابل يجوز لنا أن نلوم النخب التي لا تختلف عن البيضة في تعاملها مع المخاطر الخارجية. فالبيضة والتي قد تبدو لمن يراها من بعيد ذات قشرة قادرة على حمايتها من الداخل، سرعان ما تُظهر العكس عندما تواجه حرارة الماء المغلي، فيبدأ داخلها يتأثر، فيزداد قسوة ومرارة. فالنخب ـ وأنا هنا أقتصر على النخب المعارضة والتي كان يتوقع منها أن تلعب دورا ايجابيا في فرض التغيير والإصلاح ـ تشبه تماما البيضة، والتي قد تبدو للناظر وكأن لها قشرة تحميها، ولكن يظهر العكس كلما كانت هناك أزمات وتحديات ومخاطر. فكم من كاتب أو سياسي معارض كنا نعتقد بأن له "قشرة" تحميه إذا ما تعددت الأزمات وأحاط به الماء المغلي فإذا به يهبط بخطابه إلى مستوى بائس، فيصبح خطابه خطابا قبليا مخصصا في مجمله لشتم وسب قبيلة الرئيس، رغم أن النظام الحالي يمكن القول بأنه أكرم الأنظمة وأرحمها بالمعارضة، فقد منحها العديد من الفرص من خلال الأخطاء العديدة التي يرتكبها، والتي يمكن لمعارضيه أن ينتقدوه من خلالها بدلا من الهبوط إلى خطاب قبلي بائس، يبدو أن معارضتنا لا تحسن غيره. وكم من كاتب أو سياسي معارض كنا نعتقد بأن له "قشرة" تحميه فإذا به في انتقاده لما أصبح يسمى عند البعض بالحرب بالوكالة يتحول إلى "إرهابي بالوكالة" يدافع عن القاعدة في كل حين، ويصف رجالها بالشجاعة، في الوقت الذي يقلل فيه من شأن الجيش الموريتاني معتقدا بأن ذلك هو أفضل طريقة لانتقاد النظام . وكم من كاتب أو سياسي معارض وصف الجيش الموريتاني بعبارات غير لائقة، ولم يستطع أن يفرق بين بعض القادة العسكريين الغارقين في السياسة وبين مؤسسة الجيش التي يعاني أغلب من فيها مما يعاني منه الشعب الموريتاني، ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنه رغم تبخيس الجيش من طرف بعض المعارضين، إلا أن ذلك لم يجعلهم يتورعون عن الاستجداء به لإحداث التغيير الذي فشلوا هم في إحداثه. وكم من كاتب أو سياسي كنا نعتقد بأن له "قشرة" تحميه فإذا به يتعلق بشخصيات بلا رؤية ليجعل منها أبطالا وقادة مفترضين للتغيير رغم خواء خطاب أولئك "القادة"، ورغم تفاهته، ورغم إساءاتهم المتكررة للدولة الموريتانية ورموزها، وفي موريتانيا يزداد التصفيق لمن يسيء أكثر للدولة الموريتانية ( أتحدث عن الدولة لا عن النظام الحاكم). لقد كنا نتوقع من أولئك الكتاب والساسة أن يكونوا كحبات البن التي تتفاعل بشكل إيجابي مع الأزمات والمحن فتمنحها مذاقا حلوا وتحولها إلى منح. وكنا نتوقع منهم أن يقودوا حراكا من أجل التغيير يرتكز على خطاب سياسي ناضج بدلا من التقزم والجري وراء خطابات تافهة وتصريحات بائسة يطلقها أشخاص بلا رؤية، يسيئون للوطن في كل يوم، ويكبرون يوما بعد يوم ليس لميزات قيادية يتمتعون بها، وإنما نتيجة لفشل النخب المعارضة نظرا لميلها الفطري للعب دور البيضة بدلا من لعب دور حبات البن في قصة ابنة الطباخ الحكيم. لقد كنا نتوقع من نخبنا التائهة والضائعة شيئا آخر غير هذا الذي نشاهده اليوم. لقد كنا نتوقع منها خطابا قويا وراشدا يفرض التغيير والإصلاح، ويُخرج البلاد من مستنقع الأزمات الذي تتخبط فيه بدلا من التطبيل والتصفيق لخطابات بائسة لن تعمر طويلا، ولن تمكث في الأرض، لأنها ـ وببساطة شديدة ـ مجرد زبد قد يعلو كثيرا، لكنه سرعان ما يختفي بنفس السرعة التي ظهر بها. إننا نريد خطابا معارضا قويا وقادرا على البقاء، ولا نريد خطابا يختزل المعارضة في كلمات بائسة تسب قبيلة الرئيس، وتستهزئ بالوطن، وتسخر من الجيش، وتمجد كل طائش بائس. إننا نريد "ملعقة بن" تغير طعم الماء وتزيد من حلاوته كلما زاد غليانه، ولا نريد بيضا أو جزرا يزداد قسوة وحقدا كلما زاد غليان الماء. إننا نريد نخبا يزداد عطاؤها كلما زادت المخاطر والمصائب من حولها، ولا نريد نخبا وعواما يزداد حقدهم وقسوتهم على الوطن كلما زادت المصائب والمخاطر من حولهم. إننا نريد "ملعقة بن" ولا نريد بيضا أو جزرا.. فهل تستكثرون علينا "ملعقة بن"؟ تصبحون على "ملعقة بن" ....

الاثنين، 2 يناير 2012

يوميات شخص عادي جدا (7)


لقد كانت مدينة "لعيون"، في النصف الأول من الثمانينات، مدينة حزينة، ولكنها أيضا كانت مدينة رائعة بحق، وهذا لا يعني ـ بأي حال من الأحول ـ بأنها لم تكن رائعة في السبعينات، أو أنها لن تكون رائعة فيما بعد النصف الأول من الثمانينات.

كل ما في الأمر هو أن النصف الأول من الثمانينات، كان له طعمه المثير، وكانت له نكهته الخاصة، وهي نكهة امتزجت فيها الدموع بالفرح، واختلط فيها البكاء بالضحك، خاصة في العام الدراسي 1983 ـ 1984. وقد خُيِّل إليَّ في ذلك العام، أن جبال المدينة الشامخات تنازلت عن شيء من كبريائها، وأنها اضطرت لأن تنحنيَّ شيئا قليلا في وجه العاصفة. حتى المدينة نفسها فقد اضطرت، في ذلك العام، لأن تغطي شيئا من فتنتها بثوب شاحب حزين، وكلما أجبرت المدينة الفاتنة على ارتداء ثوبها الشاحب الحزين، كان ذلك بمثابة نذير شؤم على من يحكم البلاد. ولقد أجبرها الرئيس "ولد هيداله"، في النصف الأول من الثمانينات، على ارتداء ثوبها الشاحب، فكان انقلاب 12ـ 12ـ 1984.

وبعد ذلك بعقدين من الزمن، سيجبرها الرئيس "ولد الطايع"، على ارتدائه، وكان ذلك بعد فشل محاولة 8 يونيو 2003، تلك المحاولة الانقلابية، التي جعلها "ولد الطايع"، مبررا لإهانة قبيلة بكاملها، فارتدت المدينة ثوبها الشاحب الحزين، منذرة بأحداث جسام، فكان انقلاب 3أغسطس 2005.

ومن المفارقات اللافتة أن قائد المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي ساهمت في إسقاط الرئيس الذي حكم البلاد أطول فترة رئاسية، كان هو وبعض صحبه من بين القادة الميدانيين لإضرابات النصف الأول من الثمانينات في ثانوية "لعيون"، والتي ساهمت ـ بشكل أو بآخر ـ في نهاية حكم الرئيس الأكثر دكتاتورية في تاريخ البلاد.

لم تكن مدينة "لعيون"، في النصف الأول من الثمانينات، مجرد مدينة فاتنة، كما هو حالها دائما في كل الأزمنة، وفي كل الفصول. ولم تكن المدينة هي فقط تلك المدينة المدللة التي تلتف بحنان، على شطري بطحائها الجميلة، ولا تلك المدينة التي تضطجع بدلال وبغنج في أحضان سلاسلها الجبلية التي تحيط بها من ثلاث جهات، وتضغط عليها بقسوة من الجهتين الشمالية والغربية، ربما خوفا عليها من الحساد، وربما غيرة عليها، وحُق لتلك الجبال أن تغار، فهي تحتضن مدينة فاتنة كَثُر عشاقها وتعدد المغرمون بها.

لقد كانت مدينة "لعيون" في تلك السنوات مدينة ساخنة وملتهبة، ليس فقط بسبب درجات الحرارة العالية التي تعود عليها أهلها مع كل فصل صيف، وإنما بسبب الإضرابات التي عرفتها ثانويتها في تلك السنوات.

ورغم مرور ما يزيد على ربع قرن، فلا زالت تلك السنوات، تحتفظ بطعمها المثير، وبنكهتها الخاصة، كلما عادت بي الذاكرة إليها، وكثيرا ما تعود بي إليها، ومن دون استئذان.

ولقد كنت من الذين شاركوا في تلك الإضرابات والمظاهرات، حتى وإن كانت مشاركتي قد اقتصرت على التواجد في الصفوف الخلفية، والفرار مع أول من يقرر الفرار، بعد أول عملية إطلاق لمسيلات الدموع.

ولا زلت أذكر أول مظاهرة أشارك فيها، وكانت تلك هي المظاهرة الوحيدة، خلال كل تاريخي "النضالي"، التي أتمكن فيها من الظهور في الصفوف الأمامية، المواجهة لقوات الأمن.

لقد تقدمت في ذلك اليوم، بعد أن علمت بأن هناك مفاوضات تدور بين الطلاب والسلطات الأمنية، ولذلك فكنت اعتقد بأن مسيلات الدموع لن يتم استخدامها من طرف قوات الأمن، إلا بعد أن يتم الإعلان عن فشل المفاوضات.

ولكن رجال الأمن، لم يهتموا ـ كعادتهم ـ بتوقعاتي، فأمطرونا بوابل من مسيلات الدموع، مما جعلني أطلق ساقي للريح، ولا أتوقف إلا بعد الوصول إلى وسط المدينة، في وقت قياسي، يصلح فيما أعتقد لأن يسجل في كتاب "جينيس" للأرقام القياسية.

حدث ذلك في الفصل الأول، من عامي الأول في الثانوية، وبعد تلك الحادثة، لم أعد أعتمد على التوقعات، وأصبحت أتجنب دائما الصفوف الأمامية، دون أن يعني ذلك بأني قد تخلفت ـ ولو لمرة واحدة ـ عن أي إضراب ينظمه الناصريون، خلال كل سنواتي الست في ثانوية "لعيون".

وكان الناصريون يشكلون الأغلبية في الثانوية في ذلك العهد. ويليهم الشيوعيون كما كنا نسميهم، ثم يأتي بعد ذلك البعثيون، وكانت غالبية البعثيين في تلك الفترة من الطالبات. أما الإخوان فلم يكن لهم حضور يذكر في الثانوية في تلك السنوات، ولا أدري إن كان ذلك يعود لقلة عددهم، أو نتيجة لتحالفهم مع نظام "ولد هيداله" مما جعلهم لا يبرزون على الساحة الاحتجاجية في ذلك العهد.

لم أستطع أن أبرز في مظاهرات النصف الأول من الثمانينات، لأني لم أكن شجاعا، عندما يتعلق الأمر بالمواجهة مع العسكر، وهو ما همس لكم به كاتب هذه الرواية، في إحدى حلقاتها السابقة، رغم أني لم أكن أتوقع أن الكاتب يمتلك الجرأة الكافية لأن يحدثكم عن ذلك.

فالكاتب، والذي بدأت أتعرف عليه في تلك السنوات، في ثانوية "لعيون"، لم يكن معروفا في الثانوية بشجاعته، حتى ينتقد الآخرين على جبنهم، وإنما كان يُعرف، إن عُرِف بشيء، بأنه "الناصري" الأكثر فشلا في الثانوية، إن لم يكن "الناصري" الأكثر فشلا في تاريخ التنظيم الناصري كله.

لقد انتسب الكاتب للتنظيم الناصري، وهو لا يزال في صفه السادس ابتدائي، وكان الفضل في انتسابه المبكر، يعود إلى صلاته ببعض مؤسسي هذا التنظيم في المدينة، كما يعود كذلك إلى أنه كان طفلا هادئا وخجولا ومؤتمنا لدى الكبار، لذلك كانوا يستخدمونه للحراسة، وكانوا يطلبون منه أن يظل يراقب الشارع، وما يحدث فيه، أثناء اجتماعاتهم السرية.

وفي كل عام، كان هذا الناصري الفاشل، ينتسب لخلية جديدة، مع منتسبين جدد، ليتلقى شروحا وافية عن الحرية والاشتراكية والوحدة، ولِيُذكَّر بأهمية الانضباط والسرية والالتزام للمنتسبين لهذا التنظيم.

وكان زملاؤه في الخلية يترقون في سلم التنظيم الناصري، ويصعدون درجة في كل عام، بينما يظل هو قابعا في القاع، في انتظار منتسبين جدد للتنظيم، ليبدأ معهم من جديد، تعلم مبادئ الحرية والاشتراكية والوحدة، وليوصى من جديد بأهمية الانضباط والسرية والالتزام.

ست سنوات قضاها الكاتب، في ثانوية "لعيون" لم يستطع خلالها أن يصعد درجة واحدة في سلم التنظيم، ولا أن يتجاوز عضو خلية. وهو في فشله ذلك، يذكرني بصديق لي في الطفولة، قضى عدة سنوات من عمره، وهو في السنة الأولى ابتدائية. وكان صديقي ذلك كلما فشل في تجاوز السنة الأولى من الابتدائية، عاد إلى معلم اللوح ليقضي معه سنة، ثم يعود مرة أخرى، إلى السنة أولى ابتدائية، ليجرب حظه من جديد، وليفشل من جديد في امتحان التجاوز.

وكان صديق طفولتي ذاك، بعد كل عملية توزيع للنتائج النهائية، يذهب إلى والدته، ليبشرها بأنه سيأتي اليوم الذي سيصبح فيه ضابطا كبيرا، رغم رسوبه المتكرر في سنة أولى.

كان الكاتب كصديق طفولتي الفاشل دراسيا، فلم يكن هو أيضا يتأثر من فشله المتكرر في سنة أولى من التنظيم الناصري، رغم أنه كان يُعرف في جيلنا، بأنه كان من أكثر المنتسبين للتنظيم قراءة لكتب وأدبيات الفكر الناصري.

لم يستطع الكاتب أن يكون ناصريا شجاعا، كما هو حالي طبعا، كما أنه لم يستطع إضافة لذلك، أن يكون من منظري التنظيم في الثانوية، فهو لم يتجاوز خلال كل فترة انتسابه للتنظيم، عضو خلية. وهو أيضا لم يكن خطيبا، ولم يصعد يوما على المنابر. وكانت تلك هي المجالات الثلاثة التي يمكن الصعود من خلالها في سلم التنظيم، ولقد فشل الكاتب فيها جميعا، مما أهله لأن يكون أكبر فاشل في هذا التنظيم . والغريب حقا، أن الكاتب أصبح في أيامنا هذه، يكتب في الشأن السياسي، ويدعي الاستقلالية، فيما يتخذ من رأي، حول بعض القضايا الوطنية المستجدة، وذلك مما يستفزني به كثيرا، أنا الذي عرفته جيدا، في ثانوية "لعيون"، في النصف الأول من الثمانينات.

وإن مما يغيظني أكثر، أني لا أستطيع الآن أن أتحدث عن ذلك الماضي، ولكم تمنيت أن أكشف للقراء الماضي السياسي البائس لكاتب هذه الرواية، وأن أتحدث عنه بشكل أكثر تفصيلا، ولكن المشكلة أن ذلك يعد من الخطوط الحمراء التي لا يجوز لي، وفقا لبنود الاتفاق المبرم بيني وبينه، أن أتحدث عنها، من قبل أن يكتمل الجزء الأول والثاني من رواية "يوميات شخص عادي جدا"، كما أسميها أنا، أو من رواية "واحد من الناس" كما يسميها الكاتب، أو من رواية "أعقاب سجائر رخيصة" كما كنا نسميها معا في مسودتها القديمة، والتي انتهينا من كتابتها في النصف الأول من التسعينات.

في العام الدراسي 1983ـ 1984 كان أنين السجناء يسمع ليلا في كل المنازل المجاورة لأماكن التعذيب. ولقد مورست ضد السجناء من الطلاب والمعلمين والأساتذة المعتقلين أصنافا وحشية من التعذيب، ليس أقلها وحشية، أن يُذهب بالسجين ليلا إلى مطار المدينة، ليسحب هناك على بطنه فوق أرضية المطار الصلبة. وكانوا في بعض الأحيان، عندما يذهبون بسجين إلى المطار، يرسلون قبله فرقة لحفر قبر، يَدَّعون بأنه قبر لسجين آخر، مات بفعل التعذيب. وكانوا يفعلون ذلك لكي يخيفوا الضيف الجديد للمطار، حتى ينهار، ويدلي لهم ببعض الاعترافات التي كانوا يبحثون عنها. ورغم تلك القسوة التي كانوا يستخدمونها ضد المعتقلين، إلا أنهم لم يحصلوا على اعترافات، إلا في حالات معدودة.

وكثُر في ذلك العام الجواسيس ومخبرو النظام، حتى أصبح الأخ يخاف أخاه، والابن لا يثق في والده، والصديق يتردد كثيرا قبل أن يهمس في أذن صديقه.

ومن غرائب ذلك العام، أن الضابط الذي كان يقود فرقة الحرس التي كانت تتجول وسط الثانوية، لإفشال المظاهرات، كان من أبرز قادة التنظيم الناصري في الثانوية،عام دخولي لها، وكان من الذين يقودون الإضرابات، ولقد كنت منبهرا بشجاعته في تلك الفترة، وسيصبح هذا الضابط فيما بعد من أرفع العسكريين رتبة.

ولعل الحدث الأبرز، في ذلك العام الساخن، هو ما حدث في ضحى يوم مثير، عندما تمكنت مجموعة من الطلاب، في حدود خمسين طالبا، من قطع الاتصالات عن الثانوية، والاستيلاء على الوثائق والملفات وتمزيق بعضها، وضرب مدير الثانوية، وبعض رجال الشرطة، وعلى رأسهم القائد، ضربا مبرحا.

وبالتأكيد، لم أكن أنا ولا الكاتب، من بين الخمسين طالبا التي نفذت تلك العملية النوعية، والتي قادها طالب شجاع، سيصبح فيما بعد ضابطا. وأعتقد أن ذلك الطالب الجريء الذي قاد تلك العملية، هو الذي سلم نفسه فيما بعد، للسلطات الأمنية، بعدما فشلت في العثور عليه، وذلك لكي تتوقف السلطات عن الانتقام من بعض إخوته.

ومن الغريب حقا، أن المدير الذي ضربه الطلاب الناصريون في ذلك العام، ضربا مبرحا، سيتم تسريحه من وظيفته بعد ذلك، بعقد من الزمن باعتباره ناصريا!!!

وفي الأيام التي سبقت عملية ضرب المدير، تمت الدعوة لإضراب لم تتم الاستجابة له بشكل واسع، و كنت من بين قلة استجابت لتلك الدعوة، لذلك فقد تم طردي، وطلب مني المدير أن لا أحضر للثانوية إلا برفقة وكيلي، هو ما قمت به في اليوم الذي سيتم فيه الاعتداء على المدير، وعلى بعض رجال الشرطة.

في صبيحة ذلك اليوم، رافقت وكيلي الذي أخبرته بأن مدير الثانوية طلب حضوره، وكان وكيلي في ذلك العام، قريب لي، وكان يعمل مديرا لمدرسة ابتدائية، وكان من أشد المعارضين للإضرابات.

وفي الطريق إلى الثانوية، ظل وكيلي يحدثني عن خطورة المشاركة في التظاهرات، وقال لي بأن النظام قد اكتشف بأن هناك دولة ثانية داخل الدولة، وهو يقصد بذلك التنظيم الناصري. وقال لي، بأن النظام لن يقبل بوجود دولتين في دولة واحدة، وكان وكيلي يتحدث كما يتحدث أي منتسب لهياكل تهذيب الجماهير.

وطلب مني وكيلي، أن أنسحب من الإضرابات، وأن أتفرغ لدراستي، فالمظاهرات ـ حسب وكيلي ـ ليست إلا محاولة من طرف بعض الطلاب للتغطية على فشلهم الدراسي.

هكذا كان يحدثني وكيلي، قبل ساعة من ضرب المدير ورجال الشرطة، في ذلك اليوم المثير.

ولم يكن وكيلي يتوقع أنه سيتم إلقاء القبض عليه، بعد تنفيذ عملية ضرب المدير. ولم يكن يتوقع إطلاقا، بأنه سيأتي اليوم الذي سيتهم فيه بأنه ناصري، فيسجن مع الناصريين، ويتعرض لأصناف شتى من التعذيب، ولا يطلق سراحه إلا في إطار العفو عن المساجين، والذي تم بعد انقلاب 12ـ 12 ـ 1984.

لقد كان نظام "ولد هيداله" نظاما ظالما وباطشا ومتعجرفا، والدليل على ذلك، هو ما تعرض له وكيلي، والذي لم يشفع له بأنه كان يدافع ـ وبشكل مستميت ـ عن نظام "ولد هيداله"، وظل يدافع عن ذلك النظام الظالم، حتى ألقي عليه القبض، وأدخل في سجن لم يخرج منه إلا بعد دخول "ولد هيداله" نفسه للسجن.

والحقيقة أني لم أكن راضيا عما كان يقوم به الناصريون في تلك الفترة، رغم أني كنت ناصريا منضبطا، ولم أكن مقتنعا بكل المطالب التي كانوا يطالبون بها، ولا بكل الشعارات التي كانوا يرفعونها، ولا بالمبررات التي كانوا يبررون بها تحركاتهم واحتجاجاتهم في تلك السنوات، والتي كان من بينها أنهم كانوا يريدون أن يختبروا قدرتهم على تحريك الساحة، وأن يختبروا كذلك مدى قناعة والتزام المنتسبين للتنظيم، وهي القناعة التي لا يمكن اختبارها، بشكل دقيق، إلا في ظل المواجهة الشرسة مع النظام الحاكم.

لم أكن راضيا عن كل ذلك، ولكن المزاج العام للمدينة في تلك الفترة، كان يفرض عليَّ أن أكون ناصريا، وأنا كنت ابن المدينة، وكان مزاجي من مزاجها.

ومع أني لا أستطيع أن أنكر اليوم بأني كنت في تلك الفترة من أشد المنبهرين بفكر "جمال عبد الناصر"، لكني مع ذلك، كنت أحس بأن في فكر الرجل، وفي أسلوبه للحكم بعض المآخذ التي لم أكن في تلك الفترة قادرا على تحديدها، أو أن أعبر عنها، رغم إحساسي وشعوري بوجودها.

واليوم أستطيع أن أقول بأن "جمال عبد الناصر" كان رئيسا دكتاتوريا ومستبدا، لذلك فقد كان من المستحيل أن تخلو فترة حكمه من أخطاء فادحة، لأنه لا يوجد مستبد عادل.

إن الاستبداد والعدل صفتان متناقضتان لا يمكن أن تجتمعا في شخص واحد، واجتماعهما مجرد خدعة كبيرة. فالمستبد العادل لا وجود له إلا في مخيلة النخب والعوام، وهو كالشيطان الرشيد، فإذا كان بالإمكان أن نتوقع الرشد من الشيطان، فسيكون حينها بإمكاننا أن ننتظر العدل من المستبد.

ومع ذلك فلا يمكنني أن أنكر بأن المستبدين يختلفون كثيرا، ويتمايزون كثيرا. ولقد كان "جمال عبد الناصر"، ولا زال، بالنسبة لي هو أعلاهم درجة، وأفضلهم مكانة، وأقربهم إلى نفسي.

ولأني لم أكن مقتنعا في قرارة نفسي بكل ما يقوم به الناصريون في تلك الفترة، فلم أكن قادرا على أن أحمل نظام "ولد هيداله" كل الأخطاء التي كانت تحدث في تلك الفترة، أثناء مواجهته مع الناصريين.

ولكن بعد أن تم سجن وكيلي، ظلما وعدوانا، لم أعد أبحث لنظام "ولد هيداله" عن أعذار، بل أصبحت أصنفه، بأنه نظام ظالم ومتوحش، خاصة أنه لم تكن هناك وسيلة واحدة، يمكن أن نلجأ إليها لرفع الظلم عن وكيلي، فهيداله كان يمنح فرصا كثيرة لممارسة الظلم، ولتصفية الحسابات، ودون أن يفتح قناة واحدة يمكن للمظلومين أن يلجؤوا إليها.

وقبل رئاسة "ولد هيداله"، لم أكن إطلاقا أهتم بمن يحكم البلاد، وأتذكر أنه عندما أخبرتنا الخادمة التي كانت تشتغل عندنا في المنزل، يوم العاشر من يوليو78، بأنها سمعت في سوق المدينة بأن "المختار القديم" أخذ منه الرئاسة "مختار جديد"، لم أهتم بذلك، رغم الحيرة التي بدت على الكبار، عند سماعهم لذلك الخبر العظيم الذي التقطته خادمتنا من سوق المدينة، وبثته في الحي، وهو لا يزال طازجا. وكانت خادمتنا في المنزل، من أهم مصادر الأخبار في الحي، وكانت تصر في كل يوم، وبعد عودتها من سوق المدينة، على تقديم نشرة إخبارية موجزة في بعض الأحيان، ومفصلة في أحيان أخرى.

لم يكن يهمني من يحكم البلاد، إلى أن اتسع بطش ولد "هيداله"، وامتد، حتى وصل إلى وكيلي الذي لم يعارض أي نظام، لا من قبل حكم "ولد هيداله" ولا من بعده.

ومنذ إلقاء القبض على وكيلي، بدأت أكره نظام "ولد هيداله" كرها شديدا، وقد زاد من كرهي لذلك النظام، أن المزاج العام للمدينة كان أيضا يكره "ولد هيداله" كرها شديدا.

ومن مفارقات المدينة الفاتنة، أنها وبعد ذلك بعقدين من الزمن، وتحديدا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية 2003، سيتغير مزاجها، تغيرا كبيرا، وسيصبح "ولد هيداله" بالنسبة للكثيرين من أبنائها، يشكل أملا، وربما مخلصا من نظام "ولد الطايع"، والذي أصبح المزاج العام للمدينة يبغضه، بغضا شديدا، بعد أن أحبه حبا شديدا، ذات يوم من أيام دجمبر من العام 1984.

وفي انتخابات العام 2003 كان مزاجي متأثرا ـ كعادته ـ بمزاج المدينة العام، ولقد كان "ولد هيداله" بالنسبة لي، في تلك الانتخابات، هو المرشح الوحيد القادر على أن يخلص البلاد من نظام "ولد الطايع" الغارق ـ وحتى التراقي ـ في الفساد.

ولقد تم اختياري من طرف إدارة الحملة الرئاسية في ولاية الحوض الغربي، أثناء زيارة "ولد هيداله" لمدينة "لعيون"، لأن أرابط في دار الضيافة المعدة لاستقبال مرشحنا، خلال كل فترة تواجده بالمدينة.

ولقد بقيت وحيدا في دار الضيافة، رفقة عدد قليل من الشباب، في انتظار قدوم "ولد هيداله"، بينما توجه مدير الحملة، وكل طاقم حملته، لاستقبال "ولد هيداله"، لحظة قدومه إلى المدينة.

وبعد طول انتظار، تم إشعاري بأن ولد "هيداله" وصل إلى باب دار الضيافة، ففتحت الباب، ووجدتني لأول مرة وجها لوجه مع "ولد هيداله".

لم يكن اللقاء عاديا، ولم يكن مثل تلك اللقاءات العابرة، التي تحدث يوميا، دون أن تترك أي انطباع، ولا أن تثير أية مشاعر.

كان الرجل الذي يقف أمامي، هو الرئيس السابق "محمد خونا ولد هيداله" الذي كرهته كرها شديدا يوم ألقى القبض على وكيلي، منذ عقدين من الزمن.

وكان الرجل أيضا هو المرشح "محمد خونا ولد هيداله"، الذي كان يشكل، بالنسبة لي، في تلك اللحظات المرشح الوحيد القادر على إصلاح أوضاع البلاد، والتي انهارت كثيرا.

مددت يدي اليمنى لأصافح الرئيس، بينما وضعت يدي اليسرى على منكبه، وأخذت أقوده إلى المكان المعد لاستقباله، وكان الرئيس في تلك اللحظات طيعا، لينا، بسيطا، متواضعا، أي أنه كان بعيدا كل البعد عن صورته المحفورة في مخيلتي، منذ عقدين من الزمن.

وبينما كنت أرافق الرئيس إلى الصالة المعدة له، أعادتني الذاكرة إلى النصف الأول من الثمانينات، وتساءلت في نفسي، ماذا لو كان هذا اللقاء قد تم في النصف الأول من الثمانينات، وماذا لو فتحت نفس الباب في يوم من أيام العام 1983، فإذا بالذي يقف وراء الباب هو الرئيس "محمد خونا ولد هيداله".

أعتقد أني ساعتها كنت سأطلق ساقي للريح، وقد لا أتوقف إلا عندما أصطدم بأحد الجبال المحيطة بالمدينة، وربما أغرز أظافري في وجهه، أو ربما أرميه بحجر على الرأس، من قبل أن أطلق ساقي للريح.

والحقيقة أني لا أدري بالضبط ما ذا كنت سأفعل حينها، وإن كان من المؤكد بأني لو قابلته في العام 1983، فلم أكن لأصافحه بيمناي، ولم أكن لأضع يسراي على منكبه، ولم أكن لأقوده قطعا إلى صالة الاستقبال، كما أفعل الآن.

ولقد أحسست بأن "ولد هيداله" الذي يسير بجنبي في تلك اللحظات، يختلف كثيرا عن "ولد هيداله" الذي كان يقود البلاد في النصف الأول من الثمانينات. كما أحسست أيضا بأني أنا في تلك اللحظات، أختلف كثيرا، عما كنت عليه في النصف الأول من الثمانينات، حتى المدينة نفسها، قد تغيرت، وتبدل الكثير من أهلها، ولم تعد تلك المدينة التي عرفتها في النصف الأول من الثمانيات، حتى وإن كانت لا تزال تحتفظ بروعتها الأخاذة، وبفتنتها المتجددة، وبمزاجها المشاكس.

تصبحون على الحلقة الثامنة من الرواية...

الحلقة السادسة:

http://elvadel.blogspot.com/2011/12/6.html

الحلقة الخامسة من اليوميات: http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/5.html

الحلقة الرابعة:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/4.html

الحلقة الثالثة:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/3.html

الحلقة الثانية:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/2.html

الحلقة الأولى:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/09/1.html

تمهيد للرواية:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/09/blog-post_19.html

الخميس، 29 ديسمبر 2011

الإعلان عن برنامج تلفزيوني متخصص في التنمية البشرية



ستبث التلفزة الموريتانية مساء الجمعة الموافق 30 ـ 12 ـ 2011، فيما بين النشرتين الإخباريتين الحلقة الأولى من برنامج "خطوة إلى القمة"، وهذا البرنامج هو أول برنامج متخصص في التنمية البشرية يبثه التلفزيون الموريتاني، والبرنامج من إعداد وتقديم خبير التنمية البشرية الأستاذ محمد الأمين ولد الفاظل ومن إنتاج مؤسسة القمة للإنتاج التلفزيوني.وحلقات هذا البرنامج هي حلقات مستقلة، ستناقش كل حلقة من حلقاته، موضوعا خاصا بها له علاقة بتنمية وتطوير الذات. وستكون الحلقة الأولى تحت عنوان " اكتشف الكنز" وهي خاصة بالموهبة وأساليب اكتشافها، أما الحلقة الثانية فستبث مساء الجمعة الموافق 6 ـ 1 ـ 2012 وستكون تحت عنوان " الالتفاتة القاتلة"، أما الثالثة فعن استثمار الفشل، والرابعة عن الثقة في النفس وهكذا...ويسعى البرنامج حسب القائمين عليه لتعزيز الثقة في نفوس المشاهدين، خاصة منهم الشباب، وذلك من خلال مساعدتهم على اكتشاف قدراتهم الذاتية، وإمكانياتهم الهائلة، باعتبار أن اكتشاف تلك القدرات والإمكانيات، يعتبر هو الخطوة الأولى للصعود إلى القمة..

الأحد، 25 ديسمبر 2011

الأحباب في القصر الرئاسي...وماذا بعد؟


فوجئت في مساء هذا اليوم، بخبر تناقلته المواقع الإخبارية، عن زيارة أداها بعض الأحباب للقصر الرئاسي، ورغم أني لا أعرف "دليل" الأحباب في هذه الزيارة، الأولى من نوعها، ولا أعرف إن كانت قد تمت استجابة لدعوة من رئيس الدولة، أو بمبادرة من أمير الجماعة، إلا أنه يمكنني القول بأن تلك الزيارة سيكون لها ما بعدها.

فإذا كانت هذه الزيارة قد تمت بدعوة من الرئيس، فذلك يعني أن الرئيس قد بدأ يفكر فعلا في مواجهة حزب"تواصل"، ذلك الحزب الذي أظهر في الأيام الأخيرة، بأنه قد قرر فعلا أن ينتقل من المعارضة الناصحة، إلى ما فوق المعارضة الناطحة.

ويبدو أن الرئيس، إن كان هو صاحب الدعوة، قد اختار لمواجهته مع تواصل، أن تتم بنفس الأساليب، وبنفس الأسلحة التي استخدمها في مواجهة شباب 25 فبراير. فعندما بدأ حراك الشباب في مطلع هذا العام، قام الرئيس بالدعوة لتأسيس أحزاب شبابية. ورغم أن تلك الأحزاب، لم تستطع أن تحتل موقعا في الساحة السياسية، لأنها تأسست تحت الطلب، ولم يكن تأسيسها نتيجة لقناعة أصحابها، إلا أنها مع ذلك، وهذا ما يجب قوله، قد استطاعت أن تربك شباب 25 فبراير، وأن تؤثر على حراكهم لفترة من الزمن.

فربما يكون الرئيس، قد بدأ يفكر في تأسيس حزب إسلامي، كما روجت لذلك بعض المواقع في الأيام الأخيرة، وستكون مهمة الحزب الجديد هي منافسة التواصليين على شعبيتهم المتماسكة لجد الآن.

ورغم أن هذا الحزب في حالة تأسيسه لن يكون قادرا على منافسة "تواصل" إعلاميا، على الأقل، في المستقبل المنظور، إلا أنه في المقابل سيكون قادرا على أن ينافسهم ميدانيا، على الأرض، خصوصا أثناء الحملات الانتخابية، و التي كان يتميز فيها التواصليون عن غيرهم، بقدرتهم الفائقة على طرق الأبواب، بابا بابا للدعاية لمرشحيهم. وهم في هذا المجال سيجدون أنفسهم مجرد تلاميذ في المرحلة الابتدائية، إذا ما نافستهم جماعة الدعوة والتبليغ في طرق الأبواب، خاصة في القرى والأرياف، وبالأخص في الأوساط الفقيرة، والتي تعتبر جماعة الدعوة والتبليغ هي الأقرب إليها.

أما إذا كانت الزيارة، قد تمت بمبادرة من الجماعة، وكانت بمثابة مقدمة لبداية تغيير جذري في اهتمامات الجماعة، التي كانت اهتماماتها بعيدة كل البعد عن "الهم الدنيوي العام"، فذلك يعني أن الأمر سيكون أشد إثارة، وأن الخريطة السياسية ستشهد تغييرات عنيفة لن يتأثر منها حزب "تواصل" لوحده.

فهذه الجماعة عندما تقرر أن تدخل العمل السياسي، بقناعتها، فذلك يعني أن الكثير من موازين القوى سيتغير، ليس بالنسبة لتواصل لوحده، ولا للتحالف بشقيه المحاور، والرافض للحوار، بل إن ذلك التغيير سيمس كل التشكيلات السياسية في البلد. وسيكون المشهد أشد إثارة، إذا كان الأستاذ الجليل "محمد ولد سيدي يحيى" على الخط.

ويعتقد الكثيرون، من خلال بعض الصور النمطية، بأن هذه الجماعة بلا نخبة، والحقيقة أنها مليئة بأصحاب الشهادات العالية، وبالكفاءات في شتى المجالات، إلا أنها تتميز عن غيرها بأنه يصعب التفريق، أثناء الخروج، بين الأمي الذي يشتغل في خدمة المنازل، وبين الإطار المتعلم الذي يشتغل في منصب سامي.

أما إذا كانت الزيارة، زيارة أخروية فقط، فأسأل الله تعالى، أن يوفق الرئيس، للخروج أربعين يوما مع جماعة الدعوة والتبليغ، وأن يرافقهم إلى داخل البلاد، ليرى عن قرب أوضاع المواطنين الصعبة في القرى والأرياف. وبالتأكيد فإن ذلك الخروج لن يجلب له إلا الخير في الدنيا والآخرة.

تصبحون على رئيس يخرج في سبيل الله...

السبت، 24 ديسمبر 2011

رسالتان إلى "رئيس الفقراء"


سيدي الرئيس،

إن هذه الرسالة المفتوحة والتي تحمل الرقم 25 ، تضم رسالتين : إحداهما رسالة كتبتها لكم على لافتة، وعلقتها خلال الأيام الماضية أمام القصر، وأمام البرلمان، وسأعيد تعليقها كلما وجدت فرصة لذلك. أما الرسالة الثانية فقد وجدتني ملزما لأن أكتبها لكم، بعد مهرجان المعارضة الحاشد، وذلك لكي أحدثكم عن سيدة فقيرة، شاركت وبحماس في مهرجان المعارضة، رغم أنها لم تكن، في أي يوم من الأيام، من أنصار المعارضة.

وهذه السيدة كنت قد حدثتكم عنها، في وقت سابق، وتحديدا في رسالتي المفتوحة رقم 10، والمنشورة بتاريخ 8 مايو 2010 . والتي جاء في مقدمتها : " سيدي الرئيس، سأحدثكم في رسالتي العاشرة عن سيدة فقيرة، قصتها مثيرة، تسكن في مقاطعة عرفات غير بعيد من ساحة "التغيير البناء".
هذه السيدة الفقيرة بذلت جهدا كبيرا من أجل نجاحكم في الانتخابات الرئاسية، وأنفقت من قوت عيالها على حملتكم الانتخابية. ورغم أنها لم تجد تعويضا من إدارة حملتكم على نفقات خيمتها التي ضربت، ورغم سخرية بعض جاراتها الداعمات لمنافسيكم من عدم التعويض لها، إلا أن ذلك كله لم يقلل من عزيمتها، ولم يؤثر مثقال ذرة على ولائها لكم.
لقد كانت تلك السيدة تقول بأنه على الفقراء أن ينفقوا من جهدهم ووقتهم ومالهم من أجل نجاحكم الذي سيشكل قطعا نصرا للفقراء، وهزيمة نكراء لرموز الفساد الذين أهلكوا البلاد والعباد، خلال العقود الماضية. بل إنها فوق ذلك جعلت من المنافسة بينكم وبين المرشحين الآخرين منافسة بين الخير المطلق، والشر المطلق. و جعلتها وكأنها حربا بين المسلمين والكفار. ولقد كانت تدعو لكم في جوف الليل ـ كغالبية الفقراء والبسطاء ـ وتسأل الله أن ينصركم على خصومكم من المفسدين.
واليوم، وبعد مرور تسعة أشهر على تنصيبكم، لم يعد لتلك السيدة إلا أمنية واحدة، وهي أن تقابلكم لتطلب منكم أن تعيدوا لها "صوتها" الذي منحته لكم خلال الانتخابات الرئاسية الماضية.
فلم تعد تلك السيدة تؤمن بالتغيير البناء، ولم تعد تبشر جاراتها بموريتانيا الجديدة، ولم تعد تحلم بأن يتحسن مستوى معيشتها. لقد تبخرت كل تلك الأحلام، ولم يعد لتلك السيدة إلا حلم واحد، وهو أن تتمكن من أن تستعيد "صوتها" لا أكثر ولا أقل." ذلك كان هو حال تلك السيدة الفقيرة منذ عام وسبعة أشهر، وكما جاء في رسالتي المفتوحة رقم 10، والتي كان عنوانها " أعيدوا لي "صوتي" ..يا سيادة الرئيس".

أما اليوم فحالها يخيف أكثر، ويقلق أكثر.

فهي لم تعد تكتفي بالمطالبة باستعادة صوتها الانتخابي، بل إنها قررت أن تتخذ قرارا، قد يبدو لكم غريبا، ألزمت نفسها من خلاله أن تعارضكم في كل مكان ناصرتكم فيه أثناء الانتخابات الرئاسية الماضية، وأن تبذل من جهدها ووقتها في معارضتكم، ما يضاعف ما بذلت من جهد ووقت في مناصرتكم.
فما الذي حدث في الثمانية والعشرين شهرا التي مضت من مأموريتكم؟ وما الذي جعل تلك السيدة تشعر بإحباط مخيف بعد حماس مفرط؟ ولماذا تُصر تلك السيدة أن تعبر عن مراراتها وإحباطها بحماس يُضاعف الحماس الذي عبرت به عن مناصرتها لكم. تلك أسئلة تستحق أن نبحث له عن أجوبة بعيدا عن "أنصاركم" الذين يضرونكم أكثر مما ينفعونكم.

إن تأسيس أحزاب جديدة، يزيد من اتساع الخريطة الحزبية للأغلبية، لن يكون هو الجواب المناسب لتلك السيدة الفقيرة التي لم تتحزب في يوم من الأيام، ولم تهتم في أي يوم من الأيام بالأحزاب.

إن الجواب على تلك الأسئلة، يجب أن يتم بطريقة أخرى، غير تأسيس المزيد من الأحزاب.

إن هذه السيدة التي كنتم تكلمونها، دون وسيط، قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، لم تكلموها بعد نجاحكم في الانتخابات، إلا من وراء حجاب.

إن هذه السيدة التي وعدتموها بأنكم ستحاربون الفساد، قد خذلتموها عندما عينتم الكثير من المفسدين في وظائف حساسة، ووزعتم مجالس الإدارات على من لم تعينوا من المفسدين.

إن هذه السيدة التي وعدتموها بأنكم ستخلقون فرصا لتشغيل أبنائها، لا زالت هي التي تنفق على أبنائها الذين يحملون شهادات جامعية.

إن هذه السيدة التي وعدتموها بمستوى معيشة أفضل، أصبحت تشعر ومنذ تنصيبكم، بأنها بحاجة لأن تناضل أكثر، لكي توفر وجبة طعام، أو قرص دواء، أو جرعة ماء لها ولعائلتها الفقيرة.

إن هذه السيدة التي كانت تتوقع منكم أن تقيلوا "حكومة التراكمات"، وأن تبدلوها بحومة أكثر جدية، سمعتكم أكثر من مرة وأنتم تشيدون بانجازات الحكومة، وهذا هو أكثر شيء يغضب تلك السيدة، بل إنه أصبح يثير أعصابها.

إن هذه السيدة ترفض حكومة التراكمات، ولقد كتبت في وقت سابق على لسانها، وعلى لسان غيرها من الفقراء مقطوعة أرسل لكم مع هذه الرسالة فقرة منها:

إني أرفض حكومة بلا إنجازات..

إني أرفض حكومة التراكمات..

حكومة "معاليه" كلما أخفقت قال وزراؤها ذاك بسبب التراكمات..

إن ارتفعت الأسعار أنشدوا أغنية التراكمات..

إن توقف دفع الرواتب قالوا فعلتها التراكمات..

إن احتج عاطل قالوا لا وظيفة مع التراكمات..

إن مات جائع قالوا سنقتص له من التراكمات..

إن بكى طفل قالوا أبكته التراكمات..

إن أنَّ مريض لعنوا التراكمات..

إن عثرت بغلة بحثوا في أرشيف التراكمات..

وحكومة "معاليه" إذا ما أمطرت السماء قالت ذاك من الانجازات..

إن نجحت ثورة قالت حكومة "معاليه" نحن من أبدع الثورات..

إن هب نسيم سجلته في قائمة الانتصارات..

إن ضحكت طفلة بريئة كانت ضحكتها استجابة للتعليمات..

إن نامت قالوا نامت وفقا للتوجيهات..

إن استيقظت من غفوتها قالوا أيقظها شق الطرقات..

إن عملت صالحا وضعوه في ميزان الحسنات..

وإن أساءت أعادوا شريط التراكمات..

حكومة "معاليه" لها على الأثير صرخات..

وفي الميدان لم تترك أية بصمات..

إني أرفض حكومة بلا إنجازات..

إني أرفض حكومة بلا بصمات..

إني أرفض حكومة التراكمات..

وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلاد، وإلى الرسالة السادسة والعشرين، إن شاء الله..