الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

أخي ..غدا سألبس ثوبك!!


أخي العزيز،

عندما رأيتك من بعيد حسبتك وحشا مفترسا..

ولكني عندما اقتربت منك وجدتك إنسانا..

ولما اقتربت منك أكثر وجدتك أخي..

أخي العزيز،

لا تسألني لِمَ لم أفكر في الاقتراب منك قبل هذا اليوم؟ ولا تسألني لِمَ تركت نصف قرن من الزمن يضيع دون أن أفكر في الكتابة إليك؟ ولا تسألني لِمَ لم أفكر في الاعتذار لك قبل هذا اليوم؟ لا تسألني عن أي شيء من ذلك، فأنا لا أملك إجابة على الأسئلة التي قد تدور في خاطرك عندما تقرأ رسالتي هذه، إن كنت ستقرؤها أصلا.

لن ألومك يا أخي إذا مزقت رسالتي هذه، أو رميتها بعيدا، فلك الحق في أن تفعل ذلك. ولن ألومك إذا اعتقدت بأن عدم اقترابي منك، كل هذه المدة، ربما يكون بسبب أني كنت أعتبرك وحشا مفترسا. وربما تكون أنت أيضا قد اعتقدت بأني أنا لست بأخ لك، بل وأني لست بآدمي، وإنما أنا وحش مفترس.

إنه لشعور سخيف أن يعتقد الأخ بأن أخاه وحش مفترس.

أخي العزيز،

بإمكاني أن أبحث عن ألف عذر، لأبرئ نفسي. وبإمكاني أن ألوم أولياء أمورنا، وأن أحملهم المسؤولية الكاملة لهذا الجفاء الحاصل بيننا. وبإمكاني أن أقول لك بأنهم كانوا ـ ولوحدهم ـ هم السبب، في حصول القطيعة بيننا.فهم لم يشجعوننا على الاختلاط عندما كنا صغارا، وكانوا يضعون الحواجز بيننا. ففي المدرسة وضعوا حواجز بيني وبينك، فتربيتَ أنت وتعلمتَ على طريقة تختلف عن الطريقة التي تربيت أنا عليها. وتركوا الحواجز بيني وبينك تكبر وتكبر، ليزداد الجفاء بيننا أكثر فأكثر، لدرجة أصبحتُ أعتقد فيها ـ وأنا هنا لا أفشي سرا ـ بأن إخوتي الحقيقيين هم أبناء أقاربي من الأسر المجاورة لأسرتنا من الناحية الشمالية ، تماما كما أصبحت أنت تعتقد بأن إخوتك الحقيقيين هم أبناء أقاربك من الأسر المجاورة لها جنوبا.

لم أعد أتألم لآلامك، ولا أفرح لفرحك، رغم أني أتألم، بل وأبالغ ـ في أحيان كثيرة ـ في إظهار تعاطفي مع أقاربي من أبناء الأسر الشمالية.

وأنت أيضا لم تعد تتألم لآلامي، ولا تفرح لفرحي، رغم أنك تتألم، بل وتبالغ ـ في أحيان كثيرة ـ في إظهار تعاطفك مع أقاربك من أبناء الأسر الجنوبية.

فكم هو سخيف شعوري نحوك، وكم هو سخيف شعورك نحوي.

وبإمكاني أن أواصل لوم أولياء الأمور، وأن أتحدث عن أيام عصيبة رفعتُ فيها سلاحي في وجهك، كما رفعت أنت سلاحك في وجهي، ولم نتورع أنا وأنت أن نشهر السلاح، في وجه بعضنا البعض، حتى في وسط الحرم الجامعي.

بإمكاني ـ وكما كنت أفعل دائما ـ أن أحمل كل الأخطاء التي ارتكبت في حقك، أو تلك التي ارتكبتها أنت في حقي لأولياء أمورنا. بإمكاني أن أفعل ذلك، ولكني في هذه المرة، قد قررت أن أتحمل جزءا من المسؤولية، وأن ألوم نفسي بدلا من لوم أولياء الأمور، فقد لمتهم كثيرا، وانتقدتهم كثيرا.

أخي العزيز،

يؤسفني أن أقول لك، وبصراحة شديدة، بأني لم أحاول في أي يوم من الأيام أن أكسر الحواجز النفسية التي تفصل بيني وبينك، بل إني تركتها تكبر وتكبر حتى حجبتك عني، وحالت بيني وبين أن أراك على حقيقتك، فخلتك وحشا مفترسا.

لم أفكر في أي يوم من الأيام أن أتعرف عليك، أو أن أقترب منك أكثر، حتى لا أخالك وحشا. ولم أفكر في أي يوم من الأيام أن ألبس كما تلبس، رغم أن ثوبك و طريقة لبسك كانت تعجبني دائما.

وبالأمس فقط، قررت أن ألبس على طريقتك، وعندما قررت ذلك تكشفت لي حواجز كثيرة بيني وبينك، لم أحاول أن أحطمها يوما، رغم أنه كان من الواجب عليَّ أن أكون قد حطمتها منذ زمن بعيد.

بالأمس فقط، تكشفت لي أشياء كثيرة، لم أكن أتوقف عندها في العادة. فعندما قررت أن ألبس كما تلبس، اتجهت فورا إلى الأسواق المعهودة لبيع الثياب، لأشتري ثوبا كثوبك الجميل. بحثت في سوق العاصمة، وفي سوق "اكلينيك"، وفي أسواق أخرى، وفوجئت بأني لم أجد في كل تلك الأسواق محلا يبيع ثوبا كثوبك.

إنها الحواجز التي لم نحطمها، هي التي جعلت لك أسواقا خاصة بملابسك، وجعلت لي أسواقا خاصة بملابسي.

وعندما يئست من العثور على ثوب كثوبك في تلك الأسواق، قررت أن أذهب إلى سوق مقاطعاتك التي تسكن، فلابد أني سأعثر هناك على ثوب كثوبك.

وفي انتظار سيارة الأجرة، تذكرت بأني لم أزر ومنذ مدة طويلة مقاطعتك التي تسكن، تماما كما هو حالك أنت، فأنت أيضا لم تزر ومنذ زمن بعيد مقاطعتي التي أقطن فيها، هذا إن كنت قد زرتها أصلا.

توقفت سيارة أجرة أمامي، وكنت أنت تسوقها، ولم يفاجئني ذلك.فأنت تمارس النقل وفق مسار محدد، وترفض دائما أن تتجه بسيارتك نحو المقاطعة التي أسكن أنا فيها، رغم كثرة الركاب المتجهين إليها، تماما كما هو الحال بالنسبة لي. فلم يحدث بأن فكرت يوما في أن أذهب لمقاطعتك، حتى ولو وجدت ركابا على استعداد لأن يدفعوا أسعارا مغرية.

ولقد أصبح الركاب المتجهون إلى مقاطعتك لا يفكرون في إيقافي، إذا ما مررت بهم. كما أن الركاب المتجهين لمقاطعتي لا يفكرون في إيقافك إذا ما مررت بهم.

إنها الحواجز التي لم نحطمها، هي التي جعلت لسيارتك مسارا لا تحيد عنه، وجعلت لسيارتي مسارا آخر.

جلست في المقعد الأمامي بجوارك، لم أكلمك، ولم تكلمني. فكرت في أن أكسر الصمت الرهيب الذي يخيم علينا، كلما التقينا. وفكرت في أن أكسر الحواجز التي تحجبك عني، والتي لا تسمح لي برؤيتك على حقيقتك، حتى في تلك اللحظات التي أكون قريبا فيها منك، ولكنني فشلت.

لقد كانت مشكلتي أني لا افهم لغتك التي تتحدث بها، وأنت أيضا لا تفهم لغتي التي أتحدث بها، ولذلك لم يكن هناك مفر من أن أستسلم للحواجز، وأن أغرق في صمت عميق. وأنت أيضا ربما تكون قد فكرتَ فيما فكرتُ أنا فيه، ولكن اللغة، والحواجز، وأشياء أخرى جعلتك تغرق مثلي في صمت عميق.

لفنا صمت رهيب، كما كان يلفنا دائما إذا ما التقينا بشكل عابر.

لقد كنتَ قريبا مني، كما كنتَ دائما، ولكنك أيضا كنت بعيدا مني كما كنت دائما.

إنها الحواجز دائما، إنها هي التي جعلتك تكون بعيدا مني، وأكون بعيدا عنك، حتى في تلك الأوقات العابرة التي كانت تجمعنا فيها أمكنة عابرة.

كم أنت غريب يا أخي، وكم أنا غريب، وكم هي غريبة العلاقة التي تربطنا.

تركت السيارة واتجهت إلى السوق الفرعية من سوق السبخة، لأشتري ثوبا كثوبك. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أدخل فيها ذلك السوق المتخصص في بيع ملابسك. قابلتك هناك في أكثر من محل. كنت كلما دخلت محلا وجدتك هناك، تنظر إليَّ بنفس نظراتك المعهودة، والتي أصبحت أعرفها جيدا، إنها نظرات غريبة فيها شيء كثير من الحب، وشيء من الريبة، وشيء من الخوف، وشيء من الحيرة، وشيء من اللاشيء. هكذا تنظر إليَّ دائما، وهكذا أنظر إليك دائما.

ولابد أنك تفاجأتَ بوجودي هناك، فلم تكن تتوقع بأني سأدخل عليك في سوقك، ولم تصدق في البداية بأني أريد فعلا أن أشتري ثوبا كثوبك.

ولكني خيبت ظنك، واشتريت من عندك ثوبا، قبل أن أعود من حيث أتيت.

أخي العزيز،

في الغد، أي في يوم الأربعاء الموافق 23 نوفمبر 2011، سأرتدي ـ إن شاء الله ـ الثوب الذي اشتريتُ من محلك في سوق السبخة، وسأقف لساعاتين قرب ملتقى طرق "آفاركو"، من الساعة الثامنة صباحا، وحتى العاشرة، وذلك لكي يشاهدني أكثر عدد ممكن من الناس، وأنا ألبس ثوبك لأول مرة في حياتي.

وبالتأكيد سأجدك هناك بجانبي، تلبس ثوبي كما لبست ثوبك، وربما تكون أنت أيضا قد اشتريت ذلك الثوب من سوق لم تدخلها من قبل.

وسنكون سعداء في ذلك اليوم، نحن الثلاثة، أنا وأنت وأخينا الحرطاني، عندما نقف في مكان واحد، نرفع لافتة واحدة، من أجل وطن واحد، بمناسبة الذكرى 51 لعيد الاستقلال الوطني. سيكون مشهدنا رائعا بحق، وسيبعث في النفوس أملا.

وسيتفرج المارة على لافتتنا التي كُتب عليها:

3 دينهم 1

3 وطنهم 1

3 مصيرهم 1

3 ولكنهم شعب 1

أخي العزيز،

أريدك أن تكون بجانبي في ذلك اليوم، وأن تنضم معي لــ: "حركة 3 من أجل 1" والتي نريدها أن تحطم كل الحواجز التي تفصل بيني وبينك، أن تحطمها حاجزا، حاجزا...

تصبحون وأنتم أعضاء في "حركة 3 من أجل 1"...

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

كفانا "نعيما"... يا سيادة الرئيس!!


سيدي الرئيس،
لقد ارتأيت أن أكتب لكم رسالة جديدة، بعد استراحة دامت أكثر من ثلاثة أشهر، لم أكتب لكم خلالها عن أحوال الفقراء، ولا عن أحلامهم المتواضعة. واسمحوا لي في بداية هذه الرسالة المفتوحة أن أعتذر لكم، وأن أعتذر كذلك لمن أكتب باسمهم، عن هذه الاستراحة الطويلة، والتي فرضتها أسباب قاهرة، أخلت بالخطة التي أشتغل عليها، والتي كانت تفترض أن أكتب لكم ـ على الأقل ـ رسالة مفتوحة كل شهر.
سيدي الرئيس،
في هذه الرسالة الجديدة، لن أطلب منكم توفير طعام للجوعى، ولا دواء للمرضى، ولا وظائف للعاطلين عن العمل، ولا علف لمواشي المنمين، ولا توفير الماء والنقل في أحياء الترحيل، فتلك مطالب قد تكون صعبة التحقيق، وتلك مطالب لم يعد الفقراء يحلمون بتحقيقها، في عام "النعيم" هذا. لن أطلب منكم في هذه الرسالة إلا طلبا واحدا، قد يبدو لكم غريبا بعض الشيء. لن أطلب منكم إلا أن تخرجونا من "النعيم" الذي جعلتنا حكومتكم الموقرة نعيش فيه، وإن لم يكن ذلك ممكنا، نظرا لحبكم وشفقتكم علينا نحن الفقراء، فإننا نطلب منكم أن تجبروا "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" حسب تسميتي القديمة لها، أن تشاركنا وتتقاسم معنا هذا النعيم الذي نعيش فيه. ولن يتم ذلك إلا من خلال إصدار بيان رئاسي، على وجه الاستعجال، يتضمن القرارات التالية:
1 ـ تحويل مكاتب وزارة التجهيز والنقل، وعلى وجه السرعة، إلى مباني وزارة البيئة الواقعة أمام نادي الضباط. وتحويل سكن الوزير إلي مقاطعة "توجنين". والغرض من هذه العملية المستعجلة، أن يضطر وزير التجهيز لمشاركة المواطنين في الزحمة التي تحدث كل يوم، خاصة منها تلك التي تحدث عند ملتقى نادي الضباط. ومن المؤكد أن المشاركة الميدانية للوزير في زحمة السير، وبشكل يومي، ستكون هي أفضل طريقة لإجباره على حل مشكلة زحمة المرور، وربما تجعله يبتدع حلولا ثورية، تحد من ارتفاع أجرة التاكسي التي تضاعفت في الأيام الأخيرة، بسبب الزحمة التي وصلت إلى مستويات لا تطاق، خاصة قرب سوق العاصمة، وعند ملتقى نادي الضباط. واسمحوا لي هنا بأن أغتنم هذه الفرصة لأهنئ نفسي، وأهنئ شباب "ضحايا ضد الفساد" على تكريم شرطي متقاعد، افتقدناه كثيرا في أيام الزحمة هذه، وأقصد هنا رقيب الشرطة الأول "الشيخ صار"، والذي كنا قد اخترناه موظفا مثاليا للعام 2010.
2 ـ تحويل مكاتب وزارة المياه والصرف الصحي إلى "سوكوجيم"، مع تحويل سكن الوزير إلى هناك، واختيار أحد المنازل التي تحيط بها المستنقعات والمياه الراكدة من كل الجهات، ليكون سكنا دائما للوزير، عسى أن يساهم ذلك في إيجاد حلول جذرية لمشكلة المياه المتعفنة والراكدة في ذلك الحي منذ مدة طويلة.
3 ـ طرد أبناء وزير الدولة للتهذيب، وأبناء الوزراء المنتدبين من المدارس الحرة، مع إجبار الوزراء الأربعة ( وزير الدولة + الوزراء المنتدبين الثلاثة) على تسجيل أبنائهم، في المدارس الحكومية، التي يدرس فيها أبناء الفقراء. هذا بالإضافة لإصدار قرار يُحَرم تسجيل أبناء وزراء التعليم، وأبناء كبار موظفي الوزارة، في أي مدرسة حرة، وذلك لكي ينعموا ويستفيدوا من ثمرة جهودهم، والتي كان من نتائجها هذا "التطور" الحاصل في التعليم الحكومي، والذي كثيرا ما تغنى به وزراء التعليم. فإذا كان التعليم العمومي قد شهد ثورة في السنوات الأخيرة، فليس من المنطق، وليس من العدل، أن يُحرم أبناء وزراء التعليم الذين قادوا تلك الثورة من نتائج جهودهم "الجبارة" و"المعتبرة" التي بذلوها في سبيل تطوير التعليم العمومي. أما إذا كان هذا التعليم قد ازداد سوءا في عهدهم، فهم أولى من غيرهم بأن يكتووا بذلك السوء.
4 ـ يكلف وزير التنمية الريفية بأن يقوم ـ وعلى وجه السرعة ـ بزيارات ميدانية للمنمين في الولايات الداخلية، دون أن يرافقه أي عسكري. ويجب أن تعطى الأولوية للولايات المتضررة أكثر من انخفاض مستوى الأمطار في هذا العام، وذلك لكي يقتنع الوزير بأن أحوال المنمين ليست بخير، وأن الأمور قد تخرج عن السيطرة. فإن عاد الوزير سالما، بعد جولته تلك، تم تكريمه وتوشيحه بأعلى وسام وطني. وإن لم يعد تم استبداله بوزير آخر، يكون على استعداد لأن يعترف بأن البلد قد يواجه كارثة كبرى، إذا لم يتم الاهتمام العاجل بالمنمين، خاصة في الولايات المتضررة.
5 ـ تمنح قطعة أرضية قاحلة وجرداء مساحتها 120م² لوزير الإسكان، في أحد أحياء الترحيل، ويتم إجباره على السكن هناك، مع حرمانه من أي سيارة شخصية. فالوزير أولى من غيره بالعيش في "نعيم" أحياء الترحيل، والذي كثيرا ما تغنى به بمناسبة وبغير مناسبة. ولا يسمح للوزير بالسكن خارج نعيم أحياء الترحيل، إلا أثناء عطلته السنوية، والتي يمكن له أن يقضيها ـ إذا ما أراد أن ينعم بنعيم آخر ـ في أفخر قصر يقع عليه اختياره في إحدى مدن موريتانيا الجديدة: " ترمسه" أو "انبيكت لحواش" والتي قال عنها الوزير ـ أكثر من مرة ـ بأنها أصبحت مدينة عصرية، تتوفر فيها كل مستلزمات الحياة العصرية!!!
6 ـ يُحْرَمُ وزير الصحة، وكل أفراد عائلته، وكل العاملين في الوزارة من أطباء، ومن موظفين كبار من العلاج في أي مصحة خاصة، لا في الداخل ولا في الخارج، في حالة تعرض أي واحد منهم للإصابة بأي مرض مهما كانت طبيعة ذلك المرض. ففي حالة التعرض لمرض شديد، يسمح لهم بالعلاج في أحد المستشفيات الحكومية. أما في حالة الإصابة بمرض عادي، فعليهم أن يستجيبوا لتعليماتكم السامية، وأن يكتفوا بالتداوي في أحد المراكز الصحية، حتى يخففوا من الضغط على المستشفى الوطني.
7 ـ سحب ملف الحج والحجاج من وزارة التوجيه الإسلامي، وإلحاقه بالوزارة المنتدبة للبيئة، وذلك لكي لا نستمر في فضح علماء البلد أمام حجاج العالم الإسلامي، وفي أعظم الأيام عند الله. ففي موسم الحج لهذا العام، أثبتت "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" سابقا بأنها تسعى فعلا لسعادة المواطنين في الدنيا، وفي الآخرة. وأنها تريد لمواطني بلدها أن ينعموا في الآخرة كما نعموا في الدنيا، لذلك أجبرت وزارة التوجيه الإسلامي حجاجنا على المشي على أقدامهم مسافات طويلة، في الأراضي المقدسة، وذلك لكي تتضاعف حسناتهم. إن موسم الحج أصبح مناسبة للإساءة في كل عام إلى وزارة التوجيه الإسلامي، وإلى العلماء التابعين لها. لذلك فإني أقترح عليكم أن تلحقوا ملف الحج ـ في البيان الرئاسي المنتظر ـ بمشروع غرس مليون شجرة. وإذا ما حدثت فضيحة في المستقبل أثناء موسم الحج، وهي لابد أن تحدث، كان بإمكانكم أن تنتقدوا وزير البيئة والإعلام الرسمي، أمام المواطنين، ودون أن يترتب على ذلك الانتقاد أي إجراء عقابي مهما كان حجمه. تماما كما حدث خلال تفقدكم لمشروع غرس الشجر، والذي انتقدتم خلاله وزير البيئة ، والإعلام الرسمي، مما جعلنا نتوقع بأنكم ستتخذون إجراءات عقابية وفورية في صبيحة اليوم التالي، وهو الشيء الذي لم يحدث، حتى كتابة هذه الرسالة. وبالمناسبة فنقد الحكومة من مهام الشعب بنخبه وعامته، وليس من مهامكم يا سيادة الرئيس. فأنتم تملكون صلاحيات واسعة، يجب أن لا يكون سقفها ينتهي بانتقاد وزير البيئة، والصحافة الرسمية من فوق كثبان رملي، وأمام مجموعة من المواطنين، ودون أن يترتب على ذلك الانتقاد أي إجراء مهما كانت بساطته. وكأن الذي انتقدهم، في ذلك اليوم، هو العبد الفقير لله كاتب هذه الرسالة المفتوحة.
8ـ يتم إجبار وزير الاتصال على أن يداوم، ولشهر كامل على قراءة يومية الشعب، وعلى الاستماع للإذاعة، ومشاهدة التلفزيون وبرامجه، دون السماح له بمتابعة أي وسيلة اتصال أخرى، مرئية كانت أو مسموعة أو مكتوبة، وذلك لكي ينعم هو أيضا بالنعيم الذي يعيش فيه فقراء هذا البلد، عبر الأثير. وبعد اكتمال شهر من اعتكاف الوزير مع الإعلام الرسمي، يتم إخضاع الوزير لامتحان كتابي، يضم مائة سؤال عن وضعية المواطنين في الداخل، وعن الحالة في الخارج. فإن أجاب الوزير بشكل صحيح على عشرة أسئلة فقط، تم الاحتفاظ به وزيرا للاتصال، وإن أجاب على عشرين تم توشيحه بأعلى وسام وطني.
9ـ إجبار وزير التجارة على أن لا يستهلك إلا المواد التي تباع في دكاكين التضامن، خاصة منها تلك التي قيل بأنها منتهية الصلاحية. ويتم تكليف أحد أفراد عائلته، بأن يقف يوميا في الطابور الطويل، ليشتري استهلاك الأسرة اليومي، من أحد دكاكين التضامن.
سيدي الرئيس،
لا شك أن الفقراء الذين انتخبوكم، ستغمرهم سعادة كبيرة، في هذا العام العصيب، لو أنكم ـ وعلى وجه السرعة ـ أصدرتم مثل هذا البيان الرئاسي، والذي لا يحتاج إصداره لموارد مالية، قد لا تكون متوفرة، ولا لجهود خارقة. إن هذا البيان سيجبر وزراء "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" سابقا، على أن يشاركونا في "النعيم" الذي نعيش فيه. فنحن لا نرضى ـ وهذا من طيبتنا ـ أن نعيش في نعيم الترحيل، ونعيم الجفاف، ونعيم محلات التضامن، ونعيم المستنقعات، ونعيم ارتفاع الأسعار، ونعيم زحمة السير لوحدنا. ونحن يؤلمنا حقا، أن لا تشاركنا حكومتكم الموقرة العيش في مثل هذا النعيم، خاصة أنها هي التي بذلت جهودا "جبارة" و"معتبرة" لكي تجعلنا نعيش في هذا "النعيم"، والذي لم نعرفه له مثيلا من قبل، في ظل كل الحكومات السابقة، والتي كانت بدورها تجبرنا على العيش لوحدنا في نعيمها، تماما كما تجبرنا "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" سابقا، على العيش لوحدنا في نعيمها.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة المفتوحة الرابعة والعشرين، إن شاء الله.

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2011

"رسالة مفتوحة" من السماء السابعة!!!



لقد قررت بمناسبة هذه الأيام العشر، أن أنشر رسالة أبينا التي أرسلها لنا بعد وفاته بزمن بعيد. وهذه الرسالة هي رسالة استثنائية تختلف عن كل الرسائل العادية التي عرفها الناس، فالمرسل هو أعظم محب عرفه التاريخ الإنساني، لأنه أحب أبناءه من قبل أن يولدوا، وشهادة حبه لهم خالدة في القرآن الكريم .ولقد كان أبونا في حياته، يُكثر من الدعاء لنا، حتى من قبل أن نولد، ونحن اليوم نعيش وننعم ببركة دعائه، وأما بعد موته فقد أرسل لنا هذه الرسالة الرائعة، والتي قررت اليوم أن أضعها بين أيديكم.
وحب أبينا لنا لا تستطيع لغتي المتواضعة أن تعبر عنه، فالعبارات تعلم أنها ليست أهلا لذلك، مهما صيغت، ومهما أعيدت صياغتها. وأمام ذلك الحب الكبير لا أملك ما أقوله لأبي، في هذه الأيام العشر، سوى أني أحبه، أحبه، أحبه. وأسأل الله تعالي أن يجمعني أنا ـ وإخوتي ـ معه في وطننا الأم. .وهذه الرسالة التي سأقدم لكم اليوم، هي رسالة استثنائية، بكل المقاييس، فهي قد أرسلت من السماء السابعة، أرسلها لنا أبونا ليسلم علينا، وليصف لنا فيها وبكلمات مختصرة وجامعة، بعض أوصاف وطننا الأم الذي كُتِب على أبينا الأول أن يخرج منه، ليعيش هو وكل أبنائه، وبلا استثناء، في عالم الغربة.
ولقد استوطن الكثير من هؤلاء الأبناء بلاد الغربة، بل أن الكثير منهم أصبح يعتقد أن بلاد الغربة هي وطنه الأم، مما جعله يبني ويعمر ويستثمر في الوطن الجديد، غافلا عن ادخار ما يلزم لنفقات العودة إلى الوطن الأم. والكارثة التي ستحل بهذا الغافل أنه سيطرد يوما من بلاد الغربة وحيدا، ذليلا، مهانا. وسيترك خلفه كل ممتلكاته، سيطرد وهو لا يملك شيئا، تماما على تلك الهيئة التي دخل بها "بلاد الغربة" ولأول مرة.
أما أنا وإخوتي فقد خصنا أبونا برسالته، ونحن لا نزال نحلم بالعودة يوما ما إلى وطننا الأصلي. ولا نزال حتى الآن، ورغم السنين الطويلة في بلاد الغربة، ورغم الإغراءات الكثيرة، ندخر ـ بمستويات مختلفة طبعا - للإعداد لرحلة العودة، وللخروج من بلاد الغربة، والتي نعلم ـ يقينا ـ بأنها ليست وطننا الأصلي، وأننا سنغادرها يوما- إن شاء الله- إلى وطننا الأصلي.
سنترك هوياتنا وكل أوراقنا الثبوتية، بل سنترك كل ممتلكاتنا غير آسفين، لأننا نؤمن بأن ما ينتظرنا في وطننا الأصلي، لا يقاس بالممتلكات التافهة التي نملكها في بلاد الغربة.
وهذه الرسالة استثنائية كذلك، لأنها تصف لنا أرض الوطن الأصلي، وتصف لنا عذوبة مائه، وروعة نباتاته، بل إنها ترشدنا إلى طريقة زرع أراضيه الواسعة والمبسطة، والتي تعتبر بحق طريقة متميزة جدا، نظرا لبساطتها وسهولتها. فتقنية غرس النباتات في أرض الوطن الأم، لا تحتاج إلا لتحريك اللسان، وهو ما يمكن تسميته "بالزراعة باللسان". ولا يتطلب منا غرس ألف نخلة بهذه التقنية، إلا ربع ساعة. مع أن نخلة واحدة من هذا النخيل، خير من كل نخيل الأرض.
ووطننا الأصلي شجره ليس كالشجر، فظل شجرة واحدة، لا يستطيع الفارس المسرع أن يقطعه، حتى بعد مائة سنة من السير المتواصل. وتراب وطننا الأم ليس كالتراب، فحصاه من أنفس المعادن وأغلاها. وقصوره ليست كالقصور، ونساؤه لسن كالنساء، فابتسامة واحدة منهن تبعث من النور ما لا تستطيع كل مولدات الكهرباء في العالم بعثه، حتى ولو شغلت في وقت واحد وبكامل طاقتها.
وطننا الأصلي جميل لا يمكن وصفه، فيه ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وطننا الأصلي لا توجد فيه أية قيود على حرياتنا، ولا يوجد فيه شراب حرام، ولا أكل حرام، فكل ما تشتهيه أنفسنا حلال علينا، حرام على غيرنا، ويقدمه لنا في صحاف من ذهب خدم كأنهم اللؤلؤ المنثور.
أما أولئك الذين اختاروا بلاد الغربة عن وطنهم الأصلي، فلن يعرفوا لهذه الحرية طعما، بل إنهم سيقيدون في السلاسل، وسيعيشون في نكال وهوان وعذاب دائم.وطننا الأم لو مُنِح أتعس الناس تأشيرة لدخوله، لنسي كل آلامه وأحزانه، بل إنه لو سئل إن كان قد عرف في حياته سوءا لأجاب بالنفي. ومع ذلك فالتأشيرات إليه توزع في هذه الأيام العظيمة، دون أي يكون عليها الإقبال الذي يليق بها.
وهذه الرسالة استثنائية أيضا لأنها أرسلت- وهذا يكفيها شرفا- مع سيد ولد آدم، والذي سيكون أول من تفتح له أبواب الوطن، ليعتلي فيه أرفع الدرجات، وأعلى المنازل على الإطلاق.
ولقد أرسلت معه هذه الرسالة خلال رحلة عظيمة ومشوقة، قام بها في جزء من الليل، وهي رحلة لم تشهد لها البشرية ولن تشهد لها مثيلا. رحلة طويت فيها المسافات، وتوقف فيها الزمن، ولم تعد للكواكب ولا للمجرات أي دلالة. بل إن الموت لم يعد قادرا في تلك الليلة على أن يفرق بين عالمين، اتفقنا على تسمية أحدهما بعالم الأموات، والآخر بعالم الأحياء.
فقد تحدث الحي مع الميت، في تلك الرحلة العجيبة، بل إنهما اجتمعا فيها معا في صلاة واحدة، حضرها كل الأنبياء، وأمهم فيها النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
ولقد أحببت كثيرا هذه الرسالة التي أرسلها لنا أبونا الذي لم يجمعنا به "عالم الغربة"، وإن كنا نؤمن بأنه قد جمعنا به "عالم الذر"، والذي شهدنا فيه جميعا حينما أخرجنا ربنا من صلب أبينا الأول " آدم " عليه السلام، بأن ربنا هو الله. ولقد عاش أبونا في عالم الغربة يدعو الناس لتلك الشهادة.

ونحن اليوم أنا وإخوتي الذين يزيدون على المليار ونصف المليار، نشهد بأن ربنا هو الله، كما شهدنا بذلك في عالم الذر. وهي شهادة نسأل الله أن يميتنا عليها، حتى نلتقي بأبينا في الجنة، أي في وطننا الأصلي .
وهذه الرسالة الاستثنائية، كلما قرأتها، رحلت بي الخواطر بعيدا، إلى زمن بعيد عاش فيه أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابتلاء عظيما، وامتحانا صعبا، وهو خارج أرض الوطن الأم.
ولقد اتخذ هذا الامتحان والابتلاء عدة أشكال وألوان، ويكفي أخفها لأن يزلزل قلب أعتي الرجال. وقد خرج أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام من كل هذه الامتحانات بأعلى الدرجات، وأرفع الشهادات، وأسمى "الأوسمة "، وأغلى "الميداليات". لقد ألقي به في أعظم نيران الدنيا ومع ذلك فقد رفض أن يشكو حاله لأمين السماء، إيمانا وتوكلا منه على ربه الذي جعل من أيامه في النار بردا وسلاما، فكانت أسعد أيام إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الأرض.
وقد أمره الله أن يترك زوجته وولدها الصغير في صحراء جرداء قاحلة، لا يسكنها بشر، ونفذ أبونا ذلك الأمر. ثم بعد ذلك رأى في المنام، أن يذبح ابنه الوحيد الذي رزق به بعد أن أصبح شيخا كبيرا ففعل، ورؤيا الأنبياء من الوحي.
إنها مواقف صعبة، ومشاهد عظيمة، فيها من الدروس الكثير والكثير، ونحن بأمس الحاجة لأن نستلهم منها دروسا في الإيمان، و الصبر، و التوكل، و الاستقامة نتسلح بها في هذا العصر المليء بالفتن। لقد كانت أسرة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أسرة مؤمنة صابرة، يحق لنا أن نعتز وأن نفتخر بالانتساب لها। ولقد خلد ربنا ذكراها بما لم يخلد به ذكرى أسرة أخرى। فالملايين من المسلمين تجتمع كل عام، في أشرف الأيام، وفي اشرف الأمكنة، لتتبع نفس الخطوات التي خطتها أمنا منذ آلاف السنين، وهي تبحث عن جرعة ماء، لابنها الصغير الذي كان يصرخ عطشا. ومئات الملايين من المسلمين تذبح الأضحية في يوم النحر من كل عام، وهي سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حين فدى الله ولده بذبح عظيم. وفي الأخير إليكم نص الرسالة التي أرسلها إلينا أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء: عن ابن مسعود رضي الله نه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر]. رواه الترمذي، وقال حديث حسن.تصبحون من الذاكرين لله كثيرا...






الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

يوميات شخص عادي جدا (5)




لم يكن كاتب هذه اليوميات راضيا عن الحلقات الأولى منها، وكان يُظهر من حين لآخر عدم رضاه ذاك، كلما انزويت أنا وهو في خلوة من خلواتنا الأسبوعية التي كنا نواظب عليها، مع نهاية كل أسبوع، تمهيدا لكتابة ونشر أي حلقة جديدة، من حلقات هذه الرواية.
والحقيقة أني لم أهتم في البداية بعدم رضا الكاتب عن تلك الحلقات، لأنه كان يعبر عن عدم رضاه ذاك، بخجل شديد، مما جعلني أعتقد بأن الأمر مجرد انزعاج عابر، سيختفي مع الوقت، ولن يؤثر على مشروع كتابة الرواية. ولكن في الجلسة التي سبقت هذه الحلقة من الرواية، فوجئت بأن الكاتب قد قرر ـ في هذه المرة ـ أن يعبر عن انزعاجه بلغة صريحة وفصيحة، وغير لبقة في بعض الأحيان، وهو ما استفزني به كثيرا.
ولقد اتهمني الكاتب في الجلسة التي كان من المفترض أن أروي له فيها أحداث الحلقة الخامسة، بأني تعمدت في الحلقات الأربع الماضية، أن أخدع القراء، وأن أقدم لهم نفسي على أني كنت طفلا ذكيا، شجاعا، ومشاغبا، رغم أني كنت أعلم بأني لم أكن ذكيا دائما، ولم أكن مشاغبا دائما، ولم أكن شجاعا دائما، بل كنت جبانا في مواقف عديدة، عشتها خلال طفولتي.
ولقد اعتبر الكاتب بأني استخدمت حيلة ذكية جدا، لخداع القراء، يصعب عليهم كشفها. وهي حيلة حاولت أن أخفيها بخدعة الفكرة الصدمة، والتي تقتضي أن أقدم للقراء طفولة خارقة في بداية هذه السيرة، قبل أن أختمها لهم بشخصية عادية جدا، وذلك لإحداث صدمة كبيرة، وخيبة فظيعة لديهم. وهذه الصدمة أو الخيبة ـ وكما قلت سابقا ـ ستؤدي إلى نجاح الرواية نجاحا باهرا، أو إلى فشلها فشلا ذريعا. وكلا الأمرين بالنسبة لي يعتبر إنجازا عظيما.
ولقد قال لي الكاتب في تلك الجلسة، وبكلمات صريحة وحازمة، بأنه لن يقبل ابتداءً من هذه الحلقة، بأن يستمر في خداع القراء.
ـ لن أقبل بعد اليوم الاستمرار في خداع القراء.
ـ لماذا تقول بأني أحاول خداع القراء، وأنت تعلم بأني لم أتحدث في الحلقات الماضية إلا عن أحداث حقيقية، رويتها لك كما حدثت، دون زيادة أو نقصان؟
ـ المشكلة ليست في الأحداث التي رويت لي، بل المشكلة هي في تلك الأحداث التي لم تروها لي.
ـ لم أفهم بالضبط ماذا تريد أن تقول.
ـ بل إنك تفهمه جيدا، وأرجو أن لا تتعامل معي كما تتعامل مع القراء، وأرجو كذلك أن لا يغرنك عدم ردي عليك في الحلقات السابقة، حينما قلت بأني كثير الفشل، متواضع الطموح ، وقليل الإبداع، في الوقت الذي جعلت من "شخصك الكريم"، شخصا مبدعا وطموحا وذكيا، ذكاء خارقا.
سكت الكاتب برهة، ثم واصل حديثه بعد أن رسم على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال بصوت ساخر لا يقل سخرية عن ابتسامته.
ـ إن أسخف موقف يمكن أن يواجهه أي كاتب، هو أن يتهمه بطل روايته بأنه كثير الفشل، وقليل الطموح والإبداع. ألا يكفيني إبداعا و طموحا بأني أحاول أن أجعل من شخص عادي مثلك شيئا مذكورا؟
كان عليَّ أن أجيب على الكاتب، ولم يكن بإمكاني أن أظل صامتا دون أن أرد عليه. في بداية حديثه فكرت في أن أتركه يتحدث كما يشاء، ودون أن أقاطعه، وذلك لأنه لم يتحدث في كل الحلقات السابقة. وكان كل ما يهمني هو أن لا ينقل حديثه إلى القراء بضمير المتكلم، والذي اشترطت أن لا يتحدث به الكاتب في هذه السيرة، لأني أنا الوحيد الذي يحق له ـ حسب بنود الاتفاق ـ أن يتحدث بضمير المتكلم في حلقات هذه اليوميات.
لم أكن أرغب إطلاقا في أن أقاطع الكاتب، ولكن حديثه الجريء في بداية هذا الحلقة أجبرني على مقاطعته، حتى لا يتجاوز الخطوط الحمراء، ويتحدث للقراء عن أسرار اتفقت أنا وهو أن تظل محجوبة عنهم، إلى أن تكتمل الرواية.
فكرت في أن أقول له بأن ما يعتبره هو سخيفا، كان هو أروع ما في الحلقات الماضية، وكان قمة في الإبداع. فاتهام بطل الرواية لكاتبها بالفشل وبقلة الإبداع، كان فكرة إبداعية، في حد ذاتها، ولا أعتقد بأن هذه الفكرة ظهرت في أي عمل آخر من قبل هذه الرواية. ووددت لو قلت له بأن أكبر دليل على قلة الإبداع لدى "كاتبنا المبدع"، هو قوله بأن اتهام بطل الرواية لكاتبها بالفشل وقلة الطموح كان سخيفا.
ولكن في تلك اللحظات لم يكن بإمكاني أن أحدثه بذلك. فقد بدأت أشعر بأن مشروع كتابة سيرتي كان في خطر. وكان عليَّ أن أتحدث بطريقة أخرى، فيها شيء من التهديد، وشيء من الحزم، حتى لا يتجاوز كاتب الرواية الخطوط الحمراء، والتي يبدو أنه قد أراد في هذه الحلقة أن يسير عليها، كما يسير أبطال السيرك على حبل رقيق معلق في مكان مرتفع جدا.
كان عليَّ في تلك اللحظات أن أذكِّر كاتب الرواية بأن العلاقة التي تربطني به، ليست مجرد علاقة بين كاتب رواية وبطلها، بل هي أكثر تعقيدا من ذلك. وكان عليَّ أن أذكره بأنه ليس من مصلحتنا نحن الاثنين ( أنا وهو) أن نتخاصم، بعد أن قررنا أن نتعاون معا لإكمال مشروع رواية "يوميات شخص عادي جدا".
كان عليَّ أن أقول له وبنبرة صارمة جدا:
ـ عليك أن تتذكر دائما بأنه إذا تخاصم الذئبان نجت الفريسة، وإذا تخاصمت أنا وأنت فسينجو القارئ من حبائلنا، ولن يخسر وقتها إلا نحن.
أجابني الكاتب وكأنه لا يريد أن يستفيد من الحكمة التي ذكَّرته بها.
ـ وعليك أن تعلم أنت بأنك ستكون الخاسر الأكبر، فأنت منذ ولدت في النصف الثاني من الستينات، وحتى يومنا هذا، لم تستطع أن تقدم نفسك للناس. ولولا فكرة هذه الرواية لعشت مغمورا. وإني أتحداك الآن أن تقدم لهم "شخصك الكريم" دون الاستعانة بي، وبلوحة مفاتيح جهازي المتهالك هذا.
لم أكن أتصور قبل ذلك الوقت، أن الكاتب بإمكانه أن يحدثني بهذه الطريقة المستفزة. لذلك فقد فوجئت كثيرا بكلماته الأخيرة، وأحسست بأنه قد قرر أن يخاطر بكل شيء، وهو ما سيؤدي حتما إلى إعادة تنظيم العلاقة بيننا، أو إلى التوقف النهائي لمشروع كتابة يومياتي.
ترك الكاتب القرار النهائي بيدي، وذلك بعد أن حشرني في زاوية ضيقة جدا، ووضعني أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما، فإما أن نراجع بنود الاتفاق بيننا، وستكون تلك المراجعة لصالحه، لأنها ستسلب مني الكثير من الامتيازات التي كنت أتمتع بها. وإما أن نعلن توقف مشروع كتابة الرواية. ولم يكن أمامي من خيار ثالث.
كنت أعلم بأنه كان عليَّ أن أختار بين خيارين سيئين جدا. ولكني مع ذلك قررت أن أراوغ قليلا، حتى استجمع كل قدراتي التفاوضية لكي أقلل من حجم الخسارة، وحديثا قيل بأنه بإمكان الكل في المفاوضات الناجحة أن يربح. ولكن كيف أجعل من المفاوضات بيني وبينه، مفاوضات ناجحة لا يخسر فيها أي واحد منا؟
كان عليَّ أن أقول شيئا يخفف من حدة التوتر، ويخرجني ـ ولو قليلا ـ من الزاوية الضيقة التي حشرني فيها الكاتب.
ـ ألم تقل لي بأن العديد من القراء اتصل بك للتعبير عن إعجابه بما نُشر من حلقات الرواية حتى الآن؟ أو ليس القارئ هو الحكم الفصل الذي علينا أن نلجأ إليه إذا ما اختلفنا في تقييم أي حلقة من حلقات هذه الرواية؟
ـ بلى، ولكن علينا أن لا نغالط الحكم، وأن لا نخدعه.
ـ وبِمَ خدعنا القراء؟ أرجوك أن تحدثني بصراحة.
ـ خدعناهم أولا بعنوان هذه الرواية، وخدعناهم ثانيا لأننا لم نحدثهم عن بعض الأحداث التي عشتها في طفولتك، والتي قد تعطيهم صورة أخرى، مغايرة تماما للصورة التي رسمنا في أذهانهم، من خلال الحلقات الأربع الماضية.
أعطتني الكلمات الأخيرة للكاتب فرصة رائعة لأن أخرج من الزاوية الضيقة التي حشرني فيها. فهو وإن كان محقا عندما قال بأن هناك مواقف في طفولتي، أخفيتها عن القراء، حتى لا أشوه على الصورة التي كنت أريد أن أثبتها في أذهانهم عن تلك الطفولة، فهو وإن كان محقا في ذلك، إلا أنه لم يكن محقا في ادعائه بأني خدعت القراء بعنوان الرواية. لذلك فقد قررت أن أركز على الخدعة بالعنوان، وأن أجعلها محورا للنقاش بيننا، فالتركيز عليها سيكون في مصلحتي، وسيعزز من قدراتي التفاوضية، والتي بدت في ذلك الوقت ضعيفة جدا.
فعنوان الرواية الحالي كان من اقتراحي، وكان لذلك سبب. فقد كان من المفترض أن يكون عنوانها "واحد من الناس". ولكن هذا العنوان الذي كان من اختيار الكاتب، لقي معارضة شديدة من طرف صديق لي وله. ولقد انتقد الصديق المذكور وبشدة، اختيار عنوان "واحد من الناس" لهذه الرواية، وكان لرأي ذلك الصديق، قيمة كبيرة عند الكاتب، فقد كان هو الشخص الوحيد الذي يطلعه الكاتب على بعض كتاباته من قبل نشرها.
بعد معارضة صديقنا المشترك للعنوان القديم للرواية، اقترحت أنا العنوان الحالي، وهو العنوان الذي لم يتحمس له الكاتب في بادئ الأمر، رغم التحمس الشديد الذي أبداه صديقنا له.
ـ يبدو أنه لا زالت لديك عقدة من عنواني الذي اقترحت، والذي لقي ترحيبا كبيرا من صديقنا، عكس عنوانك الذي وجد معارضة شديدة منه.
ـ أنت تعلم بأن السبب الذي جعلني لا أتحمس لعنوانك الذي اخترت، والذي أصبح في النهاية عنوانا لهذه اليوميات، هو أن هذا العنوان يقدم للقراء صورة محددة سلفا عن مستقبل البطل الذي سيجبره عنوان الرواية لأن يصبح شخصية عادية، بعد أن عاش طفولة غير عادية. أما عنوان "واحد من الناس" فكان سيترك للبطل نهاية مفتوحة. كما أنه كان سيترك للقراء حرية تخيل مصائر مفتوحة، لواحد من الناس، اتفقنا على أن نكتب سيرته، وأن نجعله بطلا لهذه الرواية.
وفي اعتقادي فإن نقطة ضعف الرواية ستكون نهايتها المحددة سلفا، وبدايتها المغلقة. فلم يكن من المناسب أن نقوم بتنقية طفولتك من كل الأحداث والمواقف التي كانت تثبت بأنك لم تكن شجاعا دائما، ولم تكن ذكيا دائما، ولم تكن مشاغبا دائما. كان علينا أن ننقل للقراء حقيقة طفولتك، وكما هي. وكان علينا أيضا أن نترك لهم نهاية الرواية مفتوحة، حتى يكونوا أحرارا في تخيل النهايات التي تعجبهم، وهذا ما لا يسمح به عنوانك الذي اخترت.
إن ما يعجبني في طفولتك الحقيقية، لا طفولتك المنتقاة التي قدمت للقراء في هذه اليوميات، أنها كانت طفولة مفتوحة في كل الاتجاهات. إن من يعرف الكثير من أسرار طفولتك، كما هو الحال بالنسبة لي، لم يكن ليفاجأ لو عَلِم بأنك بعد أن كبرت وتخرجت أصبحت من كبار علماء وكالة الفضاء الأمريكية. لن يفاجأ إطلاقا بذلك، لأنك أظهرت في طفولتك ذكاءً خارقا، كان بإمكانه مع شيء من الحظ، وكثير من الاجتهاد والمثابرة، أن يؤهلك لتلك المكانة. وإن من يعرف الكثير من أسرار طفولتك، كما هو الحال بالنسبة لي، لم يكن ليصدم لو عَلِم في المقابل، بأنك أصبحت شخصا فاشلا عندما تقدم بك السن، ففي طفولتك كانت هناك أحداث ليست بالقليلة، لم تذكرها في يومياتك هذه، كان بإمكانها مع شيء من سوء الحظ، أن تجعل منك شخصا فاشلا، بل ومن كبار الفاشلين.
وإن في طفولتك من المواقف الشجاعة، والتي أسهبت في ذكرها، في الحلقات الماضية، ما كان يؤكد بأنك لا محالة ستُظهر عندما تكبر شجاعة لافتة، سيتغنى بها الكثير من الناس. وفي المقابل، فإن في طفولتك مواقف عديدة، لم تتحدث عنها في يومياتك، كنت فيها جبانا، وكانت تكفي لأن تجعل منك رجلا جبانا.
وإن في طفولتك أيضا من الشغب والمشاكسة ما كان يكفي لأن يجعل منك رجلا مشاكسا من الطراز الأول. كما أن فيها من الهدوء والخمول ـ وهو ما لم تذكره في اليوميات ـ ما كان يكفي أيضا لأن يجعل منك رجلا هادئا خاملا.
لقد كانت في طفولتك ـ وهذا ما يميزها حقا ـ بذور لكل أصناف الرجال. كانت فيها بذور للرجل الناجح، وكانت فيها أيضا بذرة لرجل فاشل. كانت فيها بذور للرجل الشجاع، وكانت فيها أيضا بذرة لرجل جبان. كانت فيها بذور للرجل المشاكس، وكانت فيها أيضا بذرة لرجل خامل.
لقد كانت طفولتك ـ وهذا هو أروع ما فيها ـ طفولة مفتوحة على كل الاتجاهات، فقد كانت كل بذور أصناف الرجال موجودة، وإن كان الفرق يكمن في كميات البذور ونسبها.
هذه هي طفولتك الحقيقية، التي كان عليك أن تقدمها للقراء، بدلا من خداعهم بانتقاء أحداث ومواقف تصب في اتجاه واحد.
لم أجد ردا مناسبا، أرد به على الكاتب، سوى أن أقول له وبكلمات مهزوزة:
ـ يبدو أنك تعرف عن طفولتي أكثر مما أعرف أنا عنها.
إني أعرف عن طفولتك الشيء الكثير، ليس أقل مما تعرف أنت عنها. فأنا أعرف مثلا بأنك في كثير من الأحيان، كنت هادئا خجولا لحد البلاهة ولدرجة جعلت كل عجائز الحي يبرئونك حتى من تلك الجرائم التي كنت ترتكبها ودون شريك. ولأنك قد قلت للقراء بأنك كنت مشاغبا في المدرسة، لدرجة أصبحت فيها متهما دائما، وتلصق بك كل الجرائم التي لم يكشف مرتكبها. فإنه عليَّ أن أقول لهم، وحتى تكتمل لهم الصورة، بأنك كنت بريئا وبشكل دائم خارج المدرسة، وكانت عجائز الحي يلصقن كل جريمة ترتكبها، بطفل آخر، لأنهم عرفوك هادئا مطيعا خجولا. ولأنك قلت للقراء بأنك انتقمت مرة من "المعلم الملاكم"، كما ينتقم الرجل من الرجل. فإنه من الواجب عليَّ أن أقول لهم بأنك كنت تفشل في بعض الأحيان من الانتقام من بعض الأطفال، كما ينتقم الطفل من الطفل، وكنت تؤجر أطفالا أكبر منك سنا لتولي عملية الانتقام تلك. ولأنك قلت للقراء بأنك كنت شجاعا لدرجة كنت تتعامل فيها مع الأفاعي بشجاعة تستحق تصفيقهم، لأنك قلت لهم ذلك، فكان عليَّ أن أذكر لهم مواقف أخرى كنتَ فيها جبانا. فأنت ربما كنت الطفل الوحيد في الشلة الذي يخاف من تسلق الكثير من جبال "لعيون"، والتي كان يتسلقها أطفال أصغر منك سنا. وكنت أنت الوحيد، من بين أطفال الحي، الذي يخاف ركوب الجمال. كما أنك وبعد أن أصبحت طالبا في الثانوية، كنت تتجنب دائما أن تكون في الصف الأمامي كلما حدثت مواجهة بين الطلاب وقوات الأمن. ولأنك أيضا قلت للقراء بأنك كنت ذكيا ذكاءً خارقا، وأنك تمكنت من حل أصعب مشكل حسابي كان يُمتحن به المعلمون، في دقائق معدودة. فإنه عليَّ أن أقول لهم في المقابل، بأنك في بعض الأحيان، كنت غبيا لدرجة جعلتك تعتقد، ولمدة من الزمن، بأن الصحراء الغربية كانت زوجة الرئيس الراحل "المختار ولد داداه". كما أنك كنت الطفل الوحيد الذي لا يستطيع أن يميز بين العجول، وكان ذلك دليلا كبيرا على الغباء بالنسبة لطفل مثلك، تقاسمت البادية والمدينة طفولته. وأعتقد أنك لا زلت تتذكر حتى الآن ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لتأتي بعجولكم، من قبل قدوم البقر، فعدت وأنت تسوق عجولا لأسرة أخرى، كانت عجولهم مساوية من حيث العدد لعجولكم. وهو ما شكل في تلك الفترة فضيحة كبرى، ونكتة عُمِّرت طويلا، خاصة لدى أطفال الحي.
لم أقاطع الكاتب، وتركته يتحدث حتى توقف بمحض إرادته عن الكلام. فلم يكن لديَّ ما أرد به، فكل ما قاله كان صحيحا ودقيقا. إلا أنه بالنسبة لفضيحة العجول فأعتقد بأن أهل الحي قد بالغوا كثيرا في تلك الحادثة التافهة. وعموما فتلك الحادثة التافهة لم تكن دليلا على غبائي، كما أنها لم تكن ـ بالتأكيد ـ دليلا على ذكائي. إنها مجرد حادثة تافهة، لا يمكن أن يُجعل منها مقياس للذكاء. وكل ما في الأمر هو أني لم أكن أهتم بكثير من اهتمامات أطفال البادية في ذلك الزمن. لم يكن تعلم حلب البقر، أو التدرب على ذبح الغنم أو سلخ جلودها، أو إتقان ركوب الجمال تعني لي شيئا. لم تكن تلك المهام التي تعلمها وتدرب عليها كل أطفال الحي تعني لي أي شيء. ولم يكن يهمني أن أعرف ـ عكس غيري من أطفال الحي ـ أسماء أو ألوان أو أعمار بقرات أهلي القليلة، والتي لم أكن أميز بينها وبين أي بقرات أخرى، إلا من خلال "العلامة" التي كنا نَسِم بها بقراتنا.
ولم يكن ذلك بسبب الغباء، كما كان يعتقد الكثيرون، فكل ما في الأمر، وبباسطة شديدة، أن ذلك كله لم يكن من اهتماماتي، في تلك الفترة. لقد كنت في ذلك الوقت أهتم كثيرا بالقراءة، وكانت لديَّ مكتبة رائعة. ولقد قرأت كثيرا عن الأطباق الطائرة، والتي لم أكن أشك في وجودها، في تلك المرحلة من حياتي. ولقد كنت أتوقع من حين لآخر أن يهبط بجنبي طبق طائر، ليأخذني إلى عالم متطور جدا ومعقد جدا، يختلف كثيرا عن العالم الذي عشت فيه طفولتي. عالم لا توجد فيه عجول ولا أبقار ولا جمال ولا جبال.
ولقد كنت على يقين بأن سكان تلك العوالم المتطورة جدا، والتي تأتي منها الأطباق الطائرة، لن يشترطوا للحصول على تأشيرة لدخول عوالمهم، أن يكون المتقدم للتأشيرة قادرا على أن يميز بين عجول أسر الحي، أو أن تكون له خبرة في ركوب الجمال، أو أن يكون في سيرة حياته عدد من الخرفان التي ذبحها وسلخ جلودها لوحده.
وحتى بعد أن كبرت وأصبحت رجلا، لا زالت اهتماماتي تختلف كثيرا عن اهتمامات جيلي، وإن قيس ذكائي الآن، بمدى معرفتي بالأمور التي يهتم بها جيلي في هذا الوقت، لاكتشفتم بأني غبي جدا.
صحيح أني لم أعد اليوم أنتظر هبوط طبق طائر لينقلني إلى عوالم أخرى، ولكن الصحيح أيضا بأني لازلت غير قادر على التأقلم والاندماج بشكل كامل مع الواقع الذي أعيشه. ولعل عدم قدرتي على التأقلم مع هذا الواقع، هي التي جعلتني أحلم بعالم آخر، أصبحت الآن على يقين بأنه لن يحملني إليه طبق طائر، وإنما ستحملني إليه "أفكار طائرة" ترفض، أن تهبط على هذه الأرض المتعطشة لها. إنها أفكار تتزاحم في رأسي، ومنذ مدة، ولا زلت عاجزا ـ حتى الآن ـ عن إنزال أي واحدة منها، على أرض أحببتها كثيرا، رغم الغربة الفظيعة التي أشعر بها وأنا أعيش أيامي الرتيبة على تلك الأرض.
وإذا كان انتظاري في طفولتي لهبوط طبق طائر ينقلني لعوالم أخرى، قد شغلني عن الاهتمام بالكثير من اهتمامات أطفال الأمس. فإن انتظاري الآن لهبوط بعض "الأفكار الطائرة" على أرض الواقع، قد شغلني هو أيضا عن الاهتمام بالكثير من اهتمامات رجال اليوم.
وإذا كان انتظاري للأطباق الطائرة في مرحلة الطفولة، قد جعلني أبدو غبيا لكثير من أطفال ذلك الزمن. فإن انتظاري في مرحلة الرجولة لهبوط "الأفكار الطائرة" من رأسي، قد جعلني ـ كذلك ـ أبدو غبيا لكثير من رجال اليوم، بمن فيهم كاتب هذه الرواية.
تصبحون على الحلقة السادسة من الرواية...

الأحد، 16 أكتوبر 2011

يوميات شخص عادي جدا (4)

مع اختتام عام "اللكمات"، اختارتني إدارة المدرسة لأمثلها في المخيم الصيفي الذي تم تنظيمه في نهاية ذلك العام الدراسي. وكانت تلك هي أول مرة يتم فيها اختيار أحد تلاميذ مدرستنا ليشارك في مخيم صيفي، وربما كانت ـ كذلك ـ هي آخر مرة. فلم يحدث أن بلغني بعد ذلك، أن أي تلميذ آخر من مدرستنا شارك في أي مخيم صيفي، تم تنظيمه بعد المخيم الذي كان لي الشرف في أن أمثل فيه مدرستنا.

ولقد خيرتني إدارة المدرسة، بين الذهاب إلى العاصمة "نواكشوط"، أو الذهاب إلى المملكة المغربية. ولقد اخترت العاصمة "نواكشوط"، لأن والدي رحمه الله، طلب مني ذلك، واشترط عليَّ مقابل السماح لي بالمشاركة في المخيم الصيفي، أن أكتفي بالسفر إلى "نواكشوط".

كنت في تلك المرحلة من عمري، ونظرا لما أسمع من قصص، أتخيل العاصمة "نواكشوط" مجرد دار للسينما، يقف عند بابها شاب شرس، ليس في قلبه مثقال ذرة من شفقة، يسمونه: " Sans pitiè ". وهذا الشاب الشرس، يهدد كل طفل يقترب من دار السينما، ويجبره على أن يعطيه عشرين أوقية، ولم يكن بإمكان أي طفل أن يرفض إعطاء تلك الغرامة الإجبارية.

ولي زميل في الشلة، كان يتخيلها ـ أي العاصمة "نواكشوط" ـ مجرد مستشفى كبير، تحيط به بيوت مخصصة لمرافقي المرضى. ولقد تكونت لديه هذه الصورة، لأنه ـ وحسب ما قال لي لاحقا ـ كان لا يسمع عن "نواكشوط"، إلا إذا كان سيسافر إليها مريض اشتد به المرض، وأصبح في حالة شبه ميؤوس منها.

ولي زميل ثالث كان يتخيلها بحرا يغلي غليانا شديدا في كل مساء، ويرتفع منه، بخار كثيف، يملأ ما بين السماء والأرض، لحظة سقوط الشمس من السماء، في بحر "نواكشوط". وهذه الصورة كانت شائعة كثيرا عند أطفال ذلك الزمن الجميل. وبالنسبة لزميلي فالصورة قد رسمتها في ذهنه جارة لهم، ذهبت إلى "نواكشوط"، وعادت لتؤكد له، ولأطفال الحي، بأن الشمس تسقط في كل مساء في بحر "نواكشوط". وكانت تقول لهم بأنها رأت الشمس بعينيها الاثنتين ـ اللتين لابد أن يأكلهما الدود ـ وهي تسقط من السماء، في بحر "نواكشوط". ورأت بعد سقوطها غيوما كثيفة من البخار تتصاعد من البحر، بفعل حرارة الشمس التي سقطت فيه.

لم تكن العاصمة "نواكشوط" بالنسبة لي، ولا لزملائي في ذلك الوقت، مجرد مدينة عادية بملامح عادية، وبمواصفات ثابتة لا تتغير. بل كانت مدينة شبح، بعشرات الصور والملامح. وكان لكل طفل منا شبحه، أو صورته التي يختزل فيها عاصمة البلاد.

لذلك فقد كان من اللازم أن أعود إلى زملائي في المدرسة، بحقيقة "نواكشوط"، وكانت تلك هي مهمتي الأساسية في المخيم الصيفي، حتى وإن كانت مهمة غير معلنة. ولقد أديت تلك المهمة غير المعلنة على أحسن وجه. والدليل على ذلك، أني كنت عندما أتحدث عن "نواكشوط"، خاصة في الأيام الأولى بعد العودة، يصغي لي الجميع بانبهار، وبتركيز شديد.

لقد عدت إلى زملائي بحقيقة "نواكشوط". فقلت لهم بأن فيها مصنعا عجيبا للأشربة، وأني تجولت ـ مع زملائي في المخيم ـ داخل ذلك المصنع العجيب. وأني رأيت القوارير تتحرك لوحدها بانتظام عجيب، نحو آلة تملأ تلك القوارير من شراب "الكوكا كولا"، ثم تتحرك إلى آلة ثانية تغلقها، ثم ثالثة تضعها في الأكياس، وهكذا.

وقلت لهم بأن أهل "نواكشوط" لا يجوعون أبدا، فهم يأكلون ست وجبات في اليوم الواحد. وذلك قياسا لما كنا نأكل نحن في المخيم، وباعتبار أن قطعة الخبز مع الزبدة، أو مع الجبن يمكن عدها وجبة متكاملة. وكانت قطعة الخبز بالزبدة تقدم لنا في المخيم ثلاث مرات في اليوم ، مما رفع الوجبات المقدمة لنا يوميا إلى ست وجبات.

ولم أقل لزملائي بأني شاهدت الشمس تسقط في البحر، كما كانت تقسم على ذلك جارة زميلي، ولكني في المقابل، قلت لهم ما لا يقل غرابة عن ذلك، في زمننا ذاك. فحدثتهم عن المرأة الموريتانية التي رأيتها، بعيني الاثنتين على شاطئ البحر، وهي تدخن سيجارة! ولم اقل لهم بأني ذهبت إلى السينما، وأني دفعت غرامة عشرين أوقية للشاب الشرس، بل قلت لهم بأن أهل "نواكشوط" لا يذهبون إلا السينما، وإنما تأتيهم السينما في ديارهم. ولقد حدثتهم عن كل الأفلام التي شاهدتها في ثانوية البنات، حيث كان مقر مخيمنا الصيفي.

وقلت لهم ـ ولم أصدقهم في ذلك ـ بأني مللت من ركوب الحافلات والسيارات في العاصمة "نواكشوط"، وأني أصبحت أنزعج عندما يدعونا المشرفون على المخيم إلى جولة في "نواكشوط" نضطر خلالها لركوب حافلة أو سيارة.

والحقيقة أنه لم يكن من الممكن لطفل مثلي، قادم من مدينة "لعيون"، في تلك الفترة من الزمن، أن يمل من التنقل في السيارات. لقد كانت أمنيتي في المراحل الأولى من طفولتي ، وهي أمنية كل زملائي تقريبا، أن أكبر بسرعة، وأن أصبح سائقا لأحدى سيارات "لا ندروفر" التي كنا نشاهدها، من حين لآخر، تجوب شوارع المدينة، في السبعينات.

ولقد كان سائقو السيارات، بالنسبة لنا نحن أطفال السبعينات، هم نجوم المدينة الذين لا يمكن لأي كان أن ينافسهم على تلك النجومية. ولقد كان من أشهر أولئك النجوم، سائقان نُسِج حولهما الكثير من القصص المثيرة. أحدهما كان يلاحقه الأطفال بنظراتهم، كلما مر بسيارته من أحد الشوارع. فمن يدري، فربما يتصادف معه أحد الأطفال، وهو يطير بسيارته؟ ولقد كان من المؤكد لدينا نحن الأطفال، بأن ذلك السائق الشهير، قد طار بسيارته مرة على الأقل. وكان ذلك على الحدود المالية الموريتانية، والسبب أنه في أحدى رحلات عودته من مالي، وجد واديا في طريقه قد امتلأ بالماء، بفعل الأمطار التي تهاطلت أثناء رحلة العودة. فما كان من السائق الشهير، إلا أن قرر أن يطير بسيارته، حتى يتجاوز الوادي، ثم يعود بها إلى الأرض ليواصل طريقه، وكأن شيئا لم يكن. أما النجم الثاني، فقد كان يقال بأن سيارته تعطلت به مرة، في أرض قاحلة، فانزعج الركاب كثيرا، وخافوا أن يهلكهم العطش في تلك الأرض القاحلة. ولكن السائق الشهير لم ينزعج كالركاب، وإنما ذهب إلى شجرة، وقطع جزءا من جذعها، وصمم منه قطعة على شكل القطعة المتعطلة في ماكينة السيارة، ثم وضع القطعة الخشبية مكان القطعة المتعطلة، قبل أن يواصل طريقه إلى المدينة الرائعة.

ولقد كان شائعا عندنا بأن ذلك السائق، هو الذي ساعد في إصلاح جناح طائرة"DC-4 الذي سقط ذات مرة في أحد المطارات. وكان يقال بأنه هو الذي ثَبَّت ذلك الجناح من جديد بالطائرة، وأنه ربطه بالحبال. ولقد عادت الطائرة إلى الطيران، وظلت تطير وأحد أجنحتها مربوط بالحبال.

ولقد بحثت كثيرا عن ذلك الحبل، عندما شاهدت، ولأول مرة، طائرة"DC-4" عن قرب، وهي جاثمة في مطار "لعيون". وكان ذلك عند ذهابي إلى العاصمة، في رحلة المخيم. وبحثت عنه مرة ثانية أثناء عودتي من المخيم، في نفس الطائرة، ولكني لم أشاهد الحبل المذكور. ومع ذلك فإني لم أحدث زملائي بذلك، مخافة أن أقلل من شأن أحد أشهر سائقين، أو على الأصح أشهر نجمين، في المدينة الرائعة.

وفي ذلك العام كان كل شيء في المدينة الرائعة، رائعا بحق. وكان الصف الخامس، بالنسبة لي، من أروع ما في المدينة الرائعة في عامها الرائع ذاك. فقد كنت أنا التلميذ الوحيد في المدرسة الذي كان بإمكانه أن يقول لزملائه في ذلك العام الرائع، بأنه قد مر به شهر من عمره، كان يأكل فيه ست وجبات في اليوم الواحد، ويشاهد فيه الأفلام قبل النوم، ويتنقل يوميا في السيارات والحافلات، حتى أصبح منزعجا من ذلك.

وفي ذلك العام الرائع ، وهذا من أسرار روعته، لم أتعرض للضرب إلا قليلا، فقد كان معلمنا في الصف الخامس،هو مدير المدرسة المعروف بتسامحه وبحلمه. ولقد قابلت تسامح المدير وحلمه بأدب جم، ولم أشوش إلا قليلا.

ورغم ذلك فلم يخل العام الرائع من بعض المنغصات التي حدثت خارج المدرسة، وكان بعضها مروعا. فقد انفجرت قنينة غاز داخل منزلنا، وشوهدت ألسنة نيرانها من أماكن متفرقة في المدينة، وسُمِع صوت انفجارها في أمكنة بعيدة. ولقد اعتقد الكثيرون من سكان المدينة، بأن صحراويين تسللوا ونفذوا عملية أحدثت ذلك الانفجار القوي. فلم يكن استخدام الغاز شائعا في ذلك الوقت، بل كان من النادر جدا استخدامه. ولقد أصيب كل أفراد عائلتنا المتواجدين ذلك الوقت في المنزل، بحروق متفاوتة في الخطورة، وكانت حروقي متوسطة، حسب مقياسي الشخصي.

وقبل انفجار قنينة الغاز، كنت قد فوجئت في يوم من الأيام بسيارات عسكرية، مدججة بالسلاح، تتوقف وبشكل عنيف أمام باب منزلنا، ويهبط منها عدد من العسكريين. اعتقدت في البداية بأن تلك السيارات يقودها ابن خال والدتي، والذي تخرج في تلك الفترة ضابطا، والذي ربما يكون قد زار المدينة في مهمة عسكرية، وقرر بالتالي أن يمر بنا للسلام، وللرفع من مكانتي بين الأطفال. فتوقف سيارات عسكرية أمام باب منزلنا، وفي ضحى النهار، كان حدثا عظيما. وهو حدث سيكون بإمكاني أن أستغله إعلاميا، داخل الشلة، لكي أرفع من مكانتي، والتي بلغت في ذلك العام الرائع مستوى قياسيا، بفعل أكل الوجبات الست، ومشاهدة الأفلام قبل النوم، و التظاهر بالانزعاج من التنقل بالسيارات.

خرجت إلى باب المنزل مسرعا، لاستقبال "الضابط الخال"، ولكنني صُدِمت عندما لم أشاهده بين العسكريين الذين كانوا يتصرفون بغطرسة وبخشونة فاجأتني كثيرا. لقد نزلوا من سياراتهم بخشونة، ومروا من حولي بخشونة، ودخلوا المنزل بخشونة، وأخذوا يهددون النساء والأطفال داخل المنزل بخشونة. إنها لحظة خشنة ومتوحشة، من عام لم يكن متوحشا ولا خشنا، بل كان عاما رائعا ووديعا.

صوب قائد الجند، وبوحشية القادة، سلاحه نحونا، وهدد بنسف المنزل وبمن فيه، من نساء وأطفال، إن لم نُخرج لهم، وعلى الفور، الصحراوييْن الاثنين اللذين نخبئهما في المنزل.

كان في تلك الفترة يسكن عندنا صديق لوالدي رحمه الله، وكان برفقته عامل. وكان صديق الوالد يقيم معنا مدة من الزمن، يشتري فيها عددا من الإبل، يسوقه في وقت لاحق، إلى مدينة "أطار" لبيعه هناك. وكان صديق الوالد رجلا من أهل "الساحل"، وكان شكله وبشرته يختلفان كثيرا عن الأشكال المعهودة في المدينة، خصوصا في فصل الصيف، حينما تصبغنا حرارة المدينة بصبغتها المميزة.

ولقد حدث أن شاهد حطاب يسوق حمارا محملا بالحطب، صديق والدي مع عامله، في كهف من كهوف الجبال المحيطة بالمدينة، من الناحية الجنوبية، وكانا وقتها ينتظران إبلا قادمة إلى المدينة. وعندما رآهما الحطاب هناك، اتجه فورا إلى السلطات في المدينة، وأخبرهم بأنه شاهد صحراويين اثنين مسلحين في كهف جنوب المدينة، وأنهما يستعدان للإغارة على المدينة.

ـ دعك من تهديد وترويع النساء والأطفال، أنت جئت إلى هنا من أجلي، وها أنذا بين يديك فأفعل بي ما تشاء، ودع عنك النساء والأطفال.

هكذا خاطب صديق والدي رحمه الله، القائد المتوحش. لم يكن صديق الوالد رحمه الله في تلك اللحظات بعيدا عن المنزل، وعندما شاهد السيارات العسكرية، وسمع بالخبر عاد مسرعا تسبقه كلماته تلك، والتي لم تترك للقائد المتوحش أي حجة للاستمرار في ترويعنا وتهديدنا بتلك الطريقة المتوحشة، ولا بتنفيذ تهديداته، والتي يبدو أنه كان يفكر في تنفيذها.

لم تستمر التحقيقات طويلا مع صديق والدي رحمه الله. فقد كانت لديه أدلة كثيرة تثبت بأنه لم يفكر يوما في الإغارة على مدينة "لعيون". ومع ذلك فلم يُطلق سراحه إلا بعد أن تدخل بعض وجهاء المدينة، وتعهدوا بتحمل المسؤولية الكاملة، عن أي جريمة يرتكبها، طيلة إقامته بالمدينة.

وعندما أُطْلِق سراح صديق والدي رحمه الله، هجم عليه بعض سكان المدينة، ورشقوه بالحجارة، ونددوا بإطلاق سراحه. فما كان منه إلا أن أعاد إلى مكان الاعتقال، وطلب من السلطات تأمينه، حتى يعود إلى منزلنا الذي يقع في الحي الجنوبي من مدينة "لعيون" الرائعة، والمتميزة في كل شيء، حتى في إشاعاتها، وفي قدرة أهلها على التخيل، وعلى مزج ما تخيلوا بتفاصيل حياتهم اليومية.

وكعادتهن، أبدعت بائعات الخضروات في سوق المدينة، هن وزبوناتهن، في ذلك اليوم المتوحش. فألفن في دقائق معدودة قصصا مثيرة وعجيبة، ونسجن في تلك الدقائق روايات عديدة للمعركة الشرسة، التي حدثت في ذلك اليوم، داخل منزلنا بين أهلي، ومن معهم من الصحراويين، ومن ناصرهم من الأقارب، وعساكر المدينة.

وتحدثت بائعات الخضروات في ذلك اليوم، عن العديد من الجرحى والقتلى الذين سقطوا من الجانبين، في ساحة المعركة الشرسة التي دارت داخل حدود منزلنا.

ولقد ذُهِلت كثيرا عندما قابلت زملائي في مساء ذلك اليوم المتوحش، ووجدت أن لديهم روايات وتفاصيل لما حدث في صبيحة ذلك اليوم داخل منزلنا، قللت كثيرا من أهمية روايتي للحدث، رغم أني أضفت لروايتي كشاهد عيان، إضافات عديدة لمزيد من الإثارة. واكتشفت في ذلك المساء، أن روايتي للحدث الذي كنت شاهدا عليه، هي أسخف شيء يمكن أن أحدث به الأطفال في مساء ذلك اليوم، والذي كان بحق، يوما من أيام بائعات الخضروات بسوق المدينة.

وفي الصف السادس، لا أذكر أني ضُربت ولو لمرة واحدة. فقد درسنا في ذلك العام معلم للفرنسية، أحبني كثيرا، وتوطدت علاقتي به منذ الأيام الأولى التي أعقبت الافتتاح. ولم تتوتر علاقتي به، إلا عند البدء في إيداع ملفات الترشح لمسابقة دخول السنة الأولى من الإعدادية.

كان معلم الفرنسية يثق بي ثقة عالية، وكان يكلفني بمهام كثيرة داخل الفصل، في إطار ما سأعرف مستقبلا، بأنه يسمى بالتحفيز من خلال التكليف بالمزيد من المهام والصلاحيات.

ومن شدة ثقته بي، أتذكر أنه زارنا، خلال إحدى حصصه، تلميذان من خارج الفصل، وكانا يريدان من معلمنا أن يحل لهما أصعب مشكل على الإطلاق، في كتاب الحساب الشهير، والمعروف باسم أحد مؤلفيه:J.Auriol"" . وكان من عادة التلاميذ أن يختبروا مستوى المعلمين في الحساب من خلال مطالبتهم بحل المشكل المذكور.

ولقد فاجأ معلمنا التلميذين بأن أجابهما بشكل مباشر، وقال لهما بأن وزن خنشة الأرز المطلوب تحديد وزنه في المشكل المذكور هو 63.5 كلغ، إن لم تخني الذاكرة. وبالمناسبة فأنا أعتمد في سرد هذه المذكرات، على ما أتذكره الآن. وهناك بعض الأحداث التي كان يمكن لي أن أقدم عنها تفاصيل أكثر، لو أني استعنت بآخرين ممن عايشوها، ولكني لم ولن أستعين بهم. فهذه اليوميات ستقتصر فقط على ما ستجود به ذاكرتي البخيلة من ذكريات، لحظة سردها على الكاتب الذي تعاقدت معه على كتابتها ونشرها.

وفاجأ المعلم التلميذين مرة أخرى، عندما قال لهم بأن أصغر تلميذ في الفصل، يمكنه أن يحل لهما المشكل المذكور.

وطلب مني معلم "التحفيز بالمهام الصعبة" أن أتقدم لحل المشكل المذكور.

وكانت تلك واحدة من أصعب المهام التي كُلفت بها في حياتي. وكانت تلك هي المهمة الوحيدة التي يستحيل أن أفشل فيها.

تقدمت إلى السبورة، وبدأت في حل المشكل، وكنت أثناء الحل أحس بنظرات المعلم الواثقة تخترق جسمي، وتزودني بطاقة هائلة. لم أكن بحاجة لأن أسترق النظر إلى وجهه. فقد كنت واثقا بأنه ينظر إليَّ في تلك اللحظات بنظرات واثقة، نظرات تخيفني وتطمئنني في آن واحد. لقد كنت خائفا من أن يهلكني معلم "التحفيز بالمهام الصعبة" بثقته المفرطة، وبمهامه الصعبة، وبتحفيزه الذي كان في بعض الأحيان، يزعجني ويخيفني أكثر من إبر "المعلم المشكلة"، ومن سطل معلم "تحسين الخط"، ومن لكمات "المعلم الملاكم".

وقد لا تصدقون بأني تمنيت وأنا أحاول حل المشكل المعقد، أن يكون "المعلم المشكلة"، أو "معلم تحسين الخط"، أو "المعلم الملاكم"، أن يكون أحدهم هو الذي يقف خلفي، بدلا من "معلم التحفيز بالمهام الصعبة".

وقد لا تصدقون بأنه لو كلفني "المعلم المشكلة" بحل ذلك المشكل، لما أتعبت نفسي، ولبحثت عن أغرب إجابة. وربما كتبت له على السبورة بأن وزن الخنشة هو صفر كلغ، حتى وإن كنت أعلم بأن تلك الإجابة ستترتب عليها مائة وخزة بالإبر على اللسان.

وقد لا تصدقون بأنه لو كلفني "المعلم الملاكم" بحل ذلك المشكل، لربما فكرت في أن أكتب له بأن وزن الخنشة يزيد على ثلاثين ألف طن، حتى وإن كنت أعلم بأن تلك الإجابة ستتسبب في مائة لكمة على الوجه.

وقد لا تصدقون بأنه لو كلفني "معلم تحسين الخط" بحل ذلك المشكل، لربما امتنعت عن حله، مدعيا بأن لا أفهم إلا في تحسين الخط، حتى وإن كنت أعلم بأن ذلك قد يترتب عليه أن أقف وأجثو مائة مرة، وأنا أحمل سطلا مملوءا بالتراب المبلل.

مشكلتي في ذلك اليوم، أن المعلم الواقف خلفي، هو معلم "التحفيز بالمهام الصعبة"، الذي لم يغضب عليَّ يوما، ولم يعاقبني يوما، والذي ـ وهذا هو أصعب ما في الأمر كله ـ يثق بي ثقة عالية.

ومشكلتي في ذلك اليوم أني كنت على يقين بأني لو فشلت في حل ذلك المشكل، فلن يغضب لذلك معلم "التحفيز بالمهام الصعبة"، ولن ينقص حبه لي، ولن تتأثر ثقته بي بسبب ذلك.

ومشكلتي في ذلك اليوم أن المعلم الذي طلب مني حل ذلك المشكل، والواقف خلفي في تلك اللحظات، والذي كانت نظراته الواثقة تخترق جسمي، يحبني كثيرا، ويحترمني كثيرا، ويثق بي كثيرا.

ومشكلتي في ذلك اليوم، أنه إذا كان يجوز لي أن أفشل في أي شيء، كُلفت به في حياتي، حتى ولو كان أمرا بسيطا، فإنه لا يجوز لي ـ بأي حال من الأحوال ـ أن أفشل في أصعب مهمة كُلفت بها في حياتي، لأن من كلفني بها، هو معلم "التحفيز بالمهام الصعبة". ولأنه بعد أن كلفني بها، وقف خلفي في انتظار أن أنجزها، وعلى أحسن وجه.

ومشكلتي أيضا، هي أن الكاتب الذي تعاقدت معه على كتابة هذه السيرة، لن يتمكن من نقل مشاعري في تلك اللحظة، حتى ولو تفرغ لهذه الحلقة أسبوعا كاملا. لن يستطيع أن يفهمكم بأن التحفيز قد يهلك تلميذا في الصف السادس، أكثر مما تهلكه اللكمات في الصف الرابع، أو حمل السطل في الصف الثالث، أو الوخز بالإبر الحادة في الصف الثاني ابتدائي. لن يستطيع كاتب هذه اليوميات أن ينقل لكم بلغته العادية جدا، مشاعر غير عادية، في لحظة غير عادية، من حياة شخص عادي جدا. كلما يمكن للكاتب أن يفعله، وأنا أستفزه الآن لأن يفعل أي شيء آخر، هو أنه سيهرب من تلك اللحظة غير العادية. وسيقول لكم، وبسذاجة سخيفة، متجاوزا كل تفاصيل تلك اللحظة غير العادية، بأني تنفست الصعداء عندما توصلت خلال حلي للمشكل، لرقم يتطابق مع الرقم الذي ذكره معلم "التحفيز بالمهام الصعبة" منذ دقائق، على أنه وزن الخنشة المطلوب تحديده.

ومن الغريب حقا، أني بعد ذلك بسنوات عدة، وبعد أن تطورت كثيرا معلوماتي في الرياضيات، حاولت أن أحل نفس المشكل، بنفس الطريقة التي استخدمتها لحله سابقا، ولكني فشلت في ذلك. ولم أتمكن من حله إلا بعد أن استخدمت نظاما من معادلتين ذات مجهولين، والذي يجعل من حل المشكل مسألة في غاية البساطة. وتمنيت في هذه اللحظات التي كنت أسرد فيها ما حدث في ذلك اليوم، لكتاب يومياتي، أن أذهب إلى وراقات سوق العاصمة، واشتري كتاب الحساب المذكور، فقد رأيته مرة هناك. وذلك لكي أجرب حل المشكل للمرة الثانية، بالطرق الحسابية التي كنا نستخدمها في الابتدائية. ولم يمنعني من المحاولة في هذا الوقت، إلا أن ذلك قد يعين الذاكرة، ويساعدها في تدقيق الرقم الذي ذكرته سابقا، على أنه وزن خنشة الأرز. وأنا لا يحق لي حسب الشروط التي اشترطتها على نفسي، عند البدء في سرد هذه اليوميات، أن أعين ذاكرتي بأي عنصر خارجي، من قبل الانتهاء الكامل، من سردها.

وفي نهاية الصف السادس، وجدت نفسي في موقف حرج جدا. فقد أصر معلم "التحفيز بالمهام الصعبة"على أن أترشح لمسابقة دخول السنة الأولى إعدادية بالفرنسية. وكان يتوقع لي مستقبلا زاهرا في الأدب الفرنسي. أما مدير المدرسة، والذي كنت أحترمه أيضا، فقد أصر على ترشحي بالعربية، بحجة أن فصلنا لابد من أن يتبرع بتلميذ للأقسام العربية. وكنت أنا بالنسبة للمدير هو التلميذ الوحيد في الصف الذي يمكنه الترشح باللغة العربية، والتي كانت في ذلك الوقت لغة ثانوية، لم ندرس بها الحساب الذي يعتبر مادة أساسية في تلك المسابقة.

ولقد نجح المدير في فرض رأيه، وذلك بعد أن اتصل بوالدي رحمه الله، وأقنعه بضرورة ترشحي للمسابقة العربية. كما أن التنظيم الناصري الذي بدأت أدعي الانتساب له، في تلك الآونة، كان في صف المدير أيضا.

ولقد اتخذت بعد نجاحي في المسابقة قرارا سخيفا، نتجت عنه قطيعة كاملة مع اللغة الفرنسية. وكنت أبخل على تلك اللغة، بتسجيلها في جدول الزمن، لسنوات أربع في ثانوية "لعيون". ولم أتوقف عن القطيعة الكاملة مع اللغة الفرنسية، إلا عندما حُوِّل إلينا في القسم الخامس رياضي، أستاذ مبدع، كان يكتب على السبورة بطريقة عجيبة، وكان طريقته في الكتابة هي أول ما شدني إلى حصصه، والتي لم أتخلف عنها في ذلك العام الدراسي، ولو لمرة واحدة. ولم يكن ذلك الأستاذ المبدع، إلا الكاتب والصحفي الشهير" حبيب محفوظ"، أو "بداح" كما كنا نسميه في الثانوية، والذي تمر بنا في نهاية هذا الشهر الذكرى العاشرة لرحيله.

تصبحون على الحلقة الخامسة من الرواية...

ساعتان للوحدة الوطنية

حال موريتانيا اليوم، كحال أي سفينة عندما تُخرق، ويبدأ الماء بالتسرب إلى داخلها. وفي العادة فإن السفينة عندما تُخرق، ويبدأ الماء يتسرب، فإن الركاب في تلك اللحظات ينقسمون ـ في الغالب ـ إلى أربع فئات.

الفئة الأولى : تتظاهر وكأن الأمر لا يعنيها، رغم أنها غارقة إن غرقت السفينة. بل إن هذه الفئة من الركاب هي أول من سيغرق إن غرقت السفينة. وحجة هذه الفئة أن في السفينة ربانا وعمالا يتقاضون أجورا، ويتقاسمون خيرات السفينة، فيما بينهم. وأن على أولئك أن يسدوا لوحدهم أي ثقب يظهر في السفينة، ودون انتظار المساعدة ممن لا يتلقى راتبا، ولا يستفيد من خيرات السفينة. ودعونا نسمي هذه الفئة بعامة الركاب.

الفئة الثانية: وهذه تنقسم إلى مجموعتين اثنتين، تختلفان كثيرا في ظاهرهما، وتتطابقان في جوهرهما وباطنهما. وأمر هذه الفئة عجيب غريب. ويذكرني دائما بقصة رمزية تعبر عن حقد فظيع. إنها قصة رجلين كانا يركبان في سفينة، أحدهما في مقدمتها، وكان يعمل جاهدا لإسقاط الراكب الثاني الذي كان يوجد في مؤخرة السفينة. وعندما خُرقت سفينتهما، طلب الرجل الذي كان في المقدمة من الراكب الثاني مساعدته في سد الثقب، فلا يمكن أن يسد الثقب إلا إذا تعاون الراكبان. ولكن الراكب الثاني رفض المساعدة، لأن الثقب كان في مقدمة السفينة، مما يعني بأن مقدمة السفينة ستغرق قبل مؤخرتها. وهو ما يعني أيضا بأن الراكب الذي رفض المساعدة، لن يغرق إلا بعد أن يكون راكب المقدمة قد غرق. ومن شدة الحقد بين الرجلين، فإن الراكب الثاني فضل أن يموت غرقا بدلا من النجاة، مادام لن يموت غرقا إلا بعد أن يكون قد "تمتع" برؤية خصمه وهو يغرق مع مقدمة السفينة.

إن المجموعتين المكونتين للفئة الثانية، حالهما كحال الراكبين، بينهما حقد فظيع، ويتطور بشكل فظيع، ويهدد السفينة بشكل فظيع.

إحدى المجموعتين هي التي تقود السفينة، أما الثانية فتسعى لأن تحل محل المجموعة الأولى، وهي على استعداد لاستخدام كل الوسائل للوصول إلى زمرة القيادة. وأمر المجموعتين كأمر الراكبين عجيب، غريب. فالمجموعة التي تقود السفينة، شغلها حقدها وبغضها للمجموعة الثانية، عن قيادة السفينة بشكل سليم. وهذه المجموعة وفي إطار سعيها للقضاء على المجموعة الثانية، فإنها تحدث ثقوبا كثيرة في السفينة، ستؤدي إلى غرق السفينة بكاملها، إذا ما ظل البغض والحقد هو الذي يحكم علاقتها بالمجموعة الثانية.

والمجموعة الثانية تعمل بدورها لإحداث ثقوب جديدة، أو بتوسيع أي ثقب يظهر في السفينة، لسبب أو لآخر، وذلك لكي تعجل بغرقها . وهذه المجموعة كالراكب الثاني فهي ترحب بغرق السفينة في أي وقت، ما دام أول ما سيغرق في السفينة مقدمتها، حيث تتواجد المجموعة الأولى. مشكلة المجموعة الأولى والمجموعة الثانية بأنهما لا تستطيعان أن تفرقا بين المخاطر التي قد تضر المجموعة الخصم، وبين المخاطر التي يمكن أن تضر السفينة بكاملها. ولقد أصبحت هذه الفئة، بمجموعتيها الأولى والثانية هي أكبر خطر يهدد السفينة. فالمجموعتان، ونتيجة للحقد الفظيع الذي يحكم العلاقة بينهما، لم يعد لهما من عمل، إلا إحداث ثقوب في السفينة، أو توسيع ثقوب أخرى. وكلا المجموعتين تعتقدان بأنها ستضر المجموعة الخصم، بإحداث ثقوب جديدة، أو بتوسيع ثقوب قديمة، متجاهلة بأن فعلها ذلك، إنما يضر السفينة بكاملها، ويعمل على إغراقها، بمن فيها وبما فيها.

دعونا نسمي المجموعتين المكونتين للفئة الثانية بالسلطة والمعارضة.

الفئة الثالثة: وهذه كثيرا ما تُشغل ركاب السفينة عن سد أي ثقب يظهر في سفينتهم، بنقاشاتها، وصراخها، ومعاركها التي قد تعجل بغرق السفينة، بدلا من حمايتها من الغرق. وفي هذه الفئة من يقول بأن أي لعنة تصيب السفينة إنما هي بسبب المجموعة الأولى في الفئة الثانية. وفيهم من يقول بأنه ما حل بلاء في السفينة إلا وكانت وراءه المجموعة الثانية من الفئة الثانية. وفيهم من يحاول التلاعب بمشاعر ركاب الفئة الأولى، فيقوم بتجييش بعض عامة الركاب على بعضهم الآخر.

ومن النادر أن يركز أهل هذه الفئة، على الثقب نفسه، وإن حدث ذلك، فإنما يكتفون بتوزيع الأدوار على بقية الركاب، دون أن يقوموا هم بأي عمل ميداني لسد الثقب. فترى أحدهم يقول بأنه على السلطة أن تفعل كذا لسد الثقب، وعلى المعارضة أن تفعل كذا، وعلى عامة الركاب أن يفعلوا كذا. أما هو فلا يطلب من نفسه أن تفعل شيئا، لأنه يعتقد بأنه لم يخلق للأفعال، وإنما خُلِق للقول، وللقول فقط. دعونا نسمي هذه الفئة بنخب السفينة.

الفئة الرابعة: وهذه في العادة لا تتشكل إلا عندما تصبح في مرحلة يأس شبه كامل من الفئات الثلاث. وهي لا تتشكل إلا بعد أن يكون الثقب قد أصبح كبيرا، والسفينة قد أو شكت على الغرق، كما هو حال سفينتنا.

وهذه الفئة يبدأ عددها قليلا، ويتشكل في العادة من مجموعة أفراد منحدرين من الفئات الثلاث. وأول ما تقوم به هذه الفئة عندما يصبح الثقب كبيرا، كما هو حال ثقب سفينتنا، هو أن تتجه فورا إلى مكان الثقب لسده، بكل ما هو متاح لها، حتى وإن اضطرت لسده بأجسادها وبأرواحها وذلك لكي لا تغرق السفينة. وهذه الفئة تظل دائما جاهزة لسد أي ثقب، وذلك في انتظار أن يعود ركاب السفينة إلى رشدهم، ويتعاونون بشكل حقيقي على حماية سفينتهم من الغرق. وهم سيعودون حتما إلى رشدهم، طال الوقت أم قصر.

وهذه الفئة عندما تتقدم إلى الثقب بأعدادها القليلة، وبوسائلها المحدودة، إنما تريد بذلك أن تؤكد على ثلاثة أمور أساسية:

أولهما : أن التوجه بشكل مباشر إلى مكان الثقب في السفينة، ومحاولة سده، هو العمل الذي يجب أن يُفعل الآن، وقبل أي عمل آخر، وهذا من باب ترتيب الأولويات.

ثانيهما: أن مجرد ذهاب فئة قليلة بوسائل محدودة إلى ثقب كبير، هو أفضل ما يمكن فعله الآن لإشعار الفئات الأخرى، وخاصة منها من يمتلك الوسائل لذلك بأن عليه أن يفعل شيئا ما لسد الثقب المخيف.

ثالثهما: أنه لم يعد من الممكن، أن يظل الكل ينتقد الكل، وأن يظل الكل يحمل المسؤولية للكل، دون أن يفعل أي واحد من الكل، أي شيء من أجل سد الثقب الذي اتسع كثيرا، ولدرجة مخيفة. إن هذه الفئة تريد أن تخرج من عباءة الكل، ومن عقلية الكل. إنها تريد أن تواجه الثقب بعقلية جديدة، وبوسائل إبداعية تختلف عن الوسائل المعهودة. فلا يمكننا أن نواجه الأزمات بنفس الوسائل التي أنتجت تلك الأزمات. ولا يمكننا أن نواجه المخاطر التي تهدد الوحدة الوطنية بنفس الوسائل والعقليات التي أحدثت شرخا كبيرا في وحدتنا الوطنية.

دعونا نسمي هذه الفئة، بفئة اللحمة: لحمة السفينة أو اللحمة الوطنية.

ولكن ما ذا يمكن أن تفعل الآن فئة اللحمة؟

يمكنها، وهذا أقل ما يمكنها أن تفعله، أن تجمع ـ على الأقل ـ ثلاثين مواطنا، ومن الأفضل أن يكونوا شبابا ( 10 بيظان، 10 حراطين، 10 زنوج)، ويؤسفني أن أتحدث هكذا. وحديثي بهذه الطريقة إنما يدل على أن الثقب قد اتسع كثيرا، ولولا اتساعه لما تحدثت بهذه الطريقة المستهجنة والبائسة.

وعلى هذه المجموعة أن تتوزع على عشر ملتقيات طرق، تشهد زحمة كبيرة في الصباح، وذلك بمعدل ثلاثة عند كل ملتقى طرق (1 زنجي، 1حرطاني، 1 بيظاني) على أن يظهر البيظاني والحرطاني بالزي التقليدي للزنوج، بينما يظهر الزنجي بالزي التقليدي لمجتمع البيظان، أي لحراطين والبيظان معا.

وعلى الثلاثة أن يرفعوا معا لافتة مكتوب عليها: دين واحد، وطن واحد، شعب واحد، مستقبل واحد. على أن تستمر الوقفة الصامتة، والتي تركز على الصورة أكثر من الكلام، لمدة ساعتين على الأقل، من الثامنة صباحا وحتى العاشرة.

وعلى المشاركين في هذه الوقفة أن لا يتحدثوا بأي شيء، فركاب السفينة قد ملوا من الكلام. وإنما عليهم أن يكتفوا في "يوم اللحمة الوطنية" بتقديم تلك الصورة الرائعة، في أكبر عدد ممكن من ملتقيات الطرق، حتى يشاهدها أكبر عدد ممكن من المواطنين. وبالتأكيد فإن أي مواطن عندما يشاهد تلك الصورة الرائعة، في أكثر من ملتقى طرق، فإن ذلك سيبعث في نفسه أملا. وسيؤكد له بأنه لا يزال من الممكن أن تشاهد صور ايجابية في هذا البلد، حتى ولو ظهرت وسط عشرات الصور السلبية.

وبالنسبة لي شخصيا، فقد قررت أن ألتحق بفريق اللحمة الوطنية، وأن أشارك في "يوم اللحمة الوطنية"، وأن أخرج يوم الأحد 30 أكتوبر من الساعة الثامنة صباحا، وحتى الساعة العاشرة. وسألبس في ذلك اليوم ثوبا إفريقيا تقليديا، وسأرفع لافتتي عند واحد من ملتقيات الطرق الشهيرة، حتى ولو كنت وحيدا. لن أبخل على الوحدة الوطنية بساعتين تحت الشمس.

لن أبخل عليها بساعتين...

تصبحون وأنتم من "فريق اللحمة"...