الأحد، 2 أكتوبر 2011

من الذي قتل الشاب "لامين مانغان"!؟


لقد شغلني هذا السؤال كثيرا، بعد الأحداث الأليمة، التي عرفتها مدينة "مقامة". وكان من اللازم أن أبحث له عن جواب، يختلف عن الأجوبة النمطية التي عادة ما يتم تقديمها في مثل هذه اللحظات المشحونة بالعواطف والانفعالات.

وحتى لا يذهب القارئ بعيدا، فإنه لابد من القول في بداية هذا المقال، بأني لم أكتبه لأفتح تحقيقا جنائيا، ولا لأحدد من المسؤول جنائيا عن قتل الشاب "لامين مانغان"، فأنا ـ وبكل تأكيد ـ لست مؤهلا لفتح مثل ذلك التحقيق. وإنما كتبته لأفتح تحقيقا من نوع آخر، حول تلك الأحداث الأليمة، وذلك من أجل تحديد المسؤولية السياسية لا الجنائية، لأطراف خمسة شاركت ـ حسب اعتقادي الشخصي ـ في قتل شاب في مقتبل عمره، كان يستحق شيئا آخر في وطنه، غير تلك الرصاصة التي أنهت حياته.

إن فتح أي تحقيق سياسي في هذه الفاجعة، سيقول بأن هناك أطرافا خمسة شاركت ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ في قتل الشاب " لامين مانغان"، ومع ذلك فلم يحاول أي طرف منها، بعد حصول الفاجعة، أن يحاسب نفسه، وإنما اكتفى بمحاسبة الآخرين، وتحميلهم كامل المسؤولية فيما يحدث من مصائب وأزمات متكررة، أرجو أن تكون آخرها فاجعة "مقامة". أما إذا ما ظل كل طرف يصر على أن لا يحاسب نفسه، حتى ولو كان مجرد حساب يسير، فإن فاجعة «مقامة" لن تكون هي الأخيرة.

إن هناك خمس جهات، بذلت في الفترة الأخيرة جهودا جبارة لكي يحصل ما حصل. ودفعت بالأمور لتصل إلى منعطف جد خطير، كان لابد أن يتسبب في فاجعة "مقامة". وهذه الأطراف الخمس على الترتيب هي : النظام الحاكم ـ حركة لا تلمس جنسيتي ـ أحزاب المعارضة ـ الإعلام بشقيه الرسمي والخاص ـ الكتاب والمثقفون.

1ـ النظام الحاكم: من المؤكد أن النظام الحاكم، أي نظام حاكم، يتحمل الجزء الأكبر في كل ما يحدث في فترة حكمه من مصائب وأزمات، حتى وإن لم يكن سببا مباشرا في حصول تلك الأزمات والمصائب. فكيف إذا كان النظام نفسه قد ساهم ـ وبشكل مباشرـ في حدوث تلك المصائب، كما هو الحال في فاجعة "مقامة".

إن النظام الحالي يتحمل جزءا كبيرا فيما حدث، وذلك لأنه لم يبذل أي جهد مهما كان حجمه في التوعية والتحسيس بأهمية العملية الإحصائية، ولم يتشاور ـ قبل ذلك ـ مع الموريتانيين بكل أعراقهم وأطيافهم، للبحث عن أفضل السبل لانجاز هذه العملية، والتي تعتبر ـ بحق ـ عملية ذات أهمية قصوى.

إن هذا الإحصاء، الذي كان يمكن له أن يشكل انجازا هاما لحكومة بلا انجازات، أصبح اليوم نظرا لغياب التوعية والتحسيس، ونظرا لغياب التشاور، معرضا لأن يتسبب ـ لا قدر الله ـ في صدامات عرقية بين مكونات هذا الشعب.

2 ـ حركة "لا تلمس جنسيتي": فوجئت عندما تعرفت على هذه الحركة، لأول مرة، وهي لازالت مشروعا قيد التأسيس، يُخَطِّط للقيام بسلسلة من الاحتجاجات ضد عملية الإحصاء، فوجئت بأنها، لم تحاول ـ على الأقل ـ أن تترجم اسمها للغة العربية، وفي ذلك دلالات خطيرة جدا.

فهل أن الحركة كانت تسعى منذ بداية تأسيسها لأن تظل حركة عرقية بدلا من أن تكون حركة احتجاج وطنية؟ وهل من اللائق، في بلد كموريتانيا، أن لا تترجم حركة احتجاجية اسمها للعربية، حتى ولو كان مؤسسوها لا يعتبرون اللغة العربية هي اللغة الرسمية لهذه البلاد؟ أليس في هذا البلد "قلة" من المواطنين لا تعرف إلا العربية، ومن حقها على هذه الحركة أن تترجم لها اسمها، أما البيانات فتلك مسألة أخرى، لا أحد ينتظر من الحركة ترجمتها.

لقد نبهتُ بعض قيادات تلك الحركة على ذلك الخطأ الفادح، فمثل ذلك الخطأ الجسيم لا يمكن أن نفسره بأنه حصل بسبب الصدفة البحتة. وقد تمت ترجمة اسم الحركة فيما بعد، ولكن الترجمة المتأخرة لاسم الحركة، أعطت انطباعا غير جيد، عن هذه الحركة الناشئة.

والخطأ الثاني، يتمثل في أن حركة لا تلمس جنسيتي، لم تحاول أن تخرج من الدائرة العرقية في مطالبها، رغم أن الإجراءات والشروط القاسية في هذا الإحصاء لم تكن موجهة ضد الزنوج لوحدهم. فوزير الداخلية السابق، ونائب رئيس حزب الوئام السيد "محمد يحظيه ولد الحسن" مُنع من التسجيل، والصحفية "سلوى" المعروفة في التلفزيون، والتي هي ابنة أخ رئيس الأغلبية البرلمانية السابق، لم يتم تسجيلها. والأمثلة في هذا المجال كثيرة، ولا يمكن حصرها.

كان على هذه الحركة، أن تحتج ضد الإحصاء ليس لأنه موجه ضد عرق معين، بل لأنه موجه ضد كل الموريتانيين بمختلف أعراقهم، ويهين كرامتهم من خلال شروطه القاسية، والتي يتساوى فيها الموريتاني البيظاني مع الموريتاني الزنجي. وعلينا أن نتذكر دائما بأن الموريتانيين البيظان الذين ولدوا في الخارج، ليسوا بأقل من الموريتانيين الزنوج الذين ولدوا فيه.

والخطأ الثالث الذي وقعت فيه هذه الحركة، هي أنها عندما اختارت أن تكون حركة عرقية ذات مطالب ضيقة، وهذا من حقها الطبيعي، لم تبذل أي جهد لتجنب العنف، الذي قد يتضرر منه موريتانيون من عرق آخر.

فإذا كانت الاحتجاجات العرقية حق طبيعي لكل عرق يرى بأنه متضرر أكثر من غيره بسبب قرار ما أو إجراء ما. فإن ذلك الحق يفرض على المنظمين لأي احتجاجات ذات طابع عرقي، أن يبذلوا جهودا استثنائية، حتى لايحدث عنف في تلك الاحتجاجات، وحتى لا يتضرر موريتانيون من عرق آخر. وهنا يمكن القول بأن حركة "لا تلمس جنسيتي" قد قصرت كثيرا في هذا المجال، بل إنها قد شجعت ومارست العنف ضد موريتانيين أبرياء، ودعت إليه في صفحات بعض قادتها على "الفيس بوك". واختارت أن تتجه باحتجاجاتها إلى المحلات الخاصة والأحياء الشعبية، بدلا من الاحتجاج أمام المباني الحكومية. ولا يكفي لتبرير ذلك الخطأ الفادح، ما قاله أحد قيادي هذه الحركة، بأن الأمن هو الذي أجبرهم على ذلك، لأنه صدهم بمسيلات الدموع، وحال بينهم وبين الاحتجاج أمام البرلمان، وأمام بعض المباني الحكومية الأخرى. ولو كانت هذه الحجة مقبولة لاحتج بها شباب 25 فبراير، عندما احتل الأمن ساحة "بلوكات" التي كان ينظم فيها احتجاجاته. وبالمناسبة فإن حركة 25 فبراير قررت أن تعود من جديد إلى نضالها السلمي، ابتداءً من فجر هذا اليوم.

وإذا ما صح بأن هناك أجانب شاركوا في احتجاجات حركة لا تلمس جنسيتي، ومارسوا العنف ضد موريتانيين في عقر دارهم، فهنا نكون أمام جريمة شنعاء،لا يمكن السكوت عليها.

3 ـ أحزاب المعارضة: إن أحزاب المعارضة التي تعودت على أن تدين النظام في كل كبيرة أو صغيرة، وهذا من حقها الطبيعي، الذي نشجعها عليه، كان عليها أن تدين بلغة صريحة وفصيحة، كل عمليات النهب والسطو على ممتلكات المواطنين الأبرياء، والتي تتم تحت غطاء الاحتجاج ضد النظام. وقبل ذلك، كان على أحزاب المعارضة أن تكون هي المبادرة لتنظيم احتجاجات ضد بعض شروط الإحصاء القاسية، لأن ذلك كان سيحول ضد ظهور أي احتجاجات ذات طابع عرقي.

والحقيقة أن أحزاب المعارضة قد تخلت منذ مدة عن المطالب ذات الأولوية، وانشغلت ببعض الأمور الثانوية. فهذا الإحصاء الذي يمثل ضرورة وطنية ملحة، لم يشكل في أي يوم من الأيام مطلبا رئيسيا للمعارضة. وعندما قررت الحكومة الشروع فيه، لم تستطع المعارضة أن تواكب ذلك القرار، بالقيام بسلسلة من الضغوط والاحتجاجات على الحكومة للتحسين من ذلك القرار، ولإجبارها على تنفيذه بشكل أمثل.

فتخلي المعارضة عن المطالب ذات الأولوية، سيتسبب دائما في ظهور مثل هذه الحركات والصدامات ذات الطابع العرقي. فمثلا تخلي أحزاب المعارضة عن المطالبة بتعريب الإدارة، والذي يعد من أكثر المطالب شرعية وإلحاحا، قد يدفع ببعض الشباب إلى المطالبة به في الجامعة، وهو ما قد تترتب عليه بعض الصدامات العرقية، كما حدث في السابق.

4ـ الإعلام الرسمي والخاص : لم يحاول الإعلام الرسمي أن يواكب عملية الإحصاء، ولم ينظم هذا الإعلام نقاشات وحوارات معمقة وشاملة عن هذه العملية الهامة. ولم يحاول أن يجيب على الشكوك التي يطرحها البعض حول هذه العملية. لقد كان الإعلام الرسمي ـ كعادته ـ غائبا، منشغلا في أمور ثانوية، في وقت كان عليه أن يكون فيه حاضرا، وبشكل قوي ومؤثر.

أما الصحافة الحرة فظلت في الفترة الأخيرة تغذي الشائعات التي تقول بأن هذا الإحصاء موجه ضد الزنوج. فكانت تجعل من رفض تسجيل أي مواطن موريتاني زنجي خبرا رئيسيا. في حين أنها ظلت تتجاهل الكثير من الموريتانيين غير الزنوج، والذين تم رفض تسجيلهم.

ألا يشكل رفض وزارة الداخلية لتسجيل وزير داخلية سابق، خبرا يستحق النشر، بجنب خبر رفض تسجيل مستشار في بلدية ريفية؟ فلأسف لم تهتم الصحافة الحرة منذ انطلاق هذه العملية الإحصائية إلا بالمواطنين الزنوج الذين تم رفضهم. أما غيرهم فلم تهتم به هذه الصحافة. هذا إذا ما استثنينا الصحفية "سلوى" التي تعاطفت معها المواقع والجرائد، لأنها صحفية، ونشرت خبر رفض تسجيلها بشكل واسع.

ومثل هذه الحالات، تتكرر دائما في صحافتنا الخاصة، وفي قضايا ذات ارتباط قوي باللحمة الوطنية. فمثلا بعد مصادقة مجلس الوزراء على قانون تشغيل خدم المنازل، اتصلت أغلب المواقع، وبشكل فوري، بالسيد "بيرام" وطلبت منه رأيه في هذا القرار الوزاري. ولم يتصل أي موقع واحد، من تلك المواقع، بالسيد "بوبكر ولد مسعود" ليسمع رأيه، رغم أن منظمة نجدة العبيد لها تاريخ عريق في النضال ضد العبودية، لا يقارن بأي منظمة أخرى. لكن مشكلة "بوبكر ولد مسعود" أنه يتحدث بلغة مهذبة ومتحضرة وخالية من العنف، وتلك لغة لا تبحث عنها كثيرا صحافتنا المستقلة، ولا يبحث عنها كذلك قراؤها.

5 ـ الكتاب والمثقفون : من المؤسف حقا، وهذا الأمر تكرر كثيرا في الآونة الأخيرة، أن تجد كتابا ومثقفين يتحدثون عن الجنسية الموريتانية بكلام غير لائق، ويقولون بأنها، نظرا لعدم أهميتها، لا تستحق أن تمنع عمن يطلبها.

مؤسف حقا أن يتحدث كاتب أو مثقف بهذا الطريقة المستهجنة.

وإذا كان يجوز لنا أن ننتقد الواقع الذي نعيش بالطريقة التي نشاء، وتجوز لنا المبالغة في هذا النقد، إلا أنه لا يجوز لنا أن ننتقد الجنسية الموريتانية، بل يجب علينا أن نعتز بها جميعا، حتى وإن كان سيترتب عليها أن نعيش في بلد يتربع على "قمة" الفقر والجهل والتخلف.

إن على من يصف الجنسية الموريتانية بأنها شيء تافه، أن يتخلى عنها، وأن يبحث عن جنسية غير تافهة، ولن نذرف عليه الدموع إذا ما فعل ذلك.

وعلى الذين يقولون بأنه من المستحيل أن يسعى غير الموريتانيين للبحث عن الجنسية الموريتانية، أن يعلموا بأن هناك جيوشا من المغاربة، والصحراويين، والسنغاليين، والماليين، والعاجيين، والغينيين، والطوارق... يناضلون ليل نهار من أجل الحصول على هذه الجنسية "التافهة".

ومن المؤكد، بأنه لا أحد من أولئك الكتاب سيتألم عندما يعلم بأن هناك لصوصا يَقتلون ويُقتلون في الخارج، ويسيئون لسمعتنا السيئة أصلا، ويحسبون علينا بسبب جوازات سفرهم المزورة. رغم أنه لا صلة لهم بنا سوى أنهم دفعوا آلافا معدودة، لموظف تافه، فزور لهم تلك الجوازات. ولعل قصة الغيني الذي قتل في أمريكا خير مثال على ذلك.

ولا أحد من أولئك قد تألم عندما تحدثت وكالات الأنباء العالمية، عن عشرات الموريتانيين الذين وجدوا أمواتا في زورق من زوارق الهجرة السرية، والذين تم الكشف بعد ذلك بأنه لا صلة تربطهم بموريتانيا، سوى جوازات سفرهم الموريتانية المزورة.

ختاما: إن من قتل الشاب "لامين مانغان" هو هذه الحكومة التي لم تستطع أن تزيل مخاوفه وشكوكه حول عملية الإحصاء، من خلال التوعية والتحسيس، ومن خلال الإجابة على كل التساؤلات التي كانت تقلقه حول هذه العملية. وقتلته أيضا حركة لا تلمس جنسيتي التي دفعته للمشاركة في احتجاجات عنيفة ذات طابع عرقي. وقتلته الصحافة المستقلة التي كانت تصور له أن هذا الإحصاء يستهدفه هو لأنه زنجي. وقتلته المعارضة التي تخلت عن دورها. وقتله كتاب ومثقفون لا يقيمون وزنا لما يكتبون ولا لما يتحدثون به.

تصبحون وأنتم لستم قتلة...

السبت، 1 أكتوبر 2011

يوميات شخص عادي جدا (2)

لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي رافقت فيه جدتي، رحمها الله تعالى، متوجها إلى معلم "اللوح" الجديد، والذي تقرر أن أتعلم على يده، بدلا من مواصلة الدراسة عند معلمة عجوز. كانت لها طريقة رائعة في التدريس، إلا أن مشكلتها عند الآباء، أنها كانت لا تضرب الأطفال إلا قليلا. واعتقد أن ذلك كان هو السبب الوحيد لتحويلي إلى المحظرة الجديدة.

كان منزل معلمنا الجديد يتكون من عريش واحد، يقع في أقصى جنوب المدينة. وكان من عادة تلاميذ المحظرة أن يستيقظوا في الثلث الأخير من الليل، ويتوجهوا بعد ذلك فرادى، ومثنى، وفي بعض الأحيان في جماعات صغيرة، إلى مكان الدرس.

وفي كل ليلة، كان يحدث تنافس شديد بين التلاميذ. فكان كل تلميذ يسعى لأن يكون هو القادم الأول إلى المحظرة، لأن من يأتي أولا، يكتب أولا، وبالتالي يغادر مكان الدرس أولا.

ولأن التلاميذ كانوا يأتون للمحظرة من قبل استيقاظ شيخها، فقد ابتدعوا طريقة ذكية يضبطون بها تسلسل وترتيب قدومهم. فكان أول القادمين من التلاميذ يتجه مباشرة إلى حيث ينام الشيخ، ليتمدد بجواره، دون أن يترك فراغا بينه مع الشيخ، مخافة أن يستغله أحد التلاميذ المتحايلين. وعندما يأتي تلميذ ثان فإنه يتمدد بجنب التلميذ الأول، ودون أن يترك هو بدوره أي فراغ، وهكذا. وعند استيقاظ الشيخ لصلاة الفجر، فإنه يقوم بإيقاظ التلاميذ، معلنا بذلك بداية يوم دراسي جديد، وأثناء عملية الإيقاظ تلك، يقوم بضبط ترتيب قدوم التلاميذ، حسب موقعهم في الصف الذي يبدأ بأول تلميذ وصل إلى المحظرة، وينتهي بآخر تلميذ يصل إليها.

هذا ما سمعته من التلاميذ الذين كانوا يشاركون في تلك المنافسة. أما أنا فلم أكن استيقظ إلا متأخرا، وكنت أجد صعوبة شديدة في الذهاب إلى اللوح قبل تناول الفطور. ولذلك فلم أكن أصل إلى المحظرة، إلا بعد طلوع الشمس، وبعد أن يكون أغلب التلاميذ قد أوشك على أن ينهي درسه، وبدأ يفكر في العودة إلى المنزل.

وبسبب وصولي المتأخر للمحظرة، فقد تعودت أن يستقبلني شيخها مع طلوع شمس كل يوم دراسي جديد، بعقوبة ثابتة، لا تتغير أبدا. فيها توبيخ، وضرب، وحبس. ولم يستطع المعلم رغم تكرار عقوبته تلك، أن يفرض عليَّ المجيء إلى المحظرة قبل طلوع الشمس، ولو ليوم واحد.

وبمرور الأيام، تحولت العقوبة الصباحية التي كان يستقبلني بها المعلم، إلى شيء عادي في حياتي. وكان أول شيء أقوم به بعد وصولي إلى المحظرة، هو أن أمد ذراعي للمعلم ليقوم بقرصها ثلاث مرات بطريقة مؤلمة ومزعجة جدا. وكان قرص الذراع، يمثل الجزء الأول من أجزاء العقوبة، في حين كانت تمثل عملية الحبس، الجزء الأخير منها.

ولقد تعود معلمنا أن يذهب في ضحى كل يوم، بعد نهاية الدرس، إلى سوق المدينة، وكان يتركني في العريش مقيدا بسلاسل من حديد، رفقة تلميذ آخر، لم يكن سجنه بسبب التأخر في الحضور، وإنما كان بسبب صعوبة في النطق، كان يعاني منها في صغره.

لم أفكر أنا ورفيقي، في أن نستغل فرصة غياب الشيخ، وأن نفك عنا القيود أثناء غيابه، وأن نعيدها قبل عودته بدقائق، وقد كان توقيت عودته معلوم لدينا.

لم نفكر في ذلك، إلا بعد أن زارنا في محبسنا طفل أكبر منا سنا، معروف بالشغب والطيش، وكانت له مشاكل سابقة مع شيخ المحظرة، انتهت بطرده من المحظرة.

حثنا الطفل الزائر على الثورة ضد معلمنا، وأبدى لنا استعداده الكامل للوقوف معنا، ودعمنا بكل ما يملك، حتى تنجح ثورتنا، وتُكلل بطردنا من المحظرة كما طُرد هو. ولقد نجح الطفل الزائر ـ وبسرعة كبيرة ـ في إقناعنا بضرورة الثورة على شيخ المحظرة، وعلى سلاسله الحديدية التي كان يقيدنا بها.

في البداية كانت مطالب وشعارات ثورتنا متواضعة جدا، ولكنها سرعان ما أخذت تتطور وتتصاعد بشكل مثير، كما هو حال الثورات العربية.

لم نكن نريد ـ وقت إعلاننا للثورة ـ إلا أن نتحرر من السلاسل الحديدية، لفترة مؤقتة، قبل أن نعود إليها عندما يقترب وقت عودة الشيخ من سوق المدينة.

ولكن بعد تحررنا من القيود، قررنا أن نرفع شعار "يوم بلا تدريس". وكانت وسيلتنا لفرض ذلك، هي أن نأخذ كل ما في صندوق شيخنا من مادة الصمغ، التي لابد منها لتهيئة مداد الدواة، هذا فضلا عن أخذ الموجود من السكر، والذي يستخدم كبديل، في حالة عدم توفر مادة الصمغ العربي.

فتحنا الصندوق، بطرقنا الخاصة، وأخذنا الموجود من المادتين. وكنا نفكر في رمي ما نهبنا من سكر وصمغ، بعيدا عن مكان المحظرة، إلا أن رؤية قطع السكر المغرية لنا كأطفال، جعلتنا نعدل الخطة قليلا. أخذنا نضع قطع السكر الكبيرة في الماء، لفترة وجيزة، ثم بعد ذلك نبدأ مصها حتى تذوب تماما. وكانت تلك هي أسهل وأسرع طريقة لابتلاع أكبر كمية من السكر، في أقل وقت. ولكنها كانت تسبب دائما لممارسيها انتفاخا شديدا. وهو ما حصل معنا، أنا ورفيقي، في مساء ذلك اليوم العصيب، من أيام طفولتنا.

بعد ذلك تطورت المطالب وأصبح المطلب الجديد: "التلميذان يريدان تسميم الشيخ وقتله".

في الأيام التي سبقت ثورتنا الحمقاء، تم قتل أفعى في المحظرة، وتم رميها ميتة فوق شجرة مجاورة. ذهبنا لتلك الشجرة بحثا عن الأفعى الميتة، وكنا نريد أن نضعها في القربة التي يشرب منها الشيخ، لتسميم مائها.

ومن لطف الله بنا وبالشيخ، أننا لم نعثر على الأفعى المقتولة، لذلك قررنا أن نجمع بعض الأوساخ والقاذورات، وأن نخلطها بالماء الموجود في القربة. وبعد أن أنهينا عملية الخلط، عدنا إلى السلاسل. فالخطة المرسومة من طرف الطفل الزائر، كانت تقول بأنه علينا أن ننتظر عودة الشيخ ليفك قيودنا، وليأذن لنا بالانصراف، فذلك سيبعد عنا أي شبهة. وسيكون بإمكاننا أن نقول بأن ما حدث، قد حدث بعد مغادرتنا للمحظرة.

عاد المعلم، واتجه كعادته إلى القربة، وصب منها ماءً باردا، كان يريد أن يطفئ به، ما يختزنه جسمه من حرارة يوم صيفي قائظ، من أيام مدينة "لعيون" المعروفة بحرارتها الفظيعة.

وما كاد المعلم يبتلع جرعة من الماء، حتى قال له رفيقي بأن الماء ليس صالحا للشرب، وبأني أنا المسؤول عن ذلك. لقد خُيِّل لرفيقي بسبب جبنه، بأن الشيخ قد فطن إلى أن الماء غير طبيعي، وهو ما جعله يوقعنا في ورطة كبيرة.

وما كان مني، بعد ذلك، إلا أن حدثت الشيخ بتفاصيل ما حدث بعده، بما في ذلك عملية البحث عن السم. وقلت له بأن كل ذلك قام به رفيقي، وبعون من التلميذ المطرود. وقلت له بأني أنا نهيتهما عن فعل ذلك، ولكنهما لم يستجيبا لي وضرباني.

لم يصدقني الشيخ، ولم ينتظرني حتى أكمل، بل انهال عليَّ وعلى رفيقي، وأخذ يضربنا ضربا مبرحا، قاسيا، لم نعهده من قبل . وقد غضب علينا الشيخ في ذلك اليوم غضبا شديدا.

منذ تلك الحادثة، بدأت أفكر في ترك اللوح، وأن أبدله بالمدرسة، والتي كنت أعتقد بأن التعذيب فيها، سيكون أخف بكثير من التعذيب في المحظرة.

ومع الافتتاح في ذلك العام، قرر الأهل تسجيلي في السنة الأولى من الابتدائية. وكان ذلك في شهر أكتوبر من العام 1973 ميلادي.

ولكن المفاجأة التي صدمتني كثيرا، هي أني تعرضت في المدرسة، ابتداءً من سنتي الثانية، إلى أنماط وأساليب من الضرب والتعذيب، جعلتني أحن كثيرا إلى معلم اللوح، وإلى أساليبه في التعذيب.

في السنة الأولى، لم أضرب إلا قليلا. وكان معلمنا في ذلك العام يمدحني كثيرا، وكان كثيرا ما يطلب من التلاميذ، أن يصفقوا لي كلما أجبت إجابة صحيحة. ولقد استطعت رغم صغر سني، أن أحصل على الرقم الأول في امتحانات الفصول الثلاثة.

وفي السنة الثانية، وبعد مرور شهر من الدراسة، حُوِّل إلينا مدير جديد لمدرستنا الابتدائية. ولقد استطاع المدير الجديد، وفي أيامه الأولى، أن يفرض نظاما صارما في المدرسة. فلم يكن بإمكان أي معلم أن يتأخر ولو لدقيقة واحدة،. ولم يكن بإمكان أي تلميذ أن يأتي للمدرسة من قبل أن ينظف وجهه، ويرتب شعره، ويعطر ثوبه. وكان استخدام الماء والصابون، في أيام الشتاء عملا شاقا لم يتعود عليه التلاميذ. ولكن مع المدير الجديد، لم يكن هناك مفر من القيام بذلك العام الشاق، صباح كل يوم دراسي، ومن قبل الذهاب إلى المدرسة.

كان المدير الجديد قاسيا، وخبيرا في أساليب التعذيب. وكان يبتكر في كل يوم تقنيات تعذيب جديدة، وأنماط لم تكن معروفة لدينا من قبل. ولسوء حظنا نحن تلاميذ السنة الثانية، فقد قرر المدير الجديد أن يتفرغ لتدريسنا دون غيرنا.

دخل علينا المعلم الجديد ذات صباح مشهود، ليخبرنا بأنه سيدرسنا بدلا من معلمنا القديم. وكان يحمل معه في ذلك اليوم سوطا مخيفا، وعصا غليظة، وسلاسل من حديد، وأشياء أخرى سيكشف عنها في وقت لاحق.

وضع المعلم الجديد السوط والعصا وسلاسل الحديد فوق الطاولة الخاصة به، ثم أشار إلينا بالجلوس بعد أن أمضينا عدة دقائق ونحن ننتظره وقوفا احتراما له.

خيم على الفصل صمت رهيب بعد جلوسنا، مرت لحظات بدت وكأنها دهر، لحظات ظل فيها المعلم الجديد واقفا أمام مكتبه دون أن يقول شيئا. كنت في تلك اللحظات أنظر تارة إلى السلسلة والسوط والعصا فأشعر بخوف شديد، وأنظر تارة أخرى إلى المعلم الجديد فأشعر بخوف أشد.

كان أول شيء نطق به معلمنا الجديد، هو أنه طرح علينا سؤالا فرحنا بطرحه كثيرا، لأنه من جهة قطع الصمت الرهيب الذي كان يخيم على القاعة، ولأنه من جهة أخرى كان سؤالا سهلا يمكن لكل واحد منا أن يجيب عليه.

ـ أيكم يعرف اسمي؟

رفعنا جميعا أيادينا، وكان كل واحد منا يتمنى أن يختاره المعلم الجديد للإجابة على هذا السؤال البسيط.

لم يفلح التلاميذ، الذين تم اختيارهم، في تقديم الإجابة التي كان يبحث عنها معلمنا الجديد. وتبين من خلال إجابات التلاميذ بأن المدير، والمعلم، وسيدي، وحتى الاسم الشخصي لمعلمنا الجديد ليست هي الإجابة المطلوبة.

فما هو اسم معلمنا الجديد؟

ظل السؤال مطروحا، ولم يعد هناك من يرفع يده، طلبا للإجابة. ولأنه لم يعد هناك من يرفع يده، فقد قررت أنا أن أرفع يدي من جديد. فكم هو رائع أن أجيب على سؤال فشل كل التلاميذ في الإجابة عليه، خصوصا إذا كان صاحب السؤال معلما صارما وقاسيا يسعى المعلمون من قبل التلاميذ لكسب وده. ومن يدري فربما تكون إجابتي سببا لأن يرضى عني معلمنا الجديد. ومن يدري فربما تكون تلك الإجابة هي خير وسيلة للوقاية من سوط وعصا وسلسلة معلمنا الجديد.

أذن لي المعلم بالجواب.

كان من سوء حظي، أني كنت قد سمعت قبل ذلك بأيام، ومن قبل أن يحول المدير الجديد لمدرستنا، من ينادي معلمنا الجديد باسمه مصغرا، فاعتقدت بأن ذلك الاسم ربما يكون هو الاسم الذي يسأل عنه معلمنا الجديد.

ـ سيدي، اسمك أَعْبَيدْ اللهِ.

لم يطلب المعلم الجديد من التلاميذ أن يصفقوا لي، كما كان يفعل المعلم السابق. ولم يجعلني ذلك أشك في صحة إجابتي، فربما تكون لمعلمنا الجديد طريقته الخاصة في تشجيع أصحاب الإجابات الصحيحة.

اكتفى المعلم بأن طلب مني أن أقترب منه، وعندما أصبحت بجنبه، وضع يده على منكبي، بحنان مريب، ثم قال لي بصوت بدا وكأنه وقور: ـ أنا اسمي "المشكلة" وستعرف الآن أنت وزملاؤك في الفصل، بأني مشكلة حقيقية، ابتليتم بها في عامكم هذا.

وما كاد معلمنا "المشكلة" أن ينهي كلمته الأخيرة، حتى أدخل يده في جيب دراعته، وأخرج حزمة من الإبر الغليظة، اختار واحدة منها ووضعها على الطاولة، بجنب العصا والسوط والسلسلة، ثم أعاد بقية الإبر إلى جيبه.

بدأت أحس بأن معلمنا الجديد يفكر في شيء آخر غير تشجيعي.

ـ يا بني اطمئن فلن نستخدم معك سلسلة الحديد في هذا اليوم.

صمت قليلا، ثم واصل بصوته الذي لم يعد وقورا:

ـ سنخز لسانك الطويل ثلاث مرات بهذه الإبرة، وسنضربك على كعب كل قدم وعلى عرقوبه ثلاث مرات بهذه العصا، وسنضربك على الظهر بهذا السوط ثلاث مرات أيضا، أما السلسلة، وكما قلت لك سابقا، فلن نستخدمها إطلاقا في هذا اليوم.

لم يلتزم معلمنا "المشكلة" بنص العقوبة، فقد كان أول شيء فعله هو أنه صفعني على أحد الخدين، لم أعد أذكر أيهما، صفعة قوية، لم تكن من بين ما عدد. وهي صفعة لم أعرف لها مثيلا، لا من قبل ولا من بعد، رغم أني استقبلت في طفولتي عددا لا بأس به من الصفعات. وبعد تلك الصفعة، بدأ معلمنا الجديد بتنفيذ ثلاثياته المنصوص عليها في العقوبة. وهنا أيضا لم يلتزم حرفيا بنص العقوبة، فقد تحولت ضربات السوط إلى أربع بدلا من ثلاث.

وبعد مرور أيام على تنفيذ تلك العقوبة، حدث أن وصلت إلى المدرسة متأخرا بدقيقة واحدة عن الثامنة صباحا، وكانت تلك واحدة من الجرائم الكبرى عند معلمنا "المشكلة". وفي ذلك اليوم، ولأول مرة في حياتي، كنت ألف معصمي الأيسر بساعة جديدة، حصلت عليها، بعد جهد جهيد. وكان من المفترض أن يلتف حولي تلاميذ الفصل، في وقت الاستراحة، كما تلتف الساعة على معصمي، ليسألونني عن ساعتي الجديدة، وعن سعرها، وعن كيفية معرفة وقتها، وعن أسئلة أخرى كنت في شوق لسماعها من زملائي في الفصل، ولكن المعلم "المشكلة" ضيع عليَّ تلك الفرصة النادرة.

توجهت إلى باب الفصل، وطلبت من المعلم أن يأذن لي بالدخول.

لم يكتف المعلم بأن أذن لي بالدخول، بل طلب من التلاميذ أن يقفوا احتراما لي. وكان ذلك يعني، في قاموس معلمنا "المشكلة"، بأن العقوبة هذه المرة ستكون مميزة، وأنها ستتناسب مع الاحترام المميز، الذي استقبلني به التلاميذ، وفقا لأوامر معلمنا المشكلة.

أخذت أبكي بكاءً شديدا، ثم قلت بصوت متقطع:

ـ سيدي سامحني هذه المرة، وأعدك بأني لن أتأخر بعد اليوم ثانية واحدة. إن ساعتي هي السبب، فقد كنت أعتقد بأن وقتها مضبوط، ولكن يبدو أنه ليس كذلك، فهي لا زالت تشير، حتى الآن، إلى الساعة الثامنة إلا ثلاث دقائق، وكنت قبل ذلك، قد أخرت الساعة بدقائق لتبرير تأخري.

نزع المعلم الساعة من معصمي بقوة، وبدأ ينفذ عقوبته الثانية ضدي، والتي وعد بأنها ستكون، في هذه المرة، عقوبة مخففة. ولم أفهم أنا، وإلى غاية الآن، الفرق بين عقوبة مخففة، وعقوبة كاملة، في قاموس معلمنا "المشكلة".

ولم أفهم أيضا، وإلى غاية الآن، لماذا كنت أصر على أن أرتكب حماقات في عهد المعلم "المشكلة"، لم أفكر في ارتكابها في عهد أي معلم آخر؟ لقد كنت أخاف من المعلم "المشكلة" خوفا شديدا، لا جدال في ذلك. ولم يحدث أن عرفت مثل ذلك الخوف مع أي معلم آخر، ورغم ذلك فقد تجرأت في الأشهر التي كان يدرسنا فيها، على ارتكاب حماقات، لم أتجرأ على ارتكابها في عهد أي معلم آخر.

لقد كنت أتسلل في بعض الليالي، صحبة تلميذ آخر، إلى المدرسة. وكان التلميذ المرافق يساعدني على التسلق حتى أصل إلى فتحة، على شكل نافذة مستطيلة، في أعلى مكتب المدير. وكنت أستخدم تلك الفتحة للدخول إلى داخل مكتب المدير.

وفي داخل المكتب، كنت أصحح الواجبات، فأعطي لأصدقائي نقاطا جيدة، ولخصومي نتائج سيئة. وكنت أنزع بعض الأغلفة البلاستيكية الجديدة، من دفاتر بعض خصومي في الفصل، لأغلف بها دفاتر أصدقائي في الفصل، ممن لم تكن أغلفتهم جيدة.

ومن حسن حظي، أن تلك الجريمة البشعة، التي شغلت التلاميذ والمعلمين على حد سواء، لم يكتشف مرتكبها إلا بعد أيام معدودة من تحويل المعلم "المشكلة"، إلى مدرسة أخرى، وإبداله بمعلمنا ومديرنا السابق.

ولم تتوقف مشاكل المعلم "المشكلة" حتى من بعد تحويله. فقد اتصل بوالدي رحمه الله، وطلب منه أن يسمح له بتحويلي إلى المدرسة التي حُوِّل هو إليها، وذلك لكي يشرف ـ بشكل مباشر ـ على تربيتي وتعليمي. وكانت حجة المعلم "المشكلة"، هي أني أستحق رعاية خاصة، تتناسب مع ذكائي الخارق، وأنه هو وحده القادر على توفير تلك الرعاية.

تصبحون على الحلقة الثالثة من الرواية...

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

خاص بالمشاركين في الحوار





قطعا لن أكون من بين المشاركين في حوار قصر المؤتمرات المزمع تنظيمه يوم 17 من الشهر الجاري، ومع ذلك فقد أعددت لهذا الحوار ورقة ارتأيت أن أنشرها قبل بدئه، وأن أضعها بين أيدي المشاركين فيه. ولقد حاولت أن أتجنب الحديث عن القضايا السياسية التي أعتقد أن المشاركين سيعطونها حقها في النقاش، وأن أركز بدلا من ذلك على قضايا قد لا يتم نقاشها من طرف ساستنا الذين تعودوا دائما التركيز على خلافاتهم، وقضاياهم الصغيرة، والابتعاد عن قضايا الوطن الكبرى العالقة، والتي كان من المفترض أن يكون قد تم حسمها في السنوات الأولى التي أعقبت ميلاد الدولة الموريتانية.
لذلك ستركز هذه الورقة على القضايا العالقة، خاصة منها تلك التي إن لم يحسم الخلاف حولها، وبشكل عاجل، فإنه لن يكون بالإمكان الحديث عن دولة موريتانية آمنة، لا في الحاضر، ولا في المستقبل المنظور أو البعيد.
وإن من أهم القضايا العالقة التي يجب على الأربعين مشاركا أن يحسموا الخلاف حولها:
إشكالية اللغة :
لم يعد من اللائق في بلد يعيش ما بعد عامه الخمسين أن يختلف مواطنوه حول لغته الرسمية. ولم يعد من المقبول أن يكون أي اهتمام رسمي باللغة الدستورية للبلد، حتى ولو كان مجرد كلام عابر، لابد أن تعقبه مباشرة مشاجرات وفتن عرقية داخل الجامعة أو خارجها.
فجدير بساستنا أن يعلموا بأن رفع شعار الاهتمام باللغات الوطنية، مع الوقوف ضد أي محاولة للاهتمام بتلك اللغات لم يعد مقبولا.
إن الدفاع عن الفرنسية، كي تبقى اللغة المسيطرة على الإدارة، لا يخدم تطوير لغاتنا الوطنية التي طالما نادى أحزابنا بتطويرها. وهو لا يخدم احترام الدستور الذي ينص في مادته السادسة على أن العربية هي اللغة الرسمية، في الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة من خلال معاملاتها اليومية، بأن اللغة الفرنسية التي لم يذكرها الدستور الموريتاني، هي اللغة الرسمية للبلاد. ويكفي للتأكد من ذلك، أن تقرؤوا فاتورة الكهرباء أو الماء، أو آخر وصفة طبية لديكم، شفاكم الله من كل مرض.
إن على هذا الحوار الخروج بتوصيات عملية تعيد لدستور البلاد هيبته. وهيبة العربية واحترامها من هيبة الدستور. ويجدر به أن يخرج بتوصيات صريحة تفرض على الإدارة أن تبدأ من الآن ـ وبشكل متدرج ـ بالتخلي شيئا فشيئا عن الفرنسية لصالح العربية، حتى يكون بإمكاننا تعريب الإدارة، و بشكل كامل، في فترة زمنية معقولة.
وعلى الحوار أن يخرج كذلك بتصورات عملية تساعد في تطوير لغاتنا الوطنية وكتابتها، وجعلها مادة دراسية يدرسها كل الموريتانيين قبل نهاية العقد الحالي.
وليعلم إخوتنا الزنوج بأن دفاعهم المستميت عن الفرنسية، وتخليهم عن لغاتهم الوطنية، كان من بين الأسباب التي أدت إلى عدم الاهتمام بلغاتهم الوطنية التي يجب أن تكون لغات لكل الموريتانيين.
وبالمختصر المفيد، فإن اللغة العربية هي لغة ديننا الذي نعتز به جميعا، وهي اللغة الرسمية للبلاد دستوريا، وهي اللغة الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية التي يمكن أن تكون لغة رسمية، وهي لغة الأكثرية في هذا البلد، لذلك فلم يعد من المقبول تهميشها وجعلها لغة ثانية لدى الإدارة.
وبالعربي الصريح، فلم يعد مقبولا من ساستنا إظهار الشفقة الزائفة كلما كان هناك اهتمام رسمي بالعربية، بحجة أن ذلك سيتضرر منه ما يقارب ثلاثة آلاف حامل شهادة فرنسية عاطل عن العمل، تمنح لهم المنظمات والمؤسسات الأجنبية فرص تشغيل كثيرة. في الوقت الذي تغيب فيه تلك الشفقة الزائفة، ولا ترق فيه قلوب ساستنا لثلاثين ألف حامل شهادة بالعربية عاطل عن العمل. ولا ذنب لهم إلا أنهم صدَّقوا كذبة كبيرة في الدستور الموريتاني تقول بأن اللغة العربية هي اللغة الدستورية للبلد، وأنه قد تم تكوينهم بتلك اللغة. فأين أنتم يا أنصار اللغة العربية؟ ولِمَ لا تغرقون المواقع والصحف بمقالات وبيانات تطالب المشاركين في الحوار بإنصاف لغة بلادكم الرسمية، والتي هي من حسن حظكم لغة قرآنكم؟ بل ولِمَ لا تنظمون وقفات احتجاجية أثناء الحوار للمطالبة بتعريب الإدارة؟
أزمة الوحدة الوطنية :
إن قضية الوحدة الوطنية قضية معقدة، ولا تكفيها لوحدها ورقة كاملة. لذلك فسأركز على جزئية واحدة فيها، لأنها هي الأكثر إلحاحا في ملف الوحدة الوطنية. كما أنها هي الأكثر تهديدا لوحدتنا، في الحاضر، وفي المستقبل المنظور.
إن مكافحة الرق ومخلفاته يجب أن يشكلا أولوية لدى كل الموريتانيين، ويجب أن يلعب كل موريتاني دورا في هذا المجال بغض النظر عن شريحته أو عرقه أو موقفه أو تموقعه في الخريطة السياسية.
ومن اللافت للانتباه أن مشروع "حراس المستقبل" الذي ضم المئات من شخصيات موريتانيا ومثقفيها وأطرها وعلمائها، من شتى ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، ومن مختلف التخصصات لم يجد حتى الآن ترخيصا لمزاولة أنشطته الهادفة إلى صياغة وتنزيل إستراتيجية عمل اجتماعي تهدف إلى إرساء أسس الأخوة والمساواة بين مختلف شرائح شعبنا ومكوناته.
إن مشروع الحراس الطموح ما زال محروما ـ حتى يومنا هذا ـ من ترخيص، رغم تقديم ملف متكامل لوزارة الداخلية منذ ما يقترب من السنتين. في الوقت الذي منحت فيه الوزارة لما يطلق عليه حزب الشباب ترخيصا بعد أيام معدودة على تقديم ملفه للوزارة، إن هذه الازدواجية في التعامل يجب أن تتوقف فورا.
وعلى السلطات القائمة أن تهتم بشكل عملي بمكافحة الرق وبمخلفاته، وأن تشجع كل من يساهم في ذلك الجهد، وعليها أن لا تشكل عائقا في وجه المشاريع الجادة من خلال حرمان تلك المشاريع من تراخيص تمنح لكل من هب ودب.
وعلى المتحاورين في هذا الإطار أن يخرجوا بتوصيات واضحة وصريحة لاتخاذ جملة من الإجراءات والقرارات يستحسن أن يكون من بينها:
1ـ وضع آليات تمكن من خلق فرص للترقية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأرقاء والأرقاء السابقين من خلال تمييز إيجابي لصالحهم.
2ـ تشجيع الأحزاب وهيئات المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة آثار الرق، من خلال برامج عملية تتم صياغتها وفق إمكانات وقدرات تلك الأحزاب والهيئات.
3ـ تشجيع العلماء وحثهم على مكافحة الرق، وتصحيح الأخطاء في هذا المجال، مع تنقية كتبنا ومراجعنا الفقهية من بعض الشوائب التي لا تستند إلى أدلة شرعية راجحة.
عن الهوية والمواطنة:
من المقلق أننا، وبعد مرور نصف قرن على إعلان الاستقلال، ما زلنا من حيث مستوى الوطنية، نشكل الحلقة الأضعف في المنطقة. ولو كان هناك مقياس دولي لقياس مستوى الوطنية لدى الشعوب لكنا ـ كعادتنا ـ في ذيل القائمة.
ومن المقلق كذلك أن أغلبنا يضع ولاءه للوطن في الرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة بعد ولائه للقبيلة أو للعرق أو للايدولوجيا أو حتى لدول أخرى ..
والحقيقة أن لذلك أسباب عديدة من بينها أن السلطة لا تزال عاجزة عن تقديم أبسط الحقوق لمواطنيها. فالعاطل عن العمل إن لم يستنفر قبيلته أو شريحته أو أخوة له في الايدولوجيا أو في الحزب قد يصل إلى سن التقاعد قبل الحصول على وظيفة. والموظف لا يرتقي في وظيفته حتى ولو بذل جهدا استثنائيا إن لم يستنفر القبيلة أو الشريحة أو الحزب.
و الحقيقة المرة أن أسوأ الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يؤمنون بالوطن، ويعتقدون بأن الوطنية يمكن أن تكون سلما قد يساعدهم على الصعود. وأحسن الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يكفرون بالوطن، ويؤمنون بالقبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، ويتخذون منها سلما لتجاوز الدرجات، وللقفز إلى أعلى.
لذلك فقد بات من الملح و الضروري، أن يبحث المتحاورون عن آلية ما، تفتح فرصا لأبناء الوطن الذين تم تهميشهم بسبب ولائهم للوطن. ويجب أن تكون تلك الفرص لا تقل أهمية عن الفرص التي تتيحها القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا لأبنائها البررة الذين يمنحونها ولاءهم، وبشكل مطلق.
كما أنه على المتحاورين أن لا يتجاهلوا حقيقة مفزعة مفادها أننا مجموعة من "الأجانب" التي استوطنت هذه الأرض . ففينا المغاربة والصحراويون والسنغاليون والماليون الذين لن يتورعوا عن تجنيس إخوتهم وأقربائهم من تلك البلدان.
وعلينا أن لا نتجاهل بأن الرشوة قد تفشت فينا، وأن أوراقا معدودة من فئة الألف أو الألفين أوقية، قد تدفع بموظف بائس أن يبذل جهدا كبيرا لتزوير أوراق مدنية لكل عابر سبيل يدفع أوراقا نقدية مقابل تلك الأوراق المطلوبة.
وعلينا أن لا نتجاهل أن سمعة البلد في مجال حقوق الإنسان السيئة أصلا، قد زادت سوءا في السنوات الأخيرة بسبب كثرة الأجانب الذين يحملون جوازات سفر موريتانية مزورة، والذين يصفون موريتانيا بأبشع الأوصاف من أن أجل الحصول على اللجوء داخل تلك البلدان.
وقصة الغيني، الموريتاني بجواز سفره، الذي مات في أمريكا ليست هي الدليل الوحيد، ولا قصة الخمس والعشرين مهاجرا سريا الذين انقلب بهم قاربهم ومات منهم من مات، وتم اعتبارهم لدى وكالات الأنباء العالمية بأنهم موريتانيون، قبل أن يتبين لاحقا بأنه لا صلة تربطهم بموريتانيا، سوى جوازات سفرهم المزورة.
تلك أمثلة من بين أخرى، قدمتها لأقول بأنها قد آن الأوان لأن تهتم أحزابنا السياسية بالحالة المدنية للبلد. وأن تجعل من إصلاحها المطلب الأول، والأكثر إلحاحا، في سلة مطالبها، والتي كثيرا ما يكون فيها ما لا يرقى لأن يكون مطلبا لحزب سياسي.
فإصلاح الحالة المدنية يجب أن يكون مطلبا رئيسيا، في بلد كبلدنا لا تزال شهادة الزور فيه يتم تقديمها مجانا لكل من يريد الحصول على أوراق مدنية، مهما كانت طبيعتها.
إن على هذا الحوار أن يخرج بتوصيات صارمة، تطالب بضرورة ضبط الحالة المدنية، وبضرورة وضع شروط وآليات قاسية للحصول على الأوراق المدنية، دون أن يكون ذلك سببا في ظلم أي مواطن موريتاني. ووقوف بعض الأحزاب السياسية ضد مواصلة الإحصاء الجاري يعتبر خطأ فادحا، وإن كان ذلك لا يعني حق تلك الأحزاب بالمطالبة بتصحيح بعض الأخطاء التي قد ترافق عملية الإحصاء الجارية حاليا.
كارثة التعليم :
لست بحاجة لأن أذكر بأنه لا فائدة من تشييد وبناء الطرق إذا لم يسبقها، أو يصاحبها على الأقل، بناء مواطن صالح من خلال إصلاح التعليم. فلا فائدة من الاهتمام بالبنية التحتية ما دام تعليمنا فاشلا، ولا إمكانية لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي في ظل تعليم فاشل . فعلينا أن نرفع شعار "إصلاح التعليم" أولا، قبل أي شعار آخر مهما كانت أهمية ذلك الشعار.إن مأساتنا الكبرى أن التعليم لدينا وبشقيه النظامي والحر لا يبني أجيالا، وإنما يدمرها. فالهوة بين الأعراق تزداد بسبب المناهج المعتمدة، وهي المناهج التي كان يعول عليها في إذابة تلك الهوة، أو إيقاف اتساعها في أسوأ الأحوال. والفوارق الثقافية والاجتماعية بين أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء تزداد اتساعا، بما يتناسب مع الفوارق الكبيرة بين المناهج المعتمدة من طرف المدارس الأجنبية الحرة، خاصة الفرنسية منها، مع المدارس العمومية، أو المتاجر الحرة، والتي نسميها مجازا بالمدارس الحرة. إن تراجع قيم المواطنة، وانتشار العنف والجريمة، واتساع البطالة، وغياب المهارات والكفاءة لدى الشباب، هي العناوين الأبرز لحصيلة العملية التربوية في بلدنا.
لذلك فعلى المتحاورين، أن يطالبوا، وبشكل ملح، بضرورة تنظيم منتديات للتعليم قبل الافتتاح الدراسي القادم، عسى أن نخرج من تلك المنتديات بأفكار ومقترحات تساعد في الحد من عملية تدمير الأجيال، التي تقوم بها مؤسساتنا التعليمية والتربوية، وبشكل حثيث.
إصلاح الإدارة:
لن أتحدث هنا عن المشاكل التي تعاني منها الإدارة، بل سأكتفي بجزئية واحدة في هذا الملف، تتعلق بالتعيين والترقية، وسأقدم حزمة من المقترحات أتمنى من المشاركين في الحوار أن يناقشوها، ومن بين هذه المقترحات أذكر:
1 ـ المطالبة بوضع قاعدة بيانات لكل موظف، تمكن من معرفة الموظف الصالح من الطالح، وذلك حتى تكون هناك مقاييس واضحة يمكن الاعتماد عليها في الترقية والتوشيح والتكريم، عكس ما هو قائم حاليا.
2 ـ ضرورة تقسيم الوظائف الإدارية إلى ثلاثة أصناف:
وظائف ذات حساسية عالية: وهذه يحرم تماما تعيين أي سياسي فيها مهما كانت كفاءته. وهذه الوظائف يجب أن تظل حكرا للموظفين الذين ليست لهم اتجاهات سياسية معلنة، والغريب أن هذه الوظائف يحتلها اليوم موظفون غارقون في السياسة حتى التراقي: مفتشية الدولة، رئاسة لجنة الصفقات، إدارة الضرائب، وكالة تشغيل الشباب....
وظائف ذات حساسية متوسطة: وهذه يمكن أن يعين فيها سياسيون، إلا أنه يشترط فيهم أن يكونوا من أصحاب الكفاءات المهنية.
وظائف غير حساسة : وهذه يمكن أن يعين فيها الجميع، ويمكن أن يتم احتكارها للفريق السياسي المتغلب ومن هذه الوظائف كل المناصب الوزارية.
3 ـ المطالبة بتفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والسلطة العليا للسمعيات البصرية، ولجنة الصفقات، ووسيط الجمهورية .....إلخ . ولن يتسنى ذلك إلا إذا تم حل تلك المجالس والهيئات، وذلك لكي يتم اختيار لجان وهيئات جديدة تعطى فيها الأولوية لأصحاب الكفاءات والتخصص، بدلا من ترك هذه الهيئات والمجالس بيد أفراد لا صلة لهم بالمجال، وليست لهم القدرة ولا الكفاءة لتقديم أي استشارة، ولا القيام بالمهام الموكلة لهم.
4 ـ المطالبة بتأسيس صندوق يتم تمويله من اقتطاعات من موارد الجمارك والضرائب لتقديم منح مالية لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، ويجب أن لا تقل قيمة المنحة عن 15000أوقية.
من أجل إعلام عمومي:
لا جدال في أن الإعلام الرسمي، والذي يقال بأنه سيتحول إلى إعلام عمومي لا يزال يشكل عاهة مستديمة، وعائقا كبيرا في وجه أي إصلاح.
ومن المؤسف أن غالبية العاملين في هذا القطاع، والذين كان من المفترض بهم أن يناضلوا في سبيل إصلاحه، هم الذين يعيقون بالدرجة الأولى إصلاح هذا القطاع الحساس. وهم الذين يرفضون أن يستجيبوا لكل الدعوات المنادية بفتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام جميع الموريتانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، بما في ذلك تلك الدعوات التي أطلقها رئيس البلاد أكثر من مرة.
إن إصلاح الإعلام الرسمي، يتطلب من المشاركين في الحوار أن يقدموا توصيات صريحة وواضحة تهدف إلى:
1ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأنهم يتقاضون أجورهم من الضرائب التي يدفعها المواطن الموريتاني، سواء كان معارضا أو مواليا، لذلك فهم ملزمون أخلاقيا وقانونيا بتقديم ما يهم ذلك المواطن، بدلا من التصفيق والتطبيل للنظام الحاكم.
2 ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأن المواطن الذي ينتقد الأوضاع ليس أقل وطنية ممن يمتدحها، بل العكس قد يكون صحيحا، لذلك فيجب أن لا يشكك في وطنية من ينتقد، وأن لا يكون ذلك سببا لأن يحال بينه وبين مؤسسات الإعلام الرسمية.
3 ـ وضع أساليب شفافة لاختيار الضيوف، تعتمد في الأساس على مقدار مشاركة واهتمام الفرد بالشأن العام. ويجب أن لا تظل العلاقات الشخصية، والتزلف للحكام، هي المعايير التي يتم على أساسها اختيار الضيوف.
4 ـ إن انفتاح مؤسسات الإعلام الرسمي يجب أن لا يكون موسميا، ولا أن يكون ردة فعل لتوجهات وأوامر عليا، بل يجب أن يظل هو السمة الملازمة لتلك المؤسسات.
5 ـ يجب أن نتذكر دائما بأن انفتاح وسائل الإعلام لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يتعداه ليشمل جوانب أخرى، تنموية وثقافية وترفيهية. وعلى الإعلام الرسمي أن يقدم ما يهم مختلف فئات وشرائح المجتمع، وما يحقق رغباتها، سواء كانت تلك الرغبات مرتبطة بالدين، أو بالسياسة، أو بالرياضة، أو بالترفيه، أو بالثقافة، أو بالحوارات والنقاشات، أو بقضايا تهم الشباب أو المرأة أو الطفل.
الحرب على الفساد :
إن على المتحاورين أن يفكروا في اقتراح آليات تمكن من محاربة الرشوة والفساد، كتأسيس هيئة مستقلة لذلك الغرض، تُختار لها شخصيات نظيفة، وتكون محل إجماع. وهذه الهيئة يجب أن يكون من مهامها السهر على الحرب على الفساد، حتى لا يتم استخدامها كسلاح سياسي ضد الخصوم السياسيين.
وفي هذا الإطار يجب أن تسن قوانين تجرد كل موظف ثبت أنه أخذ رشوة، أو نهب مالا عاما من وظيفته، مع حرمانه من مزاولة أي وظيفة عمومية أخرى، أو الترشح لأي منصب سياسي.
ويبقى إصلاح العدل، والذي لم أخصصه له فقرة، رغم أهميته، هو القطاع الذي يجب إصلاحه، قبل أي قطاع آخر. فبوجود العدل يمكن أن نحلم بكل الإصلاحات المذكورة في هذه الورقة، وبغيابه فسيكون من الحماقة أن نحلم بأي إصلاح.
تصبحون على حوار بناء..

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

أولويات الرئيس





تابعت على شاشة التلفزيون الرسمي مشاهد من زيارات الوزراء لبعض الولايات الداخلية، أثناء عطلهم السنوية. ومتابعتي لتلك الزيارات لفتت انتباهي لجملة من الملاحظات، لخصتها في النقاط الثلاث التالية:
1ـ أكد الوزراء خلال تلك الزيارات بأن الرئيس يعطي الأولوية لكل القطاعات، وبلا استثناء. فوزيرة الثقافة كررت أكثر من مرة بأن الرئيس يعطي الأولوية للثقافة وللشباب، وإن كانت لم تقدم دليلا واضحا على ذلك. والحقيقة أن هناك أدلة كثيرة تناقض قولها، ويمكن أن أذكر منها: إغلاق دور الكتاب، إيقاف جائزة شنقيط، الانسحاب من مشروع نواكشوط عاصمة للثقافة، الانسحاب من بعض التصفيات الرياضية.
وزراء التعليم الثلاثة، بكبيرهم ومتوسطهم وصغيرهم أكدوا جميعا بأن الرئيس يعطي الأولوية للتعليم، وهم بدورهم لم يقدموا دليلا على ذلك، في الوقت الذي توجد فيه أدلة تناقض قولهم، منها تفكيك الوزارة بشكل ارتجالي وعبثي إلى ثلاث وزارات. وهو ما نتج عنه ارتباك كبير، خاصة في مجال التكوين المهني، الذي طالما وعد الرئيس بتطويره، والذي يعيش اليوم شللا شبه كامل. فالوزير المنتدب له لا يزال ينتظر الهيكلة الجديدة التي كان من المفترض أن تصاحب قرار تفتيت الوزارة. وربما تكون الحيرة التي يعيشها هذا الوزير، الذي لم يعد لديه شيئا يفعله، هي التي جعلته يترك قطاعه، ويكتفي بمرافقة مفوض الأمن الغذائي خلال الزيارات التفقدية.
ويمكنكم للتأكد بأنفسكم من الأولوية الممنوحة للتعليم في العهد الحالي، أن تقارنوا بين وزارة التعليم اليوم، وهي تحت قيادة ثلاثة رجال من رجالات موريتانيا الجديدة، مع وزارة التعليم يوم كانت تقودها امرأة "مفسدة" لوحدها في العهد البائد.
المثير للسخرية أن وزير التعليم الثانوي الذي قام بزيارة "تفقدية" لبعض الولايات للتعرف على مشاكل قطاعه، اختار لتلك الزيارة توقيتا غريبا، حيث كانت المدارس مغلقة، والأساتذة في عطلهم السنوية، وأغلب التلاميذ والآباء خارج المدن التي زارها الوزير.
ولعل أهم دليل يمكن تقديمه لإثبات أن ما يقوله وزراء التعليم الثلاثة، من اهتمام بالتعليم، هو مجرد كلام، فيكفي أن أشير إلى أن منتديات التعليم الموعودة منذ ثلاث سنوات لم تعد تجد من يتحدث عنها، وربما لا تجده، في المستقبل المنظور. فأهل"موريتانيا الجديدة" يعتقدون بأن بناء وتشييد الشوارع أهم بكثير من بناء المواطن الذي سيستغل تلك الشوارع.
وزير التنمية الريفية هو الآخرقال في زياراته التفقدية بأن الرئيس يعطي الأولوية للتنمية الريفية. وقال وزير العدل بأن الأولوية هي للعدل، بينما أكدت وزيرة الوظيفة العمومية بأن الأولوية لدى الرئيس هي للعمال.وقال وزير المياه بأن الأولوية للمياه. وقال وزير التجارة بأن الأولوية لدى الرئيس هي لتخفيض الأسعار ولدكاكين التضامن. وقالت وزيرة المرأة بأن الأولوية للمرأة. وقال وزير البيئة بأن الأولوية لمشروع غرس مليون شجرة على رمال العاصمة. وقال وزير الاتصال في زياراته التفقدية بأن الأولوية لدى الرئيس هي لقطاع الاتصال، في حين أكد وزير الصحة بأنها للصحة.
والحقيقة أن ادعاء كل وزير بأن قطاعه هو الذي يحظى بأولوية الرئيس، أفقد كلمة "أولوية" دلالتها اللغوية.فالرئيس ـ ومهما كانت قدراته ـ لا يمكن أن يعطي الأولوية لكل القطاعات الوزارية مرة واحدة وفي نفس الوقت. لذلك يمكن القول بأن كلمة أولوية تفقد شحنتها ودلالتها عندما ينطق بها وزير من وزراء "حكومة الأولويات"، تماما كما يحدث مع كلمات أخرى ككلمة "جبارة" و "معتبرة" والتي فقدت معناها، منذ أمد بعيد، لكثرة استخدام الوزراء لها أثناء حديثهم عن إنجازاتهم المتواضعة. ومن الانجازات "المعتبرة" و"الجبارة" لحكومة الأولويات في زياراتها التفقدية، تدشين محل لشحن بطاريات الهواتف المحمولة، في قرية "التيدومة"، بولاية الحوض الغربي!!!
2 ـ وزير الإسكان والعمران يبدو أنه من أكثر الوزراء ذكاء، ويبدو أنه شعر في وقت مبكر بأن كلمة أولوية قد فقدت دلالتها اللغوية، لذلك فهو عندما يتحدث عن قطاعه لا يكتفي بأن يقول بأن الرئيس يمنح لقطاعه الأولوية، بل يصر على أن يضيف كلمة قصوى، لتصبح الأولوية الممنوحة لقطاع الإسكان تختلف عن الأولوية الممنوحة للبيئة مثلا، لأنها "أولوية قصوى".
وربما تكون هذه الأولوية القصوى هي التي جعلت الوزير يقول بأن "انبيكت الأحواش" أصبحت مدينة عصرية، فيها الماء والكهرباء والصحة والتعليم وكل ما تحتاجه المدن العصرية، وهذا الكلام كرره الوزير عن قرى وتجمعات سكنية أخرى.
ولو كان المواطن يصدق "وزير الأولوية القصوى"، لهاجر سكان العاصمة إلى "انبيكت لحواش"، وإلى "ترمسه"، وإلى مدينة عصرية أخرى، في ولاية "كوركول"، لم أتذكر الآن اسمها، وصفها "وزير الأولوية القصوى" أثناء زيارته لها وصفا عجيبا، رغم الشفقة التي كانت تثيرها مشاهدة "المدينة العصرية" في نفوس كل من حُظِي بمشاهدتها أثناء زيارة "الأولوية القصوى" لها.
المهم أن "وزير الأولوية القصوى" قد حل مشكلة عويصة، لأنه شيد لنا من خلال خطاباته المتكررة، مدنا عصرية، يمكن لمن يصدق حكومة الأولويات أن يهاجر إليها، للحصول على عيش كريم، لم يحصل عليه حتى في العاصمة، التي عجزنا أن نجعل منها مدينة عصرية، رغم مرور ما يزيد على نصف قرن على تأسيسها.
3 ـ أثبتت تلك الزيارات بأن لوزراء الأولوية عطلا سنوية، لا تتجاوز الأسبوعين، وهذه معلومة جديدة، لمن كان يعتقد ـ كما هو الحال بالنسبة لي ـ بأن وزير الأولوية يعيش عطلة سنوية دائمة، براتب كبير. فهو موظف كبير صغير، براتب وزير، وبمهام سكرتير.
ووزراء الأولوية يؤكدون ذلك بأنفسهم، فيستحيل أن تسمع وزير أولوية يدعي بأنه أنجز عملا ما، بمبادرة منه، ودون أوامر سامية، حتى ولو كان مجرد تدشين لمحل تشحن فيه بطاريات الهواتف المحمولة.
فوزراء الأولوية ـ بما فيهم وزير الأولوية القصوىـ يظلون في مكاتبهم لا يفعلون شيئا، وهم لا يقومون بأي شيء من قبل أن تأتيهم توجيهات سامية من الرئيس، لكي يقوموا بمهامهم الموكلة إليهم، والتي كان من المفترض أن يقوموا بها دون الحاجة لأوامر سامية، أو لتعليمات نيرة.
فهل سمع أحدكم وزير أولوية عادية أو أولوية قصوى يدعي بأن أنجز عملا ما، حتى ولو كان بسيطا من قبل أن تأتيه الأوامر السامية أو التعليمات النيرة لانجاز ذلك العمل؟
تصبحون بلا تعليمات نيرة...

الأحد، 28 أغسطس 2011

سقوط الفوضى !!



لا شك أن عملية إسقاط الفوضى هي أصعب بكثير من إسقاط النظام، ولا شك أن الليبيين الذي لم يرفعوا ـ عكس غيرهم ـ شعار الشعب يريد إسقاط النظام، كانوا يدركون جيدا بأن مهمتهم أصعب، وبأن ذلك الشعار الرائع لا يصلح شعارا لثورتهم، لأنه لم يكن في بلدهم نظام ليطالبوا بإصلاحه أو إسقاطه.
فلم تكن الثورة الليبية تسعى لإسقاط النظام، كما هو الحال في تونس، وفي مصر، وفي غيرهما من البلدان العربية، حيث كانت توجد هناك أنظمة تحكم، ويمكن إسقاطها.
ففي ليبيا لم يكن هناك نظام، بل كانت هناك فوضى عارمة، حكمت البلاد لأكثر من أربعة عقود. فوضى كانت تقرر كل شيء، وتسير كل شيء، وتتحكم في كل شيء، وتجرب كل شيء، وتغامر بكل شيء، وتجادل في كل شيء، ولا تتورع عن أي شيء.
وفي ليبيا كانت الفوضى "العظمى"، للقائد "العظيم"، مؤسس الجماهيرية"العظمى"، وقائد ثورة الفاتح "العظيم"، ومجري النهر "العظيم" هي التي تتحكم في كل شيء، بمساعدة الأبناء، والذين لم تكن لهم وظائف رسمية، إلا أنهم رغم ذلك كانوا يرتجلون أخطر القرارات، ويتحكمون في مصائر الليبيين.
والغريب أن القائد "العظيم"، الذي كان يتحكم في كل شيء، لم يكن يعتبر نفسه رئيسا لليبيا حتى يستقيل. فمن يا ترى كان رئيس ليبيا خلال العقود الأربعة الأخيرة؟ الليبي الوحيد الذي تبرأ علنا من الرئاسة هو القذافي، أما بقية الليبيين فإنهم سيبقون رؤساء محتملين ما لم يتبرؤوا هم أيضا من الرئاسة.
لقد كان ملك ملوك إفريقيا، وعميد الرؤساء العرب، وخليفة المسلمين، والذي لم يكن رئيسا لليبيا، على حد زعمه، غريبا في كل شيء. غريبا في ملبسه، وفي مأكله ومشربه، وفي أفكاره، وفي مواقفه، وفي تصريحاته، وفي نظرياته التي كان يجربها على الليبيين وكأنهم فئران مخابر. وكان أيضا غريبا في خطاباته التي كان بعضها يمتد لساعات، حتى يسقط المترجم مغشيا عليه، كما حدث في الأمم المتحدة. وكان بعضها الآخر ينتهي من قبل أن يبدأ، كما هو الحال في خطابه الأول بعد ثورة 17 فبراير المجيدة، والذي ألقاه من داخل سيارة مصفحة، ومن تحت مظلة سوداء كبيرة، لكي يُشعر الشعب الليبي بأنه لا يزال في ليبيا، وبأن السماء تمطر في تلك اللحظات بماء منهمر.
وفي ليبيا لم تكن هناك دولة، ولم يكن هناك جيش، ولم يكن هناك نظام، لم يكن هناك إلا فوضى عارمة. وفي ليبيا كان ينادى باسم القذافي من قبل أن ينادى باسم الدولة الليبية، لأن الدولة لم تكن إلا عزبة يتصرف فيها القذافي وأبناؤه كيفما شاؤوا.
فبددوا ثرواتها ذات "الشمال" وذات الشمال، ووصل بهم تبديد الثروة إلى الإنفاق على الحملات الانتخابية لبعض المرشحين في الدول الغربية، كما هو الحال مع ساركوزي، وكما شهد بذلك القذافي بنفسه، في لحظة عتاب بائسة لساركوزي. وكأنه كان يريد أن يقول لساركوزي، ألم أفتح لك خزائن ليبيا حتى من قبل أن تكون رئيسا، فَلِم تريد التخلص مني اليوم؟
وفي ليبيا لم يكن هناك جيش يمكن أن ينحاز للثورة كما حدث في تونس ومصر، بل كانت هناك عصابات يقودها القذافي وأبناؤه وبعض مقربيه. وفي ليبيا لم تكن هناك أحزاب حتى ولو كانت مجرد أحزاب ورقية، كما هو الحال في تونس وفي مصر وحتى في سوريا.
وفي ليبيا لم يكن هناك مجتمع مدني يذكر، بل كانت هناك منظمتان تختزلان كل المجتمع المدني، إحداهما يترأسها الابن المدلل، والثانية تترأسها الابنة المدللة.
وفي ليبيا لا يوجد دستور ولا تسير الأمور هناك وفق أي نظام مهما كان شكله، بل إن الأمور كانت تسير وفق فوضى عارمة، لا يتحكم فيها إلا مزاج القذافي، الذي كان يتقلب كثيرا، وبسرعة عجيبة ومثيرة في نفس الوقت.
وفي ليبيا ظل الليبيون يحلمون ولأربعة عقود وزيادة بأن يكون لهم نظام يحكمهم، وثاروا ليكون لهم نظام كباقي شعوب العالم، ثم بعد ذلك سيحق لهم ـ مستقبلا ـ أن يفكروا في محاسبة النظام الوليد، أو في إسقاطه إذا ما انحرف عن الطريق.
والليبيون الذين عاشوا في فوضى عارمة لأربعة عقود، كانوا أكثر صبرا من غيرهم من الشعوب. فإذا كان المصريون قد ساءهم أن رئيسهم الذي ثاروا عليه قد عايش أربعة من رؤساء أمريكا، فإن الرئيس الليبي الذي ظل ينكر أنه رئيس قد عايش أربعة من رؤساء مصر.
وإذا كان الرئيس المصري قد حكم شعبا يقترب عدد سكانه من تسعين مليونا بثروات محدودة، وإذا كانت الثروات التونسية أيضا قليلة، مما قد يعطي مبررات، حتى ولو كانت واهية للتخلف الحاصل هناك. فالحال في ليبيا كان عكس ذلك تماما، فالشعب كان أقل من حيث تعداد السكان، وكانت ثرواته أضخم، ومنح للقائد فرصة امتدت لأربعة عقود وزيادة، ومع ذلك ظل هذا الشعب الصبور أكثر تخلفا من كل جيرانه العرب.
يقول القذافي بأنه أنفق أموالا طائلة من تلك الثروة الهائلة، على التسلح، ومع ذلك لم يستطع السلاح الليبي أن يسقط طائرة واحدة للناتو، ولم يستطع هذا السلاح أن يحمي القذافي الذي لجأ في النهاية إلى الجن لكي يحموه من خلال نداءات الاستغاثة للجن، والتي كان يطلقها "يوسف شاكير" في قناة الجماهيرية، يا ترى أين هو "يوسف شاكير" الآن؟
وكان القذافي، في الوقت نفسه، يوجه نداءات استغاثة للشعب المسلح، بعد اختفاء الجيش المسلح. ومن المفارقات أن شوارع طرابلس كانت تزداد وحشة وخلوة، كلما دعا القذافي الشعب للزحف وللخروج بالملايين إلى الشوارع، بالمناسبة عدد سكان ليبيا لا يصل إلى سبعة ملايين.
ويقول القذافي بأنه أنفق من تلك الثروة الضخمة على التعليم، ورغم ذلك فكان الليبيون ـ خلال العقود الأربعة ـ يرسلون أبناءهم للتعلم في مصر أو تونس، وفي أحسن الأحوال يستجلبون أساتذة من تلك الدول لتعليم أبنائهم في ليبيا، إذا ما عجزوا عن إرسالهم لدول الجوار.
ويقول القذافي بأنه أنفق على الصحة، رغم أن المريض الليبي كان يضطر ـ في أغلب الحالات ـ للذهاب إلى دول الجوار الأقل ثروة للعلاج هناك.
لم يكن في ليبيا نظاما، بل كانت هناك فوضى، وهذا ما كتبته منذ ما يزيد على سنتين، في مقال نشرته تحت عنوان "عن أي مفكر تتحدثون؟"، بمناسبة الصلاة خلف "المفكر الإمام" في الملعب الأولمبي، والتصفيق البائس له في قصر المؤتمرات، من طرف النخبة الموريتانية، رغم أنه كان ينتقد نظام الحكم في موريتانيا، بانقلاباته وبديمقراطيته. فلم يسلم منه رئيس منقلب أو منقلب عليه أو منتخب. ومعلوم أن نظام الحكم في موريتانيا، على علاته، يمكن اعتباره نظاما متقدما، إذا ما قورن بفوضى معمر، لذلك فلم يكن من المقبول أن ينتقدنا معمر لا في ذلك المجال، ولا في أي مجال آخر.
والغريب أن هذا المعمر الذي ظل يبدد تلك الثروة الهائلة، والذي فشل في بناء دولته، وتنمية مجتمعه، كان يصف شعبه بالجرذان، وكان على استعداد كامل لأن يبيد عشرات الآلاف، من أجل أن يواصل عبثه بالثروة الليبية، وذلك قبل أن يسلم مفاتيح خزائنها لأكثر أبنائه حماقة وغطرسة.
والأغرب من ذلك كله، أنه لا زال هناك من يمتدح هذا المعمر، وأنه لازال هناك من يبسط الأمور بطريقة عجيبة، ويقول بأن المعمر سيبقى، في كل الأحوال ، أفضل بكثير من الناتو الذي لم يتدخل في ليبيا إلا لمصلحته.
لا أعتقد بأنه يوجد في عالمنا اليوم من يستطيع أن يقول بأن تدخل الناتو كان لوجه الله.
ولا أعتقد كذلك بأن هناك من كان بإمكانه أن يقول بأن تدخل الناتو ضد جيش جمهورية صرب البوسنة، في العام 1995، كانت لسواد أعين مسلمي البوسنة والهرسك.
ومع ذلك فكانت حملة الناتو ضد الصرب تستحق الترحيب، لأنها أنقذت مسلمين أبرياء، رغم البغض المتجذر في نفوس غالبية المسلمين، لهذا الحلف الذي ارتكب في حقنا كعرب وكمسلمين جرائم كثيرة.
هذه الحملة التي قام بها الحلف في ليبيا تستحق هي أيضا الترحيب، لأنه لولاها لأباد المعمر مدنا كاملة، ولحكم هو وابنه ليبيا لعقود أخرى. لم يكن هناك من خيار، فإما أن تباد مدن كاملة، أو نقبل بتدخل الناتو، وكان الخيار الثاني أسلم.
أما مصالح الناتو في ليبيا فهي معروفة، وهي مصالح قد لا تتناقض مع المصالح الليبية في الوقت الحالي. فالناتو الذي لم يتخل عن القذافي إلا في آخر لحظة، لا يريد دولة على الضفة الثانية للمتوسط تعيش حربا أهلية، ستنعكس سلبا على دول الحلف (الهجرة السرية، الإرهاب) . كما أنه يسعى لتحقيق مصالح اقتصادية، ودول الغرب معروفة بالجشع، وتتحرك دائما للمصالح الاقتصادية، أكثر من أي مصالح أخرى. ولا شك أن الدول التي شاركت في الحملة كانت أعينها على النفط الليبي، وعلى عقود إعادة الإعمار. ولهذه الدول الحق ـ كل الحق ـ في أن تحصل على اتفاقات وعقود، في ليبيا الجديدة، بدلا من روسيا والصين وباقي الدول التي أيدت المعمر على حساب الشعب الليبي، مما جعلها تفقد مكانتها لدى المواطن العربي الثائر، والذي خذلته كثيرا تلك الدول، في ربيع الثورات هذا، بوقوفها المستميت مع الأنظمة العربية الدكتاتورية.
ومهما يكن من أمر، فإن أي تبديد للثروة الليبية، في هذا العهد الجديد، ومهما كان حجمه، فلن يشكل نسبة ضئيلة مما كان يحدث في ظل الفوضى التي عاشتها ليبيا خلال الأربعة عقود الماضية.
تصبحون على نظام ديمقراطي في ليبيا ......

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

القذافي يروي قصة فراره إلى جهنم ...!




عندما طالعت المجموعة القصصية للكاتب " المبدع " معمر القذافي أحسست برغبة جامحة للغثيان. فهذه المجوعة القصصية التي اختار لها كاتبنا "المبدع" عنوانا أطول من فترة حكمه، وأغرب من نظريته العالمية: " القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء"، قد وجدت مع ذلك من يمدحها بشكل عجيب ومثير للاشمئزاز.
والمؤلم حقا أن من بين من "حُظِي" بمدح تلك المجموعة القصصية السخيفة، و"تشرف" بكتابة مقدمة أو بتذييل لها، الأديب الليبي الكبير "أحمد إبراهيم الفقيه" والذي كتب : "القائد معمر القذافي حالم كبير، ولا شك أن حلمه هو الذي قاده إلى إبداع النظرية الجماهيرية، التي أصبحت واقعا يعيشه و يمارسه ملايين الناس. وإذا كان القائد قد استخدم حسه العملي، ووعيه التاريخي، وجملة المعارف والخبرات التي اكتسبها، من أجل تحقيق هذا الحلم، فما الذي يمكن أن يضيفه مفكر له هذه التجربة إلى فن القصة الذي يعتمد أول ما يعتمد على الخيال؟ لقد مر وقت طويل قبل أن أعرف أن هاتين القصتين هما من تأليف قائد الثورة. كنت قد قرأتهما، ووقفت ذاهلا أمام هذا الإبداع الجديد الذي يمتلئ بشحنات انفعالية غاضبة، وهذه الصياغة المتميزة التي تجعل من الغضب طاقة هائلة قادرة على تفجير اللغة، لإعادة ترتيب الواقع، وتوظيف"التقنية" الفنية توظيفا بارعا من أجل الوصول إلى معالجة قصصية تشحن الوجدان، و تعبئ المشاعر، وتفيء المناطق الغامضة في النفس البشرية. من أين لموهبة جديدة في كتابة القصة أن تحقق منذ البداية هذا المستوى الرفيع في الأداء و(التقنية)؟ ولم تنته حيرتي إلا بعد أن عرفت أن كاتب هاتين القصتين ليس إلا قائد الثورة نفسه، فهو قبل أن يكون مفكرا وقائدا ورجل ثورة، إنما هو كاتب بارع، ومبدع له القدرة على تطويع ملكاته التعبيرية، والاستفادة من الأشكال الإبداعية التي تستجيب للأفكار والانفعالات والتأملات التي يريد تقديمها للناس عن طريق هذه الوسائط الأدبية. إن ميدان الكتابة الإبداعية الذي يستلهم أفكاره ونماذجه من تركيبة قوامها الواقع والتاريخ والخيال، سيكون أكثر ثراء عندما يجد أن واحدا من صانعي التاريخ، قد اختار هذا الشكل الأدبي، وهو القصة القصيرة، ليكون وسيلته لمخاطبة القراء."!!!!!

هذا شيء يسير مما كتبه "أحمد إبراهيم الفقيه" عن المجموعة القصصية للكاتب المبدع"معمر القذافي."
والمجموعة القصصية التي كتب عنها "أحمد إبراهيم الفقيه" هذا التقديم العجيب، موجودة على الانترنت، ويكفي أن تبحث عنها ـ عزيزي القارئ ـ من خلال عنوانها، لتجدها كاملة، لذلك فسأترك تتعرف بنفسك على هذه "التحفة النادرة"، وتحكم عليها وعلى من كتب مقدمة لها.
وربما تفاجأ عندما تجد هذه المجموعة كاملة مع الكثير من خطابات القذافي على موقع "صوت إفريقيا"، والذي يبدو أنه لم يستطع أن يتخلص منها حتى كتابة هذه السطور، فما كان من القائمين عليه إلا أن كتبوا على شريطه الإخباري، بحثا عن موقع في العهد الجديد : " بسم الله, الله أكبر , تم تحرير طرابلس من القذافي وأعوانه وأزلامه ". بالتأكيد لن يكون "صوت إفريقيا" هو الوحيد، في هذه الأيام، الذي سيبدل جلده في طرفة عين.
وعندما تقرأ هذه المجموعة القصصية ـ والتي أتحداك أن تكملها ـ فستكتشف بأن هناك جيوشا من المثقفين والأدباء والعلماء والمفكرين والكتاب والإعلاميين يجب أن يحاسبوا قبل محاسبة الدكتاتوريين، لأنهم شركاء معهم في كل ما اقترفت أياديهم من بطش وخراب في بلداننا.
ولأن هذه المقال ليس لمحاكمة أبواق الأنظمة المستبدة ، لذلك فإني لن أتوقف عند تلك الإشكالية، وإنما سأعود لمجموعة "الكاتب المبدع" معمر القذافي والتي تضم القصص، أو على الأصح السخافات التالية : المدينة ـ القرية ـ الأرض ـ الموت ـ انتحار رائد الفضاء ـ الفرار إلى جهنم ـ دعاء الجمعة الأخير ـ وانتهت الجمعة الأخيرة ـ افطروا لرؤيته ـ عشية الخلعة والشجرة الملعونة ـ (.....) عائلة يعقوب، ومباركة أيتها القافلة ـ المسحراتي ظهرا.
ففي سخافة "انتحار رائد الفضاء"، ختم "المبدع" معمر القذافي القصة بانتحار رائد الفضاء الذي يئس من الحصول على عمل في عالمه الجديد (الأرض) . فهل سينتحر القذافي كما انتحر رائد الفضاء الذي اضطر للانتحار لأنه لم يستطع أن يتكيف مع واقعه الجديد؟
أما في "الفرار إلى جهنم" فإن الجنون لدى القذافي يصل إلى قمته، لدرجة يتحول فيها إلى إبداع. يكتب القذافي وكأنه يتحدث عن ليبيا في أيامنا هذه : " ما أقسى البشر عندما يطغون جماعيا..!! ياله من سيل عرم لا يرحم من أمامه!! فلا يسمع صراخه.. ولا يمد له يده عندما يستجديه وهو يستغيث.. بل يدفعه أمامه في غير اكتراث! إن طغيان الفرد أهون أنواع الطغيان، فهو فرد في كل حال.. تزيله الجماعة، ويزيله حتى فرد تافه بوسيلة ما.. أما طغيان الجموع، فهو أشد صنوف الطغيان، فمن يقف أمام التيار الجارف!؟.. والقوة الشاملة العمياء!؟. كم أحب حرية الجموع، وانطلاقها بلا سيد وقد كسرت أصفادها، وزغردت وغنت بعد التأوه والعناء، ولكنى كم أخشاها وأتوجس منها!!"
ويمضي القذافي في الفرار إلى جهنم فيقول: "لذا قررت أن أفر بنفسي إلى جهنم.وسوف أروى لكم قصة فراري إلى جهنم، وأصف لكم الطريق الذي يؤدى إليها، ثم أصف لكم جهنم ذاتها، وكيف رجعت منها مع نفس الطريق.. إنها مغامرة حقا، ومن أغرب القصص الواقعية، وأقسم لكم أنها ليست من صنع الخيال.. إني هربت بالفعل إلى جهنم مرتين؟ فرارا منكم، ولكي أنجو بنفسي فقط، إن أنفاسكم تضايقني.. وتقتحم على خلوتي.. وتغتصب ذاتي.. وترغب بنهم وشراهة شرسة في عصري، وشرب عصارتي، ولعق عرقي، ورشف أنفاسي.. ثم تغطني مودعة لتعاود الكرة.. أنفاسكم تلاحقني كالكلاب المسعورة، ولمجيل لعابها في شوارع مدينتكم العصرية المجنونة، وعندما أهرب منها تتعقبني عبر خيوط العنكبوت وورق الحلفاء، لذلك فررت إلى جهنم بنفسي فقط. الطريق إلى جهنم ليست كما تتوقعون ولا كما وصفها لنا الدجالون الذين يصورونها لنا من خيالهم المريض، أصفها لكم أنا الذي سلكتها بنفسي مرتين، وتمكنت من المنام والراحة في قلب جهنم، وأقول لكم إني جربت ذلك، وكانت أجمل ليلتين في حياتي تقريبا هما اللتان قضيتهما في قلب جهنم بنفسي فقط.. إن ذلك أفضل عندي ألف مرة من معيشتي معكم.. أنتم تطاردونني، وتحرمونني من الراحة مع نفسي، فاضطررت إلى الهروب لجهنم.. إن الطريق إلى جهنم مفروشة بالبساط الطبيعي على امتداد الأفق، وأنا أشق طريقي نحوها بفرح وغبطة.. وبعد انحسار البساط وجدتها مفروشة بالرمل الناعم.. وصادفتني أسراب من الطيور البرية من نفس الأنواع التي تعرفونها، بل وجدت حتى بعض الحيوانات المستأنسة ترتع وتفلي!! ولكنى فوجئت بانحدارات شديدة أمامي، وأرض منخفضة حتى توقفت بتردد وإذا بجهنم تطل من الأفق.. ليست حمراء كالنار.. وليست ملتهبة كالجمر.. وقفت لاخوفا من التقدم نحوها، فأنا أحبها، وأرغب في وصالها، فهي الملاذ عندما تطاردونني في مدينتكم المثلثة.. وعندما تراءت لي من الأفق أمامي كدت أطير من الفرح.. وقفت لأسلك أقصر الطرق إليها.. وأختار أقربها إلى قلبها.. ولعلى أسمع لها زفيرا، ولكن جهنم ساكنة تماما وهادئة للغاية.. وثابتة كالجبال التي حولها.. ويحوطها سكون عجيب.. ويلفها وجوم رهيب.. لم أر لهبا.. ولكن الدخان فقط يخيم فوقها.. انحدرت نحوها بشوق.. مسرعا في الخطى قبل مغيب الشمس؛ أملا في الحصول على مرقد دافئ في قلبها قبل محاصرتي بحراسة جحيمكم التي انطلقت ورائي دون وعى، مستخدمة أحدث وسيلة وأقدم استعمالا.. أخيرا اقتربت جدا من جهنم.. واستطعت مشاهدتها عن كثب.. وأستطيع الآن أن أصفها لكم كما شاهدتها… وأستطيع أن أجيب عن أي استفسار يتعلق بجهنم التي اقتربت منها: أولا- جهنم شعاب مظلمة ووعرة يخيم عليها الضباب، وحجارتها سوداء محروقة منذ الأقدم . والعجيب حقا هو أن الحيوانات البرية وجدتها تأخذ طريقها إلى جهنم قبلي؛ فرارا منكم، فحياتها في جهنم، وموتها فيكم.. تلاشى كل شيء من حوالي عدا نفسي التي أحست بوجودها أكثر من أي مكان وزمان آخر. تقزمت الجبال.. ويبست الأشجار.. وجفلت الحيوانات، وغاصت في أدغال جهنم؟ طلبا للنجاة، وفرارا من الإنسان، حتى الشمس حجبتها عنى جهنم، وأصبحت لاشيء.. لم يبق بارزا إلا جهنم، وأبرز ما فيها قلبها، فاتجهت إليه دون صعوبة تذكر.. أنا أيضا ذبت في نفسي، ونفسي ذابت في، واحتمى كل منا بالآخر وعانق كل منا الثاني، وأصبحنا شيئا واحدا لأول مرة."
تصبحون على "قادة مبدعين" ....

الأحد، 21 أغسطس 2011

شباب بلا بوصلة



قد يكون غريبا، في سنة حبلى بالثورات، قدم فيها شباب أغلب الدول العربية صورا رائعة من النضال والتضحية في سبيل تغيير واقع بلدانهم، أن يشكل الشباب الموريتاني استثناء، في مثل هذا العام، وأن يظل يتخبط ويسير ـ بلا بوصلة ـ في متاهات و مسارات عبثية، لن توصله إلا لمزيد من الفشل والإحباط، ولن توصل بلده المتعطش للإصلاح وللتغيير ـ أكثر من غيره ـ إلا لمزيد من التخلف والضياع.
فمن المبكيات المبكيات، وشر البلية ما يبكي فقط، أنه في عام الشباب هذا، لا زال يطالعنا الشباب الموريتاني في صبيحة كل يوم، ببيانات متهافتة، وبتصريحات بائسة، وبانشقاقات مثيرة للشفقة، وبانضمامات مخجلة تؤكد في مجملها بأنه لا يزال غير قادر على الإمساك بزمام المبادرة، ولا يزال غير مؤهل ـ حسب ما يصدر عنه ـ لتجاوز الصف الثاني، أو الصف الثالث في المشهد السياسي، رغم الدعوات المتكررة التي نسمعها من هنا وهناك بضرورة تجديد النخبة السياسية.
إن المتأمل للمستنقع السياسي الراكد، والمتعفن في أغلب أوقاته، سيلاحظ أن هناك أربعة اتجاهات تستقطب الشباب، تختلف في توجهاتها، وتتفاوت في أحجامها، ويحاول كل اتجاه منها أن يخرج من الوحل، وأن يطفو بطريقته وبآلياته الخاصة على السطح السياسي، وهذه الاتجاهات يمكن تصنيفها على النحو التالي:
الاتجاه الأول: ويمثله الشباب المنخرط في مشروع حزب العصر بكل ملحقاته، وملحقات ملحقاته، بما في ذلك مجموعة الغد، ومجموعة من شباب 25 فبراير التحقت أخيرا بذلك الركب. وهذا المشروع الشبابي عبارة عن مجموعات تشكلت حسب الطلب، استجابة لتعليمات عليا، لذلك فلا يمكن أن يعول عليها، في أي مشروع سياسي شبابي جاد.
فأي مشروع سياسي شبابي لا يتشكل استجابة لرغبة شبابية خالصة من كل الشوائب، وبإمكانيات ووسائل ذاتية، تبعده عن كل وصاية، فهو مشروع محكوم عليه بالفشل، حتى وإن وفرت له السلطات إمكانية هائلة.
ومن المثير للشفقة، وشباب العصر التائه يثير الشفقة، أكثر من غيره، أن هذه المجموعة الشبابية التي أثبتت بعد أيام معدودات من الإعلان عن مشروعها، بأنها تختزن في جيناتها كل مساوئ الطبقة السياسية التقليدية، التي يراد تجديدها، لا زالت تردد كالببغاوات شعار تجديد الطبقة السياسية، كما ردده الآمر بتشكيل حزب العصر، مع حزمة أخرى من الشعارات، التي انتهت صلاحيتها، بعد أن تأكد المواطن أنها كانت مجرد شعارات انتخابية، ليس إلا.
إن النفعية، والسعي وراء المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، والتنابز بالألقاب، هي صفات سيئة كنا ننتقد عليها طبقتنا السياسية التقليدية، وهي التي جعلتنا نرحب بشعار تجديد الطبقة السياسية، إلا أن ما أظهره المنخرطون في مشروع حزب العصر وملحقاته من تلك الصفات السلبية في أيام معدودة، فاق بكثير، ما أظهرته النخب السياسية التقليدية في عقود كاملة.
فمشروع حزب العصر لم يستطع أن يؤجل خلافاته، ولا أن يخفي المآرب الشخصية التي تحرك مؤسسيه ـ على الأقل ـ أثناء فترة التأسيس. وهذا ما كانت تنجح فيه نخبنا السياسية التقليدية التي يقال أن هذا المشروع جاء لتجديدها!. فنخبنا التقليدية كانت تتمكن دائما من أن تخفي سعيها وراء المصالح، أثناء تأسيس الأحزاب والتشكيلات السياسية. وكانت تنجح في أغلب الأوقات في كبح مطامحها الشخصية، وفي تأجيل خلافاتها، إلى أن يقترب موسم قطف الثمار، وهذا ما لم يستطع مشروع حزب العصر أن يحققه.
فما الذي يمكن أن يقدمه مشروع حزب العصر للشباب الموريتاني، وهو المشروع الذي أظهر مؤسسوه بأنهم أكثر جشعا، وأكثر سعيا وراء المصالح الخاصة من نخبنا السياسية التقليدية، في الوقت الذي لا يمتلكون فيه خبرة و تجربة النخب التي يريدون تجديدها.
فبئس التجديد الذي يدعو إليه شباب العصر، إذا كان سيأتي بمساوئ أعظم من مساوئ النخب المراد تجديدها، مع العجز عن الاحتفاظ ـ على الأقل ـ بالايجابيات القليلة لتلك النخب المراد تجديدها.
الاتجاه الثاني: ويمثله بعض الشباب الذي افتقد بدوره بوصلة تحدد له الاتجاه الصحيح. فكان أن قاده تيه المراكب إلى الإنخرط في أحزاب يمكن أن نتوقع منها كل شيء، إلا أن يكون لها مشروع مجتمع، يستجيب لتطلعات الشباب في العيش بشكل كريم في دولة مؤسسات.
ومن هذه الطائفة المجموعات الشبابية المنضمة أخيرا لحزب الوئام، وهو الحزب الذي شكل في الفترة الأخيرة ـ لأسباب ليس هذا المقام مناسبا لبسطها ـ قبلة لهجرات عديدة من فسطاط الموالاة.
فما الذي يمكن أن يقدمه حزب الوئام للشباب المهاجر إليه؟ وما الذي يميز حزب الوئام شبابيا عن غيره من الأحزاب؟ وهل في برنامج حزب الوئام ما يغري الشباب بالالتحاق به؟ وما الذي يمكن أن يقدمه "بيجل" وصحبه من رجال معاوية للشباب الموريتاني في العام 2011؟
بالعربي الصريح، يمكننا أن نفتش عن كل شيء، إلا عن المصلحة العامة، لتفسير تلك الإنضمامات. والتفسير الأقرب هو أن انضمام تلك المجموعات لحزب الوئام إنما هو من أجل البحث عن مصلحة خاصة محتملة، قد يوفرها حزب الوئام لقيادات المجموعات الشبابية المنخرطة في الحزب.
أيضا هذه الطائفة لا يمكن التعويل عليها في قيادة مشروع التغيير والإصلاح الذي يتطلع إليه الشباب الموريتاني.
الاتجاه الثالث: و يمثله الشباب المنخرط في الأحزاب السياسية القائمة، خاصة منها الأحزاب المؤدلجة.
وهذه المجموعات الشبابية قد تكون لها خبرة في مجال العمل السياسي أكثر من غيرها، إلا أنها تعاني من خلل في تنشئتها السياسية حيث تم إعدادها لخدمة الايدولوجيا أكثر من خدمة الوطن. وهي لازالت تقدس زعيم الحزب بطريقة لا تتناسب مع روح الثورات الشبابية التي جاءت لترفع من شأن المصلحة العامة، على حساب المصلحة الخاصة، ولتضعها ـ أي المصلحة العامة ـ فوق أي مصلحة أخرى حزبية كانت أو إيديولوجية.
وتبقى هذه المجموعة الشبابية مؤهلة أكثر من غيرها ـ نظرا لخبراتها المتراكمة ـ لأن تقود مشروع الإصلاح والتغيير المنشود من خارج تشكيلاتها السياسية، أو من داخل تلك التشكيلات إن هي استطاعت أن تغير من أسلوبها في التفكير وفي العمل. والشرط الأساسي لتحقيق ذلك، هو أن تثق تلك المجموعات في قدراتها الذاتية، وأن تقرر أن تقود ـ وبشكل فوري ـ أحزابها إلى ما فيه المصلحة العامة، بدلا من أن تظل في الصفوف الخلفية مكتفية بتمجيد رئيس الحزب، و بالدفاع عن إيديولوجيات بائدة، أو أحزاب معاقة، لم تعد قادرة ـ في شكلها الحالي ـ أن تحدث تغييرا في هذا البلد المتعطش للتغيير.
الاتجاه الرابع: ويمثله شباب 25 فبراير، والذي سعى لإحداث تغيير في البلاد، إلا أن الفعالية ظلت غائبة عن حراك هذه المجموعة الشبابية.
وهذه المجموعة والتي يعول عليها كثيرا، يمكن أن تلعب أدوارا رائدة في عملية التغيير لو أنها تمكنت من تجاوز بعض الأخطاء التي وقعت فيها، والتي تسببت في تراجعها كثيرا، حتى وصلت إلى الوضعية الصعبة التي تعيشها اليوم.
ولجسامة الدور المعلق على هذه المجموعة، فسأخصص لها ـ إن شاء الله ـ مقالا خاصا، سأحاول من خلاله أن أرصد بعض الأخطاء التي ارتكبها شباب 25 فبراير، مع تقديم بعض المقترحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية لكي يستعيد شباب 25 فبراير شيئا من ألقه الذي ظهر به في الأسابيع الأولى التي أعقبت بداية احتجاجاته واعتصاماته.
تصبحون على حراك شبابي فعال...