الأحد، 31 يوليو 2011

هدية خاصة بالرئيس بمناسبة الشهر المبارك


لقد ارتأيت أن أهدي لكم صورة نادرة جدا بمناسبة حلول الشهر المبارك، وكذلك بمناسبة مرور عامين على تنصيبكم. وهذه الصورة أعتقد أنها هي أفضل ما يمكن أن يهديه مواطن فقير مثلي، لرئيس مثلكم، ينافس ثلاثة من رؤساء العالم على لقب رئيس الفقراء.
سيدي الرئيس، إن لقب رئيس الفقراء ليس مجرد لقب عادي يمكن أن تمنحه ثلة من السياسيين المتزلفين تميل حيث السلطة مالت، ولا أن تمنحه شرذمة من العاملين في الإعلام الرسمي جُبِلت على منح أعظم الألقاب لكل حاكم مادام حاكما، ولا أن يمنحه طابور من "جنود الرأي" ليس فيه من يستطيع أن يفكر ـ ولو لساعة واحدة ـ بعقله بدلا من بطنه، ولا يمكن أن تمنحه حفنة من الموظفين الفاشلين، والذين يحاولون أن يعوضوا النقص في الكفاءة ، وفي أدائهم الوظيفي، من خلال التزلف الفاضح لكل من يحكم البلاد.
إن لقب رئيس الفقراء يحتاج الساعي إليه إلى "ألبوم" نادر من الصور، كهذه الصورة التي أهدي لكم اليوم، وهي صورة لواحد من رئيسين ينافسونكم على لقب رئيس الفقراء، وإن كان صاحبها يفضل لقب صديق الشعب. إنها صورة للرئيس الإيراني "أحمدي ناجد"، التقطها صدفة أخوه الأصغر، عن طريق هاتف محمول، ونشرتها جريدة "الوفاق"، قبل أن تنشرها في اليوم التالي معظم الصحف العالمية، وبالأخص الأمريكية منها. ويظهر الرئيس الإيراني في هذه الصورة وهو يغط في نوم عميق، على فراش عادي جدا، ويلتحف بغطاء عادي جدا، لا يختلف عن الفراش والغطاء المتاح لأي فقير إيراني.
تلك صورة من صور عديدة منحت للرئيس الإيراني لقب رئيس الفقراء، وهو لقب لا يستطيع حتى خصوم الرجل أن يجادلوا في استحقاقه له، وإن كان بإمكانهم أن ينتقدوه في مجالات أخرى، ليس من بينها ـ بالتأكيد ـ الابتعاد عن هموم الفقراء الإيرانيين، أو تبديد المال العام.
سُئِل الرئيس الإيراني ذات مرة من طرف قناة " فوكس" الأمريكية عن الذي يُحَدِّث به نفسه، عندما ينظر إلى المرآة صباحا بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية؟
أجاب "أحمدي نجاد": أنظر إلى الشخص الواقف في المرآة، وأقول له تذكر أنك لست سوى خادم بسيط، لديك اليوم مهمة شاقة جدا، وهي خدمة الشعب الإيراني.
وفي أول أيامه في القصر، تبرع الرئيس الإيراني بكل السجاد الفاخر في القصر، لأحد الجوامع في طهران، وأبدله بسجاد عادي جدا، وبسيط جدا، كالذي يظهر في الصورة. كما أنه قام بإغلاق قاعة كبيرة مزركشة ومزخرفة بشكل رائع كانت مخصصة لاستقبال كبار رجال الدولة، وأبدلها بقاعة عادية للاستقبال، خالية من كل شيء، باستثناء بعض الكراسي الخشبية العادية جدا.
وكثيرا ما كان يظهر الرئيس الإيراني رفقة عمال البلدية، وكأنه عامل نظافة بسيط، بيده مكنسة يكنس بها الشوارع المحيطة بمنزله وبمكتبه الرئاسي.
ولقد فرض الرئيس الإيراني على وزرائه أن يوقعوا على وثيقة فيها شروط عديدة، من بينها أن الوزير سيبقى فقيرا كما كان فقيرا، وأن حساباته في المصارف، وحسابات أقاربه ستظل مراقبة، فلا يجوز للوزير المعين، ولا لأي من أقربائه، أن يستفيد من أي مورد من موارد الدولة.
وكان الرئيس الإيراني هو أول من وقع على تلك الوثيقة بعد أن صرح بممتلكاته "الضخمة"، والتي كانت عبارة عن سيارة "بيجو 504موديل 1977"، ومنزل قديم وصغير ورثه عن أبيه في أحد أفقر أحياء طهران، وقد تم بناؤه منذ أربعين عاما، وهو المنزل الذي لا زال يرفض الرئيس الإيراني أن ينتقل منه إلى أي منزل آخر. هذا فضلا عن حسابين أحدهما فارغ تمامًا، والثاني يستقبل فيه راتبه كأستاذ جامعي، ووجد فيه ما يعادل 250 دولارا.
هذا هو كل ما يملكه رئيس دولة نفطية تعد واحدة من أغنى وأقوى دول الشرق الأوسط.
والرئيس الإيراني الذي رفض ـ وبإصرار عجيب ـ أن ينفق دولارا واحدا في كل حملاته الانتخابية، ليس له أي راتب شخصي، بعد أن أصبح رئيسا للبلاد، فهو يعتبر نفسه أمينا على أموال الشعب الإيراني، تلك الأموال التي لا يجوز له أن يأخذ منها راتبا ـ حتى ولو كان متدنيا ـ مقابل عمله كرئيس . كما أنه يرفض ـ خلافا لكل رؤساء دول العالم ـ أن يخصص ميزانية في القصر، لإعداد طعام للرئيس ولعائلته، مكتفيا بسندويشات قليلة، وبشيء من الجبن والزيتون تعده له زوجته يوميا، وسط استغراب وذهول كل العاملين في القصر.
والرئيس الإيراني أصر على أن يبيع طائرته الرئاسية، ليشتري بثمنها طائرة شحن تحول أرباحها لخزينة الدولة الإيرانية. وعندما سألوه عن الطريقة التي سيتنقل بها، أجابهم بأنه سيسافر كما يسافر الركاب العاديون، في طائرات عادية.
ولا يزال الرئيس الإيراني يرفض أن تعلق صوره الشخصية في أي مبنى حكومي لأن ذلك يشكل إهدارا للمال العام. كما أنه يرفض أن يعد له أي استقبال رسمي في زياراته الداخلية، فلا سجاد أحمر يبسط له، رغم أنه يقود دولة تصدر أفخر أنواع السجاد لكل بقاع العالم، ولا صور كبيرة أو صغيرة ترفع عند الاستقبال، ولا سيرة ذاتية لغرض المدح، ولا يتزاحم الإيرانيون لمصافحته، ولا يصفقون له لا بأياديهم ولا بأرجلهم، ولا يلوحون له، ولا يبتسمون له بتزلف، لا شيء من كل ذلك.
ولقد أجمع الشعب الإيراني بمواليه وبمعارضيه على أن الرئيس الإيراني، يعيش كما يعيش الفقراء الإيرانيون، إن لم يكن يعيش بشكل أسوأ.
ذلكم واحد من الثلاثة الذين يتنافسون معكم على لقب رئيس الفقراء.
أما الثاني فكنت قد حدثتكم عنه في رسالة مفتوحة سابقة: إنه رئيس فقراء فنزويلا.
ويتفق كذلك الشعب الفنزويلي بمعارضيه وبمواليه،على أن الرئيس الفنزويلي لا يترك فرصة يمكن أن يرفع بها من شأن فقراء بلده إلا واستغلها، حتى ولو أجبره ذلك على أن يتقاسم طعامه وفراشه في القصر مع بعض المشردين من فقراء بلده.
وللاختصار فسأكتفي هنا بتقديم صورة واحدة من ألبوم منافسكم الثاني على اللقب. إنها صورة الرئيس الفنزويلي، وهو يفتح أبواب قصره الرئاسي، لاستقبال 25 أسرة فقيرة، لكي تقيم معه في القصر، بعد أن تضررت مساكن تلك الأسر من الأمطار والفيضانات. وقد أعطى الرئيس الفنزويلي تعليماته الصارمة لكل عمال القصر، بضرورة الاهتمام بالفقراء خلال مقامهم في القصر الرئاسي، وذلك قبل أن يعوضهم عن مساكنهم المهدمة بمساكن لائقة.
لقد تذكرت الآن عشرات المنازل المنهارة، في عشرات القرى الموريتانية التي غرقت في العام الماضي، وتحضرني الآن صورتكم وأنتم مشغولون عن الغرقى بغرس شجيرات في مشروع غرس مليون شجرة الذي لم يعد اليوم يذكره ذاكر.
سيدي الرئيس، إن المنافسة على لقب رئيس الفقراء ليست منافسة عادية، خاصة وأنها منافسة تخوضونها مع رئيسين يقدمان في كل يوم صورا مبهرة ورائعة يصعب تصديقها.
وهذه المنافسة هي التي جعلتني أطلب منكم في رسالة سابقة كتبتها لكم باسم حَمَّال، أثناء إضراب الحمالين في السنة الماضية، أن توجهوا دعوة للعشرات من الحمالين لحضور حفل عشاء في القصر، بمناسبة فاتح مايو 2010، وتستمعوا لمعاناتهم وأنينهم دون وسيط، لأنهم أولى من غيرهم للتحدث عن معاناتهم. ولقد كان بالإمكان أن تجدوا حلا لبعض مطالبهم العادلة، وأن تعتذروا لهم عن البعض الآخر من المطالب التي قد يصعب تحقيقها في ذلك الوقت.
ولقد قلت لكم في تلك الرسالة بأن الحمالين أولى بعشاء فاخر في القصر الرئاسي، ولو لمرة واحدة في العمر، من أولئك الذين تتكرر دعوتهم ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ رغم أنهم هم من رشف المحيط بكل حيتانه، وابتلع النفط بكل مشتقاته، وأكل الحديد بكل شوائبه، ونهب الزراعة بكل محاصيلها.
فتواجد بعض البسطاء في القصر الرئاسي، كان سيمنحكم لقطة دعائية في غاية الأهمية، أنتم في أمس الحاجة إليها. وهي لقطة كانت ستتناقلها الفضائيات العالمية، كما تناقلت استضافة الرئيس الفنزولي ل25 أسرة فقيرة في قصره الرئاسي، أو كما تناقلت صورة الرئيس الإيراني وهو ينام على فراشه المتواضع.
وإنني اليوم ـ وبمناسبة الشهر الكريم ـ أجدد طلبي لكم بفتح أبواب القصر أمام الفقراء، كما يفعل منافسوكم على لقب رئيس الفقراء.
فَلِمَ لا تنظمون إفطارا يوميا في القصر تستقبلون فيه بعض فقراء البلد؟ كالمعوقين مثلا، أو الحمالين، أو بعض سكان أحياء الترحيل، أو بعض العائدين من ليبيا أو من الإمارات أو من ساحل العاج، أو نساء "أدويراراة" اللواتي طال اعتصامهن أمام قصركم، فتسمعون من أولئك الفقراء،عن قرب، وبشكل مباشر، وتشاركونهم همومهم ولو لليلة واحدة من ليالي الشهر المبارك.
ولِمَ لا تدعون مثلا شباب بسمة وأمل لإفطار في القصر، لكي تشجعوهم على الأدوار الكبيرة التي يقومون بها لصالح فقراء البلد، خاصة في هذا الشهر الكريم؟
ولِمَ لا تمنحوهم قطعة أرضية لكي يشيدوا عليها مركزا صحيا لصالح الفقراء، وذلك بعد أن حصلوا ـ ومن خلال جهودهم الخاصة ـ على التمويل الكافي لتشييد ذلك المركز؟
أليست جمعية بسمة وأمل الشبابية أولى بقطعة أرضية من غيرها؟ ألا تستحق تلك الجمعية واحدة من تلك القطع التي توزع في كل مجلس وزراء على رجال أعمال وشركات ليس في سجل أي منها شق تمرة تبرعت به لفقير واحد من فقراء البلد؟
سيدي الرئيس، في الأخير، وبمناسبة حلول شهر رمضان، فإني أذكركم بطلب سابق، كنت قد خصصت له رسالة مفتوحة سابقة، ويتعلق ببناء مسجد في قصر المؤتمرات. فلا يليق بقصر المؤتمرات، الذي يستقبل الكثير من الندوات والمؤتمرات، أن يظل بلا مسجد رغم وجود مساحة واسعة لتشييده. ولا يليق بالشناقطة أن يشاهدوا وهم يصلون في العراء، في أفخم قصر لديهم، تم تجهيزه بكل شيء، إلا من مسجد تقام فيه الصلاة.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الثانية والعشرين إن شاء الله.

الجمعة، 22 يوليو 2011

تحدثت وثائق سونمكس فقالت (1):


لم أكن أرغب إطلاقا في أن أتحدث عن ملف قضائي، لكن محاولات البعض الحثيثة لمغالطة الرأي العام من خلال سلسلة من المقالات والبيانات والتصريحات المنحازة للمتهمين، أجبرتني على التحدث، خاصة أن الأمر يتعلق بملف خطير وشائك تسبب في إهدار ربع احتياطي البلاد من العملات الصعبة في فترة قصيرة جدا لا تتجاوز ستة أشهر.
لم يعد من الممكن السكوت عن 11 مليار أوقية اقرضها البنك المركزي لسونمكس مخالفا بذلك كل القوانين المعمول بها، ورغم ذلك فلم تُسدد للبنك، وحتى يومنا هذا، أوقية واحدة من ذلك المبلغ الضخم الذي تبخر خلال أشهر معدودة، وتحول إلى مجرد أرقام زائفة في وثائق مشبوهة، أعدت بطرق بدائية وسخيفة جدا.
لقد تم نهب ذلك المبلغ الضخم في ظروف اقتصادية صعبة جدا عاش فيها فقراء البلد ظروفا قاسية، وقاسية جدا، أدت بهم إلى الخروج في ثورة جياع واسعة، لم تشهد البلاد لها مثيلا.
وبالعربي الصريح، لم يعد من الممكن السكوت لأن في ذلك المبلغ الضخم نصيبا لعجوز أمبود، إحدى أهم شخصيات رسائلي المفتوحة، والتي قلت عنها في واحدة من تلك الرسائل بأنها ربما تكون قد تمنت أن تكون ناقة لأحد الأكابر بدلا من أن تكون مواطنة موريتانية، وذلك لكي تملأ بطنها من قمح المفوضية وسونمكس، والذي كانت تشاهده ينقل ويوزع على نوق وأبقار الأكابر كأعلاف، في الوقت الذي كانت فيه هي تبيت الليالي المتوالية، تتضوع جوعا، في قرية كل أهلها جياع، تابعة لمقاطعة "أمبود"، وهي المقاطعة التي تعد من أفقر مقاطعات البلاد.
وإذا كان من الممكن أن أسكت عن نصيبي الشخصي من ذلك المبلغ الضخم، فإني لا أستطيع أن أسكت عن نصيب تلك العجوز، ولا عن نصيب غيرها من شخصيات رسائلي المفتوحة.
شلت يداي إن سكت.
لقد آلمني أن تجوع تلك العجوز ويجوع معها مليون ونصف المليون من فقراء البلد الذين يعيشون تحت خط الفقر، في عام خصصت فيه الدولة 49 مليون دولار من احتياطها من العملات الصعبة لتثبيت أسعار المواد الغذائية الأساسية، بل ولتوفيرها مجانا للمواطنين الأكثر فقرا إذا ما استدعت الضرورة ذلك.
وآلمني أكثر أن يجتمع كتاب وسياسيون و نشطاء من المجتمع المدني لأسباب جهوية، أو سياسية، أو مزاجية حتى، فيغالطون تلك العجوز، ويغالطون معها شعبا بكامله، فيدعون بأن من بدد تلك الأموال الطائلة ليس هو من بددها، وأن من أهدر تلك المبالغ الخيالية ليس هو من أهدرها.
هكذا هي نخب هذا البلد تظهر دائما حيث يجب أن تختفي، وتختفي حيث يجب أن تظهر، تسكت عما يجب أن يقال، وتقول ما كان من الأفضل لها أن تسكت عنه.
فويل لتلك النخب من "عجوز أمبود"، وويل لهم من فقراء البلد إذا ما جمعهم صعيد واحد في يوم عصيب قادم لا محالة، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس، وسيلجم فيه العرق كثيرا من خلق الله ، ولن تضيع في ذلك اليوم حبة قمح واحدة، لا لعجوز أمبود، ولا لأي فقير موريتاني آخر.
لقد كان حريا بأولئك الكتاب والنشطاء والساسة أن يؤازروا الحملة الوطنية لإنقاذ الثروة السمكية مثلا، والتي تحاول أن تقف ـ بإمكانياتها المتواضعة ـ ضد تجفيف منابع الاقتصاد الوطني، أو أن يؤسسوا لجنة لمؤازرة سونمكس التي تم إفلاسها بشكل متعمد، بدلا من تأسيس لجان لمؤازرة متهمين تشير كل الدلائل بأنهم هم من بدد تلك الأموال الضخمة.
لنطرح السؤال: كيف تم تبديد 11 مليار أوقية بتلك الطريقة المستفزة ؟
دعونا ننبش قليلا بعض الوثائق والتقارير والمحاضر المتعلقة بذلك الملف، ودعونا نقرأ تلك الوثائق بعيون محايدة إذا أمكن، أو منحازة ـ إذا كان لابد من الانحيازـ لعجوز أمبود، ولغيرها من جياع البلد. واعذروني إن انحزت للفقراء فأنا واحد منهم، وأعذروني ـ كذلك ـ إن انحزت لضحايا الفساد، فأنا واحد من ضحايا الفساد الذين يعتقدون بأنهم هم الذين عليهم أن يحاربوا الفساد، دون انتظار لمن يخوض عنهم تلك الحرب بالوكالة، ولهذا أسسنا "ضحايا ضد الفساد"، في محاولة لاستقطاب ضحايا الفساد الإيجابيين.
تقول الوثائق بأنه في يوم 22 إبريل 2008 وقع السيد مولاي العربي مدير سونمكس وقتها مع محافظ البنك المركزي قرضا بقيمة 45 مليون دولار رغم أن القوانين لم تكن تجيز للبنك التعامل إلا مع المؤسسات المالية.
واشترط البنك شرطين: أولهما توطين جميع المبيعات المتحصلة من القرض في حساب لدى البنك المركزي، وهو ما لم يحدث حيث لم تحول أوقية واحدة إلى البنك المركزي في عهد السيد مولاي العربي (والذي سأخصص له الجزء الأول من هذا المقال )، وهو ما يعني أن الشرط الأول لم يلتزم به هذا المدير الذي ظل يحول المبالغ المتحصلة إلى الحساب رقم502 في البنك الوطني الموريتاني، والمعروف شعبيا ببنك ولد "أنويكظ".
أما الشرط الثاني فهو أن لا تتعامل سونمكس مع أي بنك وسيط دون إذن من البنك المركزي، وهو الشرط الذي لم يحترمه كذلك السيد مولاي العربي ولا لمرة واحدة.
الخلاصة: إن السيد مولاي العربي أخل وبشكل كامل بشرطي القرض اللذين اشترطهما البنك المركزي مقابل تقديم القرض لسونمكس، فلماذا لم يشكو البنك المركزي أمام القضاء المدني في الوقت المناسب؟ ذلك مجرد سؤال على الهامش.
أما فيما يخص تسيير القرض وبقية الأمور الأخرى المرتبطة بالملف والتي يدور حولها نقاش حاد، فسأتعرض لها في هذا المقال من خلال ست نقاط:
أولها: لم يكن لمولاي العربي أي شريك في تسيير القرض وإنفاقه لا جهة وصية، ولا لجنة للصفقات، ولا لجنة للمشتريات، ولا مستشارين. لقد أنفق مولاي العربي تلك المبالغ الضخمة بقرارات فردية لم تكن سديدة وهو ما سنبينه لا حقا، وحتى لو كانت تلك القرارات صائبة وجاءت بحصيلة إيجابية للشركة، وهو ما لم يحدث، فإنها ستبقى قرارات خاطئة يمكن أن يحاسب عليها السيد مولاي العربي، لأنها تخالف ـ وبشكل صارخ ـ ما تنص عليه مسطرة قوانين تسيير المؤسسة.
ثانيها: قبل أسبوع من توقيع القرض كان مولاي العربي قد عقد صفقات لتوريد ما تتجاوز قيمته 30مليون دولار، وهو ما يعادل 67% من قيمة القرض.
ثالثها: تعامل السيد مولاي العربي مع شركة واحدة لتوفير40 ألف طن من الأرز، وهو ما حرم شركة سونمكس من الاستفادة من المنافسة بين الشركات العالمية، لتوفير تلك الكميات الضخمة. ولقد شاب تلك الصفقة العديد من الشبهات، وهي شبهات يمكن حصرها في النقاط الفرعية التالية:
1 ـ لقد تم شراء تلك الكمية الضخمة في وقت بلغت فيها الأسعار العالمية لمادة الأرز مستويات عالية، ومع ذلك فقد اشترى السيد مولاي العربي بسعر يفوق بكثير حتى الأسعار العالمية المرتفعة وقتها، وبفارق يزيد على 2.5 مليار أوقية حسب وثيقة لمؤسسة SGS المتخصصة في المجال، وهذا الفارق لوحده، أقول هذا الفارق لوحده، وأكرر هذا الفارق لوحده، يفوق نصف سلفة ( OFID) والتي تم بموجبها رهن المقر الاجتماعي للشركة وبعض مخازنها، مقابل تلك السلفة المثيرة للجدل. يا لجان المؤازرات اتقوا الله في أنفسكم وفي فقراء هذا البلد.
2ـ إن شركة ( Novel) التي تم التعاقد معها لتوفير 40 ألف طن من الأرز لم تتجاوز كل مبيعاتها من الأرز 28 ألف طن خلال العام 2007. كما أن كل واردات شركة سونمكس في العام نفسه لم تتجاوز في مجموعها 24 ألف طن، أي نصف الكمية تقريبا التي تم شراؤها دفعة واحدة، وبأسعار خيالية، حتى من قبل التوقيع على القرض.
3ـ لم يكن هناك ما يبرر شراء تلك الكميات الضخمة خصوصا إذا ما علمنا بأن الاتفاق لا يلزم الشركة بتوفير تلك الكمية بشكل فوري، بل يعطيها عدة أشهر لتوفير تلك الكمية، وهو ما عجزت عنه الشركة في وقت لاحق، ولم يترتب على ذلك العجز أي مراجعة للأسعار التي انخفضت عالميا. ولقد نجحت شركة سونمكس بعد إقالة مولاي العربي في أن تراجع أسعار 15 طن من الأرز مع الشركة الموردة، لم يكن قد تم استلامها في عهد مولاي، وتمكنت من تخفيض سعر تلك الكمية بنسبة 31% من السعر المتعاقد عليه مع السيد مولاي العربي.
4ـ عندما فشلت سونمكس في توفير المبلغ المطلوب لتسديد ثمن الصفقة الأخيرة في مهلة لم تتجاوز ثلاثة أيام فقط منحتها الشركة الموردة، عندما فشلت سونمكس في توفير المبلغ في تلك المدة القصيرة جدا، ما كان من الشركة الموردة إلا أن رفعت دعوى ضد سونمكس، وقد كسبتها. في حين أن مولاي العربي لم يرفع دعوى ضد الشركة الموردة، ولم يراجع معها الأسعار، رغم أنها أخلت ـ وبشكل صارخ ـ ببنود الاتفاق، عندما عجزت عن توفير الكميات المتعاقد عليها في الآجال المحددة في الصفقة.
5 ـ لقد كانت الكمية المتعاقد عليها موزعة على النحو التالي: 8 آلاف طن من الأرز العالي الجودة، و32 ألف طن من الأرز الأقل جودة، ومع ذلك حسبت ( Novel) السعر الإجمالي بسعر الكمية الأعلى جودة، والتي لم تكن تمثل سوى 20% من الكمية الكلية المتعاقد عليها.
6ـ لم يكن شراء هذه الكمية الضخمة وبأسعار خيالية قبل موسم الخريف له ما يبرره، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار الطاقة الاستيعابية لمخازن سونمكس، والحالة المزرية لبعض تلك المخازن، وهو ما أدى في النهاية إلى تلف كميات معتبرة، وبيع بعض المواد بأسعار زهيدة لقرب انتهاء تاريخ الصلاحية، بل إن بعضها تم بيعه فيما بعد كعلف حيواني، كما حدث مع 200طن من الألبان المجففة.
وبعد إقالة مولاي العربي، وفي محضر التسليم مع ولد آكاط سجل مولاي العربي 9 مليارات على أنها قيمة المخزون الذي تركه في مخازن سونمكس، وذلك لإعطاء صورة غير حقيقية للشركة. وهذا المبلغ يمثل 81% من مبلغ القرض، ويعني ذلك من بين أمور أخرى، بأن التسرع في شراء تلك الكميات الضخمة من الأرز، وبأسعار خيالية لم يكن بالقرار الرشيد، خاصة أنها ستفقد نسبا عالية جدا من قيمتها وهي لا تزال في مخازن الشركة.
7ـ إن هذه الكمية التي تم شراؤها بأسعار خيالية تمثل ثلث الاستهلاك الوطني من مادة الأرز، وتمثل نصف ما تستورده البلاد من الأرز لعام كامل، فهناك ثلث تتم تغطيته من خلال الإنتاج المحلي. فلماذا تم شراء نصف الواردات السنوية من مادة الأرز دفعة واحدة، ومن عند شركة واحدة، وبأسعار تفوق الأسعار العالمية، والتي كانت تبلغ في وقت الشراء مستويات مرتفعة جدا؟ وهل يعقل أن نقبل تلك التصرفات المشبوهة من مدير غبي؟ وكيف إذا تعلق الأمر بمدير يشهد له الجميع بالذكاء، وخريج واحدة من أرقى الجامعات؟
رابعها : لقد رهن السيد مولاي العربي الملكية العقارية رقم (1010/T vol 6 F°66 ) للبنك الوطني الموريتاني مقابل ضمان لسلفة من (OFID) تبلغ خمسة ملايين دولار، ولقد تم تقديم مغالطات كبيرة حول ذلك الرهن، وهي مغالطات يمكن تفنيدها من خلال النقاط الفرعية التالية:
1 ـ إن رهن ذلك العقار تم في يوم 5 مارس 2008 في عهد مولاي العربي، والعقار لازال حتى يومنا هذا مرهونا للبنك الوطني (بنك أهل نويكظ) ولم يرفع عنه الرهن ولو ليوم واحد عكس ما هو شائع.
2 ـ إن ما رُفِع عنه الحجز هو الضمانة المصرفية للبنك الوطني، والتي استعادها البنك الوطني، بعد أن قبل البنك المركزي أن يتحمل ضمان سلفة (OFID)، بدلا من البنك الوطني، الشيء الذي زاد من أعباء البنك المركزي، وزاد من ديونه على شركة سونمكس.
3ـ يقول السيد ولد أنويكظ بأن رهن العقار هو مقابل كل ديون بنكه على شركة سونمكس، وهو ما جعله يرفض أن يعيد لسونمكس العقار المذكور بعد أن تحمل البنك المركزي ضمان سلفة (OFID)، وبالتالي رفع الحجز عن ضمانة البنك الوطني . ويحتج ولد انويكظ بالمادة 15 من اتفاقية الرهن. في حين تدعي سونمكس بأن الرهن كان فقط مقابل سلفة (OFID)، لذلك فسونمكس تعتقد أن من حقها أن تستعيد الرهن . المهم أن الرهن لم تستعده سونمكس بعد أن تم تسليمه للبنك الوطني في يوم 5 مارس2008، لا في عهد ولد آكاط، ولا في عهد ولد الوافي، ولا في عهد المدير السابق، ولا في عهد المدير الحالي، الذي تم تعيينه منذ أيام معدودة.
4 ـ لم يتم إشعار مجلس إدارة الشركة برهن العقار المذكور، ولم يتم ذكره في كل محاضر تبادل المهام التي تمت بين مولاي العربي وولد آكاط ، ولا تلك التي تمت بين ولد آكاط وولد الوافي بعد ذلك، بل إن ولد آكاط لم يعلم أصلا برهن العقار المذكور، ولم يعلم به ولد الوافي الذي جاء بعد ذلك، إلا بأيام قليلة قبل إقالته.
5 ـ لم يسجل ولد أنويكظ الرهن عند إدارة العقارات إلا بعد مرور عامين وخمسة أشهر على عملية الرهن نفسها، وتحديدا في يوم 08 ـ 08 ـ 2010 ، وقد دفعت سونمكس مبلغ 14.760.140 أوقية كرسوم لتسجيل الرهن.
6 ـ إن عملية رهن عقار سونمكس تمت بين شخصين فقط، وكأنها تتعلق بملكية خاصة للسيد مولاي ولد العربي. ولقد تعمد مولاي وولد أنويكظ إخفاءها عن الجميع، ولأسباب سأترك للقارئ الحرية في تحديدها. فمولاي لم يُشعر بها مجلس إدارة الشركة، ولم يذكرها في محاضر تبادل المهام. أما ولد أنويكظ فلم يسجلها عند إدارة العقارات حفاظا على سرية العملية، ولم يعلن عملية الرهن إلا بعد أن اضطر لذلك، عندما بدأت سونمكس تطالب باستعادة عقارها، بعد أن علمت بأنه قد تم رهنه لولد أنويكظ منذ سنتين وزيادة.
خامسها: لقد حاول البعض أن يجعل من السيد مولاي العربي نموذجا فريدا من نوعه في مجال تسيير سونمكس، وفي ذلك القول مغالطات كبرى، ففضلا عن الأخطاء التي تحدثت عنها سابقا، فيمكن أن أضيف هنا الأدلة التالية على فشل السيد مولاي العربي في تسيير سونمكس.
1 ـ لنعد قليلا إلى سونمكس قبل شهر واحد من استلام القرض الضخم، ولنستمع هنا إلى شهادة شخص له صلة قوية بالسيد مولاي العربي، لنستمع إلى شهادة ولد أنويكظ بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا على تعيين مولاي العربي مديرا للشركة.
يقول ولد أنويكظ بأن سونمكس بعد ثلاث سنوات من تسيير مولاي العربي، وتحديدا في الشهر الذي سبق القرض كانت في وضعية صعبة جدا، لدرجة أصبح فيها البنك خائفا على ديونه في ظل غياب أي ضمانة لتلك الديون. وما قاله ولد أنويكظ في هذه الجزئية كان صحيحا فالشركة حينها كانت في وضعية مزرية.
2 ـ في اعتقادي الشخصي أن 50 مليون دولار التي تم تسليمها للسيد مولاي العربي، ليتصرف فيها كما يشاء، وكأنها ممتلكات خاصة، لو تم تسليمها لمدير متوسط الكفاءة، ومتوسط الاستقامة لكان حال الشركة يختلف عن حالها البائس الذي تتخبط فيه اليوم. فالشركة كان من المفترض لها أن تنتعش ـ على الأقل ـ في الأشهر الستة التي عقبت ضخ 50مليون دولار في شرايينها، وهي الأشهر الستة التي سبقت إقالة مولاي العربي، وهي نفسها الأشهر التي تم فيها إنفاق القرض كله.
3 ـ لقد حدثت مغالطات كبيرة في بعض الأرقام أثناء التسليم، وكان الهدف من تلك المغالطات أن تظهر الشركة وكأنها في وضعية جيدة.
فقد تم تسجيل مبلغ 1.8 مليار وقية على أنه رصيد للشركة لدى الخزينة العامة، وأن هذا الرصيد سيتم تحويله إلى البنك المركزي. ولم يكن السيد مولاي العربي يتحدث عن ذلك الرصيد أثناء اجتماعاته بمحافظ البنك المركزي وبمدير الخزينة العامة لأنه كان يعلم جيدا بأن الخزينة العامة تطالب سونمكس بديون تفوق بكثير ذلك المبلغ مما جعلها ترفض تحويله لحساب سونمكس في البنك المركزي. كما أنه أفي محضر التسليم تم إخفاء مبالغ ضخمة أخرى تصل إلى مليار وثمانمائة مليون أوقية كانت عبارة عن ضرائب على الشركة، وعن ديون لأصحاب المطاحن.
4 ـ تم تقديم شركة الإيداع والترانزيت SMCTT والتي أنشأها السيد مولاي العربي دون علم مجلس الإدارة على أنها كانت فكرة رائدة من نوعها، لأن تلك الشركة حققت وفي مدة قصيرة أرباحا لا بأس بها.
والحقيقة أن تلك الشركة التي ولدت بشكل غير شرعي، قد حققت فعلا أرباحا لا بأس بها، استفاد منها أربعة أشخاص ساهموا في السنوات الماضية بجهودهم الجبارة في تدمير سونمكس. وهذه الأرباح كانت بمثابة خسائر إضافية لسونمكس لأنها كانت على حسابها.
لقد حرمت تلك الشركة سونمكس من الاستفادة من تنافس شركات الإيداع والعبور . ولقد احتكرت تلك الشركة خدمات تخليص وتفريغ كل المواد المستوردة باسم سونمكس، مع زيادة سعر تفريغ الطن من 420 أوقية كانت تدفعها سونمكس لشركات الإيداع قبل ميلاد SMCTT ، إلى 1020 أوقية للطن أصبحت سونمكس مجبرة لدفعها لشركة الإيداع الجديدة عن كل طن يتم استيراده، أي بزيادة كلفة قدرها 166%. كما أن سونمكس كانت توفر للشركة"الرائدة" مكاتب ومخازن بشكل مجاني، هذا فضلا عن سلفة ظلت تدفعها سونمكس في كل عام للشركة "اللقيطة". وقد بلغت السلفة حتى في الأعوام التي لم تستورد فيها سونمكس حبة أرز واحدة 128 مليون أوقية!!
5 ـ رغم أن السيد مولاي العربي تم منحه أياما إضافية بعد إقالته ليتصرف بمطلق الحرية في شركة سونمكس المنهارة، حيث منح سلفة بعد إقالته لكل العاملين في الشركة ولمدة عامين كاملين، وهي سلفة أثارت شكوكا كثيرة، وقيل بأنها لضمان الولاء. كما أنه قام بتسديد ديون بلغت 138.250.000 أوقية بعد إقالته، إلا أن ذلك كله لم يمنعه من دخول حساب الشركة سرا، في فترة إدارة ولد آكاط، وهو ما تسبب في إلقاء القبض عليه والتحقيق معه.
سادسها: أيضا من القضايا التي أثارت جدلا كبيرا في هذا الملف هي شخصية غودينو وتقريره المثير، ولتصحيح بعض المغالطات المتعلقة بهذه النقطة فيمكننا القول:
1ـ إن غودينو من المدققين والمحققين الجيدين، وقد حقق في ملفات شائكة، وله مؤلفات عديدة، ولا يعني ذلك ـ بأي حال من الأحوال ـ بأن حياته الشخصية لا تخلو من فضائح.
2ـ عكسا لما قيل حتى في البرلمان، فغودينو جاء على حساب سونمكس، ولم يأت متطوعا، ولا على حساب جهة أخرى. ويكفي هنا أن نعرف بأن ولد أنويكظ الذي يعتبر من أكبر المتضررين من تقرير غودينو، اعترف بأن غودينو جاء على حساب سونمكس، وإن كان قد انتقد قدومه لأنه لم يكن في إطار مناقصة. كما انتقد كذلك التعويضات المقدمة له لأنها في نظره كانت مرتفعة جدا.
3 ـ لم يستطع أي من خصوم غودينو أن يشكك أو يفند المعلومات التي جاءت في تقريره الذي أعده بمهنية عالية. كلما هنالك هو أن المتضررين من التقرير حاولوا أن يركزوا على الحياة الخاصة لغودينو، فلنفترض جدلا أن غودينو كان شيطانا، ألا يمكن أن نصنف ما جاء في تقريره ـ مادمنا غير قادرين على تفنيده علميا ـ على أنه يدخل في إطار " صدقك وهو كذوب".
4 ـ هناك نائب دافع بحماس عن أحد المتهمين اعتذر عندما اطلع على بعض المعلومات التي نُقلت له من تقرير غودينو، واعترف بأنه قد تمت مغالطته بمعلومات قدمت له من عند أحد الأطراف. وبالطبع كان على النائب أن يكون أكثر شجاعة، وأن يعترف علنا بأنه كان ضحية لمعلومات مغلوطة.
وللحديث بقية...
تصبحون على الحقيقة.....

الأحد، 10 يوليو 2011

أسئلة للشباب




لماذا لا يزال الشباب الموريتاني تحكمه وتوجهه الخلافات الفكرية و الحزبية و العرقية في حين استطاع الشباب في الدول الشقيقة والمجاورة تجاوز تلك الخلافات؟
وكيف استطاع الشباب المصري والتونسي واليمني تجاوز الخلافات التقليدية ولم يستطع الشباب الموريتاني ذلك؟
وكيف تمكن شباب الإخوان في مصر من أن يقود الجماعة ويجرها إلى المشاركة في الثورة رغم رفضها في البداية؟ ولِمَ لم يتمكن الشباب هنا من قيادة الطبعة الموريتانية من الإخوان إلى الحراك الشبابي؟ أو أن يقودها لأي شيء آخر؟
وكيف تمكن الشباب الناصري في مصر من ذلك رغم أن الحزب الناصري أعلن أنه هو الذي يقود الثورات ولن يقبل أن تقوده حفنة من الشباب؟ ولماذا لم يتمكن الشباب هنا من قيادة الطبعة الموريتانية للناصرية إلى الحراك الشبابي؟ أو أن يقودها لأي شيء آخر؟
ولماذا في هذا الزمن الذي أصبح فيه شباب الدول الشقيقة يقود التغيير لا زال الشباب الموريتاني يقبل بأن يقوده رجال من الماضي بأساليب وبأفكار وبعقليات بالية؟
وكيف استطاع الشاب الإخواني والشاب الوفدي والشاب الناصري أن يتجاوزوا خلافات تشكيلاتهم التقليدية وأن يلتحموا ـ كالبنيان المرصوص ـ في ميدان التحرير بوصفهم شباب مصر لا شباب حركات وتشكيلات سياسية؟ ولماذا لم يستطع شبابنا نحن أن يقلدهم في ذلك وهو الذي يقلدهم في كل شيء؟ ولماذا لم يستطع شبابنا أن يلتحم في ساحة "أبلوكات" أو في ساحة 1 مايو بوصفه شباب موريتانيا لا شباب حركات وإيديولوجيات وأحزاب متصارعة ومتناحرة؟
وكيف تجاوز الشباب القومي والشباب الإسلامي في مصر خلافاتهم رغم أن منشأها كان هناك ولم يستطع شبابنا نحن أن يتجاوز تلك الخلافات ؟
و لماذا عندما ينشأ خلاف بين القوميين والإسلاميين هنا تظهر عشرات الأقلام الشبابية من كلا الطرفين تنبش أرشيف خلافات الإخوان والناصريين في مصر وفي غيرها؟ ولماذا تختفي تلك الأقلام عندما نحتاجها في قضايا وطنية كبرى؟
ولماذا يدخل بعض الموريتانيين في سبات عميق ولا يستيقظ إلا في الاحتفالات المخلدة لثورة عبد الناصر؟ وأيهما أولى بأن يحتفل به الشباب الموريتاني: ثورة يوليو 1952 أم ثورة يناير 2011؟
ولماذا يدخل البعض الآخر في سبات أعمق ولا يستيقظ إلا ليحتفل بيوم استشهاد صدام حسين؟ ولماذا تدخل فئة أخرى في سبات أطول ولا تستيقظ إلا في مثل هذا اليوم ولكن لتنتقد وتسب صدام حسين؟
وهل يجب أن تظل مشاكل الشباب الموريتاني محصورة في معرفة ما إن كان صدام قد عاش مستبدا أو مات شهيدا؟ أو أن تظل محصورة في معرفة هل كان عبد الناصر قائد ثورة أم قائد انقلاب؟ وهل كان القذافي مفكرا صاحب نظرية ثالثة أم كان مجنونا تسكنه ثلاث شياطين؟
وهل الإخوان هم الذين ظلموا عبد الناصر أم أن عبد الناصر هو الذي ظلمهم؟
وبماذا سيستفيد شبابنا إن تفرغوا لنبش ذلك الأرشيف؟
ولماذا يستطيع شبابنا أن يتوحد لمناصرة الأشقاء ولا يستطيع أن يتوحد لمناصرة أي قضية وطنية مهما كانت أهميتها؟
ولماذا لا يشارك شباب الزنوج في القضايا الوطنية الكبرى ولا يشاركون إلا في القضايا التي يعتقدون أنها تخصهم دون غيرهم؟
وإذا كان من الممكن أن نختلف لأسباب فكرية أو عرقية أو سياسية حول بعض القضايا الوطنية أليست هناك قضايا لا يمكن الخلاف عليها؟
ألا يشكل مثلا نهب ثروتنا السمكية تهديدا مباشرا للشاب الزنجي؟
ألا يتساوى في تلك الكارثة وفي ذلك التهديد الشاب الموريتاني الناصري والشاب الموريتاني البعثي و الشاب الموريتاني الإخواني والشاب الموريتاني التكتلي والشاب الموريتاني التحالفي والشاب الموريتاني الموالي والشاب الموريتاني اليساري و الشاب الموريتاني السنغالي والشاب الموريتاني المغربي والشاب الموريتاني الصحراوي والشاب الموريتاني الكوبي ......؟؟؟؟؟
أليس الشباب الموريتاني بغض النظر عن انتماءاته هو المعني الأول بحماية تلك الثروة؟ وهل يعول الشباب على الأطفال الذين لا يمكنهم الآن أن يفعلوا شيئا لحماية ثروتهم؟ أم يعول على كهول موريتانيا وشيوخها الذين هرم من هرم منهم في الفقر، وهرم من هرم منهم في رغد العيش، وبالتالي لم يعد "تجفيف منابع الاقتصاد" يعني لهم شيئا كثيرا؟
ولِمَ لم يجتمع الشباب حتى الآن حول هذه القضية الوطنية والتي لا يمكن احتكارها فكريا أو سياسيا أو عرقيا لأنها قضية وطنية من المفترض أنها تهم الجميع؟
ألا يشكل إنقاذ الثروة السمكية فرصة نادرة لأن يجتمع الشباب الموريتاني في ميدان واحد؟
ولماذا لا يستطيع الشباب أن يُجمع على حماية ثروات بلده التي تنهب كما أجمع في السابق على مناصرة القضية الفلسطينية مثلا؟
أجيبوني يا شباب يرحمكم الله...
تصبحون على شباب متجدد.....

الأحد، 3 يوليو 2011

أفكار "ثورية" لتجديد فقراء موريتانيا!!!



ماذا لو قرر الرئيس بعد دعوته المبكرة لتجديد طبقة السياسيين، وبعد دعوته المتأخرة لتجديد طبقة المزارعين أن يدعو لتجديد فقراء البلد؟
وماذا لو قرر الرئيس أن يجدد طبقة الفقراء، خاصة منها 47 % التي تعيش تحت خط الفقر، والتي ظلت تحتكر الفقر و تتوارثه "كابرا" عن "كابر"، وفقيرا عن فقير خلال العقود الأخيرة؟ وماذا لو قرر الرئيس أن يحارب الفقر والفقراء، وأن يَحْرُم الفقراء من احتكار "نعمة" الفقر لعقود أخرى؟ وماذا لو قرر الرئيس أن يأتي للفقراء بفقراء جدد تآمرت عليهم الأنظمة البائدة، وحرمتهم من حقهم في الانضمام إلى الأغلبية الفقيرة في هذا البلد ؟ فكان كلما اقترب أحدهم من حمى الفقر، عينته تلك الأنظمة في وظيفة سامية، أو منحته صفقة عمومية ليجد حلمه قد تبدد تماما، فينقلب على عقبيه وهو حاقد على النظام الذي تآمر عليه وحرمه من أن يكون فقيرا.
لقد أصبح تجديد طبقة الفقراء يشكل مطلبا ملحا، وهو سيظل أكثر إلحاحا من مطلب تجديد طبقة السياسيين أو تجديد المزارعين.
ورغم أن الدعوة لتجديد طبقة الفقراء قد تشكل صدمة كبيرة للفقراء الذين انتخبوا الرئيس، والذين لم يكونوا يتوقعون منه أن ينقلب عليهم، ويسلبهم احتكار الفقر بعد أن فشلت الأنظمة السابقة ـ رغم محاربتها العلنية للفقراء ـ في أن تنتزع منهم ميزة احتكار الفقر.
واليوم، ونحن نعيش عصر الثورات، لم يعد مقبولا حرمان أغنياء موريتانيا من الالتحاق بإخوتهم الفقراء، لأن ذلك قد يؤدي إلى زرع الأحقاد، وقد يتسبب في ثورة أغنياء، قد تخلف أضرارا أشد وأخطر من الأضرار التي سببتها ثورة الجياع في عهد "الرئيس المؤتمن". علينا أن ننتصر لأغنياء البلد، قبل أن ينتصروا هم لأنفسهم ويعلنوها ثورة على الفقراء ورئيسهم.
وعلى الفقراء أن يعلموا بأن للأغنياء الحق المطلق في الطموح لأن يكونوا فقراء.
وعليهم أن يعلموا بأن رئيسهم ظل خلال السنوات الثلاث الماضية من حكمه وفيا لهم، ولم يُعرف عنه أنه أقصى أو طرد أي فقير من "نعيم" الفقر إلى "جحيم" الثروة، رغم كل الإشاعات المغرضة للأغلبية الداعمة له، والتي تدعي ـ زورا وبهتانا ـ بأن رئيس الفقراء يحارب الفقر والفقراء.
لم يحارب رئيس الفقراء الفقر بل على العكس بذل جهودا جبارة وحثيثة لكي يوزع "المتاح" من الفقر ـ وما أكثره ـ على جميع الموريتانيين، كما وزع "المتاح" من العدالة ـ وما أقله ـ على جميع الموريتانيين.
لقد ظل رئيس الفقراء منذ وصوله للحكم، يسد أبواب الرزق بابا بابا، ويغلق نوافذه نافذة نافذة، على طريقة "بيت بيت دار دار". وذلك لكي ينعم جميع الموريتانيين بنعيم الفقر، سواء منهم من صوت له في الانتخابات الرئاسية، أو من صوت ضده.
لم يرفع رئيس الفقراء ـ المولع برفع شعارات تجديد الطبقات ـ شعار تجديد الفقراء، لأنه يعلم أن الفقر يختلف عن السياسة وعن الزراعة. فالزراعة لا تستطيع أن تشغل كل الموريتانيين، والسياسة أيضا لا تستطيع ذلك. ومن هنا ـ ولتحقيق المتاح من العدالة ـ جاءت الدعوة إلى ضرورة تجديد الطبقة السياسية وتجديد المزارعين، لكي لا يظل بعض الموريتانيين يحتكر لوحده السياسة أو الزراعة. أما الفقر في موريتانيا الجديدة فإنه يسع جميع الموريتانيين، وإفقار غني ودمجه في حياة الفقراء لا يتطلب بالضرورة ظلم فقير وإخراجه من دائرة الفقر ليحل محله الغني الذي تم إفقاره.
ولأن الأنانية من طبع الفقراء، فقد لا يقبل بعض متطرفي الفقراء أن يدمج معهم الأغنياء. حتى ولو علموا بأن دمج الأغنياء معهم في حياة الفقر لا يعني بالضرورة إخراجهم من تلك الدائرة. أنا شخصيا ومن باب "الإيثار" فإني على استعداد كامل لأن أتنازل عن موقعي في خريطة الفقر لأي غني يريده. مع الاستعداد للاعتذار علنا عن احتكاري لهذا الموقع عقودا من الزمن في الوقت الذي ظل هو فيه يرزح في حياة الترف ودون أن تتيح له الأنظمة المتعاقبة فرصة شريفة للهبوط إلى الموقع الذي كنت ـ ولازلت ـ أحتكره.
وعلى الفقراء أن يعلموا بأن للرئيس الحق الكامل في أن ينقلب عليهم كما انقلب على باقي أغلبيته، وعلى كل داعميه من سياسيين ووجهاء ورجال أعمال ....
فمن حق الرئيس إذا ما فشل في إفقار كل الموريتانيين أن يُجبر بعض الفقراء على ترك عروشهم الخاوية في جمهورية الفقر الجديدة لأقلية غنية استعصى عليه إفقارها في سنواته الثلاث الماضية. وذلك رغم جهوده الجبارة في هذا الإطار. وهي جهود أقدرها للرئيس وأعترف بها رغم أنني من معارضيه.
فليس من العدل أن يحتكر فقير موقعا متميزا في خريطة الفقر لعدة سنوات متتالية في الوقت الذي يوجد فيه غني لم تتح له الفرصة لأن ينعم ـ ولو لأيام معدودات ـ بالحياة مع فقراء الأعماق، أو مع الفقراء الجدد. ولعل من المفارقات الغريبة أننا رغم أننا نعيش في بلد الترحال إلا أن رياح الترحال لم تصل إلى بعض الأغنياء لكي ترحل بهم إلى عالم الفقر، وهي أيضا لم تصل إلى الفقراء لكي ترحل ببعضهم إلى عالم الترف.
لقد أصبح من الضروري أن يحصل الأغنياء المظلومون على تمييز إيجابي يساعد في دمجهم في حياة الفقر النشطة. ويمكن أن يتم ذلك الدمج من خلال زيادة الضرائب أو من خلال حرمانهم من الصفقات العمومية. كما يمكن سن قوانين تجرم توظيف كل من له صلة بهم وتخصيص الوظائف القليلة المتاحة للأسر الأكثر فقرا، والتي تضم أكثر من ثلاثة عاطلين عن العمل من حملة الشهادات. وفي هذه الجزئية يمكن الاستفادة من التمدرس الإجباري الذي كان يفرضه المستعمر الفرنسي لإجبار بعض الأسر على تعليم أبنائها في مدارسه. فعلى رئيس الفقراء أن يفرض "التوظيف الإجباري" على الأسر الأكثر فقرا حيث يفرض على كل أسرة فقيرة تضم على الأقل ثلاثة من العاطلين عن العمل التضحية بأحد أبنائها، وتقبل توظيفه للحد من احتكار أسر بعينها لمقاعد دائمة في خريطة الفقر، في الوقت الذي توجد فيه أقلية غنية محرومة من ولوج حياة الفقر التي تنعم فيها غالبية الشعب الموريتاني.
لقد أصبح من اللازم أن تشعر الأقلية الغنية في هذا البلد بأنها ليست مهمشة، و بأن هناك تمييزا إيجابيا لصالحها سيمكنها من الالتحاق ـ في القريب ـ بأغلبية الشعب الموريتاني القابعة تحت خط الفقر.
وعلى حكومة التراكمات أن تسارع في إفقار القلة الباقية من المجتمع، وذلك من خلال التمييز الإيجابي لصالح الأغنياء، طبقا للتعليمات السامية لرئيس الجمهورية والهادفة لإفقار كل الشعب الموريتاني. وعليها أن تكون حذرة حتى لا يخدعها بعض الفقراء الذين قد يتظاهرون بأنهم أغنياء سعيا للاستفادة من التمييز الإيجابي، الذي يجب أن يتم تطبيقه بشكل شفاف، حتى لا يستفيد منه إلا غني استطاع أن يثبت بأنه لم ينعم بالفقر يوما واحدا خلال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل.
ففقراء البلد قد يتحولون جميعا إلى أغنياء يعيشون كما يعيش الأغنياء، إذا ما علموا بأن هناك تمييزا إيجابيا لصالح الأغنياء. وربما تكون تلك هي الطريقة الوحيدة المتاحة للقضاء على الفقر في موريتانيا، على الأقل ظاهريا.
إن التجارب السابقة أثبتت أن المواطن الموريتاني الفقير بإمكانه أن يكون غنيا إذا ما أراد، والغني أيضا بإمكانه أن يكون فقيرا في مواسم توزيع القطع الأرضية، أو أثناء توزيع لحوم الأضاحي القادمة من السعودية، أو حتى في أوقات توزيع أسماك زهيدة. ومن هنا فلا بد من الحذر حتى لا ينحرف التمييز الإيجابي عن أهدافه النبيلة فيستفيد منه الفقراء المتحايلون بدلا من الأغنياء المهمشين.
إن السلوك الغريب للمواطن الموريتاني قد فند "نظرية النصف"، و التي وإن كانت نظرية صحيحة عدديا إلا أنها خاطئة في جوهرها.
تقول نظرية النصف ـ والتي لن تسمعوا بها عند غيري ـ إن نصف الشعب الموريتاني أمي وتقول إن النصف الآخر ليس بالأمي. ولكنكم عندما تتأملون سلوك النصف المتعلم فستعلمون أن نظرية النصف غير دقيقة، فسلوك النصف المتعلم لا يختلف عن سلوك النصف الجاهل.
وتقول هذه النظرية إن نصف الشعب الموريتاني يعيش تحت خط الفقر أي أن بطونه جائعة، أما النصف الثاني فهو ليس بالجائع حسب هذه النظرية . والحقيقة أن النصف الثاني أكثر جوعا من النصف الأول، لأن قلوبه هي الجائعة وليست بطونه. ولتأكيد ذلك فيكفي أن نتأمل أي طابور أمام أي متجر من متاجر التضامن فسنجد أن أصحاب القلوب الجائعة يأتون دائما قبل قدوم أصحاب البطون الجائعة.
وتقول نظرية النصف إن نصف الشعب الموريتاني مفسد، وكأن النصف الثاني هو نصف صالح. والحقيقة أن الفساد محمول في جينات النصف الثاني، ولا يحول بين "النصف الصالح" والفساد إلا سوء الحظ أوحسنه، لا أدري أي العبارتين تناسب المقام.
وتقول النظرية أيضا بأن نصف الشعب الموريتاني تجار، وتنسى أن نصفه الآخر مشاريع تجار.
وتقول كذلك نظرية النصف إن نصف الشعب الموريتاني موال بالعلن، ومعارض في السر. وتنسى تلك النظرية أن نصف الشعب الآخر معارض في العلن، وموال في السر.
إن تلك الخصوصية الموريتانية تستدعي من حكومة التراكمات أن تكون يقظة جدا، عندما تبدأ في تطبيق قانون التمييز الإيجابي لصالح الأغنياء ، وعليها أن تتعامل مع ذلك القانون بنفس الحماس الذي طبقت به حرفيا برنامج رئيس الجمهورية الانتخابي الهادف إلى إفقار كل الشعب الموريتاني بغض النظر عن القبيلة أو الجهة أو العرق أو الانتماء السياسي.
تصبحون على تمييز إيجابي لصالح الأغنياء...

الأربعاء، 29 يونيو 2011

تعليق سريع على بيان مثير



طالعت للتو بيان الاتحاد من أجل الجمهورية الذي رد فيه على بيان سابق لاتحاد قوى التقدم، والذي كان ـ هو بدوره ـ قد نشر بيانا سابقا، يرد فيه على بيان سابق للاتحاد من أجل الجمهورية.
إن قراءتي السريعة لهذا البيان جعلتني أخرج بملاحظات سريعة ارتأيت أن أقدمها ـ "خاما" ـ للسادة القراء.
لقد أصبح من المؤكد بأن هناك في الأغلبية من يريد أن يُفشل للحوار، ونحن هنا أمام احتمالين:
الاحتمال الأول : أن يكون الرئيس نفسه يسعى لإفشال الحوار، ومع أن ذلك قد يكون محتملا إلا أنه سيبقى مستبعدا، خاصة وأنه كان في وقت سابق قد أعلن بأنه مستعد لأن يتحاور في كل شيء بما في ذلك الحوار حول انتخابات مبكرة. وإذا كان الرئيس يسعى لإفشال الحوار فربما يكون قد أعطى "تعليماته السامية" للأغلبية، وللاتحاد خصوصا، أثناء اجتماع الأمس بأن يتولى الاتحاد تلك المهمة، وبالتالي فإن بيان الاتحاد قد يكون تمهيدا ـ وطبقا للتعليمات السامية ـ لصياغة رد سلبي للأغلبية سيعلن عنه قريبا.
مشكلة هذا الاحتمال أنه يتناقض مع الكثير من المعطيات لعل من أهمها أن الرئيس هو أكبر مستفيد من الحوار في هذا الوقت، نظرا لتصاعد الاحتجاجات وتناميها سواء كانت نقابية، أو شبابية، أو شعبية لذلك فمن المستبعد أن يعطي في مثل هذا الوقت تعليمات من هذا النوع.
ولقد قلت سابقا، في تعليق سريع، على خطاب نائب الجمعية الوطنية الذي افتتح به الدورة الحالية، أن هناك تحالفا جديدا قد ينشأ بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية، وإن كلا الرجلين قد يقدم تنازلات وتضحيات كبيرة لصالح الطرف الآخر. وقلت وقتها إن زعيم التحالف قد يضحي بالمعارضة من أجل هذا الحلف الجديد، وهو ما كاد أن يحدث في الأيام الماضية. وقلت ـ كذلك ـ بأن الرئيس قد يضحي بأغلبيته من أجل هذا الحلف الجديد وهو ما يقودنا للاحتمال الثاني.
الاحتمال الثاني : أن يكون حزب الاتحاد من أجل الجمهورية هو الذي يسعى لإفشال الحوار بعد أن أصبح يشعر بمضايقة "الضيف الثقيل" والذي يمثله هنا التحالف الشعبي ، فالتحالف لن يرضى بأن يكون مجرد ضيف ينتظر ما سيقدم له، بل إنه سيحاول أن يحشر نفسه في المطبخ، ويحدد ـ بالتالي ـ ما يجب أن يقدم لــ"أبناء الدار" وعلى رأسهم الابن الأكبر ( الاتحاد من أجل الجمهورية) الذي أصبح يشعر بأنه لم يعد هو الابن المدلل، خاصة بعد أن يولد التوأمين السياميين (حزب العصر وحزب الغد).
وهذا الاحتمال تدعمه عدة نقاط من أهمها:
1 ـ اختيار التوقيت : إن نشر هذا البيان في مثل هذا اليوم، أي بعد يوم واحد من اجتماع الرئيس بالأغلبية، وقبل إعلان رد الأغلبية على الحوار ليؤكد بأن الاتحاد يسعى فعلا لعرقلة الحوار، وهو يعلم بأن اتحاد قوى التقدم سيرد قريبا وبلغة أقسى، فاتحاد قوى التقدم يسعى بدوره لإفشال الحوار، وسيرتاح لهذا البيان لأنه سيمنحه فرصة الرد في مثل هذا الوقت الهام. وإذا ما أضفنا إلى هذا البيان، البيان السابق للاتحاد من أجل الجمهورية، والذي جاء مباشرة بعد إعلان المعارضة لقبولها للحوار، والذي كانت أيضا لغته قاسية، فإن البيانيين وتوقيتهما ليؤكد بأن هناك شيئا ما يطبخه الاتحاد من أجل الجمهورية في مطابخه الخلفية.
2 ـ إن مطالبة زعيم التحالف للاتحاد من أجل الجمهورية بأن يسعى بشكل جاد إلى الحوار خلال مهرجانه ليوم أمس في تجكجة ليوحي بأن زعيم التحالف بدأ يستشعر بوجود عدم رغبة في الحوار من طرف الاتحاد من أجل الجمهورية.
3 ـ إن محاولة الاتحاد في بيانه للتذكير ببعض أوجه الخلاف بين أحزاب المعارضة، وإشارته الصريحة لبعض الانتقادات الموجهة لاتحاد قوى التقدم في وثيقة التحالف الأخيرة المعنونة ب :"كيف ومتى يكون الموقف صحيحا؟" لم يكن الغرض منه انتقاد قوى التقدم، وإنما كان من أجل إفشال مساعي "مسعود" الأخيرة الهادفة للتصالح مع بقية أحزاب المعارضة. فزعيم التحالف عندما جر المنسقية لقبول الحوار بادر إلى الاعتذار لأحزاب المعارضة عن بعض الانتقادات التي صدرت منه خلال الأيام التي سبقت قبول المنسقية للحوار، لذلك فقد حاول البيان أن يذكي من جديد الخلافات بين قادة المعارضة لعلك ذلك يساعد في إفشال الحوار.
4 ـ إن إصرار المعارضة على الحوار مع الرئيس كطرف، وليس مع أغلبيته التي لا تشكل ـ حسب المعارضة ـ شريكا مؤهلا للحوار، مع تجاهل الرئيس وتهميشه لهذه الأغلبية، في ظل تصاعد الهجرة المعاكسة من الأغلبية إلى المعارضة. كل ذلك قد يشجع الاتحاد إلى عرقلة الحوار الذي لن يحقق له مكاسب سياسية في ظل الظرفية الحالية.
وإذا كان الاحتمال الثاني واردا، فذلك يعني بأننا سنكون أمام مواقف مثيرة في الأيام المقبلة، ربما نعيش خلالها فصلا جديدا من فصول موريتانيا الجديدة، فربما تتحول الأغلبية إلى معارضة جديدة، وذلك بعد أن أصبحت هذه الأغلبية تشعر بأن الكل يدفعها إلى أن تكون معارضة، خاصة رئيس الجمهورية الذي أصبح يستمع لزعيم التحالف أكثر من استماعه لأغلبيته مجتمعة أو منفردة.

السبت، 25 يونيو 2011

سامحونا أيها الشهداء...



سامحونا إن لم نودعكم يوم رحيلكم إلى أرض المعركة...
سامحونا فقد كنا نستمع لأزوان في تلفزيوننا " الوطني"...
وسامحوننا إذا لم نتابع بطولاتكم وتضحياتكم في أرض المعركة...
سامحونا فقد كنا نستمتع بمواصلة الاستماع إلى "أزوان" ومتابعة وثائقيات " ترانستل" ...
وسامحونا إذا انشغلنا عنكم يوم استشهادكم بالاستماع إلى " أزوان" الصباح، و"أوزان" الزوال، و "أزوان" المساء...
فما نحن إلا نحن ... وما تلفزيوننا إلا تلفزيوننا..وما نخبنا إلا نخبنا..
سامحونا إن تحدث تلفزيوننا عن بطولات " لخمير الحمر" ولم يتحدث عن بطولاتكم ...
وسامحونا إن نقل لمشاهديه كل معارك العالم ولم ينقل لنا معارككم المجيدة...
وسامحونا إذا لم نستقبلكم بالدموع وبالزغاريد..
سامحونا فقد حاربتم خلسة، واستشهدتم خلسة، وعدتم خلسة، ودفنتم خلسة في باطن الأرض التي ضحيتم بأرواحكم من أجلها..
وسامحونا لأننا لم نجعل من عودتكم إلى أرض " الوطن " حدثا عظيما ...
واعذرونا إن حرمنا أطفالكم من أن يرفعوا رؤوسهم يوم عودتكم شهداء إلى أرض "الوطن"...
وسامحونا إن شعر أطفالكم بأنهم ليسوا كأطفال الشهداء في أي بقعة من هذا العالم...
سامحونا فأنتم لم تستشهدوا من أجل القبيلة حتى نخلد ذكراكم..
وسامحونا فأنتم لم تموتوا دفاعا عن الايدولوجيا حتى نتغنى عليكم..
سامحونا فقد ضحيتم في سبيل الوطن... ونحن يهمنا كل شيء إلا الوطن...
سامحونا إذا خذلتكم صحافتنا المستقلة... وسامحونا إذا ما روجت ـ وأنتم تقاتلون ببسالة ـ لمصدر عسكري مجهول له مآرب كثيرة فيما يقول...
سامحونا إذا ما تحدثنا عن المعركة وكأنها تدور في بلد آخر...

وسامحونا إن بخلنا عليكم بنون وألف..
سامحونا إذا تحدثنا عن الجيش الموريتاني ولم تتحدث عن جيشنا...
وسامحونا إذا قلنا عنكم قتلى الجيش الموريتاني وشهداء الجيش الموريتاني..
سامحونا إذا لم نستطع أن نقول جيشنا ولا أن نقول شهداءنا..
سامحونا فنحن نستطيع أن ننتسب لكل شيء ... إلا لوطن يجمعنا ..
سامحونا إذا لم نسميكم بأعز الناس، وأشرف الناس، وأنبل الناس...
سامحونا فأنتم لم تستشهدوا في سبيل لبنان.. سامحونا فقد استشهدتم من أجل موريتانيا..
وسامحونا فتلزيوننا " الوطني" ليس كالمنار .. وصحافته ليست كصحافة المنار..
وسامحوننا فليس فينا " نصر الله " ليخاطبكم بأشرف الناس، وأعز الناس، وأطهر الناس..
وسامحونا فقصائد شعرائنا محجوزة لشهداء فلسطين، والعراق، والصومال، وافغانستان، والشيشان..
فسامحوننا إن لم نستقبل استشهادكم بقصيدة..
وسامحوننا إن لم نخلد ذكراكم بقصيدة..
وسامحوننا إذا بخلت عليكم معارضتنا " الوطنية " الناصحة والناطحة ببيان...
وسامحونا إذا ما انشغلت بتدارس الموقف، و تباطأت بإصدار بيانات ورقية، عندما أسرعتم أنتم بالتضحية بأرواحكم...
سامحونا فأنتم لستم شهداء غزة، ولا مارون الراس، ولا الفلوجة، ولا قندهار حتى نسارع ـ وبإجماع ـ للوقوف معكم...
سامحونا...
أرجوكم سامحونا..
فقد خذلناكم يوم حاربتم من أجلنا..
وخذلناكم يوم استشهدتم من أجلنا..
وخذلناكم يوم عدتم إلينا أجسادا هامدة..
سامحونا...
أرجوكم سامحونا..
سامحونا فمن يدري..؟ فربما يخرج من أصلابنا من يقدر لكم تضحياتكم..
تصبحون على وطن يقدر التضحيات...
ملاحظة : لم أكن أرغب في أن أعيد نشر مقال كنت قد نشرته منذ تسعة أشهر عقب معركة حاس سيدي، لم أكن أرغب في ذلك خاصة في هذا الأسبوع الذي كتبت فيه مقالين وكنت مترددا في أيهما أنشره، ولكن بعد معركة وغادو وجدتني مضطرا لأن أعيد نشر هذا المقال، دون أي تعديل، فالليلة لا تختلف عن البارحة على الأقل في تلفزيوننا الذي استقبل سقوط شهداء ببرنامج غنائي جديد اسمه هذه المرة "صوت الوطن".

السبت، 18 يونيو 2011

إني أشعر بالعار!!!



إني أشعر بالعار لأن عشرات الآلاف من التلاميذ في بلدي لم يتذوقوا طعم سمك بلادهم لأنهم يسكنون بعيدا عن المدن الموريتانية القليلة التي يتوفر فيها السمك، ومع ذلك فهم يفتخرون بأن شواطئ بلدهم تعد من أغنى شواطئ العالم بالسمك...
إني أشعر بالعار لأن الآلاف من التلاميذ الموريتانيين، الذين لم يتذوقوا طعم السمك وهم صغار، لن توفر لهم شواطئ بلدهم الغنية وظائف عندما يصبحون كبارا. وسيزداد الوضع سوءا، بالنسبة للصغار والكبار معا، مع تنفيذ بنود "الاتفاقية الكارثة" مع الشركة الصينية.
إني أشعر بالعار لأن قطاع الصيد في المغرب ـ ونحن نحب المقارنة بالدول المجاورة ـ يشغل مليون عامل، وفي السنغال ستمائة ألف عامل، وفي موريتانيا ـ وهي الأكثر سمكا ـ لا يشغل هذا القطاع، إلا ستين ألف عامل، هذا إذا ما اعتمدنا على أعلى التقديرات المعلنة...
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلادي ـ في ظل هذه الوضعية المزرية ـ وقعت على اتفاقية صيد مع شركة صينية معروفة بتجارة الأسلحة أكثر من تجارة السمك...
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلادي وقعت على اتفاقية يمتد عمرها 25 سنة مع شركة يثار حولها الكثير من الجدل، ولا وجود لها حتى في العالم الافتراضي، ولا تملك موقعا الكترونيا خاصا بها، في عصر أصبح متاحا فيه للبائع في دكاكين التضامن أن يؤسس موقعا الكترونيا لدكانه.
إني أشعر بالعار لأن وزيرا في حكومة بلادي وصف "الاتفاقية الكارثة" بأنها "اتفاقية تاريخية" ستشكل ثورة في مجال التنمية.
إني أشعر بالعار لأن وزير الصيد لم ينطق بكلمة واحدة أثناء نقاش "الاتفاقية الكارثة"، وكأنه ليس وزيرا للصيد، أو كأن الاتفاقية ليست في مجال الصيد، وإنما في مجال توريد الأسلحة والذي هو التخصص العلني لهذه الشركة.
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلدي ستضحي بأربعين ألف وظيفة في الصيد التقليدي، من أجل توفير ألفين وخمسمائة وظيفة تعهدت بها الشركة الصينية، واشترطت لمنحها الكثير من الشروط...
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلادي ستسمح للصينيين بممارسة أنماط من الصيد يحرمها الصينيون في بلدهم، وتحرمها أغلب بلدان العالم، ومع ذلك نشرعها نحن للصينيين في "الاتفاقية الكارثة"، عفوا "الاتفاقية التاريخية".
إني أشعر بالعار لأن شعب بلادي المسكين والذي سيكون أول متضرر من هذه "الاتفاقية الكارثة"، هو الذي انتخب نواب الأغلبية الذين صوتوا عليها، وهو الذي قد ينتخبهم أو ينتخب نوابا من طينتهم في البرلمان القادم...
إني أشعر بالعار لأن نواب الأغلبية لم يستغلوا الفرصة الثمينة التي أتيحت لهم، ولم يصوتوا ضد "الاتفاقية الكارثة"، لكي يختموا مأموريتهم في البرلمان بعمل صالح يكفرون به عن "كبائرهم" الكثيرة التي ارتكبوها خلال السنوات الخمس الماضية...
إني أشعر بالعار لأن أغلبية الأغلبية البرلمانية لازالت عاجزة أن تتخيل بأنها منتخبة من طرف الشعب، ولازالت تقلل من شأنها، وتعتقد بأنها مجرد مجموعة من الموظفين الصغار لدى الحكومة وأن عليها أن تصفق، وبابتذال، للحكومة...
إني أشعر بالعار لأن هناك نائبا في بلدي لا يقلقه في هذه الدنيا إلا أن تهاجر أسماكنا إلى بحار ومحيطات جمهورية مالي...
إني أشعر بالعار لأننا لم نتعلم من اتفاقية "وود سايد" ولا زلنا نسمح بملحقات، ونوقع على اتفاقيات لها ملحقات لا نعلم ما فيها.
إني أشعر بالعار لأنه لن يكون بإمكاننا طيلة ربع قرن كامل أن نتخذ قرارا سياديا فيما يتعلق بثروتنا البحرية...
إني أشعر بالعار لأننا ـ بعد انقلابين و انتخابات رئاسية نظمت مرتين ـ وقعنا على اتفاقية رفض الرئيس الأسبق "معاوية" ولأسباب سيادية التوقيع على اتفاقية أقل ضررا منها وأعظم فائدة. وهي اتفاقية كنا سنحصل بموجبها ـ وهذا ليس مجرد كلام ـ على المليارات دون إهدار أي ثروة. لقد رفض "معاوية" مشروع اتفاقية مع اليابان تحصل الحكومة الموريتانية بموجبه على المليارات مقابل التنازل عن قطعة أرضية لليابانيين ـ قد تكون أقل مساحة من القطعة المتنازل عنها للصينيين ـ لكي يشيدوا عليها مدينة لعجائزهم الذين ضاقت عليهم ـ أو بهم ـ الأراضي اليابانية...
إني أشعر بالعار لأن هذه الاتفاقية ستوقع في نسختين أصليتين باللغة الفرنسية لهما نفس الحجية القانونية، فلا نسخة بالعربية التي يقال زورا أنها هي لغتنا الرسمية، ولا نسخة باللغة الصينية التي هي لغتهم...
إني أشعر بالعار لأن هذه الاتفاقية ستسمح للصينيين باستيراد كل شيء من خارج البلد، ولا تلزمهم بشراء أي شيء من السوق المحلية. و سيعفى من الرسوم الجمركية ـ بموجب هذه الاتفاقية ـ كلما يستورده الصينيون من آلات وسيارات وطعام وشراب في الوقت الذي بلغت فيه الرسوم الجمركية نسبا عالية على أطعمتنا التي نقتات عليها، والتي قد يختفي منها السمك نظرا لأن الشركة الصينية سيسمح لها بشراء السمك من الشواطئ الموريتانية بحجة تصنيعه....
إني أشعر بالعار لأني أعلم يقينا بأن الصينيين والذين هربوا أسطولا من السفن في الليلة التي كان من المفترض أن يسلموه في صباحها للحكومة الموريتانية، لن يتورعوا عن تجاوز بنود هذه الاتفاقية المجحفة أصلا، ولن يجدوا في إدارتنا ـ للأسف الشديد ـ من يحول بينهم وبين تلك التجاوزات...
إني أشعر بالعار لأني أعلم بأن الصينيين ـ والذين منحت لهم هذه الاتفاقية امتيازات واسعة ـ سيطردون في وقت وجيز أغلب المستثمرين الوطنيين من قطاع الصيد، وبسرعة أكبر من السرعة التي طردوا بها المقاولين المحليين من قطاع البناء، والذين طردوهم ـ بسرعة لافتة ـ رغم أنهم لم يُمنحوا امتيازات في قطاع البناء تميزهم عن غيرهم.
إني أشعر بالعار لأن هناك أطفالا ولدوا مع ميلاد هذه "الاتفاقية الكارثة"، عفوا "التاريخية"، سيبدؤون التعلم في المدارس والاتفاقية لا زالت سارية، وسيتخرجون وهي لا زالت سارية، وقد لا يجدون وظائف نتيجة للآثار السلبية التي ستخلفها هذه "الاتفاقية الكارثة"...
إني أشعر بالعار لأن من بين أولئك الأطفال من سيلعن الحكومة الموريتانية، ويلعن البرلمان الموريتاني الذي صادق على الاتفاقية، ويلعننا نحن عامة الناس، لأننا لم نفعل شيئا من أجل إلغائها.
إني أشعر بالعار لأن هذه الاتفاقية لم تلتزم ـ في سابقة من نوعها ـ باحترام القوانين المنظمة للصيد في موريتانيا..
إني أشعر بالعار لأنه في الوقت الذي تُغْلق فيه مصانع دقيق السمك في العالم، فإن هذه الاتفاقية ستسمح للصينيين بإنشاء مصانع لدقيق السمك، دون قيود بيئية، ودون إلزامهم باستخدام بقايا الأسماك، وهو ما يعني أن كل طن من دقيق السمك سيكلف أربعة أطنان من السمك الطازج، وهو ما سيشكل نهبا خطيرا لثروتنا السمكية...
إني أشعر بالعار لأنه في الوقت الذي تتراجع فيه الرخص الممنوحة لصيد الأعماق لحماية ما تبقى من ثروتنا السمكية، ستمنح لشركة صينية مجهولة 15 رخصة للصيد في الأعماق...

إني أشعر بالعار لأني لم أفعل شيئا في سبيل إيقاف تبديد ثروة بلدي، وأشعر بالعار لأني لا زلت أكتفي بالتفرج وكأن الثروة المهددة ليست ثروتي، وليس لي فيها نصيب يجب علي أن أحميه، وأن أدافع عنه بكل السبل والوسائل المتاحة...

تصبحون ونواب أغلبيتكم يسبحون في بحار جمهورية مالي الشقيقة...

الأحد، 12 يونيو 2011

اغتيال الفرص



لا أعتقد أن هناك بلدا أضاع رؤساؤه وساسته ومثقفوه ومواطنوه العاديون من فرص التغيير مثل ما أضعنا نحن. لقد مرت بنا فرص عديدة للتغيير، وكنا دائما نُسَخر لتلك الفرص من يطلق عليها "رصاصة الرحمة"، و يغتالها وهي لازالت في مهدها. ففي مرات كان الرئيس يتكفل بإطلاق الرصاصة القاتلة، وفي مرات أخرى كان المجتمع يقيض لها زعيما سياسيا يغتالها، منفردا في بعض الأحيان، وبمشاركة من المجتمع في أحايين أخرى، ليضيع بذلك هدرا "دم" الفرصة التي تم اغتيالها.
هي إذن فرص عديدة تم اغتيالها، سأحاول ـ تمشيا مع آخر صرعة في "موريتانيا الجديدة" ـ تحديد خريطة طبوغرافية لأماكن دفنها، مع نبش بعض القبور، التي دفنت فيها تلك الفرص، وذلك لتحديد الجناة الحقيقيين، الذين ارتكبوا تلك الجرائم البشعة، فاغتالوا فرصا بريئة ومسالمة بدم بارد.
ونظرا لصعوبة إعداد خريطة طبوغرافية لكل ضحايا الفرص التي تم اغتيالها منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، نظرا لصعوبة ذلك، فإني سأكتفي هنا بنبش قبور الفرص التي تم اغتيالها بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة لفرسان التغيير، والتي تمر علينا ذكراها الثامنة في هذه الأيام.

(1)
في يوم الثامن من يونيو من العام 2003 ظهرت فرصة للتغيير بعد طول انتظار، لم تكن ملامح تلك الفرصة واضحة تماما، وذلك لأن من دفع بتلك الفرصة إلى الظهور، لم يكن قد بلور مشروعا واضحا للتغيير، وهو ما سيظهر أثناء المحاولة الانقلابية نفسها، والتي بدا فيها الكثير من الارتجال، رغم أن القادة الشجعان لتلك المحاولة الانقلابية قالوا بأنهم خططوا لها قبل ذلك بمدة غير قصيرة، إنه التخطيط للارتجال.
وسيظهر جليا عدم وضوح الرؤية في المشروع التغيري للفرسان بعد انقلاب الثالث من أغسطس، حيث تشتت الفرسان بسرعة رهيبة بين التشكيلات السياسية، رغم أن طائفة كبيرة من الموريتانيين تعاطفت معهم، واستقبلتهم بحفاوة، وكانت على استعداد لمناصرتهم ولدعمهم، وذلك قبل أن تكتشف بأن الفرسان لا يختلفون عن غيرهم من الطبقة السياسية، حيث تطغى المصلحة الشخصية على المصلحة العامة في العمل السياسي.
ورغم أن ملامح فرصة الثامن من يونيو لم تكن واضحة تماما بسبب عدم وضوحها في أذهان من قادوها، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأن الشعب الموريتاني هو الذي اغتال تلك الفرصة، لأنه ظل يتفرج ليوم أو ليومين كاملين على ما يجري في البلد من أحداث عظيمة، وكأنه ليس معنيا بها.

(2)
في يوم 25 من مارس 2007 تم إطلاق رصاصة طائشة على فرصة للتغيير واضحة الملامح، هذه المرة. وكانت من أكثر الفرص وضوحا وبروزا. ففي ذلك اليوم فوجئ الموريتانيون بزعيم عرفوه يخلق الفرص ولا يغتالها، فوجئوا به يخرج سلاحه ( شعبية متماسكة جدا في ذلك الوقت) ثم يصوبه وسط استغراب وذهول الجميع، صوب الفرصة النادرة التي ظهرت في ذلك اليوم.
كان المشهد مرعبا ومفزعا بل ومقززا لأنه جاء من مناضل كبير، كانت تعد "صغائره" القليلة "كبائر" لمكانته عند الناس، فإذا به في ذلك اليوم يفاجئ الجميع بارتكاب كبيرة سياسية، ربما تكون من أكبر الكبائر السياسية التي ارتكبت في حق ديمقراطيتنا الفتية.
حاول البعض أن يبرر عملية الاغتيال تلك التي تمت بدم بارد، بحجج واهية، فادعى أن رئيس التحالف كان مجبرا على ذلك، لأنه كان يعلم أن المجلس العسكري سينقلب على نتائج الانتخابات، إذا ما فاز خصم المجلس في الشوط الثاني. والحقيقة أن المجلس لم يكن في ذلك الوقت على قلب عقيد واحد، ولم يكن بإمكانه إطلاقا أن ينقلب على النتائج، مهما كانت طبيعتها، لأن المجلس منقسم، ولأن العالم في تلك اللحظة كان يتابع الانتخابات عن قرب، وكان يهمه كثيرا نجاح تلك التجربة الفريدة من نوعها في ذلك الوقت.
وحتى ولو افترضنا جدلا بأن المجلس العسكري كان سينقلب على النتائج، فذلك لم يكن مبررا للتصويت لمرشحهم. كان على رئيس التحالف أن يمنح صوته لشريكه في المعارضة، وليحدث بعد ذلك ما يحدث.
لقد كان على كفتي الميزان، رجلان يتشابهان في أشياء كثيرة، فهما يتقاربان في السن، وبنفس المؤهلات العلمية تقريبا، وبنفس الخبرات، وعلى نفس الدرجة من الالتزام الديني، وإن كان أحدهما يتميز عن الآخر بأنه لم يكن وزيرا في عهد ولد الطايع، وليست في سيرته فضيحة كبيرة لم تتكشف لنا ـ حتى الآن ـ كل تفاصيلها.
أحد الرجلين ضحى بسنوات طويلة من عمره و جهده وعرضه. فسُجِن عدة مرات، وساهم ـ بشكل أو بآخرـ في سقوط نظام ولد الطايع، وهو بذلك كان يستحق أن يترشح للرئاسة، بل وكان يستحق ـ في ذلك الوقت ـ الفوز بها. أما الرجل الثاني فلم يبذل جهدا حتى ولو كان جهدا يسيرا، في سبيل التحول الديمقراطي، وإنما ظل يتفرج من بعيد على تضحيات الآخرين، وانتظر حتى اكتمل كل شيء تقريبا، فجاء ليربك المشهد، وليترشح لمنصب الرئاسة مختطفا بذلك ثمار تضحيات الآخرين. والمصيبة أن ترشحه كان باقتراح وبدعم من بعض أعضاء المجلس العسكري، وهو ما شكل تهديدا لمسار ديمقراطيتنا الفتية ( ولقد اتضح ذلك فيما بعد).
المهم أنه في ذلك اليوم كان كل شيء في منتهى الوضوح، ولم يكن هناك أي منطق يبرر ـ إذا ما استثنينا المصالح الخاصة ـ لزعيم التحالف اغتيال تلك الفرصة النادرة حقا.
وبعد ذلك وفي أقل من سنتين، وفي يوم السادس من أغسطس تحديدا، سنجد أن مهمة الاغتيال سيتكفل بها هذه المرة زعيم المعارضة، في تآمر غير معلن لشيخي المعارضة على اغتيال الفرص المتاحة للتغيير. ويومها سيضطر زعيم التحالف لأن ينزل من جديد إلى ساحات النضال التي تعرفه ويعرفها. ولكن قبل نبش قبر الفرصة التي اغتالها زعيم التكتل، دعونا ننبش قبر فرصة أخرى، تم اغتيالها قبل ذلك، وإن كانت عملية الاغتيال في تلك المرة لم تكن مفاجئة، كما كانت عمليات الاغتيال التي سبقتها.

(3)

فجأة وجد "المرشح المؤتمن" نفسه رئيسا للبلاد، دون أن يبذل في سبيل ذلك جهدا مذكورا. ومن المفارقات اللافتة، أنه حصل على شرعية وطنية ودولية غير مسبوقة، لم يحصل عليها رئيس من قبله، ولم يحصل عليها الرئيس الذي جاء من بعده.
كانت هناك فرصة غير مسبوقة لأن يقود "الرئيس المؤتمن" تغييرا جذريا في هذه البلاد المتعطش شعبها لتغيير حقيقي.
ولكن الرئيس المؤتمن اغتال تلك الفرصة النادرة، لم يطلق عليها "رصاصة الرحمة"، كما كان يحدث في السابق، بل ظل يخنقها ويخنقها بهدوء ووقار، حتى سقطت ميتة ذات أربعاء مثير من شهر أغسطس الحبلى أيامه بالإثارة. ولقد وافق ذلك الأربعاء صبيحة السادس من أغسطس من العام 2008.
ظل "الرئيس المؤتمن" يتصرف وكأنه يستمد شرعيته من مزاج الضابطين اللذين بذلا جهودا جبارة في فوزه، فظل يتعامل معهما بطيبة كبيرة. وكان يتنازل لهما شيئا فشيئا عن صلاحياته، وبعد أن سلمهما كل صلاحياته، ولم يعد لديه ما يفعله، قرر أن يقيلهما دفعة واحدة، بل وأن يقيل معهما ضباطا آخرين.
وفي الليلة التي أعقبت إقالة الجنرالات لم يتمكن الكثير من الموريتانيين من النوم، بسبب البشاعة والعجرفة التي تم بها دفن "الفرصة المؤتمنة". لقد كان الجميع قلقا على مستقبل البلد، ولكن "الرئيس المؤتمن" في تلك الليلة ـ وحسب ما صرح به بعد ذلك لقناة الجزيرة ـ قرأ شيئا قليلا من الشعر، ثم غط بعد ذلك في نوم عميق، وكأن شيئا لم يحدث.
بعد ذلك أظهر "الرئيس المؤتمن" إرادة قوية، وظل يرفض الاستقالة حتى تم توقيع اتفاق دكار. ولو أن "الرئيس المؤتمن" أظهر قبل الانقلاب ربع أو خمس أو سدس ما أظهره بعد الانقلاب من تصميم وإرادة، لما ماتت الفرصة التي تم منحها له مخنوقة، ولما حدث ما حدث.

(4)

في صبيحة السادس من أغسطس اتجهت أنظار الموريتانيين إلى زعيم التكتل، فقد كانت كلمته في ذلك اليوم هي وحدها التي ستحسم الصراع، الذي تفجر بسبب الخصام بين حلفاء الأمس.
وكان على زعيم التكتل في ذلك اليوم أن يكون في صف الرئيس المنقلب عليه، كانت الحكمة تقول ذلك، وكانت الأخلاق تقول ذلك، وكانت الديمقراطية تقول ذلك، وكان المنطق يقول ذلك، وكانت المصلحة الشخصية لرئيس التكتل نفسه تقول ذلك. توقع الناس أن زعيم التكتل سيعمل على وقف صعود الجنرال، دون أن يمكن "الرئيس المؤتمن" من العودة لإكمال سنواته الثلاثة وأشهره الستة المتبقية من مأموريته. لقد كان بإمكان زعيم المعارضة في ذلك اليوم أن يقول بالعربي الصريح والفصيح لا الانقلاب، ونعم لعودة مشروطة للرئيس المؤتمن، ينظم خلالها انتخابات رئاسية مبكرة.
في ذلك اليوم، لم يتردد زعيم التكتل، ولو قليلا، وإنما أخرج سلاحه، ثم صوبه في اتجاه فرصة السادس من أغسطس، وأطلق عليها رصاصة قاتلة. كان مشهد عملية الاغتيال تلك مثيرا للاشمئزاز وللغثيان أيضا. ظل زعيم التكتل يتفرج على الفرصة وهي تتخبط في دمائها، حتى إذا ما لفظت "أنفاسها الأخيرة"، وتوقفت نهائيا عن الحركة، ولم يعد بالإمكان نفخ الروح فيها، خرج على الناس وقال لهم إنا على الجنرال لغاضبون، ولانقلابه لمعارضون.

(5)
في يوم الخامس من أغسطس من العام 2009، وفي الملعب الأولمبي تحديدا، تابع الموريتانيون لقطة فريدة ومثيرة، وسيتابعون بعد عام من ذلك، لقطة أخرى لا تقل إثارة عن لقطة الملعب الأولمبي.
ففي يوم الخامس من أغسطس من العام 2009 سلم "رئيس الفقراء" على الفقراء المتواجدين في المنصة المكشوفة، قبل أن يسلم على "الكبراء" المتواجدين في المنصة الرسمية للملعب الأولمبي.
وفي السادس من أغسطس من العام 2010 قرر "رئيس الفقراء" أن يخلد ذكرى تنصيبه بلقاء مباشر يستقبل فيه أسئلة المواطنين وشكاويهم.
فهل كان يمكن اعتبار تلك اللقطات بشرى لميلاد "فرصة جديدة"، على أرض "موريتانيا الجديدة" بعد عملية مخاض عسيرة وشاقة؟
ظل مرشح الفقراء أثناء حملته الانتخابية ينتقد رموز الفساد، ويصفهم بأبشع الأوصاف. انتقدهم وهو بحاجة ماسة لدعمهم، ولما فاز في الانتخابات بفعل التصويت المكثف للفقراء (كنت من أقلية الفقراء الذين صوتوا ضده)، كان أول شيء فعله هو استدعاء رموز الفساد إلى قصره، كأنه لا يريد أن يفتح عيناه في أي يوم من أيام مأموريته، إلا على رموز الفساد، و لا يغمضهما كذلك إلا علي رموزه.
لا أحد يعرف ما الحكمة في استدعاء "رئيس الفقراء" لرموز الفساد، وهو في غنى عنهم، رغم أنه كان قد تخلى عنهم أثناء حملته الانتخابية، وهو في أمس الحاجة إليهم.
المؤكد أن استدعاء رموز الفساد بعد التنصيب مباشرة كان بمثابة رصاصة قاتلة، أطلقت على "الفرصة الجنين"، وهي لا زالت في بطن أمها "موريتانيا الجديدة"، والتي كانت هي بدورها ـ أي موريتانيا الجديدة ـ في بطن أمها "موريتانيا الأعماق". فماتت الفرصة الجنين، وماتت معها موريتانيا الجديدة، وماتت موريتانيا الأعماق، ومات التغيير البناء، ومات تجديد الطبقة السياسية، وماتت الحيتان في أعماق البحر، وماتت الشجيرات التي غرسها "رئيس الفقراء" وحاشيته، وماتت جائزة شنقيط، ومات المنتخب الوطني، وماتت دور الكتاب، وماتت عاصمة الثقافة الإسلامية، وماتت الخمسينية، ومات الاتحاد من أجل التصفيق، وماتت الأغلبية ونوابها شر ميتة، فمات النواب وكانت آخر كلمة يقولونها في نهاية مأموريتهم، بعد خمس سنوات من قول "نعم"، هي نعم لخراب البلد، نعم لنهب البحر، بما فيه وبمن فيه.
الغريب أنه بعد موت "الفرصة الجنين" لا زال رئيس الفقراء، وحكومة التراكمات، والأغلبية الميتة يُطلقون الرصاص، وبشكل مستمر، على أشلاء الفرصة الجنين.
فهل يتلذذ رئيس الفقراء، وحكومة التراكمات، والأغلبية الميتة بإطلاق الرصاص على الأجنة الأموات؟ ذلك سؤال سأترك لكم الفرصة للإجابة عليه، فلا تغتالوها يرحمكم الله.
هناك فرصة يتم اغتيالها الآن من طرف جهات شتى، ربما يتم الحديث عنها في وقت لاحق، إن شاء الله.
تصبحون وأنتم رحماء بالفرص.....

الأحد، 5 يونيو 2011

في سبيل شعار موحد للحراك الشبابي



بدءا لابد من الاعتراف بأن عدد الشباب المطالب بإسقاط النظام يزداد يوما بعد يوم، وتقوى حجته، ويعلو صوته في الحراك الشبابي، على حساب المكتفين بالمطالبة بإصلاح النظام، والذين يقل عددهم، وتضعف حجتهم، ويخفت صوتهم شيئا فشيئا.
تلك حقيقة كان لا بد من الاعتراف بها، من قبل تقديم وجهة نظر المكتفين بالمطالبة بإصلاح النظام، وهم الذين يستندون ـ في اعتقادي ـ على حجج قوية تستحق التأمل، وهذه الحجج يمكن إجمالها في نقاط سبع:
أولها: يتفق الطرفان سواء منهما من يرفع شعار إسقاط النظام، أو المكتفي بالمطالبة بإصلاحه على ضرورة استقطاب الاحتجاجات الفئوية المتنامية، والتنسيق والتعاون معها في مرحلة لاحقة، مما سيعطي للحراك الشبابي زخما هو في أمس الحاجة إليه.
وبما أنه لا خلاف بين الطرفين على أهمية استقطاب الاحتجاجات الفئوية، فإن السؤال الذي يطرحه نفسه هنا هو: أي من الشعارين أقدر على استقطاب الاحتجاجات الفئوية؟
إن من خصائص الاحتجاجات الفئوية التي نتابعها يوميا، هي أنها ـ وهذا لابد من قوله ـ احتجاجات تطبعها الأنانية، وتوجهها المصالح الآنية الضيقة.
فالأطباء والممرضون لا يهمهم من إصلاح البلد إلا إصلاح قطاع الصحة، وهم يختزلون إصلاح قطاع الصحة في "علاوة الخطر"، فإن حُرموا منها اعتبروا أن القطاع فاسدا، وإن مُنحت لهم اعتبروه قطاعا صالحا، حتى ولو كان منحها لهم لن يغير من سلوكهم اتجاه المريض الذي هو أحق منهم بعلاوة الخطر. فالطبيب ـ وأنا لا أتحدث عن كل الأطباء ـ كثيرا ما يكتب للمريض دواءً يزيد من مرضه، بدلا من أن يخفف منه، الشيء الذي يؤكده العديد من المرضى الذين سمحت لهم إمكانياتهم بالذهاب إلى الخارج، وبعرض الأدوية التي كانوا يستخدمونها هنا، على طبيب هناك.
والأساتذة والمعلمون يختزلون إصلاح التعليم في تحقيق بعض المطالب الخاصة بهم، والتي لا أشكك في شرعيتها، وبعد ذلك فلا يهم قطاع التعليم، وليزداد انهيارا، المهم أن تتحقق المطالب النقابية.
والعاطلون عن العمل من أصحاب الشهادات لا يهم من الإصلاح إلا أن يحصلوا على وظائف. فالدكاترة العاطلون عن العمل يختزلون الإصلاح في أن يكتتبوا في الجامعة، ولا يهمهم بعد ذلك مصير بقية العاطلين من حملة الشهادات. وحملة الشهادات من نفس المستوى لا يهتم بعضهم ببعض، ويكفي أن نعلم بأن رابطة حملة الشهادات لم تندد بالقرار الجائر الذي حُرم بموجه من بلغ سن الأربعين من المشاركة في مسابقة 250إطارا، وذلك لأن القائمين على الرابطة لم يتضرروا بشكل مباشر من ذلك القرار.
وعمال الإعلام الرسمي لا يختزلون فقط مشاكل قطاع الإعلام في زيادة 60% (50 +10)، بل يختزلون كل مشاكل البلد في تلك الزيادة. ومن المؤكد أن عمال هذا القطاع حتى وإن حصلوا على تلك الزيادة، فإن ذلك لن يكون سببا في توقفهم عن إفساد هذا القطاع الحساس الذي أبعدوه عن هموم المواطن الذي يدفع لهم أجورهم، والذي سيدفع لهم الزيادة التي يطالبون بها من خلال الضرائب التي يدفعها ذلك المواطن المسكين، والذي كثيرا ما يتم تجاهل همومه من طرف المطالبين بزيادة 60%، حتى وإن طالبتهم أعلى سلطة في البلاد بالاهتمام بتلك الهموم، وألحت عليهم في ذلك.
إن كل الاحتجاجات الفئوية التي نتابعها اليوم، إنما هي احتجاجات تسعى لتحقيق مصالح ضيقة وآنية، عكس الحراك الشبابي الذي يناضل المشاركون فيه من أجل قضايا وطنية كبرى تخلى عنها الجميع، بما في ذلك الأحزاب السياسية، والتي كان من المفترض أن تكون هي من يتولى الدفاع عن تلك القضايا الكبرى.
فأصحاب الاحتجاجات الفئوية قد يفكر بعضهم في الالتحاق بالحراك الشبابي، ليس من أجل الإصلاح، وإنما للضغط على النظام من أجل الاستجابة لمطالبه الفئوية، بشرط أن يظل الحراك الشبابي يقتصر على رفع شعار الإصلاح. أما في حالة رفع شعار إسقاط النظام فإن ذلك سيصعب كثيرا من إمكانية استقطاب أصحاب الاحتجاجات الفئوية، بل سيجعلها مستحيلة الحدوث. فأصحاب المطالب الفئوية يعتقدون أن الخروج خلف ذلك الشعار سيحرمهم نهائيا من تحقيق مطالبهم، والتي لم يحتجوا إلا من أجلها وأجلها فقط. ومما يجب ذكره هنا هو أنه في حالة تبني الحراك لشعار إصلاح النظام، كشعار موحد، وفي حالة تمكنه من استقطاب بعض أصحاب المطالب الفئوية، فذلك لا يعني أن أصحاب الاحتجاجات الفئوية لن يتركوا الحراك إذا ما تحققت مطالبهم الفئوية، حتى ولو زادت أحوال البلد سوءا. فالعملية هنا تتعلق بتحالف تكتيكي، ليس إلا، فأصحاب المطالب الفئوية لا يريدون من ذلك التحالف المنشود إلا الحصول على ورقة ضغط على النظام من أجل الاستجابة لمطالبهم، أما الشباب فإن ذلك التحالف سيعطي لحراكهم زخما هم بأمس الحاجة إليه.
ثانيها : إن كل الثورات العربية التي حدثت حتى الآن، لم ترفع شعار إسقاط النظام، في بداية تحركها، بل إنها اعتمدت على التدرج في مطالبها. وتلك الثورات لم ترفع شعار إسقاط النظام إلا بعد أن أزهقت أرواح بريئة من طرف أجهزة القمع التابعة للأنظمة الحاكمة في تلك الدول. لذلك فإن رفع شعار إسقاط النظام في موريتانيا، في مثل هذا الوقت، ليس إلا محاولة لحرق مرحلة من مراحل النضال، مرت بها كل الثورات الشبابية، وهي التي شَرَّعت لها رفع شعار إسقاط النظام.
ثالثها: من مصلحة المطالبين بإسقاط النظام ـ حفاظا على وحدة وتماسك الحراك ـ أن يرفعوا شعار إصلاح النظام ـ ولو مؤقتا ـ لتحقيق أهداف مرحلية، لابد من تحقيقها قبل أن يكون بإمكانهم تحقيق هدفهم الاستراتيجي. وهذه الأهداف المرحلية هي بمثابة درجات السلم التي لا بد من المرور بها.
ورفع شعار إصلاح النظام لا يعني بالضرورة التخلي عن شعار إسقاط النظام، بالنسبة للذين يومنون به. أما رفع المطالبين بإصلاح النظام، لشعار إسقاط النظام، فذلك يعني تلقائيا أنهم تخلوا عن شعارهم الذي يومنون به. فلا يمكن لعاقل أن يتصور بأن يكون مطلب إسقاط النظام، هدفا مرحليا أو تكتيكيا، في سبيل إصلاح النظام الذي تم إسقاطه!!!
رابعها: إن شعار إصلاح النظام يمكن أن يستقطب في الظروف الحالية الكثير من الموريتانيين، عكس شعار إسقاط النظام، والذي قد يعتبره البعض منفرا. كما أن شعار إسقاط النظام قد يتم استغلاله من طرف البعض لتغذية صراعات وأحقاد شخصية وقبلية بغيضة. وهو فوق ذلك يمكن أن ينحرف بالحراك عن أهدافه النبيلة التي رسمها الشباب، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار بأن الحراك الشبابي لم يتمكن حتى الآن من أن تكون له هوية، أو كيان واضح، يمكنه من أن يحمي وجهته ومساره النضالي من المتربصين الكثر، والذين سيبذلون جهودا جبارة من أجل الانحراف به إلى غايات و أهداف بائسة، وهم يملكون لذلك وسائل عديدة، قد لا يكون الشباب محصنا ضدها بشكل كامل، على الأقل في الوقت الحالي.
خامسها: إن إسقاط النظام في الظروف الحالية، قد لا يؤدي إلا ميلاد نظام جديد بعقلية جديدة، بل يمكنني القول بأنه لن يؤدي إلا لبعث نظام قديم، ونفخ الروح فيه، ليحكم البلاد والعباد بنفس العقلية البائدة التي يناضل الشباب اليوم من أجل القضاء عليها.
إن التغيير سيظل صعبا، في ظل تحكم النخب السياسية التقليدية في المشهد السياسي، حتى ولو تم إسقاط النظام الحالي، وذلك نظرا لغياب كيان سياسي شبابي واضح الملامح، له من القدرة والوسائل ما يمكنه من استثمار جهده النضالي، لضمان ميلاد نظام جديد، في حالة سقوط النظام القائم.
وإن تمديد العمر الافتراضي لشعار إصلاح النظام سيساعد كثيرا في إمكانية ميلاد تشكلة سياسية شبابية بشكل طبيعي، لا تولد استجابة لأوامر عليا كما هو الحال بالنسبة لحزب العصر، وإنما تولد استجابة لرغبة شبابية جامحة وملحة، يتم تجسيدها ميدانيا، وتكون نواتها الصلبة من الشباب الذي يقود اليوم الحراك، ومن الشباب الذي قد يلتحق به في وقت لاحق، ومن الشخصيات الوطنية الأخرى التي قد تدعم ـ وبشكل صريح ـ الحراك الشبابي الحالي، خاصة منها تلك التي ستدعمه في مراحله الأولى.
إن إسقاط النظام في ظل غياب تشكلة سياسية شبابية بإمكانها أن تقود عملية التغيير لن يؤدي إلى تغيير حقيقي.
سادسها: لابد من الاعتراف بأن كلفة إسقاط النظام التي ارتفعت كثيرا مع الثورات الليبية والسورية واليمنية قد شوشت كثيرا على المواطن العادي في كل البلدان العربية، بما في ذلك المواطن في بلدنا. فالحماس الذي تابع به المواطن العادي الثورتين التونسية والمصرية، لا يمكن مقارنته بالحماس الذي يتابع به الآن الثورات التي لا زالت تعمل من أجل إسقاط الأنظمة الحاكمة في بلدانها كما هو الحال في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن.
ولابد كذلك من الاعتراف بأن ذلك الفتور الذي شهده حماس المواطن العادي أثناء متابعته للثورات العربية في تسلسلها سينعكس سلبا ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ على تحمس ذلك المواطن لشعار إسقاط النظام أينما رُفع، وهو الشعار الذي لم يعد مغريا اليوم ـ على الأقل بالنسبة للمواطن العادي ـ كما كان مغريا في بداية هذا العام حيث تمكن الشعب التونسي والمصري من إسقاط دكتاتوريهما بكلفة زهيدة وزهيدة جدا، إذا ما قورنت بالكلفة التي يدفعها اليوم أشقاؤنا في ليبيا، وإخوتنا في سوريا، وأهلنا في اليمن السعيد.
سابعها: إن رفع شعار إصلاح النظام سيسمح للحراك الشبابي بالتدخل في مجالات عديدة، وفي مناصرة قضايا كثيرة تحتاج لمن يناصرها. فرفع شعار إصلاح النظام لا يتناقض مع الاهتمام بقضايا جزئية يشكل الاهتمام بها ضرورة ملحة. أما رفع شعار إسقاط النظام فإنه سيحد كثيرا من مجالات التدخل، وسيحصر تلك المجالات في أفق ضيق يستحيل معه التدخل في مجالات جزئية أو قطاعية. فمن يرفع شعار إسقاط النظام لن يكون بإمكانه أن ينتقد النظام في قضايا جزئية، أو يطلب منه إصلاحات جزئية.
إن مشكلة توحيد شعار للحراك، هي مسألة في غاية الأهمية، وإذا كان رفع شعار إصلاح النظام، غير مناسب للبعض، فإن هناك شعارا جديدا ابتدعه بعض النشطاء في الحراك الشبابي، وهو شعار موريتاني خالص، سيتم رفعه وترديده في حزمة أنشطة جديدة، وذلك لقياس مدى الاستجابة الشبابية له.
إن الشعار الجديد الذي تم طرحه اليوم، هو شعار ينسجم تماما مع شعار إسقاط النظام، كما أنه ينسجم أيضا ـ وبنفس الدرجة ـ مع شعار إصلاح النظام. إنه شعار: "نريد الحياة بلا ظالمين".
تصبحون على حياة بلا ظالمين.

الأحد، 29 مايو 2011

ولكل معتصم ما نوى




سيحاول هذا المقال أن يتحدث عن فرص نجاح الحراك الشبابي من منطلق رياضي بحت، واعتمادا على القانون الرياضي الشهير، الذي يعتبر من أهم ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا المجال:
C = A x B x D > X
إن هذا القانون ـ الذي كنت قد استخدمته سابقا لدراسة فرص نجاح "التغيير البناء" ـ هو الذي يحدد فرص نجاح أي تغيير سواء كان ذلك التغيير فرديا، أو كان داخل مؤسسة أو منظمة أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (d) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير. فهذا المستوى يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
ويقول القانون بأن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بــ (c) تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة (a) في معامل وضوح الرؤية (b) في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى(d). ويقول القانون بأن هذا الناتج يجب أن يكون أكبر من (x) والتي ترمز لكلفة التغيير.
والحديث عن عناصر معادلة التغيير يستلزم الحديث عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقانونه، والتي كثيرا ما تغيب عن المهتمين بالموضوع.
1ـ سنختلف لا محالة في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في عملية التغيير، بخلاف عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفته إلا بشكل مؤجل (وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون منه مواقف سلبية).
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير المنشود إلى ألد خصوم ذلك التغيير. و يمكن هنا ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم تكمن في نجاح التغيير. ومن الغريب أن هؤلاء المثبطين لا تتفتق مواهبهم ولا يظهر حماسهم إلا في الأوقات التي يحاولون فيها التثبيط من عزيمة من يطالب بالتغيير، والذي إن حدث سيكونون هم أول من يستفيد منه. كما أن هناك فئة الخاملين التي ترغب دائما في أن تبقى الأمور خاملة على حالها، حتى ولو كان ذلك على حسابهم. وهناك فئة قد تركب موجة الإصلاح، لا من أجل إحداث التغيير، وإنما لتحقيق مآرب شخصية، أو لمواجهة خصوم شخصيين. وهناك فئة أخرى أشد خطرا، وهي التي لا تبذل جهدا وتظل ترقب اللحظة الحاسمة للتحرك من أجل قطف ثمار جهود الآخرين.
وأخيرا هناك الفئة المترددة التي تظل تتفرج على الصراع وتطوراته، في انتظار أن تميل الكفة لصالح طرف على حساب طرف آخر، وذلك قبل اتخاذ قرار للالتحاق بالطرف الذي مالت له الكفة. وهذه الفئات تحدثت عنها سابقا في مسودة خطة عمل للنقاش قدمتها للشباب في بداية الحراك الحالي باسم مجموعة 17 فبراير. وما أود أن أخلص إليه هنا، هو أن الكثيرين سيقفون ضد الحراك الشبابي، وقد كان من المفترض أن يناصروه. كما أن هناك أعدادا كبيرة قد تناصر هذا الحراك، ليس حبا أو سعيا للإصلاح وإنما لأغراض أخرى. وهذه الفئة يمكن الاستفادة منها بشرط أن لا تشرك في اتخاذ القرارات، ولا في احتلال مراكز قيادية. فللجميع الحق في المشاركة في الاحتجاجات والاعتصامات وسيبقى لكل معتصم ما نوى.
4 ـ إن حَمَلة لواء مشعل التغيير والإصلاح في أي مجتمع ليس بالضرورة أن يكون عددهم كبيرا، المهم أن تكون فاعليتهم كبيرة.
5ـ إنه ليس من المطلوب أن نغرق في تحليلات رياضية في مقال كهذا، كما أنه ليس بالإمكان تعويض عناصر المعادلة أو المتراجحة بأرقام لاستحالة ذلك. فالمهم هنا أن يعلم القراء بأن كل تغيير يستلزم توافر العناصر الثلاثة الآنفة الذكر، و في حالة غياب واحد منها، أي أن يصبح يساوي صفرا، فإن معامل التغيير (c) سيكون صفرا، لأنه حاصل ضرب العناصر الثلاثة، وهذا الحاصل يجب أن يكون أكبر بكثير من كلفة التغيير(x).
وقبل الحديث عن العناصر الثلاثة للمعادلة، لابد من التوقف قليلا عند كلفة التغيير. فلكل تغيير كلفة، تكبر أو تصغر، حسب حجم التغيير نفسه، وهذه الكلفة فيها ما هو شخصي يدفعه الأفراد، وفيها ما هو عام يدفعه المجتمع أو الدولة بشكل عام.
ففيما يخص الأفراد، وفي حالتنا هذه يمكن القول بأن غالبية الموريتانيين لن تخسر شيئا على الصعيد الشخصي. فالعاطل عن العمل الذي لا ينحدر من سلالة العائلات التي تتقاسم وتتوارث الوظائف القليلة المتاحة، لن يحصل على وظيفة إذا ما ظلت الأمور تدار بهذه الطريقة، حتى ولو صبر وانتظر سنوات عدة. لذلك فهو إن لم يربح فلن يخسر شيئا إذا ما حاول أن يغير من هذا الوضع البائس. ولقد أثبتت الثورات العربية أن الإطاحة بنظام كامل قد تكون أسهل بكثير من حصول شاب فقير على وظيفة. فالبوعزيزي الذي فشل ـ رغم جهوده الكبيرة ـ في الحصول على رخصة لمزاولة عمله، تمكن من أن يسقط نظاما بكامله. وما ينطبق على العاطل عن العمل ينطبق على كل فئات وشرائح المجتمع.
أما على الصعيد العام فإن الحراك الشبابي ـ حسب البعض ـ قد يتسبب في انفلات الأوضاع، وقد يتم استغلاله لإشعال الفتن بين مكونات هذا الشعب المغلوب على أمره.
والحقيقة أن أخطر ما يهدد السلم الاجتماعي هو أن تظل العدالة الاجتماعية غائبة، وأن يظل النظام ضعيفا غير قادر على أن يلعب دوره المفترض، مما يجعله يتخبط ويتخذ قرارات مرتجلة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، دون أن تكون تلك القرارات في إطار مصالحة وطنية شاملة، مما يعني أنها ـ أي القرارات ـ ستجلب من المفاسد أكثر مما ستأتي به من المصالح.
فقرار إعداد خرائط للموريتانيين المفقودين أصاب أغلبية هذا الشعب بالارتباك وبالذهول. ولم تستطع الأحزاب أن تتخذ منه موقفا، فهي لا تستطيع أن تعارضه حتى لا توصف بأنها عنصرية، ولا تستطيع كذلك أن ترحب به لأنها لا تعرف " الخطوات" التي ستعقبه، ولا حجم المخاطر التي قد تترتب عليه. أما الأحزاب المعنية بشكل مباشر بهذا القرار، فقد اعتبرته مجرد خطوة أولى يجب أن تتبعها "خطوات" أخرى. ولكل واحد منكم الحق أن يخط ما شاء من خطوط تحت الخط الذي وضعته تحت كلمة خطوات ( سأعود إلى كلمة "خطوات" مستقبلا وبالشيء من التفصيل، إن شاء الله). المهم أن هذا القرار أغضب البيظان ولم يُرض الزنوج، (يؤسفني حقا استخدام هذه المصطلحات) وأعتقد أن اتخاذ قرارات مرتجلة بخصوص مواضيع وطنية شائكة دون الرجوع إلى ذوي الحصافة والرأي السليم ، هو الذي يهدد السلم الاجتماعي بدلا من أن يحميه. ومخاطر هذا النوع من القرارات المرتجلة، في المواضيع الشائكة، هو الذي يهدد السلم الاجتماعي، أكثر مما يهدده الحراك الشبابي.
إن قانون التغيير يقوم على ثلاثة عناصر:
أولها، درجة الاستياء من الواقع المراد تغييره: إن درجة الاستياء بلغت مستويات عالية جدا. فارتفاع الأسعار، وتفشي البطالة، وانهيار التعليم، وغياب الرؤية، وسطحية الخطاب الحكومي، والركود العام في كل المرافق للبلاد، مع المحافظة على نفس "الرتبة" في لائحة الدول الأكثر فقرا وأمية وفسادا وضياعا. كل ذلك زاد من مستوى الاستياء لدى المواطن الموريتاني بصفة عامة، ولدى الشاب بصفة خاصة. يضاف إلى ذلك ضعف كافة النخب وفشلها في تغيير حال البلاد، في حين نجحت الفئة الفاسدة في المجتمع في التحكم في هذه النخب وخبزها وعصرها وشكلها وعجنها فأظهرتها بأشكال قبيحة وبائسة وتائهة وعاجزة.
إن هذا الواقع البائس، والذي يزداد بؤسا يوما بعد يوم، خلق درجة عالية من الاستياء في البلاد، بلغت الذروة في ظل النظام الحالي الذي تعهد للشعب بوعود غير مسبوقة، أعقبها فشل غير مسبوق.
ثانيها، وضوح الرؤية : إن المتتبع لنقاشات وحوارات الشباب في صفحاتهم على الفيس بوك لا بد أن ينبهر بمستوى النضج والوعي لدى هؤلاء الشباب، والذي يفوق مستوى النضج لدى النخب السياسية التي تحتكر وسائل الإعلام الرسمي، ولابد له كذلك أن يلمس إحباط هؤلاء الشباب، وعدم ثقتهم في كل النخب السياسية، مما جعلهم يطلقون مشروعهم الخاص بهم للتغيير.
فما الذي يمكن أن ينتظره الشباب من أغلبية يصف أحد نوابها ناخبيه بالغوغاء؟ وما الذي يمكن أن ينتظرونه من أغلبية، تكاد أن تُنهي مأموريتها، ومع ذلك ليس في سجل كل نوابها مساءلة واحدة لوزير مما دفع الوزير الأول لأن يستدعيها ويطلب منها أن توجه أسئلة مكتوبة أو شفهية لوزرائه، وربما تكون هذه ميزة لديمقراطيتنا، فلا أعتقد بأنه حدث في العالم وأن استدعى رئيس حكومة في دولة ما نوابا في تلك الدولة، و"توسل" إليهم لكي يوجهوا أسئلة لوزرائه.
وما الذي يمكن أن ينتظره الشباب من معارضة دأب زعماؤها على خذلان الشعب الموريتاني، وعلى إضاعة الفرص العظيمة والنادرة التي كان يمكن لها أن تكون بداية لتغيير حقيقي.
ألم يخذل الزعيم الوطني والمناضل الكبير السيد مسعود الشعب الموريتاني في لحظة تاريخية فاصلة وحاسمة، فمنح صوته لمرشح العسكر الذي لم يبذل جهدا، ولم يقدم تضحيات في سبيل الرئاسة، وحرم بذلك ـ ولأسباب شخصية ـ من كان أولى بالرئاسة في ذلك الوقت؟
ألم يخذل كذلك الزعيم الوطني والمناضل الكبير السيد أحمد داداه الشعب الموريتاني في لحظة تاريخية فاصلة وحاسمة، فأسرع في الاعتراف بانقلاب السادس من أغسطس، وأظهر حماسا يفوق بكثير حماسه أثناء الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2007؟
ألم يكن بإمكان الزعيم مسعود أن يجنبنا انقلاب 2008 لو غلَّب المصلحة العليا للبلد، وصوت لزعيم المعارضة الذي كان يستحق الفوز في ذلك الوقت؟
أولم يكن بإمكان الزعيم أحمد داداه أن يُفشل انقلاب 2008 لو أنه غلب المصلحة العليا للوطن ورفض الاعتراف بالانقلاب في صبيحة السادس من أغسطس؟
ولماذا ينتقد زعماؤنا السياسيون العسكر ويتناسون بأن العسكر لم يرتكبوا جريمة إلا وكانوا هم شركاء فيها بدءا بانقلاب 1978 وانتهاءً بانقلاب 2008.
إن الكثير من الشباب أصبح يدرك اليوم بأن عملية التغيير في هذا البلد يجب أن يقودها الشباب الذي سيعيش غدا على هذه الأرض، بعد أن تكون كل النخب السياسية التي أضاعت فرصا نادرة قد رحلت. وعملية التغيير هذه يجب أن تكون مفتوحة لكل الشباب سواء منهم من كان مستقلا أو معارضا أو منخرطا في الأغلبية.
ثالثها، مستوى الانجاز في الأشهر الأولى: لقد استطاع الشباب بعد مرور ثلاثة أشهر على حراكهم تحقيق إنجازات ملموسة، ولكنهم أيضا عرفوا بعض الإخفاقات التي لا يمكن إغفالها. لذلك فيمكن القول بأن معامل الأداء في الأشهر الأولى ليس في صالح الشباب، وإن كان كذلك ليس ضدهم.
لقد استطاع الشباب أن يربكوا السلطة القائمة أكثر مما أربكتها كل التشكيلات السياسية القائمة، الشيء الذي جعلها تفكر في تأسيس حزب للشباب لكي تواجه به شباب فبراير. كما أن الاستعداد الأمني الكبير الذي حشده النظام في يوم "الرفض" ـ رغم فشل الشباب ذلك اليوم ـ أظهر مدى تخوف السلطات من الاحتجاجات الشبابية.
وفي المقابل فإن الشباب قد عانى في الأشهر الثلاثة الماضية من بعض الخلافات العميقة، كما أنه لم يستطع ـ حتى الآن ـ أن يستقطب لحراكه فئات المجتمع الأخرى وشرائحه، والتي تحتج وتتظاهر بشكل يومي تقريبا.
ومهما يكن من أمر فإن أي تغيير يجب أن يرتكز على عناصر ثلاثة هي : مستوى الاستياء من الواقع المراد تغييره، ووضوح الرؤية، ومستوى الإنجاز في المرحلة الأولى . وقد رأينا أن العنصرين الأول والثاني من قانون التغيير كانا لصالح الحراك الشبابي، أما العنصر الثالث فلم يكن لصالحهم ولا ضدهم، وهو ما يجب أن يعيه القائمون على الحراك الجديد، والذي من المتوقع أن يكون أكثر فعالية من الاحتجاجات الشبابية السابقة.
تصبحون وأنتم معتصمون

السبت، 28 مايو 2011

الأسد والرامة٭/ تم نشرها في يناير 2009



عزيزي القارئ، سنبدأ ورقة اليوم بطرح اللغز التالي ، يقول اللغز: كيف يصطاد الأسد الغزال مع العلم أن الغزال أسرع بكثير من الأسد ؟
أرجوك قبل أن تواصل قراءة هذه الزاوية، فكر جيدا في حل هذا اللغز.
من أجل المساعدة، سأطرح عليك هذا اللغز بالصيغة التالية: ما هو هدفك في الحياة ؟
للأسف، الكثير من القراء قد لا يجد جوابا علي هذا السؤال، البعض الآخر سيفكر لمدة قبل أن يجيب علي السؤال وهذا لا فرق بينه وبين الفريق الأول .
فريق ثالث سيجيب بشكل متلعثم وسيتحدث عن أهداف غير واضحة ومبهمة وهذا أيضا لا يختلف كثيرا عن الفريقين السابقين .
جميع هؤلاء ـ وهذا لابد من قوله ـ لا يعرف ما يريد لذلك فأي طريق سلكه سيوصله إلي اللاشيء طبعا.
هذا النوع من الناس لا يتعدي كونه مجرد رقم عادي ، يولد ، يعيش ما كُتِبَ له ثم يموت دون أن يترك أثرا خلفه ودون أن يضيف للحياة أي شيء جديد .
الأقلية من القراء هي التي ستجيب بشكل واضح وسريع وستتحدث عن أهداف محددة وطموحة وقابلة للتحقيق ، هذه الأقلية هي التي تفرز أرقاما صعبة .
ومن المؤسف هنا أن غالبية الفئة الأخيرة لا تستطيع أن تكون أرقاما صعبة لأنها لا تستطيع أن تحقق أهدافها التي رسمت وذلك بسبب كثرة التفاتها إلي الوراء نتيجة لوسوسة المثبطين ، فغالبية الناس لا يكفيها أنها بلا أهداف تعيش من اجلها بل أنها أكثر من ذلك تسعي ـ بقصد أو بغير قصد ـ إلي تثبيط وتشكيك أصحاب الأهداف الكبرى في إمكانية تحقيق أهدافهم .
أيضا من الأسباب التي تؤدي إلي موت الهدف لدي غالبية الفئة الأخيرة هو أن الكثير من هؤلاء يعتقد أنه عندما يحدد هدفا نبيلا يسعي إلي تحقيقه سيفرش له السجاد الأحمر وستنثر له الورود والأزهار في طريقه لتحقيق ذلك الهدف النبيل .
هذا لن يحدث إطلاقا ، لن يحدث إطلاقا ، لن يحدث إطلاقا ....
بل علي العكس من ذلك ، فكلما كان الهدف طموحا وعظيما كلما كان ذلك يعني أن الطريق إليه ستكون مليئة بالأشواك وبالتحديات وبالابتلاءات ، لن يكون هناك سجاد أحمر ولا ورود إلا في نهاية الطريق ، هذه حقيقة أكيدة يمكن التأكد منها في كل مرة تعود فيها إلي حياة أحد العظام ممن حقق هدفا عظيما في حياته .
في احدي الأوراق الماضية تحدثنا عن ما واجهه " أديسون " من أجل تحقيق هدفه الذي تمثل في البحث عن وسيلة ما لإنارة العالم ليلا ،اليوم سنقدم كمثال آخر الياباني الذي أسس شركة "هوندا " المعروفة ، هذا الياباني عندما أسس مصنعه لأول مرة من خلال بعض الأموال التي اقترضها قصفت الولايات المتحدة الأمريكية هذا المصنع فدمرته بشكل كامل أثناء الحرب العالمية الثانية ، بعد ذلك أعاد هذا الياباني للمرة الثانية تأسيس مصنعه ، فكان أيضا التدمير الكامل مرة أخري وذلك بفعل زلزال مدمر ضرب المنطقة التي كان يوجد فيها المصنع .
لم يلتفت هذا الياباني إلي الوراء ، لو التفت إلي الوراء لما استطاع أن يشيد مصنعه ، والالتفاتة إلي الوراء قد تكون في بعض الأحيان قاتلة ، هذا هو السر الذي يتمكن من خلاله الأسد من افتراس الغزال .
فالأسد عندما يحدد هدفا وهو هنا افتراس الغزال ، يبدأ مباشرة بالجري وراء الغزال ولا يلتفت ـ إطلاقا ـ إلي الوراء إلا بعد أن يصطاد الغزال ، أما مشكلة الغزال ـ الذي يتمثل هدفه في محاولة النجاة من افتراس الأسد ـ فهي أنه يظل يلتفت دوما إلي الوراء من أجل تحديد المسافة التي تفصل بينه وبين الأسد .
هذه الالتفاتة القاتلة هي التي تؤثر سلبا علي سرعة الغزال، وهي التي تقلص من الفارق بين سرعة الأسد والغزال وبالتالي تمكن الأسد من اللحاق بالغزال ومن ثم افتراسه .
لو لم يلتفت الغزال إلي الوراء لما تمكن الأسد من افتراسه .

إضاءة : للكبار أهداف ..... وللصغار رغبات ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٭الرامة هي كلمة كنعانية قديمة بمعني الغزال ، ولقد اخترت أن أستخدمها هنا من أجل الإجابة علي سؤال طرحه كثير من المشاهدين بعد أحداث " غزة " الأخيرة ، ف "رامتان " تعني الغزالتان ( والمقصود هنا قطاع غزة والضفة الغربية ) وهي وكالة فلسطينية بدأت بجهد متواضع قبل أن تصل إلي ما وصلت إليه اليوم .

الجمعة، 27 مايو 2011

اكتشف كنزك!!!



قرأت منذ سنوات عدة قصة عرضت بشكل عابر في كتاب لم أعد أذكر اسمه الآن.
تقول هذه القصة بأن أعمي كان يسكن وحيدا في صحراء قاحلة، سمع ذات مرة هاتفا يبشره بكنز عظيم مدفون في تلك الأرض.
أخذ الأعمى منذ سماع تلك البشرى يحفر الأرض بلا كلل بحثا عن الكنز المنشود. ولقد وجد في بداية بحثه فأسا استعان به علي حفر تلك الأرض الصلبة.
مرت سنوات عديدة وهذا الأعمى لا شغل له إلا حفر الأرض بحثا عن الكنز، ولم يتوقف عن البحث إلا بعد أن سقط ميتا في احدي تلك الحفر التي حفرها بفأسه.
هنا انتهت قصة الأعمى المسكين مع الكنز، ومن هنا سنبدأ معا ( أنت و أنا) من خلال سلسلة من المقالات التنموية، للتنقيب عن كنزك أنت الذي بين يديك، والذي أعتقد أنك حتى الآن لم تكتشفه، وبالتالي فإنك لم تتمكن من استغلاله.
لنطرح السؤال التالي: أين هو الكنز في قصة الأعمى؟؟؟؟؟؟
سُئِلَ أحد الحكماء عن أفضل مكان يمكن أن يعثر فيه علي المواهب فأجاب السائل بلا تردد عليك بالبحث في المقبرة!
فمعظم الناس تدفن معها مواهبها لأنها لم تستطع أن تكتشفها في حياتها، ولم تجد من يعينها علي ذلك.
أعتقد أنك اقتربت كثيرا من اكتشاف كنز الأعمى.
أثبتت بعض الدراسات أن 90% من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات هم من المبدعين، وأن 2% من هؤلاء هم الذين يبلغون سن الخمس والأربعين وهم لا يزالوا مبدعين.
الحال في بلدنا أكثر سوءا لأن نظامنا التربوي يسرع في الموت المبكر للمواهب، ويعجل من إحباط المبدعين، مع أنه من المفترض أن المبدع يمثل ثروة وطنية يعد اكتشافها واستغلالها أهم بكثير من اكتشاف واستغلال أي ثروة طبيعية.
لقد أصبح الجواب واضحا لك فالفأس في قصة الأعمى هو الكنز بعينه لأنه فأس من الذهب الخالص .
لم يكن الأعمى قادرا علي رؤية بريق الذهب يتلألأ من الفأس ولم يجد من يخبره بذلك فكانت النتيجة الأليمة أنه مات يبحث عن كنز بين يديه دفن معه في قبره دون أن يشعر بذلك .
وهذه ليست مجرد قصة أسردها للتسلية بل إنها حقيقة تتكرر يوميا ففي كل يوم تدفن فؤوس ذهبية مع أصحابها وترحل مواهب وقدرات وإمكانيات هائلة دون أن يستغلها أصحابها يوما ودون أن يستفيد منها هذا المجتمع المحتاج إليها.
وهذه واحدة من المصائب العظيمة التي لا تجد من يتحدث عنها بل ولا تجد من يعتبرها أصلا مصيبة.
وحتى لا تدفن معنا فؤوسنا الذهبية (مواهبنا) دعونا نتحدث قليلا عن الموهبة، وعن بعض الخطوات التي قد تساعد في اكتشافها.
بداية علينا أن نتيقن جميعا بأن لكل واحد منا مجالا ما يمكن أن يتفوق بل و يبدع فيه. فالله الذي خلقنا لإعمار الأرض، قد أودع في كل واحد منا إمكانيات وقدرات هائلة تمكنه من انجاز المهمة الموكلة إليه أي إعمار الأرض (عدد الخلايا العصبية في دماغك يفوق عدد سكان كوكب الأرض ب16 مرة!!!، وفي كل ثانية يحدث ـ على الأقل ـ مائة ألف تفاعل كيماوي في دماغك). لذلك فأنت لست بالشيء البسيط.
فعلى كل واحد منا ـ بعد الإيمان بأن لديه موهبة ـ أن يبحث بشكل حثيث عن تلك الموهبة المودعة لديه، وذلك لكي يهتدي إلى المجال الذي يمكن له أن يتفوق فيه، ليبذل طاقته فيه، ولا يضيعها في أمور ومجالات أخرى.
إن الذي يسعى للتفوق في المجال الذي يتميز فيه لا ينجح ويتمتع فحسب، بل إن صحته النفسية وقدراته الإنتاجية ترتفع، وبشكل كبير.
والتنقيب عن الموهبة ليست بالمهمة السهلة، بل إنها قد تكون مهمة شاقة وشاقة جدا.فالموهبة كالماس الذي يبدو في البداية وكأنه قطعة فحم بلا قيمة. ولكن قطعة الفحم تلك تتحول إلى قطعة ماس رائعة بعد أن يتم إخضاعها لكثير من القطع والصقل والتشكيل.
إن قطعة الماس الرائعة يمكن أن ندوسها بأقدامنا معتقدين أنها مجرد قطعة فحم عادية.
دعونا نستمع لهذه القصة الحقيقية، والتي حدثت في جنوب إفريقيا.
إنها قصة مزارع من جنوب إفريقيا كانت له مزرعة توفر له دخلا لا بأس به، قضى فيها ثلاثة عشرة سنة. وبعد أن شاخ المزارع باع حقله، لأنه سمع أن بعض الناس جمع أموالا طائلة من خلال التنقيب عن الماس وبيعه. تحمس المزارع لفكرة التنقيب عن الماس، فأخذ ينقب بلا كلل ولكن تنقيبه لم يأت بنتيجة.
المفاجأة أن المزارع الجديد الذي اشترى الحقل وجد فيه ماسة، ثم وجد ثانية، فثالثة قبل أن يكتشف أن حقل المزارع العجوز عبارة عن منجم من الماس.
عندما علم المزارع بأنه كان يمشي على منجم كبير من الماس، دون أن يشعر بذلك، وبأنه باع منجم الماس بسعر زهيد لكي يساعده في تنقيب عن ماس لم يعثر عليه، عندما علم بذلك ألقى نفسه في البحر منتحرا.
لقد كان الماس قريبا جدا من المزارع العجوز، ولكنه بحث عنه بعيدا وبعيدا جدا.
فالمجال الذي يمكننا أن نبدع فيه ( الموهبة) قريب جدا منا، لأنه في أنفسنا، ولكننا قد نبحث عنه بعيدا.
فنحن لم نعد نقضي وقتا مع أنفسنا للبحث عن الموهبة ( الماسة التي بداخلنا)، ولكننا نقضي وقتا طويلا من أعمارنا للبحث عن ماس بعيد قد لا نجده إطلاقا.
فمشكلتنا في هذا العصر أننا أصبحنا نعرف شيئا كثيرا عن العالم من حولنا، ولا نعرف إلا القليل عن أنفسنا.
وربما يكون الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني الذي اكتشف موهبته بعد الستين، قد أضاع الكثير من عمره في البحث عن مجال يتميز فيه غير الشعر ولكن دون جدوى، فحياته لم تكن معروفة قبل الستين.
وربما يكون ضياع تلك العقود الستة من عمر النابغة سببها أنه لم يبحث داخل نفسه عن موهبته التي كانت قريبة جدا منه، وربما يكون بحث بعيدا في مجالات أخرى، كما هو الحال بالنسبة لمزارع جنوب إفريقيا. لقد تمكن النابغة بعد الاكتشاف المتأخر لموهبته أن يصعد بسرعة فائقة إلى القمة، حيث منحه النعمان بن المنذر مكانة لم يمنحها لشاعر من قبله . كما أنه كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فيقصده الشعراء ويعرضون عليه أشعارهم.
وهناك كثيرون اكتشفوا مواهبهم في وقت متأخر، لذلك فلا تعتقد بأن الوقت قد تأخر عليك لاكتشاف موهبتك. وفي العادة فإن المواهب في الدول الفقيرة كثيرا ما يتأخر اكتشافها. ولاكتشاف موهبتك عليك أن تعلم بأنك أنت الشخص الوحيد الذي يمكنه أن ينزع اللثام عن موهبته، دون أن يعني ذلك بأنه لا أحد يمكنه مساعدتك في تلك المهمة.
والموهبة معناها اللغوي كما في المعاجم أخذ من فعل وُهِب أي أعطي الشيء مجانا. أما اصطلاحا فلها تعريفات كثيرة ومتشعبة ليس هذا المقام مناسبا لبسطها، ويمكن أن نعتبرها مَلَكَة أو قريحة يهبها الله عز وجل لعباده.
ويرى الكثير من العلماء بأن المواهب هي قدرات خاصة ذات أصل تكويني، لا يرتبط بذكاء الفرد، بل يرث مثل هذه المواهب حتى ولو كان من المتخلفين عقليا.
والموهبة كثيرا ما تختلط عند البعض بالهواية ويمكن لنا التفريق بين الموهبة والهواية على النحو التالي: فالموهبة عطاء يولد مع الإنسان، أما الهواية فهي الميل إلى شيء معين، وتكون مكتسبة، وهي من الهوى.
فلكي تكون شاعرا فلا بد لك من موهبة في الشعر، ولا يكفي لقول الشعر أن تكون من هواته.
والإنسان كثيرا ما تكون هوايته مرتبطة بموهبته، ومن هنا يأتي الخلط بينهما.
وهناك أسئلة حددها البعض، قد تساعدك الإجابة عليها في اكتشاف موهبتك. ومن المهم هنا أن تستخدم ورقة وقلم لتسجيل الإجابات، وعليك أن تكتب أول إجابة تخطر ببالك:

1ـ تخيل أن هناك كتابا واحدا فقط يمنح لكل فرد، فما الكتاب الذي سيقع عليه اختيارك؟

2ـ إذا قررت أن تجرب ثلاث وظائف فماذا ستكون هذه الوظائف؟ وما هو ترتيبها؟

3ـ تخيل أنه يجب عليك أن تعلم الآخرين ثلاثة أشياء في الحياة. فماذا ستكون هذه الأشياء؟

4ـ إذا سُمح لك أن تقوم بعمل تغيير إيجابي واحد فقط في العالم، كبيرا كان أو صغيرا، فماذا سيكون هذا التغيير؟

5ـ ما التحدي الشخصي الذي تغلبت عليه؟ وكيف يمكنك مساعدة الآخرين لعمل نفس الشيء؟

عند الإجابة على هذه الأسئلة بكل موضوعية ستلاحظ أن جميع الإجابات تسير في اتجاه واحد، ذلك الاتجاه هو الذي يتفق مع قدراتك وإمكاناتك، والتي يجب عليك أن تستغلها بشكل لكي تنجح في حياتك.
إضاءة : إن تغيير موريتانيا عملية في منتهى البساطة، ولكنها تحتاج لأن تسبقها عملية في منتهى التعقيد وهي : أن تغير نفسك!!!

الثلاثاء، 24 مايو 2011

بطاقة دعوة ليوم الرفض..!



بطاقة دعوة ليوم الرفض..!
إني أرفض الصمت في زمن الثورات..
إني أرفض أن أظل ألهث خلف تصاعد أسعار البضائع والمحروقات..
إني أرفض أن تثار في بلدي النعرات..
إني أرفض أن أكون فأر مختبرات.
إني أرفض أن تجرب عليَّ في كل يوم أتعس النظريات..
إني أرفض المزيد من ارتجال القرارات..
إني أرفض حكومة بلا إنجازات..
إني أرفض حكومة التراكمات..
حكومة "معاليه" كلما أخفقت قال وزراؤها ذاك بسبب التراكمات..
إن ارتفعت الأسعار أنشدوا أغنية التراكمات..
إن توقف دفع الرواتب قالوا فعلتها التراكمات..
إن احتج عاطل قالوا لا وظيفة مع التراكمات..
إن مات جائع قالوا سنقتص له من التراكمات..
إن بكى طفل قالوا أبكته التراكمات..
إن أنَّ مريض لعنوا التراكمات..
إن تفكك "الاتحاد" قالوا تآمرت عليه التراكمات..
إن عثرت بغلة بحثوا في أرشيف التراكمات..
وحكومة "معاليه" إذا ما أمطرت السماء قالت ذاك من الانجازات..
إن نجحت ثورة قالت حكومة "معاليه" نحن من أبدع الثورات..
إن هب نسيم سجلته في قائمة الانتصارات..
إن ضحكت طفلة بريئة كانت ضحكتها استجابة للتعليمات..
إن نامت قالوا نامت وفقا للتوجيهات..
إن استيقظت من غفوتها قالوا أيقظها شق الطرقات..
إن عملت صالحا وضعوه في ميزان الحسنات..
وإن أساءت أعادوا شريط التراكمات..
حكومة "معاليه" لها على الأثير صرخات..
وفي الميدان لم تترك أية بصمات..
إني أرفض حكومة بلا إنجازات..
إني أرفض حكومة بلا بصمات..
إني أرفض حكومة التراكمات..

الأحد، 22 مايو 2011

أعيدوا لي معزتي يا سيادة الرئيس!!!




سيدي الرئيس،
في الأيام الماضية توجه إلى قصركم شيخ كبير طاعن في السن، واختلط بجموع أصحاب المظالم المتواجدين هناك. ولقد كان الشيخ يريد من سيادتكم أن تعيدوا له معزاته التي تم احتجازها في إحدى بلديات العاصمة.
لم يفكر الشيخ في أن يلجأ إلى الحاكم، ولا إلى وزير الداخلية، ولا إلى الوزير الأول لأنه ربما كان يعلم بأن كل أولئك لن يعيدوا إليه معزاته، أو لعل الشيخ حاول معهم واحدا بعد واحد ولكن بدون جدوى، لم أقابل الشيخ حتى أستفسر منه.
المهم أن حكومة معالي الوزير الأول التي تبذل "جهودا جبارة" من أجل تنفيذ برنامجكم الانتخابي، لم تستطع أن تطلق سراح شاة محتجزة في إحدى بلديات العاصمة لشيخ فقير طاعن في السن. أو أنها لم تستطع أن تكتسب ـ وهذا تفسير ثان وارد ـ ثقة شيخ كبير، وتجعله يحسن بها الظن، و يلجأ إليها لاستعادة شاته، بدلا من التوجه رأسا إلى سيادتكم من أجل إطلاق سراحها.
هذه القصة اخترتها ـ يا سيادة الرئيس ـ لكي تكون مدخلا لرسالتي المفتوحة رقم 20، والتي سأخصصها لمطلب مُلِح كنت قد طالبتكم به في الرسائل الأولى من هذه السلسلة من الرسائل المفتوحة، وهو المطلب المتعلق بضرورة إنشاء ديوان للمظالم.
سيدي الرئيس،
بدءا اسمحوا لي هنا أن أبين لكم حقيقة هامة جدا، أعتقد بأنه قد أصبح من الضروري تبيانها لكي لا تظل هذه الرسائل المفتوحة يُساء بها الظن، ويُساء فهمها خاصة من طرف بعض مقربيكم.
فأنا لو كنت معارضا حقودا ـ كما يزعم البعض ـ ما كتبت لكم هذه الرسالة المفتوحة، ولا كتبت لكم الرسائل المفتوحة التي سبقتها.
ولو كنت معارضا حقودا ـ وأرجو أن تتأملوا في هذا الكلام جيدا ـ لكتبت شيئا آخر غير هذه الرسالة المفتوحة. فالذي يتمناه حقا كل معارض حقود هو أن لا تنشئوا ديوانا للمظالم، حتى يظل الكل يزحف إلى الرئاسة، بدءا بصاحب الشاة، وانتهاء بصاحب الشهادات العالية، مرورا بالمطالبين بقطع أرضية، أو بعلاوات، أو باكتتاب، أو بماء، أو بتنفيذ أحكام قضائية، أو حتى بعابري السبيل.
ولو كنت معارضا حقودا لوليت وجهي شطر أحزاب المعارضة، ولقلت لهم بأن أهم شيء يمكن أن يفعلوه في هذه الأيام هو أن يركزوا اهتمامهم على أصحاب المظالم، وأن يشجعوهم على الزحف فرادى ومثنى وجماعات للالتحاق بمن سبقهم من المحتجين إلى القصر الرئاسي.
ولو كنت معارضا حقودا لطلبت من تلك الأحزاب أن تخصص كل مواردها المالية لتوفير وسائل نقل للزاحفين إلى القصر، مع توفير الشاي والطعام والشراب، هذا فضلا عن توفير كل الوسائل الضرورية الأخرى لإنعاش كل سهرة اعتصام أو احتجاج تنظم أمام القصر، وذلك لكي تستقطب "سهرات الرئاسة الاحتجاجية" أكبر عدد ممكن من الساهرين المحتجين.
فذلك هو أهم شيء ـ على الإطلاق ـ يمكن أن يتفرغ له معارض حاقد. أما أسوأ شيء يمكن أن يتفرغ له ذلك المعارض الحاقد، هو أن يفعل ما أفعل، "فيُضيع" وقته وجهده وفكره للبحث عن مقترحات عملية، يقدمها في رسائل مفتوحة إلى أولى الأمر في هذا البلد، الذي يقدر أهله كل شيء إلا الأفكار والمقترحات النافعة.
إن "حفاوة" الاحتجاج التي استقبلكم بها المئات من المواطنين بعد عودتكم من ساحل العاج، وما سبق ذلك من اعتصامات متواصلة يومي الأربعاء والخميس الماضيين لمئات المواطنين من سكان الأحياء الشعبية أمام القصر، مع تفكير بعضهم في اقتحام ساحته، ليفرض على كل من هو ليس بالمعارض الحاقد ولا بالحامل للموالاة في جيناته، أن يطلب من سيادتكم أن تنشئوا ـ وبشكل فوري ـ ديوانا للمظالم، وتختاروا له موظفين أكفاء ونزهاء، يستقبلون أصحاب المظالم ويبحثون معهم عن حلول عادلة لمشاكلهم مع الجهات المعنية، ويرفعون إليكم ما عجزوا عن حله، ويبلغونكم ـ بكل أمانة وصدق ـ بكل الجهات الإدارية التي لم تتعامل بإيجابية مع المظالم المرفوعة إليها.
إن هناك أسبابا عديدة أصبحت تفرض تأسيس هذا الديوان، ومن هذه الأسباب يمكن لي أن أذكر:
1 ـ إذا ما ظلت الأمور تدار بهذه الطريقة فإن الاحتجاجات والاعتصامات ستظل في تصاعد مستمر، وربما تصل في وقت قريب إلى مستويات يصعب السيطرة عليها.
2 ـ إن أي تعامل مباشر من طرفكم ـ إيجابيا كان أو سلبيا ـ مع هذا النوع من الاحتجاجات لن يؤدي إلا للمزيد من اتساعها. فاستجابتكم المباشرة لبعض المحتجين سيتسبب في خروج أفواج جديدة أخرى من أصحاب المظالم للاحتجاج أمام القصر حتى يستجاب لهم هم أيضا. وعدم الاستجابة سيزيد من إصرار المحتجين ومن عنادهم لأنه لا توجد جهة أخرى يمكن أن يلجؤوا إليها بعد الرئيس، لذلك فلن يكون أمامهم إلا أن يزيدوا من حجم ومستوى ضغوطهم عليكم.
3 ـ لقد أظهرت هذه الاحتجاجات بأنه لم يعد لدى المواطنين أي ثقة في مستشاريكم. ففي العهود السابقة كان أي تعهد يأتي من أي مستشار في الرئاسة يكفي لأن يوقف الاحتجاجات لأيام وربما لأسابيع يمنحها المحتجون ـ عادة ـ لاختبار جدية الوعود المقدمة إليهم من طرف المستشار. أما اليوم فإن المواطنين قد انهارت تماما ثقتهم بمستشاريكم، ولم يعودوا يقبلون بمنحهم هدنة، حتى ولو كانت من دقيقة واحدة ليختبروا فيها جدية تعهداتهم.
4 ـ إذا كان لدى سكان العاصمة فرصة لكي يبلغوكم مظالمهم من خلال الاحتجاج أمام القصر، فإن سكان الولايات الداخلية ليست لديهم تلك الفرصة، لذلك فإنهم يلجؤون عادة لبعض الأعمال التي قد لا تكون مناسبة من أجل لفت الانتباه إلى مظالمهم، كإحراق المباني والممتلكات العمومية (فصالة مثلا) أو كقطع الطريق أمام السيارات كما حدث في الغايرة ولبيرد وفي قرى أخرى.
5 ـ لقد عرفت الأسابيع الأخيرة تطورا لافتا في اتساع رقعة الاحتجاجات، وفي تزايد عدد المشاركين فيها، خاصة من المواطنين البسطاء الذين ربما تكون غالبيتهم قد صوتت لكم في الانتخابات الرئاسية. هذا فضلا عن استعداد هؤلاء للتعبير ـ من حين لآخر ـ عن مستوى غضبهم بطرق و أساليب قد تكون عنيفة في بعض الأحيان، وهو ما يستدعي ـ من سيادتكم ـ اتخاذ حزمة من القرارات الشجاعة، والتي يجب أن يكون على رأسها تأسيس ديوان للمظالم، تُمنح للقائمين عليه صلاحيات واسعة تمكنهم من أن يجعلوا منه الوجهة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ لكل صحاب مظلمة في هذا البلد، وما أكثر أصحاب المظالم في هذا البلد.
وفي ختام هذه الرسالة، اسمحوا لي ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أثمن تعليماتكم الأخيرة لوزارة التوجيه الإسلامي والتي طالبتم فيها بالكشف عن خرائط الموتى الموريتانيين المفقودين منذ الاستقلال، وحبذا لو صاحب تلك التعليمات تعليمات أخرى تعيد للغة الرسمية لهذا البلد مكانتها اللائقة بها والتي منحها لها الدستور الموريتاني، وهي المكانة التي لا زالت تغتصبها اللغة الفرنسية التي لم يأت ذكرها في هذا الدستور.
إن ملف الإرث الإنساني وقضية اللغة العربية يعتبران من أهم القضايا الشائكة التي لم يعد من الممكن تجاهلهما، وهما مشكلتان عويصتان معقدتان حساستان كان من الحكمة أن يتم حلهما بشكل جذري وفي وقت متزامن.
فحل واحدة من المشكلتين دون حل الثانية لن يؤدي ـ قطعا ـ إلى الاستقرار في هذا البلد، وهو فوق ذلك سيزيد من تعقيد حل المشكلة التي سيتم تأجيلها إن لم يجعل من حلها مستقبلا أمرا مستحيلا.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الواحدة والعشرين إن شاء الله.