الأحد، 29 مايو 2011

ولكل معتصم ما نوى




سيحاول هذا المقال أن يتحدث عن فرص نجاح الحراك الشبابي من منطلق رياضي بحت، واعتمادا على القانون الرياضي الشهير، الذي يعتبر من أهم ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا المجال:
C = A x B x D > X
إن هذا القانون ـ الذي كنت قد استخدمته سابقا لدراسة فرص نجاح "التغيير البناء" ـ هو الذي يحدد فرص نجاح أي تغيير سواء كان ذلك التغيير فرديا، أو كان داخل مؤسسة أو منظمة أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (d) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير. فهذا المستوى يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
ويقول القانون بأن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بــ (c) تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة (a) في معامل وضوح الرؤية (b) في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى(d). ويقول القانون بأن هذا الناتج يجب أن يكون أكبر من (x) والتي ترمز لكلفة التغيير.
والحديث عن عناصر معادلة التغيير يستلزم الحديث عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقانونه، والتي كثيرا ما تغيب عن المهتمين بالموضوع.
1ـ سنختلف لا محالة في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في عملية التغيير، بخلاف عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفته إلا بشكل مؤجل (وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون منه مواقف سلبية).
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير المنشود إلى ألد خصوم ذلك التغيير. و يمكن هنا ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم تكمن في نجاح التغيير. ومن الغريب أن هؤلاء المثبطين لا تتفتق مواهبهم ولا يظهر حماسهم إلا في الأوقات التي يحاولون فيها التثبيط من عزيمة من يطالب بالتغيير، والذي إن حدث سيكونون هم أول من يستفيد منه. كما أن هناك فئة الخاملين التي ترغب دائما في أن تبقى الأمور خاملة على حالها، حتى ولو كان ذلك على حسابهم. وهناك فئة قد تركب موجة الإصلاح، لا من أجل إحداث التغيير، وإنما لتحقيق مآرب شخصية، أو لمواجهة خصوم شخصيين. وهناك فئة أخرى أشد خطرا، وهي التي لا تبذل جهدا وتظل ترقب اللحظة الحاسمة للتحرك من أجل قطف ثمار جهود الآخرين.
وأخيرا هناك الفئة المترددة التي تظل تتفرج على الصراع وتطوراته، في انتظار أن تميل الكفة لصالح طرف على حساب طرف آخر، وذلك قبل اتخاذ قرار للالتحاق بالطرف الذي مالت له الكفة. وهذه الفئات تحدثت عنها سابقا في مسودة خطة عمل للنقاش قدمتها للشباب في بداية الحراك الحالي باسم مجموعة 17 فبراير. وما أود أن أخلص إليه هنا، هو أن الكثيرين سيقفون ضد الحراك الشبابي، وقد كان من المفترض أن يناصروه. كما أن هناك أعدادا كبيرة قد تناصر هذا الحراك، ليس حبا أو سعيا للإصلاح وإنما لأغراض أخرى. وهذه الفئة يمكن الاستفادة منها بشرط أن لا تشرك في اتخاذ القرارات، ولا في احتلال مراكز قيادية. فللجميع الحق في المشاركة في الاحتجاجات والاعتصامات وسيبقى لكل معتصم ما نوى.
4 ـ إن حَمَلة لواء مشعل التغيير والإصلاح في أي مجتمع ليس بالضرورة أن يكون عددهم كبيرا، المهم أن تكون فاعليتهم كبيرة.
5ـ إنه ليس من المطلوب أن نغرق في تحليلات رياضية في مقال كهذا، كما أنه ليس بالإمكان تعويض عناصر المعادلة أو المتراجحة بأرقام لاستحالة ذلك. فالمهم هنا أن يعلم القراء بأن كل تغيير يستلزم توافر العناصر الثلاثة الآنفة الذكر، و في حالة غياب واحد منها، أي أن يصبح يساوي صفرا، فإن معامل التغيير (c) سيكون صفرا، لأنه حاصل ضرب العناصر الثلاثة، وهذا الحاصل يجب أن يكون أكبر بكثير من كلفة التغيير(x).
وقبل الحديث عن العناصر الثلاثة للمعادلة، لابد من التوقف قليلا عند كلفة التغيير. فلكل تغيير كلفة، تكبر أو تصغر، حسب حجم التغيير نفسه، وهذه الكلفة فيها ما هو شخصي يدفعه الأفراد، وفيها ما هو عام يدفعه المجتمع أو الدولة بشكل عام.
ففيما يخص الأفراد، وفي حالتنا هذه يمكن القول بأن غالبية الموريتانيين لن تخسر شيئا على الصعيد الشخصي. فالعاطل عن العمل الذي لا ينحدر من سلالة العائلات التي تتقاسم وتتوارث الوظائف القليلة المتاحة، لن يحصل على وظيفة إذا ما ظلت الأمور تدار بهذه الطريقة، حتى ولو صبر وانتظر سنوات عدة. لذلك فهو إن لم يربح فلن يخسر شيئا إذا ما حاول أن يغير من هذا الوضع البائس. ولقد أثبتت الثورات العربية أن الإطاحة بنظام كامل قد تكون أسهل بكثير من حصول شاب فقير على وظيفة. فالبوعزيزي الذي فشل ـ رغم جهوده الكبيرة ـ في الحصول على رخصة لمزاولة عمله، تمكن من أن يسقط نظاما بكامله. وما ينطبق على العاطل عن العمل ينطبق على كل فئات وشرائح المجتمع.
أما على الصعيد العام فإن الحراك الشبابي ـ حسب البعض ـ قد يتسبب في انفلات الأوضاع، وقد يتم استغلاله لإشعال الفتن بين مكونات هذا الشعب المغلوب على أمره.
والحقيقة أن أخطر ما يهدد السلم الاجتماعي هو أن تظل العدالة الاجتماعية غائبة، وأن يظل النظام ضعيفا غير قادر على أن يلعب دوره المفترض، مما يجعله يتخبط ويتخذ قرارات مرتجلة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، دون أن تكون تلك القرارات في إطار مصالحة وطنية شاملة، مما يعني أنها ـ أي القرارات ـ ستجلب من المفاسد أكثر مما ستأتي به من المصالح.
فقرار إعداد خرائط للموريتانيين المفقودين أصاب أغلبية هذا الشعب بالارتباك وبالذهول. ولم تستطع الأحزاب أن تتخذ منه موقفا، فهي لا تستطيع أن تعارضه حتى لا توصف بأنها عنصرية، ولا تستطيع كذلك أن ترحب به لأنها لا تعرف " الخطوات" التي ستعقبه، ولا حجم المخاطر التي قد تترتب عليه. أما الأحزاب المعنية بشكل مباشر بهذا القرار، فقد اعتبرته مجرد خطوة أولى يجب أن تتبعها "خطوات" أخرى. ولكل واحد منكم الحق أن يخط ما شاء من خطوط تحت الخط الذي وضعته تحت كلمة خطوات ( سأعود إلى كلمة "خطوات" مستقبلا وبالشيء من التفصيل، إن شاء الله). المهم أن هذا القرار أغضب البيظان ولم يُرض الزنوج، (يؤسفني حقا استخدام هذه المصطلحات) وأعتقد أن اتخاذ قرارات مرتجلة بخصوص مواضيع وطنية شائكة دون الرجوع إلى ذوي الحصافة والرأي السليم ، هو الذي يهدد السلم الاجتماعي بدلا من أن يحميه. ومخاطر هذا النوع من القرارات المرتجلة، في المواضيع الشائكة، هو الذي يهدد السلم الاجتماعي، أكثر مما يهدده الحراك الشبابي.
إن قانون التغيير يقوم على ثلاثة عناصر:
أولها، درجة الاستياء من الواقع المراد تغييره: إن درجة الاستياء بلغت مستويات عالية جدا. فارتفاع الأسعار، وتفشي البطالة، وانهيار التعليم، وغياب الرؤية، وسطحية الخطاب الحكومي، والركود العام في كل المرافق للبلاد، مع المحافظة على نفس "الرتبة" في لائحة الدول الأكثر فقرا وأمية وفسادا وضياعا. كل ذلك زاد من مستوى الاستياء لدى المواطن الموريتاني بصفة عامة، ولدى الشاب بصفة خاصة. يضاف إلى ذلك ضعف كافة النخب وفشلها في تغيير حال البلاد، في حين نجحت الفئة الفاسدة في المجتمع في التحكم في هذه النخب وخبزها وعصرها وشكلها وعجنها فأظهرتها بأشكال قبيحة وبائسة وتائهة وعاجزة.
إن هذا الواقع البائس، والذي يزداد بؤسا يوما بعد يوم، خلق درجة عالية من الاستياء في البلاد، بلغت الذروة في ظل النظام الحالي الذي تعهد للشعب بوعود غير مسبوقة، أعقبها فشل غير مسبوق.
ثانيها، وضوح الرؤية : إن المتتبع لنقاشات وحوارات الشباب في صفحاتهم على الفيس بوك لا بد أن ينبهر بمستوى النضج والوعي لدى هؤلاء الشباب، والذي يفوق مستوى النضج لدى النخب السياسية التي تحتكر وسائل الإعلام الرسمي، ولابد له كذلك أن يلمس إحباط هؤلاء الشباب، وعدم ثقتهم في كل النخب السياسية، مما جعلهم يطلقون مشروعهم الخاص بهم للتغيير.
فما الذي يمكن أن ينتظره الشباب من أغلبية يصف أحد نوابها ناخبيه بالغوغاء؟ وما الذي يمكن أن ينتظرونه من أغلبية، تكاد أن تُنهي مأموريتها، ومع ذلك ليس في سجل كل نوابها مساءلة واحدة لوزير مما دفع الوزير الأول لأن يستدعيها ويطلب منها أن توجه أسئلة مكتوبة أو شفهية لوزرائه، وربما تكون هذه ميزة لديمقراطيتنا، فلا أعتقد بأنه حدث في العالم وأن استدعى رئيس حكومة في دولة ما نوابا في تلك الدولة، و"توسل" إليهم لكي يوجهوا أسئلة لوزرائه.
وما الذي يمكن أن ينتظره الشباب من معارضة دأب زعماؤها على خذلان الشعب الموريتاني، وعلى إضاعة الفرص العظيمة والنادرة التي كان يمكن لها أن تكون بداية لتغيير حقيقي.
ألم يخذل الزعيم الوطني والمناضل الكبير السيد مسعود الشعب الموريتاني في لحظة تاريخية فاصلة وحاسمة، فمنح صوته لمرشح العسكر الذي لم يبذل جهدا، ولم يقدم تضحيات في سبيل الرئاسة، وحرم بذلك ـ ولأسباب شخصية ـ من كان أولى بالرئاسة في ذلك الوقت؟
ألم يخذل كذلك الزعيم الوطني والمناضل الكبير السيد أحمد داداه الشعب الموريتاني في لحظة تاريخية فاصلة وحاسمة، فأسرع في الاعتراف بانقلاب السادس من أغسطس، وأظهر حماسا يفوق بكثير حماسه أثناء الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2007؟
ألم يكن بإمكان الزعيم مسعود أن يجنبنا انقلاب 2008 لو غلَّب المصلحة العليا للبلد، وصوت لزعيم المعارضة الذي كان يستحق الفوز في ذلك الوقت؟
أولم يكن بإمكان الزعيم أحمد داداه أن يُفشل انقلاب 2008 لو أنه غلب المصلحة العليا للوطن ورفض الاعتراف بالانقلاب في صبيحة السادس من أغسطس؟
ولماذا ينتقد زعماؤنا السياسيون العسكر ويتناسون بأن العسكر لم يرتكبوا جريمة إلا وكانوا هم شركاء فيها بدءا بانقلاب 1978 وانتهاءً بانقلاب 2008.
إن الكثير من الشباب أصبح يدرك اليوم بأن عملية التغيير في هذا البلد يجب أن يقودها الشباب الذي سيعيش غدا على هذه الأرض، بعد أن تكون كل النخب السياسية التي أضاعت فرصا نادرة قد رحلت. وعملية التغيير هذه يجب أن تكون مفتوحة لكل الشباب سواء منهم من كان مستقلا أو معارضا أو منخرطا في الأغلبية.
ثالثها، مستوى الانجاز في الأشهر الأولى: لقد استطاع الشباب بعد مرور ثلاثة أشهر على حراكهم تحقيق إنجازات ملموسة، ولكنهم أيضا عرفوا بعض الإخفاقات التي لا يمكن إغفالها. لذلك فيمكن القول بأن معامل الأداء في الأشهر الأولى ليس في صالح الشباب، وإن كان كذلك ليس ضدهم.
لقد استطاع الشباب أن يربكوا السلطة القائمة أكثر مما أربكتها كل التشكيلات السياسية القائمة، الشيء الذي جعلها تفكر في تأسيس حزب للشباب لكي تواجه به شباب فبراير. كما أن الاستعداد الأمني الكبير الذي حشده النظام في يوم "الرفض" ـ رغم فشل الشباب ذلك اليوم ـ أظهر مدى تخوف السلطات من الاحتجاجات الشبابية.
وفي المقابل فإن الشباب قد عانى في الأشهر الثلاثة الماضية من بعض الخلافات العميقة، كما أنه لم يستطع ـ حتى الآن ـ أن يستقطب لحراكه فئات المجتمع الأخرى وشرائحه، والتي تحتج وتتظاهر بشكل يومي تقريبا.
ومهما يكن من أمر فإن أي تغيير يجب أن يرتكز على عناصر ثلاثة هي : مستوى الاستياء من الواقع المراد تغييره، ووضوح الرؤية، ومستوى الإنجاز في المرحلة الأولى . وقد رأينا أن العنصرين الأول والثاني من قانون التغيير كانا لصالح الحراك الشبابي، أما العنصر الثالث فلم يكن لصالحهم ولا ضدهم، وهو ما يجب أن يعيه القائمون على الحراك الجديد، والذي من المتوقع أن يكون أكثر فعالية من الاحتجاجات الشبابية السابقة.
تصبحون وأنتم معتصمون

السبت، 28 مايو 2011

الأسد والرامة٭/ تم نشرها في يناير 2009



عزيزي القارئ، سنبدأ ورقة اليوم بطرح اللغز التالي ، يقول اللغز: كيف يصطاد الأسد الغزال مع العلم أن الغزال أسرع بكثير من الأسد ؟
أرجوك قبل أن تواصل قراءة هذه الزاوية، فكر جيدا في حل هذا اللغز.
من أجل المساعدة، سأطرح عليك هذا اللغز بالصيغة التالية: ما هو هدفك في الحياة ؟
للأسف، الكثير من القراء قد لا يجد جوابا علي هذا السؤال، البعض الآخر سيفكر لمدة قبل أن يجيب علي السؤال وهذا لا فرق بينه وبين الفريق الأول .
فريق ثالث سيجيب بشكل متلعثم وسيتحدث عن أهداف غير واضحة ومبهمة وهذا أيضا لا يختلف كثيرا عن الفريقين السابقين .
جميع هؤلاء ـ وهذا لابد من قوله ـ لا يعرف ما يريد لذلك فأي طريق سلكه سيوصله إلي اللاشيء طبعا.
هذا النوع من الناس لا يتعدي كونه مجرد رقم عادي ، يولد ، يعيش ما كُتِبَ له ثم يموت دون أن يترك أثرا خلفه ودون أن يضيف للحياة أي شيء جديد .
الأقلية من القراء هي التي ستجيب بشكل واضح وسريع وستتحدث عن أهداف محددة وطموحة وقابلة للتحقيق ، هذه الأقلية هي التي تفرز أرقاما صعبة .
ومن المؤسف هنا أن غالبية الفئة الأخيرة لا تستطيع أن تكون أرقاما صعبة لأنها لا تستطيع أن تحقق أهدافها التي رسمت وذلك بسبب كثرة التفاتها إلي الوراء نتيجة لوسوسة المثبطين ، فغالبية الناس لا يكفيها أنها بلا أهداف تعيش من اجلها بل أنها أكثر من ذلك تسعي ـ بقصد أو بغير قصد ـ إلي تثبيط وتشكيك أصحاب الأهداف الكبرى في إمكانية تحقيق أهدافهم .
أيضا من الأسباب التي تؤدي إلي موت الهدف لدي غالبية الفئة الأخيرة هو أن الكثير من هؤلاء يعتقد أنه عندما يحدد هدفا نبيلا يسعي إلي تحقيقه سيفرش له السجاد الأحمر وستنثر له الورود والأزهار في طريقه لتحقيق ذلك الهدف النبيل .
هذا لن يحدث إطلاقا ، لن يحدث إطلاقا ، لن يحدث إطلاقا ....
بل علي العكس من ذلك ، فكلما كان الهدف طموحا وعظيما كلما كان ذلك يعني أن الطريق إليه ستكون مليئة بالأشواك وبالتحديات وبالابتلاءات ، لن يكون هناك سجاد أحمر ولا ورود إلا في نهاية الطريق ، هذه حقيقة أكيدة يمكن التأكد منها في كل مرة تعود فيها إلي حياة أحد العظام ممن حقق هدفا عظيما في حياته .
في احدي الأوراق الماضية تحدثنا عن ما واجهه " أديسون " من أجل تحقيق هدفه الذي تمثل في البحث عن وسيلة ما لإنارة العالم ليلا ،اليوم سنقدم كمثال آخر الياباني الذي أسس شركة "هوندا " المعروفة ، هذا الياباني عندما أسس مصنعه لأول مرة من خلال بعض الأموال التي اقترضها قصفت الولايات المتحدة الأمريكية هذا المصنع فدمرته بشكل كامل أثناء الحرب العالمية الثانية ، بعد ذلك أعاد هذا الياباني للمرة الثانية تأسيس مصنعه ، فكان أيضا التدمير الكامل مرة أخري وذلك بفعل زلزال مدمر ضرب المنطقة التي كان يوجد فيها المصنع .
لم يلتفت هذا الياباني إلي الوراء ، لو التفت إلي الوراء لما استطاع أن يشيد مصنعه ، والالتفاتة إلي الوراء قد تكون في بعض الأحيان قاتلة ، هذا هو السر الذي يتمكن من خلاله الأسد من افتراس الغزال .
فالأسد عندما يحدد هدفا وهو هنا افتراس الغزال ، يبدأ مباشرة بالجري وراء الغزال ولا يلتفت ـ إطلاقا ـ إلي الوراء إلا بعد أن يصطاد الغزال ، أما مشكلة الغزال ـ الذي يتمثل هدفه في محاولة النجاة من افتراس الأسد ـ فهي أنه يظل يلتفت دوما إلي الوراء من أجل تحديد المسافة التي تفصل بينه وبين الأسد .
هذه الالتفاتة القاتلة هي التي تؤثر سلبا علي سرعة الغزال، وهي التي تقلص من الفارق بين سرعة الأسد والغزال وبالتالي تمكن الأسد من اللحاق بالغزال ومن ثم افتراسه .
لو لم يلتفت الغزال إلي الوراء لما تمكن الأسد من افتراسه .

إضاءة : للكبار أهداف ..... وللصغار رغبات ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٭الرامة هي كلمة كنعانية قديمة بمعني الغزال ، ولقد اخترت أن أستخدمها هنا من أجل الإجابة علي سؤال طرحه كثير من المشاهدين بعد أحداث " غزة " الأخيرة ، ف "رامتان " تعني الغزالتان ( والمقصود هنا قطاع غزة والضفة الغربية ) وهي وكالة فلسطينية بدأت بجهد متواضع قبل أن تصل إلي ما وصلت إليه اليوم .

الجمعة، 27 مايو 2011

اكتشف كنزك!!!



قرأت منذ سنوات عدة قصة عرضت بشكل عابر في كتاب لم أعد أذكر اسمه الآن.
تقول هذه القصة بأن أعمي كان يسكن وحيدا في صحراء قاحلة، سمع ذات مرة هاتفا يبشره بكنز عظيم مدفون في تلك الأرض.
أخذ الأعمى منذ سماع تلك البشرى يحفر الأرض بلا كلل بحثا عن الكنز المنشود. ولقد وجد في بداية بحثه فأسا استعان به علي حفر تلك الأرض الصلبة.
مرت سنوات عديدة وهذا الأعمى لا شغل له إلا حفر الأرض بحثا عن الكنز، ولم يتوقف عن البحث إلا بعد أن سقط ميتا في احدي تلك الحفر التي حفرها بفأسه.
هنا انتهت قصة الأعمى المسكين مع الكنز، ومن هنا سنبدأ معا ( أنت و أنا) من خلال سلسلة من المقالات التنموية، للتنقيب عن كنزك أنت الذي بين يديك، والذي أعتقد أنك حتى الآن لم تكتشفه، وبالتالي فإنك لم تتمكن من استغلاله.
لنطرح السؤال التالي: أين هو الكنز في قصة الأعمى؟؟؟؟؟؟
سُئِلَ أحد الحكماء عن أفضل مكان يمكن أن يعثر فيه علي المواهب فأجاب السائل بلا تردد عليك بالبحث في المقبرة!
فمعظم الناس تدفن معها مواهبها لأنها لم تستطع أن تكتشفها في حياتها، ولم تجد من يعينها علي ذلك.
أعتقد أنك اقتربت كثيرا من اكتشاف كنز الأعمى.
أثبتت بعض الدراسات أن 90% من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات هم من المبدعين، وأن 2% من هؤلاء هم الذين يبلغون سن الخمس والأربعين وهم لا يزالوا مبدعين.
الحال في بلدنا أكثر سوءا لأن نظامنا التربوي يسرع في الموت المبكر للمواهب، ويعجل من إحباط المبدعين، مع أنه من المفترض أن المبدع يمثل ثروة وطنية يعد اكتشافها واستغلالها أهم بكثير من اكتشاف واستغلال أي ثروة طبيعية.
لقد أصبح الجواب واضحا لك فالفأس في قصة الأعمى هو الكنز بعينه لأنه فأس من الذهب الخالص .
لم يكن الأعمى قادرا علي رؤية بريق الذهب يتلألأ من الفأس ولم يجد من يخبره بذلك فكانت النتيجة الأليمة أنه مات يبحث عن كنز بين يديه دفن معه في قبره دون أن يشعر بذلك .
وهذه ليست مجرد قصة أسردها للتسلية بل إنها حقيقة تتكرر يوميا ففي كل يوم تدفن فؤوس ذهبية مع أصحابها وترحل مواهب وقدرات وإمكانيات هائلة دون أن يستغلها أصحابها يوما ودون أن يستفيد منها هذا المجتمع المحتاج إليها.
وهذه واحدة من المصائب العظيمة التي لا تجد من يتحدث عنها بل ولا تجد من يعتبرها أصلا مصيبة.
وحتى لا تدفن معنا فؤوسنا الذهبية (مواهبنا) دعونا نتحدث قليلا عن الموهبة، وعن بعض الخطوات التي قد تساعد في اكتشافها.
بداية علينا أن نتيقن جميعا بأن لكل واحد منا مجالا ما يمكن أن يتفوق بل و يبدع فيه. فالله الذي خلقنا لإعمار الأرض، قد أودع في كل واحد منا إمكانيات وقدرات هائلة تمكنه من انجاز المهمة الموكلة إليه أي إعمار الأرض (عدد الخلايا العصبية في دماغك يفوق عدد سكان كوكب الأرض ب16 مرة!!!، وفي كل ثانية يحدث ـ على الأقل ـ مائة ألف تفاعل كيماوي في دماغك). لذلك فأنت لست بالشيء البسيط.
فعلى كل واحد منا ـ بعد الإيمان بأن لديه موهبة ـ أن يبحث بشكل حثيث عن تلك الموهبة المودعة لديه، وذلك لكي يهتدي إلى المجال الذي يمكن له أن يتفوق فيه، ليبذل طاقته فيه، ولا يضيعها في أمور ومجالات أخرى.
إن الذي يسعى للتفوق في المجال الذي يتميز فيه لا ينجح ويتمتع فحسب، بل إن صحته النفسية وقدراته الإنتاجية ترتفع، وبشكل كبير.
والتنقيب عن الموهبة ليست بالمهمة السهلة، بل إنها قد تكون مهمة شاقة وشاقة جدا.فالموهبة كالماس الذي يبدو في البداية وكأنه قطعة فحم بلا قيمة. ولكن قطعة الفحم تلك تتحول إلى قطعة ماس رائعة بعد أن يتم إخضاعها لكثير من القطع والصقل والتشكيل.
إن قطعة الماس الرائعة يمكن أن ندوسها بأقدامنا معتقدين أنها مجرد قطعة فحم عادية.
دعونا نستمع لهذه القصة الحقيقية، والتي حدثت في جنوب إفريقيا.
إنها قصة مزارع من جنوب إفريقيا كانت له مزرعة توفر له دخلا لا بأس به، قضى فيها ثلاثة عشرة سنة. وبعد أن شاخ المزارع باع حقله، لأنه سمع أن بعض الناس جمع أموالا طائلة من خلال التنقيب عن الماس وبيعه. تحمس المزارع لفكرة التنقيب عن الماس، فأخذ ينقب بلا كلل ولكن تنقيبه لم يأت بنتيجة.
المفاجأة أن المزارع الجديد الذي اشترى الحقل وجد فيه ماسة، ثم وجد ثانية، فثالثة قبل أن يكتشف أن حقل المزارع العجوز عبارة عن منجم من الماس.
عندما علم المزارع بأنه كان يمشي على منجم كبير من الماس، دون أن يشعر بذلك، وبأنه باع منجم الماس بسعر زهيد لكي يساعده في تنقيب عن ماس لم يعثر عليه، عندما علم بذلك ألقى نفسه في البحر منتحرا.
لقد كان الماس قريبا جدا من المزارع العجوز، ولكنه بحث عنه بعيدا وبعيدا جدا.
فالمجال الذي يمكننا أن نبدع فيه ( الموهبة) قريب جدا منا، لأنه في أنفسنا، ولكننا قد نبحث عنه بعيدا.
فنحن لم نعد نقضي وقتا مع أنفسنا للبحث عن الموهبة ( الماسة التي بداخلنا)، ولكننا نقضي وقتا طويلا من أعمارنا للبحث عن ماس بعيد قد لا نجده إطلاقا.
فمشكلتنا في هذا العصر أننا أصبحنا نعرف شيئا كثيرا عن العالم من حولنا، ولا نعرف إلا القليل عن أنفسنا.
وربما يكون الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني الذي اكتشف موهبته بعد الستين، قد أضاع الكثير من عمره في البحث عن مجال يتميز فيه غير الشعر ولكن دون جدوى، فحياته لم تكن معروفة قبل الستين.
وربما يكون ضياع تلك العقود الستة من عمر النابغة سببها أنه لم يبحث داخل نفسه عن موهبته التي كانت قريبة جدا منه، وربما يكون بحث بعيدا في مجالات أخرى، كما هو الحال بالنسبة لمزارع جنوب إفريقيا. لقد تمكن النابغة بعد الاكتشاف المتأخر لموهبته أن يصعد بسرعة فائقة إلى القمة، حيث منحه النعمان بن المنذر مكانة لم يمنحها لشاعر من قبله . كما أنه كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فيقصده الشعراء ويعرضون عليه أشعارهم.
وهناك كثيرون اكتشفوا مواهبهم في وقت متأخر، لذلك فلا تعتقد بأن الوقت قد تأخر عليك لاكتشاف موهبتك. وفي العادة فإن المواهب في الدول الفقيرة كثيرا ما يتأخر اكتشافها. ولاكتشاف موهبتك عليك أن تعلم بأنك أنت الشخص الوحيد الذي يمكنه أن ينزع اللثام عن موهبته، دون أن يعني ذلك بأنه لا أحد يمكنه مساعدتك في تلك المهمة.
والموهبة معناها اللغوي كما في المعاجم أخذ من فعل وُهِب أي أعطي الشيء مجانا. أما اصطلاحا فلها تعريفات كثيرة ومتشعبة ليس هذا المقام مناسبا لبسطها، ويمكن أن نعتبرها مَلَكَة أو قريحة يهبها الله عز وجل لعباده.
ويرى الكثير من العلماء بأن المواهب هي قدرات خاصة ذات أصل تكويني، لا يرتبط بذكاء الفرد، بل يرث مثل هذه المواهب حتى ولو كان من المتخلفين عقليا.
والموهبة كثيرا ما تختلط عند البعض بالهواية ويمكن لنا التفريق بين الموهبة والهواية على النحو التالي: فالموهبة عطاء يولد مع الإنسان، أما الهواية فهي الميل إلى شيء معين، وتكون مكتسبة، وهي من الهوى.
فلكي تكون شاعرا فلا بد لك من موهبة في الشعر، ولا يكفي لقول الشعر أن تكون من هواته.
والإنسان كثيرا ما تكون هوايته مرتبطة بموهبته، ومن هنا يأتي الخلط بينهما.
وهناك أسئلة حددها البعض، قد تساعدك الإجابة عليها في اكتشاف موهبتك. ومن المهم هنا أن تستخدم ورقة وقلم لتسجيل الإجابات، وعليك أن تكتب أول إجابة تخطر ببالك:

1ـ تخيل أن هناك كتابا واحدا فقط يمنح لكل فرد، فما الكتاب الذي سيقع عليه اختيارك؟

2ـ إذا قررت أن تجرب ثلاث وظائف فماذا ستكون هذه الوظائف؟ وما هو ترتيبها؟

3ـ تخيل أنه يجب عليك أن تعلم الآخرين ثلاثة أشياء في الحياة. فماذا ستكون هذه الأشياء؟

4ـ إذا سُمح لك أن تقوم بعمل تغيير إيجابي واحد فقط في العالم، كبيرا كان أو صغيرا، فماذا سيكون هذا التغيير؟

5ـ ما التحدي الشخصي الذي تغلبت عليه؟ وكيف يمكنك مساعدة الآخرين لعمل نفس الشيء؟

عند الإجابة على هذه الأسئلة بكل موضوعية ستلاحظ أن جميع الإجابات تسير في اتجاه واحد، ذلك الاتجاه هو الذي يتفق مع قدراتك وإمكاناتك، والتي يجب عليك أن تستغلها بشكل لكي تنجح في حياتك.
إضاءة : إن تغيير موريتانيا عملية في منتهى البساطة، ولكنها تحتاج لأن تسبقها عملية في منتهى التعقيد وهي : أن تغير نفسك!!!

الثلاثاء، 24 مايو 2011

بطاقة دعوة ليوم الرفض..!



بطاقة دعوة ليوم الرفض..!
إني أرفض الصمت في زمن الثورات..
إني أرفض أن أظل ألهث خلف تصاعد أسعار البضائع والمحروقات..
إني أرفض أن تثار في بلدي النعرات..
إني أرفض أن أكون فأر مختبرات.
إني أرفض أن تجرب عليَّ في كل يوم أتعس النظريات..
إني أرفض المزيد من ارتجال القرارات..
إني أرفض حكومة بلا إنجازات..
إني أرفض حكومة التراكمات..
حكومة "معاليه" كلما أخفقت قال وزراؤها ذاك بسبب التراكمات..
إن ارتفعت الأسعار أنشدوا أغنية التراكمات..
إن توقف دفع الرواتب قالوا فعلتها التراكمات..
إن احتج عاطل قالوا لا وظيفة مع التراكمات..
إن مات جائع قالوا سنقتص له من التراكمات..
إن بكى طفل قالوا أبكته التراكمات..
إن أنَّ مريض لعنوا التراكمات..
إن تفكك "الاتحاد" قالوا تآمرت عليه التراكمات..
إن عثرت بغلة بحثوا في أرشيف التراكمات..
وحكومة "معاليه" إذا ما أمطرت السماء قالت ذاك من الانجازات..
إن نجحت ثورة قالت حكومة "معاليه" نحن من أبدع الثورات..
إن هب نسيم سجلته في قائمة الانتصارات..
إن ضحكت طفلة بريئة كانت ضحكتها استجابة للتعليمات..
إن نامت قالوا نامت وفقا للتوجيهات..
إن استيقظت من غفوتها قالوا أيقظها شق الطرقات..
إن عملت صالحا وضعوه في ميزان الحسنات..
وإن أساءت أعادوا شريط التراكمات..
حكومة "معاليه" لها على الأثير صرخات..
وفي الميدان لم تترك أية بصمات..
إني أرفض حكومة بلا إنجازات..
إني أرفض حكومة بلا بصمات..
إني أرفض حكومة التراكمات..

الأحد، 22 مايو 2011

أعيدوا لي معزتي يا سيادة الرئيس!!!




سيدي الرئيس،
في الأيام الماضية توجه إلى قصركم شيخ كبير طاعن في السن، واختلط بجموع أصحاب المظالم المتواجدين هناك. ولقد كان الشيخ يريد من سيادتكم أن تعيدوا له معزاته التي تم احتجازها في إحدى بلديات العاصمة.
لم يفكر الشيخ في أن يلجأ إلى الحاكم، ولا إلى وزير الداخلية، ولا إلى الوزير الأول لأنه ربما كان يعلم بأن كل أولئك لن يعيدوا إليه معزاته، أو لعل الشيخ حاول معهم واحدا بعد واحد ولكن بدون جدوى، لم أقابل الشيخ حتى أستفسر منه.
المهم أن حكومة معالي الوزير الأول التي تبذل "جهودا جبارة" من أجل تنفيذ برنامجكم الانتخابي، لم تستطع أن تطلق سراح شاة محتجزة في إحدى بلديات العاصمة لشيخ فقير طاعن في السن. أو أنها لم تستطع أن تكتسب ـ وهذا تفسير ثان وارد ـ ثقة شيخ كبير، وتجعله يحسن بها الظن، و يلجأ إليها لاستعادة شاته، بدلا من التوجه رأسا إلى سيادتكم من أجل إطلاق سراحها.
هذه القصة اخترتها ـ يا سيادة الرئيس ـ لكي تكون مدخلا لرسالتي المفتوحة رقم 20، والتي سأخصصها لمطلب مُلِح كنت قد طالبتكم به في الرسائل الأولى من هذه السلسلة من الرسائل المفتوحة، وهو المطلب المتعلق بضرورة إنشاء ديوان للمظالم.
سيدي الرئيس،
بدءا اسمحوا لي هنا أن أبين لكم حقيقة هامة جدا، أعتقد بأنه قد أصبح من الضروري تبيانها لكي لا تظل هذه الرسائل المفتوحة يُساء بها الظن، ويُساء فهمها خاصة من طرف بعض مقربيكم.
فأنا لو كنت معارضا حقودا ـ كما يزعم البعض ـ ما كتبت لكم هذه الرسالة المفتوحة، ولا كتبت لكم الرسائل المفتوحة التي سبقتها.
ولو كنت معارضا حقودا ـ وأرجو أن تتأملوا في هذا الكلام جيدا ـ لكتبت شيئا آخر غير هذه الرسالة المفتوحة. فالذي يتمناه حقا كل معارض حقود هو أن لا تنشئوا ديوانا للمظالم، حتى يظل الكل يزحف إلى الرئاسة، بدءا بصاحب الشاة، وانتهاء بصاحب الشهادات العالية، مرورا بالمطالبين بقطع أرضية، أو بعلاوات، أو باكتتاب، أو بماء، أو بتنفيذ أحكام قضائية، أو حتى بعابري السبيل.
ولو كنت معارضا حقودا لوليت وجهي شطر أحزاب المعارضة، ولقلت لهم بأن أهم شيء يمكن أن يفعلوه في هذه الأيام هو أن يركزوا اهتمامهم على أصحاب المظالم، وأن يشجعوهم على الزحف فرادى ومثنى وجماعات للالتحاق بمن سبقهم من المحتجين إلى القصر الرئاسي.
ولو كنت معارضا حقودا لطلبت من تلك الأحزاب أن تخصص كل مواردها المالية لتوفير وسائل نقل للزاحفين إلى القصر، مع توفير الشاي والطعام والشراب، هذا فضلا عن توفير كل الوسائل الضرورية الأخرى لإنعاش كل سهرة اعتصام أو احتجاج تنظم أمام القصر، وذلك لكي تستقطب "سهرات الرئاسة الاحتجاجية" أكبر عدد ممكن من الساهرين المحتجين.
فذلك هو أهم شيء ـ على الإطلاق ـ يمكن أن يتفرغ له معارض حاقد. أما أسوأ شيء يمكن أن يتفرغ له ذلك المعارض الحاقد، هو أن يفعل ما أفعل، "فيُضيع" وقته وجهده وفكره للبحث عن مقترحات عملية، يقدمها في رسائل مفتوحة إلى أولى الأمر في هذا البلد، الذي يقدر أهله كل شيء إلا الأفكار والمقترحات النافعة.
إن "حفاوة" الاحتجاج التي استقبلكم بها المئات من المواطنين بعد عودتكم من ساحل العاج، وما سبق ذلك من اعتصامات متواصلة يومي الأربعاء والخميس الماضيين لمئات المواطنين من سكان الأحياء الشعبية أمام القصر، مع تفكير بعضهم في اقتحام ساحته، ليفرض على كل من هو ليس بالمعارض الحاقد ولا بالحامل للموالاة في جيناته، أن يطلب من سيادتكم أن تنشئوا ـ وبشكل فوري ـ ديوانا للمظالم، وتختاروا له موظفين أكفاء ونزهاء، يستقبلون أصحاب المظالم ويبحثون معهم عن حلول عادلة لمشاكلهم مع الجهات المعنية، ويرفعون إليكم ما عجزوا عن حله، ويبلغونكم ـ بكل أمانة وصدق ـ بكل الجهات الإدارية التي لم تتعامل بإيجابية مع المظالم المرفوعة إليها.
إن هناك أسبابا عديدة أصبحت تفرض تأسيس هذا الديوان، ومن هذه الأسباب يمكن لي أن أذكر:
1 ـ إذا ما ظلت الأمور تدار بهذه الطريقة فإن الاحتجاجات والاعتصامات ستظل في تصاعد مستمر، وربما تصل في وقت قريب إلى مستويات يصعب السيطرة عليها.
2 ـ إن أي تعامل مباشر من طرفكم ـ إيجابيا كان أو سلبيا ـ مع هذا النوع من الاحتجاجات لن يؤدي إلا للمزيد من اتساعها. فاستجابتكم المباشرة لبعض المحتجين سيتسبب في خروج أفواج جديدة أخرى من أصحاب المظالم للاحتجاج أمام القصر حتى يستجاب لهم هم أيضا. وعدم الاستجابة سيزيد من إصرار المحتجين ومن عنادهم لأنه لا توجد جهة أخرى يمكن أن يلجؤوا إليها بعد الرئيس، لذلك فلن يكون أمامهم إلا أن يزيدوا من حجم ومستوى ضغوطهم عليكم.
3 ـ لقد أظهرت هذه الاحتجاجات بأنه لم يعد لدى المواطنين أي ثقة في مستشاريكم. ففي العهود السابقة كان أي تعهد يأتي من أي مستشار في الرئاسة يكفي لأن يوقف الاحتجاجات لأيام وربما لأسابيع يمنحها المحتجون ـ عادة ـ لاختبار جدية الوعود المقدمة إليهم من طرف المستشار. أما اليوم فإن المواطنين قد انهارت تماما ثقتهم بمستشاريكم، ولم يعودوا يقبلون بمنحهم هدنة، حتى ولو كانت من دقيقة واحدة ليختبروا فيها جدية تعهداتهم.
4 ـ إذا كان لدى سكان العاصمة فرصة لكي يبلغوكم مظالمهم من خلال الاحتجاج أمام القصر، فإن سكان الولايات الداخلية ليست لديهم تلك الفرصة، لذلك فإنهم يلجؤون عادة لبعض الأعمال التي قد لا تكون مناسبة من أجل لفت الانتباه إلى مظالمهم، كإحراق المباني والممتلكات العمومية (فصالة مثلا) أو كقطع الطريق أمام السيارات كما حدث في الغايرة ولبيرد وفي قرى أخرى.
5 ـ لقد عرفت الأسابيع الأخيرة تطورا لافتا في اتساع رقعة الاحتجاجات، وفي تزايد عدد المشاركين فيها، خاصة من المواطنين البسطاء الذين ربما تكون غالبيتهم قد صوتت لكم في الانتخابات الرئاسية. هذا فضلا عن استعداد هؤلاء للتعبير ـ من حين لآخر ـ عن مستوى غضبهم بطرق و أساليب قد تكون عنيفة في بعض الأحيان، وهو ما يستدعي ـ من سيادتكم ـ اتخاذ حزمة من القرارات الشجاعة، والتي يجب أن يكون على رأسها تأسيس ديوان للمظالم، تُمنح للقائمين عليه صلاحيات واسعة تمكنهم من أن يجعلوا منه الوجهة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ لكل صحاب مظلمة في هذا البلد، وما أكثر أصحاب المظالم في هذا البلد.
وفي ختام هذه الرسالة، اسمحوا لي ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أثمن تعليماتكم الأخيرة لوزارة التوجيه الإسلامي والتي طالبتم فيها بالكشف عن خرائط الموتى الموريتانيين المفقودين منذ الاستقلال، وحبذا لو صاحب تلك التعليمات تعليمات أخرى تعيد للغة الرسمية لهذا البلد مكانتها اللائقة بها والتي منحها لها الدستور الموريتاني، وهي المكانة التي لا زالت تغتصبها اللغة الفرنسية التي لم يأت ذكرها في هذا الدستور.
إن ملف الإرث الإنساني وقضية اللغة العربية يعتبران من أهم القضايا الشائكة التي لم يعد من الممكن تجاهلهما، وهما مشكلتان عويصتان معقدتان حساستان كان من الحكمة أن يتم حلهما بشكل جذري وفي وقت متزامن.
فحل واحدة من المشكلتين دون حل الثانية لن يؤدي ـ قطعا ـ إلى الاستقرار في هذا البلد، وهو فوق ذلك سيزيد من تعقيد حل المشكلة التي سيتم تأجيلها إن لم يجعل من حلها مستقبلا أمرا مستحيلا.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الواحدة والعشرين إن شاء الله.

السبت، 21 مايو 2011

نـــــــــداء



نظرا لعدم استجابة السلطات المعنية لندائنا السابق، ونظرا لرفضها للسماح لأصحاب الشهادات الذين تجاوزت أعمارهم ستة وثلاثين سنة من المشاركة في مسابقة 250 إطارا التي ستنظمها المدرسة الوطنية للإدارة والقضاء والصحافة ابتداء من يوم الاثنين الموافق 18 يوليو 2011.
ونظرا لعدم قانونية حرمان حملة الشهادات الذين تبلغ أعمارهم 40 سنة من المشاركة في المسابقة المذكورة، لأن ذلك يخالف نص المادة 6 من قانون الوظيفة العمومية، وهي المادة التي رفعت سن الاكتتاب من ثلاثين سنة إلى أربعين سنة.
ولأننا في "ضحايا ضد الفساد" نسعى دائما لأن يكون الضحايا هم الذين يحتلون الصفوف الأولى في أي حرب ضد الفساد، وهم الذين يدافعون عن أنفسهم، ويناضلون من أجل اكتساب حقوقهم المشروعة، لأننا نسعى فعلا لذلك، فإننا نشعر المتضررين بأنه بإمكانهم الطعن لدى الغرفة الإدارية لدى المحكمة العليا من أجل إلغاء هذا القرار الظالم .
ونذكر حملة الشهادات المتضررين بأن الطعن في قرارات اللجنة الوطنية للمسابقات ليس بالبدعة، فقد تمكن بعض المتضررين منذ ما يزيد على عشر سنوات، أي في عهد الفساد الأكبر، من الحصول على حكم من المحكمة العليا يلغي قرارا للجنة الوطنية للمسابقات بتاريخ 25 ـ 02 ـ 2001 وذلك بعد أن كان قد تم إعلان النتائج في مسابقة نظمتها آنذاك المدرسة الوطنية للإدارة.
ونحن بهذه المناسبة نطلب من جميع المتضررين من القرار الجائر المنظم لمسابقة 250إطارا أن يكتبوا لنا عبر البريد الالكتروني المبين أدناه وذلك للمساعدة في أي إجراء قانوني في هذا المجال.
وما ضاع حق وراءه طالب.
المنسقية المؤقتة
نواكشوط بتاريخ:21 ـ 05 ـ 2011
dehayaa@gmail.com

الأحد، 15 مايو 2011

وماذا قدمتَ أنتَ للوطن؟



أيها الطالب ..
أيها الأستاذ..
أيها السياسي..
أيها المثقف..
أيها الطبيب..
أيها المواطن العادي..
إني أقصدكم جميعا بهذا السؤال الذي قررت أن أوجهه إليكم، من خلال هذا المقال، مع العلم أني لا أنتظر منكم الإجابة عليه، لأني ـ وبصراحة شديدة ـ أعرف بأنه ليست لديكم أية إجابة.
في البداية سأحكي لكم قصة صينية ، مع شيء من التصرف. تقول هذه القصة، بأن أبا مزق خريطة العالم تمزيقا شديدا، ثم ناول الخريطة الممزقة لابنه ـ الذي لم يتجاوز عامه الخامس ـ وطلب منه إعادة تنظيم قطع الورقة الممزقة، حتى تعود الخريطة إلى شكلها الأصلي.
بعد أقل من خمس دقائق أعاد الطفل الصغير خريطة العالم لأبيه كما كانت، وهو ما أذهل الجميع باستثناء الأب.
دعونا نحتفظ بسر الطفل الصيني الصغير قليلا، ودعونا نختم هذه القصة بالحكمة الصينية المستخلصة منها، والتي مفادها أنه بإمكان كل واحد منا أن يصلح خريطة العالم كله إذا ما أصلح نفسه.
وإذا ما اختزلنا خريطة العالم في خريطة موريتانيا، فسيكون بإمكاننا أن نقول ـ اعتمادا على الحكمة الصينية ـ بأنه بإمكان كل واحد منا أن يصلح من حال موريتانيا، إذا ما أصلح قبل ذلك من حاله.
بإمكان كل طالب أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل أستاذ أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل طبيب أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل سياسي أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل مثقف أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
وبإمكان كل مواطن عادي ـ مثلي ومثلك ـ أن يصلح من حال موريتانيا إذا ما أصلح من حاله..
بإمكان كل واحد منا ـ طبقا للحكمة الصينية ـ أن يغير وجه موريتانيا، لو استطاع أن يغير من وجهه. وبإمكان كل واحد منا أن يكون كالمواطن الأمريكي البسيط الذي يدعى "مارتن تربتو"، والذي وُجِد مقتولا في العام 1917 في ساحة المعركة فيما يعتقد هو أنه كان دفاعا عن أمريكا. لقد ترك ذلك الأمريكي البسيط محل الحلاقة الصغير الذي كان يعمل به، وذهب متطوعا للدفاع عن أمريكا.
لقد وجدوه مقتولا، ووجدوا معه ورقة كتب عليها: "العهد الذي أخذته على نفسي: يجب أن تنتصر أمريكا في هذه الحرب، سأعمل، سأدخر، سأضحي، سأتحمل، سأحارب وأفعل كل ما بوسعي، كما لو أن الأمر برمته متوقف عليَّ أنا وحدي".
فهل بإمكان أي واحد منا ـ نحن سكان هذه البقعة من الأرض ـ أن يأخذ ورقة ويكتب فيها: "العهد الذي أخذته على نفسي : يجب أن تنتصر موريتانيا في حربها ضد التخلف والفقر والفساد، سأعمل، سأدخر، سأضحي، سأتحمل، سأحارب وأفعل كل ما بوسعي، كما لو أن الأمر برمته متوقف عليَّ أنا لوحدي".
أشك أن فينا من بإمكانه أن يكتب تلك الوصية، وأشك أن فينا من يمكنه أن ينفذها إذا ما تجرأ وكتبها، وذلك نظرا لضعف الحس الوطني لدينا، والذي هو أضعف بكثير من مستواه لدى الأمريكيين الذين هم في الأصل عبارة عن مهاجرين جاؤوا من كل أصقاع العالم واستوطنوا تلك الأرض.
ولعل سر نجاح الثورات العربية ـ حسب اعتقادي ـ يكمن في توفر روح التضحية لدى أغلب المشاركين في تلك الثورات. فقد كان كل واحد من الثائرين على استعداد كامل لأن يضحي بكل شيء، وكأنه هو وحده الموجود في ساحة المعركة، وبالتالي فهو وحده المسؤول عن نجاح الثورة، تماما كما كان الحلاق "مارتن تربتو" يعتبر نفسه بأنه هو وحده المسؤول عن انتصار أمريكا في حربها.
وهل فينا من بإمكانه أن يعتبر ـ مثلا ـ بأن القضاء على الفساد يقع على عاتقه هو لوحده؟ وهل فينا من بإمكانه أن يقرر بأنه لن يرشي ولن يرتشي حتى ولو ضاعت له حقوق كثيرة؟ وهل فينا من بإمكانه أن يقرر بأنه لن يستنفر القبيلة حتى ولو خسر فرصا كثيرة في الحصول على وظيفة أو ترقية؟ وهل فينا من بإمكانه أن يقرر بأنه لن يمنح صوته في أي انتخابات إلا لمن يستحق ذلك الصوت، حتى ولو كان منافسه قريبا أو صديقا أو رجلا "كريما" ينفق المال الحرام بسخاء ذات الشمال وذات الشمال في أيام الحملة؟ وهل بإمكان أي واحد منا أن يقرر من الآن فصاعدا أن يخصص ساعة من كل أسبوع للخدمة العامة، يعلم فيها أميا، أو ينظف فيها شارعا، أو يعزز فيها من اللحمة الوطنية التي باتت مهددة، والتي بات إنفاق الجهد أو المال أو الوقت في سبيل تعزيزها يعد من خير الأعمال والقربات؟ ( أين أنتم يا حراس المستقبل؟ ولماذا اختفيتم في هذه اللحظات الصعبة التي شهدت صراعات عرقية؟ ولماذا تبخر حماسكم بهذه السرعة؟ ولماذا توقفت نقاشاتكم بشكل كامل؟ وهل كنتم تعتقدون بأنه سيفرش لكم السجاد الأحمر بمجرد أنكم اجتمعتم على فكرة عظيمة؟ وهل فاتكم أن الأفكار العظيمة لا بد أن تواجهها تحديات عظيمة؟ وهل فاتكم أن ذلك هو ما يقوله كل أرشيف الأفكار الرائدة التي عرفها العالم؟)
من المؤسف أنه ليس فينا من يستطيع أن يقرر شيئا من ذلك، فالموريتاني يمكن أن نعرفه بأنه هو ذلك المخلوق العجيب الذي يستطيع أن يضحي ببلده ـ ودون تردد ـ من أجل أي شيء تافه، ولا يستطيع أن يضحيَّ بأي شيء تافه، مهما كانت تفاهته، من أجل بلده.
لقد قدم اليابانيون صورا راقية من التضحية، حتى في أوقات الكوارث والزلازل. ولقد بهر اليابانيون العالم بعد الزلزال الأخير عندما أصر الضحايا، وفي ساعات الصدمة الأولى، أن يلتزموا بالنظام رغم حجم الكارثة.
لقد رفض الياباني المنكوب أن يُخِل بالنظام، حتى في ظل الفوضى التي تسبب فيها الزلزال. وظل الياباني ينتظر دوره في الإغاثة دون أن يتحايل، ودون أن يأخذ مكان منكوب آخر، رغم أن التقدم بخطوة واحدة في ذلك الوقت ربما كان سببا حاسما في النجاة من الموت.
عندما تابعت تلك الصور المؤثرة القادمة من اليابان تذكرت صورا أخرى مغايرة تماما، وتتكرر دائما على أرضنا التي نسكن ( نحن لا نتعامل مع الأرض التي نسكن على أنها وطن أو بلد). تذكرت أني لم أشاهد في حياتي أي شيء على هذا الأرض يبدأ بالنظام وينتهي به، وتذكرت مشاهد الجشع اليومية التي أشاهدها في كل مكان، وتذكرت كيف يتحايل أغنياء هذه الأرض على فقرائها، وكيف ينافسونهم على قطع أرضية تافهة، أو على كيلوغرامات قليلة من اللحوم القادمة من السعودية، أو على سمكة رخيصة من الأسماك التي توزعها الحكومة من حين آخر، لسبب أو لآخر.
فلماذا نحن هكذا؟ وهل نحن حقا بشرا أسوياء ؟ أم أننا مخلوقات غريبة تختلف عن كل شعوب العالم؟
يمكن لنا أن نعرف الموريتاني تعريفا آخر، لا يختلف في الجوهر عن التعريف السابق، ونقول بأنه: هو ذلك المخلوق العجيب الذي يريد أن يأخذ كل شيء من "بلده"، في الوقت الذي يرفض فيه أن يقدم أي شيء لبلده.
لا تحدثوني من فضلكم عن الأعمال التي تقومون بها مقابل أجر، فتلك يمكن اعتبارها ـ بشكل أو بآخرـ مجرد صفقة تجارية، فلو أننا أبدلنا جميع العمال من الوزير إلى البواب بعمال مستوردين من الهند، أو من بنجلادش، أو من الأرجنتين مثلا، وأعطيناهم نفس الأجور المتدنية التي كانت تعطى للعمال الموريتانيين، لو فعلنا ذلك، لقدم الهنود والبنجاليون والأرجنتينيون لهذا البلد أضعاف ما قدمه "أبناء موريتانيا" للبقعة التي يقطنون بها، والتي يسمونها مجازا بالبلد أو بالوطن.
وإذا ما تأملنا الوجه الآخر لموجة الاحتجاجات الفئوية الواسعة والمتنامية، والتي هي بالتأكيد احتجاجات مشروعة، وأصحابها يستحقون ـ قطعا ـ أن يستجاب لهم. وكل استجابة لمطالبهم المشروعة ستنعكس بالتأكيد على مستوى معيشة أسرهم الفقيرة، كما أنها قد تنعكس ـ نظريا ـ على مستوى أدائهم الوظيفي. إذا ما تأملنا الوجه الآخر لتلك الاحتجاجات فإن ذلك قد يساعدنا في كشف جزء يسير من أنانية الموريتاني، والتي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم، المتعلم والجاهل، الكبير والصغير، الموظف والعاطل.
ومن المؤكد بأن هذا الكلام سيغضب الكثيرين(لست سياسيا يبحث عن الأصوات، لذلك فلن أقول للناس ما يحبون أن يقال لهم، ولن أعرض عما يجب أن يقال لهم). ومن المؤكد أن البعض سيعتبر هذا الكلام تطاولا على العمال البسطاء الضعفاء ( لن أقبل بأن يزايد عليَّ أيا كان في مناصرة البسطاء و المستضعفين، وما أنا إلا واحد من أضعف المستضعفين).
كل ما في الأمر هو أنه في بعض الأوقات يكون من اللازم أن تُعَرَّى الحقيقة، حتى تظهر بكل تفاصيلها وبكل جزئياتها، بما فيها تلك التي لم نكن نرغب في أن نراها.
دعونا ـ وقبل أن نكشف سر الطفل الصيني ـ أن نطرح الأسئلة التالية؟
هل حدث وأن شاهدتم مجموعة من الأطباء أو الممرضين تنظم إضرابا من أجل فتح مركز صحي في قرية نائية؟ أو من أجل تجهيز مستشفى بآلات طبية ضرورية؟ أم أنكم عرفتموهم وهم يتركون المستشفيات في أوقات الدوام الرسمي ليلتحقوا بعياداتهم الخاصة؟
هل حدث وأن شاهدتم مجموعة من العاملين في مؤسسات الإعلام الرسمي تنظم احتجاجات من أجل تقريب الإعلام الرسمي من هموم المواطنين؟ أم أنكم عرفتموهم وهم يشكلون بنيانا مرصوصا ضد أي محاولة لتقريب الإعلام الرسمي منكم، رغم أنكم أنتم هم من يسدد أجورهم، وأنتم هم من سيدفع زيادة 50% التي يطالبون بها، من خلال الضرائب التي تدفعونها؟
وهل حدث وأن شاهدتم مجموعة من المعلمين أو الأساتذة تهدد بالتوقف عن التدريس من أجل الضغط على الحكومة لكي تجبرها على تنظيم منتديات للتعليم، والتي يعتبر تنظيمها هو الخطوة الأولى في سبيل إصلاح التعليم؟ أم أنكم ألفتموهم وهم يتثاءبون في المدارس العمومية وينشطون أثناء تقديم الدروس الخصوصية؟
ألم تشاهدوهم وهم يضغطون بقوة وبحماس غير مألوفين على الوزيرة التي كانت هي أول من حاول وبشكل جاد أن يصلح قطاع التعليم، وأن يعيد للمدرسة قليلا من الاعتبار، وأن يحدد معايير واضحة وشفافة لاكتتاب المدراء الجهويين، وأن يحد من تسيب المعلمين والأساتذة؟
فلماذا خف ضغط الأساتذة على وزراء التعليم الذين جاؤوا بعد الوزيرة، رغم أنهم أساؤوا للتعليم أكثر مما أساءت هي إليه؟ ولماذا لم يضغطوا على الوزراء الذين جاؤوا قبلها والذين أفسدوا التعليم أكثر مما أفسدته هي؟
للإجابة على هذه الأسئلة عليكم أن تفتشوا عن كل شيء عدا الوطنية.
لقد استطاع الطفل الصيني الصغير أن يعيد خريطة العالم لشكلها الأصلي، لأنه اكتشف أن مقلوب الصفحة التي رُسمت عليها خريطة العالم كانت توجد به صورته الشخصية، والتي وضعها الأب لكي يقدم لابنه درسا عميقا، لن يتعلمه في أي مكان.
ولقد كان من السهل على الطفل أن يعيد صورته الشخصية الممزقة إلى شكلها الأصلي، وهو ما انعكس ـ وبشكل تلقائي ـ على الوجه الآخر من الورقة، حيث عادت خارطة العالم، في الوجه الآخر، إلى شكلها الأصلي من قبل تمزيق الورقة.
من هذه القصة جاءت الحكمة الصينية الآنفة الذكر، والتي تحاول أن تقول بأنه يكفي من أجل أن نصلح خريطة العالم أن نصلح وجه إنسان واحد.
وإذا كان صلاح إنسان واحد يكفي لإصلاح خريطة العالم الممزقة، أفلا يكفي صلاح موريتاني واحد لإصلاح خريطة موريتانيا التي باتت ممزقة بفعل الفساد والفقر والأمية وبسبب غياب العدل وتنامي الخطابات والدعوات العنصرية والعرقية؟
مشكلتنا في هذا البلد ـ وهذه هي أم المشاكل لدينا ـ هي أن كل واحد منا يرفض أن يكون مواطنا صالحا، وهو يشترط لأن يكون مواطنا صالحا صلاح الملايين الثلاثة برئيسها وبوزرائها وبسياسيها وبمثقفيها وبطلابها وبأغنيائها وبفقرائها وبشبابها وبشيبها وبنسائها وبرجالها وبنخبها وبعامتها وبرموز فسادها وبمفسديها الصغار وبأحيائها وبأمواتها.
إن طريق التغيير المنشود، الذي نتنمناه جميعا لبلادنا دون أن نعمل على إحداثه، يبدأ بسؤال واحد يتعين على كل موريتاني أن يجيب عليه.
أفلا يمكن لي أنا ـ مثلا ـ أن أقرر من الآن بأن أكون مواطنا صالحا حتى ولو ظل المجتمع كله فاسدا؟ ألا يمكن لكَ أنتَ أن تتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكِ أنتِ أن تتخذين مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن له هو أن يتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لها هي أن تتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لنا نحن أن نتخذ مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكما أنتما أن تتخذا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لهما أن يتخذا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكم أنتم أن تتخذوا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لكن أنتن أن تتخذن مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لهم هم أن يتخذوا مثل ذلك القرار؟ ألا يمكن لهن أن يتخذن مثل ذلك القرار؟ بالتأكيد يمكن لنا جميعا أن نتخذ مثل ذلك القرار، ولو اتخذناه لتمكنا من أن نصلح من حال موريتانيا، ولاستطعنا أن نصعد بها درجات كثيرة في سلم التقدم والنماء، في أقل من خمس دقائق، عفوا في أقل من خمس سنوات.
تصبحون وقد اتخذتم القرار..

الأربعاء، 11 مايو 2011

فك طلاسم "الخطاب اللغز"



لقد احتار الكثيرون من "الثورية" المفاجئة التي طبعت خطاب النائب الأقل "ثورية" في الأغلبية، والذي هو النائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية، وذلك عند افتتاحه للدورة البرلمانية الأخيرة، وهذه الحيرة وإن كان لها ما يبررها، إلا أنها مع ذلك سبقتها إشارات عديدة، بل ورسائل صريحة في بعض الأحيان أوحت بأن هناك طبعة قادمة، جديدة ومنقحة لكتاب موريتانيا الجديدة، وأن هذه الطبعة الجديدة ستتميز بدخول "مؤلف جديد" لمشاركة المؤلف الذي انفرد بتأليف "الطبعة السابعة"، والتي كانت هي أول طبعة تبشر بموريتانيا الجديدة.
لقد كانت هناك رسائل عديدة تم إرسالها ـ بقصد أو بغير قصد ـ في الأسابيع الماضية، وهي رسائل توحي ـ إذا ما أحسنا قراءتها ـ بأن الطبعة الجديدة وصلت إلى مراحل متقدمة. وهذه الرسائل يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1 ـ في اجتماع الرئيس بالأغلبية فوجئ الكل بأنه تعمد أن يُغضب الجميع (الأغلبية، منسقية المعارضة، تواصل، حتى المواطن العادي فقد أغضبه عندما قال في ذلك الاجتماع بأنه لا توجد مشاكل، وأن كل المشاكل تنحصر في بعض مشاكل التوظيف الناتجة عن "التراكمات"، والتي سيتم القضاء عليها في ظل الاهتمام الحالي بالتكوين المهني).
في اجتماع "إغضاب الجميع" اختار الرئيس أن يمدح شخصا واحدا، وهو رئيس الجمعية الوطنية السيد "مسعود ولد بلخير".
وكانت طريقة الرئيس في إغضاب الأغلبية، خاصة منها الحزب الحاكم تستحق التأمل. فقد أعطى الرئيس الإشارة لتأسيس حزب للشباب، ولكنه لم يعقب تلك الإشارة بأي إشارة أخرى رغم مرور فترة كافية، وهو ما جعل الشباب يقعون في حيرة من أمرهم، مما تسبب في الانشقاقات التي عرفتها المجموعة، والتي انشطرت ـ حتى الآن ـ لثلاث مجموعات قابلة للزيادة إذا لم يتدخل الرئيس، والذي لا أعتقد بأنه سيتدخل.
لقد كان أهم هدف من إعلان دعم الرئيس لحزب الشباب هو إعلان "تخليه" عن الحزب الحاكم، وكان ذلك هو ما يحتاجه الرئيس "مسعود" لكي يفكر بشكل جاد في مراجعة مواقفه والتفكير في عقد تحالف جديد مع رئيس الجمهورية ، وهو تحالف ربما تكون قد تمت مناقشة ملامحه الكبرى في واحد من استقبالات رئيس الجمهورية لرئيس الجمعية الوطنية.
2ـ في المقابل قدم رئيس الجمعية الوطنية إشارات إيجابية لرئيس الجمهورية منها: رفضه الصريح لتوفير الدعم للاحتجاجات الشبابية، ومنها أيضا ـ وهذا ليس أقل أهمية ـ البيان الذي أصدرته "المبادرة الانعتاقية" والذي رحبت فيه ـ رغم بعض الانتقادات البسيطة ـ باستصدار قانون خاص لعمال المنازل، وهو ما شكل مفاجأة كبيرة، لأنه جاء بعد تصريحات شديدة اللهجة على القانون نفسه أطلقها رئيس المبادرة تعقيبا على صدور القرار. ومن الغريب أن واحدا من أهم المواقع الموريتانية نشر التصريحات التي انتقدت القانون، ولم ينشر البيان الذي رحب به وذلك لغز آخر قد نحاول فك طلاسمه في وقت لاحق، إن تركت "الخطابات الألغاز" فرصة لذلك، والتي لن يكون آخرها خطاب رئيس السلطة العليا للصحافة ، رغم أنه لم يقل عن الإعلام الرسمي إلا القليل مما يجب أن يقال عنه.
المهم أن رئيس المبادرة الذي غير موقفه من القانون وبسرعة عجيبة هو نفسه الذي صرح في وقت سابق وبمناسبة احتفالات فاتح مايو عندما شوهد في الطائفة المعارضة لــ"الساموري" بأنه سيكون دائما حيث يكون "مسعود" مما يعني بأن تخفيف اللهجة ربما يكون قد جاء بإيعاز من مسعود كرد جميل على الرسائل المتكررة التي أرسلت من القصر، سواء منها تلك التي أرسلت لمسعود بشكل شخصي، أو تلك التي أرسلت من خلال التعامل القضائي مع بعض حالات الاسترقاق التي تم اكتشافها مؤخرا.
3 ـ إن ذهاب رئيس الجمعية الوطنية للمشاركة في الدورة البرلمانية الإفريقية، وترك افتتاح "آخر" دورة للبرلمان الحالي لنائب رئيس الجمعية، يبدو أنه تم باتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية. ويبدو ـ كذلك ـ أن الرئيس "مسعود" الذي أعد خطابا كان يعلم بأنه لن يلقيه في افتتاح الدورة، قد أصر على أن يكون خطابه هو خطاب الافتتاح للدورة، رغم أنه كان من المفترض ـ في حالة غياب رئيس الجمعية الوطنية ـ أن يكون لنائبه الحق في إعداد خطاب خاص به.
ولقد تدخل رئيس الجمهورية لتحقيق رغبة رئيس الجمعية الوطنية، وهو ما يظهر من خلال كلمة جاءت في تصريح نائب رئيس الجمعية الوطنية، تعقيبا على خطابه المثير حيث قال: "لن أكون ملكيا أكثر من الملك" أي أنه ما دام رئيس الجمهورية يصر على أن تنتقد حكومته في افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، فلن يكون يكون أمام النائب إلا الاستجابة لذلك.
كل الدلائل تشير إلى أن رئيس الجمهورية سيكون على استعداد للتعامل بمزيد من القسوة مع أغلبيته من أجل أن يكسب رئيس الجمعية الوطنية. كما أن رئيس الجمعية الوطنية على استعداد كامل لأن ينسلخ من المعارضة بكل أطيافها من أجل حلفه الجديد والذي سيمنحه امتيازات كثيرة إن تحقق.

ملاحظة : ليس هذا بمقال الأسبوع، وإنما هو مجرد تعليق أخص به موقع "أمجاد" وسيكون إن شاء الله بداية لسلسة من التعليقات القادمة على بعض "طلاسم" القضايا المحلية.

الأحد، 8 مايو 2011

مقترحات لتحسين أداء التلفزيون/ خاص بالمدير الجديد للتلفزيون



لا شك أن التلفزيون الموريتاني أصبح يشكل عاهة مستديمة عصية على الإصلاح، ولاشك أن هناك رغبة واضحة لدى رئيس الجمهورية لإصلاح هذا التلفزيون.
ولاشك كذلك في أن هناك فجوة كبيرة، تكبر مع الأيام بين الصورة التي يريدها الرئيس للتلفزيون، والتي عبر عنها في أكثر من مناسبة، والواقع المزري الذي يتخبط فيه هذا التلفزيون.
ومن المستغرب حقا أن يكون التلفزيون بهذا المستوى المتدني، وبهذا البعد عن هموم واهتمامات المواطنين، رغم أن القائمين عليه تلقوا في أكثر من مرة تعليمات وأوامر واضحة وصريحة من رئيس الجمهورية، تطالبهم بالاهتمام بهموم واهتمامات المواطنين، بدلا من التطبيل والتصفيق للسلطة، بطرق وأساليب لم تعد صالحة في أيامنا هذه، وهي في المجمل تضر السلطة القائمة أكثر مما تنفعها.
ومن اللافت أن التلفزيون الذي قدم ـ وبمبادرة جريئة وشجاعة من رئيس الجمهورية ـ برنامجا غير مسبوق في المنطقة، أجاب فيه الرئيس ـ وبشكل مباشر ـ على أسئلة بعض الصحفيين، وشكاوى بعض المواطنين، هو نفسه التلفزيون الذي لا يزال القائمون عليه يطلبون الإذن من رئيس الجمهورية ـ وهو ما كشفه الرئيس نفسه ـ لتقديم بعض الأخبار التي تقدمها كل تلفزيونات العالم بشكل عادي، ودون إذن أو ترخيص من أي سلطة عليا.
لقد كشفت تصريحات الرئيس المتكررة أن القائمين على هذا التلفزيون هم الذين أعاقوا ـ وباجتهادات شخصية ـ إصلاح التلفزيون وتطويره، وهم الذين رفضوا ـ لحسن نية أو لسوئها ـ تطبيق أوامر الرئيس المطالبة، وبإلحاح، بفتح التلفزيون أمام جميع المواطنين.
ولأني أتمنى ـ ويشاركني في ذلك أغلب الموريتانيين ـ أن يكون مرور المدير الجديد بالتلفزيون، يختلف عن مرور المدراء الأربعة الذين تعاقبوا على هذا التلفزيون منذ السادس من أغسطس، لأني فعلا أتمنى ذلك، فقد بادرت بكتابة هذه المقترحات للمدير الجديد، والتي أرجو أن لا يكون مصيرها كمصير مقترحات أخرى كتبتها لجهات كثيرة أخرى.
كتبت هذه المقترحات رغم قناعتي بأن التفكير وكتابة المقترحات هو أسوأ قرار يمكن أن يتخذه المرء في هذا البلد، لأنه لا أحد يهتم بالمقترحات، لا في السلطة ولا في جمهور القراء. أما أفضل قرار يمكن اتخاذه ـ وهذه واحدة من مصائبنا الكثيرة ـ هو أن لا نفكر إطلاقا، وأن نكتفي بالمبالغة في النقد لننال رضا الطائفة الغاضبة في هذا البلد، أو نبالغ في المدح لننال رضا الطائفة الأخرى.
بدءا لابد من القول بأن إصلاح التلفزيون وتطويره يجب أن يكون من أولى الأولويات فهو يشكل واجهة البلد، وهو سفارته في كل بلدان العالم.
وتلك الحقيقة وعتها السلطات اللبنانية منذ سنوات فقررت أن تغلق تلفزيونها الرسمي لمدة محدودة، بعد أن أصبح يشكل عبئا ثقيلا على خزينة الدولة، في الوقت الذي هجره جمهوره لصالح فضائيات أخرى. لقد أغلق لبنان تلفزيونه الرسمي لمراجعة أدائه الإعلامي، ولصياغة وظيفته من جديد لكي يتمكن من منافسة الفضائيات الأخرى.
وفي الإمارات أيضا راجع القائمون على قناة أبو ظبي وظيفة هذه القناة أكثر من مرة، فحولوها من قناة إخبارية، إلى قناة منوعة، ثم إلى مجموعات قنوات لكل منها مجالها و تخصصها.
نحن أيضا بحاجة إلى مراجعة أداء ووظيفة تلفزيوننا الرسمي، وهذه المراجعة يجب أن تشمل عدة مجالات، ويجب أن تكشف عن العديد من الالتباسات القائمة لدى العاملين في هذه المؤسسة الحيوية.
ففتح التلفزيون الموريتاني، الذي يقتات من الضرائب التي يدفعها كل الموريتانيين، أمام كل الموريتانيين، ومناقشة كل القضايا التي تهمهم بمختلف فئاتهم العمرية، وبمختلف مستوياتهم وشرائحهم يجب أن تكون هي القاعدة لا الاستثناء.
لقد ظل القائمون على التلفزيون يصرون على أن لا يحسنوا من أدائه إلا أسبوعا أو أسبوعين إذا ما انتقده الرئيس، وذلك قبل أن يعودوا به إلى أسوأ مما كان عليه في انتظار انتقاد جديد من الرئيس...وهكذا دواليك.
ومن الأخطاء التي وقع فيها المدراء السابقون هي أنهم توقعوا أن يتحسن أداء التلفزيون باستخدام نفس الأساليب والوسائل التي أوصلته إلى هذا الواقع المزري الذي يتخبط فيه اليوم. إن نفس الأساليب تؤدي دائما لنفس النتائج، لذلك فالمدير الجديد مطالب بأن يغير الأساليب والوسائل القديمة. وعليه في الأساس أن يعتمد على الإعلاميين الأكفاء والموظفين الشرفاء الذين تم إقصاؤهم وتهميشهم واستبدالهم بمن لا كفاءة له، وبمن تسبب ـ وبشكل مباشر وعلني ومتواصل ـ في الانحراف بالتلفزيون عن دوره الحيوي الذي كان من المفترض أن يساهم به في تنمية البلد.
ولقد أثبت الصحفي الموريتاني بأنه قادر على أن يتميز في الفضائيات الشهيرة، فكيف به إذا مُنح فرصة في تلفزيونه "الوطني"؟ مشكلتنا أن الصحفيين الذي بإمكانهم أن يتميزوا لا تمنح لهم فرصة للتميز، وإنما يتم إقصاؤهم أو تهميشهم في أحسن الأحوال.
ومن المفاهيم الخاطئة كذلك هي الاعتقاد بأن تطوير التلفزيون يمكن أن يتحقق من خلال تقديم برنامج سياسي أو اثنين لإشباع فضول السياسيين، أو برنامج أو اثنين في الموسيقى أو في المسابقات لإلهاء الشباب.
إن أداء التلفزيون لن يتحسن إلا إذا لبى هذا التلفزيون رغبات المشاهدين من مختلف الفئات والمستويات، سواء كانت تلك الرغبات مرتبطة بالدين أو بالسياسة أو بالرياضة أو بالترفيه أو بالثقافة أو بالحوارات والنقاشات أو بقضايا تهم الشباب أو المرأة أو الطفل.
وإن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تبدأ بتقديم برامج من داخل التلفزيون نفسه لتقييم أدائه، يشارك فيها أصحاب الرأي والخبرة والتخصص، ويُفتح فيها المجال واسعا للمشاهدين بكل فئاتهم وأطيافهم ليعبروا وبحرية كاملة عن انتقاداتهم للتلفزيون، ويتحدثوا فيها عن كل ما كانوا يتوقعونه من تلفزيونهم ولم يحققه لهم، ويتحدثوا كذلك عن البرامج والأفكار التي يقترحونها والتي يعتقدون أنها ستجعل التلفزيون يزداد قربا منهم.
ومثل هذه البرامج سيعطي إشارة ايجابية، وسيمنح ثقة وتفاؤلا لدى المشاهدين بأن مرور المدير الجديد على التلفزيون لن يكون مثل مرور سلفه.
ومن الأخطاء الشائعة كذلك والتي يجب تصحيحها هي تلك النظرة الخاطئة لدى الكثير من القائمين على الإعلام الرسمي، والتي يعتقد أصحابها بأن زيادة جرعة الحرية والانفتاح، وفتح نقاش حول بعض المواضيع الحساسة بأن ذلك يضر السلطة الحاكمة.
والحقيقة هي عكس ذلك، فنقاش تلك المواضيع وبحرية كاملة هو في صالح السلطة قبل غيرها. ولقد استفادت السلطة كثيرا من حلقتي الحوار المفتوح اللتين تم تخصيصهما "للعبودية" ولـ"أحداث الجامعة" أكثر من استفادتها من كل البرامج والحوارات التي كانت تبتعد عن الأوجاع وعن التحديات الحقيقية التي يواجهها البلد، والتي تفنن التلفزيون في تكرارها بشكل ممل ومستفز.
ومن بين الاقتراحات التي يمكن تقديمها لتحسين أداء التلفزيون اقتراح متكامل اشتغلت عليه مدة من الزمن، وله علاقة بتخصصي واهتماماتي، وكنت قد قدمت عنه تصورا مفصلا منذ ما يقارب عامين، وذلك لاستحداث برنامج متخصص في التنمية البشرية، على شكل دورات، ويستهدف أساسا فئة الشباب، وهو الاقتراح الذي لم يتم اعتماده حتى الآن، رغم أنه كان سيشكل إضافة نوعية لبرامج التلفزيون لو تم قبوله.
ومن الملاحظ أن كل هذه الاقتراحات التي قدمت في هذا المقال لا تحتاج لموارد مالية إضافية، وهو ما تعمدته لإسقاط أي حجة. أما في حالة توفر تلك الموارد مستقبلا فسيكون حينئذ بالإمكان تقديم حزمة أخرى من المقترحات، والتي تحتاج لموارد إضافية قد لا تكون متاحة حاليا.
وفي الختام، فإن التلفزيون بإمكانه أن يحسن كثيرا من أدائه من خلال الاعتماد على موارده المالية والبشرية المتاحة حاليا. وهو لا يحتاج اليوم إلا أن تكون لمديره الجديد إرادة جادة، وعزيمة قوية على أن يترك بصمة متميزة في مؤسسة حيوية بحاجة ماسة لمن يترك فيها بصمة.
تصبحون على تلفزيون عمومي....

الاثنين، 2 مايو 2011

الأُخُوَّة في الحظيرة!!!


سأل أحدهم الشيخ عبد الحميد "كشك" رحمه الله فقال: رضعت أنا وأخي هذا من نفس المعزاة، فهل نكون بذلك إخوة في الرضاعة؟
أجاب "كشك": لا لستما إخوة في الرضاعة، ولكنكما إخوة في الزريبة أو في الحظيرة.
إن الأخوة في الحظيرة ـ وهذا لم يعد كلام الشيخ "كشك" ـ تختلف عن أي أخوة أخرى، فالأخ في الحظيرة قد يرفس أخاه، وقد يركله دون سبب وجيه، ودون أن يثير ذلك استغراب بقية القطعان في الحظيرة. والحظيرة أو الزريبة لا يحكمها أي قانون، فهي مجرد مكان ضيق تحشر فيه مجموعة من البهائم التي جُبلت على الخشونة في التعامل، وعلى ممارسة العنف لحسم أي خلاف صغير أو كبير، يحدث داخل الحظيرة أو خارجها.
وفي بلدنا حظائر كثيرة، فهناك "الحظيرة الفتية" التي ولدت فتية، وشاخت وهي لا تزال فتية، وشُوهد طلابها في الأيام الماضية، يتعاركون بالعصي، ويتراشقون بالحجارة، لحسم خلافاتهم، وفق منطق وتقاليد الحظيرة، في مشهد بائس، إن لم يكن هو البؤس بعينه.
ومما يزيد ذلك المشهد بؤسا هو أنه حدث في عام عربي جميل، ابتدع فيه الشباب العربي أساليب راقية من النضال والتضحية والتوحد للدفاع عن القضايا الحقيقية لأوطانهم، متجاوزين بذلك كل المصالح العرقية أو الحزبية الضيقة.
ففي اليمن مثلا، واليمن تعتبر الدولة العربية الأكثر تماثلا معنا من حيث مؤشرات التنمية، والأكثر تشابها معنا حتى في الأشكال، ترك الشاب اليمني سلاحه ـ وفي الأغلب يملك اليمني ترسانة أسلحة ثقيلة ـ وخرج بصدره العاري للدفاع عن قضايا وطنه. خرج بعد أن ترك وراءه ظهره المصالح الضيقة للقبيلة وللطائفة وللحزب السياسي وللايدولوجيا.
والشاب اليمني بذلك الفعل الراقي برهن على أنه قد تحرر من ثقافة الحظيرة، أصبح قادرا على أن يبدل الأخوة في الحظيرة بالأخوة في الوطن.
أما في موريتانيا فقد خرج شباب بعصيهم، وقيل أن أحدهم حمل بندقية، إلى المكان الذي كان من المفترض أن يكون بمنأى عن ثقافة الحظيرة، خرجوا ليركل بعضهم بعضا، وليرفس بعضهم بعضا، وكأن الشاب الموريتاني بذلك الفعل البائس، أراد أن يغرق بلده أكثر في ثقافة الحظيرة، وأن يبعده أكثر وأكثر عن ثقافة المواطنة.
فلماذا سعى الشاب الموريتاني لدخول الحظيرة؟ ولماذا سعى جاهدا لإدخال مجتمعه إلى الحظيرة التي لم يخرج منها، في الوقت الذي كان فيه الشاب اليمني يعمل جاهدا لتحرير نفسه ومجتمعه من ثقافة الحظيرة؟
ذلك سؤال سأرفع العمامة لكل شاب موريتاني يجيب عليه.
وقد يقول قائل وما أكثر القائلين ـ عفوا الصائحين ـ في الحظيرة، بأن الطالب الجامعي الموريتاني يتعرض لضغوط قوية من أعراق وإيديولوجيات وعشائر وطوائف سياسية تجبره أن يثبت من حين لآخر بأنه لا زال يتشبث بتراث وبتقاليد الحظيرة البالية.
وهنا سأطرح السؤال التالي: كيف استطاع الشاب اليمني أن يجبر طوائفه وعشائره وأحزابه وحركاته أن تترك حظائرها لتلتحق به، وتناصره في المطالبة بمشروع وطني ثوري راقي وطموح؟
وكيف فشل الشاب الموريتاني في ذلك؟ بل وكيف استطاعت العشائر والطوائف والأيدلوجيات الموريتانية أن تجبر الشاب الموريتاني على السير خلفها، و على ممارسة طقوسها البائدة في قلب جامعته الفتية، عفوا في قلب حظيرته الفتية؟
ذلك سؤال سأرفع القبعة لكل شاب موريتاني يجيب عليه.
لقد ارتكب الطلاب الجامعيون في يومي الأربعاء والخميس خطيئة كبرى وجرما عظيما، لابد من التوبة العلنية منه، والتكفير عنه بالإكثار من العمل الوطني الصالح والهادف، الذي يخدم ـ حقا ـ المصلحة العليا للبلد، ولا يخدم غيرها.
لقد حاول من أدلى برأيه ـ حتى الآن ـ أن يفسر ما حدث بكشف جزء يسير من الحقيقة، وبالقول بأنه كان نتيجة مؤامرة حاكت خيوطها ـ حسب بعضهم ـ رئاسة الجامعة، وحاكت خيوطها حسب البعض الآخر بعض المواقع الالكترونية، وبعض الأحزاب السياسية التي لها أتباع ـ حتى لا أقول قطعان ـ في الحظيرة الفتية، توجهها كيف ما شاءت، وأنى ما شاءت.
إن تبرير تلك الخطيئة الشنيعة بفكرة التآمر يعتبر مغالطة كبرى، وهو تبرير سيجعل الطلاب يتقمصون دور الضحية، ولا يعترفون بخطئهم ولا يتوبون منه، وهو ما ظهر في بيانهم الأخير، مما يعني بأننا قد نعيش في المستقبل أخطاء أخرى من هذا القبيل.
ورغم أني لا أنفي أصلا فكرة التآمر إلا أني مع ذلك أرفض استخدامها لوحدها لتبرير ما حدث. ويبقى السؤال المطروح هنا: لماذا يقبل الطلاب بأن يكونوا ضحية لمؤامرة من هذا النوع؟
على الطلاب أن يتحلوا بالشجاعة والصراحة والجرأة وأن يعترفوا علنا بأنهم ارتكبوا خِطْئا كبيرا، وعليهم أن يتركوا تمثيل دور الضحية التي تتعرض لمؤامرة شرسة من "قوى الشر".
ولو كان هذا المنطق التبريري للأخطاء يكفي لقبلنا تبريرات حكوماتنا التي تبرر كل أخطائها وحماقاتها بأنها ضحية لمؤامرات لا تنتهي من قوى الشر العالمية.
إننا إذا لم نتحمل مسؤولية الأخطاء التي نرتكبها فإنه لن يكون بإمكاننا تفاديها مستقبلا، وبالتأكيد ستكون دائما هناك جهات بإمكاننا اتهامها بالتآمر ضدنا، كلما أخطأنا في حق أنفسنا، وفي حق الوطن.
وعندما يعترف الطلاب بأخطائهم فسيكون بعد ذلك بالإمكان أن نتبع أطرافا عديدة، وتراكمات كثيرة ساهمت في صنع الأحداث العرقية المشينة التي شهدتها "الحظيرة الفتية". وهذه التراكمات يمكن أن نجملها في نقاط ثلاث:
1 ـ في نفس الفترة تقريبا من العام الماضي شهدت الجامعة أحداثا عرقية مشابهة، كانت نتيجة لردة فعل غاضبة، على اهتمام خطابي باللغة الدستورية للبلد، لم يصاحبه أي إجراء ملموس حتى ولو كان هزيلا. ولقد تزامنت تلك الأحداث مع حدث آخر تمثل في مبايعة مجموعة من الأحزاب السياسية للقذافي. ولقد تعاملت "القطعان السياسية" بعقلية الحظيرة وبمنطقها مع تلك الأحداث. ولقد كان كل قطيع سياسي يتخذ موقفا متشددا مع أحد الحدثين، ويتجاهل ـ وبشكل فاضح ـ الحدث الآخر.
لقد انتقد البعض ـ وبقسوة مبررة ـ مبايعة القذافي، والتي كانت بالفعل خطيئة تستحق أن يندد بها، ولكن أولئك الذين انتقدوا تلك المبايعة صمتوا صمتا رهيبا، ولم ينددوا بالجرم الذي ارتكبه بعض الطلاب الذين تسببوا في صدامات عرقية، لمجرد أن هناك من قال ـ وهو مجرد قول عابر في مناسبة عابرة ـ بأن اللغة العربية لا الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد.
أما الطائفة الأخرى من القطعان فقد انتقدت ـ وبقسوة مبررة أيضا ـ التظاهر ضد اللغة العربية، ولكنها لم تنتقد ـ ولو بشطر كلمة ـ مبايعة القذافي.
ولقد أظهرت تلك المواقف ـ أو على الأصح أنصاف المواقف ـ أن ثقافة الحظيرة لا زالت تتحكم في ردود أفعالنا وفي مواقفنا، وأن هذه المواقف لا زالت تتخذ استجابة لمصالح القطيع الضيقة، أما المصلحة العليا للبلد ، فإنها لا تجد ـ إطلاقا ـ من يهتم بها.
إن هذه القطعان السياسية التي أفلست أخلاقيا وسياسيا، لم يعد لديها ما تفعله سوى المتاجرة بورقة الفتنة واللعب بها بحثا عن ناخبين متطرفين من كل الفئات.
فمبايعة القذافي، والتظاهر ضد اللغة العربية كلاهما كان جريمة نكراء تستحق التنديد، ومع ذلك لم يستطع أي فصيل سياسي في هذا البلد أن يندد بهما معا، رغم تزامنهما.
2 ـ إن من ثقافة الحظيرة ما يمارسه البعض من عنصرية بشكل خفي، فكل تمييز بين المواطنين ـ وبغض النظر عن أسبابه ـ إنما هو نوع من العنصرية، يجب أن نتخلص منه بشكل فوري، إذا ما كنا نريد حقا أن نتحرر من ثقافة الحظيرة.
فالمواطنون يجب أن يكونوا سواسية في الحقوق وفي الواجبات، والذين يخطئون منهم في حق الوطن هم مواطنون مخطئون، علينا أن نقولها بصراحة، وعلينا أن نندد بأخطائهم بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية. أقول هذا الكلام لأن البعض أصبح يتجنب انتقاد بعض التصرفات الخاطئة، التي قد تصدر من بعض المواطنين الذين ينتمون لشريحة غير شريحته، وذلك خوفا من أن يوسم بالعنصرية، متجاهلا أن ذلك الخوف إنما يعبر عن عنصرية دفينة.
ولتوضيح ذلك أكثر يكفي أن نتأمل ردود أفعال "القطعان السياسية" على حدثين متشابهين:
فبعد أحداث الجامعة التي مورس فيها عنف طائش من طرف الطلاب، ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الطلاب وكانوا كلهم زنوجا. وبعد يوم الغضب الذي لم يمارس فيه أي عنف ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الشباب وكانوا كلهم عربا.
لقد نددت "القطعان السياسية" ـ ولها الحق في ذلك ـ بإلقاء القبض على المجموعتين، ولكن المؤسف أنها ـ وربما لعنصرية دفينة ـ اكتشفت أن مجموعة الطلاب كانت من فئة عرقية واحدة، وهو ما احتجت به في بياناتها وتصريحاتها، ولكنها لم تكتشف أن مجموعة شباب يوم الغضب كانت هي أيضا من فئة واحدة.
لقد أصبح من اللازم ـ إذا ما كنا نريد حقا أن نكون إخوة في الوطن لا إخوة في الحظيرة ـ أن نتجاوز هذه العقد التي تكشف عن عنصرية دفينة. فإذا ارتكبت مجموعة من المواطنين عملا مخالفا للقانون فعلينا أن ندين فعلها ذلك، حتى ولو كانت من شريحة واحدة، وإذا ما استحقت مجموعة أخرى من المواطنين مكافأة أو امتيازا فعلينا أن نمنح لها ذلك الامتياز، حتى ولو كانت من شريحة واحدة. كما أنه علينا جميعا ـ سواء من كان منا معارضا أو مواليا ـ أن نندد بلغة صريحة وفصيحة، بكل قول أو فعل يصدر من أي موريتاني ـ بغض النظر عن عرقه أو شريحته ـ يسيء لديننا أو لوطننا ( لا أقصد بالوطن النظام).
وإن السكوت عن الإساءة للدين أو للوطن، مخافة أن نتهم بالعنصرية، إنما هو مظهر شائن من مظاهر الحظيرة وثقافتها التي لا تقدس شيئا، أي شيء.
3 ـ غياب روح الوطنية، وغياب الفضاءات التعليمية والسياسية والثقافية والإعلامية التي تنمي تلك الروح في نفوس ثلاثة مليون "أجنبي" وزيادة تسكن هذه الأرض.
فالحكومات كانت ولا زالت تربي المواطنين على أن الولاء للنظام الحاكم يأتي قبل الولاء للوطن.
والأحزاب السياسية كانت ولا زالت تربي منتسبيها على أن الولاء لزعيم الحزب يأتي قبل الولاء للحزب، والولاء للحزب أهم من الولاء للوطن بمائة درجة.
والحركات الإيديولوجية كانت ولا زالت تربي " مناضليها" على أن كل كلمة يقولها "مناضل" دفاعا عن عرض"الزعيم" أو "القائد" أو "الأخ" أو "الرفيق" أو "المرشد" هي خير من ألف كلمة يقولها دفاعا عن عرض وطنه ، أو على الأصح دفاعا عن الحظيرة التي يقيم فيها بجسده لا بقلبه، والتي تمتد من "فصالة" شرقا إلى "كرمسين" غربا.
والقبيلة كانت ولا زالت تثبت ميدانيا بأن الولاء لها ـ عكس الولاء للوطن ـ هو الذي يوفر الوظائف، وهو الذي ينفع صاحبه ساعة العسرة، وهو الذي يحميه من ظلم الآخرين ومن اعتداءاتهم.
إن الأخوة في الحظيرة ستظل هي التي تجمعنا، وثقافتها ستظل هي التي تحكمنا، ما دام لا يشعر في الغربة في هذا البلد إلا من كان في قلبه مثقال ذرة وطنية. وما دام لا يرتقي فيه إلا أبناء القبيلة أو أبناء الايدولوجيا أو أبناء الشريحة الذين لم ينتصروا يوما إلا لقبائلهم أو لإيديولوجياتهم أو لشرائحهم، والذين لم يتمعر وجه أي واحد منهم ـ ولو لمرة واحدة ـ انتصارا للوطن.
تصبحون وأنتم إخوة في الوطن....

السبت، 23 أبريل 2011

من حقي أن أغضب..!!


في يوم "التصحيح" قال عسكريون بأعلى الرتب..
سنعاقب كل من لثروة الفقراء نهب..
وقالوا سنأتيكم بنصيبكم من العدالة غير منقوص وفي عُلَب.
وقالوا سنشيد سجونا للمفسدين من حديد وقصب..
وقالوا ويل للفقر سنهزمه هذه المرة.. ولن يهرب..
وقالوا سننظم منتديات للتعليم وسنُكون وسندرب..
وقالوا سنخرجكم من "مساكن الدجاج" فودِّعوا صفائح الخشب..
وقالوا لن يولد مولود بعد "التصحيح" إلا وفي فمه ملعقتان من ذهب..
وقالوا لن يموت مريض بدواء مزور أو مهرب..
وقالوا سندفع لكل عاطل حدا أدنى كمرتب..
وقالوا لدينا موارد تكفي ولسنا في حاجة لدعم من هب ودب..
وقالوا سنسكنكم في جنان لا صخب فيها ولا نصب..
وقالوا ثرنا من قبل ثورات الشباب إذ في تونس ومصر هب..
قالوا كلاما عجيبا..قالوه بصخب..
قالوا كلاما مثيرا ..ثم بعد عامين توقفت الخطب..
لم يعد لديهم ما يقولوه فقلنا نحن والإحباط من جباهنا يتصبب..
قلنا والجوع يكاد يدفننا في أرض باطنها من ذهب..
قلنا والبطالة تفتك بنا منذ عقود دون أن نعرف ما السبب..
قلنا ونحن الغرباء في وطن جعلوه أعراقا وشيعا و قبائل تتفاخر بالنسب..
قلنا وفي الجامعة صراعات ومشاهد من أرذل الحقب..
قلنا ونحن شباب شيب والظهر قد أثقلته الهموم فاحدودب..
قلنا لهم وقد سئمنا العيش في وطن بلا نخب..
تشابهت "إنجازاتكم" يا "قادتنا" وتطابقت الخطب..
وما عدنا نميز بين المُنْقَلِب منكم ومن نُصِّب..
فخلَفكم كسلفكم ومُنقلِبكم لا يختلف عن من اُنْتِخِب..
ومعارضوكم كمواليكم وقد تساوى لدينا من انهزم منكما ومن تغلب..
قلنا لهم نحن غاضبون عليكم جميعا ومن حقنا أن نغضب..
ولا يغرنكم يا "قادتنا" تصفيق بعضنا ففي تصفيقه شحنة غضب..
ولا تغرنكم ضحكاتنا ففي ضحكاتنا براكين غضب..
ولا يغرنكم عدم اكتراثنا فعدم اكتراثنا يمور خلفه زلزال غضب..
ولا تغرنكم طيبتنا فكم هو مخيف الطيب إذا غضب..
قلنا لهم غاضبون عليكم جميعا ومن حقنا أن نغضب..
واعلموا يا "قادتنا" بأنا قد هرمنا في انتظار لحظة غضب..
يدعو لها شباب لا للأغلبية ولا للمعارضة انتسب..
شباب لا يختزل الوطن في أعراق أو في "عشائر سياسية" تتناحر بلا سبب..
تصبحون على موعد مع الغضب...

الأحد، 17 أبريل 2011

"أسياد" خارج قفص الاتهام !!!

"أسياد" خارج قفص الاتهام !!!
تابعت ـ باهتمام كبير ـ الحوار الهام الذي نظمه التلفزيون الرسمي عن العبودية، ذلك الحوار الذي أثار قضايا هامة وشائكة عن الرق، وعن مخلفاته كما أثار بعض القضايا المرتبطة بهذه الظاهرة، والتي قد تتداخل معها في كثير من الجوانب، لدرجة تختفي فيها كل الخيوط الرفيعة التي من المفترض أنها تفصل بين الاسترقاق وتشغيل القصر من جهة، و بعض مظاهر التكافل الاجتماعي، والتي تتخذ ـ في بعض الأحيان ـ أشكالا بدائية، لم تعد تنسجم مع تعقيدات العصر.
ومع أن الحوار قد تطرق إلى جوانب مهمة من الموضوع، إلا أن ذلك لن يمنع من القول بأن المتحاورين قد تجاهلوا ـ بقصد أو بغير قصد ـ "مسترقين" و "أسيادا" يلعبون ويمرحون في هذا البلد، ولا يجدون من يتصدى لهم، رغم أنهم هم العدو الأول للأرقاء وللأرقاء السابقين. وقبل الحديث عن هؤلاء المسترقين، قد يكون من المناسب،أن أسجل بعض الملاحظات حول حلقة الحوار المفتوح، التي تم تخصيصها ـ في سابقة من نوعها ـ لواحدة من أهم القضايا التي تؤرق ـ أكثر من غيرها ـ العقلاء في هذا البلد.
الملاحظة الأولى: على القائمين على التلفزيون أن يعلموا بأن الشمس لم تطلع من مغربها، وأن السماء لم تسقط كسفا على الأرض، بعد بث الحلقة المذكورة. لم تتسبب هذه الحلقة في حدوث أي كارثة، بل على العكس، فإنها ومثلها من البرامج الحوارية الهادفة سيخفف كثيرا من حدة الاحتقان، وسيساعد بلادنا في تجنب المخاطر التي قد يتسبب فيها غياب مثل هذه الحوارات.
إن مثل هذه البرامج الهامة يجب أن لا تكون مجرد ردة فعل عابرة لامتصاص موجة الانتقادات المتنامية للتلفزيون، رسمية كانت أو شعبية، والتي زادت حدتها في الأسابيع الماضية. وعلى القائمين على التلفزيون أن يعلموا بأن مثل هذه البرامج يجب أن تكون أكثر أولوية من برامج "أزوان"، ومن كل البرامج المشابهة، والتي تصنف ـ عادة ـ على أنها برامج ترفيهية، وإن كانت في حقيقتها ليست كذلك.
وأعتقد أن الكثير من العقلاء في هذا البلد، يوافقون رئيسة "رابطة النساء المعيلات للأسر" فيما ذهبت إليه في هذا المجال.فليس من الحكمة، أن يظل التلفزيون يقدم جرعات زائدة من "أزوان" في الوقت الذي يتجاهل فيه كليا التحديات التي تهدد مستقبل البلد، والتي قد تعصف ـ لا قدر الله ـ بالبلد، وأهله منشغلون بمتابعة دروس من الموزون، أو بمشاهدة صور من البادية الموريتانية.
الملاحظة الثانية: حاولت الحلقة بخجل شديد أن تكشف الستار عن الازدواجية التي نتعامل بها جميعا ( حكومة، منظمات، ساسة، كتاب..) مع ظاهرة العبودية في بلدنا. وهي ازدواجية جعلتنا نغمض أعيننا عن ممارسات بشعة من العبودية، لا زال يمارسها بعض الأسياد في إحدى المجموعات الوطنية.فهناك أسياد كثر في هذه المجموعة خارج قفص الاتهام، وإن كانوا ليسوا هم الأسياد الذين قصدتهم بعنوان هذا المقال.
وإذا كان يصعب اليوم أن نجد في مجتمع "البيظان"، متعلما أو ميسورا يقبل أن يكون عبدا، فإن الأمر يختلف لدى السوننكيين، حيث تنفرد هذه المجموعة عن غيرها من المجموعات الوطنية، بأنه لا زال يوجد بها أرقاء متعلمون، وميسورون، ويشغلون في بعض الأحيان وظائف سامية، لا يحلم بها أسيادهم، ومع ذلك يقبلون ـ وبشكل مثير للاستغراب ـ ممارسة بعض الأعمال والطقوس، لصالح أسيادهم، والتي تتنافى ـ بشكل صارخ ـ مع الحدود الدنيا للكرامة الإنسانية.
الملاحظة الثالثة: إذا كان يحق لنا أن نفتخر اليوم بأننا قد قطعنا أشواطا كبيرة في النضال السياسي والحقوقي ضد العبودية، وهنا لابد أن أوجه تحية لمنظمة نجدة العبيد، ولرئيسها الذي كان ضيفا في الحلقة، إذا كان يحق لنا أن نفتخر بذلك، فإنه علينا جميعا أن نخجل من تقصيرنا، ومن تقاعسنا الواضح (حكومة، ومنظمات) في مجال ما أسميته في مقال سابق بالنضال التنموي ضد العبودية.
وإنه لمن المؤكد أنه في ظل غياب نضال تنموي حكومي وأهلي جاد ضد العبودية ستظل كافة الجهود الأخرى ناقصة، ومحدودة الفاعلية. وسيظل دائما هناك من يقبل "طوعا" أو كرها بأن يكون عبدا، وسيكون دائما هناك من يبذل جهدا كبيرا من أجل أن يجد "سَيِّدا" يطعمه ويسقيه، في زمن شحت فيه موارد الدخل، وارتفعت الأسعار، وكثرت احتياجات الأفراد.
إن الفقر والأمية هما "سيدان" خارج قفص الاتهام، وهما اللذان يجبران الأرقاء، والأرقاء السابقين، بل ويجبران في بعض الأحيان، بعض الأسياد السابقين إلى البحث عن سيد جديد أو قديم يستعبدهم من أجل مقابل مادي زهيد، يزيدهم احتياجا وفقرا وجهلا، ويدفعهم إلى التنازل أكثر عن كرامتهم، وعن حقوقهم التي من المفترض أن تكفلها لهم قوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
لقد حان الوقت لأن نقدم بلاغا ضد الفقر والأمية، وقد حان الوقت لأن نوجه لهما تهمة ممارسة الاسترقاق، وأن نطالب بطردهما من البلاد، بعد إنزال أقصى العقوبة بهما.
إن هناك مليونا ونصف من الموريتانيين أميون يعيشون في ظروف مزرية بسبب الأمية والفقر. وهم ضحايا لمجرمين خارج قفص الاتهام، لا يجدان من يتهمها حتى في برنامج حواري عن العبودية.
لقد أمست الأمية تلعب وتمرح وتفعل أفاعيلها بضحاياها من الموريتانيين، دون أن تجد من يرفع ضدها بلاغا، أو يذكرها حتى، منذ أن توقف الحديث عنها صبيحة الثالث من "شهر التناوب الرئاسي الخشن"، من العام 2005.
وإن الفقر ليلعب هو أيضا ويمرح، ويفعل أفاعيله بضحاياه من الموريتانيين، بل إنه زاد من جرائمه وغطرسته وجبروته، في الفترة الأخيرة، بعد أن أيقن أن البلاغ الذي رُفِع ضده صبيحة السادس من "شهر التناوب الخشن" من العام 2008، كان مجرد بلاغ غير ذي شأن، في حزمة من بلاغات غير ذي شأن رُفعت ضد الفساد، والبطالة، وانحراف المسار، ورموز الأنظمة السابقة، والأزمة الأخلاقية، وسوء توزيع المتاح من العدالة، وأشياء كثيرة أخرى من أغنية طويلة نساها الناس في وقت مبكر، ونستها ـ وهذا هو أغرب ما في الأمر كله ـ فرق الإنشاد والتصفيق والتطبيل التي تشكل ما يسمى بالاتحاد من أجل الجمهورية .
تصبحون على نضال تنموي ضد الرق ومخلفاته...

الاثنين، 11 أبريل 2011

بطاقة حمراء لوزير عابر



لقد كنت أتوقع ـ بناءً على معلومات يبدو أنها مغلوطة ـ أن الفترة التي سيقضيها وزير الاتصال الحالي بوزارة الاتصال، ستكون فترة مميزة، وستشهد إنجازات ملموسة في قطاع الإعلام بشقيه الرسمي والخاص.
ولقد كنت أتوقع أنه سيستغل هامش الحرية الممنوح للإعلام من طرف رئيس الجمهورية على أحسن وجه، بل إني كنت أتوقع بأنه لن يرضى فقط بذلك الهامش، وإنما سيناضل ويكافح ـ وبشكل مستميت ـ من أجل أن يُمنح هامشا أكبر يسمح له بأن يترك بصمة متميزة، يتذكره بها الموريتانيون عندما يلتحق ـ في يوم يراه بعيدا وأراه قريبا ـ بطابور طويل من الوزراء السابقين، لم يتركوا خلفهم أثرا مذكورا، ولم يعد يذكرهم ذاكر.
لقد رحلوا إلى رصيف النسيان، كما سيرحل الوزير الحالي إليه...
وسيندم كما ندموا..
وسيتمنى "الوزير العابر" أن يعود للوزارة ليعمل صالحا، ولن يعود في أغلب الأحوال. وقد يتمنى أن يعود لساعة واحدة، ليقيل كل مفسدي الإعلام الرسمي الذين سيتخلون عنه، وينقلبون عليه بعد أول دقيقة من إذاعة بيان الإقالة، كما فعلوا مع عن من سبقه. سيتخلون عنه، ولن يشفع له بأنه ظل في فترة مروره العابر بالوزارة، يصرـ وبعناد عجيب ـ على الاحتفاظ بهم في مناصبهم.
سيتخلى عنه مفسدو الإعلام الرسمي، ولن تتشبث به قطعا الفئة الصالحة في هذا القطاع، بعد أن همشها كثيرا.
وسيتحول الوزير الحالي إلى رقم عابر في سلسلة من الأرقام العابرة، وسيحمل الرقم 5 في سلسلة وزراء الاتصال الذين تعاقبوا على الوزارة، منذ "فجر السادس من أغسطس" الذي لم تبزغ شمسه حتى الآن، لتخفف ـ ولو شيئا قليلا ـ من ظلمات ليل الإعلام الرسمي الحالك.
لقد اختار " الوزير العابر" أن يكون مجرد وزير عابر.. فليكن كما أراد.. وليكن مجرد وزير عابر.
ولقد اختار "الوزير العابر" أن يكون مجرد رقم عابر.. فليكن كما أراد.. وليكن مجرد رقم عابر.
والحقيقة أني لم أكن أرغب ـ إطلاقا ـ في أن أرفع البطاقة الحمراء الثالثة في وجه "الوزير رقم 5"، أو "اللاعب رقم 5"، في التشكيلة الحكومية الأسوأ أداءً في تاريخ الحكومات الموريتانية، لم أكن أرغب في ذلك، ولكن قواعد التحكيم الافتراضي فرضت أن أرفعها في وجه الوزير، قبل رفعها في وجه مدير تلفزيونه، والذي كنت قد وعدته بالبطاقة الحمراء الثالثة، في وقت سابق.
فالجمهور الرياضي ـ كل الجمهور الرياضي ـ يريد أن ترفع بطاقة حمراء، شديدة الاحمرار، في وجه "اللاعب رقم 5".
والمعلقون الرياضيون، وحسب ما ينشرون في المواقع والجرائد، سيرحبون كثيرا برفع البطاقة الحمراء في وجهه.
وفريق المعارضة سيشجع ـ بالتأكيد ـ إخراج هذه البطاقة، ففي كل بيانات هذا الفريق ظلت هناك فقرة ثابتة تنتقد الأداء الباهت للاعب رقم 5 ، حتى السلطة العليا للصحافة، والتي عُرفت بصمتها الرهيب، وبخجلها المحير، لم تعد قادرة على الاستمرار في صمتها وخجلها، وأصبحت تهمس جهرا بسوء أداء "اللاعب رقم 5".
لقد كنت أتوقع أن هذا اللاعب سيكون نجم التشكيلة الحكومية الحالية، فراجحة عقله، ومؤهلاته وقدراته، وتاريخه "الرياضي" كان من المفترض أن يعينه على ذلك.
لقد كان بإمكانه أن يكون نجما لو أراد، ولكن الوزير قرر ـ لأسباب تخصه ـ أن يكون الوزير الأسوأ أداءً على الإطلاق، في فريق حكومي كل وزرائه كان أداؤهم سيئا للغاية.
لذلك، فلقد استحق ـ أكثر من غيره من الوزراء ـ بطاقة حمراء، شديدة الاحمرار. لقد استحقها لأسباب عديدة، أذكر منها تحديدا ثلاثة:
أولها: بما أننا جميعا، رئيسا وشعبا، نخبا وعامة، أغلبية ومعارضة، نتفق على أن الإعلام الرسمي لم يتحسن أداؤه ولو شيئا قليلا، بل ولأننا نتفق على أنه تراجع كثيرا إلى الوراء، لذلك فقد كان من اللازم أن نحدد المسؤول الأول والمباشر عن هذا التراجع.
بالنسبة لي شخصيا أميل دائما لأن أحمل رئيس الجمهورية كل الأخطاء التي تحدث في عهده، دقها وجلها، كبيرها وصغيرها، أولها وآخرها. ولكن في مسألة الإعلام الرسمي، فإني سأعتمد على شهادات واعترافات "الوزير رقم 5"، فالوزير رقم5 هو أولا وقبل كل شيء رجل قانون، وهو أولى من غيره بتحديد المسؤولية، خاصة في قطاعه. وهو يعرف أكثر من غيره القوة القانونية للاعتراف، الذي لا يأتي تحت الإكراه، ولا تحت أي ضغط مهما كان نوعه.
لقد قال الوزير في أكثر من مناسبة، ونحن سنصدقه في مقولته تلك، بأن رئيس الجمهورية يرغب فعلا في فتح وسائل الإعلام الرسمي أمام جميع الموريتانيين، خصوصا أمام المواطنين العاديين. ولقد قال "الوزير رقم 5"في أكثر من مناسبة، بأن الرئيس أعطاه أوامره السامية، وتعليماته الصريحة والواضحة لتنفيذ تلك الرغبة.
إذاً فالخلاصة تقول وبالعربي الصريح بأن "الوزير رقم5" هو وحده من يعرقل تنفيذ رغبة الرئيس، ورغبة المعارضة، ورغبة المواطن العادي، ورغبة النخب، ورغبة السلطة العليا للصحافة، وهي رغبات أجمعت كلها، على غير العادة، وحسب المعلن طبعا،على ضرورة فتح وسائل الإعلام الرسمي أمام الموريتانيين كلهم أجمعين.
والخلاصة تقول أيضا، وبالعربي الفصيح، هذه المرة، بأن الوزير رقم 5 والذي يرفض ـ وبإصرار مستفز ـ بأن يلبي تلك الرغبات التي أجمع أصحابها على مطلب واحد، إنما يستهزئ بالتعليمات السامية لرئيس الجمهورية، وببيانات المعارضة، وبمطالب النخب، وبرغبات الشعب الموريتاني، لذلك فهو ـ وانتصارا مني لكل هؤلاء ـ يستحق أن ترفع في وجهه هذه البطاقة الحمراء، والتي أعتبرها البطاقة الأكثر احمرارا، من بين البطاقات الثلاث المرفوعة لحد الآن.
ثانيها: إن الكرامة، والشهامة، والعزة، والكبرياء تفرض على "الوزير رقم 5" أن يعتزل اللعب، وأن يستقيل فورا. لقد أصبح كل عمال القطاع كبيرهم وصغيرهم، مفسدهم وصالحهم يلجؤون إلى الرئاسة لتحل لهم مشاكل "صغيرة"، كان من المفترض أن يحلها مديرو القطاعات والمؤسسات التابعة للوزارة.
فلم يعد أي موظف يتوقع أي شيء، أقول أي شيء، ثم أكرر أي شيء من "الوزير رقم5"، لذلك فعمال الوزارة يضطرون لأن يحملوا همومهم "الصغيرة" إلى رئاسة الجمهورية. ومع أن هذه الظاهرة لا تقتصر على وزارة الاتصال، بل إنها امتدت لكل الوزارات، وأصبحت هي السمة الأبرز للفريق الحكومي الخائب الذي يقوده معالي الوزير الأول، والذي فشل في كل المباريات والتصفيات التي خاضها في ملاعب الصحة والتعليم والعدالة و..و... فرغم اتساع تلك الظاهرة، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأنها كانت أكثر تجليا ووضوحا في وزارة الاتصال أكثر من غيرها من الوزارات.
فلم تعد هناك أي أهمية للوزير رقم 5، ما دام غير قادر على أن يحل المشاكل "الصغيرة" لعمال قطاعه.
لقد زحف كل عمال الإعلام ـ كبيرهم وصغيرهم ـ مع الزاحفين إلى أسوار القصر الرئاسي، دون أن يمروا بالوزير رقم 5، لأنهم لا يتوقعون أصلا من سيادته أي شيء.
فما هي إذاً أهمية تعيين "الوزير رقم 5"إذا كان حال الوزارة بعد تعيينه، لا يختلف عن حالها المتوقع، لو تُركت عاما وزيادة بلا وزير؟
ولأنه لا فرق بين وزارة الاتصال في ظل وجود "الوزير رقم 5"، أو في ظل غيابه، اللهم إذا استثنينا التكاليف التي تتحملها خزينة الدولة كراتب وكأشياء أخرى.
ولأن "الوزير رقم 5" يرفض أن ينتصر لكرامته وكبريائه وشهامته، ويرفض أن يستقيل من وزارة كل عمالها لا يعتبرونه وزيرا، ويبخلون عليه حتى بطرح مشاكلهم "الصغيرة".
لذلك كله، ولأن "الوزير رقم 5" يرفض أن يثور لكبريائه، فقد كان لزاما أن أرفع ـ انتصارا له ـ هذه البطاقة الحمراء، وذلك لكي يتوقف عن طريقته السيئة في اللعب، والتي استهلك بها كل رصيده لدى الجمهور الرياضي.
ثالثها: لقد استقال "الوزير رقم 5"ضمنيا، ومنذ مدة، من فريق حكومة "معاليه" الخائبة، وتظهر تلك الاستقالة من خلال غيابه المتعمد عن "برنامج الحكومة في الميزان".
فلماذا تم استثناء "الوزير رقم 5"؟ فهل السبب يعود إلى أن وزارته لا تزن عند الشعب جناح بعوضة؟ أم لأن وزارته ليست من حكومة "معاليه"؟ ألم يوضع قسرا أغلب لاعبي فريق الحكومة على الميزان؟ ولماذا يؤتى بالمسكين وزير البيئة ولا يؤتى بوزير الدولة للتهذيب و لا بالوزير رقم5؟ أليست وزارة الاتصال أكثر أهمية من وزارة البيئة؟ أليست المشاكل التي تعاني منها وزارة الاتصال أكثر وأعظم من كل مشاكل الوزارات الأخرى؟ ألم يتظاهر عمال هذه الوزارة في سابقة من نوعها أمام القصر الرئاسي؟ ألم تظهر مشاكل هذه الوزارة أكثر من غيرها على صفحات الجرائد والمواقع؟ ألم تحصل هذه الوزارة على نصيب من النقد أكثر من غيرها في بيانات المعارضة؟ ألم ينتقدها رئيس الجمهورية نفسه سرا وعلنا؟
ألا يستدعي ذلك كله أن توزن هذه الوزارة قبل أن يوزن غيرها؟ ولماذا يستضاف وزير الإسكان للمرة الثانية ولا يستضاف "الوزير رقم 5" مرة واحدة؟ ولماذا لا يتحدث الإعلام عن مشاكل الإعلام مع وزير الإعلام قبل أن يتحدث عن أي مشكلة أخرى مع أي وزير آخر؟
ألم يكن من الأجدر بالوزير رقم 5 أن يزن نفسه، في أول حلقة من الحكومة على الميزان، قبل أن يزن أي وزير آخر؟ ولماذا يخاف وزير الاتصال من الاتصال بالمواطنين؟ ولماذا لا يدافع المحامي عن نفسه؟ ولماذا لا يمتلك المحامي الجرأة فيتصل بالمواطنين في مكتبه المغلق دائما، أو في تلفزيونه الشاحب دائما و أبدا؟
كنت أتمنى أن يجيب "الوزير رقم 5"على تلك الأسئلة في حلقة من برنامج الحكومة في الميزان من قبل أن أرفع في وجهه هذه البطاقة، والتي كان لا بد من رفعها، انتصارا ـ على الأقل ـ لوزير البيئة المسكين، الذي جلبوه قسرا إلى التلفزيون، ولوزير الإسكان الذي جلبوه قسرا مرة ثانية.
كلمة بعد صفارة النهاية:
إنه لم يعد من اللائق أن لا نفعل شيئا من أجل تحرير إعلامنا الرسمي من بين أيادي شرذمة قليلة أساءت لهذا الإعلام وانحرفت به بعيدا عن مساره الأصلي، وجعلت منه "منابر" لإفساد الأخلاق والقيم، وللتدريب المكثف على النفاق، والتزلف، ولتعليم الكذب للصغار والكبار، للمثقفين وللعامة، للعلماء وللجهلاء، للوجهاء وللبسطاء.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا استثنائية ـ أن نصلح من واقع التعليم، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا معتبرة ـ أن نصلح من واقع الصحة، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا جبارة ـ أن نصلح من واقع العدل، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا خارقة ـ أن نقضي على الفساد، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
وإنه لن يكون بإمكاننا ـ حتى ولو بذلنا جهودا ثورية ـ أن نعزز من قيم المواطنة، من قبل أن نحرر الإعلام الرسمي من الشرذمة التي انحرفت به.
إنه وببساطة شديدة لن يكون بإمكاننا أن نقوم بأي إصلاح مهما كان حجمه، في ظل إعلام رسمي بائس، تصر الشرذمة المتحكمة به أن تحجب عنه أنين البسطاء، وأحاديث العقلاء، وخلاصات الحكماء، ومظالم الأبرياء، وأوجاع الفقراء، وشكاوي الضعفاء، وحوارات الشرفاء، ونقاشات الشركاء، واهتمامات الشباب.
وإنه قد أصبح من اللازم على شرفاء هذا البلد، المحرومين ظلما من إعلامهم "الوطني"، بنخبهم، وبمثقفيهم، وبمفكريهم، وبشبابهم أن ينظموا وقفة احتجاجية أمام مبنى التلفزيون، كخطوة أولى في مشروع نضالي لتحرير الإعلام الرسمي من الشرذمة التي اغتصبته، والتي انحرفت به عن دوره الرئيس لإحداث التغيير الذي نتطلع إليه جميعا.
ومن المؤكد بأنه سيلتحق بتلك الوقفة ـ إن نظمت ـ الكثير من البسطاء، والفقراء، والعقلاء، والحكماء، والشرفاء الذين هرموا في انتظار فرصة يعبرون من خلالها عن استيائهم من أداء إعلام رسمي يزداد بؤسا وسوءا وتفاهة وسخافة يوما بعد يوم، وعهدا بعد عهد.
تصبحون على وقفة احتجاجية أمام مبنى التلفزيون...

الأحد، 3 أبريل 2011

إنهم سبعة فتية ...!!!

إنهم سبعة فتية من خيرة فتيان البلد "احتفلوا" منذ أيام معدودة بذكرى مرور عقد من الزمن على بداية معاناتهم المفزعة، والتي بدأت تحديدا يوم 25 ـ 02 ـ 2001م.
إنهم سبعة فتية ظُلموا في ذلك اليوم ظلما كبيرا، وبدؤوا منذ ذلك اليوم رحلة مثيرة وغريبة، حكوها لي بتفاصيلها الصغيرة، وأنا سأحكيها لكم بدوري لتعلموا أن الإدارة، في زمن تقريبها من المواطن، لم تتحسن شيئا قليلا.

الأحد، 27 مارس 2011

كفانا إصلاحا..يا سيادة الرئيس!!!

سيدي الرئيس،
يؤلمني حقا ـ ولأسباب عدة ـ أن أحدثكم في هذه الرسالة المفتوحة، بلغة صريحة جدا، لم أحدثكم بها من قبل في كل رسائلي الثمانية عشر الماضية، ولا حتى في تلك التي كتبتها لكم من قبل التنصيب. ولقد أجلت كثيرا كتابة هذه الرسالة، في انتظار بادرة ما، أو قرار ما، أو موقف ما، أو رسالة ما، توحي بأنكم ستمنحون للظرفية الصعبة التي تمر بها البلاد ما تستحق من اهتمام، ومن قرارات وإجراءات ثورية، وهو ما كان سيشوش ـ وبكل تأكيد ـ على الخلاصات المفزعة التي توصلت إليها، والتي يمكن لكل متأمل لنهجكم الإصلاحي أن يتوصل إليها، ودون عناء ذهني يذكر.
إن هذه الصراحة التي سأحدثكم بها في هذه الرسالة، يفرضها أكثر من سبب. تفرضها أولا هذه الثورات التي تحدث قريبا منا، و التي قد تطالنا نحن أيضا، عكسا لما يقوله أنصاركم السلبيون. فنحن رغم أن نصيب كل واحد منا من الثروات الطبيعية يفوق نصيب الفرد في الدول الشقيقة التي ثارت شعوبها، إلا أن دخل الفرد فينا لا زال أقل بكثير من نظيره في تلك الدول. ومدارسنا التي نتعلم فيها لازالت أتعس من مدارسهم، ومؤسساتنا الصحية أسوأ بكثير من مؤسساتهم الصحية. ونحن لا زلنا نعاني من نسبة بطالة أعلى من نسب البطالة التي يعانون منها، كما أننا نفتح أعيننا في كل صباح على مساكن وشوارع لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ مقارنتها بمساكنهم وشوارعهم.
صحيح أننا نتميز عن كل تلك البلدان بأننا نملك حرية تعبير أكبر، ولكن ما فائدة حرية التعبير إذا كانت لا تساهم في إصلاح الأوضاع؟ وما فائدة التعبير، بل وما فائدة الصراخ إذا كان القائمون على أمرنا يرفضون سماع صراخنا؟ وما فائدة حرية التعبير إذا كانت انتقادات رئيس الجمهورية لا تترك أثرا إيجابيا؟ لقد انتقدتم الإعلام الرسمي فازداد سوءا، وانتقدتم التعليم فتراجع التعليم أكثر، وانتقدتم الصحة، وانتقدتم القضاء، وانتقدتم قطاعات أخرى كثيرة فانهارت أكثر.
وهذه الصراحة تفرضها ثانيا تحديات أخرى، لم تتسببوا ـ قطعا ـ فيها، إلا أنكم مع ذلك مطالبون بإيجاد حلول لها، لأنها حدثت في عهدكم. فالعودة الإجبارية للآلاف من المواطنين من ساحل العاج، ومن ليبيا، في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة، لا بد أن تكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.
وأخيرا فهذه الصراحة تفرضها مناصرتي الإيجابية لكم بعد أن أصبحتم رئيسا للبلد، وحرصي الشديد على نجاحكم في مأموريتكم، وهذه المناصرة أستطيع أن أقسم لكم، بأنها أصدق بكثير من المناصرة السلبية لكثير من أغلبيتكم، حتى وإن ظهرت في شكل يختلف عن كل أشكال المناصرة التقليدية التي تعودتم عليها، والتي ترتكز ـ في الأساس ـ على التصفيق الساذج بالأيادي والأرجل.
بدءا أقول لكم، وبالعربي الصريح، بأنه لو استمر الإصلاح على هذا النهج، وبهذه الوتيرة، ولو استمرت الحرب على الفساد بخططها الحالية، فإنه لن يكون من المستبعد أن يخرج الشعب عن بكرة أبيه، وعمه، وجده ليطالبكم بأن توقفوا سياستكم الإصلاحية، وبأن تعلنوا نهاية فورية للحرب على الفساد، أو على الأقل هدنة طويلة الأمد مع المفسدين.
ولو استمرت الأمور تدار بهذا النهج "الإصلاحي"، فلن يكون غريبا أن يحن الناس للعهود البائدة، ولن يكون غريبا أن تتعالى أصواتهم بالهتاف :"وامفسداه"، واطائعاه"، "وامؤتمناه".
إن أحاديثكم المتكررة، والتي ما فتئتم تؤكدون من خلالها بأنكم ماضون في برنامجكم الإصلاحي، أصبحت تشكل بالنسبة لغالبية الشعب كابوسا مزعجا. والشعب الذي زادت أوضاعه سوءا بعد عشرين شهرا تقريبا من جهودكم الحثيثة في الإصلاح، أصبح يتطلع إلى شيء آخر غير سياسة الإصلاح التي تنتهجونها. فالإصلاح الذي لا يخلق وظائف، ولا يمنح رواتب منتظمة، حتى ولو كانت هزيلة، ولا يحارب الفقر، بشكل جاد، ولا يحسن من الخدمات الصحية، ولا يصلح تعليما، ولا يأتي بعدالة اجتماعية، ولا يعيد الهيبة للقضاء، ولا يعزز مواطنة، ولا يفتح حوارا بين الشركاء الاجتماعيين والسياسيين، فهو إصلاح لن تصفق له إلا الفئة التي دأبت على التصفيق، والتي لا زالت أياديها رطبة من التصفيق لأفران المصلحة، ولحملات مكافحة السمنة، ولبرنامج التدخل الخاص.
لا إصلاح يمكن توقعه من خلال ترقيع حكومة فاشلة، كثر ترقيعها، واعترفتم أنتم بفشلها، حتى وإن كان اعترافا بالتقسيط، على طريقة البيع في دكاكين التضامن. فالحكومة فاشلة بالجملة، ويكفي لإثبات فشلها بالجملة، أن نجمع "أقساط اعترافاتكم". لقد اعترفتم منذ أسبوعين، بأن الإعلام العمومي لم يتحسن في عهدكم، واعترفتم في وقت سابق، بأن الصحة في عهدكم ليست على ما يرام، واعترفتم منذ شهر تقريبا، بأن القضاء في حالة يرثى لها، وأخير اعترفتم منذ ثلاثة أيام بأن التعليم فاشل.
أليست هذه هي القطاعات الأساسية التي وعدتم بإصلاحها؟ ألا يكفي أن تعترفوا أنتم أنفسكم بالفشل لنحكم نحن على نهجكم الإصلاحي برمته بالفشل ؟ ثم هل تعتقدون حقا بأن المواطن سينسى همومه اليومية الكثيرة بمجرد أن تعدوه بأنكم ماضون قدما في نهجكم الإصلاحي الذي اعترفتم أنتم بفشله؟
إن ظهور احتجاجات عنيفة، في قرى تصنف عادة على أنها محصنة ضد الاحتجاج: "فصالة" و "الغايرة" مثلا، وربما تتبعهما "انبيكت لحواش"، مع تصاعد واتساع غير مسبوق في الاحتجاجات الفئوية، لهو أقوى دليل على أن نهجكم الإصلاحي يعاني من اختلالات بنيوية، وعلى أنه يحمل في طياته بذور فشله.
وإن من أهم أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ القرارات: لم يعد مقبولا الاستمرار في ارتجال قرارات تؤثر سلبا أو إيجابا على مصير بلد بكامله، في زمن أصبح فيه التخطيط يفرض نفسه، في كل كبيرة وصغيرة، ولم يعد الارتجال ممكنا حتى لو تعلق الأمر بقرارات داخل الأسرة، أو قرارات في النوادي، أو في المنظمات، أو في المشاريع الصغيرة الخاصة.
ولأنكم كنتم عازمين على الاستمرار في الارتجال، ولأنكم لا تعطون اهتماما كبيرا للاستشارات، فقد انعكس ذلك كله على تعييناتكم. فلم تتعبوا أنفسكم بالبحث عن الكفاءات، فاخترتم طاقما استشاريا ليست له القدرة ولا الرغبة في تقديم الاستشارة الصائبة. واخترتم حكومة غير قادرة على إعداد التصورات، و تمتاز ـ ويبدو أن هذا هو المهم لديكم ـ بأن لديها قابلية عجيبة لتنفيذ القرارات المرتجلة، دون تفكير، ودون تردد.
إن شعوركم بعدم الحاجة للاستشارة، وعجز كل من حولكم عن تقديمها، إما لأنه لا يستطيع، أو لأنه لا يرغب، أو لأنه لا يملك الشجاعة الكافية، لهما أخطر عائقين أمام نجاح برنامجكم الإصلاحي.
ولقد انعكس ارتجال القرارات على كل قطاعات الدولة الأساسية، وأدى إلى إرباكها وشللها وعجزها عن أداء مهامها الاعتيادية.
ويمكن تقديم التعليم كمثال من أمثلة عديدة على خطورة الارتجال. ففي وقت كان فيه الجميع ينتظر انطلاق منديات التعليم الموعودة، للتشاور حول سبل إصلاحه، فاجأتم الجميع بقراركم المرتجل الذي فككتم من خلاله الوزارة إلى ثلاث وزارات.
ولقد ظهر فيما بعد بأن الهيكلة الجديدة للوزارة غير قابلة للاستمرار. ولعل من المفارقات اللافتة أنكم دعوتم في زياراتكم الأخيرة إلى ضرورة توجه الشباب للتكوين المهني، في الوقت الذي كنتم تعلمون فيه، أن وزارة التكوين المهني في شلل كامل منذ الهيكلة الجديدة. فالوزير المنتدب للتكوين المهني، وكل أعوانه، لا يستطيعون أن يتخذوا اليوم أي قرار في وزارتهم ، وهم لا زالوا ـ وحتى كتابة هذه الرسالة ـ ينتظرون رسالة تكليف من الوزير الأول، ومن وزير الدولة للتعليم تحدد لهم مهامهم وصلاحياتهم.
وإن ميلكم للارتجال، هو وحده الذي فسرت به الوضعية المزرية التي يتخبط فيها المكتب الوطني للإحصاء، والذي يعاني عماله من وضعية في غاية السوء، لم يعرفوها من قبل. فأنتم وحكومتكم في غنى عن خدمات المكتب الوطني للإحصاء، ولستم بحاجة لأرقامه وتوقعاته ودراساته، فقراراتكم مرتجلة، والقرارات المرتجلة لا تحتاج ـ قطعا ـ إلى إحصائيات وأرقام.
2 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، غياب الرؤية الواضحة، والتي لا يمكن لأي برنامج إصلاحي أن ينجح دونها. ولقد تحدثت رياضيا، وفي وقت سابق، عن معادلة التغيير، وعن أهمية وضوح الرؤية في تلك المعادلة.
لن أعود في هذه الرسالة لذلك، وإنما سأكتفي بالقول بأن التأمل في برنامجكم الإصلاحي، وخاصة في مجال وضوح الرؤية، يؤكد بأنه يعاني من إشكال خطير ينتج عنه ـ وبشكل تلقائي ـ إشكالا آخر، لا يقل خطورة. فعدم وضوح الرؤية الإصلاحية لديكم أدى إلى بروز تنافر قوي في مجموع خطاباتكم، وقراراتكم، ومواقفكم، ورسائلكم. والتنافر هذا تسبب بدوره، في فشلكم في تسويق رؤيتكم للإصلاح، لأنها لم تكن واضحة أصلا لديكم.
ولتوضيح ذلك أكثر يمكن تقديم النماذج التالية، من عدم وضوح الرؤية، في برنامجكم الإصلاحي:
النموذج الأول: في فاتح مارس من العام الماضي ترأس الوزير الأول يوما احتفاليا باللغة العربية، وتحدث يومها بحماس كبير. وفي فاتح مارس من هذا العام، ترأس الاحتفال مستشار وزيرة الثقافة ، وأظهرته الوكالة الموريتانية للأنباء في صورة على طاولة جرداء، وخالية من أي مكرفون، ومن أي قنينة ماء.
المقارنة بين اليومين، تؤكد بأن موقفكم من مسألة اللغة العربية لم تحسموه بعد.
النموذج الثاني : في أحد التعديلات الوزارية ظهرت كتابة للشؤون الإفريقية فجأة، وفي تعديل آخر اختفت فجأة. هذا يعني بأنكم لم تحددوا حتى الآن مستوى علاقاتكم بالدول الإفريقية، ولا زالت الرؤية غير واضحة في هذا المجال.
النموذج الثالث: نظمتكم ـ لأول مرة في تاريخ البلد ـ لقاءً مع الشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، بل إن بعض المواقع الإخبارية تحدثت عن خروجكم بلا بروتوكول للحديث مع بعض المحتجين أمام القصر. في المقابل فإنكم لم تنجحوا حتى الآن، في فتح حوار مع المعارضة. فأنتم في بعض الأحيان تظهرون انفتاحا غير مسبوق، وفي أحيان أخرى تظهرون انغلاقا غير مسبوق. هذا يعني أن الرؤية لم تتضح لديكم بعد، فيما يخص نمط وطبيعة وشكل التواصل، بينكم وبين المواطنين والشركاء السياسيين.
3 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، أنكم تجاهلتم أن الحرب على الفساد، لابد لها من جناحين تحلق بهما. الجناح الأول هو مبدأ المكافأة، وإعطاء الأولوية في التعيينات للموظفين النزهاء الأكفاء. هذا الجناح ظل غائبا ـ وبشكل كامل ـ في حربكم على الفساد. أما الجناح الثاني، وهو الجناح المتعلق بالعقوبة، فقد انحرف ـ في بعض الأحيان ـ عن المسار الصحيح.
وكمثال على ذلك، فقد ذكرت بعض المواقع الإخبارية، بأنكم أمرتم الخزينة ـ لأسباب سياسية بحتة ـ بأن تعيد إلى رئيس حزب الوئام المبالغ الكبيرة، التي أُجبر على دفعها، في وقت سابق، بدعوى الاختلاس.
لا يجوز لكم أن تعيدوا أموال الشعب لمن اختلسها، إذا كان فعلا قد اختلسها. أما إذا كان بريئا، فعلى القضاء أن يعلن ذلك، وعلى السلطات أن تعتذر له علنا عن الضرر الذي ألحقته به، لكونها قد اتهمته سابقا وعلنا، بالاختلاس وبسرقة المال العام.
وهناك صور وقرارات عديدة أخرى، لا تنسجم إطلاقا مع الحرب المعلنة على الفساد. فإلغاء حظر استيراد بعض أنواع السيارات مثلا، بعد المصادقة عليه في البرلمان، دون العودة إلى البرلمان، شكل صدمة كبيرة في هذا المجال.
كما أن تعيين عدد كبير من المفسدين، شكل انتكاسة كبيرة لهذه الحرب المعلنة. وهناك حجة ذكرتموها أكثر من مرة، مفادها أن المفسدين الذين عينتموهم، لن يكون بإمكانهم أن يختلسوا المال العام في عهدكم.
وفضلا عن صعوبة تصديق ذلك، فإن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاسهم للمال العام، وإنما تكمن في خيبة الأمل، التي يتسبب فيها تعيين كل مفسد، للكثير من الموظفين المستقيمين، والذين قد يفتر حماس بعضهم، وينحرف عندما يتم حرمانه من التعيين، في الوقت الذي يتابع فيه تعيين المفسدين فرادى وجماعات.
سيدي الرئيس،
إن الإصلاح الذي نطمح إليه، هو ذلك الإصلاح الذي يكون نتاجا لخطط مدروسة من قبل الخبراء، أيا كان انتماءهم السياسي، تصاغ في شكل مشاريع قوانين يصادق عليها البرلمان، وتطبقها الحكومة. وهو أيضا يجب أن يكون نتاجا لتراكم قرارات، ومواقف متناسقة، ذات طبيعة إصلاحية واضحة، يتضح دون عناء لمن يتأملها أنها إصلاحات فعلية لا شكلية. أما رفع شعار الإصلاح، في الوقت الذي تكون فيه أغلب القرارات والمواقف المتخذة، لا يمكن كشف وجهها الإصلاحي، حتى ولو بكثير من لي الأعناق، فذلك إصلاح لن يقنع أحدا، خاصة في عام الثورات هذا.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد..وإلى الرسالة العشرين، إن شاء الله.

الأحد، 20 مارس 2011

أي إعلام عمومي تريدون؟


تابعت ـ باهتمام بالغ ـ تصريحين متواليين ومتطابقين لرئيس الجمهورية انتقد فيهما الإعلام الرسمي، على هامش لقاءين متعاقبين ببعض ممثلي قطاع الصحافة، كان أولهما مع مكتب تجمع الصحافة، أما ثانيهما فقد كان مع نقيب الصحفيين الموريتانيين.
كما أني كنت قد تابعت قبل ذلك ـ وبفضول كبيرـ بعض التصريحات التي تميزت بنبرة حادة، وبجرأة غير مسبوقة أطلقها بعض العاملين في قطاع الإعلام الرسمي، وتوعدوا فيها بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات المتوالية، للمطالبة بحقوقهم المشروعة، والتي كان ـ ولا زال ـ على رأسها المطلب الشهير المتعلق بزيادة 50%.
والحقيقة أن كل تلك التصريحات لم تقدم أجوبة مقنعة على أسئلة ملحة، وإنما أثارت أسئلة عديدة، وغذت شبهات قديمة جديدة مرتبطة بقطاع يمكن اعتباره بأنه هو "التفاح الفاسدة" التي أفسدت كيس التفاح كله، فلا مصيبة في هذا البلد إلا وللإعلام الرسمي مساهمة جبارة في حدوثها.
وحتى لا أكرر كلاما قديما كنت قد عبرت عنه في مقالات سابقة، فإني سأحاول أن أخصص هذا المقال للإجابة على سؤالين في غاية الأهمية، أحدهما أثارته تصريحات رئيس الجمهورية، والتي أكد فيها بأنه أعطى تعليماته بضرورة فتح وسائل الإعلام أمام الجميع، إلا أن العاملين في تلك المؤسسات لم ينفذوا تلك التعليمات. أما ثانيهما فقد أثاره العاملون في الإعلام الرسمي عندما توعدوا بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بحقهم في زيادة 50% التي حُرموا منها.
يقول السؤال الأول : هل الرئيس جاد فعلا في فتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام الجميع؟
والإجابة على هذا السؤال تفترض أن نميز في البداية بين كلمتي الرغبة والإرادة، وهذا التفريق بين الكلمتين هو وحده الذي سيمكننا ـ وحتى إشعار آخر ـ من إيجاد تفسير منطقي للتناقض الصارخ بين رغبة الرئيس المعلنة في الإصلاح، وغياب الإرادة الجادة في فرض ذلك الإصلاح المنشود.
فلا جدال ـ حسب ظواهر الأمور ـ في أن الرئيس يرغب فعلا في التحسين من أداء الإعلام الرسمي، وفي فتحه أمام جميع الموريتانيين، وفي منحه مزيدا من الاستقلالية.
لا جدال في وجود تلك الرغبة التي تظهر من خلال بث كل مداولات البرلمان ـ بأمر من الرئيس ـ رغم أن بعض النواب، استغل تلك المداولات في بعض الأحيان، للإساءة لشخص رئيس الجمهورية، وتحدث فيها بعضهم عن رئيس الجمهورية بطريقة لا تليق.
ومما يجب أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أن وسائل الإعلام الرسمي التي نقلت كل مداولات البرلمان، لم يكن في مصلحتها، ولا في مصلحة النظام، أن تغلق أبوابها أمام أي نقاش آخر، مهما كانت حدته، لأن ذلك النقاش ـ وببساطة شديدة ـ لن يكون أكثر حدة من انتقادات نواب المعارضة للرئيس ولأغلبيته.
وتظهر كذلك رغبة الرئيس في تحسين أداء الإعلام الرسمي، من خلال لقائه بالشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، رغم ما شاب ذلك اللقاء من أخطاء تعمدها القائمون عليه.
كل تلك الإشارات تقول بأن الرئيس يرغب فعلا في استقلالية الإعلام الرسمي، ولكن في المقابل هناك إشارات أخرى أكثر وضوحا، تقول بأن الرئيس ليست له إرادة جادة لتحسين أداء الإعلام الرسمي، ولو كانت هذه الإرادة موجودة لدى الرئيس فعلا، لقام بأول خطوة في سبيل تحقيق ذلك، ولاختار لإدارة تلك المؤسسات من يسعى بصدق، ويمتلك ـ في الوقت نفسه ـ القدرة اللازمة لتحسين أداء تلك المؤسسات الفاشلة حتى الآن.
ولو كان الرئيس يسعى فعلا للتحسين من أداء تلك المؤسسات لأعاد الاعتبار للصحافيين والإعلاميين المشهود لهم بالتميز، والذين تم إبعادهم وإبدالهم بمن لا صلة له بالإعلام، ولا قدرة له على التحسين من أدائه، حتى ولو مُنح زيادة 500% على راتبه.
وقبل أن أختم الجواب على السؤال الأول لا بد أن أشير بأنه قد يُقبل من العبد الفقير كاتب هذا المقال، ومن غيره من عامة الناس، أن تكون لهم رغبة في إصلاح الإعلام الرسمي، دون أن ينفذوا تلك الرغبة، لأنهم لا يملكون الوسائل اللازمة لتنفيذ تلك الرغبة ميدانيا. أما أن تكون للرئيس ـ الذي يملك كل تلك الوسائل ـ رغبة في الإصلاح، دون أن يجسد تلك الرغبة ميدانيا، فذلك يعني أن الرغبة لم تكن موجودة أصلا، وهو ما ينسف كل ما قيل سابقا للإجابة على السؤال الأول.
بل إنه فوق ذلك يمكن القول ـ لنسف ما قيل سابقا ـ بأن الرئيس عندما ينتقد الإعلام الرسمي، أو أي قطاع حكومي آخر، إنما ينتقد نفسه، لأنه هو المسؤول أولا و أخيرا أمام الله، وأمام الشعب الموريتاني عن كل تلك الأخطاء التي ينتقدها. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أي تلميذ في الإعدادية يمكن له أن يكشف كل عيوب الإعلام الرسمي، لأنها واضحة جلية. ونحن لسنا بحاجة لرئيس ينتقد عيوبا صارخة، بقدر ما نحن بحاجة لرئيس يصلح تلك العيوب الصارخة. وبلغة أيامنا هذه، فإن الشعب لا يريد رئيسا ينتقد الأوضاع، وإنما يريد رئيسا يُصلح تلك الأوضاع. وإذا كانت القدرة على انتقاد الواقع تنفع كثيرا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فإن الاعتماد عليها قد يضر كثيرا من أصبح هو الرئيس.
أما السؤال الثاني الذي سأحاول أن أجيب عليه في هذا المقال فيقول: هل يحق للإعلاميين الرسميين أن يطالبوا بزيادة 50% أم أنه لا يحق لهم ذلك؟
في البداية أقول بأنه يحق لكل عامل ـ نظرا لتدني الرواتب ـ أن يحتج، وأن يناضل، وأن يطالب بزيادة راتبه بنسبة معتبرة ( لا أقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة معتبرة في قاموس الوزير الأول).
وأقول ـ تلمسا لعذر عن كلام سأقوله بعد حين ـ بأني كنت قد طالبت الوزارة الوصية في مقالات سابقة بأن تمنح للعاملين في الإعلام الرسمي زيادة 50 % التي مُنحت لغيرهم من العمال.
كما أني كنت قد خصصت قبل ذلك أسئلة عديدة لصالح مؤسسات الإعلام الرسمي من بين خمسين سؤالا كتبتها لرئيس الجمهورية، مباشرة بعد الإعلان عن لقاء الشعب، بمناسبة ذكرى التنصيب.
تلك الأسئلة مع غيرها من الأسئلة، التي ظل يطرحها غيري، والتي تهم العاملين في الإعلام الرسمي، كان يمكن طرحها على رئيس الجمهورية خلال ذلك اللقاء، إلا أن بعض العاملين، وبعض القائمين على مؤسسات الإعلام الرسمي، هم الذين ضيعوا تلك الفرصة اليتيمة، التي كان يمكن من خلالها أن يتم طرح مشاكلهم ـ وبشكل مباشرـ على رئيس الجمهورية.
وبالعودة إلى جواب السؤال، فإني أقول بأنه لا يحق لكثير من العاملين في الإعلام الرسمي أن يطالبوا بزيادة 50%، بل إنه لا يحق للكثيرين منهم أن يتقاضى راتبه أصلا، حتى من دون تلك الزيادة.
لا يحق لهم ذلك لأسباب عديدة أذكر منها اختصارا:
1 ـ إن عمال الإعلام الرسمي يتقاضون رواتبهم من ثروة الشعب، لذلك فإنهم مطالبون بخدمة الشعب لا خدمة غيره. ويتأكد الأمر أكثر عندما تتكرر الأوامر من أعلى سلطة في البلاد لتطالبهم بالتفرغ لمهمتهم، والابتعاد عن التطبيل والتصفيق للرئيس ولأغلبيته.
ولأن الكثير من العاملين في هذا القطاع الحيوي لم يهتموا في الماضي، ولا في الحاضر، بالشعب ولا بهمومه، لذلك فإنهم لا يستحقون الرواتب التي يتقاضونها من ثروة هذا الشعب المسكين والمغلوب على أمره.
إن على المطالبين بزيادة 50% أن يؤدوا واجبهم قبل المطالبة بتلك الزيادة. وعليهم أن يتوبوا قبل ذلك كله من الضرر الذي ألحقوه بالشعب الموريتاني المسكين.
عليهم أن يتوبوا من كل ذنب اقترفوه في حق كل مواطن مات مريضا، ولم يجد علاجا، ولم يُسمج له أن يُسْمِع أنينه قبل موته، من خلال مؤسسات الإعلام ( تلفزيون ، إذاعة، الشعب).بل إن ذلك المواطن المسكين وهو يموت بلا علاج ، كان يسمع من بعض المطالبين اليوم بحقهم في الزيادة، بأن المؤسسات الصحية تؤدي مهامها على أحسن وجه.
وعليهم كذلك أن يتوبوا من كل ذنب ارتكبوه في حق جياع كثر، وفقراء كثر، وعاطلين عن العمل كثر، ومظلومين كثر لم يسمحوا لهم بأن يتحدثوا في وسائل الإعلام التي يصفونها زورا بأنها مؤسسات عمومية ووطنية.
وعليهم ـ قبل المطالبة بالزيادة ـ أن يتوبوا من ذنوب اقترفوها في حق معارضين كثر، سبوهم، وشتموهم، وقذفوهم بأبشع الأوصاف، في مؤسسات الإعلام " الوطني"، ليس خدمة للشعب، وإنما تزلفا لحاكم، سريعا ما ينقلبون عليه وينتقدوه، بعد أول دقيقة يعلن فيها أنه قد انقلب عليه منقلب آخر.
2 ـ إن الصحفي العمومي الذي يستحق راتبا محترما هو ذلك الصحفي الذي يناضل ويضحي بوقته وبجهده وبسمعته، وحتى بعمله، من أجل أن يفرض على المؤسسة التي يعمل فيها أن تمنحه استقلالية كافية، تمكنه من تأدية مهمته النبيلة على أحسن وجه. أما الصحفي العمومي الذي "يناضل" و"يضحي" بوقته وبجهده وبسمعته من أجل أن يعيق أي تحسن، أو أي استقلالية في المؤسسة الني يعمل بها، حتى ولو كانت تلك هي "رغبة" أعلى سلطة في البلاد. إن مثل هذا الصحفي لا يستحق الراتب الذي يتقاضاه، أحرى أن يطالب بزيادته.
3 ـ إن أهم خطوة إصلاح يمكن اتخاذها في الوقت الحالي، إذا ما ظل الرئيس يرفض أن يعين على تلك المؤسسات من له القدرة والرغبة في إصلاحها، هي العمل على ترشيد الموارد التي تهدرها مؤسسات الإعلام الرسمي، خاصة التلفزيون والوكالة الموريتانية للأنباء ( الإذاعة قد تكون أحسن قليلا)، وذلك من خلال إغلاق تلك المؤسسات التي فشلت فشلا ذريعا، في أن تقدم شيئا مفيدا للمواطن وللدولة، وتشريد كل العاملين فيها.
فتوفير فاتورة الكهرباء التي تكلفها التلفزيون، وتوزيع المبلغ المخصص لتلك الفاتورة على فقراء" فصالة" أو "الغايرة" قد يكون أكثر أهمية من استمرار التلفزيون بباقته الشاحبة التي يطالعنا بها كل يوم.
4 ـ لا خلاف على أن القائمين على هذه المؤسسات لا يملكون موارد كافية، ولا خلاف على أن ظروف العاملين في تلك المؤسسات ليست مريحة، وأن الوسائل المتاحة لهم لتأدية مهامهم قد لا تكون كافية، لا خلاف على كل ذلك. ولكنه لا خلاف أيضا على أن الأوجه الحالية المسيطرة على شاشة التلفزيون، وعلى بقية مؤسسات الإعلام الرسمي ليست لها رغبة أصلا في تقديم ما يفيد المواطن.
فإعداد برنامج تلفزيوني، أو إذاعي، أو تخصيص صفحة في الشعب مثلا لتأبين المرحوم عالم الرياضيات الشهير يحيى ولد الحامد لا يحتاج إلى موارد مالية، بقدر ما يحتاج إلى حس وطني، وأخلاقي، وإنساني كثيرا ما يغيب عن العاملين في تلك المؤسسات.
وربما يقول قائل هنا بأن تجاهل مؤسسات الإعلام الرسمي، لوفاة المرحوم يحيى ولد الحامد، إنما هو ناتج عن تجاهل السلطات الرسمية لتلك الفاجعة.
وفي اعتقادي الشخصي أن تجاهل السلطات الرسمية لوفاة عالم الرياضيات الشهير، إنما هو بسبب سلبية السلطات الرسمية، وبسبب غياب روح المبادرة لدى الحكومة، التي لا يمكن لأي وزير فيها أن يتخذ أي قرار مهما كانت بساطته، إذا لم تصدر له "توجيهات سامية" باتخاذ ذلك القرار.
ولو أن أي صحفي في الإعلام الرسمي من الصحفيين المطالبين اليوم بزيادة 50% قرر ـ بمبادرة شخصية ـ أن يقوم بتأبين عالم الرياضيات الراحل، لما وجد ـ بالتأكيد ـ من يمنعه من ذلك، ولكن المشكلة تكمن في أن أولئك الذين يطالبون اليوم بحقوقهم كاملة، لا زالوا يرفضون ـ وبإصرار عجيب ـ تأدية واجباتهم، حتى منها تلك التي لن تسبب لهم ضررا مهما كانت بساطته، بل أن مثل تلك المبادرات التي لا كلفة لها، كانت ـ على العكس ـ ستساعدهم في أن يكتسبوا مصداقية هم بأمس الحاجة إليها.
6 ـ من الغريب أن لا يتذكر بعض الإعلاميين الرسميين الغاضبين أصحاب الرأي، وقادة الفكر، إلا في أوقات الشدة والعسرة. ومن الغريب أن يطلب الإعلاميون الغاضبون مناصرة من حجبوا عنهم التعبير عن آرائهم من خلال مؤسسات من المفترض ـ أو هكذا يقال ـ إنها مؤسسات عمومية مفتوحة للجميع.
فكم من صاحب رأي حرمه صحفيو الإعلام الرسمي من الظهور في المؤسسات التي اغتصبوها، وانحرفوا بها عن مسارها الوطني، وحولوها إلى مؤسسات لإعاقة التغيير، بدلا من أن تكون مؤسسات لإحداث التغيير.
وكم من صاحب رأي مستنير ربما توقع أن يستضيفه التلفزيون "الكولومبي" قبل أن يستضيفه التلفزيون "الوطني". وكم من صاحب رأي مستنير توقع أن تستضيفه إذاعة "لكوادور" قبل أن تستضيفه الإذاعة "الوطنية". وكم من صاحب قلم رصين توقع أن تنشر له الجريدة الرسمية لهايتي ـ لا أدري إن كانت لهايتي جريدة رسمية ـ قبل أن تنشر له الجريدة الرسمية الموريتانية.
إن مشكلة الإعلام الرسمي لا يمكن اختزالها في زيادة 50 %، ولن يتم حلها ـ بالتأكيد ـ من خلال منح زيادة لعمال اكتتبوا بطرق لا صلة لها بالشفافية إطلاقا.
إن أزمة الإعلام الرسمي أشد استفحالا، وأكثر عمقا من ذلك كله، وهي لا تختلف عن أي أزمة من الأزمات الكثيرة التي تتخبط فيها كل المؤسسات العمومية.
إنها أزمة نتجت في الأساس عن حصاد سنوات عجاف، لم يعقبها ـ حتى الآن ـ عام أغيث فيه الناس، وهي سنوات عجاف ظلت فيها تلك المؤسسات تطرد وتهمش وتقصي خيرة موظفيها، في الوقت الذي كانت تستقطب فيه صغار الناس، وترفعهم مكانا عليا، ليفسدوها، ويفسدوا من خلالها المجتمع كله.
لذلك فإن إصلاح الإعلام الرسمي ، إذا ما كان يُراد له الإصلاح، يجب أن يبدأ أولا بتثبيت قوة طاردة وجاذبة في كل مؤسسات الإعلام الرسمي، طاردة لكل "الصغار" الذين تضخموا كثيرا، وقادرة على أن تلفظهم بعيدا، في الوقت الذي تستطيع فيه أن تجذب " الكبار" الذين تقزموا كثيرا بفعل التهميش و الإقصاء الممنهج.
إن إصلاح الإعلام الرسمي بدون التصالح مع أولئك الكبار، لن يكون إلا مهزلة جديدة، تضاف إلى المهازل الكثيرة التي دمرنا بها، ولازلنا ندمر بها، هذا البلد المتعطش ـ بكل قطاعاته ـ لإصلاح جدي.
تصبحون على إعلام عمومي ..