سيدي الرئيس،
يؤلمني حقا ـ ولأسباب عدة ـ أن أحدثكم في هذه الرسالة المفتوحة، بلغة صريحة جدا، لم أحدثكم بها من قبل في كل رسائلي الثمانية عشر الماضية، ولا حتى في تلك التي كتبتها لكم من قبل التنصيب. ولقد أجلت كثيرا كتابة هذه الرسالة، في انتظار بادرة ما، أو قرار ما، أو موقف ما، أو رسالة ما، توحي بأنكم ستمنحون للظرفية الصعبة التي تمر بها البلاد ما تستحق من اهتمام، ومن قرارات وإجراءات ثورية، وهو ما كان سيشوش ـ وبكل تأكيد ـ على الخلاصات المفزعة التي توصلت إليها، والتي يمكن لكل متأمل لنهجكم الإصلاحي أن يتوصل إليها، ودون عناء ذهني يذكر.
إن هذه الصراحة التي سأحدثكم بها في هذه الرسالة، يفرضها أكثر من سبب. تفرضها أولا هذه الثورات التي تحدث قريبا منا، و التي قد تطالنا نحن أيضا، عكسا لما يقوله أنصاركم السلبيون. فنحن رغم أن نصيب كل واحد منا من الثروات الطبيعية يفوق نصيب الفرد في الدول الشقيقة التي ثارت شعوبها، إلا أن دخل الفرد فينا لا زال أقل بكثير من نظيره في تلك الدول. ومدارسنا التي نتعلم فيها لازالت أتعس من مدارسهم، ومؤسساتنا الصحية أسوأ بكثير من مؤسساتهم الصحية. ونحن لا زلنا نعاني من نسبة بطالة أعلى من نسب البطالة التي يعانون منها، كما أننا نفتح أعيننا في كل صباح على مساكن وشوارع لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ مقارنتها بمساكنهم وشوارعهم.
صحيح أننا نتميز عن كل تلك البلدان بأننا نملك حرية تعبير أكبر، ولكن ما فائدة حرية التعبير إذا كانت لا تساهم في إصلاح الأوضاع؟ وما فائدة التعبير، بل وما فائدة الصراخ إذا كان القائمون على أمرنا يرفضون سماع صراخنا؟ وما فائدة حرية التعبير إذا كانت انتقادات رئيس الجمهورية لا تترك أثرا إيجابيا؟ لقد انتقدتم الإعلام الرسمي فازداد سوءا، وانتقدتم التعليم فتراجع التعليم أكثر، وانتقدتم الصحة، وانتقدتم القضاء، وانتقدتم قطاعات أخرى كثيرة فانهارت أكثر.
وهذه الصراحة تفرضها ثانيا تحديات أخرى، لم تتسببوا ـ قطعا ـ فيها، إلا أنكم مع ذلك مطالبون بإيجاد حلول لها، لأنها حدثت في عهدكم. فالعودة الإجبارية للآلاف من المواطنين من ساحل العاج، ومن ليبيا، في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة، لا بد أن تكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.
وأخيرا فهذه الصراحة تفرضها مناصرتي الإيجابية لكم بعد أن أصبحتم رئيسا للبلد، وحرصي الشديد على نجاحكم في مأموريتكم، وهذه المناصرة أستطيع أن أقسم لكم، بأنها أصدق بكثير من المناصرة السلبية لكثير من أغلبيتكم، حتى وإن ظهرت في شكل يختلف عن كل أشكال المناصرة التقليدية التي تعودتم عليها، والتي ترتكز ـ في الأساس ـ على التصفيق الساذج بالأيادي والأرجل.
بدءا أقول لكم، وبالعربي الصريح، بأنه لو استمر الإصلاح على هذا النهج، وبهذه الوتيرة، ولو استمرت الحرب على الفساد بخططها الحالية، فإنه لن يكون من المستبعد أن يخرج الشعب عن بكرة أبيه، وعمه، وجده ليطالبكم بأن توقفوا سياستكم الإصلاحية، وبأن تعلنوا نهاية فورية للحرب على الفساد، أو على الأقل هدنة طويلة الأمد مع المفسدين.
ولو استمرت الأمور تدار بهذا النهج "الإصلاحي"، فلن يكون غريبا أن يحن الناس للعهود البائدة، ولن يكون غريبا أن تتعالى أصواتهم بالهتاف :"وامفسداه"، واطائعاه"، "وامؤتمناه".
إن أحاديثكم المتكررة، والتي ما فتئتم تؤكدون من خلالها بأنكم ماضون في برنامجكم الإصلاحي، أصبحت تشكل بالنسبة لغالبية الشعب كابوسا مزعجا. والشعب الذي زادت أوضاعه سوءا بعد عشرين شهرا تقريبا من جهودكم الحثيثة في الإصلاح، أصبح يتطلع إلى شيء آخر غير سياسة الإصلاح التي تنتهجونها. فالإصلاح الذي لا يخلق وظائف، ولا يمنح رواتب منتظمة، حتى ولو كانت هزيلة، ولا يحارب الفقر، بشكل جاد، ولا يحسن من الخدمات الصحية، ولا يصلح تعليما، ولا يأتي بعدالة اجتماعية، ولا يعيد الهيبة للقضاء، ولا يعزز مواطنة، ولا يفتح حوارا بين الشركاء الاجتماعيين والسياسيين، فهو إصلاح لن تصفق له إلا الفئة التي دأبت على التصفيق، والتي لا زالت أياديها رطبة من التصفيق لأفران المصلحة، ولحملات مكافحة السمنة، ولبرنامج التدخل الخاص.
لا إصلاح يمكن توقعه من خلال ترقيع حكومة فاشلة، كثر ترقيعها، واعترفتم أنتم بفشلها، حتى وإن كان اعترافا بالتقسيط، على طريقة البيع في دكاكين التضامن. فالحكومة فاشلة بالجملة، ويكفي لإثبات فشلها بالجملة، أن نجمع "أقساط اعترافاتكم". لقد اعترفتم منذ أسبوعين، بأن الإعلام العمومي لم يتحسن في عهدكم، واعترفتم في وقت سابق، بأن الصحة في عهدكم ليست على ما يرام، واعترفتم منذ شهر تقريبا، بأن القضاء في حالة يرثى لها، وأخير اعترفتم منذ ثلاثة أيام بأن التعليم فاشل.
أليست هذه هي القطاعات الأساسية التي وعدتم بإصلاحها؟ ألا يكفي أن تعترفوا أنتم أنفسكم بالفشل لنحكم نحن على نهجكم الإصلاحي برمته بالفشل ؟ ثم هل تعتقدون حقا بأن المواطن سينسى همومه اليومية الكثيرة بمجرد أن تعدوه بأنكم ماضون قدما في نهجكم الإصلاحي الذي اعترفتم أنتم بفشله؟
إن ظهور احتجاجات عنيفة، في قرى تصنف عادة على أنها محصنة ضد الاحتجاج: "فصالة" و "الغايرة" مثلا، وربما تتبعهما "انبيكت لحواش"، مع تصاعد واتساع غير مسبوق في الاحتجاجات الفئوية، لهو أقوى دليل على أن نهجكم الإصلاحي يعاني من اختلالات بنيوية، وعلى أنه يحمل في طياته بذور فشله.
وإن من أهم أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ القرارات: لم يعد مقبولا الاستمرار في ارتجال قرارات تؤثر سلبا أو إيجابا على مصير بلد بكامله، في زمن أصبح فيه التخطيط يفرض نفسه، في كل كبيرة وصغيرة، ولم يعد الارتجال ممكنا حتى لو تعلق الأمر بقرارات داخل الأسرة، أو قرارات في النوادي، أو في المنظمات، أو في المشاريع الصغيرة الخاصة.
ولأنكم كنتم عازمين على الاستمرار في الارتجال، ولأنكم لا تعطون اهتماما كبيرا للاستشارات، فقد انعكس ذلك كله على تعييناتكم. فلم تتعبوا أنفسكم بالبحث عن الكفاءات، فاخترتم طاقما استشاريا ليست له القدرة ولا الرغبة في تقديم الاستشارة الصائبة. واخترتم حكومة غير قادرة على إعداد التصورات، و تمتاز ـ ويبدو أن هذا هو المهم لديكم ـ بأن لديها قابلية عجيبة لتنفيذ القرارات المرتجلة، دون تفكير، ودون تردد.
إن شعوركم بعدم الحاجة للاستشارة، وعجز كل من حولكم عن تقديمها، إما لأنه لا يستطيع، أو لأنه لا يرغب، أو لأنه لا يملك الشجاعة الكافية، لهما أخطر عائقين أمام نجاح برنامجكم الإصلاحي.
ولقد انعكس ارتجال القرارات على كل قطاعات الدولة الأساسية، وأدى إلى إرباكها وشللها وعجزها عن أداء مهامها الاعتيادية.
ويمكن تقديم التعليم كمثال من أمثلة عديدة على خطورة الارتجال. ففي وقت كان فيه الجميع ينتظر انطلاق منديات التعليم الموعودة، للتشاور حول سبل إصلاحه، فاجأتم الجميع بقراركم المرتجل الذي فككتم من خلاله الوزارة إلى ثلاث وزارات.
ولقد ظهر فيما بعد بأن الهيكلة الجديدة للوزارة غير قابلة للاستمرار. ولعل من المفارقات اللافتة أنكم دعوتم في زياراتكم الأخيرة إلى ضرورة توجه الشباب للتكوين المهني، في الوقت الذي كنتم تعلمون فيه، أن وزارة التكوين المهني في شلل كامل منذ الهيكلة الجديدة. فالوزير المنتدب للتكوين المهني، وكل أعوانه، لا يستطيعون أن يتخذوا اليوم أي قرار في وزارتهم ، وهم لا زالوا ـ وحتى كتابة هذه الرسالة ـ ينتظرون رسالة تكليف من الوزير الأول، ومن وزير الدولة للتعليم تحدد لهم مهامهم وصلاحياتهم.
وإن ميلكم للارتجال، هو وحده الذي فسرت به الوضعية المزرية التي يتخبط فيها المكتب الوطني للإحصاء، والذي يعاني عماله من وضعية في غاية السوء، لم يعرفوها من قبل. فأنتم وحكومتكم في غنى عن خدمات المكتب الوطني للإحصاء، ولستم بحاجة لأرقامه وتوقعاته ودراساته، فقراراتكم مرتجلة، والقرارات المرتجلة لا تحتاج ـ قطعا ـ إلى إحصائيات وأرقام.
2 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، غياب الرؤية الواضحة، والتي لا يمكن لأي برنامج إصلاحي أن ينجح دونها. ولقد تحدثت رياضيا، وفي وقت سابق، عن معادلة التغيير، وعن أهمية وضوح الرؤية في تلك المعادلة.
لن أعود في هذه الرسالة لذلك، وإنما سأكتفي بالقول بأن التأمل في برنامجكم الإصلاحي، وخاصة في مجال وضوح الرؤية، يؤكد بأنه يعاني من إشكال خطير ينتج عنه ـ وبشكل تلقائي ـ إشكالا آخر، لا يقل خطورة. فعدم وضوح الرؤية الإصلاحية لديكم أدى إلى بروز تنافر قوي في مجموع خطاباتكم، وقراراتكم، ومواقفكم، ورسائلكم. والتنافر هذا تسبب بدوره، في فشلكم في تسويق رؤيتكم للإصلاح، لأنها لم تكن واضحة أصلا لديكم.
ولتوضيح ذلك أكثر يمكن تقديم النماذج التالية، من عدم وضوح الرؤية، في برنامجكم الإصلاحي:
النموذج الأول: في فاتح مارس من العام الماضي ترأس الوزير الأول يوما احتفاليا باللغة العربية، وتحدث يومها بحماس كبير. وفي فاتح مارس من هذا العام، ترأس الاحتفال مستشار وزيرة الثقافة ، وأظهرته الوكالة الموريتانية للأنباء في صورة على طاولة جرداء، وخالية من أي مكرفون، ومن أي قنينة ماء.
المقارنة بين اليومين، تؤكد بأن موقفكم من مسألة اللغة العربية لم تحسموه بعد.
النموذج الثاني : في أحد التعديلات الوزارية ظهرت كتابة للشؤون الإفريقية فجأة، وفي تعديل آخر اختفت فجأة. هذا يعني بأنكم لم تحددوا حتى الآن مستوى علاقاتكم بالدول الإفريقية، ولا زالت الرؤية غير واضحة في هذا المجال.
النموذج الثالث: نظمتكم ـ لأول مرة في تاريخ البلد ـ لقاءً مع الشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، بل إن بعض المواقع الإخبارية تحدثت عن خروجكم بلا بروتوكول للحديث مع بعض المحتجين أمام القصر. في المقابل فإنكم لم تنجحوا حتى الآن، في فتح حوار مع المعارضة. فأنتم في بعض الأحيان تظهرون انفتاحا غير مسبوق، وفي أحيان أخرى تظهرون انغلاقا غير مسبوق. هذا يعني أن الرؤية لم تتضح لديكم بعد، فيما يخص نمط وطبيعة وشكل التواصل، بينكم وبين المواطنين والشركاء السياسيين.
3 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، أنكم تجاهلتم أن الحرب على الفساد، لابد لها من جناحين تحلق بهما. الجناح الأول هو مبدأ المكافأة، وإعطاء الأولوية في التعيينات للموظفين النزهاء الأكفاء. هذا الجناح ظل غائبا ـ وبشكل كامل ـ في حربكم على الفساد. أما الجناح الثاني، وهو الجناح المتعلق بالعقوبة، فقد انحرف ـ في بعض الأحيان ـ عن المسار الصحيح.
وكمثال على ذلك، فقد ذكرت بعض المواقع الإخبارية، بأنكم أمرتم الخزينة ـ لأسباب سياسية بحتة ـ بأن تعيد إلى رئيس حزب الوئام المبالغ الكبيرة، التي أُجبر على دفعها، في وقت سابق، بدعوى الاختلاس.
لا يجوز لكم أن تعيدوا أموال الشعب لمن اختلسها، إذا كان فعلا قد اختلسها. أما إذا كان بريئا، فعلى القضاء أن يعلن ذلك، وعلى السلطات أن تعتذر له علنا عن الضرر الذي ألحقته به، لكونها قد اتهمته سابقا وعلنا، بالاختلاس وبسرقة المال العام.
وهناك صور وقرارات عديدة أخرى، لا تنسجم إطلاقا مع الحرب المعلنة على الفساد. فإلغاء حظر استيراد بعض أنواع السيارات مثلا، بعد المصادقة عليه في البرلمان، دون العودة إلى البرلمان، شكل صدمة كبيرة في هذا المجال.
كما أن تعيين عدد كبير من المفسدين، شكل انتكاسة كبيرة لهذه الحرب المعلنة. وهناك حجة ذكرتموها أكثر من مرة، مفادها أن المفسدين الذين عينتموهم، لن يكون بإمكانهم أن يختلسوا المال العام في عهدكم.
وفضلا عن صعوبة تصديق ذلك، فإن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاسهم للمال العام، وإنما تكمن في خيبة الأمل، التي يتسبب فيها تعيين كل مفسد، للكثير من الموظفين المستقيمين، والذين قد يفتر حماس بعضهم، وينحرف عندما يتم حرمانه من التعيين، في الوقت الذي يتابع فيه تعيين المفسدين فرادى وجماعات.
سيدي الرئيس،
إن الإصلاح الذي نطمح إليه، هو ذلك الإصلاح الذي يكون نتاجا لخطط مدروسة من قبل الخبراء، أيا كان انتماءهم السياسي، تصاغ في شكل مشاريع قوانين يصادق عليها البرلمان، وتطبقها الحكومة. وهو أيضا يجب أن يكون نتاجا لتراكم قرارات، ومواقف متناسقة، ذات طبيعة إصلاحية واضحة، يتضح دون عناء لمن يتأملها أنها إصلاحات فعلية لا شكلية. أما رفع شعار الإصلاح، في الوقت الذي تكون فيه أغلب القرارات والمواقف المتخذة، لا يمكن كشف وجهها الإصلاحي، حتى ولو بكثير من لي الأعناق، فذلك إصلاح لن يقنع أحدا، خاصة في عام الثورات هذا.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد..وإلى الرسالة العشرين، إن شاء الله.
إني أحلم بأن أستيقظ ذات يوم على وطن حقيقي، يكون انتماء المواطن فيه للوطن من قبل أن يكون للقبيلة، أو للجهة ، أو للعرق، أو للشريحة.
الأحد، 27 مارس 2011
الأحد، 20 مارس 2011
أي إعلام عمومي تريدون؟

تابعت ـ باهتمام بالغ ـ تصريحين متواليين ومتطابقين لرئيس الجمهورية انتقد فيهما الإعلام الرسمي، على هامش لقاءين متعاقبين ببعض ممثلي قطاع الصحافة، كان أولهما مع مكتب تجمع الصحافة، أما ثانيهما فقد كان مع نقيب الصحفيين الموريتانيين.
كما أني كنت قد تابعت قبل ذلك ـ وبفضول كبيرـ بعض التصريحات التي تميزت بنبرة حادة، وبجرأة غير مسبوقة أطلقها بعض العاملين في قطاع الإعلام الرسمي، وتوعدوا فيها بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات المتوالية، للمطالبة بحقوقهم المشروعة، والتي كان ـ ولا زال ـ على رأسها المطلب الشهير المتعلق بزيادة 50%.
والحقيقة أن كل تلك التصريحات لم تقدم أجوبة مقنعة على أسئلة ملحة، وإنما أثارت أسئلة عديدة، وغذت شبهات قديمة جديدة مرتبطة بقطاع يمكن اعتباره بأنه هو "التفاح الفاسدة" التي أفسدت كيس التفاح كله، فلا مصيبة في هذا البلد إلا وللإعلام الرسمي مساهمة جبارة في حدوثها.
وحتى لا أكرر كلاما قديما كنت قد عبرت عنه في مقالات سابقة، فإني سأحاول أن أخصص هذا المقال للإجابة على سؤالين في غاية الأهمية، أحدهما أثارته تصريحات رئيس الجمهورية، والتي أكد فيها بأنه أعطى تعليماته بضرورة فتح وسائل الإعلام أمام الجميع، إلا أن العاملين في تلك المؤسسات لم ينفذوا تلك التعليمات. أما ثانيهما فقد أثاره العاملون في الإعلام الرسمي عندما توعدوا بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بحقهم في زيادة 50% التي حُرموا منها.
يقول السؤال الأول : هل الرئيس جاد فعلا في فتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام الجميع؟
والإجابة على هذا السؤال تفترض أن نميز في البداية بين كلمتي الرغبة والإرادة، وهذا التفريق بين الكلمتين هو وحده الذي سيمكننا ـ وحتى إشعار آخر ـ من إيجاد تفسير منطقي للتناقض الصارخ بين رغبة الرئيس المعلنة في الإصلاح، وغياب الإرادة الجادة في فرض ذلك الإصلاح المنشود.
فلا جدال ـ حسب ظواهر الأمور ـ في أن الرئيس يرغب فعلا في التحسين من أداء الإعلام الرسمي، وفي فتحه أمام جميع الموريتانيين، وفي منحه مزيدا من الاستقلالية.
لا جدال في وجود تلك الرغبة التي تظهر من خلال بث كل مداولات البرلمان ـ بأمر من الرئيس ـ رغم أن بعض النواب، استغل تلك المداولات في بعض الأحيان، للإساءة لشخص رئيس الجمهورية، وتحدث فيها بعضهم عن رئيس الجمهورية بطريقة لا تليق.
ومما يجب أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أن وسائل الإعلام الرسمي التي نقلت كل مداولات البرلمان، لم يكن في مصلحتها، ولا في مصلحة النظام، أن تغلق أبوابها أمام أي نقاش آخر، مهما كانت حدته، لأن ذلك النقاش ـ وببساطة شديدة ـ لن يكون أكثر حدة من انتقادات نواب المعارضة للرئيس ولأغلبيته.
وتظهر كذلك رغبة الرئيس في تحسين أداء الإعلام الرسمي، من خلال لقائه بالشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، رغم ما شاب ذلك اللقاء من أخطاء تعمدها القائمون عليه.
كل تلك الإشارات تقول بأن الرئيس يرغب فعلا في استقلالية الإعلام الرسمي، ولكن في المقابل هناك إشارات أخرى أكثر وضوحا، تقول بأن الرئيس ليست له إرادة جادة لتحسين أداء الإعلام الرسمي، ولو كانت هذه الإرادة موجودة لدى الرئيس فعلا، لقام بأول خطوة في سبيل تحقيق ذلك، ولاختار لإدارة تلك المؤسسات من يسعى بصدق، ويمتلك ـ في الوقت نفسه ـ القدرة اللازمة لتحسين أداء تلك المؤسسات الفاشلة حتى الآن.
ولو كان الرئيس يسعى فعلا للتحسين من أداء تلك المؤسسات لأعاد الاعتبار للصحافيين والإعلاميين المشهود لهم بالتميز، والذين تم إبعادهم وإبدالهم بمن لا صلة له بالإعلام، ولا قدرة له على التحسين من أدائه، حتى ولو مُنح زيادة 500% على راتبه.
وقبل أن أختم الجواب على السؤال الأول لا بد أن أشير بأنه قد يُقبل من العبد الفقير كاتب هذا المقال، ومن غيره من عامة الناس، أن تكون لهم رغبة في إصلاح الإعلام الرسمي، دون أن ينفذوا تلك الرغبة، لأنهم لا يملكون الوسائل اللازمة لتنفيذ تلك الرغبة ميدانيا. أما أن تكون للرئيس ـ الذي يملك كل تلك الوسائل ـ رغبة في الإصلاح، دون أن يجسد تلك الرغبة ميدانيا، فذلك يعني أن الرغبة لم تكن موجودة أصلا، وهو ما ينسف كل ما قيل سابقا للإجابة على السؤال الأول.
بل إنه فوق ذلك يمكن القول ـ لنسف ما قيل سابقا ـ بأن الرئيس عندما ينتقد الإعلام الرسمي، أو أي قطاع حكومي آخر، إنما ينتقد نفسه، لأنه هو المسؤول أولا و أخيرا أمام الله، وأمام الشعب الموريتاني عن كل تلك الأخطاء التي ينتقدها. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أي تلميذ في الإعدادية يمكن له أن يكشف كل عيوب الإعلام الرسمي، لأنها واضحة جلية. ونحن لسنا بحاجة لرئيس ينتقد عيوبا صارخة، بقدر ما نحن بحاجة لرئيس يصلح تلك العيوب الصارخة. وبلغة أيامنا هذه، فإن الشعب لا يريد رئيسا ينتقد الأوضاع، وإنما يريد رئيسا يُصلح تلك الأوضاع. وإذا كانت القدرة على انتقاد الواقع تنفع كثيرا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فإن الاعتماد عليها قد يضر كثيرا من أصبح هو الرئيس.
أما السؤال الثاني الذي سأحاول أن أجيب عليه في هذا المقال فيقول: هل يحق للإعلاميين الرسميين أن يطالبوا بزيادة 50% أم أنه لا يحق لهم ذلك؟
في البداية أقول بأنه يحق لكل عامل ـ نظرا لتدني الرواتب ـ أن يحتج، وأن يناضل، وأن يطالب بزيادة راتبه بنسبة معتبرة ( لا أقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة معتبرة في قاموس الوزير الأول).
وأقول ـ تلمسا لعذر عن كلام سأقوله بعد حين ـ بأني كنت قد طالبت الوزارة الوصية في مقالات سابقة بأن تمنح للعاملين في الإعلام الرسمي زيادة 50 % التي مُنحت لغيرهم من العمال.
كما أني كنت قد خصصت قبل ذلك أسئلة عديدة لصالح مؤسسات الإعلام الرسمي من بين خمسين سؤالا كتبتها لرئيس الجمهورية، مباشرة بعد الإعلان عن لقاء الشعب، بمناسبة ذكرى التنصيب.
تلك الأسئلة مع غيرها من الأسئلة، التي ظل يطرحها غيري، والتي تهم العاملين في الإعلام الرسمي، كان يمكن طرحها على رئيس الجمهورية خلال ذلك اللقاء، إلا أن بعض العاملين، وبعض القائمين على مؤسسات الإعلام الرسمي، هم الذين ضيعوا تلك الفرصة اليتيمة، التي كان يمكن من خلالها أن يتم طرح مشاكلهم ـ وبشكل مباشرـ على رئيس الجمهورية.
وبالعودة إلى جواب السؤال، فإني أقول بأنه لا يحق لكثير من العاملين في الإعلام الرسمي أن يطالبوا بزيادة 50%، بل إنه لا يحق للكثيرين منهم أن يتقاضى راتبه أصلا، حتى من دون تلك الزيادة.
لا يحق لهم ذلك لأسباب عديدة أذكر منها اختصارا:
1 ـ إن عمال الإعلام الرسمي يتقاضون رواتبهم من ثروة الشعب، لذلك فإنهم مطالبون بخدمة الشعب لا خدمة غيره. ويتأكد الأمر أكثر عندما تتكرر الأوامر من أعلى سلطة في البلاد لتطالبهم بالتفرغ لمهمتهم، والابتعاد عن التطبيل والتصفيق للرئيس ولأغلبيته.
ولأن الكثير من العاملين في هذا القطاع الحيوي لم يهتموا في الماضي، ولا في الحاضر، بالشعب ولا بهمومه، لذلك فإنهم لا يستحقون الرواتب التي يتقاضونها من ثروة هذا الشعب المسكين والمغلوب على أمره.
إن على المطالبين بزيادة 50% أن يؤدوا واجبهم قبل المطالبة بتلك الزيادة. وعليهم أن يتوبوا قبل ذلك كله من الضرر الذي ألحقوه بالشعب الموريتاني المسكين.
عليهم أن يتوبوا من كل ذنب اقترفوه في حق كل مواطن مات مريضا، ولم يجد علاجا، ولم يُسمج له أن يُسْمِع أنينه قبل موته، من خلال مؤسسات الإعلام ( تلفزيون ، إذاعة، الشعب).بل إن ذلك المواطن المسكين وهو يموت بلا علاج ، كان يسمع من بعض المطالبين اليوم بحقهم في الزيادة، بأن المؤسسات الصحية تؤدي مهامها على أحسن وجه.
وعليهم كذلك أن يتوبوا من كل ذنب ارتكبوه في حق جياع كثر، وفقراء كثر، وعاطلين عن العمل كثر، ومظلومين كثر لم يسمحوا لهم بأن يتحدثوا في وسائل الإعلام التي يصفونها زورا بأنها مؤسسات عمومية ووطنية.
وعليهم ـ قبل المطالبة بالزيادة ـ أن يتوبوا من ذنوب اقترفوها في حق معارضين كثر، سبوهم، وشتموهم، وقذفوهم بأبشع الأوصاف، في مؤسسات الإعلام " الوطني"، ليس خدمة للشعب، وإنما تزلفا لحاكم، سريعا ما ينقلبون عليه وينتقدوه، بعد أول دقيقة يعلن فيها أنه قد انقلب عليه منقلب آخر.
2 ـ إن الصحفي العمومي الذي يستحق راتبا محترما هو ذلك الصحفي الذي يناضل ويضحي بوقته وبجهده وبسمعته، وحتى بعمله، من أجل أن يفرض على المؤسسة التي يعمل فيها أن تمنحه استقلالية كافية، تمكنه من تأدية مهمته النبيلة على أحسن وجه. أما الصحفي العمومي الذي "يناضل" و"يضحي" بوقته وبجهده وبسمعته من أجل أن يعيق أي تحسن، أو أي استقلالية في المؤسسة الني يعمل بها، حتى ولو كانت تلك هي "رغبة" أعلى سلطة في البلاد. إن مثل هذا الصحفي لا يستحق الراتب الذي يتقاضاه، أحرى أن يطالب بزيادته.
3 ـ إن أهم خطوة إصلاح يمكن اتخاذها في الوقت الحالي، إذا ما ظل الرئيس يرفض أن يعين على تلك المؤسسات من له القدرة والرغبة في إصلاحها، هي العمل على ترشيد الموارد التي تهدرها مؤسسات الإعلام الرسمي، خاصة التلفزيون والوكالة الموريتانية للأنباء ( الإذاعة قد تكون أحسن قليلا)، وذلك من خلال إغلاق تلك المؤسسات التي فشلت فشلا ذريعا، في أن تقدم شيئا مفيدا للمواطن وللدولة، وتشريد كل العاملين فيها.
فتوفير فاتورة الكهرباء التي تكلفها التلفزيون، وتوزيع المبلغ المخصص لتلك الفاتورة على فقراء" فصالة" أو "الغايرة" قد يكون أكثر أهمية من استمرار التلفزيون بباقته الشاحبة التي يطالعنا بها كل يوم.
4 ـ لا خلاف على أن القائمين على هذه المؤسسات لا يملكون موارد كافية، ولا خلاف على أن ظروف العاملين في تلك المؤسسات ليست مريحة، وأن الوسائل المتاحة لهم لتأدية مهامهم قد لا تكون كافية، لا خلاف على كل ذلك. ولكنه لا خلاف أيضا على أن الأوجه الحالية المسيطرة على شاشة التلفزيون، وعلى بقية مؤسسات الإعلام الرسمي ليست لها رغبة أصلا في تقديم ما يفيد المواطن.
فإعداد برنامج تلفزيوني، أو إذاعي، أو تخصيص صفحة في الشعب مثلا لتأبين المرحوم عالم الرياضيات الشهير يحيى ولد الحامد لا يحتاج إلى موارد مالية، بقدر ما يحتاج إلى حس وطني، وأخلاقي، وإنساني كثيرا ما يغيب عن العاملين في تلك المؤسسات.
وربما يقول قائل هنا بأن تجاهل مؤسسات الإعلام الرسمي، لوفاة المرحوم يحيى ولد الحامد، إنما هو ناتج عن تجاهل السلطات الرسمية لتلك الفاجعة.
وفي اعتقادي الشخصي أن تجاهل السلطات الرسمية لوفاة عالم الرياضيات الشهير، إنما هو بسبب سلبية السلطات الرسمية، وبسبب غياب روح المبادرة لدى الحكومة، التي لا يمكن لأي وزير فيها أن يتخذ أي قرار مهما كانت بساطته، إذا لم تصدر له "توجيهات سامية" باتخاذ ذلك القرار.
ولو أن أي صحفي في الإعلام الرسمي من الصحفيين المطالبين اليوم بزيادة 50% قرر ـ بمبادرة شخصية ـ أن يقوم بتأبين عالم الرياضيات الراحل، لما وجد ـ بالتأكيد ـ من يمنعه من ذلك، ولكن المشكلة تكمن في أن أولئك الذين يطالبون اليوم بحقوقهم كاملة، لا زالوا يرفضون ـ وبإصرار عجيب ـ تأدية واجباتهم، حتى منها تلك التي لن تسبب لهم ضررا مهما كانت بساطته، بل أن مثل تلك المبادرات التي لا كلفة لها، كانت ـ على العكس ـ ستساعدهم في أن يكتسبوا مصداقية هم بأمس الحاجة إليها.
6 ـ من الغريب أن لا يتذكر بعض الإعلاميين الرسميين الغاضبين أصحاب الرأي، وقادة الفكر، إلا في أوقات الشدة والعسرة. ومن الغريب أن يطلب الإعلاميون الغاضبون مناصرة من حجبوا عنهم التعبير عن آرائهم من خلال مؤسسات من المفترض ـ أو هكذا يقال ـ إنها مؤسسات عمومية مفتوحة للجميع.
فكم من صاحب رأي حرمه صحفيو الإعلام الرسمي من الظهور في المؤسسات التي اغتصبوها، وانحرفوا بها عن مسارها الوطني، وحولوها إلى مؤسسات لإعاقة التغيير، بدلا من أن تكون مؤسسات لإحداث التغيير.
وكم من صاحب رأي مستنير ربما توقع أن يستضيفه التلفزيون "الكولومبي" قبل أن يستضيفه التلفزيون "الوطني". وكم من صاحب رأي مستنير توقع أن تستضيفه إذاعة "لكوادور" قبل أن تستضيفه الإذاعة "الوطنية". وكم من صاحب قلم رصين توقع أن تنشر له الجريدة الرسمية لهايتي ـ لا أدري إن كانت لهايتي جريدة رسمية ـ قبل أن تنشر له الجريدة الرسمية الموريتانية.
إن مشكلة الإعلام الرسمي لا يمكن اختزالها في زيادة 50 %، ولن يتم حلها ـ بالتأكيد ـ من خلال منح زيادة لعمال اكتتبوا بطرق لا صلة لها بالشفافية إطلاقا.
إن أزمة الإعلام الرسمي أشد استفحالا، وأكثر عمقا من ذلك كله، وهي لا تختلف عن أي أزمة من الأزمات الكثيرة التي تتخبط فيها كل المؤسسات العمومية.
إنها أزمة نتجت في الأساس عن حصاد سنوات عجاف، لم يعقبها ـ حتى الآن ـ عام أغيث فيه الناس، وهي سنوات عجاف ظلت فيها تلك المؤسسات تطرد وتهمش وتقصي خيرة موظفيها، في الوقت الذي كانت تستقطب فيه صغار الناس، وترفعهم مكانا عليا، ليفسدوها، ويفسدوا من خلالها المجتمع كله.
لذلك فإن إصلاح الإعلام الرسمي ، إذا ما كان يُراد له الإصلاح، يجب أن يبدأ أولا بتثبيت قوة طاردة وجاذبة في كل مؤسسات الإعلام الرسمي، طاردة لكل "الصغار" الذين تضخموا كثيرا، وقادرة على أن تلفظهم بعيدا، في الوقت الذي تستطيع فيه أن تجذب " الكبار" الذين تقزموا كثيرا بفعل التهميش و الإقصاء الممنهج.
إن إصلاح الإعلام الرسمي بدون التصالح مع أولئك الكبار، لن يكون إلا مهزلة جديدة، تضاف إلى المهازل الكثيرة التي دمرنا بها، ولازلنا ندمر بها، هذا البلد المتعطش ـ بكل قطاعاته ـ لإصلاح جدي.
تصبحون على إعلام عمومي ..
الاثنين، 14 مارس 2011
كيف تُزيح دكتاتورا عربيا في ثلاثة أسابيع!؟

لن يكون غريبا في عام الثورات هذا، أن تصدر عشرات الكتب التي تحمل مثل هذا النوع من العناوين المغرية، على طريقة كتب كيف تتعلم الانجليزية في شهر، أو كيف تكون مؤثرا في أسبوع. ونظرا لأن هذه الثورات المباركة كانت ثورات عربية خالصة، فلن يكون غريبا كذلك أن تتأثر عناوين الكتب المحتملة الصدور بالخصوصية العربية والإسلامية في صياغة العناوين. فربما نسمع عن كتاب "المختصر المفيد في سقوط العقيد"، أو كتاب "صريح الأقوال لإزاحة الجنرال"، أو كتاب " سبع خطوات للإطاحة بأعتى الديكتاتوريات"، أو غير ذلك من العناوين المنظومة.
هي إذاً عناوين كثيرة محتملة لكتب قد تصدر أو لا تصدر، اخترنا من بينها تلخيصا لكتاب افتراضي لم يصدر بعد، تحت عنوان " كيف تزيح دكتاتورا عربيا في ثلاثة أسابيع!؟". وفي هذا الملخص لن نقدم ـ بالتأكيد ـ نصائح عملية ملموسة لإزاحة دكتاتور عربي في ثلاثة أسابيع ، وإنما سنحاول ـ بدلا من تقديم خطوات عملية بشكل مباشر ـ أن نتتبع بعض الملامح المشتركة بين الثورات الثلاث ( التونسية، المصرية، الليبية) في محاولة لمعرفة أسرار نجاح تلك الثورات، في إزاحة ثلاثة دكتاتوريين لم يكن من المتخيل أن إزاحتهم ستكون بتلك البساطة، وبتلك السرعة التي تمت بها.
رحل دكتاتوران، والثالث سيرحل قريبا لا محالة، بفعل ثورات شبابية تشابهت ملامحها وإن اختلفت في بعض التفاصيل الصغيرة. ومن بين الملامح المشتركة كانت هناك ملامح ظاهرة وجلية لا تحتاج لجهد فكري كبير من أجل تلمسها، ويمكن أن أذكر منها في هذا المقال سبعا.
1 ـ الشعور بالمسؤولية لدى أغلب المشاركين في الثورات الجديدة، حيث لوحظ في هذه الثورات ـ وهذه من أهم ميزاتها ـ أن كل مشارك كان يتصرف وكأنه لوحده في الميدان، أو كأنه هو وحده، دون غيره، من يقع عليه عبء نجاح الثورة، دون أن يعني ذلك غياب روح العمل الجماعي. لقد كان الجميع يفكر فردا فردا، ويقترح فردا فردا، وينزل إلى الميدان فردا فردا. وغابت السلبية والإتكالية عن المشاركين في هذه الثورات، ولم يكن هناك مشارك يقبل ـ عكس ما كان يحدث في السابق ـ أن ينوب عنه مشارك آخر، أو أن يناضل، أو أن يضحي نيابة عنه.
2 ـ لقد استطاعت هذه الثورات وفي بدايتها أن تستقطب خيرة الشباب في البلدان التي اشتعلت فيها تلك الثورات، حيث لوحظ أن الشباب الذي قاد ـ وبشكل جماعي ـ تلك الثورات كان هو الشباب الأكثر تعلما، والأكثر وطنية، والأكثر تحضرا، والأكثر سلمية، والأكثر معاصرة، خاصة من حيث القدرة على تطويع التكنولوجيا واستخدامها لصالح القضايا التي يناضل من أجلها.
ووجود هذه النخبة الشبابية الرائعة هو الذي أسقط كثيرا من "الخرافات" التي كان يجمع عليها الناس، والتي كانت تُعيق كل تغيير عن طريق الاحتجاج والثورات الشعبية.
فأسقط الشباب خرافة الفوضى، ولم يعد التظاهر والاحتجاج يعني الفوضى. وذلك بعد أن أثبت الشباب الثائر في تونس، وفي مصر، وفي ليبيا بأنه أشد حرصا على النظام و السكينة والأمن من الأنظمة الحاكمة، والتي كان من المفترض أن تكون أكثر حرصا على تحقيق كل ذلك. وقد ظهر ذلك من خلال تأسيس لجان شعبية لتوفير الأمن، كما ظهر أيضا من داخل ساحات الاحتجاج نفسها، والتي كانت آمنة من الداخل، ومنظمة بطريقة مبهرة، خاصة في القاهرة التي كان يجتمع في ميدان تحريرها الملايين من المحتجين.
وسقطت خرافة الفتنة، ولم يعد التظاهر مرادفا للفتنة الطائفية أو القبلية أو العرقية. فقد استطاع الشباب الثائر أن يُظهر صورا راقية من اللحمة الوطنية بين الطوائف والأعراق والأديان والقبائل لم يكن بالإمكان مشاهدتها قبل اشتعال تلك الثورات المباركة.
3 ـ لقد استطاع الشباب الثائر أن يثبت بأن هذا الجيل الجديد من الثورات، ليس ثورات جياع يقودها جياع، أخرجهم الجوع إلى الشوارع، ليحتجوا بعنف، ولينهبوا، وليسرقوا ما يسد رمقهم. ومع أن هناك جياعا كثرا في ثورات الفيس بوك إلا أنهم يختلفون عن غيرهم من الجياع، فهم متعلمون راشدون ووطنيون، ولم ـ ولن ـ يقبلوا بأن يخربوا أوطانهم في سبيل وجبة من طعام.
ولقد استطاع شباب الثورات الجديدة، أن يفرضوا على الأوساط الإعلامية والسياسية والنخبوية بصفة عامة استبدال مصطلح مشين ومنفر ( ثورة الجياع)، بمصطلح أخر متحضر وأنيق وجذاب (ثورة الفيس بوك).
4 ـ يمتاز ثوار الفيس بوك بأن لهم قدرة فائقة على رسم الأهداف الطموحة، والتي تمتاز بخاصيتي الهدف الطموح، من حيث كونه صعبا وممكنا في نفس الوقت. فهم يختلفون عن فئتين من المناضلين السياسيين التقليديين لم يتسم نضالهما بالفعالية، وتسببتا، بشكل أو بآخر، في استمرار هذا الواقع البائس الذي تعيشه المجتمعات العربية. وهاتان الفئتان هما : فئة كانت تناضل من أجل تحقيق أهداف تافهة، وسخيفة، كالسعي لتحقيق بعض المصالح الشخصية لقادتها، أو تحقيق مصالح حزبية ضيقة في أحسن الأحوال، وفئة ثانية ظلت تناضل في سبيل أهداف نبيلة، بطرق مستحيلة ، وفاتها بأنها كانت تهدر طاقاتها في أهداف مستحيلة التحقيق في ظل الوضعية العربية الراهنة، فتحقيق الوحدة العربية يسبقه تحقيق الوحدة الوطنية الداخلية، وتحرير فلسطين لن يأتي إلا بعد تحرير الشعوب العربية من الدكتاتوريات التي تحكمها. كما أن ثوار الفيس بوك أثبتوا كذلك أنهم قادرون على التفريق ـ عكس المناضلين التقليديين ـ بين الأهداف الإستراتيجية، والأهداف المرحلية و الإجرائية والتكتيكية التي لا تتعدى كونها مجرد درجات في السلم لابد من المرور بها للوصول إلى الهدف الاستراتيجي، دون أن يعني ذلك أنها تستحق التوقف بشكل نهائي عند إحداها.
5 ـ تتسم هذه الثورات بخطابها المقنع و بشعاراتها الجذابة التي استطاعت أن تستقطب شرائح وفئات عديدة، في وقت قياسي. فهذه الثورات التي بدأت بالشباب، تحولت في وقت قصير إلى ثورات شعبية انضمت لها كافة الشرائح والفئات، والتحق بها الشيوخ والأطفال والنساء والعلماء والمثقفون والبسطاء والعاطلون والموظفون والفنانون ...
ولقد تميزت هذه الثورات بأنها ابتعدت بحكمة بالغة عن كل الشعارات والخطابات التي قد تُثير حساسية البعض، وركزت على المطالب والشعارات التي هي محل إجماع وطني ولا يتخلف عنها إلا "بلطجي" مشهود له بالبلطجة، أو منتسب للحزب الحاكم معروف بانتسابه لكل حزب حاكم.
6 ـ تميز ثوار الفيس بوك بقدرتهم الفائقة على كشف عورات النظام الحاكم وإرباكه، وعلى تقديمه للشعوب وإظهاره على حقيقته المخجلة والبائسة والتي استطاع أن يحجبها عن المواطنين سنين عددا.
ولم يستطع الدكتاتوريون الثلاثة أن يصمدوا في وجه تلك الثورات الذكية التي استخدمت أسلحة جديدة لم تكن معهودة، أجبرت الحكام على أن يتحدثوا، ويتحدثوا، ويتحدثوا. فتحدث أولهم عن عصابة من الملثمين، وتحدث ثانيهم عن أقلية مندسة، وجاء ثالثهم بنظرية الحبوب الهلوسة. ولم يعرف الحكام كيف يواجهون الاحتجاجات، فهم إن تركوها سلمية بلا مواجهة أظهروا للعالم كم تكرههم شعوبهم، وإن واستخدموا العنف أظهروا للعالم كم هم وحشيون. أما الخيار الثالث وهو الخيار الأسلم، أي الاستجابة ـ وبشكل مبكر ـ للمطالب فلم يهتدوا إليه، لذلك فقد رفضوا الاستجابة لمطالب الثوار في الوقت المناسب ، ولم يستجيبوا لها إلا بعد أن أصبح الوقت متأخرا جدا، وبعد أن أصبحت الاستجابة لتلك المطالب دليلا على ضعف الحاكم وعزلته ، وليست دليلا على توبته ورغبته في الإصلاح.
7 ـ لقد استطاعت تلك الثورات أن تكشف عن زيف نظرية التآمر والتي ظل يرددها الحكام ويسومون بها كل من يريد ويسعى للإصلاح. فالحكام هم الذين عُرفوا بتنفيذ أوامر الأجنبي ولم يتركوا الأجنبي بحاجة لأن يحيك المؤامرات، لأنهم ينفذون له كل ما يريد، ودون الحاجة للتآمر. أولئك الحكام المتآمرون على شعوبهم هم الذين يتهمون كل راغب في الإصلاح بأنه عميل ومتآمر مع الأجنبي.
ولقد كشفت تلك الثورات بأن "الراعي" أشد خطرا من "الذئب"على “القطيع" (وعذرا على استخدام هذا المصطلح الذي لم يعد صالحا بعد الثورات المباركة). وكشفت كذلك أن الثورة على "الراعي" يجب أن تسبق مواجهة الذئب. فمواجهة الذئب لن نكسبها إلا بعد القضاء نهائيا على " الراعي" الظالم.
تصبحون على رحيل الدكتاتور الثالث...
هلوسات المجنون المعمم!!!

وفي اليوم السابع عشر..
أحرق الثوار الكتاب الأخضر..
ومزقوا العلم الأخضر..
وزحفوا على كل أخضر..
وقالوا بصوت واحد: ارحل يا "معمر"..
ارحل يا أيها السفاح الأكبر..
ارحل يا أيها الكذاب الأشر..
ارحل يا أيها "المُهلوس" الأخطر..
ارحل يا "معمر"..
ارحل يا "معمر"..
ارحل يا "معمر"..
ومر يومان والشعب ينتظر..
أن يُزف إليه أحلى خبر..
وفي ليلة من يوم عسر..
أطل الدكتاتور الأشهر..
من ذات صفائح ودسر..
وبيده مظلة وعلى رأسه عمامة من وبر..
ثم قال بكلمات قُصَّر..
من حديث مختصر..
في اختصاره الكثير من العبر..
يا كلاب.. إني لا أفكر في السفر..
وإن السماء الآن تمطر..
بماء منهمر!!..
***************
وفي الظهور الثاني للمراهق الهَرِم..
أطل المجنون المعمم..
من أمام بيته الذي لم يرمم..
وفي يده كتاب قانون الغابة الأقدم..
يغلقه تارة فيهدد ويسب ويشتم..
ويفتحه تارة ويتمتم..
ثم يقرأ بصوت متلعثم..
كلمات لا أصل لها في أي معجم..
سأذبحكم في كل دار .. ولن أندم..
سأذبحكم في كل زنقة .. ولن أندم..
سأذبحكم في كل بيت.. ولن أندم..
سأستجلب مرتزقة من بلاد العرب والعجم..
سأوزع السلاح بكرم..
سأحرق البلاد وسأهدم..
وسأختم أيامي بنهر عظيم من دم..
نهر أحمر تتحدث عنه كل الأمم..
و يستمر عارض الأزياء يتكلم ويتكلم..
ثم يتكلم ويتكلم..
وتمر الساعات دون أن يختتم..
وفي الأخير يقرر الصنم ..
ملك ملوك الحمير والغنم..
وأشهر دجال في تاريخ الأمم..
بأنه على الوطن أن يحترق فداءً للمجنون المعمم..
***************
وفي الظهور الثالث يطل المشعوذ من فوق سور طويل..
ويستمر في النباح والعويل..
وفي الصياح وفي الصهيل..
ويقول يا جرذان ما أنا برئيس حتى أستقيل..
فأنا مجد ماله من مثيل..
أنا فَخْر ماله من بديل..
أنا زعيم..أنا مفكر.. أنا شيخ جليل..
أنا لاتينيٌ ..أنا إفريقيٌ ..أنا هنديٌ ..أنا صينيٌ .. أنا شيطان أصيل..
أنا رمز .. أنا تاج على رأس كل ثائر أصيل..
أنا "معمر"وقبل الوطن يُنادِى باسمي كل عزيز وذليل..
أنا "معمر" ومن يذكر الوطن قبل اسمي فهو خائن وعميل..
أنا يا فئران لست رئيسا حتى أستقيل..
أنا ثائر.. والثائر لا يستقيل..
أنا لو استقلت لنضب النفط الخفيف والثقيل..
أنا لو استقلت لتبخرت مياه البحار قبل غروب شمس الأصيل..
أنا لو استقلت لانتحر الآلاف مالهم من كفيل..
أنا لو استقلت لما حكم الشعب نفسه ولانهار الفكر البديل..
أنا يا كلاب لا أستطيع أن أستقيل..
أنا يا جرذان ليس لي بديل..
أنا يا فئران ما لي من مثيل..
فارحلوا أنتم جميعا أما أنا فلا يحق لي الرحيل..
واقرؤوا إن شئتم فصلا من كتاب الأباطيل..
لتعلموا أن الاستقالة تمثيل..
وأن كل تمثيل تدجيل..
**************
وفي الظهور الرابع يطل المجنون المعمم من داخل قاعة..
ويتحدث أكثر من ساعة..
ويقسم أنه لم تنظم في الجماهيرية مظاهرة..
وأن كل ما في الأمر أن حفنة من أنصار "أسامة"..
أطلقوا في "البيضاء" شرارة..
وأعلنوا قيام إمارة..
و يعيد المجنون المعمم نفس الخرافة..
ثم يقول بكل جرأة وجسارة..
إن العرب يحسدونكم ..فيا للخسارة..
وإن ثروة الشعب تقسم بينكم بكل شطارة..
وإن القائد وأبناءه هم أفقر من في الحارة..
وإن ما قيل عن الأرصدة مجرد نكتة ودعابة..
وإن مليارات الجنيهات ما هي إلا كذبة باطلة..
ويقول المجنون المعمم إن من حق الأبناء ومن حق "عائشة"..
أن ينفقوا على "الخير" في كل مناسبة..
والخير قد يكون في إنفاق مليون دولار على كندية راقصة..
وقد يكون في تنظيم حفلات طيش ساهرة..
وقد يكون رشى لتلميع أوجه كالحة..
وقد يكون استثمارا في شركات زائفة..
وقد يكون لشراء حبوب هلوسة راقية..
ويستمر المعمم المجنون يردد نفس الخرافة..
وينام أغلب من في القاعة..
ويزحف الثوار بكل بسالة وشجاعة..
ويشتد الخناق على المجنون وأبنائه الثمانية..
وفي انتظار أن يسدل الستار على أسخف خرافة..
استمرت أربعة عقود وزيادة..
يحسب العالم أنفاسه خوفا من أن يرتكب المجنون المعمم أعظم حماقة..
تصبحون على نهاية أسخف خرافة..
ملاحظة : يمكن العودة لمقالات سابقة كتبتها عن " القذافي" كان أولها بعنوان " شكرا للعقيد " وتم نشره في 19 من إبريل 2007 وكتبته للرد على سخريته من الديمقراطية الموريتانية. والثاني كان تحت عنوان " عن أي مفكر تتحدثون؟" كتبته بمناسبة استهزاء القذافي بتاريخ موريتانيا السياسي وبرؤسائها وكذلك بمناسبة صلاته بجموع الموريتانيين في الملعب الأولمبي، وثالث المقالات كان تحت عنوان " مصفقون بلا حدود" وقد كُتب بمناسبة بيعة بعض الموريتانيين للزعيم المجنون.
التصفيق للكارثة!!!
إنهم أغبياء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم سذج فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم غوغاء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم تائهون لأنهم انتخبوك..
إنهم ضائعون لأنهم انتخبوك..
إنهم بائسون لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يحلموا بأي شيء لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يقبلوا بالعطش لخمس سنوات لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يطالبوا بمضخة لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا عطشا بلا أنين لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا جوعا لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا كمدا لأنهم انتخبوك..
وكان عليهم أن يقبلوا كل إهاناتك لأنهم هم الذين انتخبوك..
فلتعش نائبا تقول ما تشاء..
ولتعش نائبا تسخر ممن تشاء..
حينما تشاء..وكيفما تشاء..
فقل ما شئت لمن انتخبوك..
واسخر كما شئت ممن انتخبوك..
وابشر ـ يا سيادة النائب ـ فالقطيع هو القطيع..
سينتخبك من جديد..
فأنت ابن القبيلة..
وستوزع يوم الانتخاب صدقات قليلة..
وأنت فوق ذلك تصفق لرئيس البلاد..
وأنت نجم في سماء الاتحاد..
وترعى قطيعا على حدود البلاد..
ليس من حقه أن يتظاهر..
وليس من حقه أن يشكو..
وليس من حقه أن يصوت لغيرك..
لقد ضاعوا يوم انتخبوك..
لقد تاهوا يوم انتخبوك..
فانتخابك كان كارثة..
وحديثك كان كارثة..
وصمتك أربع سنين كان كارثة..
واشتغالك بهاتفك أثناء المداولات كان كارثة..
وتثاؤبك عندما يحتدم النقاش كان كارثة..
وتعليقك على الاحتجاجات في مقاطعتك كان أكبر كارثة..
كل شيء فيك كان كارثة..
وكل شيء في البلاد كارثة..
حكومتها كارثة..
منتخبوها كارثة..
مثقفوها كارثة..
ساستها كارثة..
معارضوها كارثة..
ومواطنوها هم أكبر كارثة..
فهم كالقطيع يسيرون خلف كل كارثة..
ويصفقون لكل كارثة..
ويصطفون لاستقبال كل كارثة..
يؤلفون الأشعار في مدح الكارثة..
يغنون للكارثة..
يلبسون أحسن الثياب لاستقبال الكارثة..
ثم فجأة يكتشفون أن الكارثة كانت فعلا كارثة..
عندما تنقلب كارثة على كارثة..
أو تصحح الكارثة مسار كارثة..
فتختفي كارثة ..
وتظهر كارثة..
وترحل حاشية الكارثة عن الكارثة إلى الكارثة..
وتختفي الفوارق بين الكارثة والكارثة..
فيثور شباب في بلاد الكارثة..
يطالب بعضه بإصلاح الكارثة..
ويدعو بعضه لإسقاط الكارثة..
ويبقى القطيع كعادته يمجد الكارثة..
ويؤلف الأشعار للكارثة..
ويغني للكارثة..
ويصفق للكارثة..
في انتظار هجرة جديدة عند قدوم أول كارثة..
تصحح مسار آخر كارثة..
بالعفو والصفح عن كل كارثة..
تصبحون على إعصار يمحق كل كارثة....
إنهم سذج فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم غوغاء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم تائهون لأنهم انتخبوك..
إنهم ضائعون لأنهم انتخبوك..
إنهم بائسون لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يحلموا بأي شيء لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يقبلوا بالعطش لخمس سنوات لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يطالبوا بمضخة لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا عطشا بلا أنين لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا جوعا لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا كمدا لأنهم انتخبوك..
وكان عليهم أن يقبلوا كل إهاناتك لأنهم هم الذين انتخبوك..
فلتعش نائبا تقول ما تشاء..
ولتعش نائبا تسخر ممن تشاء..
حينما تشاء..وكيفما تشاء..
فقل ما شئت لمن انتخبوك..
واسخر كما شئت ممن انتخبوك..
وابشر ـ يا سيادة النائب ـ فالقطيع هو القطيع..
سينتخبك من جديد..
فأنت ابن القبيلة..
وستوزع يوم الانتخاب صدقات قليلة..
وأنت فوق ذلك تصفق لرئيس البلاد..
وأنت نجم في سماء الاتحاد..
وترعى قطيعا على حدود البلاد..
ليس من حقه أن يتظاهر..
وليس من حقه أن يشكو..
وليس من حقه أن يصوت لغيرك..
لقد ضاعوا يوم انتخبوك..
لقد تاهوا يوم انتخبوك..
فانتخابك كان كارثة..
وحديثك كان كارثة..
وصمتك أربع سنين كان كارثة..
واشتغالك بهاتفك أثناء المداولات كان كارثة..
وتثاؤبك عندما يحتدم النقاش كان كارثة..
وتعليقك على الاحتجاجات في مقاطعتك كان أكبر كارثة..
كل شيء فيك كان كارثة..
وكل شيء في البلاد كارثة..
حكومتها كارثة..
منتخبوها كارثة..
مثقفوها كارثة..
ساستها كارثة..
معارضوها كارثة..
ومواطنوها هم أكبر كارثة..
فهم كالقطيع يسيرون خلف كل كارثة..
ويصفقون لكل كارثة..
ويصطفون لاستقبال كل كارثة..
يؤلفون الأشعار في مدح الكارثة..
يغنون للكارثة..
يلبسون أحسن الثياب لاستقبال الكارثة..
ثم فجأة يكتشفون أن الكارثة كانت فعلا كارثة..
عندما تنقلب كارثة على كارثة..
أو تصحح الكارثة مسار كارثة..
فتختفي كارثة ..
وتظهر كارثة..
وترحل حاشية الكارثة عن الكارثة إلى الكارثة..
وتختفي الفوارق بين الكارثة والكارثة..
فيثور شباب في بلاد الكارثة..
يطالب بعضه بإصلاح الكارثة..
ويدعو بعضه لإسقاط الكارثة..
ويبقى القطيع كعادته يمجد الكارثة..
ويؤلف الأشعار للكارثة..
ويغني للكارثة..
ويصفق للكارثة..
في انتظار هجرة جديدة عند قدوم أول كارثة..
تصحح مسار آخر كارثة..
بالعفو والصفح عن كل كارثة..
تصبحون على إعصار يمحق كل كارثة....
الأحد، 20 فبراير 2011
سبع قراءات وسبعة دروس من فصالة!

إن ما حدث في فصالة يستحق قراءات سريعة وعميقة، خاصة من طرف السلطة الحاكمة، التي يجب عليها ـ وبشكل فوري ـ أن تقرأ تلك الأحداث بجدية، قبل أن تتطور و تستعصي على القراءة.
وما حدث هناك، ربما يكون شرارة لأحداث أخرى، كنت قد توقعتها في نهاية العام الماضي، في مقال منشور تحت عنوان "الشعارات لن تطعم جياع 2011"، كتبته في بداية الاحتجاجات التي عرفها "سيدي بوزيد" في تونس. لقد قلت في ذلك المقال بأنه لن يكون بالإمكان التنبؤ بمكان انطلاق أول شرارة للاحتجاجات المتوقعة، في العام 2011 في أكثر من بلد، بما في ذلك بلدنا.
بعد نشر ذلك المقال تسارعت الأحداث، بسرعة رهيبة، لم أكن أتخيلها، خاصة في تونس، وفي مصر، وفي دول عربية أخرى، ربما يلتحق قادتها ـ قريبا ـ بنادي القادة الذين لا يفهمون ولا يعون الأمور إلا في وقت متأخر، ومتأخر جدا.
وإذا كانت الأحداث قد تسارعت كثيرا خارج حدودنا، فإنها لم تتباطأ داخل هذه الحدود. فقد ظهرت دعوات شبابية على الفيس بوك تدعو ليوم احتجاجي، و كان من أهمها دعوة شباب 17 فبراير، الذين لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون أن هناك احتجاجات جدية، ستنطلق ـ قبل يومهم الموعود ـ من مدينة حدودية، هي أكثر مدن البلاد بعدا عن الفيس بوك.
لقد فاجأت فصالة الجميع، دون أن تفاجئ أحدا. فاحتجاجاتها كانت متوقعة في كل لحظة، ومستغربة أيضا في كل لحظة. كانت متوقعة لأن الكل كان ينتظر احتجاجات في أي وقت، ومستغربة لأن الكل لم يتوقع أنها ستأتي من فصالة.
وأحداث الجمعة في فصالة لا تكفيها قراءة واحدة، وإنما تحتاج لعدة قراءات، يمكن إجمالها في سبع قراءات:
القراءة الأولى: لم تكن فصالة لتتحدث عن نفسها في يوم الجمعة 18 من فبراير بصراخ جسور، لو أنها وجدت من يصغي لهمسها، الذي ظلت تهمس به في الأسابيع الماضية، بل في الأشهر الماضية. ولو أن الحاكم أو العمدة استمعا لشكاوي أهل فصالة، وبلغوها ـ في الوقت المناسب ـ للجهات المختصة، لما حدث ما حدث.
الدرس المستخلص: على الرئيس أن يعلم بأن الإدارة لا زالت لا تهتم بمشاكل المواطنين، ولا زالت ترفض أن تبلغها للجهات المختصة. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أول ما يجب عليه فعله الآن، لتفادي الأسوأ، هو أن يفتح فورا ديوانا للمظالم، لكي يسمع من خلاله ـ وبشكل مباشرـ هموم المواطنين البسطاء، قبل أن تتحول تلك الهموم إلى وقود لاحتجاجات عنيفة تصعب السيطرة عليها.
القراءة الثانية: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن رجال الإدارة ورجال السياسة ونساءها ليست لهم أي اهتمامات بمشاكل المواطنين، وأن كل ما يهمهم هو أن يُظهروا الولاء لرئيس الدولة، بطريقة قد تضره أكثر مما تنفعه. فما الذي قدمه والي النعمة ومنتخبوها للرئيس في مهرجان المدن القديمة؟ أو ليس من الأولى بهم أن يظلوا قرب المواطنين لكي يخففوا من معاناتهم بدلا من السفر فرادى وأفواجا إلى شنقيط؟
الدرس المستخلص:على السلطات العليا أن تعلم أن العام 2011 ليس عاما عاديا، وليس عاما للترفيه، يمكن تخصيصه للمهرجانات، أو لقصائد المديح، أو للسهرات، أو لمسابقات الرماية أو حتى للاهتمام بالتراث رغم أهميته.
إن العام 2011 ـ وهذا ما تقوله القراءة الثانية لأحداث فصالة ـ يجب أن يُتفرغ فيه للمحاربة الجدية للفقر وللفساد، بدلا من محاربتهما بالشعارات التي أصبح تكرارها يثير غضب المواطنين وحنقهم بدلا من أن يبعث في نفوسهم أملا.
القراءة الثالثة: لقد أثبتت أحداث فصالة أن السلطات الأمنية والإدارية ليست لديها القدرة على مواجهة أي احتجاجات شعبية. وأنه ليس من مصلحتها أن تدفع المواطنين للمواجهة، وليس من مصلحتها أن تدفعهم لاحتلال المباني الحكومية وتخريبها. كما أثبتت تلك الأحداث أن الحلول الأمنية لن تجدي نفعا، وأن الحل الوحيد المتاح للتخفيف من غضب المواطنين، يجب أن يعتمد على إجراءات فورية، تساعد في التخفيف من معاناتهم اليومية.
الدرس المستخلص : إن العناد، وتجاهل هموم المواطنين، والاشتغال بأمور أخرى، والاعتماد على رجال الأمن للتعامل مع المواطنين قد تكون له كلفة باهظة، وباهظة جدا.
القراءة الرابعة: لقد أثبتت أحداث فصالة أن الاستجابة الفورية لمطالب المواطنين قد تساعد في التخفيف من حدتها. أما تجاهلها فقد يتسبب في رفع سقف المطالب إلى حدود أعلى. لقد كان توفير جرعة ماء صالحة للشرب هو المطلب الرئيس لأهلنا في فصالة. أما اليوم وبعد أن حدث ما حدث فقد ارتفع سقف المطالب كثيرا رغم أنه لم يبلغ حتى الآن الحد الأدنى من أساسيات الحياة الكريمة. كما أثبتت ثورات 2011 أن الوقت قد يكون حاسما جدا في تحديد مسارها.وقد أدى التأخر لأيام وربما لساعات، في الاستجابة لمطالب التونسيين والمصريين، إلى تغيير أشياء كثيرة في تونس ومصر.
الدرس المستخلص : إن التعامل المبكر مع مطالب المواطنين قد ينجي من كوارث كبيرة، سيكون أول ضحاياها السلطات الحاكمة، إذا لم تكن ردود فعلها سريعة وحاسمة ( لا أقصد حاسمة أمنيا).
القراءة الخامسة: لقد أثبت أحداث فصالة بأن الفساد لا زال متفشيا في كل مكان. فأحداث الجمعة في فصالة، كانت نتيجة مباشرة لعمليات نهب وسرقة واسعة تعرض لها الأهالي هناك، حيث تم شراء مضخة غير صالحة للبئر الارتوازي في المركز، مما أدى إلى تعطلها في وقت مبكر. ولقد رفضت الجهات المعنية شراء مضخة أخرى رغم توفر الموارد اللازمة لذلك، وهي موارد تبرعت بها جهات أجنبية لسكان المركز، فنهبها مفسدو فصالة.
كما أن سيارة الإسعاف التي تم حرقها كانت مخصصة للاستغلال التجاري والشخصي لصالح شخصيات متنفذة في المركز الإداري.
الدرس المستخلص: لقد كان الفساد هو المتسبب الأول في تلك الاحتجاجات، وهو ما يعني أن القراءة الخامسة لأحداث فصالة، تفرض علينا أن نطالب بمحاربة جدية للفساد تختلف عن الحرب المعلنة الدائرة حاليا، والتي استقطبت أغلب مفسدي موريتانيا.
القراءة السادسة: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن الولاء للوطن لا زال ضعيف جدا، وأن السلطات الحاكمة حاليا وسابقا لم تهتم بتعميقه، أو بتنميته بقدر ما اهتمت بأن يكون ولاء المواطنين لها لا للوطن. نفس الشيء يمكن قوله عن الأحزاب، وعن النخب بكل أشكالها وألوانها.
فمن المؤسف أن يطالب البعض في فصالة بجنسية أخرى، وبوطن آخر لأن هناك في الإدارة من ظلمه ظلما كبيرا.
الدرس المستخلص : آن الأوان لأن نلتفت قليلا لهذا الوطن، وآن الأوان لأن نزرع قيم الوطنية في نفوس المواطنين، بدلا من أن نختزل الوطن لهم في رئيس، أو في زعيم، أو في قبيلة، أو في عرق، أو في ايدولوجيا...
القراءة السابعة: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن هناك جهات عديدة تنتظر أي حدث لتستغله إعلاميا وسياسيا ضد الحكومة القائمة، والتي أصبح في صحيفتها الكثير من الأخطاء والإخفاقات. وما جمعته حكومتنا الموقرة من أخطاء في عام ونصف، يكفي ـ لو وُزع على عدة دول ـ لأن يتسبب في احتجاجات عنيفة في تلك الدول.
الدرس المستخلص : تقول القراءة السابعة لأحداث فصالة بأنه أصبح على حكومتنا أن ترحل فورا، لأنها إن لم ترحل الآن فقد تدفع المواطنين إلى المطالبة برحيل من يصر على الاحتفاظ بها.
تصبحون وأنتم قراء جيدون....
الاثنين، 14 فبراير 2011
نص الخطاب التاريخي لرئيس الجمهورية!
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لقد قررت أن أتقدم إليكم بخطاب مصارحة ومكاشفة، في هذا الظرف العصيب الذي تشهد فيه بعض الدول الشقيقة تحولات عميقة، والذي يشهد ـ كذلك ـ على الصعيد العالمي ارتفاعا مذهلا لأسعار بعض المواد الأساسية، وهو الارتفاع الذي انعكست آثاره سلبا على كل دول العالم بما فيها وطننا الغالي.
في مثل هذا الظرف العصيب، كان لزاما عليَّ أن أتقدم إليكم بخطاب من القلب، لن أحدثكم فيه عن الانجازات الهامة التي تم تحقيقها منذ قدومي إلى السلطة، والتي هي معروفة لديكم، وقد تم الحديث عنها في مناسبات سابقة. بل أني سأحدثكم في خطاب المكاشفة هذا عن بعض الإخفاقات التي حدثت منذ التنصيب إلى يومنا هذا، على أساس أنه لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء وبلا نواقص، لذلك فقد كان من الضروري، وبعد مرور عام ونصف من مأموريتي، أن أبحث عن الأخطاء والإخفاقات التي حدثت، وأن أسعى بشكل جاد وصادق لمعالجتها ولتجاوزها.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
اسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن الأخطاء التي حدثت، وعن الأساليب الجديدة التي سأتبعها لتصحيح تلك الأخطاء، اسمحوا لي قبل ذلك، أن أحدثكم قليلا عن الأحداث التي عرفتها تونس ومصر في الآونة الأخيرة، وذلك للرد على بعض التعليقات والتصريحات التي جاءت من بعض قيادات المعارضة، والتي حاولت أن تجعل من ظروفنا وواقعنا صورة طبق الأصل من واقع الشقيقة تونس، والشقيقة مصر.
والحقيقة التي لابد من قولها هنا، هي أن واقعنا ليس مطابقا تماما للواقع التونسي، و لا للواقع المصري، وأقصى ما يمكن قوله في هذا المجال، هو أنه يتشابه معهما في بعض الجوانب، ويختلف عنهما في جوانب أخرى.
فإذا كانت تونس ومصر قد عرفتا أنظمة حكم لم تتغير لمدة عقود من الزمن، فإن الأمر يختلف عندنا، خاصة منذ تصحيح 3 من أغسطس 2005، حيث أصبحت مشكلتنا منذ ذلك الوقت هي قصر الفترة التي يقضيها الرؤساء في الحكم، لا طولها.
وإذا كان الشعب التونسي والشعب المصري قد ثارا ضد رئيسين وصلا إلى الحكم واستمرا فيه دون انتخابات شفافة، فالأمر عندنا يختلف، لأننا شهدنا انتخابات رئاسية شفافة، بشهادة الجميع، أشرف عليها وزير داخلية معارض، ورئيس لجنة مستقلة للانتخابات معارض كذلك.
ورغم ذلك، فنحن لابد لنا أن نعترف بأن الشعب الموريتاني قد عرف أسلوبا واحدا من الحكم، يعتمد على أن الشعب في خدمة الحاكم، لا الحاكم في خدمة الشعب، وهو الأسلوب الذي لم يتغير منذ عقود من الزمن، رغم التغيرات الكثيرة للرؤساء، لذلك فهو من هذه الناحية يتشابه تماما مع تونس ومصر. ومن حق شعبنا الذي يستحق حياة كريمة، أن يثور على أي رئيس يكرر نفس الأسلوب البائد، في إدارة شؤون البلاد، حتى ولو لم يقض مدة طويلة في الحكم. هذا ما "تفهمه وتعيه" قيادتكم الوطنية، وهذا هو ما فرض علينا العمل بأسلوب مختلف عن نمط الحكم، الذي اتبعه كل الرؤساء السابقين، والذي أدى في المحصلة النهائية إلى هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم.
بل إنني فوق ذلك، أومن بأن الشعب الموريتاني أولى من غيره بالحياة الكريمة، وأولى من غيره بالثورة، إذا لم يشعر بأن أوضاعه قد بدأت تتحسن بالفعل، وذلك نظرا لأن ثرواته أكثر بكثير من ثروات العديد من أشقائه، ولأنه أقل عددا من شعوب تلك الدول، ولأنه من حيث مؤشرات التنمية، لا زال ـ "ويا للأسف"ـ في أسفل اللائحة، ولا زالت تتقدم عليه تلك الدول الشقيقة التي شهدت احتجاجات.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا أخفيكم ـ في خطاب المكاشفة هذا ـ بأني لا أجد فرقا يذكر بين الاتحاد من أجل الجمهورية، والحزب الوطني في مصر، أو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. فالاتحاد من أجل الجمهورية ـ "ويا للأسف"ـ لم يقدم انجازا واحدا منذ تأسيسه، بل أنه ظل يشكل عبئا ثقيلا على مؤسسة الرئاسة، ومحرجا لها في كثير من الأحيان.
وأنا على ثقة تامة، بأن هذا الحزب لن ينفعني، إذا ما احتجت إليه في الأوقات العصيبة. بل أنه قد يضرني من حيث يعتقد أنه سينفعني، وقد يُخرج في اللحظات الحاسمة، ما هو أسوأ من الحمير والبغال والجمال.
لقد أثبتت أحداث تونس ومصر بأن الأحزاب التقليدية لم تعد قادرة على حماية نفسها، ولا حماية أي نظام. كما أثبتت تلك الأحداث بأن الشعوب، والتي قد لا تكون منتظمة بالضرورة في أحزاب سياسية، هي وحدها التي يمكن أن تسقط أي نظام، وهي وحدها التي يمكن أن تحميه.
وبناء على ذلك، فإني أتوجه اليوم إليكم بهذا الخطاب، الذي سيؤسس ـ بإذن الله ـ لمرحلة جديدة من العمل الحكومي والسياسي، وهي مرحلة ستسعي ـ بشكل جاد ـ لبناء جسور جديدة وقوية، من الثقة بيني وبينكم، ودون الحاجة لوسطاء سياسيين. لقد تعاملت معكم بدون وسطاء في الحملة الانتخابية الماضية، ولم تخيبوا وقتها ثقتي فيكم، فصوتم لي بكثافة، مما جعل فوزي في الانتخابات الرئاسية الماضية، لا منة فيه لأي وسيط سياسي أو اجتماعي، فالفضل فيه للمواطن العادي، وللمواطن العادي وحده، لذلك فأنا أستطيع أن أقول بأني لست مدينا إلا لك أنت أيها المواطن الموريتاني.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا جدال في أن ما مضى من مأموريتي، قد تخللته بعض الأخطاء والإخفاقات التي سيتم تفاديها من الآن، ومن هذه الأخطاء يمكن لي أن أذكرك لكم:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ بعض القرارات الهامة، وهو ما جعل الكثير منكم يستغرب بعض القرارات التي تم اتخاذها وإلغاؤها دون تقديم أي تفسير لذلك. لقد حدث ذلك مع إنشاء وإلغاء كتابة الدولة للشؤون الإفريقية، ومع هيكلة وزارة التعليم، وفي مجالات عديدة أخرى لا يتسع المقام لتعدادها. فمن حقكم أن تستغربوا ذلك، وأن تنتقدوه، لأنه لم يعد من المقبول في عالم اليوم ارتجال القرارات، حتى ولو كانت مجرد قرارات فردية، أو أسرية، أو قرارات داخل مؤسسة صغيرة. فكيف إذا تعلق الأمر بقرارات حكومية، يمكن لها أن تؤثر إيجابا أو سلبا على حياة كل مواطن؟ لذلك فإني أعدكم بأنه لن يُرتجل ـ من الآن وصاعداـ أي قرار مهما كان حجمه. كما أعتذر لكم عن الارتجال في بعض التعيينات، والذي بلغ ذروته في وزارة المالية والإدارات التابعة لها، حيث أنها منذ تنصيبي لم تعرف أي استقرار يتيح لها أن تؤدي أبسط مهامها.
2 ـ لا شك أنكم قد لاحظتم في بعض الأحيان عدم انسجام في العمل الحكومي، ولا شك أنكم لاحظتم عدم الانسجام كذلك في بعض القرارات، وهو ما أعدكم بأنه سيتوقف تماما من الآن. فلم يعد من المقبول أن يدعو رئيس الجمهورية إلى حوار مع المعارضة، فتعقب تلك الدعوة بيانات وتصريحات من الأغلبية تتناقض مع تلك الدعوة، وتزيد من حجم الشكوك حول جديتها. كما أني أعتذر للشعب الموريتاني عن بعض التناقض في بعض القرارات التي اتخذتها، كتعيين شخصية سياسية على رأس وزارة التعليم الثانوي، رغم أني كنت قد دعوت قبل ذلك إلى عدم تسييس التعليم، وعدم تسييس المنتديات القادمة، وهي الدعوة التي لم يستجب لها ـ "ويا للأسف"ـ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي اختار لجنة للتفكير في إصلاح التعليم يرأسها وزير سياسي لا صلة له بالتعليم، ومن المفترض أنه ليس لديه وقت لإنجاز ما كُلف به.
3 ـ من الأخطاء التي تم تسجيلها في ما مضى من المأمورية، هي أن التعيينات لم تكن شفافة، ولا منسجمة مع الحرب على الفساد، وقد جاء الكثير منها مخيبا لآمالكم. وقد انعكست تلك التعيينات على الأداء الحكومي الذي لم يكن على المستوى المطلوب، وهذا ما يجب الاعتراف به. ولتحسين الأداء الحكومي، وانسجاما مع الحرب على الفساد المعلنة، فإني أعدكم بأن التعيينات ابتداء من اليوم، ستعتمد أولا وأخيرا على الكفاءة، وعلى الكفاءة وحدها، والتي سنبحث عنها في كل مكان، ولا يهمنا بعد ذلك الانتماء السياسي، أو الجهوي، أو القبلي، أو العرقي، لصاحب تلك الكفاءة. كما أعدكم هنا بأنني سأعمل ـ وبشكل فوري ـ على إبعاد كل رموز الفساد الذين تم تعيينهم في مناصب هامة.
4 ـ لقد لاحظت أن الإدارة لا زالت تتعامل بكثير من الاستعلاء والخشونة مع المواطنين، كما لاحظت أن الموظفين لا زالوا يمنون على المواطنين بأي خدمة إدارية يقدمونها لهم، حتى ولو كانت بسيطة وتافهة. إن هذه النظرة الخاطئة لابد من العمل الجاد على تغييرها، حتى يعلم الوزراء وكل الموظفين أنهم في خدمة هذا الشعب، وأنهم يتلقون رواتب من ثروته، وهو ما يفرض عليهم تغيير أسلوب تعاملهم مع المواطن.
5 ـ لقد تم تسجيل بعض التجاوزات في منح بعض الصفقات العمومية، ولم يتم احترام الشفافية في العديد من تلك الصفقات. وهذا يستدعي مني أن ألتزم لكم بأن تلك الأخطاء لن تتكرر مستقبلا. كما ألتزم لكم بأنه سيتم كشف كل مناقصة على حدة، وتقديم التبريرات التي أدت إلى منحها للجهة المستفيدة.
6 ـ أما فيما يخص مكافحة الفقر، والتشغيل، والحد من الآثار السلبية لارتفاع الأسعار، فإني أعدكم بأنه سيتم اتخاذ بعض الإجراءات الثورية، في وقت قريب، للحد من البطالة، ومن الفقر، ومن الانعكاسات السلبية لارتفاع الأسعار. وهذه الإجراءات لن أحدثكم عنها الآن، بل أني سأتركها تتحدث عن نفسها في وقت قريب.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
إن لكل بلد خصوصياته، ولبلدنا خصوصيته التي يجب علينا جميعا أن نعيها، قبل اتخاذ أي قرار قد تكون له آثار خطيرة على استقرار وطننا الغالي.
وهذه المسؤولية تقع أولا على عاتق رئيس الجمهورية، الذي يجب عليه أن يعمل بجد لتوفير حياة كريمة ولائقة، لكل مواطن. وهذا ما أعدكم بأني سأسعى إليه بشكل جدي فيما تبقى من مأموريتي. وأعدكم أيضا بأني سأعمل جاهدا لكي يشعر كل واحد منكم، بأني أسعى فعلا لتصحيح كل الأخطاء، التي حدثت في الثمانية عشر شهرا التي مضت من مأموريتي.كما أعدكم بأني سأفتح قنوات جديدة للاتصال بكم، وذلك لكي أظل دائما على الإطلاع بهمومكم ومشاكلكم، و لن أعتمد بعد اليوم على التقارير التي تصلني للإطلاع على همومكم ومشاكلكم.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة موريتانيا..
تصبحون على إصلاحات جدية..
كتبه باسم رئيس الجمهورية :
محمد الأمين ولد الفاظل
أيتها المواطنات..
لقد قررت أن أتقدم إليكم بخطاب مصارحة ومكاشفة، في هذا الظرف العصيب الذي تشهد فيه بعض الدول الشقيقة تحولات عميقة، والذي يشهد ـ كذلك ـ على الصعيد العالمي ارتفاعا مذهلا لأسعار بعض المواد الأساسية، وهو الارتفاع الذي انعكست آثاره سلبا على كل دول العالم بما فيها وطننا الغالي.
في مثل هذا الظرف العصيب، كان لزاما عليَّ أن أتقدم إليكم بخطاب من القلب، لن أحدثكم فيه عن الانجازات الهامة التي تم تحقيقها منذ قدومي إلى السلطة، والتي هي معروفة لديكم، وقد تم الحديث عنها في مناسبات سابقة. بل أني سأحدثكم في خطاب المكاشفة هذا عن بعض الإخفاقات التي حدثت منذ التنصيب إلى يومنا هذا، على أساس أنه لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء وبلا نواقص، لذلك فقد كان من الضروري، وبعد مرور عام ونصف من مأموريتي، أن أبحث عن الأخطاء والإخفاقات التي حدثت، وأن أسعى بشكل جاد وصادق لمعالجتها ولتجاوزها.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
اسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن الأخطاء التي حدثت، وعن الأساليب الجديدة التي سأتبعها لتصحيح تلك الأخطاء، اسمحوا لي قبل ذلك، أن أحدثكم قليلا عن الأحداث التي عرفتها تونس ومصر في الآونة الأخيرة، وذلك للرد على بعض التعليقات والتصريحات التي جاءت من بعض قيادات المعارضة، والتي حاولت أن تجعل من ظروفنا وواقعنا صورة طبق الأصل من واقع الشقيقة تونس، والشقيقة مصر.
والحقيقة التي لابد من قولها هنا، هي أن واقعنا ليس مطابقا تماما للواقع التونسي، و لا للواقع المصري، وأقصى ما يمكن قوله في هذا المجال، هو أنه يتشابه معهما في بعض الجوانب، ويختلف عنهما في جوانب أخرى.
فإذا كانت تونس ومصر قد عرفتا أنظمة حكم لم تتغير لمدة عقود من الزمن، فإن الأمر يختلف عندنا، خاصة منذ تصحيح 3 من أغسطس 2005، حيث أصبحت مشكلتنا منذ ذلك الوقت هي قصر الفترة التي يقضيها الرؤساء في الحكم، لا طولها.
وإذا كان الشعب التونسي والشعب المصري قد ثارا ضد رئيسين وصلا إلى الحكم واستمرا فيه دون انتخابات شفافة، فالأمر عندنا يختلف، لأننا شهدنا انتخابات رئاسية شفافة، بشهادة الجميع، أشرف عليها وزير داخلية معارض، ورئيس لجنة مستقلة للانتخابات معارض كذلك.
ورغم ذلك، فنحن لابد لنا أن نعترف بأن الشعب الموريتاني قد عرف أسلوبا واحدا من الحكم، يعتمد على أن الشعب في خدمة الحاكم، لا الحاكم في خدمة الشعب، وهو الأسلوب الذي لم يتغير منذ عقود من الزمن، رغم التغيرات الكثيرة للرؤساء، لذلك فهو من هذه الناحية يتشابه تماما مع تونس ومصر. ومن حق شعبنا الذي يستحق حياة كريمة، أن يثور على أي رئيس يكرر نفس الأسلوب البائد، في إدارة شؤون البلاد، حتى ولو لم يقض مدة طويلة في الحكم. هذا ما "تفهمه وتعيه" قيادتكم الوطنية، وهذا هو ما فرض علينا العمل بأسلوب مختلف عن نمط الحكم، الذي اتبعه كل الرؤساء السابقين، والذي أدى في المحصلة النهائية إلى هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم.
بل إنني فوق ذلك، أومن بأن الشعب الموريتاني أولى من غيره بالحياة الكريمة، وأولى من غيره بالثورة، إذا لم يشعر بأن أوضاعه قد بدأت تتحسن بالفعل، وذلك نظرا لأن ثرواته أكثر بكثير من ثروات العديد من أشقائه، ولأنه أقل عددا من شعوب تلك الدول، ولأنه من حيث مؤشرات التنمية، لا زال ـ "ويا للأسف"ـ في أسفل اللائحة، ولا زالت تتقدم عليه تلك الدول الشقيقة التي شهدت احتجاجات.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا أخفيكم ـ في خطاب المكاشفة هذا ـ بأني لا أجد فرقا يذكر بين الاتحاد من أجل الجمهورية، والحزب الوطني في مصر، أو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. فالاتحاد من أجل الجمهورية ـ "ويا للأسف"ـ لم يقدم انجازا واحدا منذ تأسيسه، بل أنه ظل يشكل عبئا ثقيلا على مؤسسة الرئاسة، ومحرجا لها في كثير من الأحيان.
وأنا على ثقة تامة، بأن هذا الحزب لن ينفعني، إذا ما احتجت إليه في الأوقات العصيبة. بل أنه قد يضرني من حيث يعتقد أنه سينفعني، وقد يُخرج في اللحظات الحاسمة، ما هو أسوأ من الحمير والبغال والجمال.
لقد أثبتت أحداث تونس ومصر بأن الأحزاب التقليدية لم تعد قادرة على حماية نفسها، ولا حماية أي نظام. كما أثبتت تلك الأحداث بأن الشعوب، والتي قد لا تكون منتظمة بالضرورة في أحزاب سياسية، هي وحدها التي يمكن أن تسقط أي نظام، وهي وحدها التي يمكن أن تحميه.
وبناء على ذلك، فإني أتوجه اليوم إليكم بهذا الخطاب، الذي سيؤسس ـ بإذن الله ـ لمرحلة جديدة من العمل الحكومي والسياسي، وهي مرحلة ستسعي ـ بشكل جاد ـ لبناء جسور جديدة وقوية، من الثقة بيني وبينكم، ودون الحاجة لوسطاء سياسيين. لقد تعاملت معكم بدون وسطاء في الحملة الانتخابية الماضية، ولم تخيبوا وقتها ثقتي فيكم، فصوتم لي بكثافة، مما جعل فوزي في الانتخابات الرئاسية الماضية، لا منة فيه لأي وسيط سياسي أو اجتماعي، فالفضل فيه للمواطن العادي، وللمواطن العادي وحده، لذلك فأنا أستطيع أن أقول بأني لست مدينا إلا لك أنت أيها المواطن الموريتاني.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا جدال في أن ما مضى من مأموريتي، قد تخللته بعض الأخطاء والإخفاقات التي سيتم تفاديها من الآن، ومن هذه الأخطاء يمكن لي أن أذكرك لكم:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ بعض القرارات الهامة، وهو ما جعل الكثير منكم يستغرب بعض القرارات التي تم اتخاذها وإلغاؤها دون تقديم أي تفسير لذلك. لقد حدث ذلك مع إنشاء وإلغاء كتابة الدولة للشؤون الإفريقية، ومع هيكلة وزارة التعليم، وفي مجالات عديدة أخرى لا يتسع المقام لتعدادها. فمن حقكم أن تستغربوا ذلك، وأن تنتقدوه، لأنه لم يعد من المقبول في عالم اليوم ارتجال القرارات، حتى ولو كانت مجرد قرارات فردية، أو أسرية، أو قرارات داخل مؤسسة صغيرة. فكيف إذا تعلق الأمر بقرارات حكومية، يمكن لها أن تؤثر إيجابا أو سلبا على حياة كل مواطن؟ لذلك فإني أعدكم بأنه لن يُرتجل ـ من الآن وصاعداـ أي قرار مهما كان حجمه. كما أعتذر لكم عن الارتجال في بعض التعيينات، والذي بلغ ذروته في وزارة المالية والإدارات التابعة لها، حيث أنها منذ تنصيبي لم تعرف أي استقرار يتيح لها أن تؤدي أبسط مهامها.
2 ـ لا شك أنكم قد لاحظتم في بعض الأحيان عدم انسجام في العمل الحكومي، ولا شك أنكم لاحظتم عدم الانسجام كذلك في بعض القرارات، وهو ما أعدكم بأنه سيتوقف تماما من الآن. فلم يعد من المقبول أن يدعو رئيس الجمهورية إلى حوار مع المعارضة، فتعقب تلك الدعوة بيانات وتصريحات من الأغلبية تتناقض مع تلك الدعوة، وتزيد من حجم الشكوك حول جديتها. كما أني أعتذر للشعب الموريتاني عن بعض التناقض في بعض القرارات التي اتخذتها، كتعيين شخصية سياسية على رأس وزارة التعليم الثانوي، رغم أني كنت قد دعوت قبل ذلك إلى عدم تسييس التعليم، وعدم تسييس المنتديات القادمة، وهي الدعوة التي لم يستجب لها ـ "ويا للأسف"ـ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي اختار لجنة للتفكير في إصلاح التعليم يرأسها وزير سياسي لا صلة له بالتعليم، ومن المفترض أنه ليس لديه وقت لإنجاز ما كُلف به.
3 ـ من الأخطاء التي تم تسجيلها في ما مضى من المأمورية، هي أن التعيينات لم تكن شفافة، ولا منسجمة مع الحرب على الفساد، وقد جاء الكثير منها مخيبا لآمالكم. وقد انعكست تلك التعيينات على الأداء الحكومي الذي لم يكن على المستوى المطلوب، وهذا ما يجب الاعتراف به. ولتحسين الأداء الحكومي، وانسجاما مع الحرب على الفساد المعلنة، فإني أعدكم بأن التعيينات ابتداء من اليوم، ستعتمد أولا وأخيرا على الكفاءة، وعلى الكفاءة وحدها، والتي سنبحث عنها في كل مكان، ولا يهمنا بعد ذلك الانتماء السياسي، أو الجهوي، أو القبلي، أو العرقي، لصاحب تلك الكفاءة. كما أعدكم هنا بأنني سأعمل ـ وبشكل فوري ـ على إبعاد كل رموز الفساد الذين تم تعيينهم في مناصب هامة.
4 ـ لقد لاحظت أن الإدارة لا زالت تتعامل بكثير من الاستعلاء والخشونة مع المواطنين، كما لاحظت أن الموظفين لا زالوا يمنون على المواطنين بأي خدمة إدارية يقدمونها لهم، حتى ولو كانت بسيطة وتافهة. إن هذه النظرة الخاطئة لابد من العمل الجاد على تغييرها، حتى يعلم الوزراء وكل الموظفين أنهم في خدمة هذا الشعب، وأنهم يتلقون رواتب من ثروته، وهو ما يفرض عليهم تغيير أسلوب تعاملهم مع المواطن.
5 ـ لقد تم تسجيل بعض التجاوزات في منح بعض الصفقات العمومية، ولم يتم احترام الشفافية في العديد من تلك الصفقات. وهذا يستدعي مني أن ألتزم لكم بأن تلك الأخطاء لن تتكرر مستقبلا. كما ألتزم لكم بأنه سيتم كشف كل مناقصة على حدة، وتقديم التبريرات التي أدت إلى منحها للجهة المستفيدة.
6 ـ أما فيما يخص مكافحة الفقر، والتشغيل، والحد من الآثار السلبية لارتفاع الأسعار، فإني أعدكم بأنه سيتم اتخاذ بعض الإجراءات الثورية، في وقت قريب، للحد من البطالة، ومن الفقر، ومن الانعكاسات السلبية لارتفاع الأسعار. وهذه الإجراءات لن أحدثكم عنها الآن، بل أني سأتركها تتحدث عن نفسها في وقت قريب.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
إن لكل بلد خصوصياته، ولبلدنا خصوصيته التي يجب علينا جميعا أن نعيها، قبل اتخاذ أي قرار قد تكون له آثار خطيرة على استقرار وطننا الغالي.
وهذه المسؤولية تقع أولا على عاتق رئيس الجمهورية، الذي يجب عليه أن يعمل بجد لتوفير حياة كريمة ولائقة، لكل مواطن. وهذا ما أعدكم بأني سأسعى إليه بشكل جدي فيما تبقى من مأموريتي. وأعدكم أيضا بأني سأعمل جاهدا لكي يشعر كل واحد منكم، بأني أسعى فعلا لتصحيح كل الأخطاء، التي حدثت في الثمانية عشر شهرا التي مضت من مأموريتي.كما أعدكم بأني سأفتح قنوات جديدة للاتصال بكم، وذلك لكي أظل دائما على الإطلاع بهمومكم ومشاكلكم، و لن أعتمد بعد اليوم على التقارير التي تصلني للإطلاع على همومكم ومشاكلكم.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة موريتانيا..
تصبحون على إصلاحات جدية..
كتبه باسم رئيس الجمهورية :
محمد الأمين ولد الفاظل
الاثنين، 7 فبراير 2011
في انتظار ثورة ثالثة

لم يكن من المتخيل أن تتحول أحداث بسيطة ـ لا تلفت الانتباه عادة ـ إلى احتجاجات و انتفاضات وثورات عظيمة، تعجز النخب السياسية التقليدية أن تلتحق بصفوفها الخلفية حتى ولو لهثت كثيرا، ويفشل أولو الألباب في فك طلاسمها، ولا يستطيع المحللون والصحفيون كشف كل تفاصيلها.
فلم يكن من المتخيل أن يتمكن بائع خضار من طرد دكتاتور تونس إلى مدينة يرتفع من مساجدها نداءات المؤذنين، التي تقض مضجع الدكتاتور التونسي الهارب. ولقد اعتبر أحد معلقي الجزيرة مباشر أن الإقامة الجبرية في مدينة تكثر فيها المساجد، هي أفضل طريقة لمعاقبة الدكتاتور الهارب.
ولم يكن من المتخيل ـ كذلك ـ أن تتحول دعوة للاحتجاج أطلقتها الفتاة "أسماء محفوظ" واختارت لها يوم عيد الشرطة المصرية، لم يكن من المتخيل أن تتحول تلك الدعوة إلى ثورة عارمة في مصر، أجبرت دكتاتورها للبحث بشكل جاد عن طريقة لرحيل "كريم".
ومن يدري فربما نشهد في الأيام القادمة، أو في الساعات القادمة، أو ربما في الدقائق القادمة، تحول حدث بسيط ما، في دولة عربية ما، إلى ثورة عارمة تسقط دكتاتورا عربيا ما، ربما نشهد ذلك قريبا، ولكن قبل ذلك دعونا نسجل بعض الملاحظات عن الثورتين المباركتين، وذلك في انتظار اشتعال ثورة مباركة ثالثة.
الملاحظة الأولى: هذه الثورات جاءت بأفكار إبداعية لإحداث التغيير، وتم تنفيذها بوسائل وأساليب إبداعية أيضا، طبقا للمقولة الشهيرة: " إن الأفكار الإبداعية يجب أن لا تمر بالقنوات التقليدية". فالقنوات التقليدية، أي النخب السياسية التقليدية، قد فشلت في إحداث تغيير في البلدان العربية، لذلك فقد كان لابد من إبعادها عن الصفوف الأمامية، لضمان نجاح الثورات الجديدة. لقد نجحت هذه الثورات لأنها لم يقدها "المناضلون التقليديون" الذين لا زالوا يفكرون بطرق تقليدية، لم تعد تناسب هذا العصر. بل أن هذه النخب عجزت ـ لكثرة خلافاتها وصراعاتها، وانشغالها بالتفاهات ـ أن تشكل صفوفا خلفية متماسكة لهذه الثورات الجديدة. لقد رفضت كل الأحزاب المعارضة في مصر، باستثناء حزب معارض واحد، الاستجابة للدعوة للاحتجاج يوم 25 يناير. ولقد برر الحزب الناصري رفضه لتلك الدعوة لكونه حزبا يقود ولا يقاد، أما حركة الإخوان المسلمين فقد رفضت الاستجابة في البداية، قبل أن تقرر بعد ذلك المشاركة بشكل رمزي. في حين أن حزب الوفد كان "أعقل"ـ حسب بعض قادته ـ من أن يستجيب لدعوة شبابية "طائشة"، تبين فيما بعد أنها لم تكن طائشة، وأن الشباب"الطائش" الذي أطلقها كان أعقل من الجميع، وأحق من الجميع بقيادة الشعوب.
الملاحظة الثانية: يمتاز قادة هذه الثورات بقدرة عجيبة على اتخاذ القرارات السريعة والصائبة في نفس الوقت. فالشباب المصري استقبل الجيش بالورود، كما استقبل الشباب التونسي جيشه بالقبلات. ولقد كان لتلك الاستقبالات مفعول حاسم في اكتساب الجيش، أو ـ على الأقل ـ في تحييده. ولو أن الأمر حدث مع النخب السياسية التقليدية لكانت ردود الفعل سلبية، أو بطيئة في أحسن الأحوال، مما كان سينعكس سلبا على تلك الاحتجاجات. وتظهر كذلك قدرة الثوار الجدد في اتخاذ القرارات الصائبة والسريعة، في الطريقة الرائعة، التي تم بها تشكيل مجموعات لتوفير الأمن، بعد أن تحول من كان من المفترض فيه أن يوفر الأمن إلى أكبر مهدد للأمن والسكينة.
الملاحظة الثالثة: لقد أثبت المناضلون الجدد قدرة كبيرة على التأقلم مع كل الظروف والمفاجآت. فمن اللافت أن الشباب الثائر لم يتأثر سلبا عندما تم حرمانه من أهم أسلحته، أي الانترنت والهاتف النقال. فالتونسيون استطاعوا أن يتعاملوا بذكاء مع الرقيب الالكتروني الذي أطلقوا عليه "عمار 404". في حين أن الشباب المصري تمكن من تنظيم "جمعة الغضب" التي شاركت فيها أعداد غير مسبوقة، في ظل غياب كامل لكل وسائل الاتصال الحديثة من انترنت وهاتف نقال. بل أن شباب الفيس بوك كما يحلو للبعض تسميته بذلك، نجح في الدفاع عن نفسه، عندما حُورب بأسلحة بدائية جدا، وتمكن من أسر بعض "الغزاة" خلال صده لهجوم غريب ومفاجئ استخدمت فيه كل أسلحة القرون الوسطى من خيل وجمال وبغال وسكاكين وبلطجية ..
الملاحظة الرابعة: لقد استطاع هذا الشباب الرائع أن يفند الكثير من النظريات التقليدية الخائبة، التي ابتكرها المستبدون بالتمالؤ مع بعض النخب السياسية التقليدية، والتي تحسب على أنها معارضة. فقد شاع لدى الشعوب العربية أن الاحتجاج ضد الفساد والدكتاتورية قد يأتي بنتائج عكسية، لأنه قد يستغل في إحداث فتن، وصراعات طائفية، أو عرقية، تؤدي في النهاية إلى الكثير من الفوضى وعدم الاستقرار. والحقيقة أن أكثر ما يهدد استقرار الشعوب هو الدكتاتورية، والفساد، وغياب الحرية، والعدالة الاجتماعية. ويكفي لتفنيد تلك النظرية الخائبة أن نتأمل حال مصر قبل 25 يناير، وحالها بعده. فقبل 25 يناير كثرت الدعوات التي كانت تهدف لإحداث شرخ بين الأقباط والمسلمين. أما بعد 25 يناير فقد اختفت تلك الدعوات، وتم استبدالها بصور راقية جاءت من ميدان التحرير، حيث شُوهد القبطي وهو يحرس المسلم أثناء صلاة الجمعة، بل أن بعض الأقباط كان يرفع صوته بالتكبير، وذلك لكي يسمع صفوف المصلين الخلفية تكبيرات الإمام. وفي يوم الأحد، وفي نفس الميدان، أقام الأقباط قداس الأحد، وصلى المسلمون صلاة الغائب، على أرواح شهداء الثورة.
الملاحظة الخامسة: لقد استطاعت هذه الثورات المباركة أن تستعيد بعض القيم التي كادت الشعوب أن تنساها، فظهر التكافل والتضامن والتضحية والإيثار بين المواطنين. ولم يعد بالإمكان اختزال الوطنية في لحظة حماس أثناء مبارايات كروية، بل أنه أصبح من الممكن للمواطنين أن يعبروا عن وطنيتهم بصور أخرى أكثر تحضرا، و أكثر أهمية، من خلال المشاركة ـ كل حسب امكاناته ـ في عملية التغيير والبناء، والتي انطلقت شرارتها من ميدان التحرير.
الملاحظة السادسة : أثبت هؤلاء الشباب قدرة فائقة على الإقناع، حيث استطاعوا وفي وقت قياسي أن يجمعوا حولهم المثقف والأمي، الغني والفقير، الطفل والشيخ، الرجل والمرأة ، الشاب والشابة، السياسي وغير السياسي. كما أثبتوا قدرة فائقة على التماسك والتلاحم حول فكرة واحدة، عكس ما كان يحدث في صفوف النخب التقليدية التي لم تكن تتحالف إلا من أجل أن تنشق، وتنشطر، وتنقسم شظايا شظايا لا يكاد بعضها يرى بالعين المجردة.
وأعتقد أن القدرة على الإقناع والتماسك، إنما جاءت من قناعة الشباب أنفسهم بمطالبهم الوجيهة، وبصدقهم فيما يقومون به نضال من أجل الوطن، لا من أجل مصالح شخصية، أو حزبية، أو سياسية، أو إيدولوجية، أو طائفية، أو عرقية. وهنا يكمن سر التفاف الناس حولهم، وهذا بالضبط هو ما يميزهم عن النخب السياسية التقليدية، التي كان أغلبها يضع المصالح الشخصية، أو الحزبية، أو الطائفية، فوق المصلحة الوطنية.
تصبحون على ثورة ثالثة..
الاثنين، 31 يناير 2011
بيان استقالة الحكومة

نظرا لما حدث في تونس، ولما يحدث في مصر، ولما قد يحدث في بلدان أخرى لا تختلف كثيرا عن بلدنا.
ونظرا لأن الشعوب العربية ـ ويما فيها شعبنا ـ لم تعد تقبل بأن تقتات على الكلام، ولم تعد تهتم بالجهود "الجبارة" ولا بالجهود "المعتبرة" التي كانت ـ ولا زالت ـ تقدمها حكومتنا بانتظام على شاشة التلفزيون.
ونظرا لشعورنا العميق بأننا بعد عام ونصف لم نستطع أن ننجز شيئا مذكورا يمكن أن نقدمه للشعب الموريتاني الذي كان يتوقع منا أشياء كثيرة.
ونظرا لأنه ليس من اللائق أن يظل كل وزراء حكومتنا المحترمة يفتخرون ويشيدون بانجاز واحد أو انجازين، فتتحدث وزيرة الثقافة عن تشييد الطرق وكأنه من انجاز وزارتها، ويتحدث عنه وزير الصيد، ووزير التعليم، ووزيرة الخارجية....
ونظرا لشعور العديد من الوزراء بأن كرسي الوزارة أكبر بكثير من شخصه الكريم.
ونظرا لشعورنا العميق بأننا لم نستطع، ولن نستطيع أن نحقق ـ ميدانيا ـ البرنامج الطموح لفخامة رئيس الجمهورية.
ونظرا لأن بعض الوزراء قد يهدد بأن يحرق نفسه أمام القصر الرئاسي، إذا لم تقبل استقالته.
ونظرا للضيق الشديد الذي يعاني منه الوزراء بسبب اخفاقاتهم المتكررة، والذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
ـ وزير الصحة الذي يشعر بضيق شديد لأنه لم يحقق شيئا في وزارته المليئة بالفضائح المتعلقة بالصفقات، ولأنه أضاع وقته الثمين في خصومات بلا أول ولا آخر مع الأطباء، ومع المعارضة، وفي خصومات تسببت في خصومات ذات طابع اجتماعي.
ـ وزير الاتصال الذي يشعر بضيق شديد هو الآخر، لأنه بدلا من أن يحسن من أداء مؤسسات الإعلام الرسمي، وبدلا من أن يجعلها في وضع أحسن من وضعها في العهود " البائدة"، فقد أعادها إلى ما قبل المرحلة الانتقالية الأولى.
ـ وزير التعليم الثانوي الذي يشعر بضيق شديد، لأنه لا يستطيع أن يتفرغ لمهمته الوزارية الصعبة، ويفضل بدلا من ذلك أن يتفرغ للخصومات مع المعارضة.
ـ وزير "التعليم الكبير" الذي يشعر بضيق أشد، لأنه يعلم بأنه بعد سنة ونصف فشل في تحقيق ما استطاعت إمرأة واحدة بلا وزير معين أن تحققه في سنة واحدة.
ـ وزير المالية الذي يشعر بضيق شديد لأنه لا يفهم شيئا مما يجري في وزارته، ولا يعرف أصلا لماذا جيء به إلى هذه الوزارة، ولا يعرف في أي وقت قريب ستتم إقالته ، كما أقيل وزيران من قبله. وهو يشعر بالضيق كذلك لأنه لا يعرف كذلك أي شيء عما يحدث في إدارة الخزينة، ولا في إدارة الضرائب والتي لا تختلف عن الوزارة.
نظرا لكل ذلك، فإننا نتقدم إلى السيد رئيس الجمهورية ببيان الاستقالة هذا، ونشعر سيادته بأننا سنقوم بعملية احتراق جماعي في حالة رفض الاستقالة.
الناطق الشعبي باسم الحكومة.
30 يناير2011
تصبحون على حكومة جديدة...
الاثنين، 24 يناير 2011
مطاردة "شبح 2010"!

يتحدث الناس كثيرا في هذه الأيام عن "شبح 2010"، ويشتد الجدال بينهم حول حقيقة وجود ذلك الشبح من عدمها، ولا فرق في ذلك بين النخب والعامة، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين المعارضين والموالين. ومع أن الخلاف حول حقيقة الشبح يحتدم ـ في العادة ـ مع نهاية كل عام، إلا أن مستوى الخلاف في هذا العام، قد وصل إلى مستوى غير مسبوق، أعطى لشبح هذا العام أهمية خاصة، جعلته يختلف عن كل أشباح السنوات الماضية.
سبح ها العام يختلف عن أشباح الأعوام الماضية، لكثرة وحدة وسخونة الجدل الدائر حول حقيقته. فالبعض قد يحدثك عن هذا الشبح وكأنه يراه جاثما أمام عينيه، في حين أن البعض الآخر قد يقسم لك بأن هذا الشبح لم تطأ قدماه الأراضي الموريتانية في هذا العام (لا أدري إن كانت للأشباح أقدام يمشون بها، أوعليها).
والعجب العجاب أن الفريقين المتخاصمين لا يتفقان إلا على شيء واحد، وهو نعت كل من يقرر أن يبحث بنفسه عن حقيقة "شبح 2010" بأن به مس من جنون. فالفريق المنكر لوجود الشبح على الأراضي الموريتانية، يعتبر أن البحث عن شبح لا وجود له أصلا، هو نوع من الجنون. كما أن الفريق المصدق لخرافة الشبح، يعتبر هو أيضا أن البحث عن الشبح هو نوع من الجنون. فمن الجنون أن يبحث المرء عن حقيقة صارخة، إن التفت إلى الأمام رآها، وإن التفت إلى الخلف رآها، وإن التفت عن يمينه رآها، وإن التفت عن شماله رآها، وإن رفع بصره إلى السماء رآها، وإن أخفض بصره رآها تحت قدميه عريضة سوداء، بل أنه فوق ذلك، إن أغمض عينيه رآها، أو رُئيت له.
ونظرا للخلاف الكبير بين الناس حول حقيقة الشبح، ونظرا لتغيير شهاداتهم ـ من حين لآخر ـ حول حقيقة وجوده، نظرا لكل ذلك، فقد قررت أن أنقب عن "شبح 2010" في عدة "مقاطع" من الأراضي الموريتانية، وأن أقدم لكم نتيجة عملية التنقيب.
وتمنيت لو أن مجلس الوزراء منح لإحدى الشركات الأجنبية المتخصصة، رخصة للتنقيب عن الشبح، من بين تلك الرخص الكثيرة التي يمنحها عادة في كل مجلس، وتمنيت لو أنه أعفاني ـ أو جردني إذا أردتم ـ من مهمة التنقيب عن "شبح 2010"، والتي لا أملك لها إلا بعض الوسائل البدائية جدا، والتي كنت أستخدمها في "العهود البائدة" للتنقيب عن أشباح السنين الماضية والتي لم تثر من الجدل ما أثاره شبح هذا العام.
كانت أول وسيلة بدائية استخدمتها للتنقيب عن الشبح، هي التأمل في وجوه الناس. فالشبح عندما يظهر في مكان ما، فإن ظهوره ينعكس تلقائيا على وجوه الناس، الذين تغمرهم سعادة غريبة، وعارمة، تنتقل عدواها بشكل سريع جدا. فتكثر الابتسامات، وتختفي الخصومات، وتقل التجاعيد، وتنقص أعمار المواطنين سنين عددا، ليس بالطبع على طريقة التلفزيون الرسمي، الذي "اختلس" بمناسبة الخمسينية، ثلاثة عقود من أعمار الموريتانيين، ومن عمر دولتهم الفتية. وهي العقود الثلاثة التي كان من المفترض أنها تفصل ـ حسابيا ـ العام 1978 عن العام 2008.
المهم أن تأمل ملامح المواطنين أوحى لي بأن الشبح لم يظهر في هذا العام، الذي زادت فيه أعمار الناس، وكثر فيه غضبهم، وتعددت فيه خصوماتهم، وصاروا يتصارعون ويتخاصمون لأتفه الأسباب.
وبعد فشل "التقنية الأولى"، في العثور على آثار الشبح، قررت استخدام "تقنية ثانية"، في عملية التنقيب. وهذه التقنية تعتمد على زيارات "مفاجئة" لمطاردة الشبح، في أماكن مظانه، والتي يقول البعض بأنه ظهر فيها في العام 2010.
كانت البداية بالأحياء العشوائية التي يقطنها الفقراء، وكان أول شيء قمت به في تلك "الزيارات المفاجئة" التي لم تكلفني التحرك ولو لأمتار معدودة، هو أني بحثت عن الشبح في مطابخ الفقراء.
ولقد لاحظت بعد تفتيش تخيلي عميق، لعدد من تلك المطابخ، بأنه لا وجود لآثار الشبح في تلك المطابخ، التي تناقصت فيها ـ وبشكل لافت ـ كميات اللحوم البيضاء و الحمراء. كما تناقصت كمية "الأرز الفاسد" و"الأرز المصحح"، وتراجعت نسبة الزيت، واختفت الخضروات من وجبات الفقراء، خاصة في آخر العام، مما أعطى لتلك الوجبات لونا أبيض محايدا، يعكس حياد الفقراء، والذين تخلت غالبيتهم عن مساندة "رئيسهم"، دون أن يعني ذلك أنهم قد التحقوا فعلا بمعارضيه . لقد تراجع كل شيء في مطابخ الفقراء، إلا المرق الذي لا زال بإمكانهم أن يزيدوه بسنتيلترات مكعبة، على حساب الطعم طبعا، بعد توفر الماء، مع انطلاقة مشروع "آفطوط الساحلي".
لم يترك "شبح 2010" أثرا ـ أي أثر ـ في وجبات الفقراء، إلا أنه رغم ذلك لا يمكن الجزم بأنه لم يزر أحياءهم في هذا العام. فهناك أرقام ورموز مبهمة على البيوت والأعرشة، وهناك آثار "خراب"، تركها شيء ما، حاول أن يشق ـ بشكل عنيف ـ طرقا في العشوائيات، وذلك قبل أن يختفي تماما عن الأنظار. وقد يكون ذلك الشيء المتعجرف هو "شبح 2010" الذي أنقب عنه.
تركت العشوائيات، ووليت وجهي شطر "ساحة التحدي" أو ساحة "التغيير البناء"، يوم مهرجان "الأقلية الداعمة" للرئيس. أقول "الأقلية الداعمة" لأنها هكذا تظهر في البرلمان، فهي تفشل دائما في أن تكون ندا للأغلبية المعارضة. يمكن لكل قارئ أن يتأكد من أن الأغلبية البرلمانية أقلية، وأن الأقلية البرلمانية أغلبية، من خلال "تمرين سياسيي" بسيط، يتلخص في إعداد لائحتين: لائحة بكل أسماء نواب "الأقلية الداعمة" الذين يتذكر أسماءهم الآن، ولائحة بأسماء نواب "الأغلبية المعارضة"، ثم يقوم بعد ذلك بالمقارنة بين عدد الأسماء الموجودة في اللائحتين. بالنسبة لي لا أعرف أسماء العديد من نواب "الأقلية الداعمة" للرئيس، بل أن هناك نوابا لا أعرف إن كانت لهم القدرة على النطق أم لا، وهناك آخرون لم أشاهدهم، ولو لمرة واحدة، رغم أن مأموريتهم أوشكت على النهاية، ورغم أني لا أتابع في التلفزيون إلا مداولات البرلمان.
تركت العشوائيات، وتوجهت لمهرجان "التحدي". كنت أعلم أني إن ركبت حافلة إيرانية، فأسمع الركاب يتحدثون عن وجود الشبح. وإن ركبت سيارة أجرة ألمانية، فإن السائق والركاب سينكرون لي وجود الشبح. وسيتحدثون عن ارتفاع سعر البنزين، وعن ارتفاع الضرائب على السيارات، وعن أشياء أخرى كثيرة، تنفي وجود الشبح.
قررت أن أسافر خياليا إلى "ساحة التحدي"، دون اللجوء لاستخدام وسيلة نقل عام، حتى لا يتم التشويش على عملية التنقيب. كانت لوحة "التحدي" في مهرجان "الأقلية الداعمة" ناقصة، تنقصها شامة على الخد الأيسر، وكانت الشامة هي الغائب الوحيد، عن اللوحة الأصلية، التي تم تصحيحها مرتين، أولهما في أول أربعاء من أغسطس 2005، وثانيهما في أول أربعاء من نفس الشهر من العام 2008. المهم أن إحدى "المناضلات" التي تترأس أحد أحزاب "الأقلية الداعمة"، تحدثت عن الإنجازات الجبارة لصاحب الشامة، وذلك ربما لتعويض النقص الحاصل في اللوحة.
حاولت أن أجد تفسيرا لتغيير اسم الساحة، من ساحة "التغيير البناء"، إلى ساحة "التحدي"، وكان التفسير الوحيد لذلك التغيير، هو أن "التغيير البناء" استطاع أن يتحدى الفقراء الذين انتخبوه، وتمكن في وقت وجيز من أن يُعيد إلى واجهته، كل "أشباح" المفسدين الذين احتضنهم مرتين، بعد أن انقلب عليهم مرتين.
في اليوم التالي لمهرجان التحدي، وفي مقاطعة عرفات نفسها، انطلقت مظاهرات "التحدي" والتي نظمها أبناء الفقراء، لتحدي مهرجان "التحدي"، وأنكر الطلاب المتظاهرون في عرفات وجود الشبح، بعد أن أكد المشاركون في مهرجان التحدي وجوده.
تركت المهرجان والمظاهرات وأنا في حيرة من أمري، فهل أصدق المشاركين في المهرجان وأقر بوجود "شبح 2010"؟ أم أصدق الطلاب المتظاهرين وأنكر وجود ذلك الشبح؟ وهل أصدق ركاب الحافلات الإيرانية، أم أصدق ركاب سيارات الأجرة الألمانية؟ وهل أصدق المبنى الكبير لمستشفى "الصداقة" في عرفات، والذي يكاد يصرخ بحقيقة وجود "شبح 2010"؟ أم أصدق مستوى الخدمات الصحية، داخل مستشفى الصداقة، وداخل غيره من المستشفيات والمراكز الصحية، والتي تؤكد بأن وزارة الصحة لم يزرها شبح، لا في هذا العام، ولا في الأعوام التي سبقته؟
تركت تلك الأسئلة بلا إجابات، وقررت أن أتجه مباشرة إلى ثانوية عرفات لمواصلة مطاردة الشبح. توقعت أن أجد في ساحة الثانوية آلاف الطاولات المدرسية الفائضة عن احتياجات الثانوية. لقد كان من المفترض أن تكون وزارة التشغيل والدمج والتكوين المهني قد سلمت لوزارة التعليم قبل أن تلتحق بها 100.000 طاولة مدرسية، في إطار مشروع الطاولة المدرسية، الذي لم يعلن رسميا عن وفاته، رغم أنه قد تم الإعلان ـ وبكثير من التطبيل ـ عن ميلاده، في يوم "مشهود" من أيام التغيير البناء "المجيدة"، وهو اليوم الذي زار فيه الرئيس وبشكل مفاجئ الثانوية التجارية، بعد وصوله من زيارة مفاجئة لجمهورية إيران الإسلامية.
اكتشفت بعض آثار للشبح في بعض فصول الثانوية، ولكن بعد تحليل عميق لتلك الآثار تأكدت أنها تعود إلى السنة الدراسية 2007 ـ 2008. أما بعد تلك السنة الدراسية، فيمكن القول بأن الشبح لم يزر ثانوية عرفات ولا أي ثانوية أخرى. وقد لا يزورها في المستقبل القريب. فرئيس الجمهورية الذي وعد بمنتديات للتعليم، وطالب بعدم تسييسها، كان هو أول من سيُّس التعليم، عندما اختار للتعليم الثانوي وزيرا غارقا في السياسة حتى التراقي، ومعروفا بتصريحاته الحادة، التي لا زالت ـ مع تصريحات بعض المعارضين المتطرفين ـ تعيق قيام حوار بين "الأقلية الداعمة" و"الأغلبية المعارضة".
بعد "الزيارة المفاجئة" لثانوية عرفات، توجهت ـ خياليا ـ إلى محطة للبنزين بحثا عن الشبح. ولعل من أكثر الغرائب التي يمكن تسجيلها عند أي محطة للبنزين، هي أن البنزين كان يباع في البلاد بسعر أقل بكثير من سعره الحالي، رغم أن سعر النفط عالميا كان قد وصل في العهد السابق إلى 130 دولارا، في حين أن سعره لم يتجاوزفي العهد الحالي91 دولارا.
كانت محطة البنزين، هي آخر محطة أنقب فيها عن الشبح في " قطاع عرفات". بعد تلك المحطة توجهت فورا إلى بعض الوزارات. في وزارة الثقافة وملحقاتها، غابت الثقافة، وغابت الرياضة، وتُرك الشباب يواجه عدوه الأول (الفراغ)، وذلك بعد توقف جائزة شنقيط، وبعد تنازل نواكشوط عن لقب عاصمة للثقافة الإسلامية، وبعد إغلاق جميع دور الكتب، وبعد انسحاب الفريق الوطني من بعض التصفيات. في وزارة الداخلية لا يمكن توقع وجود الشبح، اللهم إلا إذا كان متخفيا في قانون إصلاح الحالة المدنية. في وزارة الصحة قد يكون من العبث التنقيب عن الشبح هناك. في وزارة المالية، لا يوجد ـ بالتأكيد ـ شبحا، وإنما توجد "عفاريت نشطة" لم تسمح لوزير المالية، ولا لمدير الضرائب، ولا لمدير الميزانية، أن يستقروا في مناصبهم. في وزارة التجارة كنت مضطرا للتنقيب عن الوزارة نفسها، قبل التنقيب عن الشبح في مكاتبها، فالوزارة لا زالت مختفية عن الأنظار منذ رمضان الماضي. في وزارة الاتصال، لا يمكن لخبراء التنقيب، والذين يملكون أحدث التقنيات، أن يجدوا أي أثر للشبح، لا في برامج التلفزيون، ولا في صفحات الشعب. الغريب أن وزير الاتصال يصر دائما، على أن يطلب منا ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ أن نتذكر الوضعية المزرية التي كانت توجد فيها مؤسسات الإعلام الرسمي، في العهود السابقة، وأن نقارنها بوضعيتها الحالية.وهنا تكمن المشكلة، فنحن لم نستطع أن ننسى "الوضعية المزرية" التي كان يتخبط فيها إعلامنا الرسمي في المرحلة الانتقالية الأولى. ومقارنة التلفزيون اليوم، بالتلفزيون في تلك المرحلة، هو الذي يجعلنا نتمنى أن يعود تلفزيوننا لوضعيته "المزرية" السابقة، والتي هي بالتأكيد أفضل من وضعيته التي هي أكثر من مزرية، والتي يتخبط فيها حاليا. لم أفتش ـ خياليا ـ في بقية الوزارات لأنها لا تختلف "جيولوجيا" عن الوزارات التي تم التنقيب فيها، عن شبح لم يزرها.
قررت بعد ذلك أن أسافر خياليا إلى قطاع آدرار، رغم أنه لا يمكن أن نتوقع وجود "شبح 2010"، في ولاية تهددها المجاعة، وخلفت فيها حمى الوادي المتصدع العديد من الضحايا. اللافت للانتباه في هذا "القطاع"، أن نائب الولاية، ترك لأحد نواب "الأغلبية المعارضة"، شرف توجيه سؤال شفهي لوزير الصحة عن الوباء. وقد كان من المفترض أن يوجه نائب الولاية السؤال الشفهي لوزير الصحة، ليس لأن الولاية المتضررة هي التي جعلت منه نائبا، وليس لأنه أولى من غيره بطرح همومها. بل لأن صحيفته البرلمانية، وصحيفة "الأقلية الداعمة" التي ينتمي لها، بحاجة لأن يكون فيها ـ على الأقل ـ سؤالا شفهيا واحدا. ولم يكن من المناسب أن يترك ذلك السؤال ـ الذي كان لابد له من أن يطرح ـ لنائب من "الأغلبية المعارضة"، في صحيفته، وفي صحيفة "الأغلبية المعارضة" التي ينتمي لها، العديد من الأسئلة الشفهية الهامة.
اتجهت ـ بعد ذلك ـ شرقا عبر شارع الأمل، ولم ألاحظ أي آثار للشبح، خاصة في القرى والمقاطعات التي تضررت من الأمطار في موسم الخريف الماضي، والتي لم يتم التعامل مع نكبتها بشكل مناسب. لا زالت مقاطعة الطينطان تعاني، ولا زال مقطع الطريق الفاصل بين مقاطعة كيفة والطينطان، في حالة مزرية، رغم مرور مدة طويلة وكافية لترميمه.
والمؤكد أن من يسافر عبر طريق الأمل، لن يدعو بخير لوزير التجهيز، ولا للحكومة، أثناء مروره بالمقطع المتضرر.
وفي مدينة لعيون لا يوجد أي أثر للشبح، ويكفي أن نعرف بأنه لا يوجد مقهى واحد للانترنت، في هذه المدينة الجميلة. وساعة الانترنت البطيء تكلف 500أوقية، على جهاز يستخدمه صاحبه كمقهى للانترنت بجهاز واحد. قبل 2005 كان يوجد في هذه المدينة، وفي كل عواصم الولايات مقاهي توفر الانترنت، بسرعة أكبر، وبسعر أقل.
ومما يجب الإشارة إليه، في ختام عملية التنقيب هذه، أنه قد واجهتني بعض المشاكل "الفنية"، لأنه في بعض الأحيان، كنت أجد أثرا لشبح دون أن أستطيع أن أحدد إن كان "شبح 2010"، أو شبحا آخر. وللتغلب على ذلك المشكل، قررت أن أنقب في أراضي بكر، إذا وجدت فيها آثار لشبح، أي شبح، فسيكون من المؤكد أنها آثار "شبح2010".
لم أستطع أن أسافر خياليا لعاصمة مقاطعة أظهر، فقد كانت انبيكت لحواش أبعد من أن يصل إليها خيالي الذي أنهكته الأسفار. المهم أني سمعت بأن الحكومة قد شيدت فيها مدرسة. وبالطبع فبإمكان الحكومة أن تقول بأنها فتحت مقاهي للانترنت في انبيكت لحواش، وأنها شيدت دارا للكتاب، وملعبا، ومسرحا، ودارا للشباب، ومنتجعا سياحيا، وعدة متاجر تبيع بالتخفيض. بإمكانها أن تقول كل ذلك، لأنه لا أحد بإمكانه أن يفند ذلك.
ولأني لم أستطع أن أسافر خياليا إلى مقاطعة أظهر، فقد قررت أن أسافر إلى أرض بكر أخرى، وهي تجمع "ترمسة" الذي يضم ـ نظريا ـ 22 قرية، والذي دشنه الرئيس. المفاجأة أنه لا يوجد أي أثر لشبح 2010، ولازال أهل القرى يرفضون الرحيل إلى "ترمسة" التي يقال بأن مياهها مالحة، وأنه لا يوجد في حدودها ما يشجع للرحيل إليها كالوديان أو السدود.
الخلاصة: لم أتوصل بمعلومات قاطعة، تثبت أن "شبح 2010 " قد ترك آثارا ملموسة، على الأراضي الموريتانية. تقول المعارضة في هذا الإطار، بعد تقييمها لحصاد 2010، بأنه لا أثر لأي أداء حكومي في العام 2010، وأنه من العبث البحث عن أثر لهذا الأداء، على الأراضي الموريتانية. أما الموالاة فإنها تقول بأن الأداء الحكومي في هذا العام كان متميزا، وغير مسبوق، وأنه من العبث البحث عن آثاره، لأن آثاره بادية في كل مكان.
أعتقد أنكم الآن لم تعودوا بحاجة لأن أقول لكم بأن المقصود بشبح 2010، هو الأداء الحكومي في العام 2010.
تصبحون على أداء حكومي أفضل... وإلى الأحد القادم إن شاء الله...
الخميس، 20 يناير 2011
اسمعوني يا سيادة الرئيس قبل أن...!؟

أرجوكم حاولوا أن تسمعوا أنيني قبل فوات الأوان..
أرجوكم حاولوا أن تسمعوا صراخي فقد بحت حنجرتي..
أرجوكم حاولوا أن تخففوا ـ قليلا ـ من همومي فقد احدودب كاهلي..
أرجوكم حاولوا أن تنصفوني فقد آن الأوان لأن تنصفوني..
أرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تفعلوا شيئا من أجلي فما عدت أطيق الانتظار..
وابشروا ـ يا سيادة الرئيس ـ فإني لن أفكر يوما في الانتحار..
ولن أرتكب أشنع الكبائر..
ولن أتحول أمام قصركم شعلة من نار..
ولو كان الانتحار من الفعل المباح..
لتمنيت أن تكون لي تسعة أرواح..
حتى أرسل لكم رسالة مشتعلة في كل صباح..
واحدة باسم "عجوز امبود" التي تمنت أن تكون ناقة..
وثانية باسم طفل شارع يقتات على القمامة..
وثالثة باسم عاطل عن العمل مأساته بلا نهاية..
ورابعة باسم ربة بيت لها مع الأرز والزيت والسكر ألف حكاية وحكاية..
وخامسة من "حمُّال" يناضل من أجل أبخس زيادة ..
وسادسة من مثقف لا يُسمح له أن يسمع صوته أو أن يظهر على الشاشة..
وسابعة من شاب لا يجد مكانا يمارس فيه أي هواية..
وثامنة من معوق بلا كفالة ولا إعانة ولا عناية..
وتاسعة من مغترب كأنه بلا سفارة..
*****************
تقول حكومتكم لأبطال رسائلي إنهم يعيشون في سلام..
وإن بطونهم ملئت بأشهى طعام..
وإن أطفالهم يدرسون بانتظام..
و ينجحون في كل عام..
وتقول إنها شيدت لهم دولة جديدة من تحت الركام..
يُعامل فيها الفقير بكل احترام..
ويُعالج فيها المريض من سيء الأسقام..
ويُحارب فيها المفسد بالعصي والسهام..
وتتعايش فيها الأعراق بوئام..
تقول لهم حكومتكم كثيرا من الكلام..
وتوزع عليهم شتى أصناف الأوهام..
فأرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تقيلوا حكومة الكلام..
فقد سئمنا العيش في دولة من كلام..
********************
وتقول لهم أغلبيتكم إنهم يعيشون عصر تبجيل الفقراء..
وإن عهدهم عهد تغيير بناء..
و إنهم لن يفترشوا الأرض ولن يلتحفوا السماء..
وتقول لهم إن بيوتهم تنار بالكهرباء..
ويتدفق من داخلها الماء..
وتقول لهم إن مستشفياتهم مليئة بالدواء..
وإن المقاطعات الجديدة تُشيد لهم في كل صحراء وبيداء..
وإن المفسدين يعيشون في عزلة وجفاء..
وإن الإرهاب لم يعد قادرا على إراقة الدماء..
ويقول لهم معارضوكم إنهم يعيشون عصر حفنة من الأغنياء..
وإن العهد عهد ابتلاء..
وإنهم لا زالوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء..
وإن مستشفياتهم خالية من الدواء..
ومتاجرهم لم يعد لها زبناء..
وتقول لهم إن الصفقات تمنح للأقارب والأصدقاء..
والتعيينات أصبحت حكرا للحلفاء..
والعمال أصبحوا بلا رواتب كالعبيد والأرقاء..
تقول أغلبيتكم لأبطال رسائلي بأنهم يعيشون في نعيم ما بعده شقاء..
ويقول لهم معارضوكم بأنهم يعيشون في شقاء ما بعده شقاء..
ويتبادل الفريقان الشتائم بسخاء..
ويتلفظون بكلمات نابية بلا حياء..
ويسمع أبطال رسائلي الكثير من الهراء..
والحقيقة أن ما تقوله لهم أغلبيتكم هراء..
وما يقوله معارضوكم هراء..
وهم قد سئموا العيش في دولة لا تتقن نخبها إلا الهراء..
إنه يحلمون بنخب تقدم بعض الأفكار..
لتخفف قليلا من حدة الأسعار..
ويحلمون بنخب تفكر بإبداع..
لتزيل الهموم والأوجاع..
ولتطعم بعض الجياع..
*****************
أرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تستمعوا مباشرة للبسطاء..
أن تستمعوا إلى أنينهم دون وسطاء..
وأن تهدموا السور العظيم الذي شيدتموه بينكم وبين الفقراء..
الذين صوتوا لكم بكثافة على التغيير البناء..
فما تقوله عنهم أغلبيتكم مجرد هراء..
وما تقوله المعارضة كذلك مجرد هراء..
و تصفيق الأغلبية لن يتحول إلى إنجاز..
وجفاء المعارضة لن يخفيَّ ما تحقق من إنجاز..
واعلموا أن هؤلاء البسطاء..
لن يكتموا قرص دواء..
قدمته حكومتكم ذات صباح أو مساء..
حتى ولو أنشدت المعارضة ألف قصيدة هجاء..
واعلموا أن تصفيق أغلبيتكم والتي هي أغلبية كل الرؤساء..
لن يجعل أولئك البسطاء يحسبون قرص دواء..
كلفهم كثيرا من الجهد والعناء..
ضمن إنجازات التغيير البناء..
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد...وإلى الرسالة المفتوحة التاسعة عشر إن شاء الله.
الأحد، 16 يناير 2011
برقية عاجلة إلى رئيس الجمهورية

سيدي الرئيس،
نظرا للارتفاع العالمي المذهل لأسعار المواد الأساسية، ونظرا لما حدث في بعض الدول الشقيقة، والذي لا يوجد أي بلد محصن ضده، ونظرا لنتائج اجتماع مجلس الوزراء الأخير والذي لم يستجب للأسف الشديد، في هذه المرحلة الحرجة، لتطلعات الفقراء بصفة عامة، ولا لتطلعات العاطلين عن العمل، والذين وجهوا رسائل عديدة، يبدو أن الحكومة لا تريد أن تقرأها بشكل صحيح.
نظرا لكل ذلك، فقد ارتأيت أن أكتب لكم هذه البرقية على وجه السرعة، وذلك لأقول لكم
بأن الكثير من الفقراء، قد أصبح يعيش حالة إحباط شديد نتيجة لأسباب عدة من بينها:
1 ـ لم يكن الفقراء الذين صوتوا لكم، يتوقعون منكم أن تحتضنوا ـ وفي وقت قياسي ـ أغلب مفسدي موريتانيا، رغم أنكم تمكنتم من الاستغناء عنهم، أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، والتي كنتم تحتاجون فيها لأصواتهم. ولقد زاد مهرجان الأغلبية الأخير من حدة إحباط أولئك الفقراء.
2 ـ إن الفقراء الذين انتخبوكم لم يتوقعوا أن تُسد قنوات الاتصال بينكم وبينهم، خاصة في هذه الفترة التي قد يكون فيها لسد قنوات الاتصال بين الرئيس وشعبه، كلفة باهظة، وباهظة جدا. لقد أصبح من اللازم تأسيس ديوان للمظالم، مع الفتح الفوري لوسائل الإعلام الرسمي، وبشكل نهائي، أمام المواطنين العاديين، وأمام حملة الشهادات العاطلين، وأمام نخب كثيرة تم تهميشها وإقصاؤها وحرمانها من قنوات الإعلام الرسمي.
3 ـ إن استقرار الدول والأنظمة، لم يعد بالإمكان تحقيقه من خلال النخب، ولا من خلال "المفسدين"، ولا حتى من خلال الحوار مع المعارضة، رغم أهمية ذلك الحوار. إن ذلك الاستقرار لم يعد يمكن تحقيقه إلا من خلال الإصغاء الجيد للفقراء، مع المحاربة الجادة والفعلية للفقر والجوع والبطالة.
4 ـ لا جدال في أهمية تشييد الطرق التي تعطي لعاصمتنا الفتية وجها جميلا، ولا جدال في أهمية حمايتها بحزام أخضر، لا جدال في كل ذلك. ولكن تجميل العاصمة أو حمايتها قد يحتمل التأخير لأشهر أو لعام، إلا أن دعم الأسعار، وخلق فرص عمل، لم يعد يحتمل التأخير في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية في الأسواق العالمية، وفي ظل الاحتجاجات الاجتماعية المتنامية، و التي لا يوجد أي بلد بمنأى عنها.
5 ـ لا جدال في أن إعداد برامج واستراتيجيات لمحاربة الغلاء في المستقبل هو أمر في غاية الأهمية، ولا جدال في أهمية زراعة القمح والسكر، ولا جدال في أهمية العمل على زيادة الإنتاج من اللحوم والألبان، إلا أن ذلك كله، لا يبرر إطلاقا عدم اتخاذ إجراءات فورية للحد من آثار الغلاء. كما أنه لا يبرر عدم التدخل المباشر لسونمكس، والتي يجب أن تتدخل فورا لاستيراد بعض المواد الغذائية، وبيعها بأسعار معقولة بدعم من الدولة.
6 ـ إن الأولوية في هذه المرحلة الحرجة يجب أن تمنح أولا، وثانيا، وثالثا، لخلق فرص عمل، و لدعم الأسعار، خاصة إذا ما ظلت الأسعار العالمية، في ارتفاع متواصل. كما أنه قد أصبح من الضروري تشكيل لجنة وزارية تعمل من أجل التخفيف من آثار الغلاء، خاصة في الأوساط الأكثر فقرا.
سيدي الرئيس،
أما فيما يخص البطالة، فقد كنا نتوقع من مجلس الوزراء، أن يتخذ إجراءات عاجلة لخلق فرص عمل جديدة، من أجل الحد من البطالة التي بلغت نسبتها في بلدنا أعلى نسبة في المنطقة. ولم نكن نتوقع من الحكومة أن يقتصر دورها في مكافحة البطالة، على جمع أعداد المكتتبين في وزارات ظلت في كل عام تكتتب موظفين، وتقديم تلك الحصيلة مجتمعة على أنها تشكل انجازا كبيرا. ولقد كنا نتوقع من الحكومة بدلا من ذلك أن تقوم ببعض الإجراءات الفعلية من قبيل:
1 ـ التزام الحكومة بتوفير فرصة عمل، لكل أسرة تضم أكثر من ثلاثة عاطلين من حملة الشهادات، وذلك للتخفيف من مستوى تركيز البطالة في الأسر الأكثر فقرا.
2 ـ كنا نتوقع أن يتم الإعلان عن تأسيس صندوق يوفر تعويضات اجتماعية للعاطلين عن العمل، خاصة منهم أولئك الذين قضوا على الأقل خمسة سنوات بعد التخرج، دون الحصول على وظيفة.
3 ـ لقد كنا نتوقع أن يتم اتخاذ إجراءات جدية، كضخ دماء جديدة، في وكالة تشغيل الشباب، وكتوفير موارد جديدة لهذه الوكالة، وذلك لكي تستعيد هذه الوكالة دورها الذي تخلت عنه منذ مدة.
4 ـ ولقد كنا نتوقع اتخاذ إجراءات " ثورية" للحد من البطالة، كأن تتنازل الدولة مثلا عن حصتها في شركة النقل العمومي، لصالح حملة الشهادات العاطلين عن العمل، وذلك لكي يكونوا مساهمين مع رجال الأعمال في تلك الشركة، التي تم فتح رأسمالها أمام رجال الأعمال. ومثل ذلك الإجراء كان سيوفر لآلاف العاطلين عن العمل مصدرا للعيش الكريم.
سيدي الرئيس،
لقد آن الأوان لأن يُفتح لحملة الشهادات العاطلين عن العمل بصيص أمل، وقد آن الأوان لأن تتاح لهم إمكانية العيش الكريم في بلدهم، وذلك لكي لا يلجؤوا لتصرفات يائسة وطائشة، قد تتسبب في خسائر كبيرة، وقد تكلف ما كان يكفي لدمج أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد...وإلى الرسالة الثامنة عشر إن شاء الله.
الثلاثاء، 11 يناير 2011
ماذا نريد من الزعيم "مسعود"؟

هذا المقال ليس إلا امتدادا لمقال بعنوان "الانقلاب الأسمر"، الذي كتبته منذ عام تقريبا، وخصصته للحديث عن بعض التصريحات، التي أطلقها ـ في ذلك الحين ـ بعض قادة حركة الحر، لكي يمهدوا بها لإعلان بيانهم الأول للانقلاب على زعيم ومؤسس الحركة.
بعد نشر ذلك المقال، تلقيت ردودا متباينة ومتناقضة، من بينها ردود غاضبة، اعتبر أصحابها ـ سامحهم الله ـ أن اختيار الموضوع، كان نتيجة لسوء نية. كما اعتبروا أن الخلافات التي تحدثت عنها، مجرد خلافات وهمية، لا أساس لها من الصحة.
وبعد مرور عام تقريبا، تبين أن تلك الخلافات، لم تكن مجرد خلافات تخيلية أو وهمية، وذلك بعد أن أفضت ـ في مطلع هذا العام ـ إلى إعلان البيان الأول، الذي اعتبره البعض ـ ولهم الحق في ذلك ـ مجرد بيان فاشل، لمحاولة انقلابية فاشلة. في حين أن البعض الآخر، اعتبره مقدمة لـ "حركة تصحيحية"، كان لابد منها، لتصحيح مسار نضال حركة الحر.
ويعتقد " المنقلبون"ـ أو "المصححون"إذا ما أرادوا تسميتهم بذلك ـ أن مسار الحركة، بدأ ينحرف عن الاتجاه الصحيح. وأن السبب في ذلك، يعود إلى تخلي الزعيم "مسعود" عن دوره النضالي الحركي، لصالح دوره الوطني المتنامي.
وهذه الحجة بالذات، هي التي جعلتني أعود إلى الموضوع من جديد، وذلك لأتحدث بشكل أكثر تفصيلا، عن فقرة أوردتها في مقال "الانقلاب الأسمر"، لتبيان أهمية التوفيق بين الدورين : الحركي والوطني.
وقد جاء في تلك الفقرة ما نصه: " إن الزعيم "مسعود" سيبقى أعظم هبة قدمتها موريتانيا لحركة الحر، كما أنه سيبقى ـ في المقابل ـ أعظم هبة قدمتها حركة الحر لموريتانيا. لذلك فإنه لا يجوز لحركة الحر أن تحتكره، وتحرم موريتانيا منه. كما أنه لا يجوز لموريتانيا أن تحتكره، وتحرم الحركة من زعيمها المؤسس."
وفي ظل تطورات الأحداث، التي تعرفها الحركة اليوم، فقد ارتأيت العودة إلى هذه الفقرة من المقال المذكور، لأن ما ورد فيها قد يرى البعض أنه مجرد كلام نظري جميل، وذلك لأبين أن الزعيم "مسعود" بإمكانه ـ وهو ما يفعله بجدارة ـ أن يوفق بين النضال من أجل الشريحة، والنضال من أجل الوطن. وأنه لا تناقض ـ على الإطلاق ـ بين النضالين، إلا في أذهان بعض"المنقلبين"، أو "المصححين"إذا ما أرادوا تسميتهم بذلك.
ومن الغريب حقا، أن يطلب البعض من الزعيم " مسعود"، أن يتجاهل أنه يعيش اليوم في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وأن يطلب منه أن يعود إلى نفس أساليب النضال، التي كان يمارسها في نهاية السبعينات، من القرن الماضي.
وإنه لمن الغريب كذلك، أن يُطلب من هذا الزعيم، أن يتجاهل الانجازات الكبيرة التي تم تحقيقها خلال العقود الماضية، والتي من بينها ترسانة قوية من القوانين، لا زالت ـ بطبيعة الحال ـ تحتاج لجهد كبير، من أجل العمل بها. ومن الغريب أيضا، أن يُطلب منه أن يتجاهل أن مكافحة الرق، لم تعد كما كانت في الماضي، ولم تعد قضية شريحة، بل أصبحت مطلبا وطنيا، لدى كل القوى السياسية، حتى وإن كان لا يزال عند الكثيرين مجرد مطلب نظري،لا يترتب عليه أي عمل ميداني. فكيف يُطلب ـ إذاً ـ من الزعيم "مسعود" أن يتجاهل كل ذلك؟ وكيف يُطلب منه أن يضيع الفرصة الكبيرة المتاحة له اليوم، والتي لم تأت صدفة، وإنما جاءت ثمرة لعقود من النضال المتواصل؟ فكيف يطلب منه أن يتنازل عن قيادة حركة وطنية كبيرة ومتنامية لمكافحة الرق، تشارك فيها كل القوى السياسية، وإن بدرجات متفاوتة جدا، وذلك لكي يحافظ على قيادة حركة الحر، التي لم تعد صالحة للبقاء بلبوسها القديم، بعد أن أدت دورها ، كاملا غير منقوص، في مكافحة الرق، وباعتراف الجميع.
لم تعد حركة الحر، بزيها وبلونها التقليدي، صالحة للبقاء. ولم يعد بإمكان الزعيم "مسعود" ـ حتى وإن أراد ذلك ـ أن يعود بالتاريخ إلى الوراء، ولم يعد بإمكانه ـ كذلك ـ أن يدير ظهره لآلاف الموريتانيين، من الشرائح والأعراق الأخرى، والذين يعلقون عليه آمالا كبيرة، لا تقل عن مستوى الآمال، التي يعلقها عليه أنصاره من شريحة لحراطين.
ولكن في المقابل، أليس من الظلم أن نطلب من الزعيم "مسعود"، أن يتعامل مع البسطاء من شريحته، والذين رفعوه مكانا عليا، كما يتعامل مع أنصاره من الشرائح الأخرى؟
ألا يستحق أولئك معاملة متميزة، لأنهم هم الذين يرجع لهم الفضل في تقديم الزعيم " مسعود" إلى كل الموريتانيين؟ ألا يستحق أولئك البسطاء "تمييزا إيجابيا" من الزعيم " مسعود" ، وهم الذين يستحقون ذلك التمييز ـ باتفاق الجميع ـ من طرف الحكومة، ومن طرف كل القوى السياسية الأخرى؟
في اعتقادي الشخصي، أن هناك دورين أساسيين، يجب أن يلعبهما الزعيم "مسعود"، في الحاضر، وفي المستقبل المنظور، لصالح شريحة لحراطين، وهما يشكلان ـ بالتأكيد ـ امتدادا لنضال حركة الحر، ولكن بأساليب ووسائل جديدة، لا تتناقض، ولا تتعارض ـ بأي حال من الأحوال ـ مع مكانته الوطنية المتميزة، التي أصبح يتمتع بها.
وقبل الحديث عن هذه الدورين الأساسين، قد يكون من المناسب، تقديم بعض الملاحظات، عن قضايا ذات صلة بالموضوع، يتزايد الحديث عنها منذ مدة.
الملاحظة الأولى: لا خلاف في أن مكافحة الاسترقاق، ومخلفات الرق، يجب أن تكون على رأس القضايا التي على الموريتانيين أن يناضلوا في سبيلها. ولا خلاف أيضا في أن من تفرغ للدفاع عن تلك القضايا العادلة، يستحق من الجميع احتراما وتقديرا خاصا، ولكن ذلك لا يشرع، بأي حال من الأحوال، لبعض المدافعين عن تلك القضية العادلة، أن يتجاهلوا المصالح العليا للوطن، والتي يجب أن تظل فوق كل المصالح العرقية، أو السياسية، أو الجهوية، أو القبلية. كما أن شرف الدفاع عن تلك القضية العادلة، لا يمنح لصاحبه بطاقة تأمين ضد النقد إذا ما أخطأ. ولا يجيز له انتقاد الشرائح، و الأعراق الأخرى، بعبارات مسيئة ونابية.
الملاحظة الثانية: إنه ليس من العدل تحميل الأجيال الحالية أوزار غيرها. كما أنه ليس من الحكمة أن ننبش التاريخ كثيرا، وليس من المفيد أن ننقب عن كل الصفحات السوداء في تاريخنا، وأن نقدمها من جديد، لتحميل الأجيال الحالية أخطاء آبائهم وأجدادهم الذين مارسوا العبودية ـ وأشياء أخرى ـ بشكل مشين.
إن في تاريخنا القريب والبعيد، آلاما كثيرة ليست محصورة فقط، على ممارسة العبودية بأبشع صورها. فهناك قبائل أبادت تقريبا قبائل أخرى، وهناك مقاومون استشهدوا في معارك شارك فيها موريتانيون مع المستعمر الفرنسي، لذلك فإن نبش التاريخ سيفتح جراحا مؤلمة كثيرة. كما أن بعض الأرقاء السابقين يتحملون أيضا جزءا من المسؤولية، فالفقر لا يبرر بيع الأبناء بسعر زهيد، وعدم تكافؤ القوة لا يبرر كذلك عدم الدفاع عن النفس.
ورغم ذلك، فإذا كان لا يمكن تحميل جرائم الماضي للأجيال الحالية، فإن جرائم الحاضر تتحمل مسؤوليتها ـ وبشكل كامل ـ أجيالنا الحالية، والتي يجب عليها جميعا، كل من موقعه، أن يشارك في فضحها، وكشفها، والدفاع عن ضحاياها. ولم يعد من اللائق أن تظل تلك المهمة مقتصرة على بعض نشطاء شريحة لحراطين، وإن كان يجب عليهم أن يكونوا في الصفوف الأمامية. ولم يعد من اللائق أن يتواصل غياب أبناء الشرائح الأخرى، عن تلك المهمة الوطنية النبيلة، والسامية. و أتمنى أن يتمكن "حراس المستقبل"، بعد أن يحصلوا على الترخيص القانوني، من لعب دور فعال في هذا المجال.
الملاحظة الثالثة: إن الدفاع عن القضايا العادلة، ومناصرة المظلومين، تستدعي قدرا كبيرا من الحيطة والحذر. فالمدافع عن القضايا العادلة عليه أن لا يستخدم إلا الوسائل القانونية، والأساليب الشفافة، حتى لا يسيء إلى القضية التي يدافع عنها.
كما أنه مطالب ـ قبل غيره ـ بمناصرة كل صاحب مظلمة، بغض النظر عن دين ذلك المظلوم، أو انتمائه، أو وطنه. وتزداد المناصرة إلحاحا، عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، والتي تشكل أبشع مظلمة معاصرة. لذلك فإن إطلاق بعض المواقف المعادية للقضية الفلسطينية، لا يسيء لتلك القضية، بقدر ما يسيء لمن يطلق تلك المواقف، خاصة إذا كان من أطلقها يدعي النضال في قضية عادلة كمحاربة الاسترقاق. لقد ناصر "نلسون مانديلا" كل المظلومين في العالم، خاصة العرب الذين لا تربطه بهم أي صلة. فقد عُرف هذا المناضل الكبير، بمواقفه الشجاعة الداعمة للشعب الفلسطيني، والمناصرة للشعب العراقي.
الملاحظة الرابعة: إن الذين ينتقدون اليوم الزعيم "مسعود"، إنما يمدحونه من حيث لا يشعرون. فالبعض انتقده لأنه تخلى عن بلدية نواذيبو في العام 2006. ولقد فات أولئك بأن تخليه عن تلك البلدية، ترك أثرا طيبا على العمل السياسي، وأضفى عليه مسحة أخلاقية كان ـ ولا يزال ـ في أمس الحاجة إليها. والذين ينتقدونه لاعتذاره "للأسياد" في الانتخابات الرئاسية الماضية، قد فاتهم أن ذلك الاعتذار رفع الزعيم "مسعود" إلى أعلى سلم النضال، وجعله ندا لمناضلين عالميين تركوا بصمات متميزة في النضال ضد العنصرية، والعبودية، والتمييز بكل أشكاله. في الوقت الذي شكلوا فيه صمام أمان، في بلدانهم، ضد حروب أهلية كانت شبه مؤكدة. لقد دعا "نيلسون مانديلا" سجانه السابق "كريستو براند" للاحتفال بعيد ميلاده 91، وشدد "مانديلا" على أهمية العلاقة التي تربطه بسجانه السابق، وقال: "إن تلك الصداقة، عززت مفاهيمي للإنسانية، حتى مع أولئك الذين أبقوا عليَّ خلف القضبان".
أما في أمريكا، فقد رفضت "روزا باركس" في الخميس الأول من ديسمبر من العام 1955، أن تترك مقعدها في الحافلة لرجل أبيض. وهو ما شكل بداية لنضال طويل، كاد أن يغرق أمريكا في بحر من الدم، لولا أن "مارتن لوثر كينج" اختط للمقاومة، طريقا يعتمد على مبدأ "اللا عنف"، أو "المقاومة السلمية" . ولقد كان ذلك المناضل الأسود يردد دائما، كلمة يقال أنها للمسيح عيسى عليه السلام : "أحب أعداءك، واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيؤون معاملتك".
وفي الحقيقة، فإني لست ممن يرغب في الحديث عن الواقع الموريتاني بمفردات من خارجه. ولم أكن أرغب في أن أجعل من نضال شخصيات خارجية، مرجعا للحكم على نضال شخصيات وطنية، تشكل مرجعا في النضال ضد الرق ومخلفاته. لم أكن أرغب في ذلك، إلا أن استشهاد البعض بأولئك المناضلين العالميين، لتبرير خطابات تتعارض مع خطاباتهم التي عُرفوا بها، هو ما دفعني لذلك.
أما فيما يخص الدورين الأساسيين اللذين يجب أن يعلبهما الزعيم المؤسس لحركة الحر، لصالح شريحة لحراطين، فهما:
أولا : توفير الدعم المعنوي والسياسي لشباب الشريحة، الذي يتفرغ للنضال ضد الاسترقاق ومخلفاته ، خاصة منهم، أولئك الذين يملكون رؤية واضحة، تنسجم مع رؤية الزعيم "مسعود"، ولا يجدون دعما وطنيا ولا دوليا، ويتم تغييبهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ من طرف الصحافة المستقلة، التي تهتم ـ في أكثر الأحيان ـ بالإثارة، أكثر من اهتمامها بالقضية نفسها.
ثانيا : إن أهم شيء يمكن أن نقدمه اليوم لرب أسرة حرطاني، أو عموما لرب أسرة فقير،هو أن ندربه على مهارات، يمكن أن يحولها إلى نقود، تنعكس إيجابا على مستوى معيشة أسرته. أو أن نعلمه القراءة والكتابة. وإن أهم ما يمكن أن نقدمه للشاب الحرطاني الحامل لشهادة جامعية، أو لحامل الشهادة الفقير عموما، والذي لا يستطيع أن ينافس على الفرص القليلة المتاحة لأنه لا يملك وساطة، إن أهم شيء يمكن أن يقدم له، هو أن نكونه مجانا في المعلوماتية، أو في لغة أجنبية، حتى يستطيع أن ينافس على الفرص القليلة المتاحة، وحتى يستطيع أن يجد بديلا للوساطة التي لا يملكها. وإن أهم شيء يمكن أن نقدمه للطالب الحرطاني، أو للطالب الفقير عموما، هو أن نوفر له دروس تقوية مجانية، حتى يستطيع أن ينافس في المدرسة، و في الجامعة، زملاءه من الطلاب الذين تعلموا في مدارس خاصة، أو الذين يحصلون على دروس خصوصية في أسرهم. إن هناك أشياء عديدة أخرى، في غاية الأهمية، يمكن أن نوفرها للمئات من الفقراء، من خلال مؤسسات تنموية لا يكلف إنشاؤها وتسييرها لعام كامل، إلا أربعة ملايين أوقية. حيث أن فتح تسع مؤسسات من هذا النوع، في مقاطعات العاصمة التسع، ولمدة سنة كاملة، لا يكلف إلا ستة وثلاثين مليون أوقية.
فلماذا لا يؤسس الزعيم "مسعود" مؤسسة تنموية خيرية باسمه، وهو القادر بحكم مكانته وعلاقاته على الحصول لتمويل لها من الهيئات والمؤسسات الدولية المختصة؟ وإذا كان الزعيم "مسعود" قد أطلق في نهاية السبعينات شرارة النضال السياسي ضد العبودية، وحقق بذلك النضال الكثير من الإنجازات، فلماذا لا يطلق اليوم شرارة "النضال التنموي" ضد بقايا ومخلفات الرق، من خلال تأسيس مؤسسة تنموية خيرية، هي أهم ما يحتاج إليه لحراطين اليوم؟ ولماذا لا نخصص هذا العقد للنضال التنموي ضد الرق ومخلفاته ؟ ولماذا لا نجعل من "مؤسسة مسعود الخيرية للتنمية الاجتماعية" بداية لتنافس سياسينا على العمل الخيري، لكسب " أصوات" لحراطين وغيرهم من الفقراء. ومن المؤكد، أن التنافس في العمل الخيري، سيمنح لسياسينا في الدنيا ـ إذا كانت لا تهمهم إلا الدنيا ـ "أصواتا" تفوق بكثير ما كانوا يحصلوا عليه سابقا، من خلال إنفاق مبالغ طائلة على الخيام، والصور، ومكبرات الصوت، وأشياء سخيفة أخرى.
تصبحون على "نضال تنموي" ضد مخلفات الرق... وإلى الأحد القادم، إن شاء الله..
الثلاثاء، 4 يناير 2011
الشعارات لن تطعم جياع2011

كل الدلائل تشير إلا أن العام 2011 سيشهد احتجاجات اجتماعية قوية، إذا لم تتخذ السلطات الحالية ـ وعلى عجل ـ تدابير استثنائية لتفادي تلك الاحتجاجات. والأسباب التي قد تؤدي لتلك الاحتجاجات عديدة، منها ما هو خارجي، ومنها ما هو داخلي. منها ما هو موضوعي، ومنها ما هو شكلي. منها ما هو نتيجة لكلفة بعض القرارات الإصلاحية، ومنها ما هو نتيجة للاستمرار في بعض الممارسات الخاطئة.
لقد تفاعلت تلك الأسباب المتعددة تحت السطح، بما فيه الكفاية، ولم تعد تنتظر لكي تطفو عليه، في شكل احتجاجات شعبية عارمة، لا يمكن السيطرة عليها، إلا شرارة البداية، تلك الشرارة التي يستحيل التنبؤ بتوقيتها، أو بمكان اشتعالها.
و لن تختلف الاحتجاجات المتوقعة في أي لحظة، عن "ثورة الجياع" التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس السابق، لن تختلف عنها، لا من حيث الاتساع، ولا من حيث سرعة الانتشار، ولا من حيث غرابة مكان انطلاقة الشرارة. وهي لن تختلف ـ كذلك ـ في سماتها البارزة، عن الاحتجاجات التي عرفتها دول عديدة من العالم في السنوات الأخيرة.
وموجات الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة، التي اكتسحت دول العالم في السنوات الأخيرة، والتي يبدو أنها ستشكل ـ في المستقبل ـ بديلا للاحتجاجات التقليدية، تتسم في أغلبها بالعفوية. فهي احتجاجات بلا رؤوس وبلا قيادات، فثورة الجياع مثلا لم يكن لها قادة. ولم تستطع السلطة أن تُحَمِّل مسؤوليتها لقادة المعارضة الذين فوجئوا بها، تماما، كما فوجئت بها السلطات الحاكمة.
كما أنها قد تنحرف عن مسارها الأصلي لتتخذ أشكالا عنيفة وتخريبية، نظرا لغياب قيادات توجهها وتحدد مسارها.
أضف إلى ذلك صعوبة التعامل معها أمنيا، فهي ليست لها رؤوس يانعة تقطف. كما أن جمهورها غير متجانس، وهو بالضرورة قد لا يكون كله معارضا للسلطة. فثورة الجياع ـ مثلاـ كانت أكثر حدة في المناطق المحسوبة على السلطة، وفي المناطق غير المعروفة أصلا بالاحتجاجات ( مقاطعة كنكوصة مثلا).
كما أن هذه الاحتجاجات قد تستغلها الأحزاب السياسية المعارضة، والنقابات، و كل القوى السياسية التي فقدت منذ مدة القدرة على الفعل، وعلى تحريك الجماهير. واستغلال تلك القوى السياسية والنقابية لذلك النوع من الاحتجاجات، ودخولها في خط المواجهة، يمنح ـ عادة ـ لتلك الاحتجاجات فعالية أكثر، وقدرة أكبر على التأثير، كما حدث في احتجاجات تونس الأخيرة.
موريتانيا وتونس:
قبل الحديث عن الأسباب والدوافع التي قد تؤدي إلى ثورة جياع ثانية، قد يكون من المناسب تقديم مقارنة خاطفة بين موريتانيا وتونس، من خلال بعض المؤشرات التنموية، وذلك لكي نعرف كم هو صبور الفقير الموريتاني، وكم هو طيب، ووديع، وبريء. وربما تساعدنا تلك المقارنة، في أن نلتمس العذر للفقراء الموريتانيين، وأن نتفهم احتجاجاتهم القادمة، والتي تؤكد كل المؤشرات بأنها ستكون عنيفة وقوية، إذا ما ظلت الأمور تُدار بنفس الأسلوب، وتَسَير بنفس الوتيرة، وتَسِير في نفس الاتجاه.
وإذا كان بلدنا متقدما على تونس في المجال السياسي، وفي مجال الحريات العامة، إلا أنه في المجالات الأخرى لا يمكن مقارنته بها. هذا إذا ما استثنينا "جامعاتنا" التي قال عنها وزير التعليم ـ الذي تمت ترقيته ـ أنها أكثر تطورا من الجامعات التونسية.
فنسبة التونسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر لا تصل إلى 10%، أما في بلدنا فإنها تزيد على 42%. ومتوسط دخل الفرد التونسي، يساوي تقريبا متوسط دخل أربعة موريتانيين. ونسبة الأمية في تونس لا تصل إلى 20%، أما في موريتانيا فالنسبة تقترب من 50%. وتونس تحتل الرتبة 59 عالميا حسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية. في حين أن بلدنا وبعد حربه "الشرسة" ضد الفساد، لا زال يقبع في الرتبة 143 عالميا. وفي تونس التي يتجاوز سكانها 10 ملايين، والتي لا تمتلك من الثروات ما نملك، لم تتجاوز نسبة البطالة فيها 14%، في الوقت الذي وصلت نسبتها في بلدنا إلى 32%.
و معاناة المُعَطلين عن العمل في موريتانيا، لا يمكن مقارنتها بمعاناة أشقائهم العاطلين عن العمل في تونس، والذين قادوا موجات الاحتجاجات القوية، التي هزت تونس في الأيام العشر الأواخر من العام2010.
لقد عانى المعطلون عن العمل في موريتانيا كثيرا، ومعاناتهم تزداد حدتها يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ونظاما بعد نظام. فقد تراجع دور وكالة تشغيل الشباب كثيرا، ولم تعد هذه الوكالة قادرة على توظيف المئات من حملة الشهادات في وظائف مؤقتة، كما كانت تفعل في الماضي. ولم تعد قادرة على تمويل مئات المشاريع الصغيرة لأصحاب الشهادات.
لقد ظل دور هذه الوكالة يتراجع، قبل أن يتوقف تماما منذ 6 من أغسطس 2008.ولقد برر الرئيس هذا التوقف في لقائه بالشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، بأنه توقف مقصود ومتعمد. فالوكالة تنتظر ـ حسب رئيس الجمهورية ـ تخرج حملة الشهادات المكونين في معاهد التكوين المهني، لتمويل مشاريع معتبرة لصالحهم.
و تخرجت أول دفعة من حملة الشهادات، بعد أن تم تكوينها مهنيا لمدة عامين، وبلغ عددها 77 خريجا. لكن المفاجأة والصدمة، هي أن هذه الدفعة التي توقف نشاط الوكالة كله، في انتظار تخرجها، حسب ما جاء في "لقاء الشعب"، قد تجاهلتها الوكالة نفسها،كما تجاهلتها الوزارة الوصية، ليتفرغ المتخرجون الموعودون بالتمويل في "لقاء الشعب"، لكتابة الرسائل المفتوحة لرئيس الجمهورية، ولرفع اللافتات أمام الجمعية الوطنية، لينافسوا بذلك إخوة لهم، من حملة الشهادات المعطلين عن العمل، سبقوهم لتلك " الأنشطة".
إنها خيبة جديدة للمعطلين عن العمل، لا تختلف عن خيبة سابقة، تمثلت في رفض شركة النقل العمومي ـ رغم تمديد سن الاكتتاب إلى أربعين ـ السماح لأصحاب الشهادات الذين تتجاوز أعمارهم 33 سنة، بالمشاركة في أهم عملية اكتتاب نُظمت في هذا العام.
وغاب الاهتمام بالمعطلين عن العمل حتى لدى المعارضة، ولم يوجه نوابها ـ رغم أسئلتهم الشفهية الكثيرة ـ سؤالا واحدا لوزير التشغيل والتكوين المهني حول وضعية المعطلين عن العمل.
وبالمختصر المفيد، فإن أوضاع المعطلين عن العمل في موريتانيا أصبحت بالغة السوء، وهي أكثر سوءا من أوضاع أشقائهم في تونس، وهم اليوم يشعرون بمرارة لم يشعروا بها في الماضي، رغم أنهم عانوا كثيرا في الماضي. وهذه المرارة قد يعبر عنها بشكل غير متحضر، إذا لم يتم الالتفات قليلا لأصحاب الشهادات الجامعية، الذين يتسكعون على أرصفة شوارع "موريتانيا الجديدة".
الأسباب والدوافع:
أما فيما يخص الأسباب والدوافع التي قد تدفع الفقراء بصفة عامة، إلى القيام بحركات احتجاجية، فسأوردها ـ دون ترتيب أو تصنيف ـ في النقاط التالية:
1 ـ لم يحدث في تاريخ البلد، أن اتسعت الفجوة بين الوعود ومستوى الانجازات، كما اتسعت في أيامنا هذه. فمرشح الفقراء قد وعد في حملته الانتخابية بوعود " ثورية"، لم يَعِد بها رئيس من قبله، خاصة في مجال محاربة الفساد، وفي مكافحة الفقر. في حين أن مستوى الانجاز ظل متدنيا جدا. وهو ما تسبب في تنامي الشعور بالإحباط، ليصل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
2ـ الآثار السلبية للأزمة العالمية، والتي تنعكس سلبا على مستوى المعيشة، وبالأخص في الأوساط الفقيرة.فالارتفاع العالمي المتواصل لأسعار بعض المواد الأساسية، كان له بالغ الأثر في بلدنا. لقد وصل سعر السكر ـ عالميا ـ إلى مستوى لم يصل إليه منذ ثلاثين عاما. في حين أن سعر النفط ظل في تصاعد مستمر، حتى وإن كان لم يصل بعد للمستوى الذي وصل إليه، في عهد الرئيس السابق.
3 ـ لقد ظهر جليا أن عَدَاء الرئيس لرموز الفساد، والذي كان يصر على تأكيده بمناسبة، أو بغير مناسبة، لم يكن عداءً مبدئيا، بل كان عداءً مؤقتا و موسميا. كما أن الاهتمام بالفقراء، كان اهتماما موسميا، ولم ينعكس ميدانيا في البرامج، وفي العمل الحكومي. فالفقير الموريتاني يدفع اليوم ضريبة أعلى من الضريبة التي كان يدفعها في العهود الماضية، على كل لقمة أرز حافية يبتلعها، وعلى كل كلمة يلفظها في هاتف نقال، وعلى كل "جرعة" بنزين. في حين أنه تم رفض زيادة الضرائب على السجائر، وربما يكون ذلك من أجل تشجيع الموريتانيين على الانتحار البطيء، لتخفيف الأعباء على "رئيس الفقراء". كما أن عدم الاهتمام ـ ميدانيا ـ بالفقراء يظهر جليا في ميزانية 2010 المعدلة، حيث تم تخفيض ميزانية البرامج والمشاريع المخصصة للشرائح الأكثر فقرا، بنسب تتجاوز 50% ( مكافحة آثار الرق، مكافحة التسول، برنامج لحدادة، برنامج اتويزة، مشروع مكافحة الفقر في آفطوط وكاراكور، حماية المستهلك، إعادة إعمار الطينطان....إلخ).
4 ـ الاختفاء الفاضح لوزارة التجارة، والتي لم يعد لها أي دور، للحد من آثار الارتفاع المستمر للأسعار، وللحد من المضاربات والاحتكار. بل أن هذه الوزارة لا زالت ترفض أن تفعل أي شيء لصالح المستهلك، حتى في مجال التشريعات، والتي لا يمكن ربط عدم سنها بالارتفاع العالمي لأسعار النفط. لم يعد لهذه الوزارة أي دور لصالح المستهلك، إلا في شهر رمضان، من خلال متاجر رمضان، لذلك فربما يكون من المهم ـ ترشيدا للنفقات الحكومية ـ أن يتم إغلاق هذه الوزارة، وأن يسرح عمالها حتى حلول شهر رمضان القادم. هذا إذا لم يكن من الأسلم إلغاؤها نهائيا، كما تم إلغاء كتابة الدولة لشؤون إفريقيا، التي لم نعرف لِمَ تم استحداثها؟ ولم نعرف ـ كذلك ـ لم تم إلغاؤها من قبل أن يكتمل حولها الأول؟
5 ـ لقد عمل النظام الحالي على "تجفيف الكثير من منابع الدخل"، حيث توقف العديد من الأنشطة الحرة التي كانت تدر دخلا. ورغم أن بعض هذه الأنشطة قد تم توقيفها في سبيل الإصلاح، إلا أن هناك أنشطة أخرى قد تم توقيفها بلا سبب وجيه. كما أن تخطيط العشوائيات، والذي كان ـ ولا يزال ـ يشكل مطلبا ملحا، رغم بعض الآثار السلبية التي قد تصاحبه، قد تسبب في استهلاك آلاف الأسر الفقيرة، لمدخراتها القليلة، لبناء مساكن جديدة، في وقت ارتفعت فيه أسعار مواد البناء كثيرا. كما تسبب كذلك في نزوح أسر أخرى، إلى العاصمة، من أجل الحصول على قطع أرضية، في ظل ارتفاع صارخ لتذاكر النقل. وفي الوقت نفسه فقد انشطر الكثير من الأسر الفقيرة، إلى أسرتين أو ثلاثة، من أجل الحصول على عدة قطع أرضية. وهو ما تسبب في مضاعفة استهلاك تلك الأسر الفقيرة، في وقت بلغت فيه أسعار المواد الاستهلاكية مستويات مخيفة، مما تسبب في المحصلة النهائية، إلى إفقار الكثير من الأسر الفقيرة أصلا.
6 ـ فشل الأغلبية الداعمة للرئيس في التخفيف من احتقان الفقراء، بعد عجزها الواضح، عن تسويق بعض الانجازات القليلة، التي تحققت في العام 2010.
7ـ لم يبذل النظام الحالي جهدا ـ ولو خجولا ـ لاستقطاب الصالح من أبناء الوطن، لكي يعينوه في حروبه المعلنة ضد الفساد والفقر، ويخففوا بالتالي من الاحتقان الناتج عن خيبة الأمل من نتائج تلك الحروب. فالمواطن الصالح، والمثقف الصالح، والصحفي الصالح، والموظف الصالح، والشاب الصالح، والمرأة الصالحة، لا يزالون مهمشين. فلا موظف واحد تم تعيينه أو ترقيته نظرا لكفاءته أو استقامته. ولا زالت التوشيحات يُحرم منها من يستحقها. فلماذا لم يُعترف للأستاذ الجليل بدوره في الدعوة، وهو الذي قدم ما عجزت وزارة التوجيه الإسلامي عن تقديمه رغم مواردها وإمكانياتها الكثيرة؟ ولماذا لم يُكرم ذلك الأستاذ الجليل الذي لم يُعترف له، لا في الداخل ولا في الخارج، بدوره الرائد في التعليم وفي الدعوة؟ ولماذا لم يوشح الباحث الكبير الذي أنجز أضخم عمل علمي في السنوات الأخيرة؟ ولماذا لم توشح بعض المنظمات الشبابية، والتي رغم تواضع الوسائل، تعمل بلا كلل، من أجل حماية مستهلك، أو توعية " فتاة " أو تنمية موهبة، أو تعمل بإبداع، لرسم بسمة، و زرع أمل، في نفس محتاجة؟
8 ـ لقد شكل رضا الرئيس عن حكومته، خيبة أمل كبرى، بالنسبة لكثير من الفقراء الذين كانوا يتوقعون إقالتها. فالرئيس في مقابلته الأخيرة، قال بأنه لن يغير الحكومة ما دامت تقوم بعملها المطلوب!!!! فعن أي عمل مطلوب يتحدث الرئيس؟ وما الذي أنجزته هذه الحكومة المرتبكة منذ تشكيلها؟ وهل انعكس الأداء الحكومي على مستوى معيشة المواطن؟ هل انعكس ذلك الأداء على وجبة الطعام التي يأكلها الفقراء؟ وهل انعكس على الدروس في الثانويات؟ وهل زاد من حجم التمويلات الصغيرة؟ وهل حسَّن من أداء صناديق القرض والادخار؟ وهل رفع من إنتاجية المزارع في حقله؟ وهل خلق ذلك الأداء فرصا جديدة للمعطلين عن العمل؟ وهل خفف ـ ولو قليلا ـ من هجرة شبابنا إلى الخارج طلبا للخبز الحافي؟ وهل انعكس ذلك الأداء على الثقافة؟ هل مكن من فتح مكتبات جديدة؟ أو نوادي جديدة؟ وهل انعكس ذلك الأداء على الوئام الاجتماعي؟ وهل انعكس على أداء منتخبنا الوطني؟ وهل شعر المتسولون بذلك الأداء؟ هل أحس به المعوقون؟ وهل ذاق طعمه الأيتام؟ وهل زار ذلك الأداء ضحايا حمى الوادي المتصدع، قبل رحيلهم عن دنيانا؟ وهل قلل الأداء الحكومي من رتابة تلفزيوننا الشاحب؟ وهل خفف ذلك الأداء من مستوى الإحباط الذي نعيشه؟ وهل زرع أملا في نفوس المواطنين بغد أفضل؟
لو كان أداء الحكومات يقاس بالخطابات والشعارات، لكان أداء الحكومة جيدا. ولو كانت الخطابات والشعارات تطعم الجائعين، أو تشفي المرضى، أو تعلم الأميين، أو تغني الفقراء لما شوهد على هذه الأرض جائع، ولا مريض، ولا فقير.
المشكلة أن الخطابات والشعارات والألقاب لا تفيد الفقراء في أي شيء. والمشكلة أن الفقراء الذين كانوا هم أول من ناصر "رئيس الفقراء"، من المحتمل جدا، أن يصبحوا أشد خصومه في هذا العام الجديد. والفقراء الذين أثبتوا ميدانيا مناصرتهم لرئيس الفقراء، من خلال تصويتهم المكثف له، بإمكانهم أن يثبتوا ميدانيا، عكس ذلك، من خلال المشاركة المكثفة في الاحتجاجات القادمة، والتي لن تتأخر كثيرا، إذا لم يتم اتخاذ قرارات استثنائية وشجاعة، من أجل التخفيف من معاناة الفقراء الذين نفد صبرهم.
تصبحون وأنتم أقل فقرا.. وإلى الأحد القادم إن شاء الله ..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)