الأحد، 20 فبراير 2011

سبع قراءات وسبعة دروس من فصالة!



إن ما حدث في فصالة يستحق قراءات سريعة وعميقة، خاصة من طرف السلطة الحاكمة، التي يجب عليها ـ وبشكل فوري ـ أن تقرأ تلك الأحداث بجدية، قبل أن تتطور و تستعصي على القراءة.
وما حدث هناك، ربما يكون شرارة لأحداث أخرى، كنت قد توقعتها في نهاية العام الماضي، في مقال منشور تحت عنوان "الشعارات لن تطعم جياع 2011"، كتبته في بداية الاحتجاجات التي عرفها "سيدي بوزيد" في تونس. لقد قلت في ذلك المقال بأنه لن يكون بالإمكان التنبؤ بمكان انطلاق أول شرارة للاحتجاجات المتوقعة، في العام 2011 في أكثر من بلد، بما في ذلك بلدنا.
بعد نشر ذلك المقال تسارعت الأحداث، بسرعة رهيبة، لم أكن أتخيلها، خاصة في تونس، وفي مصر، وفي دول عربية أخرى، ربما يلتحق قادتها ـ قريبا ـ بنادي القادة الذين لا يفهمون ولا يعون الأمور إلا في وقت متأخر، ومتأخر جدا.
وإذا كانت الأحداث قد تسارعت كثيرا خارج حدودنا، فإنها لم تتباطأ داخل هذه الحدود. فقد ظهرت دعوات شبابية على الفيس بوك تدعو ليوم احتجاجي، و كان من أهمها دعوة شباب 17 فبراير، الذين لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون أن هناك احتجاجات جدية، ستنطلق ـ قبل يومهم الموعود ـ من مدينة حدودية، هي أكثر مدن البلاد بعدا عن الفيس بوك.
لقد فاجأت فصالة الجميع، دون أن تفاجئ أحدا. فاحتجاجاتها كانت متوقعة في كل لحظة، ومستغربة أيضا في كل لحظة. كانت متوقعة لأن الكل كان ينتظر احتجاجات في أي وقت، ومستغربة لأن الكل لم يتوقع أنها ستأتي من فصالة.
وأحداث الجمعة في فصالة لا تكفيها قراءة واحدة، وإنما تحتاج لعدة قراءات، يمكن إجمالها في سبع قراءات:
القراءة الأولى: لم تكن فصالة لتتحدث عن نفسها في يوم الجمعة 18 من فبراير بصراخ جسور، لو أنها وجدت من يصغي لهمسها، الذي ظلت تهمس به في الأسابيع الماضية، بل في الأشهر الماضية. ولو أن الحاكم أو العمدة استمعا لشكاوي أهل فصالة، وبلغوها ـ في الوقت المناسب ـ للجهات المختصة، لما حدث ما حدث.
الدرس المستخلص: على الرئيس أن يعلم بأن الإدارة لا زالت لا تهتم بمشاكل المواطنين، ولا زالت ترفض أن تبلغها للجهات المختصة. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أول ما يجب عليه فعله الآن، لتفادي الأسوأ، هو أن يفتح فورا ديوانا للمظالم، لكي يسمع من خلاله ـ وبشكل مباشرـ هموم المواطنين البسطاء، قبل أن تتحول تلك الهموم إلى وقود لاحتجاجات عنيفة تصعب السيطرة عليها.
القراءة الثانية: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن رجال الإدارة ورجال السياسة ونساءها ليست لهم أي اهتمامات بمشاكل المواطنين، وأن كل ما يهمهم هو أن يُظهروا الولاء لرئيس الدولة، بطريقة قد تضره أكثر مما تنفعه. فما الذي قدمه والي النعمة ومنتخبوها للرئيس في مهرجان المدن القديمة؟ أو ليس من الأولى بهم أن يظلوا قرب المواطنين لكي يخففوا من معاناتهم بدلا من السفر فرادى وأفواجا إلى شنقيط؟
الدرس المستخلص:على السلطات العليا أن تعلم أن العام 2011 ليس عاما عاديا، وليس عاما للترفيه، يمكن تخصيصه للمهرجانات، أو لقصائد المديح، أو للسهرات، أو لمسابقات الرماية أو حتى للاهتمام بالتراث رغم أهميته.
إن العام 2011 ـ وهذا ما تقوله القراءة الثانية لأحداث فصالة ـ يجب أن يُتفرغ فيه للمحاربة الجدية للفقر وللفساد، بدلا من محاربتهما بالشعارات التي أصبح تكرارها يثير غضب المواطنين وحنقهم بدلا من أن يبعث في نفوسهم أملا.
القراءة الثالثة: لقد أثبتت أحداث فصالة أن السلطات الأمنية والإدارية ليست لديها القدرة على مواجهة أي احتجاجات شعبية. وأنه ليس من مصلحتها أن تدفع المواطنين للمواجهة، وليس من مصلحتها أن تدفعهم لاحتلال المباني الحكومية وتخريبها. كما أثبتت تلك الأحداث أن الحلول الأمنية لن تجدي نفعا، وأن الحل الوحيد المتاح للتخفيف من غضب المواطنين، يجب أن يعتمد على إجراءات فورية، تساعد في التخفيف من معاناتهم اليومية.
الدرس المستخلص : إن العناد، وتجاهل هموم المواطنين، والاشتغال بأمور أخرى، والاعتماد على رجال الأمن للتعامل مع المواطنين قد تكون له كلفة باهظة، وباهظة جدا.
القراءة الرابعة: لقد أثبتت أحداث فصالة أن الاستجابة الفورية لمطالب المواطنين قد تساعد في التخفيف من حدتها. أما تجاهلها فقد يتسبب في رفع سقف المطالب إلى حدود أعلى. لقد كان توفير جرعة ماء صالحة للشرب هو المطلب الرئيس لأهلنا في فصالة. أما اليوم وبعد أن حدث ما حدث فقد ارتفع سقف المطالب كثيرا رغم أنه لم يبلغ حتى الآن الحد الأدنى من أساسيات الحياة الكريمة. كما أثبتت ثورات 2011 أن الوقت قد يكون حاسما جدا في تحديد مسارها.وقد أدى التأخر لأيام وربما لساعات، في الاستجابة لمطالب التونسيين والمصريين، إلى تغيير أشياء كثيرة في تونس ومصر.
الدرس المستخلص : إن التعامل المبكر مع مطالب المواطنين قد ينجي من كوارث كبيرة، سيكون أول ضحاياها السلطات الحاكمة، إذا لم تكن ردود فعلها سريعة وحاسمة ( لا أقصد حاسمة أمنيا).
القراءة الخامسة: لقد أثبت أحداث فصالة بأن الفساد لا زال متفشيا في كل مكان. فأحداث الجمعة في فصالة، كانت نتيجة مباشرة لعمليات نهب وسرقة واسعة تعرض لها الأهالي هناك، حيث تم شراء مضخة غير صالحة للبئر الارتوازي في المركز، مما أدى إلى تعطلها في وقت مبكر. ولقد رفضت الجهات المعنية شراء مضخة أخرى رغم توفر الموارد اللازمة لذلك، وهي موارد تبرعت بها جهات أجنبية لسكان المركز، فنهبها مفسدو فصالة.
كما أن سيارة الإسعاف التي تم حرقها كانت مخصصة للاستغلال التجاري والشخصي لصالح شخصيات متنفذة في المركز الإداري.
الدرس المستخلص: لقد كان الفساد هو المتسبب الأول في تلك الاحتجاجات، وهو ما يعني أن القراءة الخامسة لأحداث فصالة، تفرض علينا أن نطالب بمحاربة جدية للفساد تختلف عن الحرب المعلنة الدائرة حاليا، والتي استقطبت أغلب مفسدي موريتانيا.
القراءة السادسة: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن الولاء للوطن لا زال ضعيف جدا، وأن السلطات الحاكمة حاليا وسابقا لم تهتم بتعميقه، أو بتنميته بقدر ما اهتمت بأن يكون ولاء المواطنين لها لا للوطن. نفس الشيء يمكن قوله عن الأحزاب، وعن النخب بكل أشكالها وألوانها.
فمن المؤسف أن يطالب البعض في فصالة بجنسية أخرى، وبوطن آخر لأن هناك في الإدارة من ظلمه ظلما كبيرا.
الدرس المستخلص : آن الأوان لأن نلتفت قليلا لهذا الوطن، وآن الأوان لأن نزرع قيم الوطنية في نفوس المواطنين، بدلا من أن نختزل الوطن لهم في رئيس، أو في زعيم، أو في قبيلة، أو في عرق، أو في ايدولوجيا...
القراءة السابعة: لقد أثبتت أحداث فصالة بأن هناك جهات عديدة تنتظر أي حدث لتستغله إعلاميا وسياسيا ضد الحكومة القائمة، والتي أصبح في صحيفتها الكثير من الأخطاء والإخفاقات. وما جمعته حكومتنا الموقرة من أخطاء في عام ونصف، يكفي ـ لو وُزع على عدة دول ـ لأن يتسبب في احتجاجات عنيفة في تلك الدول.
الدرس المستخلص : تقول القراءة السابعة لأحداث فصالة بأنه أصبح على حكومتنا أن ترحل فورا، لأنها إن لم ترحل الآن فقد تدفع المواطنين إلى المطالبة برحيل من يصر على الاحتفاظ بها.
تصبحون وأنتم قراء جيدون....

الاثنين، 14 فبراير 2011

نص الخطاب التاريخي لرئيس الجمهورية!

أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لقد قررت أن أتقدم إليكم بخطاب مصارحة ومكاشفة، في هذا الظرف العصيب الذي تشهد فيه بعض الدول الشقيقة تحولات عميقة، والذي يشهد ـ كذلك ـ على الصعيد العالمي ارتفاعا مذهلا لأسعار بعض المواد الأساسية، وهو الارتفاع الذي انعكست آثاره سلبا على كل دول العالم بما فيها وطننا الغالي.
في مثل هذا الظرف العصيب، كان لزاما عليَّ أن أتقدم إليكم بخطاب من القلب، لن أحدثكم فيه عن الانجازات الهامة التي تم تحقيقها منذ قدومي إلى السلطة، والتي هي معروفة لديكم، وقد تم الحديث عنها في مناسبات سابقة. بل أني سأحدثكم في خطاب المكاشفة هذا عن بعض الإخفاقات التي حدثت منذ التنصيب إلى يومنا هذا، على أساس أنه لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء وبلا نواقص، لذلك فقد كان من الضروري، وبعد مرور عام ونصف من مأموريتي، أن أبحث عن الأخطاء والإخفاقات التي حدثت، وأن أسعى بشكل جاد وصادق لمعالجتها ولتجاوزها.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
اسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن الأخطاء التي حدثت، وعن الأساليب الجديدة التي سأتبعها لتصحيح تلك الأخطاء، اسمحوا لي قبل ذلك، أن أحدثكم قليلا عن الأحداث التي عرفتها تونس ومصر في الآونة الأخيرة، وذلك للرد على بعض التعليقات والتصريحات التي جاءت من بعض قيادات المعارضة، والتي حاولت أن تجعل من ظروفنا وواقعنا صورة طبق الأصل من واقع الشقيقة تونس، والشقيقة مصر.
والحقيقة التي لابد من قولها هنا، هي أن واقعنا ليس مطابقا تماما للواقع التونسي، و لا للواقع المصري، وأقصى ما يمكن قوله في هذا المجال، هو أنه يتشابه معهما في بعض الجوانب، ويختلف عنهما في جوانب أخرى.
فإذا كانت تونس ومصر قد عرفتا أنظمة حكم لم تتغير لمدة عقود من الزمن، فإن الأمر يختلف عندنا، خاصة منذ تصحيح 3 من أغسطس 2005، حيث أصبحت مشكلتنا منذ ذلك الوقت هي قصر الفترة التي يقضيها الرؤساء في الحكم، لا طولها.
وإذا كان الشعب التونسي والشعب المصري قد ثارا ضد رئيسين وصلا إلى الحكم واستمرا فيه دون انتخابات شفافة، فالأمر عندنا يختلف، لأننا شهدنا انتخابات رئاسية شفافة، بشهادة الجميع، أشرف عليها وزير داخلية معارض، ورئيس لجنة مستقلة للانتخابات معارض كذلك.
ورغم ذلك، فنحن لابد لنا أن نعترف بأن الشعب الموريتاني قد عرف أسلوبا واحدا من الحكم، يعتمد على أن الشعب في خدمة الحاكم، لا الحاكم في خدمة الشعب، وهو الأسلوب الذي لم يتغير منذ عقود من الزمن، رغم التغيرات الكثيرة للرؤساء، لذلك فهو من هذه الناحية يتشابه تماما مع تونس ومصر. ومن حق شعبنا الذي يستحق حياة كريمة، أن يثور على أي رئيس يكرر نفس الأسلوب البائد، في إدارة شؤون البلاد، حتى ولو لم يقض مدة طويلة في الحكم. هذا ما "تفهمه وتعيه" قيادتكم الوطنية، وهذا هو ما فرض علينا العمل بأسلوب مختلف عن نمط الحكم، الذي اتبعه كل الرؤساء السابقين، والذي أدى في المحصلة النهائية إلى هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم.
بل إنني فوق ذلك، أومن بأن الشعب الموريتاني أولى من غيره بالحياة الكريمة، وأولى من غيره بالثورة، إذا لم يشعر بأن أوضاعه قد بدأت تتحسن بالفعل، وذلك نظرا لأن ثرواته أكثر بكثير من ثروات العديد من أشقائه، ولأنه أقل عددا من شعوب تلك الدول، ولأنه من حيث مؤشرات التنمية، لا زال ـ "ويا للأسف"ـ في أسفل اللائحة، ولا زالت تتقدم عليه تلك الدول الشقيقة التي شهدت احتجاجات.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا أخفيكم ـ في خطاب المكاشفة هذا ـ بأني لا أجد فرقا يذكر بين الاتحاد من أجل الجمهورية، والحزب الوطني في مصر، أو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. فالاتحاد من أجل الجمهورية ـ "ويا للأسف"ـ لم يقدم انجازا واحدا منذ تأسيسه، بل أنه ظل يشكل عبئا ثقيلا على مؤسسة الرئاسة، ومحرجا لها في كثير من الأحيان.
وأنا على ثقة تامة، بأن هذا الحزب لن ينفعني، إذا ما احتجت إليه في الأوقات العصيبة. بل أنه قد يضرني من حيث يعتقد أنه سينفعني، وقد يُخرج في اللحظات الحاسمة، ما هو أسوأ من الحمير والبغال والجمال.
لقد أثبتت أحداث تونس ومصر بأن الأحزاب التقليدية لم تعد قادرة على حماية نفسها، ولا حماية أي نظام. كما أثبتت تلك الأحداث بأن الشعوب، والتي قد لا تكون منتظمة بالضرورة في أحزاب سياسية، هي وحدها التي يمكن أن تسقط أي نظام، وهي وحدها التي يمكن أن تحميه.
وبناء على ذلك، فإني أتوجه اليوم إليكم بهذا الخطاب، الذي سيؤسس ـ بإذن الله ـ لمرحلة جديدة من العمل الحكومي والسياسي، وهي مرحلة ستسعي ـ بشكل جاد ـ لبناء جسور جديدة وقوية، من الثقة بيني وبينكم، ودون الحاجة لوسطاء سياسيين. لقد تعاملت معكم بدون وسطاء في الحملة الانتخابية الماضية، ولم تخيبوا وقتها ثقتي فيكم، فصوتم لي بكثافة، مما جعل فوزي في الانتخابات الرئاسية الماضية، لا منة فيه لأي وسيط سياسي أو اجتماعي، فالفضل فيه للمواطن العادي، وللمواطن العادي وحده، لذلك فأنا أستطيع أن أقول بأني لست مدينا إلا لك أنت أيها المواطن الموريتاني.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا جدال في أن ما مضى من مأموريتي، قد تخللته بعض الأخطاء والإخفاقات التي سيتم تفاديها من الآن، ومن هذه الأخطاء يمكن لي أن أذكرك لكم:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ بعض القرارات الهامة، وهو ما جعل الكثير منكم يستغرب بعض القرارات التي تم اتخاذها وإلغاؤها دون تقديم أي تفسير لذلك. لقد حدث ذلك مع إنشاء وإلغاء كتابة الدولة للشؤون الإفريقية، ومع هيكلة وزارة التعليم، وفي مجالات عديدة أخرى لا يتسع المقام لتعدادها. فمن حقكم أن تستغربوا ذلك، وأن تنتقدوه، لأنه لم يعد من المقبول في عالم اليوم ارتجال القرارات، حتى ولو كانت مجرد قرارات فردية، أو أسرية، أو قرارات داخل مؤسسة صغيرة. فكيف إذا تعلق الأمر بقرارات حكومية، يمكن لها أن تؤثر إيجابا أو سلبا على حياة كل مواطن؟ لذلك فإني أعدكم بأنه لن يُرتجل ـ من الآن وصاعداـ أي قرار مهما كان حجمه. كما أعتذر لكم عن الارتجال في بعض التعيينات، والذي بلغ ذروته في وزارة المالية والإدارات التابعة لها، حيث أنها منذ تنصيبي لم تعرف أي استقرار يتيح لها أن تؤدي أبسط مهامها.
2 ـ لا شك أنكم قد لاحظتم في بعض الأحيان عدم انسجام في العمل الحكومي، ولا شك أنكم لاحظتم عدم الانسجام كذلك في بعض القرارات، وهو ما أعدكم بأنه سيتوقف تماما من الآن. فلم يعد من المقبول أن يدعو رئيس الجمهورية إلى حوار مع المعارضة، فتعقب تلك الدعوة بيانات وتصريحات من الأغلبية تتناقض مع تلك الدعوة، وتزيد من حجم الشكوك حول جديتها. كما أني أعتذر للشعب الموريتاني عن بعض التناقض في بعض القرارات التي اتخذتها، كتعيين شخصية سياسية على رأس وزارة التعليم الثانوي، رغم أني كنت قد دعوت قبل ذلك إلى عدم تسييس التعليم، وعدم تسييس المنتديات القادمة، وهي الدعوة التي لم يستجب لها ـ "ويا للأسف"ـ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي اختار لجنة للتفكير في إصلاح التعليم يرأسها وزير سياسي لا صلة له بالتعليم، ومن المفترض أنه ليس لديه وقت لإنجاز ما كُلف به.
3 ـ من الأخطاء التي تم تسجيلها في ما مضى من المأمورية، هي أن التعيينات لم تكن شفافة، ولا منسجمة مع الحرب على الفساد، وقد جاء الكثير منها مخيبا لآمالكم. وقد انعكست تلك التعيينات على الأداء الحكومي الذي لم يكن على المستوى المطلوب، وهذا ما يجب الاعتراف به. ولتحسين الأداء الحكومي، وانسجاما مع الحرب على الفساد المعلنة، فإني أعدكم بأن التعيينات ابتداء من اليوم، ستعتمد أولا وأخيرا على الكفاءة، وعلى الكفاءة وحدها، والتي سنبحث عنها في كل مكان، ولا يهمنا بعد ذلك الانتماء السياسي، أو الجهوي، أو القبلي، أو العرقي، لصاحب تلك الكفاءة. كما أعدكم هنا بأنني سأعمل ـ وبشكل فوري ـ على إبعاد كل رموز الفساد الذين تم تعيينهم في مناصب هامة.
4 ـ لقد لاحظت أن الإدارة لا زالت تتعامل بكثير من الاستعلاء والخشونة مع المواطنين، كما لاحظت أن الموظفين لا زالوا يمنون على المواطنين بأي خدمة إدارية يقدمونها لهم، حتى ولو كانت بسيطة وتافهة. إن هذه النظرة الخاطئة لابد من العمل الجاد على تغييرها، حتى يعلم الوزراء وكل الموظفين أنهم في خدمة هذا الشعب، وأنهم يتلقون رواتب من ثروته، وهو ما يفرض عليهم تغيير أسلوب تعاملهم مع المواطن.
5 ـ لقد تم تسجيل بعض التجاوزات في منح بعض الصفقات العمومية، ولم يتم احترام الشفافية في العديد من تلك الصفقات. وهذا يستدعي مني أن ألتزم لكم بأن تلك الأخطاء لن تتكرر مستقبلا. كما ألتزم لكم بأنه سيتم كشف كل مناقصة على حدة، وتقديم التبريرات التي أدت إلى منحها للجهة المستفيدة.
6 ـ أما فيما يخص مكافحة الفقر، والتشغيل، والحد من الآثار السلبية لارتفاع الأسعار، فإني أعدكم بأنه سيتم اتخاذ بعض الإجراءات الثورية، في وقت قريب، للحد من البطالة، ومن الفقر، ومن الانعكاسات السلبية لارتفاع الأسعار. وهذه الإجراءات لن أحدثكم عنها الآن، بل أني سأتركها تتحدث عن نفسها في وقت قريب.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
إن لكل بلد خصوصياته، ولبلدنا خصوصيته التي يجب علينا جميعا أن نعيها، قبل اتخاذ أي قرار قد تكون له آثار خطيرة على استقرار وطننا الغالي.
وهذه المسؤولية تقع أولا على عاتق رئيس الجمهورية، الذي يجب عليه أن يعمل بجد لتوفير حياة كريمة ولائقة، لكل مواطن. وهذا ما أعدكم بأني سأسعى إليه بشكل جدي فيما تبقى من مأموريتي. وأعدكم أيضا بأني سأعمل جاهدا لكي يشعر كل واحد منكم، بأني أسعى فعلا لتصحيح كل الأخطاء، التي حدثت في الثمانية عشر شهرا التي مضت من مأموريتي.كما أعدكم بأني سأفتح قنوات جديدة للاتصال بكم، وذلك لكي أظل دائما على الإطلاع بهمومكم ومشاكلكم، و لن أعتمد بعد اليوم على التقارير التي تصلني للإطلاع على همومكم ومشاكلكم.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة موريتانيا..
تصبحون على إصلاحات جدية..
كتبه باسم رئيس الجمهورية :
محمد الأمين ولد الفاظل

الاثنين، 7 فبراير 2011

في انتظار ثورة ثالثة



لم يكن من المتخيل أن تتحول أحداث بسيطة ـ لا تلفت الانتباه عادة ـ إلى احتجاجات و انتفاضات وثورات عظيمة، تعجز النخب السياسية التقليدية أن تلتحق بصفوفها الخلفية حتى ولو لهثت كثيرا، ويفشل أولو الألباب في فك طلاسمها، ولا يستطيع المحللون والصحفيون كشف كل تفاصيلها.
فلم يكن من المتخيل أن يتمكن بائع خضار من طرد دكتاتور تونس إلى مدينة يرتفع من مساجدها نداءات المؤذنين، التي تقض مضجع الدكتاتور التونسي الهارب. ولقد اعتبر أحد معلقي الجزيرة مباشر أن الإقامة الجبرية في مدينة تكثر فيها المساجد، هي أفضل طريقة لمعاقبة الدكتاتور الهارب.
ولم يكن من المتخيل ـ كذلك ـ أن تتحول دعوة للاحتجاج أطلقتها الفتاة "أسماء محفوظ" واختارت لها يوم عيد الشرطة المصرية، لم يكن من المتخيل أن تتحول تلك الدعوة إلى ثورة عارمة في مصر، أجبرت دكتاتورها للبحث بشكل جاد عن طريقة لرحيل "كريم".
ومن يدري فربما نشهد في الأيام القادمة، أو في الساعات القادمة، أو ربما في الدقائق القادمة، تحول حدث بسيط ما، في دولة عربية ما، إلى ثورة عارمة تسقط دكتاتورا عربيا ما، ربما نشهد ذلك قريبا، ولكن قبل ذلك دعونا نسجل بعض الملاحظات عن الثورتين المباركتين، وذلك في انتظار اشتعال ثورة مباركة ثالثة.
الملاحظة الأولى: هذه الثورات جاءت بأفكار إبداعية لإحداث التغيير، وتم تنفيذها بوسائل وأساليب إبداعية أيضا، طبقا للمقولة الشهيرة: " إن الأفكار الإبداعية يجب أن لا تمر بالقنوات التقليدية". فالقنوات التقليدية، أي النخب السياسية التقليدية، قد فشلت في إحداث تغيير في البلدان العربية، لذلك فقد كان لابد من إبعادها عن الصفوف الأمامية، لضمان نجاح الثورات الجديدة. لقد نجحت هذه الثورات لأنها لم يقدها "المناضلون التقليديون" الذين لا زالوا يفكرون بطرق تقليدية، لم تعد تناسب هذا العصر. بل أن هذه النخب عجزت ـ لكثرة خلافاتها وصراعاتها، وانشغالها بالتفاهات ـ أن تشكل صفوفا خلفية متماسكة لهذه الثورات الجديدة. لقد رفضت كل الأحزاب المعارضة في مصر، باستثناء حزب معارض واحد، الاستجابة للدعوة للاحتجاج يوم 25 يناير. ولقد برر الحزب الناصري رفضه لتلك الدعوة لكونه حزبا يقود ولا يقاد، أما حركة الإخوان المسلمين فقد رفضت الاستجابة في البداية، قبل أن تقرر بعد ذلك المشاركة بشكل رمزي. في حين أن حزب الوفد كان "أعقل"ـ حسب بعض قادته ـ من أن يستجيب لدعوة شبابية "طائشة"، تبين فيما بعد أنها لم تكن طائشة، وأن الشباب"الطائش" الذي أطلقها كان أعقل من الجميع، وأحق من الجميع بقيادة الشعوب.
الملاحظة الثانية: يمتاز قادة هذه الثورات بقدرة عجيبة على اتخاذ القرارات السريعة والصائبة في نفس الوقت. فالشباب المصري استقبل الجيش بالورود، كما استقبل الشباب التونسي جيشه بالقبلات. ولقد كان لتلك الاستقبالات مفعول حاسم في اكتساب الجيش، أو ـ على الأقل ـ في تحييده. ولو أن الأمر حدث مع النخب السياسية التقليدية لكانت ردود الفعل سلبية، أو بطيئة في أحسن الأحوال، مما كان سينعكس سلبا على تلك الاحتجاجات. وتظهر كذلك قدرة الثوار الجدد في اتخاذ القرارات الصائبة والسريعة، في الطريقة الرائعة، التي تم بها تشكيل مجموعات لتوفير الأمن، بعد أن تحول من كان من المفترض فيه أن يوفر الأمن إلى أكبر مهدد للأمن والسكينة.
الملاحظة الثالثة: لقد أثبت المناضلون الجدد قدرة كبيرة على التأقلم مع كل الظروف والمفاجآت. فمن اللافت أن الشباب الثائر لم يتأثر سلبا عندما تم حرمانه من أهم أسلحته، أي الانترنت والهاتف النقال. فالتونسيون استطاعوا أن يتعاملوا بذكاء مع الرقيب الالكتروني الذي أطلقوا عليه "عمار 404". في حين أن الشباب المصري تمكن من تنظيم "جمعة الغضب" التي شاركت فيها أعداد غير مسبوقة، في ظل غياب كامل لكل وسائل الاتصال الحديثة من انترنت وهاتف نقال. بل أن شباب الفيس بوك كما يحلو للبعض تسميته بذلك، نجح في الدفاع عن نفسه، عندما حُورب بأسلحة بدائية جدا، وتمكن من أسر بعض "الغزاة" خلال صده لهجوم غريب ومفاجئ استخدمت فيه كل أسلحة القرون الوسطى من خيل وجمال وبغال وسكاكين وبلطجية ..
الملاحظة الرابعة: لقد استطاع هذا الشباب الرائع أن يفند الكثير من النظريات التقليدية الخائبة، التي ابتكرها المستبدون بالتمالؤ مع بعض النخب السياسية التقليدية، والتي تحسب على أنها معارضة. فقد شاع لدى الشعوب العربية أن الاحتجاج ضد الفساد والدكتاتورية قد يأتي بنتائج عكسية، لأنه قد يستغل في إحداث فتن، وصراعات طائفية، أو عرقية، تؤدي في النهاية إلى الكثير من الفوضى وعدم الاستقرار. والحقيقة أن أكثر ما يهدد استقرار الشعوب هو الدكتاتورية، والفساد، وغياب الحرية، والعدالة الاجتماعية. ويكفي لتفنيد تلك النظرية الخائبة أن نتأمل حال مصر قبل 25 يناير، وحالها بعده. فقبل 25 يناير كثرت الدعوات التي كانت تهدف لإحداث شرخ بين الأقباط والمسلمين. أما بعد 25 يناير فقد اختفت تلك الدعوات، وتم استبدالها بصور راقية جاءت من ميدان التحرير، حيث شُوهد القبطي وهو يحرس المسلم أثناء صلاة الجمعة، بل أن بعض الأقباط كان يرفع صوته بالتكبير، وذلك لكي يسمع صفوف المصلين الخلفية تكبيرات الإمام. وفي يوم الأحد، وفي نفس الميدان، أقام الأقباط قداس الأحد، وصلى المسلمون صلاة الغائب، على أرواح شهداء الثورة.
الملاحظة الخامسة: لقد استطاعت هذه الثورات المباركة أن تستعيد بعض القيم التي كادت الشعوب أن تنساها، فظهر التكافل والتضامن والتضحية والإيثار بين المواطنين. ولم يعد بالإمكان اختزال الوطنية في لحظة حماس أثناء مبارايات كروية، بل أنه أصبح من الممكن للمواطنين أن يعبروا عن وطنيتهم بصور أخرى أكثر تحضرا، و أكثر أهمية، من خلال المشاركة ـ كل حسب امكاناته ـ في عملية التغيير والبناء، والتي انطلقت شرارتها من ميدان التحرير.
الملاحظة السادسة : أثبت هؤلاء الشباب قدرة فائقة على الإقناع، حيث استطاعوا وفي وقت قياسي أن يجمعوا حولهم المثقف والأمي، الغني والفقير، الطفل والشيخ، الرجل والمرأة ، الشاب والشابة، السياسي وغير السياسي. كما أثبتوا قدرة فائقة على التماسك والتلاحم حول فكرة واحدة، عكس ما كان يحدث في صفوف النخب التقليدية التي لم تكن تتحالف إلا من أجل أن تنشق، وتنشطر، وتنقسم شظايا شظايا لا يكاد بعضها يرى بالعين المجردة.
وأعتقد أن القدرة على الإقناع والتماسك، إنما جاءت من قناعة الشباب أنفسهم بمطالبهم الوجيهة، وبصدقهم فيما يقومون به نضال من أجل الوطن، لا من أجل مصالح شخصية، أو حزبية، أو سياسية، أو إيدولوجية، أو طائفية، أو عرقية. وهنا يكمن سر التفاف الناس حولهم، وهذا بالضبط هو ما يميزهم عن النخب السياسية التقليدية، التي كان أغلبها يضع المصالح الشخصية، أو الحزبية، أو الطائفية، فوق المصلحة الوطنية.
تصبحون على ثورة ثالثة..

الاثنين، 31 يناير 2011

بيان استقالة الحكومة



نظرا لما حدث في تونس، ولما يحدث في مصر، ولما قد يحدث في بلدان أخرى لا تختلف كثيرا عن بلدنا.
ونظرا لأن الشعوب العربية ـ ويما فيها شعبنا ـ لم تعد تقبل بأن تقتات على الكلام، ولم تعد تهتم بالجهود "الجبارة" ولا بالجهود "المعتبرة" التي كانت ـ ولا زالت ـ تقدمها حكومتنا بانتظام على شاشة التلفزيون.
ونظرا لشعورنا العميق بأننا بعد عام ونصف لم نستطع أن ننجز شيئا مذكورا يمكن أن نقدمه للشعب الموريتاني الذي كان يتوقع منا أشياء كثيرة.
ونظرا لأنه ليس من اللائق أن يظل كل وزراء حكومتنا المحترمة يفتخرون ويشيدون بانجاز واحد أو انجازين، فتتحدث وزيرة الثقافة عن تشييد الطرق وكأنه من انجاز وزارتها، ويتحدث عنه وزير الصيد، ووزير التعليم، ووزيرة الخارجية....
ونظرا لشعور العديد من الوزراء بأن كرسي الوزارة أكبر بكثير من شخصه الكريم.
ونظرا لشعورنا العميق بأننا لم نستطع، ولن نستطيع أن نحقق ـ ميدانيا ـ البرنامج الطموح لفخامة رئيس الجمهورية.
ونظرا لأن بعض الوزراء قد يهدد بأن يحرق نفسه أمام القصر الرئاسي، إذا لم تقبل استقالته.
ونظرا للضيق الشديد الذي يعاني منه الوزراء بسبب اخفاقاتهم المتكررة، والذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
ـ وزير الصحة الذي يشعر بضيق شديد لأنه لم يحقق شيئا في وزارته المليئة بالفضائح المتعلقة بالصفقات، ولأنه أضاع وقته الثمين في خصومات بلا أول ولا آخر مع الأطباء، ومع المعارضة، وفي خصومات تسببت في خصومات ذات طابع اجتماعي.
ـ وزير الاتصال الذي يشعر بضيق شديد هو الآخر، لأنه بدلا من أن يحسن من أداء مؤسسات الإعلام الرسمي، وبدلا من أن يجعلها في وضع أحسن من وضعها في العهود " البائدة"، فقد أعادها إلى ما قبل المرحلة الانتقالية الأولى.
ـ وزير التعليم الثانوي الذي يشعر بضيق شديد، لأنه لا يستطيع أن يتفرغ لمهمته الوزارية الصعبة، ويفضل بدلا من ذلك أن يتفرغ للخصومات مع المعارضة.
ـ وزير "التعليم الكبير" الذي يشعر بضيق أشد، لأنه يعلم بأنه بعد سنة ونصف فشل في تحقيق ما استطاعت إمرأة واحدة بلا وزير معين أن تحققه في سنة واحدة.
ـ وزير المالية الذي يشعر بضيق شديد لأنه لا يفهم شيئا مما يجري في وزارته، ولا يعرف أصلا لماذا جيء به إلى هذه الوزارة، ولا يعرف في أي وقت قريب ستتم إقالته ، كما أقيل وزيران من قبله. وهو يشعر بالضيق كذلك لأنه لا يعرف كذلك أي شيء عما يحدث في إدارة الخزينة، ولا في إدارة الضرائب والتي لا تختلف عن الوزارة.
نظرا لكل ذلك، فإننا نتقدم إلى السيد رئيس الجمهورية ببيان الاستقالة هذا، ونشعر سيادته بأننا سنقوم بعملية احتراق جماعي في حالة رفض الاستقالة.
الناطق الشعبي باسم الحكومة.
30 يناير2011
تصبحون على حكومة جديدة...

الاثنين، 24 يناير 2011

مطاردة "شبح 2010"!


يتحدث الناس كثيرا في هذه الأيام عن "شبح 2010"، ويشتد الجدال بينهم حول حقيقة وجود ذلك الشبح من عدمها، ولا فرق في ذلك بين النخب والعامة، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين المعارضين والموالين. ومع أن الخلاف حول حقيقة الشبح يحتدم ـ في العادة ـ مع نهاية كل عام، إلا أن مستوى الخلاف في هذا العام، قد وصل إلى مستوى غير مسبوق، أعطى لشبح هذا العام أهمية خاصة، جعلته يختلف عن كل أشباح السنوات الماضية.
سبح ها العام يختلف عن أشباح الأعوام الماضية، لكثرة وحدة وسخونة الجدل الدائر حول حقيقته. فالبعض قد يحدثك عن هذا الشبح وكأنه يراه جاثما أمام عينيه، في حين أن البعض الآخر قد يقسم لك بأن هذا الشبح لم تطأ قدماه الأراضي الموريتانية في هذا العام (لا أدري إن كانت للأشباح أقدام يمشون بها، أوعليها).
والعجب العجاب أن الفريقين المتخاصمين لا يتفقان إلا على شيء واحد، وهو نعت كل من يقرر أن يبحث بنفسه عن حقيقة "شبح 2010" بأن به مس من جنون. فالفريق المنكر لوجود الشبح على الأراضي الموريتانية، يعتبر أن البحث عن شبح لا وجود له أصلا، هو نوع من الجنون. كما أن الفريق المصدق لخرافة الشبح، يعتبر هو أيضا أن البحث عن الشبح هو نوع من الجنون. فمن الجنون أن يبحث المرء عن حقيقة صارخة، إن التفت إلى الأمام رآها، وإن التفت إلى الخلف رآها، وإن التفت عن يمينه رآها، وإن التفت عن شماله رآها، وإن رفع بصره إلى السماء رآها، وإن أخفض بصره رآها تحت قدميه عريضة سوداء، بل أنه فوق ذلك، إن أغمض عينيه رآها، أو رُئيت له.
ونظرا للخلاف الكبير بين الناس حول حقيقة الشبح، ونظرا لتغيير شهاداتهم ـ من حين لآخر ـ حول حقيقة وجوده، نظرا لكل ذلك، فقد قررت أن أنقب عن "شبح 2010" في عدة "مقاطع" من الأراضي الموريتانية، وأن أقدم لكم نتيجة عملية التنقيب.
وتمنيت لو أن مجلس الوزراء منح لإحدى الشركات الأجنبية المتخصصة، رخصة للتنقيب عن الشبح، من بين تلك الرخص الكثيرة التي يمنحها عادة في كل مجلس، وتمنيت لو أنه أعفاني ـ أو جردني إذا أردتم ـ من مهمة التنقيب عن "شبح 2010"، والتي لا أملك لها إلا بعض الوسائل البدائية جدا، والتي كنت أستخدمها في "العهود البائدة" للتنقيب عن أشباح السنين الماضية والتي لم تثر من الجدل ما أثاره شبح هذا العام.
كانت أول وسيلة بدائية استخدمتها للتنقيب عن الشبح، هي التأمل في وجوه الناس. فالشبح عندما يظهر في مكان ما، فإن ظهوره ينعكس تلقائيا على وجوه الناس، الذين تغمرهم سعادة غريبة، وعارمة، تنتقل عدواها بشكل سريع جدا. فتكثر الابتسامات، وتختفي الخصومات، وتقل التجاعيد، وتنقص أعمار المواطنين سنين عددا، ليس بالطبع على طريقة التلفزيون الرسمي، الذي "اختلس" بمناسبة الخمسينية، ثلاثة عقود من أعمار الموريتانيين، ومن عمر دولتهم الفتية. وهي العقود الثلاثة التي كان من المفترض أنها تفصل ـ حسابيا ـ العام 1978 عن العام 2008.
المهم أن تأمل ملامح المواطنين أوحى لي بأن الشبح لم يظهر في هذا العام، الذي زادت فيه أعمار الناس، وكثر فيه غضبهم، وتعددت فيه خصوماتهم، وصاروا يتصارعون ويتخاصمون لأتفه الأسباب.
وبعد فشل "التقنية الأولى"، في العثور على آثار الشبح، قررت استخدام "تقنية ثانية"، في عملية التنقيب. وهذه التقنية تعتمد على زيارات "مفاجئة" لمطاردة الشبح، في أماكن مظانه، والتي يقول البعض بأنه ظهر فيها في العام 2010.
كانت البداية بالأحياء العشوائية التي يقطنها الفقراء، وكان أول شيء قمت به في تلك "الزيارات المفاجئة" التي لم تكلفني التحرك ولو لأمتار معدودة، هو أني بحثت عن الشبح في مطابخ الفقراء.
ولقد لاحظت بعد تفتيش تخيلي عميق، لعدد من تلك المطابخ، بأنه لا وجود لآثار الشبح في تلك المطابخ، التي تناقصت فيها ـ وبشكل لافت ـ كميات اللحوم البيضاء و الحمراء. كما تناقصت كمية "الأرز الفاسد" و"الأرز المصحح"، وتراجعت نسبة الزيت، واختفت الخضروات من وجبات الفقراء، خاصة في آخر العام، مما أعطى لتلك الوجبات لونا أبيض محايدا، يعكس حياد الفقراء، والذين تخلت غالبيتهم عن مساندة "رئيسهم"، دون أن يعني ذلك أنهم قد التحقوا فعلا بمعارضيه . لقد تراجع كل شيء في مطابخ الفقراء، إلا المرق الذي لا زال بإمكانهم أن يزيدوه بسنتيلترات مكعبة، على حساب الطعم طبعا، بعد توفر الماء، مع انطلاقة مشروع "آفطوط الساحلي".
لم يترك "شبح 2010" أثرا ـ أي أثر ـ في وجبات الفقراء، إلا أنه رغم ذلك لا يمكن الجزم بأنه لم يزر أحياءهم في هذا العام. فهناك أرقام ورموز مبهمة على البيوت والأعرشة، وهناك آثار "خراب"، تركها شيء ما، حاول أن يشق ـ بشكل عنيف ـ طرقا في العشوائيات، وذلك قبل أن يختفي تماما عن الأنظار. وقد يكون ذلك الشيء المتعجرف هو "شبح 2010" الذي أنقب عنه.
تركت العشوائيات، ووليت وجهي شطر "ساحة التحدي" أو ساحة "التغيير البناء"، يوم مهرجان "الأقلية الداعمة" للرئيس. أقول "الأقلية الداعمة" لأنها هكذا تظهر في البرلمان، فهي تفشل دائما في أن تكون ندا للأغلبية المعارضة. يمكن لكل قارئ أن يتأكد من أن الأغلبية البرلمانية أقلية، وأن الأقلية البرلمانية أغلبية، من خلال "تمرين سياسيي" بسيط، يتلخص في إعداد لائحتين: لائحة بكل أسماء نواب "الأقلية الداعمة" الذين يتذكر أسماءهم الآن، ولائحة بأسماء نواب "الأغلبية المعارضة"، ثم يقوم بعد ذلك بالمقارنة بين عدد الأسماء الموجودة في اللائحتين. بالنسبة لي لا أعرف أسماء العديد من نواب "الأقلية الداعمة" للرئيس، بل أن هناك نوابا لا أعرف إن كانت لهم القدرة على النطق أم لا، وهناك آخرون لم أشاهدهم، ولو لمرة واحدة، رغم أن مأموريتهم أوشكت على النهاية، ورغم أني لا أتابع في التلفزيون إلا مداولات البرلمان.
تركت العشوائيات، وتوجهت لمهرجان "التحدي". كنت أعلم أني إن ركبت حافلة إيرانية، فأسمع الركاب يتحدثون عن وجود الشبح. وإن ركبت سيارة أجرة ألمانية، فإن السائق والركاب سينكرون لي وجود الشبح. وسيتحدثون عن ارتفاع سعر البنزين، وعن ارتفاع الضرائب على السيارات، وعن أشياء أخرى كثيرة، تنفي وجود الشبح.
قررت أن أسافر خياليا إلى "ساحة التحدي"، دون اللجوء لاستخدام وسيلة نقل عام، حتى لا يتم التشويش على عملية التنقيب. كانت لوحة "التحدي" في مهرجان "الأقلية الداعمة" ناقصة، تنقصها شامة على الخد الأيسر، وكانت الشامة هي الغائب الوحيد، عن اللوحة الأصلية، التي تم تصحيحها مرتين، أولهما في أول أربعاء من أغسطس 2005، وثانيهما في أول أربعاء من نفس الشهر من العام 2008. المهم أن إحدى "المناضلات" التي تترأس أحد أحزاب "الأقلية الداعمة"، تحدثت عن الإنجازات الجبارة لصاحب الشامة، وذلك ربما لتعويض النقص الحاصل في اللوحة.
حاولت أن أجد تفسيرا لتغيير اسم الساحة، من ساحة "التغيير البناء"، إلى ساحة "التحدي"، وكان التفسير الوحيد لذلك التغيير، هو أن "التغيير البناء" استطاع أن يتحدى الفقراء الذين انتخبوه، وتمكن في وقت وجيز من أن يُعيد إلى واجهته، كل "أشباح" المفسدين الذين احتضنهم مرتين، بعد أن انقلب عليهم مرتين.
في اليوم التالي لمهرجان التحدي، وفي مقاطعة عرفات نفسها، انطلقت مظاهرات "التحدي" والتي نظمها أبناء الفقراء، لتحدي مهرجان "التحدي"، وأنكر الطلاب المتظاهرون في عرفات وجود الشبح، بعد أن أكد المشاركون في مهرجان التحدي وجوده.
تركت المهرجان والمظاهرات وأنا في حيرة من أمري، فهل أصدق المشاركين في المهرجان وأقر بوجود "شبح 2010"؟ أم أصدق الطلاب المتظاهرين وأنكر وجود ذلك الشبح؟ وهل أصدق ركاب الحافلات الإيرانية، أم أصدق ركاب سيارات الأجرة الألمانية؟ وهل أصدق المبنى الكبير لمستشفى "الصداقة" في عرفات، والذي يكاد يصرخ بحقيقة وجود "شبح 2010"؟ أم أصدق مستوى الخدمات الصحية، داخل مستشفى الصداقة، وداخل غيره من المستشفيات والمراكز الصحية، والتي تؤكد بأن وزارة الصحة لم يزرها شبح، لا في هذا العام، ولا في الأعوام التي سبقته؟
تركت تلك الأسئلة بلا إجابات، وقررت أن أتجه مباشرة إلى ثانوية عرفات لمواصلة مطاردة الشبح. توقعت أن أجد في ساحة الثانوية آلاف الطاولات المدرسية الفائضة عن احتياجات الثانوية. لقد كان من المفترض أن تكون وزارة التشغيل والدمج والتكوين المهني قد سلمت لوزارة التعليم قبل أن تلتحق بها 100.000 طاولة مدرسية، في إطار مشروع الطاولة المدرسية، الذي لم يعلن رسميا عن وفاته، رغم أنه قد تم الإعلان ـ وبكثير من التطبيل ـ عن ميلاده، في يوم "مشهود" من أيام التغيير البناء "المجيدة"، وهو اليوم الذي زار فيه الرئيس وبشكل مفاجئ الثانوية التجارية، بعد وصوله من زيارة مفاجئة لجمهورية إيران الإسلامية.
اكتشفت بعض آثار للشبح في بعض فصول الثانوية، ولكن بعد تحليل عميق لتلك الآثار تأكدت أنها تعود إلى السنة الدراسية 2007 ـ 2008. أما بعد تلك السنة الدراسية، فيمكن القول بأن الشبح لم يزر ثانوية عرفات ولا أي ثانوية أخرى. وقد لا يزورها في المستقبل القريب. فرئيس الجمهورية الذي وعد بمنتديات للتعليم، وطالب بعدم تسييسها، كان هو أول من سيُّس التعليم، عندما اختار للتعليم الثانوي وزيرا غارقا في السياسة حتى التراقي، ومعروفا بتصريحاته الحادة، التي لا زالت ـ مع تصريحات بعض المعارضين المتطرفين ـ تعيق قيام حوار بين "الأقلية الداعمة" و"الأغلبية المعارضة".
بعد "الزيارة المفاجئة" لثانوية عرفات، توجهت ـ خياليا ـ إلى محطة للبنزين بحثا عن الشبح. ولعل من أكثر الغرائب التي يمكن تسجيلها عند أي محطة للبنزين، هي أن البنزين كان يباع في البلاد بسعر أقل بكثير من سعره الحالي، رغم أن سعر النفط عالميا كان قد وصل في العهد السابق إلى 130 دولارا، في حين أن سعره لم يتجاوزفي العهد الحالي91 دولارا.
كانت محطة البنزين، هي آخر محطة أنقب فيها عن الشبح في " قطاع عرفات". بعد تلك المحطة توجهت فورا إلى بعض الوزارات. في وزارة الثقافة وملحقاتها، غابت الثقافة، وغابت الرياضة، وتُرك الشباب يواجه عدوه الأول (الفراغ)، وذلك بعد توقف جائزة شنقيط، وبعد تنازل نواكشوط عن لقب عاصمة للثقافة الإسلامية، وبعد إغلاق جميع دور الكتب، وبعد انسحاب الفريق الوطني من بعض التصفيات. في وزارة الداخلية لا يمكن توقع وجود الشبح، اللهم إلا إذا كان متخفيا في قانون إصلاح الحالة المدنية. في وزارة الصحة قد يكون من العبث التنقيب عن الشبح هناك. في وزارة المالية، لا يوجد ـ بالتأكيد ـ شبحا، وإنما توجد "عفاريت نشطة" لم تسمح لوزير المالية، ولا لمدير الضرائب، ولا لمدير الميزانية، أن يستقروا في مناصبهم. في وزارة التجارة كنت مضطرا للتنقيب عن الوزارة نفسها، قبل التنقيب عن الشبح في مكاتبها، فالوزارة لا زالت مختفية عن الأنظار منذ رمضان الماضي. في وزارة الاتصال، لا يمكن لخبراء التنقيب، والذين يملكون أحدث التقنيات، أن يجدوا أي أثر للشبح، لا في برامج التلفزيون، ولا في صفحات الشعب. الغريب أن وزير الاتصال يصر دائما، على أن يطلب منا ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ أن نتذكر الوضعية المزرية التي كانت توجد فيها مؤسسات الإعلام الرسمي، في العهود السابقة، وأن نقارنها بوضعيتها الحالية.وهنا تكمن المشكلة، فنحن لم نستطع أن ننسى "الوضعية المزرية" التي كان يتخبط فيها إعلامنا الرسمي في المرحلة الانتقالية الأولى. ومقارنة التلفزيون اليوم، بالتلفزيون في تلك المرحلة، هو الذي يجعلنا نتمنى أن يعود تلفزيوننا لوضعيته "المزرية" السابقة، والتي هي بالتأكيد أفضل من وضعيته التي هي أكثر من مزرية، والتي يتخبط فيها حاليا. لم أفتش ـ خياليا ـ في بقية الوزارات لأنها لا تختلف "جيولوجيا" عن الوزارات التي تم التنقيب فيها، عن شبح لم يزرها.
قررت بعد ذلك أن أسافر خياليا إلى قطاع آدرار، رغم أنه لا يمكن أن نتوقع وجود "شبح 2010"، في ولاية تهددها المجاعة، وخلفت فيها حمى الوادي المتصدع العديد من الضحايا. اللافت للانتباه في هذا "القطاع"، أن نائب الولاية، ترك لأحد نواب "الأغلبية المعارضة"، شرف توجيه سؤال شفهي لوزير الصحة عن الوباء. وقد كان من المفترض أن يوجه نائب الولاية السؤال الشفهي لوزير الصحة، ليس لأن الولاية المتضررة هي التي جعلت منه نائبا، وليس لأنه أولى من غيره بطرح همومها. بل لأن صحيفته البرلمانية، وصحيفة "الأقلية الداعمة" التي ينتمي لها، بحاجة لأن يكون فيها ـ على الأقل ـ سؤالا شفهيا واحدا. ولم يكن من المناسب أن يترك ذلك السؤال ـ الذي كان لابد له من أن يطرح ـ لنائب من "الأغلبية المعارضة"، في صحيفته، وفي صحيفة "الأغلبية المعارضة" التي ينتمي لها، العديد من الأسئلة الشفهية الهامة.
اتجهت ـ بعد ذلك ـ شرقا عبر شارع الأمل، ولم ألاحظ أي آثار للشبح، خاصة في القرى والمقاطعات التي تضررت من الأمطار في موسم الخريف الماضي، والتي لم يتم التعامل مع نكبتها بشكل مناسب. لا زالت مقاطعة الطينطان تعاني، ولا زال مقطع الطريق الفاصل بين مقاطعة كيفة والطينطان، في حالة مزرية، رغم مرور مدة طويلة وكافية لترميمه.
والمؤكد أن من يسافر عبر طريق الأمل، لن يدعو بخير لوزير التجهيز، ولا للحكومة، أثناء مروره بالمقطع المتضرر.
وفي مدينة لعيون لا يوجد أي أثر للشبح، ويكفي أن نعرف بأنه لا يوجد مقهى واحد للانترنت، في هذه المدينة الجميلة. وساعة الانترنت البطيء تكلف 500أوقية، على جهاز يستخدمه صاحبه كمقهى للانترنت بجهاز واحد. قبل 2005 كان يوجد في هذه المدينة، وفي كل عواصم الولايات مقاهي توفر الانترنت، بسرعة أكبر، وبسعر أقل.
ومما يجب الإشارة إليه، في ختام عملية التنقيب هذه، أنه قد واجهتني بعض المشاكل "الفنية"، لأنه في بعض الأحيان، كنت أجد أثرا لشبح دون أن أستطيع أن أحدد إن كان "شبح 2010"، أو شبحا آخر. وللتغلب على ذلك المشكل، قررت أن أنقب في أراضي بكر، إذا وجدت فيها آثار لشبح، أي شبح، فسيكون من المؤكد أنها آثار "شبح2010".
لم أستطع أن أسافر خياليا لعاصمة مقاطعة أظهر، فقد كانت انبيكت لحواش أبعد من أن يصل إليها خيالي الذي أنهكته الأسفار. المهم أني سمعت بأن الحكومة قد شيدت فيها مدرسة. وبالطبع فبإمكان الحكومة أن تقول بأنها فتحت مقاهي للانترنت في انبيكت لحواش، وأنها شيدت دارا للكتاب، وملعبا، ومسرحا، ودارا للشباب، ومنتجعا سياحيا، وعدة متاجر تبيع بالتخفيض. بإمكانها أن تقول كل ذلك، لأنه لا أحد بإمكانه أن يفند ذلك.
ولأني لم أستطع أن أسافر خياليا إلى مقاطعة أظهر، فقد قررت أن أسافر إلى أرض بكر أخرى، وهي تجمع "ترمسة" الذي يضم ـ نظريا ـ 22 قرية، والذي دشنه الرئيس. المفاجأة أنه لا يوجد أي أثر لشبح 2010، ولازال أهل القرى يرفضون الرحيل إلى "ترمسة" التي يقال بأن مياهها مالحة، وأنه لا يوجد في حدودها ما يشجع للرحيل إليها كالوديان أو السدود.
الخلاصة: لم أتوصل بمعلومات قاطعة، تثبت أن "شبح 2010 " قد ترك آثارا ملموسة، على الأراضي الموريتانية. تقول المعارضة في هذا الإطار، بعد تقييمها لحصاد 2010، بأنه لا أثر لأي أداء حكومي في العام 2010، وأنه من العبث البحث عن أثر لهذا الأداء، على الأراضي الموريتانية. أما الموالاة فإنها تقول بأن الأداء الحكومي في هذا العام كان متميزا، وغير مسبوق، وأنه من العبث البحث عن آثاره، لأن آثاره بادية في كل مكان.
أعتقد أنكم الآن لم تعودوا بحاجة لأن أقول لكم بأن المقصود بشبح 2010، هو الأداء الحكومي في العام 2010.
تصبحون على أداء حكومي أفضل... وإلى الأحد القادم إن شاء الله...

الخميس، 20 يناير 2011

اسمعوني يا سيادة الرئيس قبل أن...!؟



أرجوكم حاولوا أن تسمعوا أنيني قبل فوات الأوان..
أرجوكم حاولوا أن تسمعوا صراخي فقد بحت حنجرتي..
أرجوكم حاولوا أن تخففوا ـ قليلا ـ من همومي فقد احدودب كاهلي..
أرجوكم حاولوا أن تنصفوني فقد آن الأوان لأن تنصفوني..
أرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تفعلوا شيئا من أجلي فما عدت أطيق الانتظار..
وابشروا ـ يا سيادة الرئيس ـ فإني لن أفكر يوما في الانتحار..
ولن أرتكب أشنع الكبائر..
ولن أتحول أمام قصركم شعلة من نار..
ولو كان الانتحار من الفعل المباح..
لتمنيت أن تكون لي تسعة أرواح..
حتى أرسل لكم رسالة مشتعلة في كل صباح..
واحدة باسم "عجوز امبود" التي تمنت أن تكون ناقة..
وثانية باسم طفل شارع يقتات على القمامة..
وثالثة باسم عاطل عن العمل مأساته بلا نهاية..
ورابعة باسم ربة بيت لها مع الأرز والزيت والسكر ألف حكاية وحكاية..
وخامسة من "حمُّال" يناضل من أجل أبخس زيادة ..
وسادسة من مثقف لا يُسمح له أن يسمع صوته أو أن يظهر على الشاشة..
وسابعة من شاب لا يجد مكانا يمارس فيه أي هواية..
وثامنة من معوق بلا كفالة ولا إعانة ولا عناية..
وتاسعة من مغترب كأنه بلا سفارة..
*****************
تقول حكومتكم لأبطال رسائلي إنهم يعيشون في سلام..
وإن بطونهم ملئت بأشهى طعام..
وإن أطفالهم يدرسون بانتظام..
و ينجحون في كل عام..
وتقول إنها شيدت لهم دولة جديدة من تحت الركام..
يُعامل فيها الفقير بكل احترام..
ويُعالج فيها المريض من سيء الأسقام..
ويُحارب فيها المفسد بالعصي والسهام..
وتتعايش فيها الأعراق بوئام..
تقول لهم حكومتكم كثيرا من الكلام..
وتوزع عليهم شتى أصناف الأوهام..
فأرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تقيلوا حكومة الكلام..
فقد سئمنا العيش في دولة من كلام..
********************
وتقول لهم أغلبيتكم إنهم يعيشون عصر تبجيل الفقراء..
وإن عهدهم عهد تغيير بناء..
و إنهم لن يفترشوا الأرض ولن يلتحفوا السماء..
وتقول لهم إن بيوتهم تنار بالكهرباء..
ويتدفق من داخلها الماء..
وتقول لهم إن مستشفياتهم مليئة بالدواء..
وإن المقاطعات الجديدة تُشيد لهم في كل صحراء وبيداء..
وإن المفسدين يعيشون في عزلة وجفاء..
وإن الإرهاب لم يعد قادرا على إراقة الدماء..
ويقول لهم معارضوكم إنهم يعيشون عصر حفنة من الأغنياء..
وإن العهد عهد ابتلاء..
وإنهم لا زالوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء..
وإن مستشفياتهم خالية من الدواء..
ومتاجرهم لم يعد لها زبناء..
وتقول لهم إن الصفقات تمنح للأقارب والأصدقاء..
والتعيينات أصبحت حكرا للحلفاء..
والعمال أصبحوا بلا رواتب كالعبيد والأرقاء..
تقول أغلبيتكم لأبطال رسائلي بأنهم يعيشون في نعيم ما بعده شقاء..
ويقول لهم معارضوكم بأنهم يعيشون في شقاء ما بعده شقاء..
ويتبادل الفريقان الشتائم بسخاء..
ويتلفظون بكلمات نابية بلا حياء..
ويسمع أبطال رسائلي الكثير من الهراء..
والحقيقة أن ما تقوله لهم أغلبيتكم هراء..
وما يقوله معارضوكم هراء..
وهم قد سئموا العيش في دولة لا تتقن نخبها إلا الهراء..
إنه يحلمون بنخب تقدم بعض الأفكار..
لتخفف قليلا من حدة الأسعار..
ويحلمون بنخب تفكر بإبداع..
لتزيل الهموم والأوجاع..
ولتطعم بعض الجياع..
*****************
أرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تستمعوا مباشرة للبسطاء..
أن تستمعوا إلى أنينهم دون وسطاء..
وأن تهدموا السور العظيم الذي شيدتموه بينكم وبين الفقراء..
الذين صوتوا لكم بكثافة على التغيير البناء..
فما تقوله عنهم أغلبيتكم مجرد هراء..
وما تقوله المعارضة كذلك مجرد هراء..
و تصفيق الأغلبية لن يتحول إلى إنجاز..
وجفاء المعارضة لن يخفيَّ ما تحقق من إنجاز..
واعلموا أن هؤلاء البسطاء..
لن يكتموا قرص دواء..
قدمته حكومتكم ذات صباح أو مساء..
حتى ولو أنشدت المعارضة ألف قصيدة هجاء..
واعلموا أن تصفيق أغلبيتكم والتي هي أغلبية كل الرؤساء..
لن يجعل أولئك البسطاء يحسبون قرص دواء..
كلفهم كثيرا من الجهد والعناء..
ضمن إنجازات التغيير البناء..
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد...وإلى الرسالة المفتوحة التاسعة عشر إن شاء الله.

الأحد، 16 يناير 2011

برقية عاجلة إلى رئيس الجمهورية



سيدي الرئيس،
نظرا للارتفاع العالمي المذهل لأسعار المواد الأساسية، ونظرا لما حدث في بعض الدول الشقيقة، والذي لا يوجد أي بلد محصن ضده، ونظرا لنتائج اجتماع مجلس الوزراء الأخير والذي لم يستجب للأسف الشديد، في هذه المرحلة الحرجة، لتطلعات الفقراء بصفة عامة، ولا لتطلعات العاطلين عن العمل، والذين وجهوا رسائل عديدة، يبدو أن الحكومة لا تريد أن تقرأها بشكل صحيح.
نظرا لكل ذلك، فقد ارتأيت أن أكتب لكم هذه البرقية على وجه السرعة، وذلك لأقول لكم
بأن الكثير من الفقراء، قد أصبح يعيش حالة إحباط شديد نتيجة لأسباب عدة من بينها:
1 ـ لم يكن الفقراء الذين صوتوا لكم، يتوقعون منكم أن تحتضنوا ـ وفي وقت قياسي ـ أغلب مفسدي موريتانيا، رغم أنكم تمكنتم من الاستغناء عنهم، أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، والتي كنتم تحتاجون فيها لأصواتهم. ولقد زاد مهرجان الأغلبية الأخير من حدة إحباط أولئك الفقراء.
2 ـ إن الفقراء الذين انتخبوكم لم يتوقعوا أن تُسد قنوات الاتصال بينكم وبينهم، خاصة في هذه الفترة التي قد يكون فيها لسد قنوات الاتصال بين الرئيس وشعبه، كلفة باهظة، وباهظة جدا. لقد أصبح من اللازم تأسيس ديوان للمظالم، مع الفتح الفوري لوسائل الإعلام الرسمي، وبشكل نهائي، أمام المواطنين العاديين، وأمام حملة الشهادات العاطلين، وأمام نخب كثيرة تم تهميشها وإقصاؤها وحرمانها من قنوات الإعلام الرسمي.
3 ـ إن استقرار الدول والأنظمة، لم يعد بالإمكان تحقيقه من خلال النخب، ولا من خلال "المفسدين"، ولا حتى من خلال الحوار مع المعارضة، رغم أهمية ذلك الحوار. إن ذلك الاستقرار لم يعد يمكن تحقيقه إلا من خلال الإصغاء الجيد للفقراء، مع المحاربة الجادة والفعلية للفقر والجوع والبطالة.
4 ـ لا جدال في أهمية تشييد الطرق التي تعطي لعاصمتنا الفتية وجها جميلا، ولا جدال في أهمية حمايتها بحزام أخضر، لا جدال في كل ذلك. ولكن تجميل العاصمة أو حمايتها قد يحتمل التأخير لأشهر أو لعام، إلا أن دعم الأسعار، وخلق فرص عمل، لم يعد يحتمل التأخير في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية في الأسواق العالمية، وفي ظل الاحتجاجات الاجتماعية المتنامية، و التي لا يوجد أي بلد بمنأى عنها.
5 ـ لا جدال في أن إعداد برامج واستراتيجيات لمحاربة الغلاء في المستقبل هو أمر في غاية الأهمية، ولا جدال في أهمية زراعة القمح والسكر، ولا جدال في أهمية العمل على زيادة الإنتاج من اللحوم والألبان، إلا أن ذلك كله، لا يبرر إطلاقا عدم اتخاذ إجراءات فورية للحد من آثار الغلاء. كما أنه لا يبرر عدم التدخل المباشر لسونمكس، والتي يجب أن تتدخل فورا لاستيراد بعض المواد الغذائية، وبيعها بأسعار معقولة بدعم من الدولة.
6 ـ إن الأولوية في هذه المرحلة الحرجة يجب أن تمنح أولا، وثانيا، وثالثا، لخلق فرص عمل، و لدعم الأسعار، خاصة إذا ما ظلت الأسعار العالمية، في ارتفاع متواصل. كما أنه قد أصبح من الضروري تشكيل لجنة وزارية تعمل من أجل التخفيف من آثار الغلاء، خاصة في الأوساط الأكثر فقرا.
سيدي الرئيس،
أما فيما يخص البطالة، فقد كنا نتوقع من مجلس الوزراء، أن يتخذ إجراءات عاجلة لخلق فرص عمل جديدة، من أجل الحد من البطالة التي بلغت نسبتها في بلدنا أعلى نسبة في المنطقة. ولم نكن نتوقع من الحكومة أن يقتصر دورها في مكافحة البطالة، على جمع أعداد المكتتبين في وزارات ظلت في كل عام تكتتب موظفين، وتقديم تلك الحصيلة مجتمعة على أنها تشكل انجازا كبيرا. ولقد كنا نتوقع من الحكومة بدلا من ذلك أن تقوم ببعض الإجراءات الفعلية من قبيل:
1 ـ التزام الحكومة بتوفير فرصة عمل، لكل أسرة تضم أكثر من ثلاثة عاطلين من حملة الشهادات، وذلك للتخفيف من مستوى تركيز البطالة في الأسر الأكثر فقرا.
2 ـ كنا نتوقع أن يتم الإعلان عن تأسيس صندوق يوفر تعويضات اجتماعية للعاطلين عن العمل، خاصة منهم أولئك الذين قضوا على الأقل خمسة سنوات بعد التخرج، دون الحصول على وظيفة.
3 ـ لقد كنا نتوقع أن يتم اتخاذ إجراءات جدية، كضخ دماء جديدة، في وكالة تشغيل الشباب، وكتوفير موارد جديدة لهذه الوكالة، وذلك لكي تستعيد هذه الوكالة دورها الذي تخلت عنه منذ مدة.
4 ـ ولقد كنا نتوقع اتخاذ إجراءات " ثورية" للحد من البطالة، كأن تتنازل الدولة مثلا عن حصتها في شركة النقل العمومي، لصالح حملة الشهادات العاطلين عن العمل، وذلك لكي يكونوا مساهمين مع رجال الأعمال في تلك الشركة، التي تم فتح رأسمالها أمام رجال الأعمال. ومثل ذلك الإجراء كان سيوفر لآلاف العاطلين عن العمل مصدرا للعيش الكريم.
سيدي الرئيس،
لقد آن الأوان لأن يُفتح لحملة الشهادات العاطلين عن العمل بصيص أمل، وقد آن الأوان لأن تتاح لهم إمكانية العيش الكريم في بلدهم، وذلك لكي لا يلجؤوا لتصرفات يائسة وطائشة، قد تتسبب في خسائر كبيرة، وقد تكلف ما كان يكفي لدمج أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد...وإلى الرسالة الثامنة عشر إن شاء الله.

الثلاثاء، 11 يناير 2011

ماذا نريد من الزعيم "مسعود"؟




هذا المقال ليس إلا امتدادا لمقال بعنوان "الانقلاب الأسمر"، الذي كتبته منذ عام تقريبا، وخصصته للحديث عن بعض التصريحات، التي أطلقها ـ في ذلك الحين ـ بعض قادة حركة الحر، لكي يمهدوا بها لإعلان بيانهم الأول للانقلاب على زعيم ومؤسس الحركة.
بعد نشر ذلك المقال، تلقيت ردودا متباينة ومتناقضة، من بينها ردود غاضبة، اعتبر أصحابها ـ سامحهم الله ـ أن اختيار الموضوع، كان نتيجة لسوء نية. كما اعتبروا أن الخلافات التي تحدثت عنها، مجرد خلافات وهمية، لا أساس لها من الصحة.
وبعد مرور عام تقريبا، تبين أن تلك الخلافات، لم تكن مجرد خلافات تخيلية أو وهمية، وذلك بعد أن أفضت ـ في مطلع هذا العام ـ إلى إعلان البيان الأول، الذي اعتبره البعض ـ ولهم الحق في ذلك ـ مجرد بيان فاشل، لمحاولة انقلابية فاشلة. في حين أن البعض الآخر، اعتبره مقدمة لـ "حركة تصحيحية"، كان لابد منها، لتصحيح مسار نضال حركة الحر.
ويعتقد " المنقلبون"ـ أو "المصححون"إذا ما أرادوا تسميتهم بذلك ـ أن مسار الحركة، بدأ ينحرف عن الاتجاه الصحيح. وأن السبب في ذلك، يعود إلى تخلي الزعيم "مسعود" عن دوره النضالي الحركي، لصالح دوره الوطني المتنامي.
وهذه الحجة بالذات، هي التي جعلتني أعود إلى الموضوع من جديد، وذلك لأتحدث بشكل أكثر تفصيلا، عن فقرة أوردتها في مقال "الانقلاب الأسمر"، لتبيان أهمية التوفيق بين الدورين : الحركي والوطني.
وقد جاء في تلك الفقرة ما نصه: " إن الزعيم "مسعود" سيبقى أعظم هبة قدمتها موريتانيا لحركة الحر، كما أنه سيبقى ـ في المقابل ـ أعظم هبة قدمتها حركة الحر لموريتانيا. لذلك فإنه لا يجوز لحركة الحر أن تحتكره، وتحرم موريتانيا منه. كما أنه لا يجوز لموريتانيا أن تحتكره، وتحرم الحركة من زعيمها المؤسس."
وفي ظل تطورات الأحداث، التي تعرفها الحركة اليوم، فقد ارتأيت العودة إلى هذه الفقرة من المقال المذكور، لأن ما ورد فيها قد يرى البعض أنه مجرد كلام نظري جميل، وذلك لأبين أن الزعيم "مسعود" بإمكانه ـ وهو ما يفعله بجدارة ـ أن يوفق بين النضال من أجل الشريحة، والنضال من أجل الوطن. وأنه لا تناقض ـ على الإطلاق ـ بين النضالين، إلا في أذهان بعض"المنقلبين"، أو "المصححين"إذا ما أرادوا تسميتهم بذلك.
ومن الغريب حقا، أن يطلب البعض من الزعيم " مسعود"، أن يتجاهل أنه يعيش اليوم في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وأن يطلب منه أن يعود إلى نفس أساليب النضال، التي كان يمارسها في نهاية السبعينات، من القرن الماضي.
وإنه لمن الغريب كذلك، أن يُطلب من هذا الزعيم، أن يتجاهل الانجازات الكبيرة التي تم تحقيقها خلال العقود الماضية، والتي من بينها ترسانة قوية من القوانين، لا زالت ـ بطبيعة الحال ـ تحتاج لجهد كبير، من أجل العمل بها. ومن الغريب أيضا، أن يُطلب منه أن يتجاهل أن مكافحة الرق، لم تعد كما كانت في الماضي، ولم تعد قضية شريحة، بل أصبحت مطلبا وطنيا، لدى كل القوى السياسية، حتى وإن كان لا يزال عند الكثيرين مجرد مطلب نظري،لا يترتب عليه أي عمل ميداني. فكيف يُطلب ـ إذاً ـ من الزعيم "مسعود" أن يتجاهل كل ذلك؟ وكيف يُطلب منه أن يضيع الفرصة الكبيرة المتاحة له اليوم، والتي لم تأت صدفة، وإنما جاءت ثمرة لعقود من النضال المتواصل؟ فكيف يطلب منه أن يتنازل عن قيادة حركة وطنية كبيرة ومتنامية لمكافحة الرق، تشارك فيها كل القوى السياسية، وإن بدرجات متفاوتة جدا، وذلك لكي يحافظ على قيادة حركة الحر، التي لم تعد صالحة للبقاء بلبوسها القديم، بعد أن أدت دورها ، كاملا غير منقوص، في مكافحة الرق، وباعتراف الجميع.
لم تعد حركة الحر، بزيها وبلونها التقليدي، صالحة للبقاء. ولم يعد بإمكان الزعيم "مسعود" ـ حتى وإن أراد ذلك ـ أن يعود بالتاريخ إلى الوراء، ولم يعد بإمكانه ـ كذلك ـ أن يدير ظهره لآلاف الموريتانيين، من الشرائح والأعراق الأخرى، والذين يعلقون عليه آمالا كبيرة، لا تقل عن مستوى الآمال، التي يعلقها عليه أنصاره من شريحة لحراطين.
ولكن في المقابل، أليس من الظلم أن نطلب من الزعيم "مسعود"، أن يتعامل مع البسطاء من شريحته، والذين رفعوه مكانا عليا، كما يتعامل مع أنصاره من الشرائح الأخرى؟
ألا يستحق أولئك معاملة متميزة، لأنهم هم الذين يرجع لهم الفضل في تقديم الزعيم " مسعود" إلى كل الموريتانيين؟ ألا يستحق أولئك البسطاء "تمييزا إيجابيا" من الزعيم " مسعود" ، وهم الذين يستحقون ذلك التمييز ـ باتفاق الجميع ـ من طرف الحكومة، ومن طرف كل القوى السياسية الأخرى؟
في اعتقادي الشخصي، أن هناك دورين أساسيين، يجب أن يلعبهما الزعيم "مسعود"، في الحاضر، وفي المستقبل المنظور، لصالح شريحة لحراطين، وهما يشكلان ـ بالتأكيد ـ امتدادا لنضال حركة الحر، ولكن بأساليب ووسائل جديدة، لا تتناقض، ولا تتعارض ـ بأي حال من الأحوال ـ مع مكانته الوطنية المتميزة، التي أصبح يتمتع بها.
وقبل الحديث عن هذه الدورين الأساسين، قد يكون من المناسب، تقديم بعض الملاحظات، عن قضايا ذات صلة بالموضوع، يتزايد الحديث عنها منذ مدة.
الملاحظة الأولى: لا خلاف في أن مكافحة الاسترقاق، ومخلفات الرق، يجب أن تكون على رأس القضايا التي على الموريتانيين أن يناضلوا في سبيلها. ولا خلاف أيضا في أن من تفرغ للدفاع عن تلك القضايا العادلة، يستحق من الجميع احتراما وتقديرا خاصا، ولكن ذلك لا يشرع، بأي حال من الأحوال، لبعض المدافعين عن تلك القضية العادلة، أن يتجاهلوا المصالح العليا للوطن، والتي يجب أن تظل فوق كل المصالح العرقية، أو السياسية، أو الجهوية، أو القبلية. كما أن شرف الدفاع عن تلك القضية العادلة، لا يمنح لصاحبه بطاقة تأمين ضد النقد إذا ما أخطأ. ولا يجيز له انتقاد الشرائح، و الأعراق الأخرى، بعبارات مسيئة ونابية.
الملاحظة الثانية: إنه ليس من العدل تحميل الأجيال الحالية أوزار غيرها. كما أنه ليس من الحكمة أن ننبش التاريخ كثيرا، وليس من المفيد أن ننقب عن كل الصفحات السوداء في تاريخنا، وأن نقدمها من جديد، لتحميل الأجيال الحالية أخطاء آبائهم وأجدادهم الذين مارسوا العبودية ـ وأشياء أخرى ـ بشكل مشين.
إن في تاريخنا القريب والبعيد، آلاما كثيرة ليست محصورة فقط، على ممارسة العبودية بأبشع صورها. فهناك قبائل أبادت تقريبا قبائل أخرى، وهناك مقاومون استشهدوا في معارك شارك فيها موريتانيون مع المستعمر الفرنسي، لذلك فإن نبش التاريخ سيفتح جراحا مؤلمة كثيرة. كما أن بعض الأرقاء السابقين يتحملون أيضا جزءا من المسؤولية، فالفقر لا يبرر بيع الأبناء بسعر زهيد، وعدم تكافؤ القوة لا يبرر كذلك عدم الدفاع عن النفس.
ورغم ذلك، فإذا كان لا يمكن تحميل جرائم الماضي للأجيال الحالية، فإن جرائم الحاضر تتحمل مسؤوليتها ـ وبشكل كامل ـ أجيالنا الحالية، والتي يجب عليها جميعا، كل من موقعه، أن يشارك في فضحها، وكشفها، والدفاع عن ضحاياها. ولم يعد من اللائق أن تظل تلك المهمة مقتصرة على بعض نشطاء شريحة لحراطين، وإن كان يجب عليهم أن يكونوا في الصفوف الأمامية. ولم يعد من اللائق أن يتواصل غياب أبناء الشرائح الأخرى، عن تلك المهمة الوطنية النبيلة، والسامية. و أتمنى أن يتمكن "حراس المستقبل"، بعد أن يحصلوا على الترخيص القانوني، من لعب دور فعال في هذا المجال.
الملاحظة الثالثة: إن الدفاع عن القضايا العادلة، ومناصرة المظلومين، تستدعي قدرا كبيرا من الحيطة والحذر. فالمدافع عن القضايا العادلة عليه أن لا يستخدم إلا الوسائل القانونية، والأساليب الشفافة، حتى لا يسيء إلى القضية التي يدافع عنها.
كما أنه مطالب ـ قبل غيره ـ بمناصرة كل صاحب مظلمة، بغض النظر عن دين ذلك المظلوم، أو انتمائه، أو وطنه. وتزداد المناصرة إلحاحا، عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، والتي تشكل أبشع مظلمة معاصرة. لذلك فإن إطلاق بعض المواقف المعادية للقضية الفلسطينية، لا يسيء لتلك القضية، بقدر ما يسيء لمن يطلق تلك المواقف، خاصة إذا كان من أطلقها يدعي النضال في قضية عادلة كمحاربة الاسترقاق. لقد ناصر "نلسون مانديلا" كل المظلومين في العالم، خاصة العرب الذين لا تربطه بهم أي صلة. فقد عُرف هذا المناضل الكبير، بمواقفه الشجاعة الداعمة للشعب الفلسطيني، والمناصرة للشعب العراقي.
الملاحظة الرابعة: إن الذين ينتقدون اليوم الزعيم "مسعود"، إنما يمدحونه من حيث لا يشعرون. فالبعض انتقده لأنه تخلى عن بلدية نواذيبو في العام 2006. ولقد فات أولئك بأن تخليه عن تلك البلدية، ترك أثرا طيبا على العمل السياسي، وأضفى عليه مسحة أخلاقية كان ـ ولا يزال ـ في أمس الحاجة إليها. والذين ينتقدونه لاعتذاره "للأسياد" في الانتخابات الرئاسية الماضية، قد فاتهم أن ذلك الاعتذار رفع الزعيم "مسعود" إلى أعلى سلم النضال، وجعله ندا لمناضلين عالميين تركوا بصمات متميزة في النضال ضد العنصرية، والعبودية، والتمييز بكل أشكاله. في الوقت الذي شكلوا فيه صمام أمان، في بلدانهم، ضد حروب أهلية كانت شبه مؤكدة. لقد دعا "نيلسون مانديلا" سجانه السابق "كريستو براند" للاحتفال بعيد ميلاده 91، وشدد "مانديلا" على أهمية العلاقة التي تربطه بسجانه السابق، وقال: "إن تلك الصداقة، عززت مفاهيمي للإنسانية، حتى مع أولئك الذين أبقوا عليَّ خلف القضبان".
أما في أمريكا، فقد رفضت "روزا باركس" في الخميس الأول من ديسمبر من العام 1955، أن تترك مقعدها في الحافلة لرجل أبيض. وهو ما شكل بداية لنضال طويل، كاد أن يغرق أمريكا في بحر من الدم، لولا أن "مارتن لوثر كينج" اختط للمقاومة، طريقا يعتمد على مبدأ "اللا عنف"، أو "المقاومة السلمية" . ولقد كان ذلك المناضل الأسود يردد دائما، كلمة يقال أنها للمسيح عيسى عليه السلام : "أحب أعداءك، واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيؤون معاملتك".
وفي الحقيقة، فإني لست ممن يرغب في الحديث عن الواقع الموريتاني بمفردات من خارجه. ولم أكن أرغب في أن أجعل من نضال شخصيات خارجية، مرجعا للحكم على نضال شخصيات وطنية، تشكل مرجعا في النضال ضد الرق ومخلفاته. لم أكن أرغب في ذلك، إلا أن استشهاد البعض بأولئك المناضلين العالميين، لتبرير خطابات تتعارض مع خطاباتهم التي عُرفوا بها، هو ما دفعني لذلك.
أما فيما يخص الدورين الأساسيين اللذين يجب أن يعلبهما الزعيم المؤسس لحركة الحر، لصالح شريحة لحراطين، فهما:
أولا : توفير الدعم المعنوي والسياسي لشباب الشريحة، الذي يتفرغ للنضال ضد الاسترقاق ومخلفاته ، خاصة منهم، أولئك الذين يملكون رؤية واضحة، تنسجم مع رؤية الزعيم "مسعود"، ولا يجدون دعما وطنيا ولا دوليا، ويتم تغييبهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ من طرف الصحافة المستقلة، التي تهتم ـ في أكثر الأحيان ـ بالإثارة، أكثر من اهتمامها بالقضية نفسها.
ثانيا : إن أهم شيء يمكن أن نقدمه اليوم لرب أسرة حرطاني، أو عموما لرب أسرة فقير،هو أن ندربه على مهارات، يمكن أن يحولها إلى نقود، تنعكس إيجابا على مستوى معيشة أسرته. أو أن نعلمه القراءة والكتابة. وإن أهم ما يمكن أن نقدمه للشاب الحرطاني الحامل لشهادة جامعية، أو لحامل الشهادة الفقير عموما، والذي لا يستطيع أن ينافس على الفرص القليلة المتاحة لأنه لا يملك وساطة، إن أهم شيء يمكن أن يقدم له، هو أن نكونه مجانا في المعلوماتية، أو في لغة أجنبية، حتى يستطيع أن ينافس على الفرص القليلة المتاحة، وحتى يستطيع أن يجد بديلا للوساطة التي لا يملكها. وإن أهم شيء يمكن أن نقدمه للطالب الحرطاني، أو للطالب الفقير عموما، هو أن نوفر له دروس تقوية مجانية، حتى يستطيع أن ينافس في المدرسة، و في الجامعة، زملاءه من الطلاب الذين تعلموا في مدارس خاصة، أو الذين يحصلون على دروس خصوصية في أسرهم. إن هناك أشياء عديدة أخرى، في غاية الأهمية، يمكن أن نوفرها للمئات من الفقراء، من خلال مؤسسات تنموية لا يكلف إنشاؤها وتسييرها لعام كامل، إلا أربعة ملايين أوقية. حيث أن فتح تسع مؤسسات من هذا النوع، في مقاطعات العاصمة التسع، ولمدة سنة كاملة، لا يكلف إلا ستة وثلاثين مليون أوقية.
فلماذا لا يؤسس الزعيم "مسعود" مؤسسة تنموية خيرية باسمه، وهو القادر بحكم مكانته وعلاقاته على الحصول لتمويل لها من الهيئات والمؤسسات الدولية المختصة؟ وإذا كان الزعيم "مسعود" قد أطلق في نهاية السبعينات شرارة النضال السياسي ضد العبودية، وحقق بذلك النضال الكثير من الإنجازات، فلماذا لا يطلق اليوم شرارة "النضال التنموي" ضد بقايا ومخلفات الرق، من خلال تأسيس مؤسسة تنموية خيرية، هي أهم ما يحتاج إليه لحراطين اليوم؟ ولماذا لا نخصص هذا العقد للنضال التنموي ضد الرق ومخلفاته ؟ ولماذا لا نجعل من "مؤسسة مسعود الخيرية للتنمية الاجتماعية" بداية لتنافس سياسينا على العمل الخيري، لكسب " أصوات" لحراطين وغيرهم من الفقراء. ومن المؤكد، أن التنافس في العمل الخيري، سيمنح لسياسينا في الدنيا ـ إذا كانت لا تهمهم إلا الدنيا ـ "أصواتا" تفوق بكثير ما كانوا يحصلوا عليه سابقا، من خلال إنفاق مبالغ طائلة على الخيام، والصور، ومكبرات الصوت، وأشياء سخيفة أخرى.
تصبحون على "نضال تنموي" ضد مخلفات الرق... وإلى الأحد القادم، إن شاء الله..

الثلاثاء، 4 يناير 2011

الشعارات لن تطعم جياع2011


كل الدلائل تشير إلا أن العام 2011 سيشهد احتجاجات اجتماعية قوية، إذا لم تتخذ السلطات الحالية ـ وعلى عجل ـ تدابير استثنائية لتفادي تلك الاحتجاجات. والأسباب التي قد تؤدي لتلك الاحتجاجات عديدة، منها ما هو خارجي، ومنها ما هو داخلي. منها ما هو موضوعي، ومنها ما هو شكلي. منها ما هو نتيجة لكلفة بعض القرارات الإصلاحية، ومنها ما هو نتيجة للاستمرار في بعض الممارسات الخاطئة.
لقد تفاعلت تلك الأسباب المتعددة تحت السطح، بما فيه الكفاية، ولم تعد تنتظر لكي تطفو عليه، في شكل احتجاجات شعبية عارمة، لا يمكن السيطرة عليها، إلا شرارة البداية، تلك الشرارة التي يستحيل التنبؤ بتوقيتها، أو بمكان اشتعالها.
و لن تختلف الاحتجاجات المتوقعة في أي لحظة، عن "ثورة الجياع" التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس السابق، لن تختلف عنها، لا من حيث الاتساع، ولا من حيث سرعة الانتشار، ولا من حيث غرابة مكان انطلاقة الشرارة. وهي لن تختلف ـ كذلك ـ في سماتها البارزة، عن الاحتجاجات التي عرفتها دول عديدة من العالم في السنوات الأخيرة.
وموجات الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة، التي اكتسحت دول العالم في السنوات الأخيرة، والتي يبدو أنها ستشكل ـ في المستقبل ـ بديلا للاحتجاجات التقليدية، تتسم في أغلبها بالعفوية. فهي احتجاجات بلا رؤوس وبلا قيادات، فثورة الجياع مثلا لم يكن لها قادة. ولم تستطع السلطة أن تُحَمِّل مسؤوليتها لقادة المعارضة الذين فوجئوا بها، تماما، كما فوجئت بها السلطات الحاكمة.
كما أنها قد تنحرف عن مسارها الأصلي لتتخذ أشكالا عنيفة وتخريبية، نظرا لغياب قيادات توجهها وتحدد مسارها.
أضف إلى ذلك صعوبة التعامل معها أمنيا، فهي ليست لها رؤوس يانعة تقطف. كما أن جمهورها غير متجانس، وهو بالضرورة قد لا يكون كله معارضا للسلطة. فثورة الجياع ـ مثلاـ كانت أكثر حدة في المناطق المحسوبة على السلطة، وفي المناطق غير المعروفة أصلا بالاحتجاجات ( مقاطعة كنكوصة مثلا).
كما أن هذه الاحتجاجات قد تستغلها الأحزاب السياسية المعارضة، والنقابات، و كل القوى السياسية التي فقدت منذ مدة القدرة على الفعل، وعلى تحريك الجماهير. واستغلال تلك القوى السياسية والنقابية لذلك النوع من الاحتجاجات، ودخولها في خط المواجهة، يمنح ـ عادة ـ لتلك الاحتجاجات فعالية أكثر، وقدرة أكبر على التأثير، كما حدث في احتجاجات تونس الأخيرة.
موريتانيا وتونس:
قبل الحديث عن الأسباب والدوافع التي قد تؤدي إلى ثورة جياع ثانية، قد يكون من المناسب تقديم مقارنة خاطفة بين موريتانيا وتونس، من خلال بعض المؤشرات التنموية، وذلك لكي نعرف كم هو صبور الفقير الموريتاني، وكم هو طيب، ووديع، وبريء. وربما تساعدنا تلك المقارنة، في أن نلتمس العذر للفقراء الموريتانيين، وأن نتفهم احتجاجاتهم القادمة، والتي تؤكد كل المؤشرات بأنها ستكون عنيفة وقوية، إذا ما ظلت الأمور تُدار بنفس الأسلوب، وتَسَير بنفس الوتيرة، وتَسِير في نفس الاتجاه.
وإذا كان بلدنا متقدما على تونس في المجال السياسي، وفي مجال الحريات العامة، إلا أنه في المجالات الأخرى لا يمكن مقارنته بها. هذا إذا ما استثنينا "جامعاتنا" التي قال عنها وزير التعليم ـ الذي تمت ترقيته ـ أنها أكثر تطورا من الجامعات التونسية.
فنسبة التونسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر لا تصل إلى 10%، أما في بلدنا فإنها تزيد على 42%. ومتوسط دخل الفرد التونسي، يساوي تقريبا متوسط دخل أربعة موريتانيين. ونسبة الأمية في تونس لا تصل إلى 20%، أما في موريتانيا فالنسبة تقترب من 50%. وتونس تحتل الرتبة 59 عالميا حسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية. في حين أن بلدنا وبعد حربه "الشرسة" ضد الفساد، لا زال يقبع في الرتبة 143 عالميا. وفي تونس التي يتجاوز سكانها 10 ملايين، والتي لا تمتلك من الثروات ما نملك، لم تتجاوز نسبة البطالة فيها 14%، في الوقت الذي وصلت نسبتها في بلدنا إلى 32%.
و معاناة المُعَطلين عن العمل في موريتانيا، لا يمكن مقارنتها بمعاناة أشقائهم العاطلين عن العمل في تونس، والذين قادوا موجات الاحتجاجات القوية، التي هزت تونس في الأيام العشر الأواخر من العام2010.
لقد عانى المعطلون عن العمل في موريتانيا كثيرا، ومعاناتهم تزداد حدتها يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ونظاما بعد نظام. فقد تراجع دور وكالة تشغيل الشباب كثيرا، ولم تعد هذه الوكالة قادرة على توظيف المئات من حملة الشهادات في وظائف مؤقتة، كما كانت تفعل في الماضي. ولم تعد قادرة على تمويل مئات المشاريع الصغيرة لأصحاب الشهادات.
لقد ظل دور هذه الوكالة يتراجع، قبل أن يتوقف تماما منذ 6 من أغسطس 2008.ولقد برر الرئيس هذا التوقف في لقائه بالشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، بأنه توقف مقصود ومتعمد. فالوكالة تنتظر ـ حسب رئيس الجمهورية ـ تخرج حملة الشهادات المكونين في معاهد التكوين المهني، لتمويل مشاريع معتبرة لصالحهم.
و تخرجت أول دفعة من حملة الشهادات، بعد أن تم تكوينها مهنيا لمدة عامين، وبلغ عددها 77 خريجا. لكن المفاجأة والصدمة، هي أن هذه الدفعة التي توقف نشاط الوكالة كله، في انتظار تخرجها، حسب ما جاء في "لقاء الشعب"، قد تجاهلتها الوكالة نفسها،كما تجاهلتها الوزارة الوصية، ليتفرغ المتخرجون الموعودون بالتمويل في "لقاء الشعب"، لكتابة الرسائل المفتوحة لرئيس الجمهورية، ولرفع اللافتات أمام الجمعية الوطنية، لينافسوا بذلك إخوة لهم، من حملة الشهادات المعطلين عن العمل، سبقوهم لتلك " الأنشطة".
إنها خيبة جديدة للمعطلين عن العمل، لا تختلف عن خيبة سابقة، تمثلت في رفض شركة النقل العمومي ـ رغم تمديد سن الاكتتاب إلى أربعين ـ السماح لأصحاب الشهادات الذين تتجاوز أعمارهم 33 سنة، بالمشاركة في أهم عملية اكتتاب نُظمت في هذا العام.
وغاب الاهتمام بالمعطلين عن العمل حتى لدى المعارضة، ولم يوجه نوابها ـ رغم أسئلتهم الشفهية الكثيرة ـ سؤالا واحدا لوزير التشغيل والتكوين المهني حول وضعية المعطلين عن العمل.
وبالمختصر المفيد، فإن أوضاع المعطلين عن العمل في موريتانيا أصبحت بالغة السوء، وهي أكثر سوءا من أوضاع أشقائهم في تونس، وهم اليوم يشعرون بمرارة لم يشعروا بها في الماضي، رغم أنهم عانوا كثيرا في الماضي. وهذه المرارة قد يعبر عنها بشكل غير متحضر، إذا لم يتم الالتفات قليلا لأصحاب الشهادات الجامعية، الذين يتسكعون على أرصفة شوارع "موريتانيا الجديدة".
الأسباب والدوافع:
أما فيما يخص الأسباب والدوافع التي قد تدفع الفقراء بصفة عامة، إلى القيام بحركات احتجاجية، فسأوردها ـ دون ترتيب أو تصنيف ـ في النقاط التالية:
1 ـ لم يحدث في تاريخ البلد، أن اتسعت الفجوة بين الوعود ومستوى الانجازات، كما اتسعت في أيامنا هذه. فمرشح الفقراء قد وعد في حملته الانتخابية بوعود " ثورية"، لم يَعِد بها رئيس من قبله، خاصة في مجال محاربة الفساد، وفي مكافحة الفقر. في حين أن مستوى الانجاز ظل متدنيا جدا. وهو ما تسبب في تنامي الشعور بالإحباط، ليصل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
2ـ الآثار السلبية للأزمة العالمية، والتي تنعكس سلبا على مستوى المعيشة، وبالأخص في الأوساط الفقيرة.فالارتفاع العالمي المتواصل لأسعار بعض المواد الأساسية، كان له بالغ الأثر في بلدنا. لقد وصل سعر السكر ـ عالميا ـ إلى مستوى لم يصل إليه منذ ثلاثين عاما. في حين أن سعر النفط ظل في تصاعد مستمر، حتى وإن كان لم يصل بعد للمستوى الذي وصل إليه، في عهد الرئيس السابق.
3 ـ لقد ظهر جليا أن عَدَاء الرئيس لرموز الفساد، والذي كان يصر على تأكيده بمناسبة، أو بغير مناسبة، لم يكن عداءً مبدئيا، بل كان عداءً مؤقتا و موسميا. كما أن الاهتمام بالفقراء، كان اهتماما موسميا، ولم ينعكس ميدانيا في البرامج، وفي العمل الحكومي. فالفقير الموريتاني يدفع اليوم ضريبة أعلى من الضريبة التي كان يدفعها في العهود الماضية، على كل لقمة أرز حافية يبتلعها، وعلى كل كلمة يلفظها في هاتف نقال، وعلى كل "جرعة" بنزين. في حين أنه تم رفض زيادة الضرائب على السجائر، وربما يكون ذلك من أجل تشجيع الموريتانيين على الانتحار البطيء، لتخفيف الأعباء على "رئيس الفقراء". كما أن عدم الاهتمام ـ ميدانيا ـ بالفقراء يظهر جليا في ميزانية 2010 المعدلة، حيث تم تخفيض ميزانية البرامج والمشاريع المخصصة للشرائح الأكثر فقرا، بنسب تتجاوز 50% ( مكافحة آثار الرق، مكافحة التسول، برنامج لحدادة، برنامج اتويزة، مشروع مكافحة الفقر في آفطوط وكاراكور، حماية المستهلك، إعادة إعمار الطينطان....إلخ).
4 ـ الاختفاء الفاضح لوزارة التجارة، والتي لم يعد لها أي دور، للحد من آثار الارتفاع المستمر للأسعار، وللحد من المضاربات والاحتكار. بل أن هذه الوزارة لا زالت ترفض أن تفعل أي شيء لصالح المستهلك، حتى في مجال التشريعات، والتي لا يمكن ربط عدم سنها بالارتفاع العالمي لأسعار النفط. لم يعد لهذه الوزارة أي دور لصالح المستهلك، إلا في شهر رمضان، من خلال متاجر رمضان، لذلك فربما يكون من المهم ـ ترشيدا للنفقات الحكومية ـ أن يتم إغلاق هذه الوزارة، وأن يسرح عمالها حتى حلول شهر رمضان القادم. هذا إذا لم يكن من الأسلم إلغاؤها نهائيا، كما تم إلغاء كتابة الدولة لشؤون إفريقيا، التي لم نعرف لِمَ تم استحداثها؟ ولم نعرف ـ كذلك ـ لم تم إلغاؤها من قبل أن يكتمل حولها الأول؟
5 ـ لقد عمل النظام الحالي على "تجفيف الكثير من منابع الدخل"، حيث توقف العديد من الأنشطة الحرة التي كانت تدر دخلا. ورغم أن بعض هذه الأنشطة قد تم توقيفها في سبيل الإصلاح، إلا أن هناك أنشطة أخرى قد تم توقيفها بلا سبب وجيه. كما أن تخطيط العشوائيات، والذي كان ـ ولا يزال ـ يشكل مطلبا ملحا، رغم بعض الآثار السلبية التي قد تصاحبه، قد تسبب في استهلاك آلاف الأسر الفقيرة، لمدخراتها القليلة، لبناء مساكن جديدة، في وقت ارتفعت فيه أسعار مواد البناء كثيرا. كما تسبب كذلك في نزوح أسر أخرى، إلى العاصمة، من أجل الحصول على قطع أرضية، في ظل ارتفاع صارخ لتذاكر النقل. وفي الوقت نفسه فقد انشطر الكثير من الأسر الفقيرة، إلى أسرتين أو ثلاثة، من أجل الحصول على عدة قطع أرضية. وهو ما تسبب في مضاعفة استهلاك تلك الأسر الفقيرة، في وقت بلغت فيه أسعار المواد الاستهلاكية مستويات مخيفة، مما تسبب في المحصلة النهائية، إلى إفقار الكثير من الأسر الفقيرة أصلا.
6 ـ فشل الأغلبية الداعمة للرئيس في التخفيف من احتقان الفقراء، بعد عجزها الواضح، عن تسويق بعض الانجازات القليلة، التي تحققت في العام 2010.
7ـ لم يبذل النظام الحالي جهدا ـ ولو خجولا ـ لاستقطاب الصالح من أبناء الوطن، لكي يعينوه في حروبه المعلنة ضد الفساد والفقر، ويخففوا بالتالي من الاحتقان الناتج عن خيبة الأمل من نتائج تلك الحروب. فالمواطن الصالح، والمثقف الصالح، والصحفي الصالح، والموظف الصالح، والشاب الصالح، والمرأة الصالحة، لا يزالون مهمشين. فلا موظف واحد تم تعيينه أو ترقيته نظرا لكفاءته أو استقامته. ولا زالت التوشيحات يُحرم منها من يستحقها. فلماذا لم يُعترف للأستاذ الجليل بدوره في الدعوة، وهو الذي قدم ما عجزت وزارة التوجيه الإسلامي عن تقديمه رغم مواردها وإمكانياتها الكثيرة؟ ولماذا لم يُكرم ذلك الأستاذ الجليل الذي لم يُعترف له، لا في الداخل ولا في الخارج، بدوره الرائد في التعليم وفي الدعوة؟ ولماذا لم يوشح الباحث الكبير الذي أنجز أضخم عمل علمي في السنوات الأخيرة؟ ولماذا لم توشح بعض المنظمات الشبابية، والتي رغم تواضع الوسائل، تعمل بلا كلل، من أجل حماية مستهلك، أو توعية " فتاة " أو تنمية موهبة، أو تعمل بإبداع، لرسم بسمة، و زرع أمل، في نفس محتاجة؟
8 ـ لقد شكل رضا الرئيس عن حكومته، خيبة أمل كبرى، بالنسبة لكثير من الفقراء الذين كانوا يتوقعون إقالتها. فالرئيس في مقابلته الأخيرة، قال بأنه لن يغير الحكومة ما دامت تقوم بعملها المطلوب!!!! فعن أي عمل مطلوب يتحدث الرئيس؟ وما الذي أنجزته هذه الحكومة المرتبكة منذ تشكيلها؟ وهل انعكس الأداء الحكومي على مستوى معيشة المواطن؟ هل انعكس ذلك الأداء على وجبة الطعام التي يأكلها الفقراء؟ وهل انعكس على الدروس في الثانويات؟ وهل زاد من حجم التمويلات الصغيرة؟ وهل حسَّن من أداء صناديق القرض والادخار؟ وهل رفع من إنتاجية المزارع في حقله؟ وهل خلق ذلك الأداء فرصا جديدة للمعطلين عن العمل؟ وهل خفف ـ ولو قليلا ـ من هجرة شبابنا إلى الخارج طلبا للخبز الحافي؟ وهل انعكس ذلك الأداء على الثقافة؟ هل مكن من فتح مكتبات جديدة؟ أو نوادي جديدة؟ وهل انعكس ذلك الأداء على الوئام الاجتماعي؟ وهل انعكس على أداء منتخبنا الوطني؟ وهل شعر المتسولون بذلك الأداء؟ هل أحس به المعوقون؟ وهل ذاق طعمه الأيتام؟ وهل زار ذلك الأداء ضحايا حمى الوادي المتصدع، قبل رحيلهم عن دنيانا؟ وهل قلل الأداء الحكومي من رتابة تلفزيوننا الشاحب؟ وهل خفف ذلك الأداء من مستوى الإحباط الذي نعيشه؟ وهل زرع أملا في نفوس المواطنين بغد أفضل؟
لو كان أداء الحكومات يقاس بالخطابات والشعارات، لكان أداء الحكومة جيدا. ولو كانت الخطابات والشعارات تطعم الجائعين، أو تشفي المرضى، أو تعلم الأميين، أو تغني الفقراء لما شوهد على هذه الأرض جائع، ولا مريض، ولا فقير.
المشكلة أن الخطابات والشعارات والألقاب لا تفيد الفقراء في أي شيء. والمشكلة أن الفقراء الذين كانوا هم أول من ناصر "رئيس الفقراء"، من المحتمل جدا، أن يصبحوا أشد خصومه في هذا العام الجديد. والفقراء الذين أثبتوا ميدانيا مناصرتهم لرئيس الفقراء، من خلال تصويتهم المكثف له، بإمكانهم أن يثبتوا ميدانيا، عكس ذلك، من خلال المشاركة المكثفة في الاحتجاجات القادمة، والتي لن تتأخر كثيرا، إذا لم يتم اتخاذ قرارات استثنائية وشجاعة، من أجل التخفيف من معاناة الفقراء الذين نفد صبرهم.
تصبحون وأنتم أقل فقرا.. وإلى الأحد القادم إن شاء الله ..

الأحد، 26 ديسمبر 2010

خاص برئيس الجمهورية (16)



سيدي الرئيس،
مرة أخرى أجدني مضطرا للكتابة لكم عن التلفزيون الرسمي الذي لا يزال مديره يرفض ـ وبعناد شديد ـ أن يستجيب لأوامركم التي أصدرتموها خلال زيارتكم للتلفزيون. لقد طالبتم خلال تلك الزيارة بتقريب التلفزيون من هموم المواطن، إلا أن طلبكم ذلك لم يجد ـ حتى الآن ـ آذانا صاغية، بل على العكس فقد تمت الاستجابة له بشكل عكسي، مما تسبب في تراجع أداء التلفزيون حتى وصل لمستوى من الانحطاط والرداءة، لم يصل إليه من قبل.
ولقد عبر النواب ـ بما فيه الكفاية ـ عن الوضعية المزرية التي يعيشها الإعلام الرسمي بصفة عامة، والتلفزيون بصفة خاصة، خلال تعقيباتهم على السؤال الشفهي، الذي وجهه النائب "جميل منصور" لوزير الاتصال. وهو السؤال الذي لم يوفق الوزير في الإجابة عليه، رغم وضوح السؤال وصراحته، ورغم دعمه بالأدلة والأرقام.
وقد يكون من المناسب تقديم بعض الملاحظات على تلك المداولات، وذلك قبل أن أعود إلى الموضوع الرئيسي لهذه الرسالة، والذي يتعلق بتجربتي الشخصية مع التلفزيون الرسمي ( أعذروني على تسميته بالرسمي، بدلا من العمومي أو الوطني).
1 ـ لقد تجاهل الوزير ـ وبشكل لافت ـ زيادة 50% رغم إلحاح النواب على معرفة مصير تلك الزيادة.
2 ـ لم يوفق الوزير في تبريره لإقصاء بعض الأوجه الإعلامية، التي قدمت ـ في الماضي ـ برامج تلفزيونية ناجحة. فأعرض عن الحديث عن الإعلامي" إسحاق ولد المختار"، وبرر إقصاء الإعلامي "سيدي ولد أمجاد" بأنه كان ضحية للطرد في العهد السابق. وذلك التبرير يطرح أسئلة أكثر إحراجا: ألم تأت الحكومة الحالية لإصلاح أخطاء الحكومات السابقة؟ فلماذا إذاً لا يُنصِف وزير الاتصال الحالي صحفيا "مطرودا" في العهد السابق؟ وأيهما أولى باهتمام الوزير الحالي ومدير التلفزيون: إعلامي كان يقدم برنامجا ناجحا وتم طرده من طرف النظام السابق؟ أم إعلامي كانت علاقته جيدة جدا بالنظام "المفسد" السابق، وكانت برامجه ـ ولا زالت ـ عديمة الفائدة؟
إن طرد موظف تابع للوظيفة العمومية لا يمكن أن يتم بتلك البساطة التي تحدث بها الوزير أمام النواب. فالصحفي "سيدي ولد أمجاد" لا يزال موظفا في التلفزيون، حتى وإن كان موظفا بلا صلاحيات وبلا مهام، كما أراد له مدير التلفزيون الحالي.
أما بالنسبة لـ "فاطمة بنت محمد فال" فإن الوزير قد طمأن النواب بأنه لم يتم طردها ـ حتى الآن ـ من الإذاعة. وكأن طرد موظف من الوظيفة العمومية هو عملية بسيطة. إن أقصى ما يمكن أن يعاقب به صحفي هو أن يسحب منه برنامجه الذي اشتهر به، ويمنح لصحفي آخر كما حدث مع "فاطمة بنت محمد فال"، وكما يتكرر دائما. فمثلا برنامج " الحكومة في الميزان" الذي توقف من قبل أن يستضيف كل الوزراء، رغم أنه كان البرنامج الوحيد الذي يتابعه المشاهدون، قد تعاقب عليه ـ في فترة وجيزة ـ ثلاثة صحفيين. إن أهم شيء يمكن القيام به في هذا المجال هو تشجيع التنافس بين الصحفيين، وأن يترك لكل صحفي برنامجه الذي ابتدعه، وأن لا يسمح لأي صحفي أن يستولي ـ بشكل مفاجئ ـ على كل البرامج، قبل أن يحتفي أيضا بشكل مفاجئ. كما يجب فتح التلفزيون أمام كل إعلامي قدم في الماضي برنامجا ناجحا، خاصة أولئك الذين يحملون أوسمة شرفية باعتبارهم قد "طُرِدوا" في العهود الفاسدة السابقة.
3 ـ لم يعد للتلفزيون الرسمي ـ في الفترة الأخيرة ـ مسطرة برامج محددة. فبرنامج "ملفات"، وبرنامج "لقاء خاص"، اللذان يعتبران في الوقت الحالي هما البرنامجان المخصصان لهموم المواطن، ليست لهما أوقات محددة وثابتة، وليست لهم مواعيد أسبوعية منتظمة، وليس لهم ـ كذلك ـ مقدم منتظم.
أما فيما يخص الموضوع الرئيسي لهذه الرسالة، فقد تصادف أنه في الوقت الذي كان فيه النواب يوجهون أسئلتهم لوزير الاتصال. وفي الوقت الذي كان فيه الوزير يقول بأن الإعلام الرسمي لم يعد إعلاما رسميا، وإنما أصبح إعلاميا عموميا مفتوحا أمام الجميع. في ذلك الوقت بالضبط، رفض التلفزيون الرسمي، الذي استلم في وقت مناسب، إشعارا بتنظيم وقفة شبابية ضد الفساد، رفض أن يقوم بتغطية تلك الوقفة، والتي شارك فيها عدد من منظمات المجتمع المدني.
ولم يشفع للوقفة المرخص لها رسميا، أنها حاولت أن توجه رسائل هامة، تتعلق بقضايا ومحاور أساسية، يرتكز عليها برنامجكم الانتخابي: الحرب على الفساد، الوحدة الوطنية، الشباب..
لقد حاول الشباب المشارك في تلك الوقفة، أن يقدم صورا راقية، كنا نأمل أن ينقلها التلفزيون للشعب الموريتاني، نظرا لأهميتها، خاصة في أيامنا هذه. ولكن القائمين على التلفزيون لم يستطيعوا ـ كعادتهم ـ أن يقدروا أهمية تلك الرسائل، والتي سأذكر لكم منها ـ في هذه الرسالة ـ ثلاثا:
الرسالة الأولى: وتتعلق بتعزيز الوحدة الوطنية، وهي رسالة كنا نريد أن نوصلها عن طريق الصورة، من خلال التلفزيون. ولم نكن نريد أن نتحدث عنها في مقال، لأن الحديث عنها قد يفقدها الكثير من بريقها. لقد قررنا ـ دون أن نعلن ذلك ـ أن يكون كل الشباب المشارك في تلك الوقفة، من عرق و لون مغاير لعرق ولون الشرطي، الذي تم تكريمه خلال تلك الوقفة. ولقد تفاعل أصحاب السيارات والمارة بحماس شديد، مع تلك الصورة الأنيقة التي قدمناها في ذلك اليوم. وارتفعت هتافات التشجيع العفوية من كل الموريتانيين ـ وبكل أعراقهم ـ من الساعة التاسعة والنصف، إلى غاية منتصف النهار، أي خلال مدة الوقفة. لقد استقبل الكثير من المواطنين ـ بإيجابية ـ تلك الرسالة. بل أن أحد المواطنين لم يتمالك عند رؤيته للمشهد، فأخذ يردد بصوت مرتفع: هذه هي موريتانيا الحقيقية..هذه هي موريتانيا الحقيقية..هذه هي موريتانيا الحقيقية.
الرسالة الثانية : وهي رسالة تهدف إلى زرع بعض القيم الإيجابية في نفوس شبابنا، وذلك لكي يهتموا أكثر بقضاياهم الوطنية، خصوصا منها تلك التي يعتبر الشباب هم الأكثر تضررا منها، كتفشي ظاهرتي الفساد والرشوة. ولقد قلت في مقالات سابقة، بأننا لن نحسم الحرب على الفساد، إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضد الفساد. ولن تنجح أي انتفاضة شعبية ضد الفساد، إذا لم يشارك فيها وبشكل واسع الشباب. لقد كانت الرسالة الشبابية التي قدمها الشباب المشارك في تلك الوقفة، هي أن الشباب بإمكانه أن يقوم بأشياء عديدة، وبإمكانيات متواضعة. فهناك أدوار كثيرة يمكن أن يلعبها الشباب في مجال الحرب على الفساد، ليس أقلها شأنا توزيع أوسمة شعبية على الموظفين الأكفاء، كالوسام الذي تم تقديمه للشرطي "الشيخ صار"، والذي كان من المفترض أن يتم تقديمه بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الفساد، إلا أن التأجيل الرسمي للترخيص للوقفة قد حال دون ذلك. الرسالة الثالثة: وهي لا تقل أهمية عن الرسالتين السابقتين، ويمكن اعتبارها ـ بشكل أو بآخر ـ امتدادا للدعوة التي وجهتها قيادة الجيش لرؤساء الأحزاب السياسية من أجل تعزيز الثقة بين مؤسسات الجيش والمؤسسات المدنية. لقد حاولنا من خلال تلك الوقفة، أن نقدم صورة أخرى أكثر إيجابية للشرطي، بدلا من تلك الصورة النمطية السلبية المرسومة له في أذهان المواطنين، والتي لها ما يبررها في كثير من الأحيان. لقد حاولنا أن نساهم في تغيير تلك الصورة، وذلك من خلال تكريم شرطي يشهد له الجميع بالكفاءة، وبالنزاهة، وبالتفاني في العمل. ويحبه الجميع، ويحترمه الجميع. وفي نفس ملتقى الطرق الذي نظمنا فيه تلك الوقفة، كان يمكن تقديم صورة إيجابية أخرى للشرطة، وهي صورة مفوض الشرطة الذي يأتي في كل يوم ـ عندما تشتد زحمة السير عند ملتقى نادي الضباط ـ لمساعدة وكلائه في تنظيم المرور، وكأنه بنفس رتبتهم.
ولأننا كنا نتوقع أن يخذلنا التلفزيون كما خذلنا في مرات سابقة، فقد قررنا أن ننظم تلك الوقفة عند ملتقى الطرق، وذلك من أجل أن يشاهدها ـ على الأقل ـ كل من يمر بملتقى طرق نادي الضباط، في يوم تنظيم تلك الوقفة، التي استمرت ثلاث ساعات.
سيدي الرئيس،
لقد حاولت قبل ذلك ـ ودون جدوى ـ أن يسمح لي التلفزيون بالمشاركة في واحد من برامجه الكثيرة التي تم تخصيصها للحديث عن حملات تنظيف العاصمة، وذلك لكي أقدم اقتراحا لتنظيف مدينة نواكشوط، كنت قد قدمته لكم ـ مفصلا ـ في الرسالة الثالثة من هذه الرسائل المفتوحة التي أكتب لكم بشكل دوري. ورغم أن هذا الاقتراح قد تم تقديمه لأول مرة في العام 2007 ومن قبل الاتفاق المجحف مع الشركة الفرنسية، إلا أن ذلك لم ـ ولن ـ يمنعني من إعادة تقديمه كلما تم إطلاق حملة فاشلة جديدة لتنظيف العاصمة، تضاف إلى سجل الحملات الفاشلة لتنظيف العاصمة.
لقد ازددت قناعة بعد تكرار فشل حملات التنظيف، بأن الاقتراح الذي قدمته لكم سابقا هو الاقتراح الوحيد، الذي يناسب الحالة الموريتانية المعقدة. وهو وحده الذي كان سيمكننا من تنظيف العاصمة في مدة وجيزة جدا، لأنه كان سيحول القمامة إلى سلعة يتم التنافس على جمعها وبيعها بسعر مغري جدا (10 أواقي للكيلوغرام، والتي تساوي الكلفة التي يتم دفعها للشركة الفرنسية مقابل كل كيلوغرام من القمامة، هذا إذا ما قسمنا المبلغ المدفوع لهذه الشركة، على كمية القمامة التي تجمعها تلك الشركة). وستظهر الحاجة لمثل هذا المقترح في المستقبل القريب، لأن القمامة هي التي يمكنها أن توفر مصدرا بديلا لتشغيل الآلاف من أصحاب عربات الحمير، والذين سيجدون أنفسهم في حالة بطالة، عندما يتم توفير مياه آفطوط الساحلي لأغلب سكان العاصمة.
سيدي الرئيس،
لقد حاولت قبل ذلك كله، أن يسمح لي التلفزيون بتقديم برنامج شبابي في التنمية البشرية. ورغم أن الوزير السابق تحمس كثيرا للفكرة بعد أن اطلع على تصور لبعض حلقات البرنامج المقترح. ورغم تحمس مستشار الوزير الحالي، ومدير السمعيات البصرية، ورغم تحمس مدير التلفزيون في بداية الأمر، ورغم تحمس مدير الإنتاج في التلفزيون، ورغم تحمس مستشاركم الإعلامي الذي أعجبته الفكرة بعد إطلاعه على التصور، والذي وعد في اتصال هاتفي بأن البرنامج سيتم إطلاقه قريبا. ورغم أني كنت على استعداد لتقديم البرنامج بشكل تطوعي لأن التلفزيون في حالة يرثى لها. رغم ذلك كله، فقد تم رفض البرنامج ـ في اللحظات الأخيرة ـ لأسباب لم يُفصح عنها. ولقد حاولت أن أتصل بالوزير الحالي لأستفسر منه عن أسباب وأد البرنامج قبل إطلاقه، إلا أني لم أتمكن من مقابلة الوزير، لأنه ومنذ تعيينه ـ عكس بقية الوزراء ـ لم يحدد يوما في الأسبوع للمقابلات.
لقد تم اقتراح البرنامج المذكور بعد إغلاق مركز " الخطوة الأولى" الذي كان يقدم دورات مجانية في مجالات متعددة.
ولقد حاولنا قبل الإغلاق المؤقت للمركز، أن يتم تسجيل بعض الدورات التي كنا نقدمها في المركز، لتقديمها لجمهور أوسع عن طريق التلفزيون، ولكننا أيضا فشلنا في تلك المحاولة التي تمت في العهد السابق.
ومن المثير للسخرية أن هذا المركز الذي توافد عليه بعض الأجانب، من جنسيات مختلفة، للإطلاع على بعض الدورات التي يقدمها، لم يحظ بأي زيارة لوسيلة إعلامية رسمية.
ولقد قدم المركز ولمدة عام ونصف، برامج ودورات رائدة لصالح بعض الفقراء، يمكن أن أذكر منها:
1ـ في محاربة الفقر، قدم المركز دورات مهنية، من أهمها دورتان في صناعة الحلويات، تدرب خلالها المستفيدون على صناعة الحلويات في أفران مصنعة محليا، وقادرة على إنتاج كميات تجارية من الحلويات، وبنفس جودة الحلويات المنتجة لدى أشهر مصنعي الحلويات في العاصمة. وميزة هذه الدورات أنها تدرب على آلات بسيطة، ومتوفرة في السوق بأسعار زهيدة، ويمكن للمتدرب أن يوفرها بعد التخرج. عكس ما يحدث في مؤسسات التكوين المهني الرسمية، والتي تدرب على آلات باهظة، لا يمكن للمتدرب أن يوفرها بعد التخرج.
2 ـ استطاع المركز ولأول مرة في تاريخ البلد، أن يخرج 30 مسعفا أوليا، هم الآن قادرون على أن يساعدوا المؤسسات الصحية، وقادرون على التدخل في حالة حدوث كوارث لا قدر الله.
3 ـ قدم المركز دورات تدريبية ميدانية في العمل التطوعي والخيري، استفاد منها ما يزيد على مائة طالبة، وذلك في إطار "مشروع سلة الطالبات".
4 ـ قدم المركز بعض الدورات في مجال تطوير الذات.
5 ـ قدم المركز دورة في اللغة الفرنسية استفاد منها 15 حامل شهادة في الاقتصاد، واستمرت لثلاثة أشهر.
6 ـ قدم المركز دروس تقوية استمرت لعام، واستفاد منها ما يناهز 200 طالبة.
ولعل ميزة المركز الأساسية، التي أعتز بها كثيرا، هي أنه أول مركز تنموي خيري، أسسه فقراء لا يملكون قوتهم اليومي.
سيدي الرئيس،
لقد تابعت في التلفزيون مداولات البرلمان المتعلقة بالمصادقة على مشروع اتفاقية قرض، مقدمة من البنك الإسلامي للتنمية، لتمويل مشروع " المعرفة القرائية والمهنية لمكافحة الفقر". ومتابعتي لتك المداولات هي التي فرضت عليَّ أن أعود قليلا إلى يوم 8 سبتمبر من العام 2004، حيث أكملت في ذلك اليوم، دراسة من 100 صفحة عنوانها: " الأمية في موريتانيا مشاكل وحلول".
وبعد اكتمال تلك الدراسة، وليت وجهي شطر مبنى التلفزيون، الذي كان لا يتحدث في تلك الفترة إلا عن الجهود " الجبارة" للقضاء على الأمية، وطلبت من القائمين على التلفزيون، أن يسمحوا لي بتقديم بعض الأفكار الواردة في الدراسة، ولكنهم رفضوا ذلك.
ومن بين المقترحات التي تم تقديمها في تلك الدراسة، مقترح يتعلق بالتعليم أثناء التدرب على حرفة. ورغم أن المقترح المقدم في الدراسة، لم يكن واضحا بالنسبة لي في تلك الفترة، إلا أنه بعد افتتاح مركز الخطوة الأولى، وبعد التطبيق الميداني لبعض جوانب المقترح، تمكنت من إعداد تصور أكثر وضوحا عن ذلك المقترح.
وهذا التصور يوجد منذ ما يزيد على سنتين لدى مدير محو الأمية، ولقد قدمته له، لأنه طلب مني ذلك، في إطار التفكير في عقد شراكة بين المركز وإدارته، وهي شراكة لم تتم. مثلها مثل شراكة اقترحها مدير الشؤون الاجتماعية، بمفوضية الحماية الاجتماعية سابقا، في إطار مشروع مكافحة التسول، وهي شراكة لم تتم كذلك. مثلها مثل شراكة عرضها مدير التكوين بوكالة تشغيل الشباب. ومثلها مثل شراكة عرضتها وزارة المرأة في تلك الفترة.
لقد كانت الأنشطة والبرامج التنموية للمركز مبهرة، ولقد بهرت تلك الأنشطة العديد من الموظفين الحكوميين الذين زاروا المركز، وهو ما جعل بعضهم يقترح شراكة بين إدارته والمركز.ولقد سعينا في المركز إلى تلك الشراكات، لأنها كانت ستوفر لنا موارد مالية لاستمرار الأنشطة التنموية الخيرية التي نقوم بها، ولأنها قد تمكننا ـ لاحقا ـ من فتح فروع أخرى للمركز. لم تتم تلك الشراكات، لأنها كانت مجرد اقتراحات عابرة، في لحظة حماس عابرة.
وحتى لا أبتعد كثيرا عن موضوع اتفاقية القرض، فإنه من الضروري أن أقول لكم في ختام هذه الرسالة، بأنه لا توجد ـ حتى الآن ـ لدى الحكومة الموريتانية، تصورات واضحة، تستثمر فيها تلك القروض، خاصة ما يتعلق منها بمحو الأمية والتدريب المهني. وغياب تلك التصورات، هو الذي جعلني أتحدث من جديد عن التصور الذي تم تقديمه سابقا لإدارة محو الأمية، والذي يمكن الاستفادة منه في هذا المجال الهام.
وإذا لم يتم إعداد برامج وتصورات واضحة، قبل استلام تلك التمويلات المعتبرة، فذلك يعني ـ يا سيادة الرئيس ـ أن الأجيال القادمة ستسدد ديونا بمليارات الأوقية، أُهْدِرت في مشروع "المعرفة القرائية والمهنية لمكافحة الفقر".
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد..وإلى الرسالة السابعة عشر إن شاء الله.

الأحد، 19 ديسمبر 2010

لماذا لا نعلنها انتفاضة شعبية؟

بسم الله الرحمن الرحيم
أعتذر في البداية للقراء الأعزاء عن عدم نشر الوثيقة الثانية من تسريبات " أنبيكت لحواش" في هذا الأسبوع . والسبب يعود ـ في الأساس ـ إلى أنه قد تم الترخيص لضحايا ضد الفساد بتنظيم وقفة شبابية لتكريم الموظف المثالي للعام 2010. وهي الوقفة التي كان قد تم رفضها من طرف والي نواكشوط السابق في العام الماضي.
ولقد تزامن الترخيص للوقفة مع موعد نشر المقال الأسبوعي. وهو ما استوجب تخصيص مقال هذا الأسبوع للحديث قليلا عن الوقفة، وعن فكرة تكريم الموظف المثالي، وعن الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب ـ بصفة عامة ـ في محاربة الفساد.
وقبل الحديث عن الوقفة، وعن التكريم، وعن دور الشباب في محاربة الفساد، قد يكون من الضروري أن أتحدث ـ وبشكل مختصرـ عن التغيير عبر القلم أي عن ثلاثة أنماط من الكتابة التي قد يمارسها المهتمون بالشأن العام.
النمط الأول: يتعلق بالكتابة التي تقتصر على النقد. وهذا النمط يمتاز بسهولته، و بشيوعه، وبكثرة الأقلام المتفرغة له. و رغم أهمية هذا النمط فإنه يظل أقل الأنماط الثلاثة أهمية.
النمط الثاني: ويتعلق بالكتابة التي تقدم مقترحات وأفكارا في أي مجال من المجالات. وهذا النمط من الكتابة بالغ الأهمية، رغم أنه لا أحد من القائمين على الشأن العام يولي أي أهمية للأفكار والمقترحات، خاصة إذا ما كانت ثورية وإبداعية.
النمط الثالث: ويتعلق بالكتابة "الميدانية" وهي الكتابة التي تحاول أن تنزل بالأفكار النظرية إلى أرض الواقع. وهذه هي أهم الأنماط الثلاثة، خاصة في بلد كبلدنا، يتحدث أهله كثيرا، ولا يعملون إلا قليلا.
ونظرا لحاجتنا الملحة في هذا البلد إلى النمط الثالث من الكتابة، فقد ارتأينا في "ضحايا ضد الفساد" أن نجسد ميدانيا ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ بعض الأفكار والمقترحات النظرية التي كنا قد دعونا إليها سابقا لمناصرة الحرب المعلنة على الفساد.
ولعل دعوتنا لانتفاضة شعبية ضد الفساد، تستخدم فيها كل "الأسلحة" المتاحة، هي من أبرز و أهم تلك الأفكار والمقترحات. فنحن على يقين بأن الحرب الرسمية المعلنة ضد الفساد لن يكتب لها النجاح، إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضد الفساد، يقودها ضحايا الفساد في هذا البلد، والذين يمثلون تقريبا كل الشعب الموريتاني.
ولقد قلنا سابقا بأن ضحايا الفساد ـ خاصة المتعلمين منهم ـ يجب أن يكونوا في الصفوف الأمامية في هذه الحرب، والتي هي حربهم، قبل أن تكون حرب أي جهة أخرى.
كما أننا قلنا سابقا بأنه على ضحايا الفساد أن لا يهادنوا الفساد، إذا ما أعلنت الجهات الرسمية هدنة رسمية معه. وأن عليهم أن لا يفقدوا حماسهم، إذا ما فقدت السلطة حماسها. وأن عليهم أن لا يستبدلوا عدوهم (الفساد)، بأي عدو آخر مهما كانت وحشيته و شراسته، إذا ما استبدلت السلطة حربها مع الفساد بحرب أخرى، وإذا ما استبدلت عدوها بعدو آخر، وهي كثيرا ما تفعل ذلك.
ومن المثير للاستغراب أن ضحايا الفساد لا زالوا يرفضون أن ينتفضوا ضد الفساد. بل أن الكثير منهم يعمل ـ بوعي أو بغير وعي ـ على تفشي الفساد.
فمن الغريب في هذا البلد الغريب، أن تجد شابا جامعيا ينتقد برلمانيا أو سياسيا أو موظفا إداريا لأنه لم يخض نيابة عنه "حربا بالوكالة" ضد الفساد، في الوقت الذي لم يفعل فيه ذلك الشاب الجامعي شيئا مذكورا لمحاربة الفساد.
ومن الغريب أن نطلب من سياسي، أو موظف سامي، يعيش حياة رغدة، أن يحارب الفساد، في الوقت الذي يرفض فيه ضحايا الفساد أنفسهم، وهم الذين يعيشون حياة صعبة، أن ينتفضوا ضد الفساد.
ومن الحماقة أن نتحدث عن الفساد وعن المفسدين ورموزهم، في الوقت الذي نمارس نحن فيه " فسادا صغيرا". ولا يحول بيننا وبين أن نمارس فسادا كبيرا، إلا أن نجد لذلك سبيلا.
فكم من مرة صفقنا لمفسد؟ وكم من مرة لهثنا خلف سياسي بائس، لا نكلمه ولا يكلمنا، إلا في المواسم الانتخابية، مقابل فتات من المال الحرام الذي كدسه؟ وكم من مرة سرنا كالقطيع خلف وجيه من القبيلة، قد يكون أميا لا "يفك الحرف"؟ وكم من مرة حملنا إلى ذلك الأمي أسفارا من الشهادات لكي يبحث لنا عن وظيفة؟ وكم من مرة قبلنا بسذاجة أن نكون ضحية خرساء لمفسد؟ وكم من مرة قبلنا أن يتسلق على أجسادنا المنهكة المفسدون والتائهون والفاشلون؟
إننا مفسدون، إذا لم نصفع على الخد الأيمن أو الأيسر ذلك السياسي البائس الذي يغيب عنا خمس سنوات، ثم يهبط علينا فجأة في المواسم الانتخابية، ويعاملنا كالقطيع، فينثر لنا ذات اليمين وذات الشمال قليلا من أموالنا التي سرقها.
ونحن مفسدون عندما نتنازل عن حقوقنا، ومفسدون عندما نقبل ـ بلا مقاومة ـ أن نكون ضحية، ومفسدون عندما نرضى في كثير من الأحيان أن نموت جوعا، أو عطشا، أو مرضا، دون أن نُسمع ـ قبل الموت ـ صراخنا لمن يهمه الأمر.
في أحيان كثيرة، وعندما أشاهد شابا حالما، متفائلا وواثقا من المستقبل، وهو يتابع دراسته الثانوية أو الجامعية، أفكر في أن أقول له: دعك من الدراسة ولا تضيع عمرك، فأنت لن تتعلم شيئا مفيدا. كما أن الشهادة التي ستحصل عليها لن تفيدك في سوق العمل، وسينتهي بك المطاف إلى أن تُزاحم شبابا كثرا في " نقطة ساخنة"، أو في غيرها، وربما يتصدق عليك هناك زميلك ـ الذي تسرب من الدراسة في وقت مبكر، أو الذي لم يتعلم أصلا ـ بأن يمنحك فرصة عمل تابعة له.
هذا هو مصيرك أيها الشاب الحالم، إن لم تنتفض الآن ضد الفساد.
وعندما أشاهد شابا ذكيا متحمسا نشطا، يلتفت ذات اليمين وذات الشمال، بحثا عن حاضن يحتضنه، ويستثمر طاقته، فلا يجد حزبا يهتم بالشباب، ولا يجد منظمات، ولا مكتبات، ولا ملاعب، ولا نوادي، ولا فرقا رياضية. عندما أشاهد ذلك الشاب أفكر في أن أقول له: اصبر قليلا، فستكتشفك القاعدة وتجعل منك أميرا. أو تكتشفك عصابة إجرامية، فتستثمر ذكاءك وحماسك ونشاطك في الإجرام. هذا هو مصيرك أيها الشاب الذكي، إن لم تنتفض الآن ضد الفساد.
وعندما أقابل شابا طموحا، يرسم أحلاما كبيرة، أفكر في أن أقول له : ستتكسر أحلامك الكبيرة على صخرة الواقع. وسيأتي اليوم الذي يتملكك فيه إحباط رهيب، فتهرب بعيدا عن بلدك، في رحلة بحث بلا نهاية، عن أحلامك الكبيرة التي لن تتحقق. وستركب ـ أيها الشاب الطموح ـ زوارق الموت، هربا من الموت، إلى الموت.
هذا هو مصيرك أيها الشاب الطموح، إن لم تنتفض الآن ضد الفساد.
هذا هو مصيركم ـ "يا شباب البلاد" ـ إن لم تقودوا الآن انتفاضة شعبية واسعة ضد الفساد. هذا هو مصيركم، ولن يشفع لكم أن تعتذروا غدا بأنكم لم تكونوا تملكون الأسلحة والوسائل اللازمة، لمحاربة الفساد.واعلموا أن نصف نصيب كل شاب من الثروة الوطنية الهائلة التي يزخر بها البلد، يكفي لأن يوفر له تعليما جيدا، ومكتبة في كل حي، وملاعب، ومسارح، ونوادي، وعملا كريما بعد التخرج، أو بعد البلوغ حتى.
فإذا كان نصف نصيب كل واحد منكم من ثروة البلاد يكفي ـ لولا الفساد ـ لأن يوفر له حياة كريمة، فلم لا تنتفضون الآن ضد الفساد؟ ذلك سؤال عليكم أن تجيبوا عليه فورا.
واعلموا ـ أيها الشباب ـ بأن هناك فرقا كبيرا بين الحرب على الفساد، والانتفاضة ضد الفساد. فالحرب على الفساد ـ كأي حرب ـ لا بد لها من أسلحة، أما الانتفاضة ضد الفساد ـ فإنها كأي انتفاضة ـ لا تشترط توفر أسلحة، وإنما تتطلب فقط استخدام كل شيء متاح، وتحويله إلى سلاح، حتى وإن كان لم يستخدم من قبل ذلك كسلاح.
والانتفاضة تحتاج ـ في الأساس ـ إلى شباب يمتلك إرادة قوية، ونفسا طويلا، وقادرا على التفكير بطرق إبداعية لخلق "أسلحة ذكية" وفعالة، تمكنه من توجيه ضربات موجعة للفساد والمفسدين.
ومن بين تلك الأسلحة الذكية ابتداع أوسمة شعبية لتكريم الموظفين الأكفاء، والذين قد يحالون إلى التقاعد دون أن يوشحوا أو يكرموا. فمن المؤسف حقا أن يقضي موظف عقودا من عمره، وهو يعمل بجد وإخلاص، وباستقامة يندر أن تتكرر، ومع ذلك يُحْرَمُ ذلك الموظف من أبسط أشكال التقدير، أو التكريم، سواء كان ذلك التكريم حكوميا أو شعبيا.
لقد حُرم الكثير من الموظفين الذين يستحقون التكريم، ومن بين الذين حُرموا الشرطي "الشيخ صار" الذي سيحال إلى التقاعد بعد أسبوعين، دون أن يتم توشيحه أو تكريمه.
لقد قررنا في " ضحايا ضد الفساد" أن نكرم ذلك الشرطي المتميز في العام 2009، إلا أن والي نواكشوط آنذاك رفض الترخيص لذلك التكريم. ثم كررنا المحاولة في هذا العام، ولقد تم الترخيص لنا، وإن كان قد تأخر قليلا عن اليوم العالمي لمحاربة الفساد.
و نظرا لتواضع إمكانياتنا فقد جاء التكريم متواضعا، وهو تكريم لا نعتبره إلا مجرد لفتة بسيطة، تهدف إلى لفت الأنظار إلى موظف متميز سيحال إلى التقاعد دون أي تقدير رسمي أو شعبي، رغم ما قدم لهذا البلد الذي لا يقدر إلا المقصرين في حقه. لقد فتحنا ـ بمناسبة هذا التكريم الشعبي ـ سجلا شعبيا يمكن للجميع أن يسجل اسمه فيه، وسيقدم هذا السجل في وقت لاحق إلى رئيس الجمهورية لمطالبته بتوشيح هذا الشرطي المتميز.
وقبل أن أختم هذا المقال، فإنه من الضروري أن أذكر القراء بالأسباب التي تم على أساسها اختيار الشيخ صار موظفا مثاليا للعام 2010.
1ـ اتفاق جميع السائقين على استقامة ذلك الشرطي، ورفضه المتكرر و المتواصل والمبدئي لأخذ أي رشوة من أي سائق.
2ـ تفانيه وجديته في عمله والتي لا تحتاج لأي شهادة من أي أحد، فهي تظهر وبوضوح لكل من يتأمل ذلك الشرطي الذي يعشق عمله، والذي لا يتراجع مستوى حماسه خلال فترة تنظيمه لحركة المرور، والتي قد تمتد لساعات، في واحد من أكثر ملتقيات طرق العاصمة زحمة.
3ـ نجاحه في فرض النظام في بلد تعمه الفوضى ـ على الأقل ـ في ملتقى الطرق الذي يعمل به، مما جعل من ذلك المكان مكانا فريدا من نوعه في العاصمة، بل وفي البلاد كلها، حيث أصبح النظام و احترام قانون السير هو السلوك الذي يحرص عليه كل سائق عندما يقترب من ملتقى الطرق ذلك .
4 ـ الحس الوطني العالي لذلك الشرطي والذي يظهر جليا من خلال حواراته مع مخالفي قانون السير، فهو ينصحهم بأسلوب مهذب ومقنع، لا ينقص من صرامته في التعامل مع الأخطاء، وهو ما يؤدي في المحصلة إلى تغيير سلوك أولئك المخطئين .
5 ـ إيجابية "الشيخ صار" فهو لم ينتظر كغيره أن يَصْلُحَ كل الموظفين في قطاعه لكي يكون موظفا صالحا ومستقيما، وإنما قرر أن يكون موظفا مستقيما رغم الفساد الكبير الذي يحدث عن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، ورغم الكلفة المعنوية والمادية والاجتماعية الباهظة التي يدفعها كل موظف صالح، في بلد باض فيه الفساد وعشش وفرخ وأنجب.
6 ـ الدور التدريبي الرائد الذي يقوم به ذلك الشرطي، فهو يدرب النخبة (سائقي السيارات) في كل صباح على النظام عند مرورهم به، في طريقهم إلى أماكن عملهم، كما أنه يدربهم على النظام في كل مساء، على النظام، وهم عائدون إلى منازلهم.
تصبحون وأنتم في انتفاضة شعبية ضد الفساد..

إشعار بتنطيم وقفة شبابية لتكريم الموظف المثالي للعام 2010

سينظم شباب " ضحايا ضد الفساد" بالتعاون مع بعض المنظمات الشبابية الأخرى، وقفة تكريمية لرقيب شرطة أول " الشيخ صار"، الذي سيحال إلى التقاعد في أقل من أسبوعين، بعد عقود من العطاء، وبعد سيرة وظيفية مثالية لم يُكَرَّمّ خلالها، أو يُشَجَّع، أو يُمْنح وساما أو مكافأة ، و دون أن يُنَظَّم له حفل شعبي ولو لدقائق معدودة.
وستنظم هذه الوقفة، في ملتقى الطرق الواقع بين نادي الضباط ووزارة البيئة، ابتداءً من الساعة 9 صباحا، وحتى الساعة العاشرة من يوم الأحد 19 ـ 12 ـ 2010.
ولقد تم اختيار الشيخ صار موظفا مثاليا للعام 2010 لاعتبارات عديدة من بينها:.
1ـ اتفاق جميع السائقين على استقامة ذلك الشرطي، ورفضه المتكرر و المتواصل والمبدئي لأخذ أي رشوة من أي سائق.
2ـ تفانيه وجديته في عمله والتي لا تحتاج لأي شهادة من أي أحد، فهي تظهر وبوضوح لكل من يتأمل ذلك الشرطي الذي يعشق عمله، والذي لا يتراجع مستوى حماسه خلال فترة تنظيمه لحركة المرور، والتي قد تمتد لساعات، في واحد من أكثر ملتقيات طرق العاصمة زحمة.
3ـ نجاحه في فرض النظام ـ على الأقل ـ في ملتقى الطرق الذي يعمل به مما جعل من ذلك المكان مكانا فريدا من نوعه في العاصمة، بل وفي البلاد كلها، حيث أصبح النظام و احترام قانون السير هو السلوك الذي يحرص عليه كل سائق عندما يقترب من ملتقى الطرق ذلك .
4 ـ الحس الوطني العالي لذلك الشرطي والذي يظهر جليا من خلال حواراته مع مخالفي قانون السير، فهو ينصحهم بأسلوب مهذب ومقنع، لا ينقص من صرامته في التعامل مع الأخطاء، وهو ما يؤدي في المحصلة إلى تغيير سلوك أولئك المخطئين .
5 ـ إيجابية "الشيخ صار" فهو لم ينتظر كغيره أن يَصْلُحَ كل الموظفين في قطاعه لكي يكون موظفا صالحا ومستقيما، وإنما قرر أن يكون موظفا مستقيما رغم الفساد الكبير الذي يحدث عن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، ورغم الكلفة المعنوية والمادية والاجتماعية الباهظة التي يدفعها كل موظف صالح، في بلد باض فيه الفساد وعشش وفرخ وأنجب.
6 ـ الدور التدريبي الرائد الذي يقوم به ذلك الشرطي، فهو يدرب النخبة (سائقي السيارات) في كل صباح على النظام عند مرورهم به، في طريقهم إلى أماكن عملهم، كما أنه يدربهم على النظام في كل مساء، على النظام، وهم عائدون إلى منازلهم.
ولقد كان من المفترض أن يتم تنظيم هذه الوقفة في العام الماضي، إلا أن الوالي آنذاك رفض الترخيص لنا، وهو ما جعلنا نعيد اختيار الشرطي الشيخ صار كموظف مثالي لهذا العام، والذي كان من المقرر أن يُختار له موظفا آخر في إطار الأوسمة الشعبية التي قررنا أن نمنحها في كل عام لموظف مثالي يتم حرمانه من أي تكريم أو توشيح رسمي أو شعبي,
وسيتم خلال هذه الوقفة منح شهادة تقديرية للشرطي المكرم، كما أنه سيتم فتح سجل شعبي يمكن للجميع أن يسجل اسمه فيه، وسيقدم هذا السجل في وقت لاحق إلى رئيس الجمهورية لمطالبته بتوشيح هذا الشرطي المتميز.
وسيرفع في هذه الوقفة شعار : " أنا مسلم .. أنا لا أرشي ولا أرتشي" وذلك للتذكير بأن المسلم الحقيقي لا يتعاطى الرشوة ، ولا يتعبد بسرقة أموال الفقراء، والأيتام،والمستضعفين. ولقد تم اختيار ذلك الشعار لمواجهة بعض المفاهيم الخاطئة، التي ظهرت في السنوات الأخيرة، والتي أفرزت بعض " العباد " الجدد، الذين يصلون في المساجد، ويحجون، ويصومون، ومع ذلك فهم لا يتورعون عن سرقة المال العام المخصص للأيتام وللمعوقين وللفقراء بصفة عامة .

الأحد، 12 ديسمبر 2010

تسريبات أنبيكت لحواش ...وثيقة رقم (1)



لا وثائق في المقاطعة الجديدة يمكن تسريبها. لا وثائق، لا مباني، لا شهادة باكالوريا، لا أنشطة للإتحاد من أجل الجمهورية، لا قطع نقدية من فئة خمسين أوقية، لا لحوم بيضاء، لا احتفالات مخلدة لليوم العالمي لمحاربة الفساد.
لا شيء يمكن تسريبه من هناك، حتى ولو تم ترحيل جوليان آسانج ـ إمعانا في عقابه ـ إلى المقاطعة الجديدة، وتم فرض الإقامة الجبرية عليه هناك، بعد أن يتم منحه قطعة أرضية بين المنزل الافتراضي للحاكم، والمنزل الافتراضي للعمدة، وذلك في إطار مساعدة عاجلة تقدمها المقاطعة الموريتانية الجديدة لحكومة أستراليا المتضررة.
لا شيء إطلاقا، ولكن ما الذي كان سيحدث فعلا لو تم ترحيل جوليان آسانج إلى مقاطعة أظهر؟ وهل كان سيتحول إلى كائن أليف، وديع، مطيع، لو تم تعيينه صحفيا رسميا في التلفزيون؟ وهل كان سيسرب تقارير لو تم تعيينه مراسلا دائما للوكالة الموريتانية للأنباء في أنبيكت لحواش؟ وهل كان سينهار عصبيا لو تم إجباره للخضوع لدورة تدريبه في الصحافة الالكترونية لشهر كامل، في محطة الإذاعة الجهوية بمدينة النعمة؟
وهل كان سَيُعِد ـ بعد الانهيار العصبي ـ تقارير عن التطور العمراني المذهل الذي عرفته أنبيكت لحواش في صبيحة السادس من أغسطس أي منذ عامين من قبل تأسيسها؟ وهل كان سيحدث العالم عن "نبض التنمية" في المقاطعة الجديدة؟ وهل كان سيتحدث عن نبض الثقافة فيها؟ وهل كان سيطالب بأن تكون مقاطعة أظهر عاصمة للثقافة الإسلامية بعد أن عجزت العاصمة عن تمثيل ذلك الدور؟ وهل كان سَيَدَّعي بأن موريتانيا قادرة على أن تفوز بكل الكؤوس القارية والعالمية لو شكلت فريقا من شباب المقاطعة الجديدة؟ وهل كان سَيُعِد برامج عالمية عن "موريتانيا الأشباح" تقدم للعالم أشباح مقاطعة الأشباح؟ وهل كان سيستضيف نخب أشباح المقاطعة في "منتدى" للأشباح؟ وهل كان سيسرب وثائق تؤكد للعالم بأن الحكومة الموريتانية اضطرت لتأسيس مقاطعات جديدة لكي تستثمر الأموال الفائضة لديها، وذلك بعد أن وفرت مستشفيات، ومدارس، وشوارع عريضة، وملاعب، ومسارح، ومكتبات في كل مقاطعات البلاد القديمة؟ وهل كان سيسرب للعالم أن رئيس الفقراء لم يعد في بلده فقير جائع مما اضطره على الإنفاق ـ ببذخ ـ على الشجر؟ وهل كان سيتمكن من إقناع العالم بأن مقاطعة أظهر مقاطعة مباركة، تم تأسيسها في العهد المبارك، وهي تتميز ببركتها عن كل المقاطعات في العالم؟ وهل كان سيكشف للعالم بأننا ببركة مقاطعة أظهر أصبحنا في غنى عن مساعدات وهبات كل دول العالم؟ وأننا أصبحنا نشق الطرق، ونشيد المدارس والمستشفيات، وننشئ شركات النقل البري والجوي، ونغرس الشجر على حساب ميزانية مقاطعة أظهر، ودون الحاجة لأي مساعدات خارجية؟
فبالتأكيد سيكون مثيرا ترحيل مؤسس موقع ويكيليكس الالكتروني، إلى موقع أنبيكت لحواش الافتراضي، ليقدم للعالم تسريبات جديدة، من أحدث مقاطعة جديدة، في موريتانيا الجديدة.
وعلى ذكر موريتانيا الجديدة، فهل تتذكر ـ عزيزي القارئ ـ آخر مرة سمعت فيها كلمة موريتانيا الجديدة في التلفزيون، أو على لسان واحد من الثمانمائة ألف "مناضل" في الاتحاد من أجل الجمهورية؟ وبِمَ تفسر هذا التراجع الخطير في استخدام كلمة موريتانيا الجديدة لدى الأغلبية وملحقاتها، وملحقات ملحقاتها؟ هل السبب في اعتقادك يعود إلى أن مستخدمي هذه الكلمة اكتشفوا أن مصطلح موريتانيا الجديدة لا يختلف ـ لغة ولا اصطلاحا ـ عن مصطلح موريتانيا القديمة؟ أم أن السبب يعود ـ حسب وجهة نظرك ـ إلى أن لكل مصطلح عمر افتراضي لا يمكن أن يتجاوزه؟ فالعمر الافتراضي لمصطلح موريتانيا الجديدة انتهى مع استقبالات الرئيس في مدينة النعمة، كما انتهى قبل ذلك العمر الافتراضي لمصطلح الأزمة الأخلاقية، وكما انتهى الأسبوع الماضي العمر الافتراضي لمصطلح الحرب على الفساد بالتحاق حزب عادل بالأغلبية، تخليدا لليوم العالمي لمحاربة الفساد؟
للحصول على إجابات على هذه الأسئلة، وعلى غيرها من الأسئلة التي قد تخطر ببالك، أو تلك التي قد لا تخطر ببالك، أنصحك بأن لا تقرأ هذه المراسلات الخطيرة، التي جرت بين جهة محلية وأخرى أجنبية، وهي مراسلات لم ـ ولن ـ يتم تسريبها من موقع ويكيليكس، حتى وإن تم ترحيل مؤسسه إلى أنبيكت لحواش، التي لن يجد فيها ـ بالتأكيد ـ أي وثيقة يسربها.

الوثيقة (1):
كتب فقير موريتاني يعيش تحت خط الفقر، طبقا للمقاييس الدولية والمحلية، رسالة افتراضية، إلى فقير افتراضي في فنزويلا، يحدثه فيها عن أحوال الفقراء في موريتانيا، بعد مرور ستة عشر شهرا على تنصيب أول رئيس للفقراء في موريتانيا الجديدة القديمة. يمكن هنا لسكان مدينة الطينطان و لمناضلي التكتل، بصفة خاصة، أن يقارنوا في ستة عشر حرفا، أو ستة عشر كلمة، أو ستة عشر صفحة، أو ستة عشر مجلدا، بين ستة عشر شهرا من حكم الرئيس المؤتمن، وستة عشر شهرا من حكم رئيس الفقراء. ويمكن تسليم الإجابات لنائب مقاطعة أظهر، أو لشيخها، أو لممثل جائزة شنقيط فيها، أو لدار الكتاب في انبيكت لحواش، أو لمقدم برنامج الرؤساء في الميزان.
نص الرسالة:
صديقي الفنزولي..
بعد التحية،
يؤسفني أن أقول لك في هذه الرسالة بأن أحوال أصدقائك الفقراء، في بلدك الثاني (موريتانيا) ليست بخير. ويؤسفني أن أقول لك ـ كذلك ـ بأن رئيس الفقراء في موريتانيا لا يتعامل مع الفقراء، كما يتعامل معهم رئيس الفقراء في فنزويلا.
فأنت قد لا تصدق بأني أنا الفقير الذي أعيش تحت خط الفقر، قد فشلت ـ كما فشل غيري من الفقراء ـ في أن ألتقي برئيس الفقراء ولو لمرة واحدة. وأنت ربما لا تصدق بأن رئيس الفقراء في موريتانيا لا يزال يرفض ـ عكس رئيسكم ـ أن يفتح أي قناة للاتصال بالفقراء الذين انتخبوه ذات يوم عصيب من أيام يوليو.
لقد عرفت بلادنا سيولا و أمطارا، كما عرفت بلادكم في الآونة الأخيرة سيولا وأمطارا. ولكن الفرق بين رئيسنا ورئيسكم، وكلاهما يلقب برئيس الفقراء، هو أن رئيسكم فتح قصره لبعض أسر الفقراء الذين هدمت الفيضانات مساكنهم، وقام بإيوائهم في القصر، في لفتة إنسانية رائعة، و أعطى أوامر صارمة لعمال القصر بأن يحسنوا معاملتهم وضيافتهم. ولا أخفيك ـ يا صديقي الفنزولي ـ بأني تمنيت وأنا أتابع صور أولئك الفقراء، وهم يتمددون على أسرة القصر، لا أخفيك بأني تمنيت لحظتها ـ ورغم حبي لوطني ـ أن أكون فقيرا فنزوليا، لا فقيرا موريتانيا.
أما رئيس الفقراء في بلدنا فإنه بخل على المشردين في المدن والقرى المنكوبة، بمجرد زيارة تفقدية يواسيهم فيها. بل أنه اشتغل عن معاناتهم بإطلاق مواكب لغرس الشجر، طبل لها كثيرا الإعلام الرسمي، والذي فاته أن مليون شجرة التي قرر الرئيس أن يغرسها خلال السنوات الخمس القادمة، قد تمكنت منظمة لبنانية غير حكومية، تابعة لحزب الله، أن تغرسها فعلا في أقل من عشرة أشهر. وقد كانت الشجرة المليون، هي الشجرة التي غرسها سيد المقاومة حسن نصر الله، أمام منزله في حارة احريك، بالضاحية الجنوبية.
صديقي العزيز، إن أحوالنا في موريتانيا ليست بخير، خاصة مع التزايد المذهل في أسعار المواد الأساسية، والتي وصل بعضها إلى مستويات مخيفة، لم يصل إليها من قبل. و أرجو ـ بالمناسبة ـ أن تفكر معي في طريقة ما، يمكن من خلالها أن ترسل لي يوميا ما أستهلكه من مواد غذائية ـ وهو قليل ـ من بلدك، مع العلم أني سأرسل لك أثمان تلك المواد بسعرها الفنزولي، مع هامش ربح معتبر خاص بك.
والمؤلم حقا ـ يا صديقي ـ أن كثيرا من السلع في بلادنا يرتفع سعرها بمستويات لا تتناسب مع ارتفاع سعرها العالمي. بل أن بعضها ارتفع سعره دون أن يكون هناك أي ارتفاع عالمي. فأسعار النقل بين المدن قد ارتفعت بشكل مذهل تزامنا مع تخطيط العشوائيات. وأسعار اللحوم البيضاء قد ارتفعت هي الأخرى، نتيجة لظهور حمي الوادي المتصدع. والفارق هنا بين رئيسنا ورئيسكم، هو أن تجار بلدكم لا يستطيعون أن يفكروا إطلاقا في استغلال الفقراء في بلدكم . أما رئيسنا فإنه ظل يتفرج على استغلال الفقراء الذين انتخبوه، بتفرجه على تلك الارتفاعات في الأسعار دون أن يتدخل.

صديقي العزيز، يقال إن رئيس الفقراء في بلدكم يوفر في بعض الأحيان رواتب على الأمومة، أي أن الأم التي تتفرغ لتربية أبنائها يتم توفير راتب لها. أما في بلدنا ـ يا صديقي العزيز ـ فإنه لا يعوض للأمهات المتفرغات لتربية أبنائهن، بل أنه لا يوجد أي اهتمام بتشغيل وتوظيف العاطلين عن العمل، خاصة أصحاب الشهادات الجامعية، وبالأخص من تم تكوينه منهم باللغة الدستورية للبلد.
لقد تراجع كثيرا الاهتمام بحملة الشهادات العاطلين عن العمل في عهد رئيس الفقراء، والذي لا يزال يتجاهل همومهم ومعاناتهم. ولقد أصبح بعض هؤلاء العاطلين عن العمل يصرخ "واطائعاه" ، ويحن إلى عهد معاوية، والذي ظل، رغم ما عُرف في عهده من ظلم وفساد، يفتح فرصا تمنح لبعض حملة الشهادات العاطلين عن العمل تعويضات، على شكل راتب متواضع، تبقيهم على قيد الحياة، في انتظار فرصة قد لا تأتي.
صديقي العزيز، أرجو في الأخير ـ إذا لم تتمكن من أن ترسل لي استهلاكي اليومي من بلدك ـ أن تبحث لي عن أي عمل في بلدكم، حتى ولو تعلق الأمر بغسل الصحون، أو بتسلية الحيوانات، هذا مع العلم بأني أملك شهادات جامعية متعددة.
أرجو أن تهتم بالأمر، فأوضاعنا في موريتانيا لم تعد تطاق..
بلغ سلامي لتشفايز..
صديقك الفقير من موريتانيا.
وإلى الأحد القادم إن شاء الله، في مراسلة جديدة، تكشفها وثيقة جديدة، تتحدث عن الشباب، والإرهاب ، وأشياء أخرى في أنبيكت لحواش.
تصبحون على رئيس للأغنياء..