الاثنين، 23 أغسطس 2010

لن أغرس شجرة!




قلت لهم إنني جائع ... فقالوا لي أغرس شجرة.
قلت لهم إني أغرق... فقالوا أغرس شجرة.
قلت لهم أين سأسكن بعد أن هدمت الأمطار بيتي .. قالوا تحت، أو فوق، أو في وسط شجرة.
قلت لهم إن الأسعار لا تطاق .. فقالوا أغرس شجرة.
قلت لهم ستموت الشجرة، كما ماتت أفران المصلحة، وكما مات الكتاب .. فقالوا لي لا يهم أغرس شجرة.
قلت لهم إن التوقيت لا يناسب لإعلان ميلاد دولة الشجرة..وقلت لهم إن طريقتكم ستجعلني أكره الشجر.. كما كرهت سابقا المطالعة.. قالوا سنفتح في كل مقاطعة دارا لبذور الشجر...وسنتيح لكل مواطن أن يغرس شجرة.
قلت لهم أين عاصمة الثقافة ؟ .. قالو تحولت إلى عاصمة للشجر.
قلت لهم وأين الثقافة؟ .. قالوا سيتم اختزالها في ثقافة الشجر.
ثم همسوا في أذني وقالوا : لا خير في كتاب لا يدعو إلى غرس الشجر..
ولا خير في أغنية لا تروج لغرس الشجر..
ولا خير في قصيدة ليست من شجر..
ولا خير في خطيب جمعة لم يخطب بخطبة الشجر.
قلت لهم أين جنة الفقراء؟ ... قالوا أغرس شجرة.
قلت لهم هل وضعت الحرب على الفساد أوزارها ؟.. قالوا أغرس شجرة.
قلت لهم أين التغيير البناء ؟ ... قالوا لي إنه يستظل بشجرة.
قلت لهم أين الحكومة ؟ ... قالوا خرجت عن بكرة أبيها لتغرس شجرة.
قلت لهم أين رئيس الفقراء؟ .. قالوا إنه يطلق حملة غرس الشجر.
قلت لهم أين الشجر؟... قالوا إنه يغرس الشجر.
قلت لهم ومتى سينتهي الشجر من غرس الشجر؟.. فقالوا لي بعد أربعة أعوام ـ بالتمام والكمال ـ ستنبت مليون شجرة.
فقلت لهم يا سادة يا كرام .. فماذا سآكل في الأعوام الأربعة.. قالوا لي ستأكل من ثمار الشجر.
وقلت لهم وماذا سأشرب؟ ... فقالوا من عصير الشجر.
وماذا سألبس؟.. فقالوا من أوراق الشجر.
وبم سأتعالج؟ ...فقالوا أبشر فسنتداوى بأوراق الشجر.
وقلت متى سأحصل على عمل ؟ ... قالوا عندما يشيخ الشجر.
قلت لهم ومتى سيشيخ الشجر؟... فقالوا عندما تصفق بيديك ورجليك للشجر.. في تلفزيون الشجر.. وتشارك في قوافل الشجر.. وفي حملات الشجر...وفي مبادرات الشجر.
قلت لهم ومتى ستتبرعون لضحايا السيول؟... قالوا أتعني ضحايا البشر.. أم ضحايا الشجر؟...
قلت لهم ألم أقل لكم بأني لا يهمني الشجر... قالوا ونحن لا يهمنا البشر.
قلت لهم ومتى سَيٌخطب في الجوامع عن ضحايا البشر؟... قالوا عندما يمل المصلون من خطبة الشجر.
قلت لهم ومتى سيتحاور الشجر مع الشجر .. فقالوا عندما تتبدل الأرض غير الأرض وتتحول كل الرمال والصحاري إلى غابات من شجر ..
قلت لهم و أين سيحاور الشجر الشجر؟ ... فقالوا فوق كثبان متحركة من شجر.
قلت فعلى أي مرجعية سيتحاور الشجر؟ ... فقالوا وفق قانون الشجر( الكثير من الشجر يسمى غابة).
قلت ومن سيصوت بعد أربعة أعوام لرئيس فقراء الشجر؟ ... قالوا ستصوت له مليون شجرة.
قلت لهم بالله ارحموني و قولوا لي قولا ليس فيه شجر.. قالوا لي بنبرة عسكرية : أغرس شجرة ... أغرس شجرة .. أغرس شجرة.
قلت لهم إني قد أموت جوعا قبل أن تنبت الشجرة ... قالوا لا يهم أغرس شجرة.
قلت لهم إني قد أموت عطشا قبل أن تنبت الشجرة... قالوا لا يهم أغرس شجرة.
قلت لهم إني قد أموت مرضا قبل أن تنبت الشجرة...قالوا لا يهم أغرس شجرة.
قلت لهم إني قد أموت غرقا قبل أن تنبت الشجرة.. قالوا لا يهم أغرس شجرة.
قلت لهم لماذا لا يهمكم جوعي؟... قالوا المهم أن لا تجوع الشجرة.
قلت لهم لماذا لا يهمكم عطشي؟... قالوا المهم أن لا تعطش الشجرة.
قلت لماذا لا يهمكم غرقي؟... قالوا المهم أن لا تغرق الشجرة.
قلت لهم إذا كان لا يهمكم أمري ... فإعدكم بأني لن أغرس شجرة.
قالوا سنقول إنك معارض ... قلت لا يهم لن أغرس شجرة.
قالوا سنقول بأنك خائن وعميل... قلت لا يهم لن أغرس شجرة
قالوا سنقول بأنك مفسد ... قلت لا يهم لن أغرس شجرة.
قالوا سنقول بأنك مجنون...قلت لهم : تصبحون على شجرة...

الخميس، 19 أغسطس 2010

خيال X خيال




تخيلت أن رئيس الجمهورية قرر أن يقضي يوما كاملا في المدن والقرى المنكوبة. وتخيلت أنه تبرع من ماله الخاص لبعض الأسر الأكثر تضررا، وتخيلت بأنه قرر أن يقيل حكومته الخيالية أثناء تواجده التخيلي في القرى والمدن المنكوبة.
وتخيلت أن وزير التوجيه الإسلامي تبرع بثلث راتبه في هذا الشهر الكريم لصالح مسجد تيشيت، وأن وزيرة الثقافة تبرعت بربع راتبها لترميم ذلك المسجد الذي يعتبر من المعالم التراثية الهامة في البلد.
وتخيلت أن مفوض الأمن الغذائي قدم استقالته ـ قبل أن يُقال ـ لشعوره بأنه لم يفعل شيئا للتخفيف من معاناة المتضررين من السيول.
وتخيلت أن مفوض حقوق الإنسان ـ في محاولة لتفادي الإقالة ـ شوهد وهو بين الحمالين يحمل خنشة من الأرز إلى إحدى الأسر المتضررة، مقلدا بذلك بعض الموظفين السامين في بعض الدول الأوروبية.
وتخيلت أن التلفزيون الرسمي نظم سهرة مفتوحة لجمع التبرعات لصالح المنكوبين، وتخيلت أنه جمع في تلك السهرة مئات الملايين بعد أن تنافس رجال الأعمال وكبار الموظفين في تقديم التبرعات التي يتم نقلها بشكل مباشر على شاشة التلفزيون، ويتابعها رئيس الجمهورية أولا بأول.
وتخيلت أن بعض رجال الأعمال قرروا أخيرا أن يتبرعوا لضحايا السيول في "لعيون" و في "كيهيدي" و في " السياسة" و في "كامور" وفي "مقطع لحجار" ... كما تبرعوا سابقا لضحايا فيضانات كاترينا في الولايات المتحدة والذين لا يحتاجون لتبرعاتهم.
وتخيلت ـ كذلك ـ أن رجال الأعمال تبرعوا لضحايا الفيضانات ب5% من مجموع ما ينفقونه عادة في جلب الصور، وتنظيم السهرات المفتوحة في الخيام لصالح مرشحي الرئاسة.
وتخيلت أن النواب والشيوخ الذين تضررت دوائرهم الانتخابية من الأمطار تبرعوا برواتبهم لشهر كامل لصالح الأسر الأكثر تضررا، وتخيلت أن بقية النواب تبرعوا بنسب من رواتبهم لتلك الدوائر المتضررة.
وتخيلت أن شركات الاتصال قررت أن تنفق قليلا من أرباحها الطائلة في أعمال اجتماعية خيرية هادفة من خلال التنافس في تقديم العون للمدن والقرى المنكوبة. فتخيلت أن شينقتل تكفلت بالمتضررين في إحدى الولايات المنكوبة، وأن ماتال تكفلت بولاية ثانية، وأن موريتل تكفلت بولاية ثالثة.
وتخيلت أن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية قرر أن ينظم يوما تضامنيا لصالح ضحايا السيول وذلك بتكليف كل منتسب أن يتبرع بمائة أوقية مما مكن من جمع 50.000.000 أوقية في يوم واحد (يقال أن عدد المنتسبين نصف مليون، وبالتأكيد فإن كل مندوب سيدفع عن كل منتسب من وحدته تعذر عليه ـ لسبب أو لآخر ـ أن يدفع).
وتخيلت أن المساجد تنافست في يوم الجمعة القادم في جمع التبرعات لصالح المنكوبين. وتخيلت أن كل من حضر لصلاة الجمعة تبرع ـ على الأقل ـ بمائة أوقية، مما مكن المساجد على عموم التراب الوطني من جمع مئات الملايين.
وتخيلت أن التبرعات الوطنية التي تأتي من الأفراد والمؤسسات والمجتمع المدني قد سبقت هذه المرة التبرعات التي تأتي من مشارق الأرض ومغاربها مع حدوث كل كارثة.
وتخيلت أن التبرعات الخارجية لم تشكل في هذه المرة إلا نسبة مئوية قليلة من التبرعات المحلية.
وتخيلت أن كل تلك التبرعات ذهبت إلى مستحقيها ولم تذهب ـ كما يحدث عادة ـ إلى من يطعم نوقه بقمح الفقراء، ويزخرف قصوره بأقراص دوائهم، ويزيد من أرصدته بنهب الصدقات الممنوحة لهم.
وتخيلت أن الهندسة العسكرية استطاعت أن تنفذ " عملية ناجحة" في إحدى المدن أو القرى المنكوبة.
وتخيلت أنه تم تأسيس هيئة وطنية موسعة للتصدي للكوارث الطبيعية.
وتخيلت أن موريتانيا حكومة وشعبا تمكنت من أن تثبت ميدانيا بأنها أكثر رحمة وشفقة بمواطنيها المنكوبين من الدول الشقيقة والصديقة والتي عودتنا ـ مشكورة ـ على أن تمد يد العون للمنكوبين قبل أن تمدها لهم حكوماتهم، وكما هو الحال بالنسبة لليبيا التي سبقت الجميع للطينطان، كما سبقت الجميع للمتضررين من السيول الأخيرة.
وتخيلت أن الشعب الموريتاني استطاع هذه المرة أن يثبت ميدانيا بأنه مجتمع مسلم كالجسم الواحد، وكالبنيان المرصوص. وأنه يزداد تعاونا وتلاحما وتآزرا وتعاطفا أثناء حدوث الأزمات والكوارث الطبيعية.
وتخيلت أخيرا بأن كل ما تخيلت سابقا لم يكن خيالا، بل كان حقيقة وواقعا ملموسا.

تصبحون على واقع كالخيال...

الاثنين، 9 أغسطس 2010

ملاحظات حائرة على هامش "لقاء الشعب"



هذه بعض الملاحظات الحائرة، على بعض الأجوبة الحائرة، التي رد بها السيد الرئيس على بعض التساؤلات الحائرة، التي تم طرحها في اللقاء المفتوح بقصر المؤتمرات. وهذه الملاحظات الحائرة ما هي إلا امتداد للأسئلة الحائرة، التي كنت قد طرحتها في وقت سابق على الرئيس، وقبل لقاء الأربعاء بيومين.
لقد طرحت تلك الأسئلة الثمانية والأربعين، بعد أن حصلت على نصيبي كاملا غير منقوص من الحيرة التي وزعها الرئيس الحالي ـ وبشكل عادل ـ على كل الشعب الموريتاني. فكان بذلك أول رئيس أغرق الشعب كله بمفسديه ومصلحيه، بأغنيائه وفقرائه، بنخبه وعامته، بمعارضته وموالاته في بحر من الحيرة لا ساحل له.
فالكل حائر: الأغلبية حائرة حتى لو تظاهرت بعكس ذلك، والحكومة حائرة، والمعارضة حائرة، والفقراء حائرون، والمفسدون حائرون، والأميون حائرون، والمثقفون هم أشد خلق الله حيرة في بلد ربما يعيش خمس سنوات كاملة من الحيرة القابلة للتجديد.
إن للموالاة الحق في أن تقول ـ وهي حائرة ـ بأن البلد قد أنعم الله عليه ـ أخيرا ـ برئيس للفقراء يسلم على الفقراء، قبل الكبراء، يوم تنصيبه. ويحدثهم قبل غيرهم بمناسبة احتفاله بذكرى ذلك اليوم. فسلام على الفقراء يوم سلم عليهم رئيسهم في الملعب الأولمبي. وسلام عليهم يوم حدثهم في قصر المؤتمرات.
وللمعارضة الحق في أن تقول ـ وهي حائرة ـ بأن الفقراء قد جاعوا كثيرا، وعطشوا كثيرا، ومرضوا كثيرا، بين يوم التنصيب الذي سلم عليهم فيه رئيسهم بالملعب الأولمبي، وبين ذكرى ذلك اليوم الذي حدثهم فيه بقصر المؤتمرات. فسلام على الفقراء يوم حَلُموا فانتخبوا، وسلام عليهم يوم صُدِموا فصبروا، وسلام عليهم يوم شقت الطرق عن أيمانهم وعن شمائلهم وهم جائعون.
وسلام على كل مواطن حائر فكر مرة في أن يناصر"رئيس الفقراء" مناصرة لم يناصر بها رئيسا من قبله، ولن يناصر بها رئيسا من بعده، وذلك دعما لبعض الإنجازات والقرارات الثورية، التي لم يكن يحلم بها. وسلام على ذلك المواطن الحائر، عندما فكر مرة أخرى ـ وبنفس الحماس ـ في أن يعارض" رئيس العمل الإسلامي" معارضة لم يعارض بها رئيسا من قبله، ولن يعارض بها رئيسا من بعده، بسبب الإخفاقات الكثيرة، وبسبب تلك القرارات المؤجلة التي لم تتخذ في عام الحيرة، رغم أنه كان من المفترض أن يتم اتخاذها منذ زمن بعيد.
فسلام على ذلك المواطن الحائر، حينما فكر في مناصرة الرئيس. وسلام عليه حينما فكر في معارضته. وسلام عليه حينما لم يفكر في أي شيء.
وسلام عليه عندما تابع "لقاء الشعب"، فازداد حيرة على حيرة. حيرة بسبب كثرة النقاط المضيئة في ذلك اللقاء، وحيرة بسبب كثرة النقاط المظلمة فيه، فحار واحتار ولم يستطع ـ في المحصلة النهائية ـ أن يتخذ موقفا حاسما من ذلك اللقاء، كما فشل قبل ذلك في أن يتخذ موقفا حاسما من مبتدع ذلك اللقاء.
ولكي نَحُدَّ ـ ولو قليلا ـ من تلك الحيرة، كان لابد من تحديد النقاط المضيئة والنقاط المظلمة في ذلك اللقاء:
أولا : النقاط المضيئة :
1 ـ فكرة اللقاء في حد ذاتها كانت فكرة جريئة وثورية، وقد شكلت سابقة من نوعها، عربيا وربما إفريقيا. لذلك فهي تستحق الإشادة رغم كل الشوائب والأخطاء التي صاحبتها.
2 ـ لقد أجاب الرئيس بشكل صريح على سؤال غير بريء من المراسلة الفرنسية المشاركة في الندوة الرئاسية، وذلك عندما قال بأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لهذا البلد. وأن اللغة الفرنسية مرحب بها، كاللغة الانجليزية، وهي مجرد لغة عالمية ولغة انفتاح، لا أقل ولا أكثر. و تعلمها يعتبر أمرا مهما دون أن يعطيها ذلك منزلة تميزها عن غيرها من اللغات العالمية.
3ـ لقد كانت إجابات الرئيس واضحة أيضا فيما يتعلق بالعملية العسكرية الأخيرة، وبالحرب على الإرهاب بصفة عامة حيث أكد على أهمية تحقيق الأمن في كل شبر من أرضنا، وهو ما قد يستدعي في بعض الأحيان تنفيذ عمليات استباقية.
والمهم هنا أن الحرب على الإرهاب، خاصة في شقها الخشن ( العسكري)، يجب أن تلتزم ببعض الأساسيات التي ذكرها الرئيس ـ دون ترتيب ـ أثناء أجوبته، وتلك الأساسيات يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
ـ بما أننا نرفض أن نخوض حربا بالوكالة، علينا كذلك أن نرفض ـ وبنفس القوة ـ أن تخاض لنا حرب بالوكالة. فجيشنا عليه أن ينفذ عمليات ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ للانتقام لجنوده وللرعايا الأجانب الذين اختطفوا على أرضه. وهذه العمليات يجب أن يقودها وينفذها الجيش بنفسه، دون أن يعني ذلك رفض أي معونة استخباراتية أو لوجستية من الغير، بما في ذلك فرنسا أو أمريكا.
ـ هذه الحرب ليست حربا مفتوحة ضد تنظيم القاعدة، وإنما هي حرب ضد قلة استباحت أرضنا، وقتلت مواطنينا. وكل عملية ينفذها جيشنا في هذا المجال يجب أن لا تتجاوز حدود توازن الرعب، و الدفاع المناسب عن النفس، وهي ـ بالتأكيد ـ ليست ضد من لم يستبح أرضنا حتى ولو أراق دماء بريئة في أمكنة أخرى.
ـ هذه الحرب يجب أن لا تشرع لقواعد أجنبية في البلد. ولقد أعلن الرئيس ـ صراحة ـ بأن موريتانيا خالية من أي قواعد عسكرية أجنبية، وأنه على استعداد للمشاركة في قافلة تجوب البلاد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا بحثا عن تلك القواعد المزعومة.
لقد تم التشويش كثيرا على تلك العملية، من خلال بعض المقالات والتحليلات التي شككت في أهداف تلك العملية ، و بخست من دور الجيش الموريتاني فيها، والذي تأكد اليوم ـ ووفق مصادر عالمية متخصصة ـ بأنه كان هو المخطط والمنفذ الأول لتلك العملية التي أعادت للجيش وللبلد شيئا من الهيبة والكرامة والثقة في النفس المفقودة.
ثانيا : النقاط المظلمة:
1ـ لقد قال الرئيس بأنه لن يشرك المعارضة في السلطة، وله الحق في أن يقول ذلك. وقال بأن المعارضة يجب أن تظل معارضة كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية، وله الحق ـ أيضا ـ في أن يقول ذلك.
ولكن الشيء الذي لم يقله الرئيس، هو أن الأغلبيات الحاكمة في الدول الديمقراطية لا تحتكر إلا الوظائف السياسية لأنصارها. أما الوظائف الإدارية الأخرى فهي مفتوحة أمام الجميع، معارضة وأغلبية، بحسب الكفاءة والخبرة والاستقامة.
وما لم يقله ـ أيضا ـ الرئيس هو أن الديمقراطيات المحترمة لا تستخدم وسائل الدولة لإغراء أنصار المعارضة. ولا تستخدم سياسة الترغيب والترهيب، من أجل فرض هجرة قسرية من المعارضة إلى الأغلبية. كما يحدث في بلدنا، والذي لا تحتاج نخبه السياسية لجهد كبير في هذا المجال. فهي معروفة ب"خفة الوزن"، وبالقدرة والسرعة الفائقة على الترحال من منتجع سياسي إلى منتجع آخر، كثيرا ما يكون منتجع الحزب الحاكم.
2 ــ لم يوفق الرئيس في حديثه عن الحوار. ولم تكن هناك ضرورة ملحة للتذكير بأن اتفاق "دكار" ليس قرآنا ولا دستورا. كان على الرئيس أن يتحدث عن الحوار بنفس النبرة الإيجابية التي تحدث بها أثناء لقائه برئيس حزب عادل، وبرئيس منسقية المعارضة، وبزعيمها الدستوري، وبنفس النبرة التي تحدث بها وزيره الأول أثناء استجوابه. لقد كانت المعارضة في ورطة قبل " لقاء الشعب" فهي كانت مجبرة ـ قبل ذلك اللقاء ـ للذهاب إلى الحوار الذي لم تكن ترغب فيه أصلا. أما اليوم فقد أصبح لديها عذرها: الرئيس لا يرغب ـ بشكل جدي ـ في الحوار، بعد أن نكص عن اتفاق "دكار" الذي كان قد وافق عليه هو ووزيره الأول كأساس للحوار، حسب ما تسرب وقتها عن لقاءات الرئيس بزعماء المعارضة.
3 ـ لقد أجاب الرئيس بطريقة غريبة عن فصل السلطات، عندما قال بأنه لن يعارض في المستقبل أي تعديل دستوري في هذا المجال. ولقد فات الرئيس بأن في الدستور الحالي ما يكفي نظريا لفصل السلطات، ولكن المشكلة هي عدم تطبيق ما في الدستور.
4 ـ لقد كانت إجابة الرئيس على سؤال شاب من كيهيدي إجابة غريبة حقا. لقد طالب ذلك الشاب بمكتبة في كيهيدي، بعد أن أغلقت المكتبة التي كانت موجودة في المدينة، كما أغلقت كل المكتبات في الولايات الأخرى.
الرئيس قال بأنه قد تم إهدار المليارات في مكتبات لم يكن يزرها زائر، وفي كتب لا يقرأها أحد. والسؤال الحائر الذي أضيفه لأرشيف الأسئلة الحائرة التي لم يجب ولن يجيب عليها الرئيس: أين هو الآن من بدد كل تلك المليارات في كتب الطبخ والحلاقة، يوم كان وزيرا للداخلية ؟؟؟ ذلك سؤال كان من المفترض أن يطرحه أحد الصحافيين المشاركين في اللقاء، بعد تلك الإجابة الرئاسية الغريبة.
5 ـ لقد تجاهل الرئيس سؤالا من مدينة لعيون ومن حي العرقوب تحديدا الذي زاره الرئيس قبل ذلك بيومين، ودشن فيه طريقا كان يراد له أن يفك العزلة فزاد من عزلة ذلك الحي بعد أن انحرف عن مساره الأصلي. وذلك بقرار من وزير خفي للتجهيز، يبدو أنه أكثر نفوذا من وزير التجهيز العلني، ومن السلطات الجهوية، ومن نواب الولاية الذين أكدوا جميعا بأن الطريق لن ينحرف عن مساره الطبيعي.
كانت الحجة التي استخدمها "الوزير الخفي للتجهيز" لتبرير حرمان سكان حي العرقوب من الطريق الذي انحرف غربا عن الكثافة السكانية للحي ، بأنه انحرف للمرور ببعض المرافق العمومية، والتي أهمها سوق صغير تم تشييده دون دراسة في مكان خال من السكان وقد تعرضت نوافذه وأبوابه للسرقة أكثر من مرة.
هذا السوق الذي تم استلامه من طرف البلدية منذ 2003 لم يفتح إلا في يوم واحد وهو يوم 02 أغسطس 2010 لساعات محدودة، أي يوم زيارة الرئيس للمدينة. ولقد أغلق السوق أبوابه من جديد، وإلى أجل غير مسمى، بعد أن أدى دوره، وتم استخدامه لتبرير انحراف طريق عن مسارها في بلد انحرف فيه كل شيء عن مساره الطبيعي.
المهم أن انحراف هذا الطريق حرم مرفقا عموميا آخر أكثر أهمية من أن يمر به الطريق، وهو المركز الصحي للعرقوب، والذي كان موضوع سؤال لأحد سكان الحي ممن استغرب مواصلة السلطات الجهوية والصحية لإغلاق هذا المركز الصحي الهام.
لم يكشف الرئيس عن السر وراء إغلاق ذلك المركز الصحي، بل أنه اختار ـ بدلا من أن يجيب ذلك المواطن البسيط الحائرـ أن يتحدث عن الصحة في "أطار" والتي لم تكن هي موضوع السؤال.
المحير في الأمر كله أن الرئيس الذي ابتدع " لقاء الشعب"، يوم الأربعاء الرابع من أغسطس للاستماع لهموم المواطنين. هو نفسه الرئيس الذي رفض يوم الاثنين الثاني من أغسطس أن يستمع لشكاوي المواطنين في حي العرقوب، الذين خرجوا عن بكرة آبائهم وأجدادهم وأعمامهم لاستقباله في ظهيرة يوم غائظ.
فلماذا لم يستمع الرئيس لشكاوي سكان العرقوب إذا كان يسعى فعلا لسماع هموم المواطنين؟ وهل كان " لقاء الشعب" مجرد لقطة دعائية و إعلانية، أم كان يهدف حقا للاستماع لهموم المواطنين؟؟ ولماذا سُمِح بحضور من تتبخر دائما مشاكله وتتحول إلى نعم كلما أتيحت له فرصة الظهور في التلفزيون؟ ولماذا جيء بالغارقين ـ نظريا ـ في نعم التصحيح ( اللهم لا حسد)، والذين لم تكن لديهم مشاكل يطرحونها في لقاء المصارحة والمكاشفة؟؟؟؟؟
تصبحون وأنتم أقل حيرة...

الخميس، 5 أغسطس 2010

أسئلة حائرة إلى رئيس الجمهورية



سيدي الرئيس،
أكتب لكم اليوم الرسالة الثانية عشر، والتي ستقتصر على طرح بعض الأسئلة الحائرة، للمساهمة في إنعاش اللقاء المباشر والمثير، الذي قررتم أن تقدموا فيه حصيلة أول عام من فترتكم الرئاسية، وأن تجيبوا فيه على أسئلة بعض المواطنين التي قد يطرحونها في هذا اللقاء الذي يشكل سابقة من نوعه.
ولأنني مواطن من الدرجة الثانية، لا يحق له أن يستفيد من خدمات الإعلام الحكومي. فقد ارتأيت أن أطرح " نصيبي" من الأسئلة على سيادتكم، عن طريق الصحافة المستقلة. كما ارتأيت كذلك أن أنشرها قبل اللقاء بيومين، عسى أن تجد متطوعين أو فاعلي خير من القراء المحظوظين، الذين قد تتاح لهم فرصة الاتصال بالبرنامج، فيطرحوا بعضها على سيادتكم وأجرهم على الله.
سيدي الرئيس،
لقد عبرت لكم سابقا وبمناسبة تنصيبكم في العام الماضي ـ وفي أولى هذه الرسائل المفتوحة ـ عن إعجابي الشديد بلفتتكم المثيرة نحو الجماهير الفقيرة المشاركة في حفل التنصيب. لقد تركت تحيتكم للفقراء، قبل "الكبراء" والرسميين، أثرا طيبا في نفسي، وفي نفوس الكثيرين ممن تابعوا تلك اللقطة المتميزة التي وُفِقتم في تقديمها يوم التنصيب ذاك.
واليوم أجدني أيضا ملزما لأن أعبر لكم عن إعجابي الشديد بلقاء المصارحة والمكاشفة، الذي اخترتموه للاحتفال بالذكرى الأولى لتنصيبكم، عكس ما كان يجري سابقا، خاصة في عهد الرئيس السابق حيث بدد الكثير من ميزانية الدولة في الموسيقى والصخب للاحتفال بتلك المناسبة.
حقا إنهما لقطتان فريدتان، ثوريتان، جريئتان، بناءتان، متميزتان، لم يوفق لهما رئيس من قبلكم. وهما لقطتان تستحقان الإشادة من كل معارض منصف ـ أرجو أن أكون أنا هو ـ يمتلك شيئا قليلا من شجاعة الاعتراف.
وبين تلك اللقطتين الفريدتين ظلت على شفاه بسطاء هذا البلد أسئلة كثيرة وحائرة، تنتظر إجابات شافية من سيادتكم . وهي أسئلة تسحق بالمقابل أن تطرح من كل موالٍ مخلص ـ وأرجو أيضا أن أكون أنا هو ـ يمتلك شيئا يسيرا من شجاعة النقد والنصح، خاصة في هذه المناسبة التي اخترتموها لتكون مناسبة للمصارحة والمكاشفة ولمراجعة ما تم انجازه من برنامجكم الانتخابي، الذي صوت لكم عليه فقراء هذا البلد، أقول فقراء هذا البلد، ثم أعيد فقراء هذا البلد.
ستكون بداية هذه الأسئلة عن التلفزيون الذي اخترتموه لهذا اللقاء، دون إهمال أو تهميش لبقية مؤسسات الإعلام الرسمي التي أردتم لها أن تكون قريبة من المواطن العادي فإذا بها تزداد بعدا عنه.
وفي هذه الأسئلة سيتم استخدام " ترمومتر" دقيق جدا لمعرفة ما إن كان هذا الإعلام قد اقترب من المواطن العادي أم ازداد بعدا. وسنقارن هنا بين إعلام التغيير البناء في عهد تحرير الفضاء السمعي البصري، وبين الإعلام الرسمي في المرحلة الانتقالية الأولى.
1 ـ فلماذا كان عدد لا بأس به من المواطنين العاديين ينفق مائة أوقية من ماله الخاص لشراء نسخة من جريدة الشعب في المرحلة الانتقالية الأولى، في حين أنه يستحيل اليوم أن يشتري مواطن عادي نسخة من هذه الجريدة؟
2 ـ ولماذا كان الكثير من المواطنين يتابع ويناقش ويعلق على الكثير من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في المرحلة الانتقالية، في حين أنه اليوم لم تعد هناك برامج تهم كثيرا هذا المواطن؟
3 ـ ولماذا سُمِح لبعض الإعلاميين المتميزين أن يقدموا برامج هامة في المرحلة الانتقالية الأولى ( إسحاق، سيدي ولد أمجاد)، في الوقت الذي لم يسمح لهم بذلك في عهد تحرير الفضاء السمعي البصري؟
4 ـ ولماذا لم يتم تعيين بعض الإعلاميين الذين في سجلهم المهني حسنات كثيرة قدموها لهذا الإعلام :( عبدالله ولد محمدو، موسى ولد حامد، كابر ولد حمودي...)؟
5 ـ ولماذا تم إقصاء كل من كان يمكن له أن يساهم في تقريب الإعلام الرسمي من المواطن، حتى أولئك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، كما هو الحال بالنسبة لحمود ولد امحمد؟
6 ـ ولماذا تم اختيار من لم تسجل في صحيفته المهنية حسنة واحدة لإدارة مؤسسات الإعلام الرسمي التي يراد لها ـ عبثا ـ أن تكون قريبة من المواطن العادي؟
7ـ ولماذا ترفض الشعب نشر زاوية تنموية لا صلة لها بالسياسة ؟ ولماذا يرفض مدير التلفزيون تقديم برنامج شبابي تنموي مع العلم أن التلفزيون في أمس الحاجة إلى مثل هذا البرنامج؟ ولماذا رفض المدير ذلك البرنامج، رغم أوامر وزير الاتصال السابق، ورغم تدخل مستشاركم الإعلامي، والمستشار الإعلامي لوزير الاتصال وآخرين أعجبتهم الفكرة الرائدة لذلك البرنامج المقترح؟
8 ـ ولماذا يسد وزير الاتصال قنوات الاتصال بموظفيه الذين لم يتعلموا إلا لغة القرآن والتي يقال ـ نظريا ـ بأنها هي اللغة الرسمية للبلد؟
9 ـ ولماذا تقبلون من بعض وزرائكم أن يسيئوا للغة القرآن ولغة الدستور، وكما هو الحال بالنسبة لوزير التعليم الثانوي ووزير الاتصال؟
10 ـ ولماذا يشذ وزير الاتصال عن كل الوزراء الأحياء منهم والأموات، ويرفض أن يحدد يوما معينا للاتصال بالجمهور، حتى وإن كان سيتغيب أو سيتظاهر بانشغالات أخرى لا تسمح بلقائه، كما يفعل ـ عادة ـ أغلب الوزراء، ولأسابيع وشهور متواصلة؟
11 ـ وأخيرا فلماذا لم يتحسن أداء الإعلام الرسمي، رغم اجتماعاتكم الكثيرة بالمسؤولين عن هذا القطاع، ورغم زياراتكم الميدانية، ورغم وعودكم المتكررة بتقريبه من هموم المواطن العادي؟؟؟؟؟
جواب على السؤال رقم 11 : يقول خبراء التغيير بأن التغيير لا يمكن أن ينجح إلا إذا كانت هناك رغبة ذاتية لإحداث التغيير. ويقول الخبراء أيضا بأن الشخص الذي يرغب في التغيير يركز في الغالب على الفرص المتاحة أمامه لإحداث التغيير. ولا يضيع وقته في تعداد العوائق حتى ولو كانت كثيرة. أما الأشخاص الذين لا يرغبون في التغيير كما هو حال من تم تعيينهم لإدارة مؤسسات الإعلام الرسمي، فهؤلاء يضيعون الأوقات في تعداد العوائق لتبرير وتشريع فشلهم.
وبالمختصر المفيد، فلو أنكم اخترتم لتلك المؤسسات بعض الموظفين الذين يسعون فعلا للتغيير، لاستطاعوا وفي وقت قياسي أن يتجاوزوا العوائق الكثيرة، ويستغلوا الإمكانيات القليلة المتاحة، ولأعادوا لتلك المؤسسات شيئا من المصداقية التي كانت تتمتع بها في المرحلة الانتقالية الأولى، هذا إن لم يمنحوها مصداقية أكثر.
أسئلة حائرة عن الحرب على الفساد والمفسدين:
12ـ لماذا احتضنتم وعينتم بعض رموز الفساد في وظائف حساسة، رغم أنهم نهبوا ثروات البلاد، نظاما بعد نظام، وفي الوقت الذي توجد فيه كفاءات شابة في الشارع ؟
13 ـ ولماذا تقربتم واحتضنتم بعض رموز الفساد، وأنتم لستم بحاجة إليهم بعد أن انتخبكم ضحايا الفساد من الشعب الموريتاني.في الوقت الذي كنتم فيه تنتقدون أولئك المفسدين، وأنتم في أمس الحاجة إلى دعمهم أثناء الحملة الانتخابية؟
14 ـ ألا تُشرِّع تلك الازدواجية في التعامل مع المفسدين أثناء الحملة الانتخابية وبعد التنصيب لأسئلة حائرة كثيرة؟
15 ـ ولماذا توقفت الزيارات المفاجئة التي بدأتم بها عامكم الأول؟ ولماذا يتم الآن الإشعار بتلك الزيارات قبل موعدها بفترة تكفي لتجديد طلاء الإدارة المزورة، ولقص أشجارها، ولإصلاح بعض نوافذها المكسورة، ولتنظيف حماماتها ومراحيضها. وتكفي كذلك لاستجلاب كل موظفيها الأشباح، الأحياء منهم والأموات ؟
16 ـ ولماذا لا تزال التعيينات حتى اليوم لا تنسجم ـ إطلاقا ـ مع الحرب على الفساد المعلنة ؟ ولماذا لا زالت تلك التعيينات تتم بطرق بدائية لا علاقة لها بالكفاءة والخبرة والاستقامة؟
17 ـ ولماذا يتم إقصاء بعض الأطر لأسباب سياسية رغم حاجة البد إلى كفاءتهم؟ فلماذا لم تتم الاستفادة من كفاءة الوزيرة نبقوها التي استطاعت في فترة وجيزة ـ ورغم بعض الأخطاء ـ أن تعيد للمدرسة وللتعليم شيئا من هيبتهما المفقودة؟ ولماذا تم إقصاء ولد هيين الذي يرجع له الفضل في بقاء " سنيم " على قيد الحياة في عهد كان ينهار فيه كل شيء.؟ ولماذا يتم إقصاء هذا الموظف الذي ساهم في إنقاذ شركة الكهرباء من هلاك محقق؟
18 ـ ولماذا يتم إقصاء بعض الكفاءات الوطنية، لا لشيء، إلا لأنها تحب هذا الوطن وتريد أن تخدمه؟ فلماذا تم إقصاء مدير الرقابة البيئية؟ ألأنه يحمل من الشهادات والخبرة الشيء الكثير؟ أم لأنه كشف حيل بعض الشركات الأجنبية التي تدمر بها البيئة؟ وفي المقابل لماذا تمت ترقية موظف آخر، في نفس المجال، ألأنه بدلا من أن يفند فنيا وتقنيا تلك المخاطر البيئية التي يقال بأنها تهدد البلد، تفرغ لشتم وسب بعض السياسيين الذين كان يلهث وراءهم حتى وقت قريب؟
19 ـ ولماذا لا زالت التكريمات والتوشيحات لا يستفيد منها إلا من هو ليس أهلا لها ؟ فلماذا يتم حرمان الشرطي الشيخ صار مثلا من أي تكريم رغم اتفاق الجميع ( معارضة وأغلبية، نخبا وعامة) على استقامته وتفانيه وإخلاصه في العمل؟ بل لماذا رفضت السلطات السماح لبعض منظمات المجتمع المدني " ضحايا ضد الفساد" من تكريم هذا الشرطي الذي سيحال إلى التقاعد في مطلع العام القادم؟
20 ـ وبالمناسبة فهل ستتشابه التوشيحات والتكريمات بمناسبة الاحتفال بخمسينية الاستقلال بالتوشيحات والتكريمات السابقة، والتي لم يكن يحددها إلا مزاج القائمين عليها؟
21 ـ ولماذا تغيب الحكومة وإعلامها الرسمي عن إعلان اكتمال أضخم جهد علمي تم انجازه في السنوات الأخيرة، وبعد عقدين ونصف من البحث ؟ ولماذا لا يعامل الباحث الكبير يحيى ولد البراء بما يليق بمقامه وبجهده العلمي؟
22 ـ ولماذا ـ يا سيادة الرئيس ـ تواصل الحكومات المتعاقبة، حكومة بعد حكومة، تجاهل أعظم شخصية خدمت هذا البلد ؟ فلماذا لم نقدر للأستاذ الجليل محمد ولد سيدي يحيى جهوده الكبيرة ليس في الدعوة فقط، بل وفي تعزيز الوحدة الوطنية، وفي إذابة الفوارق في التعلم بين شرائح المجتمع؟ ثم ألا يعتبر تجاهل هذا الأستاذ الجليل الذي لم يستفد ماديا ولا معنويا من الدولة ولا من غيرها ـ رغم خدماته الجليلة ـ خطيئة كبرى من أعظم الخطايا ؟
أسئلة حائرة في محاربة الفقر:
23 ـ لماذا كان أداء وكالة تشغيل الشباب في هذا العام هو الأسوأ منذ تأسيس هذه الوكالة؟
24 ـ ولماذا كان أداء صناديق الادخار التي هي أهم مؤسسة تمويلية للفقراء سيئا للغاية في هذا العام، حيث يتم الحديث عن إغلاق بعض الفروع وتسريح بعض العمال؟ ولماذا كان أداء هذه الصناديق أفضل بكثير في عهد مديرها المسجون بتهمة الفساد، من أدائها في عهد محاربة الفساد؟
25 ـ ولماذا تعاملت الحكومة مع الحمالين بمسيلات الدموع بدلا من أن تستمع ـ ولو قليلا ـ لأنينهم؟
26 ـ ولماذا لم يتم حتى الآن التفكير في سياسة تشغيلية تقلل من التباين المخيف في نسب البطالة بين الشرائح الاجتماعية، وتحد من البطالة في الأوساط الأكثر فقرا؟
27 ـ ولماذا لم يتم التعامل مع القمامة بطريقة إبداعية، تقضي على القمامة في أسابيع معدودة، وتخلق مصادر دخل في الأوساط الأكثر فقرا، وكما فصلت ذلك الرسالة المفتوحة الثالثة من هذه الرسائل؟
28 ـ ولماذا لم يتم حتى الآن اعتماد برامج تدريبية مهنية وحرفية قصيرة المدة وموسعة تثقف حرفيا ومهنيا أكثر عدد ممكن من الفقراء، خاصة في الحرف البسيطة التي لا تحتاج لمهارات كبيرة، والتي تنهب من خلالها ثروات البلد؟
29 ـ ولماذا تتم زيادة الضرائب على السلع التي تبقي الفقراء أحياء يرزقون، ولا تتم زيادتها على السجائر التي تميتهم، وتميت الأغنياء معهم؟
30 ـ ولماذا لم يفتح أول رئيس للفقراء أبواب القصر لفقراء هذا البلد؟ ولماذا لم يتم ـ حتى الآن ـ استقبال حملة الشهادات العاطلين عن العمل في القصر؟ أو استقبال بعض المنكوبين من الطينطان مثلا على إفطار رمضاني؟ أو استقبال المعوقين؟ أو بعض الحمالين؟ ولماذا لم يتم القيام بزيارة خاصة لبعض "آدوابة"حيث ينتشر الفقر والجهل والمرض؟
31 ـ ولماذا لم يتم حتى الآن استحداث ديوان للمظالم، تابع لرئاسة الجمهورية، ينقل شكاوي الفقراء إلى رئيسهم الذي انتخبوه؟

أسئلة حائرة في الحكامة السياسية:
32 ـ لماذا تم تسييس بعض الإدارات التي كان من المفترض أن تبقى بعيدة عن التجاذبات والصراعات السياسية؟
33 ـ ولماذا تم تعيين مفتش للدولة غارق في السياسة حتى أصموخ رأسه؟
34 ـ ولماذا تم تعيين رئيس للمجلس الدستوري غارق في السياسة حتى فروة رأسه؟
35 ـ ولماذا تم انتخاب رئيس محكمة عدل سامية غارق في السياسة حتى أم رأسه؟
36 ـ ولماذا أغرقت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية في السياسة حتى عفرية رأسها؟
37 ـ ولماذا لازالت التعيينات والاستفادة من الصفقات العمومية تقتصر على الموالين دون غيرهم؟
38 ـ وإلى متى سيظل ابن القبيلة مدللا، وابن الجهة والعرق مدللا، وابن الطائفة السياسية مدللا، في حين أن ابن الوطن البار يعيش حياته كلها منبوذا، مذموما ومهمشا؟ وإلى متى سيظل أسوأ الناس حظا في هذا البلد هم أولئك الذين يضعون ولاءهم للوطن فوق ولائهم للقبيلة أو للجهة أو للعرق أو للطائفة السياسية؟
أسئلة حائرة في مجال الصحة :
39 ـ لماذا أضاع وزير الصحة والأطباء أوقاتا ثمينة من هذا العام في الصراعات، وفي لي الأذرع والأرجل، في الوقت الذي كان فيه المرضى يموتون فرادى وجماعات؟
40 ـ ولماذا ترفض الدولة استيراد بعض الأجهزة الرخيصة التي لا تكلف إلا مئات الآلاف، رغم أنه يبعث بسبب غيابها الكثير من المرضى للعلاج في الخارج؟
41 ـ ولماذا لم يتحسن حال المرضى في الداخل أو في الخارج رغم اهتمامكم الكبير بهذا القطاع؟
42 ـ ولماذا ـ وأنا هنا استخدم الترمومتر الآنف الذكر ـ لازالت الصيدلية الوحيدة المجاورة لمركز الأمومة والطفولة من أقل الصيدليات في العاصمة مبيعات؟
43 ـ ولماذا لا زال هذا المركز الفاخر الذي قامت له الدنيا ولم تقعد، عاجز ـ حتى الآن ـ عن استقطاب عدد يفوق أو يساوي ما تستقطبه نقطة صحية ريفية من غرفة واحدة، أو من غرفتين؟

أسئلة حائرة متفرقة :
44 ـ لماذا في زمن ثورة تشييد الطرق لم يستفد الشارع الفاصل بين كارفور مدريد و قصر العدالة من طريق مزدوج يخفف قليلا من الزحمة، خاصة وأن الكلفة لن تكون عالية، لقصر المسافة، ولغياب المباني على أطراف الشارع المذكور؟
45 ـ ولماذا لا يتم نقل سوق البيع بالجملة من قلب العاصمة إلى دار النعيم للتخفيف من الضغط والزحمة التي تسبب فيها الشاحنات الكبرى والعربات وذلك من أجل إعطاء وجه حضاري لقلب العاصمة؟
46 ـ ولماذا كان حظ الكتاب سيئا في هذا العام الذي تم فيه اختيار نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية، حيث دُفنت كتب المكتبات العامة في مخازن الحالة المدنية، بعد أن كانت قد وُلدت بطريقة غريبة في وزارة الداخلية؟
47 ـ ولماذا رغم الاهتمام المعلن بالشباب، والذي بلغ ذروته من خلال إشراكهم ـ ولأول مرة ـ في المجلس الوطني للحزب الحاكم، فلماذا تلغى مشاركة موريتانيا في منتدى الشباب الإفريقي؟ ولماذا لم تشارك موريتانيا في أنشطة شبابية أخرى؟ ولماذا شكلت الحكومة عائقا كبيرا في حصول بعض المنظمات الشبابية على تمويلات؟
48 ـ ولماذا ـ وهذا السؤال يحيرني حقا ـ تفاجئوننا بقرارات ثورية لم نكن نحلم بها إطلاقا ولم نكن نتوقعها في المستقبل المنظور، كما هو الحال بالنسبة للقاء المصارحة والمكاشفة هذا، في الوقت الذي تفاجئوننا فيه كذلك بعدم اتخاذ قرارات أخرى، كان من المفترض أن تتخذوها؟ فعلى سبيل المثال لِمَ لَمْ تستمعوا ـ وبشكل عشوائي ـ لبعض البسطاء في مدينة لعيون والذين استقبلوكم في ظهيرة يوم حار؟ فلو استمعتم إليهم لأخبروكم بأن الطريق الذي دشنتموه قد انحرف عن مساره الأصلي بسبب قصة فساد جديدة،من قصص الفساد في موريتانيا الجديدة ، والتي لم تتوقف فيها قصص الفساد، حتى في أيام ذكرى انتخابكم وتنصيبكم، حيث تم تهديد وفد كبير من الوزراء والموظفين السامين بالطرد من فندق صيني، بسبب عدم دفع الفاتورة. وفقنا لها جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الثالثة عشر إن شاء الله.

الورطة/ قصة قصيرة



اعتكف الأهالي في "أكواخ الدجاج" التي يسكنونها، استجابة لحظر التجوال الإجباري الذي تفرضه ـ عادة ـ شمس يونيو الحارقة، في أغلب أيام هذا الشهر، من منتصف النهار وحتى الساعة الرابعة مساءً.
لم يتعود الأهالي أن يخالفوا حظر التجوال الشمسي، رغم أنهم جُبِلوا على مخالفة القوانين، وحُبِّبَ إليهم كسر الأوامر. ولم يكن من المتوقع أن يخالف البعض ذلك الحظر في خامس أيام يونيو، والذي بلغت فيه درجة الحرارة رقما قياسيا جديدا.
في البداية كانت الأمور طبيعية جدا، فقد خلت الشوارع من المارة تقريبا، باستثناء بعض الحالات المحدودة جدا، والتي لا يمكن اعتبارها كسرا لحظر التجوال: أطفال يبحثون ـ عبثا ـ عن قطعة ثلج في دكاكين الحي، رجل يخطو مسرعا إلى كوخه بعد أن دفع ـ على غير عادته ـ مائة أوقية إضافية، لكي تنعرج به سيارة الأجرة لتوصله إلى أقصى مكان في الحي يمكن أن تصل إليه سيارة، سيدة أجبرتها ظروف قاهرة للخروج.
كانت النساء أكثر استجابة للحظر من الرجال، وكانت القليلات منهن اللاتي تفرض عليهن الظروف كسر الحظر، يخرجن ملثمات منقبات، لكنهن كن يكشفن عن رؤوسهن وصدورهن، في أول لحظة يلجن فيها مساكنهن المكشوفة للمارة وللجيران. فشمس يونيو لا تكتفي بحظر التجوال, وإنما تفرض على النساء اللواتي يكسرن الحظر, أن يلبسن زيا محتشما في الشارع، في حين أنها كانت تبيح للملتزمات بالحظر التبرج في أكواخ الصفيح المكشوفة.
ظلت الأمور شبه طبيعية، إلا في حي سكني واحد, من أفقر الأحياء السكنية في مقاطعة الميناء. فقد لوحظت في ذلك الحي حركة غير مألوفة.
لقد كانت حركة الناس في ذلك اليوم مثيرة للدهشة وللاستغراب...
وكان اتجاه الحركة أكثر إثارة للدهشة وللاستغراب, حيث كانت أفواج الرجال والنساء والشباب والفتيات, تتجه فرادى وجماعات, إلى محل الخياطة الوحيد في ذلك القطاع السكني الذي تكثر فيه أكواخ وأعرشة الخشب والصفيح.
وكان الأغرب من ذلك كله، أن تلك الحركة كانت تزداد كثافتها كلما اقتربت عقارب الساعة من الثانية ظهرا, وكلما زادت حرارة الشمس، ودنت أشعتها الحارقة من رؤوس المارة.
لقد شكل محل الخياطة في ذلك القطاع السكني قبلة لتلك الأفواج التي كسرت الحظر، وخرجت بشكل استثنائي، في وقت استثنائي، ولغاية استثنائية.
ولقد كان أول شيء يقوم به القادم لمحل الخياطة، هو إخراج ثلاثة آلاف أوقية، وتقديمها للخياط.
أخذت الأصوات ترتفع شيئا فشيئا في محل الخياطة، وكان كل واحد من الوافدين يدعي بأنه أولى من غيره بمرافقة واستضافة الخياط الخمسيني لدقائق معدودة.
قالت سيدة عجوز: عليكم أن تحترموا سني، فالشيب تحترمه الملائكة، وأنا أحق منكم بمرافقة الخياط.
قاطعها شيخ بلغ من العمر عتيا: الرجال قوامون على النساء.
تدخل شاب في مقتبل العمر وقال: إن الزبون الأكثر وفاء والتزاما بأوقات التسديد، هو الأجدر بأن يُبدأ به.
رد عسكري غاضب : أنا أولى منكم جميعا، لأني اشتغل في الليل، والفرصة الوحيدة المتاحة لي هي فرصة الثانية ظهرا.
اختلطت الأصوات وتداخلت، ولم يعد من الممكن تمييز بعضها عن بعضها الآخر. كانت الأصوات تزداد ارتفاعا وحدة، كلما اقتربت عقارب الساعة من إعلان تمام الساعة الثانية ظهرا.
وكان الارتفاع المتصاعد للأصوات ينبئ بأن الصراخ لن يكون لوحده كافيا لحسم الصراع الدائر بين تلك الجموع، للفوز بمرافقة الخياط. لذلك فقد أخذت الأيادي تتحرك. في البداية كانت تتحرك بهدوء وبحياء، لكنها سرعان ما أخذت تتحرك بخشونة وباستهتار.
بدا الناس في داخل محل الخياطة في ذلك اليوم الحار، وكأن ضربات شمس يونيو قد أصابتهم بمس من الجنون، أو بمرض نفسي نادر: كسر جماعي للحظر، صراخ جماعي، غضب جماعي، وحركات وتراشق جماعي بالأيادي.
حاولت السيدة العجوز ـ من جديد ـ أن تحسم الأمور لصالحها، واستخدمت هذه المرة يدها، بعد يئست من الفوز بالخياط عن طريق لسانها. أدخلت يدها في كم دراعة الخياط، وأخذت تسحبه خارج محل الخياطة. وهنا أيضا تدخل الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا، وشد إليه الكم الآخر، وأخذ يسحبه بقوة مساوية لقوة العجوز، لكنها معاكسة لها في الاتجاه.
أصابت العدوى بقية الأيادي الأخرى، فامتدت كل يد لتنال نصيبها من ثوب الخياط.
أشارت الساعة المتهالكة المعلقة بأحد جدران محل الخياطة المتهالك، إلى تمام الساعة الثانية ظهرا، ولم يستطع الخياط ـ في هذه المرة ـ أن يفتح جهازه الإذاعي المتهالك، ليتأكد من أن ساعة " بيكبن" لا زالت تحتفظ بتوقيتها الصحيح.
كان دليل الخياط الوحيد لدقة توقيت تلك الساعة الشهيرة، هو أن يتوافق توقيتها مع توقيت ساعته الجدارية المتهالكة. أما إذا حدث وأن خالفت " بيكبن" ساعته الجدارية ـ ولو بثوان قليلة ـ فذلك يعني أنه على "بيكبن" السلام ، وعلى التوقيت العالمي الموحد السلام، وعلى العالم أجمع السلام.
في ذلك اليوم ـ وعلى غير عادته ـ لم يستطع الخياط أن يتأكد بأن "بيكبن" لا زالت بخير، وأن العالم لازال بخير. بل إنه لم يعد قادرا على أن يتأكد في تلك اللحظة بأنه هو بنفسه لا زال بخير. لقد كان يخاف في تلك اللحظة بالذات، من أن يموت بسبب الاختناق بفعل ضغط الأكوام البشرية المحيطة به، أو أن يموت شنقا بدراعته، لذلك فقد كان يعمل جاهدا من أجل شق دراعته، من قبل أو من دير، حتى يتخلص منها، ويهرب بعيدا عن تلك الجموع المجنونة، إلى أي مكان آخر من أرض الله الواسعة.
أيقن الخياط ـ الذي هو أيضا مؤسسة صغيرة لتوزيع الكهرباء في الحي ـ بعد أن فشل في التحرر من دراعته، بأنه قد أوقع نفسه في ورطة كبيرة، عندما قطع الكهرباء عن زبائنه قبل حلقة حرجة جدا من مسلسل "مراد"، وذلك لإجبارهم على تسديد الفواتير، التي تأخرت بخمسة أيام كاملة عن موعد تسديدها.
تصبحون على اهتمامات أخرى...

الاثنين، 26 يوليو 2010

شكرا للجيش...


تسارعت ردود الأفعال حول العملية التي نفذها الجيش الوطني ضد بعض عناصر القاعدة في الأراضي المالية. وقد كان أغلب تلك الردود مخيبا للآمال، بل ومثيرا للاشمئزاز في بعض الأحيان.
ففي الوقت الذي خاطر فيه بعض جنودنا البواسل بأرواحهم من أجل توفير الأمن لهذا الشعب بساسته وبإعلامييه وبمثقفيه، ففي ذلك الوقت بالذات، تعالت أصوات الكثير من هؤلاء الساسة، والإعلاميين، والمثقفين، من خلال بعض البيانات، والتحليلات، والمقالات، للتشكيك في تلك العملية، وتقديمها على أنها كانت بمثابة إعلان حرب بالوكالة لصالح فرنسا، وعلى أنها ستشرع للقاعدة حربها، وستسبب في توجيه ضربات موجعة قد لا تكون لدينا القدرة لتحملها.
كلام كثير قيل حول تلك العملية التي لازالت بعض تفاصيلها غائبة، وهو كلام يستدعي تقديم بعض الملاحظات العاجلة، والتي قد يكون من الضروري الرجوع إليها فيما بعد بتحليل أعمق، وذلك من أجل تقديم صورة أكثر وضوحا للمواطن العادي حول حقيقة ما يجري.
الملاحظة الأولى : إن النظام الحالي ليس طَيِّعا لفرنسا إلى تلك الدرجة التي يتحدث بها البعض. وهو لو كان يطيعها لتلك الدرجة لَقَبِل أن يطلق بعض سجناء القاعدة في موريتانيا مقابل إطلاق المواطن الفرنسي الذي تم قتله، فذلك أقل كلفة من المغامرة ببعض الجنود في عملية داخل بلد آخر، من أجل إطلاق ذلك المواطن الفرنسي.
ثم إنه علينا أن نتذكر أيضا أن تدهور العلاقات الموريتانية المالية كان بسبب إطلاق إرهابي موريتاني، في عملية تبادل من أجل تحرير مواطن فرنسي آخر. فلو كان النظام الحالي طيعا لفرنسا إلى تلك الدرجة التي يتحدث بها البعض، لما أغضبه إطلاق سراح إرهابي موريتاني من السجون المالية، من اجل إنقاذ الرهينة الفرنسي المحرر.
وعلينا أخيرا أن نتذكر أن النظام الحالي لو كان طيعا لفرنسا إلى تلك الدرجة التي يتحدث بها البعض، لما تجرأ وقطع العلاقات مع العدو الصهيوني بتلك الشجاعة والجرأة، التي تم بها قطع تلك العلاقات.
الملاحظة الثانية: إنه يستحيل أن يتواجد جسديا 10 من القاعدة في مكان واحد إلا لتنفيذ عملية إرهابية. فمقتضيات الأمن بالنسبة لتنظيم مطارد من طرف كل الدول المحيطة به تفرض أن لا يتواجد جسديا عشرة من عناصره، إلا لأمر استثنائي جدا، كتنفيذ عملية إرهابية، خاصة أن وسائل الاتصال الحديثة تغني عن ذلك التواجد.
فتواجد تلك العناصر في مكان قريب نسبيا من الأراضي الموريتانية، يدعم رواية وزير الداخلية الموريتاني، والتي قالت بأن العملية كانت عملية استباقية، لإفشال عملية إرهابية، كان يخطط لها تنظيم القاعدة، في الأراضي الموريتانية.
الملاحظة الثالثة: كوننا نشكل الحلقة الأضعف باتفاق الجميع، فذلك يقتضي منا أن نتعاون مع الغير لمواجهة تنظيم القاعدة. وهذا التعاون يجب أن لا نربطه بقضايا السيادة، التي يجب أن تظل بعيدا عن مثل هذه الأمور.
فالمخدرات، والهجرة السرية، والإرهاب هي قضايا تهددنا كما تهدد فرنسا. وهي قضايا تفرض علينا أن نتعاون مع فرنسا ومع غيرها إلى أقصى الحدود من أجل مواجهتها.ولا يجوز لفرنسا أن تطلب منا ثمنا سياديا من أجل الدعم في هذه القضايا. كما أنه لا يجوز لنا نحن أن نربط التعاون مع فرنسا في مثل هذه القضايا بالتمويل وبالدعم لدى المؤسسات المالية.
فالإرهاب هو عدو للجميع، ومحاربته يجب أن يتعاون عليها الجميع، بعيدا عن ربطها بملفات أخرى.
فنحن لا يمكن لنا أن نستغني عن الدعم الاستخباراتي واللوجستي لفرنسا في حربنا ضد الإرهاب. كما أنه لا يمكن لنا ـ بأي حال من الأحوال ـ أن نستغني عن التعاون مع دول الجوار في هذه الحرب.
الملاحظة الرابعة : يحتج البعض بأن التعاون مع فرنسا سيشرع للقاعدة حربها المعلنة ضدنا. وهذه الحجة تستدعي التذكير ببعض الحقائق، التي يحاول البعض أن يتجاهلها:
1 ـ إن القاعدة لا تنتظر من أي أحد أن يشرع لها حربها، فهي التي وجهت لنا ضربات موجعة في الغلاوية، وفي ألاك، وحتى في العاصمة، في وقت كانت فيه علاقاتنا بفرنسا غير ودية. وفي وقت كانت تتهم فيه فرنسا ساركوزي نظامنا الحاكم بأنه نظام إسلامي سلفي يدعم الإرهاب.
2 ـ إن ما يسمى بقاعدة المغرب العربي، هو الذي أجبرنا نحن للتعاون مع فرنسا في هذه الحرب. فالقاعدة لم تقتل الفرنسيين في الأراضي الفرنسية، ولو قتلتهم في فرنسا أو في بلد آخر لكانت تلك قضية أخرى. المشكلة أنها قتلتهم في حوزتنا الترابية. فالضربات الموجعة التي تلقتها فرنسا من هذا التنظيم، تلقتها في قلب الأراضي الموريتانية. وهو ما يستوجب من الناحية الأخلاقية، والإنسانية، التعاون مع هذا البلد ومع غيره من البلدان الغربية، التي تعرض بعض مواطنيها للقتل أو الخطف وهم ضيوف علينا.
الملاحظة الخامسة : لقد أصبح بعضنا ملكيا أكثر من الملك. فالبعض ينتقد الجيش الموريتاني، لأنه نفذ عملية في الأراضي المالية، رغم أن حكومة هذا البلد هي التي قررت أن تفتح حدودها لملاحقة ومطاردة عصابات الإرهاب والمخدرات. البعض الآخر ينتقد تلك العملية لأنها ستغضب الجزائر، والتي إلى حد الآن لم تندد رسميا بهذه العملية، بل أن بعض المصادر الإعلامية تحدثت عن تنسيق مالي وجزائري لإنجاحها.
فالجزائر ـ حسب هؤلاء ـ ستغضب لأن التعاون الموريتاني الفرنسي في محاربة القاعدة سيزيد من أنصار هذا التنظيم، وسيساعده في التمدد والتوسع وفي تشريع حربه.
ما يلزم قوله هنا هو أن الجزائر الرسمية، لا يمكن لها أن تزايد علينا، في هذه القضية بالذات، لأنها هي التي عملت في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات على " تشريع" الإرهاب ومده بالكثير من الحجج التي ساعدت في تمدده وتوسعه.
الملاحظة السادسة : يتحدث البعض أن هذه العملية قد تكون مبررا لتوجيه ضربات موجعة في المستقبل ضد بلدنا. تلك حقيقة لا يمكن إنكارها. ولكن في المقابل هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها، وهي أن القاعدة قتلت جنودنا وهم صيام ومثلت بأجسادهم في الوقت الذي كان فيه جيشنا الوطني مشغولا عنها بالعمل السياسي.
فغدا قد نواجه ضربات موجعة من طرف تنظيم القاعدة، لذلك فإنه من الضروري توجيه بعض التحذيرات "الاستباقية"، حتى لا يقع بعض ساستنا ونخبنا في أخطاء قاتلة:
التحذير الأول: لا يجوز أن نجعل من العملية التي نفذها جيشنا في الأراضي المالية، مبررا للتشفي من هذا الجيش، عندما تنفذ القاعدة مستقبلا ـ لا قدر الله ـ عملية إرهابية ضد بلدنا.
التحذير الثاني: إن أي عملية إرهابية ستنفذ ضد بلدنا، لن يكون من الإنصاف اعتبارها فشلا لقوات أمننا لوحدها. بل ستكون فشلا لنا جميعا. فالنخب حتى الآن لم تلعب دورها بشكل سليم، وحتى المواطن العادي لا زال مقصرا في هذا المجال.
فواجبنا جميعا في مثل هذا الوقت، هو أن نعمل لتوعية المواطن، ولخلق حس أمني لديه، من أجل المساهمة في هذه الحرب، التي يجب أن لا يتخلف عنها أي موريتاني.
الملاحظة السابعة : إن هذه العمليات الاستباقية هي التي ستعيد لجيشنا كرامته. وهي التي ستحمينا من أن تتحول بعض أراضينا إلى مناطق تحتلها القاعدة، لا يجوز لجيشنا ولا لمواطنينا الاقتراب منها، كما يحدث في العديد من البلدان.
الملاحظة الثامنة : إن العمليات العسكرية يجب أن لا تكون على حساب الحرب "الناعمة" ضد الإرهاب، والتي يجب أن يقودها العلماء، والمثقفون، وقادة الرأي. وهذه الحرب الناعمة يجب أن تكون لها انعكاسات إيجابية. فالحوار الذي تم تنظيمه في السابق مع بعض المحسوبين على هذا التنظيم، لم يتم حتى الآن استثماره بشكل إيجابي.تصبحون على انتفاضة شعبية ضد الارهاب...

الاثنين، 19 يوليو 2010

بطاقة حمراء رقم 2


سَتُرفع البطاقة الحمراء الثانية ـ وكما وعدت سابقا ـ في وجه رئيس تشكلة الاتحاد من أجل الجمهورية. ولقد انتظرت لرفعها اكتمال أشغال المؤتمر الأول لتشكلة ـ أو على الأصح ـ لخلطة الاتحاد ( إن شئتم أقرؤوا خلطة بالعربية الفصحى، وإن شئتم أقرؤوها بالحسانية).
فالخلطة بمفهومها الفصيح تعني ـ في هذا المقال ـ خلق كثير من الرجال والنساء من قبائل وجهات وأعراق ومستويات وأعمار شتى، تختلط، وتتمازج، وتتآلف بشكل تلقائي، لتشكل خليطا مختلطا في قالب خلطة سياسية تولد في نفس اللحظة التي يدخل فيها ساكن جديد إلى القصر الرئاسي، وهي تولد ـ عكس المألوف ـ كبيرة. ثم تتنافر، وتتخاصم، وتتباغض، وتتشتت، وتذوب وبشكل تلقائي أيضا، وفي نفس اللحظة التي يخرج فيها ذلك الساكن من القصر. إنها خلطة غريبة وعجيبة تتميز بخاصيتين متناقضتين: فهي سريعة التشكل، وسريعة الذوبان.
والخلطة بمفهومها الحساني هي مفرد الخِلَطْ وتعني: خلق قليل من الرجال والنساء هم آخر من يودع الرئيس السابق. وهم أول من يستقبل الرئيس الجديد. يُبعثون مع كل رئيس جديد، ولكنهم لا يموتون سياسيا بموته السياسي. إنها مجموعة من المخلوقات الغريبة التي تتسبب في تدمير خلايا الدفاع لكل نظام، وتعجل هلاكه، ومع ذلك لا يستطيع أي نظام جديد ـ ومهما كانت جرأته ـ أن يعيش يوما واحدا دون احتضانها!
المهم أن هذه الخلطة القليلة الكثيرة ـ بمعناها الفصيح أو الحساني ـ قد أثبتت من جديد، ومن خلال مؤتمرها الأول، في موسمها الرياضي الحالي، والذي قد يمتد لخمس سنوات، بأنها هي الوريث الشرعي الأول للفريق الجمهوري الاجتماعي والذي كان بدوره وريثا شرعيا " لهياكل شعب" ( هياكل تهذيب الجماهير + حزب الشعب + أشياء أخرى)
لرئيس فريق أو نادي "الخلطة" سأرفع البطاقة الحمراء الثانية، ولكن قبل ذلك أرجو من الجمهور الرياضي أن يسمح لي بتقديم بعض الإيضاحات الضرورية، قبل رفع هذه البطاقة.
الإيضاح الأول: لقد وردتني انتقادات من بعض مشجعي فريق بني معارض بعد البطاقة الأولى. وقد تردني انتقادات أخرى من فريق بني خلطة بعد هذه البطاقة. لذلك فقد وجدت من اللازم أن أقول ـ وبالعربي الصريح والفصيح ـ بأني لا أبحث عن رضا هؤلاء، ولا رضا أولئك. والمهم بالنسبة لي أن أكتب ما أقتنع به، لا ما يقتنع به الآخرون. وإذا كان هناك من أبحث عن رضاه ـ من خلال ما أكتب ـ فهو المواطن البسيط، الفقير، المهمش والذي قد لا يكون بالضرورة مواليا أو معارضا.
الإيضاح الثاني: لقد انتقدني البعض الآخر على السرعة في إشهار البطاقات الحمراء، وعلى الحدة التي أكتب بها عادة. وهنا لابد أن أعترف علنا بأن تلك الحدة مقصودة لذاتها، وأن تلك القسوة هي من أجل الرد على القسوة التي تتعامل بها النخب السياسية مع هياكل هذا الشعب المغلوب على أمره. ورغم أني لم أوفق ـ حتى الآن ـ في كتابة شيء قاس جدا يتناسب مع تلك القسوة التي تتعامل بها النخب مع الشعب المسكين، إلا أني مع ذلك سأظل أحاول، وأحاول، وأحاول.
الإيضاح الثالث: في المقابل لابد أن أعترف بأني وجدت صعوبة كبيرة ـ لم أعرفها من قبل ـ في كتابة هذا المقال، وترددت كثيرا في رفع هذه البطاقة في وجه "مولاي" الذي لم يعلمني حرفا واحدا، وإنما علمني مقررا كاملا عندما درسني مادة المالية العامة في أواخر الثمانينات بجامعة نواكشوط، والتي كانت يومها جامعة فتية، و التي لا زالت ـ حتى اليوم ـ فتية. تماما كما هو حال الدولة الموريتانية نفسها التي ولدت فتية، ولازالت فتية رغم أنها ستحتفل بخمسينيتها في نوفمبر القادم.
لقد حاولت أن أتعامل مع أستاذي للمالية العامة الذي يرأس فريق بني خلطة، كما تعاملت سابقا مع أستاذي للتخطيط والذي كان يرأس نفس الفريق في العهد المؤتمن. ولقد تمكنت لمدة عام كامل أن لا أكتب شيئا ضد الأستاذ حتى في " البطاقة اللاغية " التي خصصتها للرد على ندوة الحكامة التي نظمها نادي الاتحاد الذي يرأسه الأستاذ.
واليوم وبعد مرور عام على قيادة الأستاذ لأكبر فريق رياضي في البلد، فلم يعد بالإمكان التغاضي عن الفريق، ولا عن الطريقة السيئة التي يلعب بها رئيسه، والتي استوجبت رفع هذه البطاقة الحمراء.
فلم يكن بالإمكان أن أتعامل مع الأستاذ ـ خاصة بعد تثبيته قائدا لنادي الاتحاد ـ بما يفترض أن يتعامل به الطالب مع أستاذه. فالتعامل معه بتلك الطريقة سيشكل ظلما لي، ولبعض طلبة الأستاذ ممن تقاعد قبل أن يحصل على وظيفة، أو هاجر، أو عاش غريبا في وطنه، أو نسي ما تعلم بعد أن طحنته الحياة طحنا، وخبزته خبزا، وشغلته بأمور لا صلة لها بما تعلم، فأصبح لا يختلف من حيث المستوى التعليمي عن تلميذ في المرحلة الإعدادية.
ولم يكن بالإمكان أن أتعامل مع الأستاذ كطالب، لأن ذلك سيشكل ظلما لأجيال وأجيال عاشت في وطنها مهمشة وذليلة بسبب ظلم "خلطة" تُبدل جلدها مع قدوم كل رئيس جديد. لتزداد عزا بعد عز على حساب الأغلبية المهمشة، التي تزداد تهميشا بعد تهميش.فمن كان"عزيزا " في خلطة النادي الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، فهو عزيز اليوم في خلطة الاتحاد. ومن كان " ذليلا" في عهد الخلطة الجمهورية، فهو ذليل اليوم في عهد خلطة الاتحاد.
ولم يكن بالإمكان أن أتعامل مع الأستاذ كطالب لأن ذلك سيشكل ظلما لمئات الآلاف من الفقراء المشجعين والمناصرين الذين حسموا تصفيات 18 يوليو لصالح نادي الاتحاد، ورغم ذلك لا زالوا يعانون كما عانوا بالأمس. وهم الفقراء الذين يقول عنهم الأستاذ في كل بيان، أو مؤتمر، أو تصريح، بأنهم يعيشون في نعيم مقيم، بعد أن زارهم التغيير البناء في مساكنهم المتواضعة، وامتزج بأكلهم، وشربهم،وملبسهم، ودوائهم، وحتى الدماء التي تجري في عروقهم، فقد تحولت إلى دماء جديدة تتناسب مع موريتانيا في طبعتها الكالحة الجديدة، التي لا تختلف عن طبعاتها الشاحبة القديمة.
لم يكن إذاً بالإمكان ـ وأرجو المعذرة ـ إلا أن أتعامل مع الأستاذ بصفتي حكما افتراضيا، وأن أرفع في وجهه البطاقة الحمراء التي استحقها بجدارة ولأسباب عديدة أذكر منها:
1 ـ إن تعيين أعضاء المجلس الوطني لنادي الاتحاد، بتلك الطريقة التي تمت يوم السبت 10 يوليو 2010 في الملعب الدولي لقصر المؤتمرات، والتي لا تختلف عن تعيين موظفي وزارة التنمية الريفية لا يبشر بخير على مستقبل الرياضة في هذا البلد. وهي لا تنسجم مع تطلعات وخيارات الجمهور الرياضي لنادي الاتحاد الذي انتخب 1017 مندوبا لم تتم استشارتهم حتى، في عملية التعيين تلك.
إن ما حدث يوم السبت 10 يوليو 2010 لم يكن تصرفا رياضيا سليما، وهو يستحق ـ على الأقل ـ رفع بطاقة حمراء، في وجه رئيس نادي الاتحاد الذي ظل يكرر دائما بأن ناديه ستكون له بصمة جديدة في الممارسة الرياضية.
وما حدث من عجرفة يوم السبت في قصر المؤتمرات، ربما يذكر ـ في أحد أوجهه ـ بعجرفة أخرى، حدثت في القصر الرئاسي في مثل هذا اليوم من عام 1978م.
2 ـ لقد لعب رئيس الاتحاد لأول مرة في نادي الدرجة الأولى الحكومي كقلب دفاع، عندما اختاره الرئيس المؤتمن، أو اُختير له على الأصح، ليتولى قيادة الدفاع. ولقد أظهر المدافع آنذاك أداءً سيئا لم يظهر به أي مدافع منذ ميلاد الدولة الموريتانية حتى يومنا هذا. ولقد فسر البعض سوء ذلك الأداء، بأنه يعود إلى أن قلب الدفاع لم تكن له أي صلة بالدفاع. كما أنه يفتقد لروح المبادرة والجرأة الشيء الذي جعله لا يتصرف إلا بأوامر من مدافعين أصغر منه، من حيث الرتبة الرياضية.
لقد ظل المدافع لا يتصرف إلا بأوامر، وهو سلوك لا يزال يرافقه حتي بعد أن تولى قيادة فريق الاتحاد. ومن المعروف بأن قائد الفريق الرياضي ـ أي فريق رياضي ـ يجب أن يكون قادرا على المبادرة، وعلى الإبداع، وعلى اقتناص الفرص النادرة، التي قد تتاح للفريق من حين لآخر. وتلك صفات قيادية يفتقر لها رئيس فريق الاتحاد.
لقد فشل "قلب الدفاع" فشلا ذريعا في مهمته الدفاعية، سواء وهو يلعب في الفريق الحكومي للخلطة المؤتمنة، أو في فريق الخلطة "التصحيحية". ولقد ترك المرمى مكشوفا مما سمح لفريق القاعدة بتسديد ضربات موجعة في الغلاوية، وفي ألاك، وفي تورين، وحتى في قلب العاصمة مسجلا بذلك أهدافا نوعية ومكثفة. لقد كان الأستاذ في تلك الفترة يستحق بطاقة حمراء بعد فشله في مهمته الدفاعية، إلا أن الذي حدث ـ كما يحدث دائما ـ كان هو العكس، فقد تمت ترقيته بعد ذلك ـ ولنفس الأسباب التي أوصلته لقلب الدفاع ـ ليصبح هو القائد الأول لنادي الاتحاد.
3 ـ إن رئيس فريق الاتحاد لا يتقن اللعب إلا في الوقت الضائع، لذلك فهو يستحق أكثر من بطاقة حمراء. يقول قائد الاتحاد في تقريره " المذهبي" أمام مؤتمر الحزب : " لقد جاء ميلاد الاتحاد من أجل الجمهورية، على موعد مع القدر، بعد قرابة نصف قرن من التيه السياسي، دشنته الأحادية الحزبية وما تعنيه من احتكار مقيت للسلطة، طيلة عقدين من الزمن؛ مرورا بعقد من الدكتاتورية العسكرية الكالحة، ليكرسه عقدان من التعددية الوهمية، حيث الأحزاب قائمة والحريات مخنوقة؛ وحيث تتوالى الانتخابات وتحسم نتائجها سلفا؛" والأسئلة التحكيمية التي يجب طرحها هنا: فلماذا لم ينتقد نجم الاتحاد تلك الدكتاتوريات الكالحة و التعدديات الوهمية في الوقت المناسب ولو بشطر كلمة؟ ولماذا قَبِل أن يكون لاعبا نشطا في تلك التعدديات الوهمية وأن يكون قلب الدفاع لآخر تعددية وهمية؟ ولماذا لم ينتظر موعدا مع القدر؟ ثم لماذا يقسو اليوم على نجوم المعارضة والذين كانت لديهم من الشجاعة والجرأة ـ رغم أخطائهم ـ ما أتاح لهم شرف انتقاد تلك الدكتاتوريات الكالحة والتعدديات الوهمية وعروشها قائمة؟ لو أجاب قائد خلطة الاتحاد على واحد من هذه الأسئلة لسحبت ـ فورا ـ بطاقتي الحمراء.
4 ـ إن خطة 5 ـ 5 (يوم تأسيس الاتحاد) أو 6 ـ6 التي يلعب بها نادي الاتحاد لا تختلف عن خطة 12 ـ 12 التي كان يلعب بها الفريق الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي والتي أوصلتنا إلى هذا الواقع البائس حيث صنفتنا الفيفا في الرتبة 168 عالميا، بعد أن تراجعنا أربع درجات إلى الوراء في هذا العام.
والمؤكد أنه إن استمر فريق الاتحاد يلعب بنفس خطته العبثية الحالية، فإنه لن يجلب للبلد إلا المزيد من الكؤوس التي جمعنا منها عددا كثيرا : الكأس العالمي للأمية ، الكأس العالمي للفقر، الكأس العالمي للإحباط، الكأس العالمي للشعوذة والتحايل، الكأس العالمي للرشوة والفساد...
وإن استمر قائد فريق الاتحاد مشغولا بتفاصيل صغيرة تافهة، دون التركيز على التحديات الكبرى التي تواجه الرياضة في هذا البلد، فلن نحقق في عهد التغيير البناء إلا ما حققنا في 48 عام ق. ت ( القاف تعني قبل، والتاء ربما تكون اختصارا لكلمة تاريخ، أو تصحيح، أو تغيير بناء، أو تحرير الفضاء السمعي البصري، أو تحرير شوارع عرفات، أو تأسيس المقاطعة 54، أو تقرير مذهبي، أو أي شيء آخر من ملامح "موريتانيا الجديدة" يبدأ بحرف التاء.).
إن هذه الخطة الهجومية التي ورثتها خلطة 5ـ 5 أو 6ـ6 عن خلطة 12ـ 12 لا يمكن أن تؤدي إلا لنفس النتائج المعروفة. فلعن الماضي، وتقديس الحاضر، وتخوين المعارضة، والتصفيق بالأيادي والأرجل، والانشغال بكل الأمور التافهة، والابتعاد عن التحديات الكبرى لن يخدم ـ بأي حال من الأحوال ـ الرياضة ولا مستقبلها في هذا البلد. والجمهور الرياضي أصبح أكثر وعيا ولم يعد يقبل بالانشغال في تلك الأمور التافهة، وإنما أصبح يطالب بلمسات ولقطات رياضية متميزة وميدانية.
5 ـ سبب آخر جعلني أرفع البطاقة الحمراء في وجه نجم الاتحاد وفريقه، وهو فشله الكبير في تسويق بعض اللقطات الفنية الرائعة والقليلة التي تم انجازها خلال هذا العام، والتي عجز نادي الاتحاد عن نقلها وتقديمها على حقيقتها للجمهور الرياضي. بل أن هذا النادي شوش ـ بقصد أو بغير قصد ـ على تلك اللقطات من خلال الانشغال عنها بأمور تافهة، أو بتقزيمها من خلال ربطها بسلوكيات غير رياضية.
ففي بعض الأحيان كنت أشفق ـ أقول أشفق ـ على "كبير القوم" الذي تمكن رغم إخفاقاته الكثيرة في هذا العام، من تقديم بعض اللقطات الفنية الممتازة. ولكنها لقطات ضاعت بعد أن شوشت عليها أندية المعارضة ونادي الاتحاد وحجبوها ـ بشكل كامل ـ عن الجمهور الرياضي.
لقد فشل رئيس نادي الاتحاد في تقديم أي لقطة فنية ممتازة خلال هذا العام. كما فشل أيضا حتى في تسويق بعض اللقطات الفنية التي قدمها "سيد القوم". لذلك فهو وبكل أمانة يستحق هذه البطاقة الحمراء.
6 ـ حسب رؤيتي التحكيمية الخاصة والتي قد تخالف رؤية الكثير من الحكام، فإن قيادة نادي الاتحاد الذي يبشر بمشروع "موريتانيا الجديدة"، كان يجب أن تمنح لمن تتوفر فيه عدة خصائص يفتقر إليها رئيس نادي الاتحاد الحالي، ومن هذه الخصائص:
أولا: أن يكون رئيس النادي لا ينتمي للأغلبية التلقائية التي تساند كل تغيير، وإنما ينتمي للأغلبية الخاصة بالتغيير الحالي والتي لم تساند تغييرا من قبله.
ثانيا: أن يكون قد عُرِف بمعارضته للأنظمة " الكالحة " السابقة، أو على الأقل لم يعرف بمناصرتها.
ثالثا: أن تكون له القدرة على أن يفكر ويلعب كرة نظيفة بطريقة غير تقليدية، تناقض أنماط اللعب التقليدية المعروفة.
وقبل أن أطلق صفارة النهاية، أعدكم ببطاقة ثالثة أشد احمرارا، و هي بطاقة سيتم تخصيصها للصحافة الرياضية، وبالتحديد لمدير التلفزيون الحالي.
وإلى البطاقة الحمراء الثالثة، أقول لكم: تصبحون على مباريات نظيفة....

السبت، 10 يوليو 2010

خطأ غبي...واعتذار ذكي



للمرة الثانية يرتكب السفير الموريتاني في دكار نفس الخطأ البروتوكولي الجسيم في حق رئيس الجمعية الوطنية أثناء زيارته لدكار. ولقد تم ارتكاب الخطأ الأول في وقت أظهر فيه رئيس الجمعية الوطنية رغبة صادقة في الحوار مع الرئيس المنتخب. وهي رغبة تجلت في الأساس في الخطاب الشهير، والهادئ، والمفاجئ، الذي افتتح به أول دورة برلمانية بعد انتخابات 18يوليو. كما تجلت تلك الرغبة في موقفه الصريح والواضح من مخلفات الاسترقاق، أثناء زيارة لجنة حقوق الإنسان الإفريقية، وهو موقف عكس ـ كالعادة ـ مدى وطنية الرجل، خاصة أنه أطلق موقفه ذاك، في وقت كان يواجه فيه تحديات جادة، وصراعات قوية، مع بعض قيادات الشريحة.
في ذلك الوقت بالذات اختار السفير الموريتاني في دكار أن يتجاهل وجود رئيس الجمعية الوطنية في دكار، وهو تجاهل ربما يكون قد ساهم مع أمور أخرى في أن يفتتح رئيس البرلمان الدورة الثانية بخطاب متشنج عكس خطابه الافتتاحي الأول. وأن يدعو بعد ذلك لإزاحة الرئيس بالقوة ( انقلاب)، وهي دعوة لم تكن موفقة ولا مناسبة لرئيس برلمان. المهم أنه تراجع عنها ضمنيا وفي وقت مبكر، عندما فسر تلك الدعوة، وقال صراحة بأنه لا يقصد بها انقلابا عسكريا.
لقد كان من المفترض في ذلك الوقت بالذات، أن يستقبل السفير الموريتاني في دكار رئيس الجمعية الوطنية بما يليق بمقامه. لا لأن المصلحة العليا للبلد تقتضي ذلك فحسب، ولا لأن القيم الديمقراطية، وحتى الأخلاقية تفرض ذلك. ولا لأن الكرم الموريتاني يستوجب ذلك. بل لأن المصلحة الضيقة للأغلبية الحاكمة ـ إذا ما كانت هي المعيار الوحيد الذي يضبط تصرفاتنا ـ كانت تفترض من سفير الأغلبية ـ الذي يرفض أن يكون سفير دولة ـ أن يستقبل رئيس الجمعية الوطنية بما يليق، وذلك لكي يُحدث ـ خدمة للأغلبية ـ شرخا في منسقية المعارضة، والتي كان رئيس الجمعية الوطنية في ذلك الوقت يقود تيارها المعتدل.
فشلت الأغلبية، كما فشل سفيرها في التقاط تلك الإشارات الإيجابية التي أطلقها رئيس الجمعية الوطنية في تلك الفترة. بل على العكس من ذلك فقد ردوا عليها ـ كل من موقعه ـ بإشارات سلبية ساهمت في تأجيج الخلاف وفي تأجيل الحوار.
وأما الخطأ الثاني، فقد جاء بعد أيام معدودة من لقاء رئيس الجمهورية بالرئيس الدوري لمنسقية المعارضة. وهو اللقاء الذي عبر من خلاله رئيس الجمهورية عن رغبته الجادة والصادقة في الحوار مع المعارضة، والتي حاول سفير موريتانيا في دكار أن ينسفها كما فعل قبل ذلك مع الرغبة التي عبر عنها رئيس الجمعية الوطنية في وقت سابق.
فلماذا يحاول سفير موريتانيا في العاصمة التي تم فيها التوقيع على اتفاقية دكار أن يعمق من الخلاف بين الأغلبية والمعارضة، خاصة بعد أن أظهر رئيس الجمهورية رغبة صادقة وجادة في الحوار، ولم يعد يمانع أن تكون على أساس اتفاق دكار؟؟؟؟ ذلك سؤال أطرحه فقط على كل من لا يملك ـ مثلي ـ إجابة عليه.
ما أستطيع قوله هنا هو أن الوزير الأول قد وُفِق في اعتذاره الذكي في الجمعية الوطنية عن تلك الأخطاء الغبية التي ارتكبها سفير "موريتانيا" في دكار. ورغم أهمية ذلك الاعتذار ورغم قيمته، إلا أن ذلك لن يمنع من تقديم بعض الحقائق المرتبطة بتلك الأخطاء التي تم ارتكابها في دكار وفي دمشق.
الحقيقة الأولى : لقد كان من المخجل حقا أن ردود نواب الجمعية الوطنية كانت غائبة بعد التجاهل الأول لرئيس جمعيتهم. ولقد اقتصرت تلك الردود على مقال كتبه نائب من التحالف الشعبي. وهو مقال تمنيت في وقت سابق أن يكون قد كتبه نائب آخر، من حزب آخر، حتى لا يظهر وكأن ذلك التجاهل كان موجها لحزب التحالف لوحده. فلم يكن من المقبول أن يهان رئيس الجمعية الوطنية، من طرف موظف حكومي، دون أن تكون هناك ردة فعل مناسبة من طرف البرلمانيين الذين هم ـ قطعا ـ ليسوا أقل شأنا من الصحفيين الذين لن يقبلوا ـ بغض النظر عن انتماءاتهم ـ أن يهان نقيبهم، ولا حتى عضو من نقابتهم. ولا أقل شأنا من المحامين، ولا من الأطباء، ولا من الفنانين، ولا من المتقاعدين، ولا من تجمع الخياطين أو الغاسلين .. ولا... ولا..
لقد كان موقف البرلمانيين بعد الخطأ الأول موقفا محبطا ومخجلا، وربما يكون ذلك الموقف السلبي قد شجع السفير لتكرار غلطته. فكيف يقبل برلمانيون محترمون ومنتخبون أن يُعامل رئيسهم الذي انتخبوه بتلك الطريقة التي لا تليق؟ ولماذا يغضب نواب الأغلبية عندما يقال بأنهم أغلبية مأمورة، في الوقت الذي لا يدافعون فيه عن رئيسهم الذي انتخبوه، لأن الأوامر لم تصدر إليهم بعد بذلك؟
الحقيقة الثانية : إن تجاهل رئيس الجمعية الوطنية الذي يمثل نواب الشعب والذين يمثلون بدورهم الشعب الموريتاني بكل مكوناته، هو تجاهل للشعب الموريتاني بموالاته وبمعارضته، بمدنييه وبعسكره، بنخبه وبعامته. وهذا التجاهل لن ينقص من مكانة رئيس الجمعية الوطنية، وإنما سينقص من مكانة السفير الذي ارتكبه.
الحقيقة الثالثة : إن التعامل اللامسؤول مع الموريتانيين أثناء تواجدهم في الخارج بسبب انتماءاتهم السياسية، هو تصرف سخيف، و يناقض أحد الأهداف الهامة للعمل الدبلوماسي الذي يسعى إلى التعزيز من قيمة وسمعة المواطنين لدى سلطات الدول التي تستضيفهم. وإذا كان السفير المعين أصلا لتعزيز تلك المكانة هو الذي يهين مواطني بلده أمام السلطات الأجنبية فإنه بذلك يكون قد أخل كثيرا بمهمته.
الحقيقة الرابعة : إن السفير قد ارتكب خطأين جسيمين بغض النظر عن الدوافع والأسباب التي دفعته لارتكابهما. ومهما يكن من أمر فإن تلك الدوافع لا يمكن أن تخرج ـ في اعتقادي ـ عن أربعة احتمالات.
الاحتمال الأول: هو أن تكون هناك أوامر عليا قد صدرت للسفير وهو احتمال أستبعده تماما رغم بيان منسقية المعارضة. وحتى ولو افترضنا جدلا بأن السفير قد تلقى أوامر بذلك فكان عليه أن يرفض تنفيذ تلك الأوامر. وكان عليه أن يستقيل إذا أرغم على ذلك. وعموما فارتكاب الأخطاء استجابة لأوامر عليا هو الذي أوقعنا فيما نحن فيه. وهو لم يعد مقبولا على الأقل ـ نظريا ـ في موريتانيا الجديدة التي نحلم بها.
الاحتمال الثاني: هو أن يكون السفير قد ارتكب ذلك الخطأ البرتوكولي بمبادرة شخصية منه في محاولة للتقرب ولابتداع آخر "صرعة" ولاء لرئيس الجمهورية. والمؤكد ـ ومهما كان إخلاص السفير ـ أنه بتصرفه ذاك قد أضر بالرئيس و أغلبيته أكثر مما نفعهم.
الاحتمال الثالث: أن يكون السفير للمرة الثانية لم يعلم أصلا بقدوم رئيس الجمعية الوطنية إلى دكار. والاعتذار عن الخطأين بعدم العلم أقبح من الذنبين. فإذا كان السفير لا يعلم شيئا عن تحركات رئيس الجمعية الوطنية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، ثاني شخصية رسمية في البلاد. ولا يعلم شيئا عن دخوله ولا عن مغادرته للعاصمة التي يزاول فيها مهامه. فهو ـ أي السفير ـ لن يعلم شيئا عن المواطنين البسطاء الذين يفترض أنه يسهر على مصالحهم، و الذين يدخلون السنغال ويغادرونه دون أن يذكرهم ذاكر.
الاحتمال الرابع: أن يكون السفير من الأغلبية التي تعمل ـ في الخفاء ـ من أجل إجهاض "التغيير البناء" ومن أجل وأد "موريتانيا الجديدة" من قبل ولادتها. فمن يعمل من أجل إفشال الحوار بين المعارضة والأغلبية يعمل ضد موريتانيا أولا، وضد رئيس الجمهورية ثانيا. فغياب الحوار سيشكل ضررا كبيرا على موريتانيا بصفة عامة، وعلى الرئيس وأغلبيته الداعمة بصفة خاصة، لأنه سيشغله عن معركة البناء بمعارك جانبية مع المعارضة. وإذا كان يمكن للمتابع أن يفهم رغبة بعض المعارضين في عرقلة الحوار، لأن المصلحة الضيقة والأنانية لمن لا تهمه مصلحة الوطن من المعارضين، ولا يهمه إلا أن يظهر فشل النظام الحاكم، قد يفسر تلك الرغبة. إذا كان يمكن تفهم ذلك، عند بعض المعارضين، إلا أنه لا يمكن تفهمه إذا تعلق الأمر بمن يدعي بأنه من الأغلبية، فالأغلبية لن تستفيد شيئا حتى من منظور المصالح الضيقة لأنها ـ وببساطة شديدة ـ ستكون هي الخاسر الأكبر من عرقلة الحوار.
تصبحون على حوار بناء...

الثلاثاء، 29 يونيو 2010

عام الإحباط



ستحاول هذه الورقة ـ التي لا أنصح القارئ بإكمال قراءتها ـ أن تكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لأول عام من حكم "رئيس الفقراء" بعد انتخابه. وهي ستحاول أن تقدم ذلك الوجه ـ وكما هوـ دون أن تضيف له مساحيق تجميل كما يفعل البعض، ودون أن تبالغ ـ أكثر من اللازم ـ في التركيز على مواطن القبح فيه كما يفعل البعض الآخر.
ولن تقتصر هذه الورقة على كشف النقاب عن الوجه الجديد القديم لموريتانيا الجديدة القديمة، بل إنها ستحاول أن تتبع ملامح ذلك القبح وتكشف عن أسبابه وتقترح ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ بعض العمليات التجميلية التي أصبح من الضروري إجراؤها للتخفيف من تلك التشوهات التي يعتبرها البعض ـ عكس حقيقتها ـ تشوهات خلقية وبنيوية لا يمكن علاجها.
وهذه الورقة المعدة بمناسبة مرور عام تقريبا على انتخاب "رئيس الفقراء" ليست إلا مقدِّمة لورقة أخرى، ستكون ـ إن شاء الله ـ أكثر تفصيلا، وستتحدث عن عقود خمسة من الإحباط بمناسبة الاحتفال بخمسينية ميلاد الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي أنعم الله عليها بمساحة شاسعة غنية بالثروات والخيرات. ورغم ذلك لا زالت بعد عقودها الخمسة عاجزة عن توفير أبسط ضرورات الحياة الكريمة لسكانها الذين لا يصل عددهم لسكان مدينة واحدة من كثير من المدن العالمية. ولازالت ـ وهذا هو المؤلم حقا ـ تلفظ شبابها إلى الإجرام، والإرهاب، أو في أحسن الأحوال إلى دول أجنبية لمزاولة أعمال قد لا تكون لائقة من أجل البقاء على قيد الحياة.
لقد أصبحنا بحق في أمس الحاجة لميلاد موريتانيا جديدة طال انتظارنا لميلادها، خصوصا أننا سنحتفل قريبا بمرور نصف قرن على الميلاد الرسمي لموريتانيا التي لم تولد بعد في عقول وقلوب أغلب أبنائها. وتلك واحدة من أعظم مصائبنا الكثيرة.
لماذا هذا العنوان بالذات؟
لا جدال في أن النصف المعارض من الشعب الموريتاني قد أصيب بإحباط وبصدمة كبيرة بعد ظهور نتائج انتخابات الثامن عشر من يوليو. ولا جدال كذلك في أن الكثير من المعارضين لم يفق حتى الآن من آثار تلك الصدمة الكبيرة رغم مرور عام تقريبا على ظهور النتائج المفاجئة التي لم يكن يتوقعها متشائمو المعارضة ولا متفائلو الموالاة.
في حين أن النصف الثاني (الموالاة ) ـ لحسن حظه أو لسوئه ـ لم يعش ذلك الإحباط دفعة واحدة، وإنما تجرعه بالتقسيط على شكل جرعات متفاوتة على مدار العام كله.
فكل أنصار "التغيير البناء"، من وجهاء وشيوخ قبائل ورجال أعمال وساسة وحتى من فقراء يشعرون اليوم بإحباط كبير لأنه لا يوجد من بينهم من حصل على الحد الأدنى مما كان يتوقع بعد مرور عام على انتخاب وتنصيب أول "رئيس للفقراء" في تاريخ بلد الفقراء.
وإذا كان إحباط رجال الأعمال والوجهاء ورجال السياسة قد يعتبر بشارة خير، فإن إحباط الفقراء الذين يعود لهم الفضل في نجاح أول رئيس لهم ليس كذلك. فهو يمثل انتكاسة للوعود الكبرى التي حلموا بها أثناء الحملة الانتخابية.
ولقد عبرت سيدة فقيرة من مقاطعة عرفات عن ذلك الإحباط بطريقة مؤثرة جدا، عندما طالبت وبإلحاح من الرئيس بأن يعيد لها "صوتها" الذي منحته له في انتخابات يوليو، لأنها لم تعد تأمل أن يتحسن حالها ولا حال الفقراء في عهده. ( انظر الرسالة العاشرة من الرسائل المفتوحة الموجهة لرئيس الجمهورية في عام الإحباط هذا).
إذن لقد كان الإحباط هو السمة الأبرز لموريتانيا الجديدة، في عامها الأول، ورغم تعدد أسباب ومظاهر وتجليات ذلك الإحباط فإن هذه الورقة ستركز أساسا على إحباط الفقراء. وستبدأ هذه الورقة بقانون عجيب غريب "اكتشفه" فقير أمي لا يقرأ ولا يكتب، وذلك للتعبير عن إحباطه عاما بعد عام، وتغييرا بعد تغيير، وتصحيحا بعد تصحيح، وانقلابا بعد انقلاب، وتنصيبا بعد تنصيب.
قانون مُحْبِط
لا شك في أن وعود المانحين في بروكسل قد أعطت " جرعة أمل " كبيرة مع نهاية هذا العام الذي لم يشذ عن القانون المحبط . يقول القانون بعد شيء من التصرف بأن كل عام يمر بهذا البلد يتحول بطريقة عجيبة من عام شقاء إلى عام رخاء. فهو يكون جحيما في الحاضر ونعيما في الماضي، أي أنه يكون عام شقاء عندما نعيشه، وفي الوقت نفسه عام رخاء عندما نودعه. فالفقير لا يكتشف بأنه كان يعيش في رخاء ونعيم إلا بعد أن يستقبل عاما جديدا. فهو دائما ـ أي الفقير ـ يظل يكرر بأن هذا العام سيء جدا، ولا شيء أسوأ منه، ولكنه عندما يأتي عام جديد، يكتشف بأن العام الماضي الذي كان يعتبره عاما صعبا، لم يكن صعبا، بالمقارنة مع العام الجديد.
فمثلا كان فقراء هذا البلد يقولون بأن العام 2006 كان عاما صعبا على المستوى المعيشي. ولكنهم اكتشفوا بأنه كان عام رخاء مع قدوم 2007 . ثم اكتشفوا بعد ذلك أن 2007 كانت نعيما عندما عاشوا جحيم العام 2008 الذي تحول إلى نعيم مع حلول العام 2009 . ولقد تحول العام 2009 بدوره إلى جنة مع قدوم العام 2010 وهو العام الذي قد يتحول أيضا ـ وفق القانون المُحْبِط ـ إلى جنة مع قدوم العام 2011 الذي قد تُبَذر فيه المليارات من تمويلات بروكسل كما بُذرت سابقا المليارات دون أن يتحسن ـ ولو قليلا ـ المستوى المعيشي للمواطن الموريتاني.
هذا هو القانون الذي وضعه أحد بسطاء البلد، وهو القانون الذي أتمنى من كل قلبي أن يثبت لنا "رئيس الفقراء" عدم صلاحيته خلال عامه الثاني في الحكم والذي سيستقبله ـ عكس عامه الأول ـ بتمويلات سخية لم تكن تحلم بها حكومته.
ذلك ما أتمناه حقا، ولكن قبل ذلك دعونا نعود للعام الماضي ليس فقط من خلال قوانين البسطاء، بل من خلال أحدث معادلات التغيير التي وضعها العلماء والخبراء في هذا المجال. فلنستمع إذن لكلام الخبراء.
كلام خبراء: يُجمع خبراء التغيير على أن التغيير الذي يُحدث نهضة، ليس مجرد عملية فوضوية تتم بشكل عفوي. وإنما هي عملية معقدة جدا، وتحكمها قواعد وقوانين علمية صارمة. وسنتوقف في هذه الفقرة مع بعض تلك القوانين من خلال إسقاط معادلة التغيير على التغيير البناء، بعد مرور عام من الأعوام الخمسة التي من المفترض أن يحصل فيها ذلك التغيير.
تقول المعادلة : C = A x B x D > X
أي أن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بـ "سي" تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة " آ"، في معامل وضوح الرؤية "بي"، في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى"دي". ويقول هذا القانون بأن الناتج يجب أن يكون أكبر من "الإكس" التي ترمز لكلفة التغيير.
وقبل الحديث بشكل مفصل عن عناصر معادلة التغيير فإنه من المهم جدا أن نتحدث قليلا عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقوانينه.
1ـ رغم أننا قد نختلف في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام، إلا أن ذلك لا يقلل ـ إطلاقا ـ من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في التغيير نفسه. عكس عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفته إلا بشكل مؤجل ( وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون مواقف سلبية منه).
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير إلى خصوم و أعداء له. و يمكن ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم في نجاح التغيير. كما أن هناك فئة الخاملين التي تعمل جاهدة من أجل أن تبقى الأمور خاملة.
4 ـ إن هذا القانون يصلح لكل أشكال التغيير، سواء كان ذلك التغيير فرديا يخص الأفراد، أو كان تغييرا داخل مؤسسة، أو منظمة، أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (دي) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير . فهو يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
5ـ إنه عندما يكون أي عنصر من عناصر التغيير الثلاثة يساوي صفرا، فإن مستوى التغيير سيكون صفرا، لأنه حاصل عملية ضرب بين العناصر الثلاثة.
6 ـ إن من الأخطاء التي يقع فيها البعض النظر إلى نصف الكأس، وسواء منهم من ينظر إلى نصفها الفارغ، أو من ينظر إلى نصفها المملوء. علينا أن ننظر إلى الكأس بنصفيها الفارغ والمملوء. وهذا بالضبط هو ما تحاول معادلة التغيير أن تتحدث عنه بطريقة رياضية رائعة. فالبعض لسبب أو لآخر لا يرى من عملية التغيير إلا كلفته، وهو بذلك ينتقده انتقادا فظيعا. وأما البعض الآخر فهو يتغاضى عن ثمن التغيير، ويغالط المستهدفين، ولا يحدثهم عن الكلفة التي يجب عليهم دفعها وهو ما يصعب عملية التغيير.
7ـ إنه ليس من المناسب أن نغرق في تحليلات رياضية في ورقة معدة لقراء من مستويات شتى، لذلك فسأكتفي بتقديم عناصر معادلة التغيير. والمهم أن يعلم القراء أن لكل تغيير عناصر ثلاثة لا يمكن أن يحدث دونها، وأن حاصل ضرب تلك العناصر الثلاثة يجب أن يكون أكبر من كلفة التغيير. فلنعد إذن إلى عناصر المعادلة الثلاثة:
العنصر الأول : مستوى درجة الاستياء من الظاهرة المراد تغييرها، وكلما ارتفع ذلك المستوى كلما أدى ذلك إلى نتيجة أكبر. والحقيقة أن كل الشعب الموريتاني بنخبه وعامته، وبمعارضته وموالاته مستاء من هذا الواقع البائس الذي نعيشه، خصوصا أننا سنحتفل ـ بعد أشهر قليلة ـ بالذكرى الخمسين لتأسيس الدولة الموريتانية التي لازال نصف شعبها أمي لا يقرأ ولا يكتب. في حين أن النصف الثاني "المتعلم" لا تختلف تصرفاته وسلوكياته كثيرا عن النصف الأمي. ولا زالت بطون نصف شعبها جائعة، أما النصف الثاني فقلوبه جائعة لا تشبع أبدا. ولا زال نصف شعبها مفسد، أما النصف الثاني فهو يتحين الفرص لكي يجد شيئا يفسده. فالكل مستاء لأن البلد يتربع منذ خمسين سنة ـ وحسب المؤشرات الدولية ـ على أعلى درجات سلم التخلف، والفقر، والأمية، والمرض، والجوع، والرشوة، وهو ينافس حتى الدول التي تعيش حروبا أهلية منذ سنوات.
وهنا قد يطرح البعض السؤال التالي: لماذا لم يحصل تغيير ما دام الكل مستاء من الواقع؟ والجواب هو أن درجة الاستياء لا تكفي لوحدها لكي يحصل تغيير. فهناك عناصر أخرى في معادلة التغيير، ثم إن إعلامنا الرسمي كان يعمل جاهدا لامتصاص ذلك الاستياء. فكان الناس عندما يستاءون من القمامة ـ مثلا ـ يطل عليهم طبيب بائس، في تلفزيون بائس، ويقول لهم بأن انتشار القمامة بشارة خير، لأنه يعكس حجم الطفرة التي حصلت في مستوى الاستهلاك. وعندما يتألم العمال من سوء حالهم يطل عليهم نقابي بائس، في تلفزيون بائس، ويقول لهم بأن العامل الموريتاني، هو العامل الأكثر حظا في العالم لأن الزيادات تأتيه تترا دون عناء ودون نضال. وعندما يتألم البعض من غياب البنى التحتية في العاصمة، وفي المدن الكبرى، يطل عليهم صحفي بائس، في تلفزيون بائس، ليحدثهم عن تعاونيات ريفية، في قرى ريفية، تفكر في تسويق منتجاتها الزراعية عن طريق الانترنت!!
وعندما يتألم الناس من تفشي الأمية، أيام كانت الأمية ـ في عهد مضى ـ تشكل عائقا من عوائق التنمية، كان يطل ناشط مدني بائس، في تلفزيون بائس، ليعد بأن منظمته التي لا عنوان لها ستقضي على الأمية في ستة أشهر.
وكخلاصة يمكن القول بالنسبة لهذا العنصر بأن "رئيس الفقراء" كان جريئا ـ ومنذ وصوله إلى السلطة ـ في التحدث عن هموم الناس، وهي جرأة فاقت في بعض الأحيان جرأة المعارضة. وقد ساهمت تلك الجرأة في فك العقدة عن لسان الكثيرين وأصبحوا لا يجدون صعوبة في الحديث عن الهموم الحقيقية للبلد.
العنصر الثاني : وضوح الرؤية والذي ترمز له المعادلة بحرف (بي )، ولا يكفي فقط أن تكون الرؤية واضحة لمن يقود مشروع التغيير، بل لابد لها أن تكون واضحة لأغلب المستهدفين من عملية التغيير. فوضوح الرؤية يحتاج لخطاب قوي جدا، وواضح جدا، يساعد في اكتتاب أنصار جدد من خلال إقناع الخاملين والمثبطين والمترددين وحتى المعارضين، بدلا من خطاب مشوش يؤدي إلى انسحاب الكثير من أنصار التغيير.
لقد كاد "التغيير البناء" أن يتحول إلى "غموض بناء" ( الغموض البناء مصطلح أمريكي كالفوضى الخلاقة، وإن لم يكتسب شهرتها في التداول، وقد تم استخدامه لأول مرة بعد " أوسلو" عندما تم تجاهل ملف القدس والاستيطان واللاجئين فقيل أن ذلك التجاهل هو نوع من الغموض البناء).
وحتى لا نتجاهل نحن ـ على الطريقة الأمريكية ـ أهم "بنود" التغيير البناء، فقد ارتأيت أن أعود في هذه الورقة إلى بعض تلك البنود.
حقيقة لقد كانت فكرة مشروع موريتانيا الجديدة، فكرة ذكية و رائعة، وكان بالإمكان أن تكون فكرة تغيير جامعة، تجمع حولها غالبية نخب وعامة هذا الشعب، لو كانت تلك الفكرة واضحة بالنسبة لأصحابها. فمشروع موريتانيا الجديدة يحتاج أولا إلى عقلية جديدة، وإلى أساليب وأنماط جديدة في الحكم. أما استخدام نفس الأساليب القديمة فلن يؤدي إلا لنفس النتائج المعروفة، حتى ولو رفعنا شعار موريتانيا الجديدة. وخلال العام الماضي يمكن القول بأن النظام كان يُتبع كل خطوة جديدة إلى الأمام عدة خطوات إلى الوراء، وهو ما يعكس ـ بالتأكيد ـ عدم وضوح الرؤية بالنسبة له.
وفوق ذلك فقد عانى النظام خلال العام الماضي من عجز كبير في "تسويق" بعض الانجازات الهامة، التي وصلت إلى المواطن العادي بشكل مشوش وملتبس. وقد يكون السبب الأكبر في ذلك يعود إلى أغلبية الرئيس، وإلى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية خاصة، والذي يمكن تصنيفه بأنه هو حزب السلطة الأكثر فشلا في تاريخ أحزاب السلطة في هذا البلد. إن هذا الحزب الذي يديره رئيسه بنفس الطريقة التي كان يدير بها وزارة الدفاع سابقا أي عدم التصرف إلا بأوامر لا يمكن أن يُسَوق مشروع موريتانيا الجديدة ( وهذا ما ستتحدث عنه بتفصيل أكثر البطاقة الحمراء الثانية).
لقد أضاع هذا الحزب ـ الذي يعمل لا كحزب وإنما كإدارة حكومية في مقاطعة نائية ـ سنة كاملة في تبادل الشتائم والكلام التافه مع المعارضة، بدلا من أن يشتغل ـ كما تفعل أحزاب الأغلبية في الدول الديمقراطية ـ في تسويق البرنامج الانتخابي لرئيسه المنتخب، وفي الدفاع عن ما تحقق من انجازات. ولم يختلف بيانه الأخير عن بياناته وتصريحاته السابقة، فقد قزَّم ذلك البيان نجاح طاولة بروكسل عندما جعل منها مناسبة جديدة للتشفي و لتخوين المعارضة. وإذا عدنا لتراث الأغلبية والمعارضة فلن نجد ـ قطعا ـ ما يثبت أن المعارضين للنظام الحالي وللأنظمة السابقة، كانوا أكثر خيانة وعمالة من الموالين له الذين جُبلوا على موالاة كل الأنظمة، وظلوا يتوارثون تلك الموالاة كابرا عن كابر، وصاغرا عن صاغر. حتى أداء الحزب في البرلمان كان باهتا، ولو وضع أداء نوابه الثلاثة والخمسين في كفة، ووضع أداء نائبين أو ثلاثة من المعارضة في كفة أخرى لرجحت كفة نواب المعارضة. وبالمختصر المفيد فإن وضوح الرؤية لمشروع موريتانيا جديدة يحتاج أولا لأن تكون كل تصرفات المبشرين بها، تصب في ذلك المشروع ولا تناقضه.
العنصر الثالث : مستوى الانجاز في الفترة الأولى: إن هناك واقعا صعبا نعيشه اليوم، وهناك وضعية أفضل نحلم بها، ومن المفترض أن تكون هناك خطة حكومية، تنقلنا من الوضعية السيئة التي نتخبط فيها، إلى الوضعية الأفضل التي نحلم بها، في مدة زمنية تقدر بخمس سنوات، ومن أهم تلك السنوات الخمس العام الأول.
ويقول الخبراء بأن ما ننجزه في السنة الأولى، هو الذي سيحدد سرعة سيرنا في السنوات الخمس القادمة. وأهمية الإنجاز في العام الأول تكمن في أن كل تغيير ستنتج عنه لا محالة مقاومة لذلك التغيير وتلك المقاومة تزداد قوتها ومناعتها كلما كان التغيير في بدايته ضعيفا لأن ذلك سيساعدها كثيرا في جمع قدراتها وفي تنظيم صفوفها لإحباط عملية التغيير. وهذا ما جعل البعض يفضل التغيير الفجائي على التغيير التدريجي، لأن التغيير الفجائي (الثورة) يشكل صدمة قوية لقوى مقاومة التغيير، ولا يعطيها فرصة لمقاومته. وحتى لا نغرق بعيدا في نقاشات نظرية فإننا سنعود في هذا الورقة ـ والتي أطلب من جديد من القارئ أن يتوقف فورا عن قراءتها ـ إلى ملامح موريتانيا الجديدة، وذلك لنبين أن مستوى الانجاز في العام الأول لم يكن قويا، وأن مقاومة التغيير كانت حاضرة وبقوة، وأنها استطاعت أن تُحوِّل الحرب على الفساد ـ والتي كانت هي العنوان الأبرز للتغيير البناء ـ إلى هدنة معه.
الهدنة مع الفساد: لقد عرفت البلاد ـ على الأقل في الأشهر الأولى من عهد الرئيس الحالي ـ حربا معلنة وميدانية ضد الفساد، أعقبتها هدنة غير معلنة. ولتقييم نتائج تلك الحرب الخاطفة التي أثارت جدلا كبيرا بين المعارضة والموالاة لابد من التحدث عن خمسة أنواع من الأسلحة التي تم استخدامها، أو التي كان من المفترض أن يتم استخدامها في هذه الحرب، وذلك من أجل الخروج بحصيلة دقيقة وميدانية لنتائج تلك الحرب الخاطفة.
السلاح الأول: يتعلق بعصا العقوبة التي تستخدم لمعاقبة المفسدين و لتخويفهم. وهذه قد تم استخدامها في الأسابيع الأولى من هذا العام من خلال تجريد بعض المفسدين الموالين، ومن خلال استرجاع بعض الأموال المنهوبة، و من خلال فتح ملف رجال الأعمال المتهمين في ملف البنك المركزي.
السلاح الثاني: وهو سلاح الجزرة و يستخدم في العادة لحماية الموظفين ضد الفساد، من خلال تعيين وترقية وتكريم الموظفين النزهاء الأكفاء. وهذا السلاح لم يستخدم إطلاقا خلال كل العقود الأخيرة فالتعيينات والتكريمات والتوشيحات ظلت حكرا على المفسدين، أو على الأقل لمن يستخدم أساليب وطرق غير شفافة للحصول عليها. لقد حدث في هذا البلد أن تم توشيح مفوض شرطة بوسام سام، ولقد فوجئ المهنئون بظلام "دامس" يلف منزل الموظف الموشح ليلة توشيحه. لقد ظل ذلك الموظف لسنوات يسرق الكهرباء دون أن يتجرأ أحد على محاسبته، إلى أن حُوِّل لفرع شركة الكهرباء في تفرق زينة رئيس مركز، تعينه الشركة ـ عادة ـ كلما كانت تعاني من نقص حاد في الموارد، فهو معروف بالاستقامة والصرامة الشيء الذي جعله يصر على قطع الكهرباء عن منزل الموظف الموشح. تأملوا في هذه الصورة: موظف يسرق الكهرباء لسنين يتم توشيحه عدة مرات، وموظف آخر معروف بالاستقامة في شركة معروفة بالفساد لم يوشح أبدا.
فسلاح الجزرة لم يستخدم إطلاقا في موريتانيا الجديدة، فلا يوجد تعيين واحد أو ترقية واحدة تمت فيها العودة إلى الكفاءة، رغم كثرة التعيينات والترقيات التي بلغت في أحد مجالس الوزراء سبعين تعيينا.
بل أكثر من ذلك فإن موريتانيا الجديدة لا تكتفي بأنها لا تكرم الأكفاء النزهاء من أبنائها، بل أنها لا تترك الرحمة تنزل على هؤلاء. ويكفي هنا أن أقدم كمثال الشرطي المعروف بشرطي نادي الضباط المحروم من أي تكريم رسمي حتى الآن ، رغم أنه سيحال إلى التقاعد مع مطلع العام القادم. وهو الشرطي الذي يشهد له الجميع بالكفاءة والنزاهة والاستقامة والتفاني في العمل. لقد رفض والي نواكشوط الترخيص لوقفة تكريمية كانت ستنظمها " ضحايا ضد الفساد" لتكريم هذا الشرطي المميز. أنظر مقال "أقبل رأسك.. يا الشيخ صار".
السلاح الثالث: تجفيف منابع الفساد وهذا السلاح قد تم استخدامه بقوة، خاصة في مجال تعميم علاوات السكن والنقل، والتي كانت تشكل بؤرة كبيرة من بؤر الفساد. ومن المؤسف أن تعميم العلاوات قد واجه انتقادات حادة من المعارضة، وهي انتقادات لم تكن صائبة في أغلب الأحيان برغم وجود بعض الأخطاء التي كان يجب أن يتم تفاديها في هذا التعميم. ومن هذه الأخطاء عدم التشاور مع النقابات في المراحل الأولى، ومنها أيضا استخدام كلمة " معتبرة " التي أطلقها الوزير الأول والتي فتحت شهية العمال لزيادات "معتبرة" قبل ظهور الحجم الحقيقي لتلك الزيادة. وربما يكون من المفيد هنا أن ننصح بترشيد استخدام بعض الكلمات أثناء الخطابات الحماسية، بل وسحبها من الخطاب الرسمي ككلمة معتبرة أو جبارة. والكلام هنا موجه بالأساس إلى الوزير الأول الذي تسبب في مشاكل جمة بكلماته "الحماسية". فقد تسببت كلمة " معتبرة " في إضرابات عمالية، كما تسببت كلمة" دبر حالك" في مواجهات عرقية في الجامعة.
السلاح الرابع : إقصاء المفسدين: لم تكن الغالبية ممن صوت لـ "محارب المفسدين" تعتقد بأن رموز الفساد سيعودون بهذه السرعة، وبهذه القوة ،وبهذا الحجم، وبهذه الكثافة وقبل أن يكتمل العام الأول من عمر موريتانيا الجديدة التي لا مكان فيها للفساد والمفسدين، كما كان يؤكد دائما الرئيس بمناسبة وبغير مناسبة.
لقد تم تعيين من ارتبط اسمه بأشهر قضية فساد في قطاع التعليم في أعلى منصب دستوري في البلاد. كما تم تعيين من ارتبط اسمه في قضايا فساد عديدة، تبدأ بالدواء ولا تنتهي بالإرهاب والكتاب على رأس أشهر مؤسسة أنجبتها موريتانيا الجديدة!
ويكفي أن نعلم بأن كل رؤساء الحكومات في عهد "الفساد الأول" تم تعيينهم في وظائف سامية، وبذلك تكون موريتانيا الجديدة وفي وقت قياسي جدا قد تصالحت مع المفسدين واستعادت كل مشاهير الفساد، ولم تستبعد من "المشاهير" إلا المفسدين الذين فيهم خصلة حسنة وهي الوفاء لأولياء نعمهم.
السلاح الخامس : انحراف بعض المؤسسات عن دورها في محاربة الفساد ، ولعل المثال الأبرز الذي يمكن تقديمه هنا هو المحكمة السامية، التي قامت لها الدنيا ولم تقعد، والتي كان تأجيل تأسيسها لأسابيع معدودة هو أبرز حجة لتشريع الانقلاب. لقد تحول رئيس هذه المحكمة إلى مدافع عن النظام بأسلوب وبلغة وبطريقة تستحق النقد، حتى وإن جاءت من مواطن ريفي أمي لا يفقه من القانون شيئا. يمكن العودة للنقد الذي وجهه رئيس المحكمة لأعلى سلطة دستورية في البلاد، وذلك للدفاع عن قانون الإرهاب. كما يمكن العودة لانتقاداته اللاذعة لمنسقية المعارضة، والتي لا تليق بشخصية سامية، تم اختيارها لرئاسة محكمة سامية.
لقد خسرنا معركة حاسمة من الحرب على الفساد، كما خسرنا حروبا سابقة مع الأمية، ومع الفقر. ورغم أن النظام الحالي يتحمل المسؤولية الكاملة في خسارة هذه المعركة، إلا أن ذلك لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ أن نغفل الأدوار السلبية لبعض الأطراف الأخرى.
من هذه الأدوار السلبية الدور الذي لعبته المعارضة التي وقفت بشدة ضد معاقبة رجال الأعمال، وهم الذين تركوها ـ بالمناسبة ـ بعد خروجهم من السجن وانخرطوا في الإتحاد من أجل الجمهورية. لقد أخطأت المعارضة كثيرا في موقفها ذاك والذي أصبح حجة يستخدمها أنصار الأغلبية كلما طالبت المعارضة بمعاقبة بعض المفسدين. لقد كان الأولى بالمعارضة في تلك الفترة أن تستغل فتح ذلك الملف للمطالبة بفتح المزيد من الملفات، وبتوسيع الدائرة حتى تشمل رجال الأعمال المقربين من النظام، والذين توجد لبعضهم ملفات كان يمكن تقديمها للرأي العام. اللافت للانتباه هنا أن الرئيس يمتلك جرأة كبيرة للتحدث عن ما تعتبره المعارضة مفسديها. أما المعارضة فلا تستطيع ـ لسبب لا أفهمه ـ أن تتحدث عن مفسدي النظام بنفس الجرأة. أنظر مقال " تفاديا للالتفاتة القاتلة" ومقال " إعلان حرب".
أيضا أخطأت النخبة بصفة عامة، وبالأخص من هم ضحايا للفساد. فهي بدلا من أن تقود انتفاضة شعبية ضد الفساد، لمؤازرة الحرب على الفساد، عندما بدأ إطلاق الرصاص الحي، اختارت أن تلعب دورا سلبيا ومثبطا. فصورت فتح ملف رجال الأعمال وكأنه عمل خطير سيؤدي لهلاك البلاد والعباد. والحقيقة أن ترك ذلك الملف وترك غيره من ملفات الفساد هو الذي سيؤدي إلى كارثة حقيقية تهدد البلاد والعباد، بمن فيهم من مصلح ومفسد على حد سواء. فالدولة قد تستقيم على الكفر ولكنها لا تستقيم أبدا على الظلم. ونحن المسلمين علينا أن نخاف من الأضرار التي قد يتسبب فيها ترك مفسد يسرق طعام جائع، أو دواء مريض. فذلك عليه أن يخيفنا ـ إن كنا مسلمين حقا ـ أكثر من خوفنا من معاقبة كل رجال الأعمال المفسدين، بل ومعاقبة كل المفسدين في هذا البلد دفعة واحدة، حتى ولو كانت نسبتهم على هذه الأرض الطيبة تفوق كثيرا نسبة الأميين ونسبة الفقراء التي تجاوزت نصف السكان.
ومن أخطاء النخبة أيضا أنها تحولت إلى "نخبة ببغاء" فإذا تحدث الحاكم عن السمنة تحدثوا هم عن السمنة. وإذا تحدث عن الأمية تحدثوا عن الأمية، وإذا تحدث عن الأزمة الأخلاقية تحدثوا، وإذا سكت الحاكم عن الأخلاق سكتوا، وإذا تحدث عن الطاولة المدرسية تحدثوا عنها، وإذا حارب الفساد حاربوه، وإذا هادنه هادنوه. لقد أصبح الحاكم هو الذي يحدد لنا أوجاعنا وآلامنا وهمومنا ويختار لنا التوقيت المناسب للتحدث عن أي معاناة، والتوقيت المناسب للتوقف عن الحديث عن تلك المعاناة، والبدء في التحدث عن معاناة أخرى. فالحاكم هو الذي يحدد لنا بالضبط متى نشكو من كثرة القمامة، ومتى نتوقف عن الشكوى من القمامة، ومتى نتألم بسبب الفساد، ومتى نئن بسبب نقص الطاولات المدرسية، ومتى نقول عندما لا يكون هناك أي أمل في الحصول على تمويلات أجنبية ـ كما حدث بعد انقلاب السادس من أغسطس ـ بأن بلدنا غني جدا ولا يحتاج لأي تمويل. ومتى نقول عكس ذلك تماما عندما تتعلق القلوب والأفئدة ببروكسل.
وتمشيا مع ما جرت به العادة عند سلاطين هذا البلد الذين تعودوا على أن يشعلوا حربا جديدة كلما أخمدوا أخرى. فقد أعلن الرئيس الحالي عندما هادن الفساد إشعال حربين تحريريتين جديدتين ومثيرتين : إحداهما برية انطلقت من مقاطعة عرفات لتحرير الشوارع، وهي حرب لن نتحدث عنها في هذا المقام. أما الثانية فهي حرب فضائية انطلقت من مبنى بيت الشعوذة المرئي ( التلفزيون) وهي التي سنخصص لها فقرة في هذه الورقة التي أنصح القارئ للمرة الثالثة بأن لا يكمل قراءتها.
تحرير الفضاء السمعي البصري: لن أعود في هذه الورقة لعورات الإعلام الرسمي وما أكثر عوراته. فقد تحدثت بما فيه الكفاية عن تلك العورات في مقالات سابقة: " بيوت الشعوذة"، " خبر عاجل"، "تأملات في اللاشيء"، "أسئلة على الطاولة"...إلخ
لن أعود لمساوئ الإعلام الرسمي بل سأكتفي بتسجيل بعض الملاحظات على الحرب التحريرية المعلنة. وسأقتصر على التلفزيون كنموذج لأنه هو الذي خصه الرئيس بالزيارة الميدانية التي وعد أثناءها بتحرير الفضاء السمعي البصري.
الملاحظة الأولى: إن تحرير الفضاء السمعي البصري يجب أن يسبقه ـ حسب اعتقادي ـ تحرير بيوت الشعوذة ( التلفزيون، الإذاعة، الشعب) من ممارسة الدجل والشعوذة حتى تعود ـ على الأقل ـ إلى مستوى أدائها في المرحلة الانتقالية الأولى، حيث كانت يومية "الشعب" تنافس الصحف المستقلة في الأكشاك، وحيث كانت الإذاعة والتلفزيون يقدمان بعض البرامج التي تستقطب المستمع والمشاهد.
ولقد كان الأجدر بالرئيس ـ الذي أعتقد بأنه مستاء فعلا مما يقدمه إعلامنا الرسمي ـ أن يختار لإدارة تلك المؤسسات موظفين أكفاء لهم القدرة والرغبة في تطوير وتقريب إعلامنا الرسمي من المواطن العادي، بدلا من تعيين موظفين لم يشتهروا في الماضي، ولا في الحاضر، بنضالهم لتحرير الإعلام الرسمي، ولا أعتقد بأنهم سيشتهرون في المستقبل. فمدير التلفزيون مثلا لا زال لسانه رطب بمدح الرئيس السابق معاوية، فهو الذي كان يفلسف ـ عندما كان مديرا للأخبار بالإذاعة ـ الخطابات البسيطة والعادية لذلك الرئيس ويقدمها على أنها مليئة بالدرر والجواهر وبالأفكار النادرة والعظيمة.
الملاحظة الثانية : إن النفر الثلاثة الذين يديرون مؤسسات الإعلام الرسمي لا زالوا يتصرفون بعقلية مناقضة لمشروع موريتانيا الجديدة .ولا زالوا يوصدون أبواب تلك المؤسسات عن جزء كبير من نخب هذا البلد، رغم أوامر الرئيس الصريحة في هذا المجال. فالتلفزيون مثلا لا زال يغلق أبوابه أمام بعض الصحفيين الأكفاء، الذين قدموا برامج متميزة أثناء الفترة الانتقالية الأولى، وشدوا المشاهد لمتابعة تلفزيونه الوطني. أكرر وطني لأني أتحدث عن التلفزيون في المرحلة الانتقالية الأولى، أما قبل ذلك، وبعده، فهو تلفزيون رسمي.
الملاحظة الثالثة : إن من يتابع التلفزيون اليوم سيدرك كم هو شاحب ومريع ذلك التلفزيون. وكم هي شاحبة تلك البرامج الحوارية التي يقدمها، والتي هي في مجملها برامج فاشلة، و بلا هوية، ولا يفرق بينها إلا اسم البرنامج أو اسم مقدمه.
الملاحظة الرابعة : لقد لعبت مؤسسات الإعلام الرسمي أدوارا "جبارة" (وهنا يمكن استخدام هذه الكلمة ) في انهيار القيم الأخلاقية والوطنية في هذا البلد. فهي التي كانت تجعل ـ ولا زالت ـ من الولاء للرئيس لا للوطن شرطا للولوج إليها. وهي التي كانت ترفع الرئيس ـ أي رئيس ـ مكانا عليا ثم تخفضه إلى الحضيض بعد أن يصبح رئيسا سابقا. والمفارقة أن "رواد" هذه المدرسة التطبيلية هم الذين يراد منهم ـ عبثا ـ أن ينهضوا بإعلامنا الرسمي (لا يمكن تسميته بالوطني) ويجعلوا منه أداة فعالة لبناء القيم الأخلاقية والوطنية التي تسببوا في انهيارها.
أزمة قيم وأزمة مواطنة : يحتاج مشروع موريتانيا الجديدة إلى إطلاق صفارة إنذار، للحد من الانهيار السريع للقيم والأخلاق، والذي أثر كثيرا على سمعتنا في الخارج التي كانت ـ وحتى وقت قريب ـ توفر لكل موريتاني أينما ولى وجهه رصيدا كبيرا من الاحترام والتقدير. لقد نهبنا كل شيء في السنوات الأخيرة، حتى رصيد السمعة الذي وَرَّثه لنا الآباء والأجداد نهبناه و"ادخرنا" مكانه رصيدا سيئا في مصارف السمعة العالمية، لدرجة أصبح فيها الموريتاني يمثل رمزا للتحايل والخداع، ويثير مخاوف الجميع أينما حل وارتحل. ورغم أن الرئيس الحالي كان هو أول رئيس يعلن صراحة بأن البلد يعيش أزمة أخلاق، إلا أنه مع ذلك لم يتخذ خطوات ملموسة للتخفيف من حدة تلك الأزمة، وهو ما يعكس وجها آخر من أوجه الإحباط.، في عام الإحباط هذا. ولأن الأزمة الأخلاقية أكثر تعقيدا من أن نتحدث عنها في فقرة قصيرة كهذه فسأكتفي هنا بالاقتصار على وجه من أوجه تلك الأزمة لم أتحدث عنه في ورقة "البطاقة اللاغية".
فالمؤسف حقا أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية عملت جاهدة ـ في العقود الأخيرة ـ من أجل تنمية وتطوير كل الظواهر السيئة، وكل نزعات الشر لدى مواطنيها. فكان كل من يمتلك القدرة و الجرأة لأن ينافق، ويتحايل، ويخدع، وينهب، ويكذب، ويميل حيث السلطة مالت هو الذي يتمكن في النهاية من أي يكون "قدوة" في القبيلة وفي الجهة وفي الإدارة وفي المجتمع بصفة عامة .. في حين أن من يحتفظ ببقية أخلاق، يتم نبذه وتهميشه وإقصاؤه اجتماعيا وسياسيا وإداريا. وكان الشعار المطبق في العقود الأخيرة هو : " احتقر نفسك كثيرا لتعلو علوا كبيرا... واحترم نفسك شيئا قليلا لتُزدرى وتُهمش كثيرا..". هكذا ظلت الأنظمة المتعاقبة ترفع صغار الناس، وتقصي كبارهم. وكان الصغار كلما زاد صعودهم طغوا و تمادوا أكثر في إذلال وإقصاء واحتقار من له ولو شيء يسير من أخلاق. وكان كل حاكم جديد يأتي بانقلاب أو بانتخاب أو بتصحيح أول ما يقوم به هو أن يرفع من شأن أنصاره الذين هم حقيقة ليسوا أنصاره، وإنما هم عصابات مرتزقة لهم قدرة عجيبة على تعويض كل نقص يعانون منه بمزيد من التصفيق والتطبيل. وكان يقصي معارضيه والذين هم أيضا قد لا يكونون معارضين، وإنما يرفضون ممارسة قبائح الأقوال والأفعال.. هكذا ظلت الأمور تسير تغييرا بعد تغيير، وتصحيحا بعد تصحيح، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
وكمثال على ما يمكن أن يقوم به النظام من إفساد لأخلاق الناس، سأقدم لكم مثالا بسيطا لما تسبب فيه قرار واحد من أضرار. والمثال من العهد الذي كانت فيه الأمية والسمنة من أهم مشاكلنا. وذلك قبل أن تظهر مشكلة الفساد ومشكلة الأزمة الأخلاقية. لقد قرر وزير أهم وزارة في ذلك العهد، أي وزارة محاربة الأمية أن يشرك الأئمة وشيوخ المحاظر في محاربة الأمية . ولقد قرر الوزير الفقيه ـ بحسن نية ـ أن لا يحصل أي شيخ أو إمام على راتب كامل، إلا إذا كان يدرس خمسين أميا. ولقد قيل للوزير وقتها بأنه لا يمكن تقديم درس في القراءة أو الكتابة لخمسين أمي في وقت واحد. كما أنه لا يمكن جمعهم في غرفة واحدة. ولا جمعهم من حي واحد، يوجد فيه العديد من الفصول المنافسة.
أصر الوزير الفقيه على قراره. وكانت النتيجة هي أن كل من هو على استعداد لأن يتحايل ويجمع خمسين من جيرانه، يوم توزيع الرواتب، يتم اكتتابه ويحصل على راتبه كاملا غير منقوص. أما شيوخ المحاظر والأئمة الجادين الذين قالوا بأنهم على استعداد لأن يفتحوا فصولا لعشرة أو لعشرين أميا على الأكثر، فقد تم إقصاؤهم. تأملوا هذا المشهد وزارة التوجيه الإسلامي تشجع الأئمة وشيوخ المحاظر على الكذب والتحايل، والأئمة وشيوخ المحاظر يشجعون في المقابل سكان أحيائهم على الكذب والتحايل, وبأن يشهدوا زورا وبهتانا بأنهم يتعلمون في فصول وهمية لمحو الأمية . والحصيلة معروفة، فقد تحولت محاربة الأمية إلى محاربة للأخلاق والقيم، تقودها وزارة كان من المفترض أن تعزز القيم والأخلاق!!!
واليوم لازالت عملية هدم القيم تتواصل، ويكفي ذكر عملية تنصيب " هياكل" الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي يبشر بمشروع موريتانيا الجديدة. فقد كانت عملية التنصيب بحق دورة تدريبية مفتوحة، تدرب فيها نصف المليون (عدد المنتسبين) لاكتساب المزيد من"المهارات" المبتذلة التي ابتكرها الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي.
أيضا لعب بعض الشباب المؤدلج في هذا العام دورا "هاما" في تعميق أزمة القيم وذاك من خلال السجال الذي شهد كثيرا من عبارات القدح والشتم والذم ..
ولعل الملاحظة التي لابد من تسجيلها، هي أنه من الأشياء الصادمة والمحبطة أن الأحزاب الإيديولوجية التي كان من المفترض أن تقدم الشاب النموذج، هي التي فاجأتنا بمجموعة من الشباب تتبارى في سب وشتم وذم كل شيء بما في ذلك كبار العلماء الأجلاء. والمقلق أن الشباب الذين كتبوا بحماس للدفاع عن تياراتهم الفكرية، يغيبون دائما عندما تكون هناك حاجة ماسة لكتاباتهم للدفاع عن الوطن. فهل يعني ذلك أن تلك الأحزاب لا تنمي قيم الوطنية في نفوس شبابها، وإنما تكتفي بتربيتهم على الولاء الإيديولوجي ؟ ذلك سؤال يستحق شجاعة للإجابة عليه.
وساهم النواب بدورهم ـ خاصة في هذا العام ـ بتقديم دروس ميدانية جديدة في الاستهتار بالقيم، وذلك من خلال عدم الوفاء للأحزاب التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه. ولقد كان كل نائب يرحل يصر على أن يبرر رحيله بنفس الحجة التي لم يعد يصدقها أحد: لقد قررت بعد تفكير عميق ودراسة متأنية للوضعية في البلد....إلخ. لقد رحل الكثير من النواب إلى حزب السلطة ومن بين النواب الرحل: 9 تركوا التكتل من أصل 15 نائب تكتلي.. و5 تركوا الحزب الجمهوري من أصل 7.. و3 من أصل4 رحلوا من حزب حاتم...و2من أصل 5 هاجروا من التحالف الشعبي..و2 من أصل 7 تركوا اتحاد قوي التقدم.. حتى النائب الوحيد لحزب الوسط هاجر وترك حزبه بلا نائب.. نفس الشيء حدث مع البديل. تلك مجرد لقطة من لقطات الترحال السياسي في بلاد "الترحال في ظل الاستقرار" أو" الترحال المؤتمن" أو " الترحال البناء" وهي لقطة تدعونا للحديث عن نوع آخر من أنواع الترحال قد لا يجد من يتحدث عنه.
ترحال إداري ومؤسسي : لم يعد الترحال في هذا البلد مقتصرا على الأشخاص، بل أصبحت هناك إدارات كاملة ترحل، ثم ترحل، ثم ترحل حتى لا تتوقف عن الترحال. ولأننا نعيش في عهد رئيس الفقراء فسأكتفي هنا بأن أقدم مثالين لإدارتين مهمتين بالنسبة للفقراء.
لقد رحلت إدارة الشؤون الاجتماعية أربعة مرات في أقل من ثلاث سنوات، رحلت من وزارة الصحة، إلى مفوضية الحماية الاجتماعية، ثم رحلت من الحماية الاجتماعية إلى مفوضية حقوق الإنسان قبل أن ترحل عنها وتستقرـ مؤقتا ـ في وزارة المرأة.
الغريب هو أن الإدارة قد احتفظت بنفس المدير خلال كل هذه الرحلات، فمديرها في ظل التغيير في ظل الاستقرار، هو نفس المدير في ظل التغيير البناء، وهو ما يستدعي طرح بعض الأسئلة على كل قارئ عنيد لازال يصر على مواصلة قراءة هذه الورقة: فهل ذلك الترحال كان ترحالا في ظل الاستقرار، أم هل كان ترحالا مؤتمنا، أم كان ترحالا بناء؟ وأيهما كان أقرب لقلب المدير: قائد التغيير في ظل الاستقرار، أم قائد التغيير المؤتمن، أم قائد التغيير البناء؟ نفس الشيء حدث مع إدارة محو الأمية التي احتفظت بنفس المدير رغم أنها رحلت من وزارة التوجيه الإسلامي، إلى وزارة التعليم أثناء دمج التعليم في وزارة واحدة بعد انشطاره الأول، ثم تركت التعليم بعد أن عاشت معه بعض اندماجاته وانشطاراته التي لا تنتهي أبدا، لتعود مرة أخرى لوزارة التوجيه الإسلامي، والتي كانت بدورها قد عرفت الانشطار في عهد "الترحال في ظل الاستقرار" عندما فشلت في الجمع بين العلماء والفنانين. فقررت أن تلفظ إدارة الثقافة بعيدا، تلك الإدارة التي ظلت ترحل، وترحل، و ترحل ـ تعبيرا عن ثقافة الترحال ـ حتى انتهى بها المقام المؤقت في وزارة الشباب والرياضة.
ولأن الحاكم ـ كما قلت سابقا ـ هو الذي يحدد لنا همومنا، ولأنه حتى الآن لم يعلن بأن الأمية التي يعاني منها نصف السكان هي من مشاكل الفقراء، التي يجوز التحدث عنها. لذلك فسأعوض مثال إدارة محو الأمية، بمثال آخر، يهم "فقراء آخر زمن"، أو فقراء آخر عهد من عهود التغيير. ويتعلق الأمر بلوحة كبيرة على مبنى حكومي كبير كتب عليها : وزارة المياه والطاقة وتقنيات الإعلام والاتصال، وربما تكون اللوحة هي التي ضاقت قبل أن يكتبوا أشياء أخرى. هذه الوزارة لم تعد موجودة ـ قطعا ـ رغم لوحتها ومبناها الكبير. لقد تطايرت، وتفرقت، وتشتت، وتناثرت، كل القطاعات التي كانت ـ ولا زالت ـ تجمعها تلك اللوحة إلى جهات عديدة لا يمكن تتبعها هنا. الشيء المؤكد هو أنه لا يمكن لنا أن نتوقع تنمية في ظل هذا الترحال الإداري العبثي والطائش والصبياني.
مشكلة أخرى قديمة جديدة، تعاني منها الإدارة القديمة الجديدة، وهي التي أشرت إليها بطرح تلك الأسئلة السابقة. فأغلب الموظفين لا تهمهم إداراتهم، وإنما يهمهم في الأساس أن يجتمعوا في فندق مع كل مناسبة سياسية ليعلنوا ولاءهم للرئيس. فتارة يجتمعون بشكل قبلي فيقال أطر القبيلة الفلانية. وتارة يجتمعوا بشكل جهوي فيقال أطر ولاية كذا، أو مقاطعة كذا، اجتمعوا في فندق كذا، ووزعوا البيان كذا، وأعلنوا دعمهم المطلق لقائد التغيير كذا..
المهم أنكم لن تسمعوا أبدا بأن أطر أي ولاية، أو مقاطعة، قد اجتمعوا لتدارس مشاكل ولايتهم وللبحث عن أفضل السبل الكفيلة بتنميتها. ولن تسمعوا بأنهم اهتموا بفقراء ولايتهم في عهد رئيس الفقراء. لن تسمعوا أبدا ذلك، ولن تسمعوا شيئا مثل ذلك، لذلك فعليكم أن لا تتوقعوا تنمية، لأن السماء لا تمطر تنمية.
السماء لا تمطر تنمية : لقد توقع الفقراء في أول عام من حكم رئيسهم أن تمطر عليهم السماء تنمية، وأن يتحقق الشيء الكثير من تلك الوعود الثورية، خاصة أنهم بذلوا جهدا كبيرا، وأنهم هم من حسم المعركة الانتخابية لصالح قائد التغيير البناء.ولم يحسمها المفسدون أو السياسيون أو الوجهاء أو المثقفون.
لقد مر عام كما مرت أعوام من قبله، وكما ستمر أعوام من بعده، والحال كما هو : لاشيء قد تغير في حياة الفقراء رغم كثرة " التغييرات" . ولا شيء تغير في حياتهم خلال هذا العام خاصة، وإليكم بعض اللقطات السريعة من عامكم هذا:
1 ـ نواب يصوتون لرفع الضرائب على الأرز وعلى المحروقات، ويرفضون التصويت على زيادتها على السجائر. المخجل والمعيب والفاضح والمقزز والمقرف أن رئيس مكافحة التدخين في البرلمان كان من أشد المدافعين عن السجائر ومورديها.
2 ـ السلطات تعامل الحمالين بخشونة، وترفض أن تزيد لهم 500 أوقية عن الطن وهي زيادة لا تؤثر على الأسعار إلا بنصف أوقية للكلغ مع العلم أن الأسعار قد ارتفعت خلال العام بمبالغ معتبرة ( وهنا يمكن استخدام كلمة معتبرة). أنظر إلى مقال : " من حمال.. إلى رئيس الجمهورية" و " حمالون بلا حياء" و "كبرياء حمال".
3 ـ عاطلون عن العمل لا يتوقفون عن الاحتجاجات، والاعتصامات، والنداءات، ورغم ذلك لا أحد يهتم بهم . لم تقدم وكالة تشغيل الشباب أي تمويل، ولم تنفذ أي عمل لصالح حملة الشهادات لا في هذا العام، ولا في العام الذي قبله.
4 ـ لقد شهدت وزارة الصحة أسوأ عام في تاريخها، فبدلا من أن تهتم بصحة المواطن، فقد تفرغت لصراعات بلا أول ولا آخر مع الأطباء. ولقد وصل الخلاف لدرجة رفض فيها الأطباء استقبال الوزير في أول سابقة من نوعها.
5 ـ من اللقطات التي قد تظهر وكأنها بسيطة مع أنها ذات دلالة عميقة للتعبير عن الفجوة الكبيرة بين مستوى الوعود، وبين مستوى العمل الميداني اللازم لإنجاز تلك الوعود. يمكن أن نقدم كمثال مستوى العمل التحضيري المقام به حاليا من أجل إنجاح الحملة الزراعية لهذا العام، والتي أعطى الرئيس شخصيا إشارة انطلاقها بعد أن توقفت في العام الماضي.
لقد كان من المفترض أن يكون الأمين العام لوزارة التنمية الريفية على استعداد كامل للعمل ساعات إضافية مع أوقات الدوام الرسمي، خاصة في هذه الفترة بالذات، وذلك من أجل التحضير الجيد والتنسيق بين مختلف قطاعات الوزارة، لضمان نجاح الحملة الزراعية القادمة. المفاجأة هنا هي أن الوزارة بلا أمين عام منذ ما يزيد على شهرين!!!
وبالتأكيد فأنا لا أقول بأن تعيين أمين عام سيحل مشاكل الزراعة، وإنما أردت أن فقط أن أقدم لقطة من عبثية الإدارة. فهي تقول بأنها تحضر بشكل جيد لنجاح الحملة الزراعية، وهي في نفس الوقت تترك منصب من يفترض أن يقود ذلك التحضير شاغرا ولمدة شهرين حاسمين. فهل ذلك يعني أن التحضير ليس إلا مجرد كلمة لا يترتب عليها أي فعل؟ ذلك سؤال يستحق الإجابة في مقام آخر.
ختاما : ربما يكون أهم شيء أختم به، هو أن أعيد تقديم بعض المقترحات التي كنت قدمتها خلال العام ، دون أن تجد ـ كما هو العادة ـ من يهتم بها، وهي مقترحات توجد تفاصيلها في رسائل مفتوحة سابقة. ومن أهم ما يميزها أنها نابعة من الواقع الموريتاني، وتستجيب للحالة الموريتانية، وليست حلولا مستوردة قد تصطدم بالعقلية وبالحالة الموريتانية الفريدة من نوعها، ومن هذه المقترحات:
1 ـ اقتراح برامج رائدة لسد نواقص التكوين المهني المعتمد، وذلك من خلال برامج موسعة للتثقيف الحرفي والمهني قصيرة المدة، وذات كلفة منخفضة جدا، وقادرة على التأهيل في مجال الحرف الصغيرة جدا التي يستنزف من خلالها الكثير من موارد هذا البلد.
2 ـ مقترح لتنظيف العاصمة من خلال التعامل مع القمامة ليس بوصفها مشكلة، وإنما بوصفها يمكن أن تكون ثروة، و مصدرا هاما لتوفير الدخل ولتشغيل الشرائح الأكثر فقرا.
3 ـ مقترح لاعتماد أساليب جديدة في الاكتتاب، تساعد في الحد من تركيز البطالة في الأوساط الأكثر فقرا.
4 ـ مقترح لبرنامج تلفزيوني شبابي تنموي لا زال مدير التلفزيون يرفض إطلاقه.
وأخيرا : أشكركم لأنكم أكملتم قراءة هذه الورقة ولم تستجيبوا لطلبي بعدم إكمالها..وأتمنى لكم عاما جديدا يشذ عن القانون المحبط. وأقول لكم : تصبحون على موريتانيا جديدة بلا تشوهات خلقية ...

الاثنين، 14 يونيو 2010

رسالة شكر وتعهد لرئيس الوزراء التركي


لقد كان يؤلمني كثيرا ـ مثلي مثل ملايين المسلمين ـ أن لا أرى صورة أي رئيس مسلم واحد ترفع في أي مسيرة أو مظاهرة أو وقفة تنظم في أي دولة إسلامية، نصرة لقضية المسلمين الأولى، لأنه لم يكن ـ للأسف الشديد ـ من بين كل رؤساء الدول الإسلامية من يستحق أن ترفع صورته في تلك المسيرات والمظاهرات والوقفات التضامنية.
ولقد كان يؤلمني أكثر أن " تشافيز" كان هو الرئيس الوحيد الذي ظلت الجماهير المسلمة ترفع صوره في السنوات الأخيرة من " جاكرتا " إلى " نواكشوط " لأنه كان هو الوحيد الذي انحاز بجرأة وشجاعة لقضايانا العادلة.
لذلك فقد وجدتني ـ مثلي مثل ملايين المسلمين ـ أحس بشيء من العزة والافتخار، لم أشعر به من قبل وأنا أتابع مواقفكم الأخيرة التي جعلتكم تستحقون وبجدارة أن ترفع صوركم في كل مكان، خاصة بعد أن أعلنتم بصراحة وبوضوح شديدين بأنكم لن تديروا ظهركم لفلسطين حتى ولو أدار لها العالم كله ظهره.
فكم هو عظيم ذلك الوعد، وكم هو مخيف في نفس الوقت، مخيف لأنه لم تعد لنا القدرة على تحمل وامتصاص أي إحباط جديد، بعد سلسلة من الإحباطات المتراكمة التي تسبب فيها زعماء وقادة أطلقوا قبلكم وعودا كبيرة تبين في النهاية أنه لم تكن لهم القدرة على تحقيقها، أو لم تكن لهم الرغبة أصلا في تحقيقها.
والحقيقة أن هناك أسباب عديدة جعلتنا نتفاءل بوعودكم، رغم احباطاتنا السابقة، ومن هذه الأسباب:
1ـ كونكم قد استطعتم وفي مدة قصيرة أن تقدموا انجازات سياسية واقتصادية كبيرة لشعبكم فذلك يعطي مصداقية كبيرة لوعودكم،عكس زعمائنا الآخرين الذين كانوا يطلقون الوعود لصالح فلسطين، في الوقت الذي كانوا فيها عاجزين عن تحقيق أي تنمية لبلدانهم، لتبقى شعوبهم تعاني من الفقر والتخلف والظلم والاستبداد. إن من لم ينجز لشعبه شيئا مذكورا، لن ينجز لفلسطين شيئا مذكورا. أما أنتم فقد حققتم لبلدكم أشياء كثيرة لذلك فإنه يحق لنا أن نتوقع منكم أن تحققوا شيئا لصالح فلسطين.
2 ـ كونكم زعيما منتخبا يعطي لوعودكم مصداقية يفتقدها غيركم. كما أن تلك الميزة ستفقد العدو حجة كثيرا ما كان يتبجح بها، و يرددها على مسامع العالم " المتحضر"، وهي أنه بلد ديمقراطي فريد في المنطقة يصارع أنظمة دكتاتورية.
3 ـ شبكة العلاقات القوية التي تربط تركيا بالغرب، والتي تضاف إليهم قدرتكم الفائقة على استثمار تلك العلاقات، وتوجيهها بطريقة ذكية وفعالة، في مواجهة عدونا وعدوكم.
4 ـ شعوركم بالعبء التاريخي والأخلاقي والديني وحتى الإنساني الذي يفرض عليكم أن تلعبوا دورا في المنطقة، وذلك لمليء الفراغ الذي خلَّفه الموت السريري للرؤساء العرب، والذين لا تزال شعوبهم ـ لسبب أو لآخر ـ تؤخر "تشييعهم " ودفنهم، رغم أن فيهم من هو ميت منذ عقود من الزمن.
5 ـ مذهبكم السني الذي يميزكم عن إيران التي يعترض البعض على دورها الإقليمي، بحجة الوقوف أمام المد الشيعي.
هذه الأسباب من بين أخرى لا يتسع المقام لذكرها، هي التي جعلتنا نثق في وعودكم، وجعلتنا نحن بدورنا ( ونحن هنا تعني الملايين من المسلمين) نعدكم ـ كل بطريقته ـ بأننا لن ندير لكم ظهورنا حتى ولو أدار لكم العالم كله ظهره.
فالعالم ـ بالتأكيد ـ سيدير لكم ظهره، بل أنه سيحاربكم، لأن خصمكم في هذه المرة هو إسرائيل، الدولة المدللة ذات الأذرع الطويلة، والتي بدأت تشعر بأنها أصبحت تفقد شيئا كثيرا من دلالها، وتفقد كذلك شيئا كثيرا من قدرتها على البطش. ستحاربكم إسرائيل لأنكم أصبتموها في مقتل رغم أنكم لم تطلقوا رصاصة واحدة، وهذه واحدة من إبداعاتكم الكثيرة. ستحاربكم بشراسة وبعصبية وبكل أساليبها القذرة المعهودة. وسيحاربكم النظام الرسمي العربي ـ وهذه ربما تكون ضارة نافعة ـ لأنكم أهنتموه بكبريائكم . ولأنه اعتاد على أن لا يحارب إلا الأصدقاء والأشقاء.
سيحاربونكم جميعا ولكن شعوب العالم الإسلامي التي طال اشتياقها لميلاد زعيم مسلم ستكون في صفكم. وهي بالمناسبة أصبحت أكثر وعيا، وأكثر نضجا، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياتها.
وفي اعتقادي ـ وهذا الكلام موجه للشعوب لا لكم ـ أنه على الشعوب في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة، من الصراع الإسلامي الإسرائيلي( هكذا يجب تسميته) أن تقود حملة مناصرة لتركيا ولقادتها وهذه الحملة يجب أن تركز على بعض الأمور لعل من أهمها:
1 ـ الدعم الشعبي للاقتصاد التركي الذي لابد وأن يتأثر سلبا، إذا لم تقم الشعوب بدورها في هذا المجال. وذلك من خلال اختيار السلع التركية عن غيرها كلما كانت البدائل موجودة، والخيار ممكنا. كما أنه يجب تشجيع السياحة إلى تركيا، وفي تركيا ما يغري، خاصة في هذا العام الذي يجب أن تكون فيه قبلة لكل السواح المسلمين، وذلك لتعويض الخسارة، بل ولمضاعفة دخل هذا القطاع الذي قد يتعرض لخسارة كبيرة بسبب توتر العلاقات التركية والإسرائيلية، إذا لم يتم دعمه إسلاميا.
2 ـ يجب أن يتواصل ما أسميته في مقال سابق بانتفاضة القوافل، كما يجب عولمة تلك الانتفاضة، وذلك حتى لا تشعر تركيا بأنها تركت وحيدة في هذه الحرب التي تقودها باسم المسلمين وباسم كل الأحرار في العالم، والتي ستكون في الأساس حربا قانونية وإعلامية ودبلوماسية وسياسية.
3 ـ من المؤكد أن البعض سينبش التاريخ وسيضخم أحداث معينة، وذلك من أجل إقناع الشعوب بسوء نوايا تركيا، بل ومن أجل إظهارها وكأنها هي العدو الأول والأخطر للعرب والذي تجب محاربته قبل محاربة إسرائيل.
لذلك فإنه يجب على المثقفين والكتاب والإعلاميين وكل أصحاب الرأي أن يطلقوا حملة استباقية، تظهر النقاط المضيئة في التاريخ العثماني وما أكثرها.
وهنا قد يكون من الضروري أن أقدم للقارئ مثالين: أحدهما بطله تركي عادي، والآخر بطله خليفة عثماني، وذلك لأقدم صورتين ناصعتين من التاريخ العثماني.
الصورة الأولى : ذكر "أورخان محمد علي" في كتابه "روائع من التاريخ العثماني" قصة أغرب اسم جامع في العالم،وهو جامع صغير في منطقة "فاتح" في اسطنبول اسمه باللغة التركية : "صانكي يدم" أي: "كأنني أكلت" أو "افترض أنني أكلت". ووراء هذا الاسم الغريب، قصة غريبة طريفة ، وفيها عبرة كبيرة. يقول "أورخان" : كان يعيش في منطقة "فاتح" شخص ورع، اسمه "خير الدين كججي أفندي" ، وكان صاحبنا هذا عندما يمشي في السوق ، وتتوق نفسه لشراء فاكهة ، أو لحم ، أو حلوى ، يقول في نفسه : صانكي يدم.. كأنني أكلت.. ثم يضع ثمن تلك الفاكهة أو اللحم أو الحلوى في صندوق له، ومضت الأشهر والسنوات ، وهو يكف نفسه عن كل لذائذ الأكل ، ويكتفي بما يسد رمقه فقط . وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئا فشيئا ، حتى استطاع بهذا المبلغ الموفر القيام ببناء مسجد صغير في محلته ، ولما كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير، وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد ، أطلقوا على الجامع اسم : جامع صانكي يدم، أي كأنني أكلت، أو أفترض أني أكلت وهذا الجامع لازال موجودا حتى الآن.
الصورة الثانية: حدثت في العام 1571م وبطلها الخليفة العثماني "نور الدين الشهيد"، المعروف بالصاعقة، والذي بينما كان منشغلا بالجهاد في أوربا الشرقية، علم بحصار أسطول برتغالي أسباني لجدة. وقد كان هدف ذلك الأسطول البغيض الهجوم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ جسده الطاهر وتعريضه لما لا يليق بمقام سيد البشرية.
توجه نور الدين فورا إلى جدة، وتمكن من إغراق الأسطول، وعزل الوالي، ثم مشى 70 كلم على الأقدام حتى وصل إلى مكة، بعد أن ثقب أذنه، ووضع فيها حلقة، وحلق رأسه كما كان يفعل العبيد في تلك الفترة، ثم أخذ مكنسة لتنظيف المسجد الحرام. وأطلق عليه الناس لقب خادم الحرمين الشريفين وكانت تلك هي أول مرة في التاريخ يطلق فيها ذلك اللقب.
لذلك فلن يكون غريبا على أمة أنجبت في الماضي أولئك الرجال أن تقدم لنا اليوم قائدا وشعبا ينتصر لفلسطين وللمسجد الأقصى. ولن يكون غريبا على تلك الأمة التي أنجبت في الماضي قائدا كان صاعقة على أعداء المسلمين أن تنجب اليوم قائدا صاعقة على إسرائيل وقادرا على أن يحاربها بأسلحة العصر القانونية والدبلوماسية والإعلامية والسياسية حتى يكشف قبحها لكل أحرار العالم.
عشت قائدا لا يدير ظهره لفلسطين...
وعشنا أنصارا لك لا ندير ظهورنا لك أبدا..