الاثنين، 26 يوليو 2010

شكرا للجيش...


تسارعت ردود الأفعال حول العملية التي نفذها الجيش الوطني ضد بعض عناصر القاعدة في الأراضي المالية. وقد كان أغلب تلك الردود مخيبا للآمال، بل ومثيرا للاشمئزاز في بعض الأحيان.
ففي الوقت الذي خاطر فيه بعض جنودنا البواسل بأرواحهم من أجل توفير الأمن لهذا الشعب بساسته وبإعلامييه وبمثقفيه، ففي ذلك الوقت بالذات، تعالت أصوات الكثير من هؤلاء الساسة، والإعلاميين، والمثقفين، من خلال بعض البيانات، والتحليلات، والمقالات، للتشكيك في تلك العملية، وتقديمها على أنها كانت بمثابة إعلان حرب بالوكالة لصالح فرنسا، وعلى أنها ستشرع للقاعدة حربها، وستسبب في توجيه ضربات موجعة قد لا تكون لدينا القدرة لتحملها.
كلام كثير قيل حول تلك العملية التي لازالت بعض تفاصيلها غائبة، وهو كلام يستدعي تقديم بعض الملاحظات العاجلة، والتي قد يكون من الضروري الرجوع إليها فيما بعد بتحليل أعمق، وذلك من أجل تقديم صورة أكثر وضوحا للمواطن العادي حول حقيقة ما يجري.
الملاحظة الأولى : إن النظام الحالي ليس طَيِّعا لفرنسا إلى تلك الدرجة التي يتحدث بها البعض. وهو لو كان يطيعها لتلك الدرجة لَقَبِل أن يطلق بعض سجناء القاعدة في موريتانيا مقابل إطلاق المواطن الفرنسي الذي تم قتله، فذلك أقل كلفة من المغامرة ببعض الجنود في عملية داخل بلد آخر، من أجل إطلاق ذلك المواطن الفرنسي.
ثم إنه علينا أن نتذكر أيضا أن تدهور العلاقات الموريتانية المالية كان بسبب إطلاق إرهابي موريتاني، في عملية تبادل من أجل تحرير مواطن فرنسي آخر. فلو كان النظام الحالي طيعا لفرنسا إلى تلك الدرجة التي يتحدث بها البعض، لما أغضبه إطلاق سراح إرهابي موريتاني من السجون المالية، من اجل إنقاذ الرهينة الفرنسي المحرر.
وعلينا أخيرا أن نتذكر أن النظام الحالي لو كان طيعا لفرنسا إلى تلك الدرجة التي يتحدث بها البعض، لما تجرأ وقطع العلاقات مع العدو الصهيوني بتلك الشجاعة والجرأة، التي تم بها قطع تلك العلاقات.
الملاحظة الثانية: إنه يستحيل أن يتواجد جسديا 10 من القاعدة في مكان واحد إلا لتنفيذ عملية إرهابية. فمقتضيات الأمن بالنسبة لتنظيم مطارد من طرف كل الدول المحيطة به تفرض أن لا يتواجد جسديا عشرة من عناصره، إلا لأمر استثنائي جدا، كتنفيذ عملية إرهابية، خاصة أن وسائل الاتصال الحديثة تغني عن ذلك التواجد.
فتواجد تلك العناصر في مكان قريب نسبيا من الأراضي الموريتانية، يدعم رواية وزير الداخلية الموريتاني، والتي قالت بأن العملية كانت عملية استباقية، لإفشال عملية إرهابية، كان يخطط لها تنظيم القاعدة، في الأراضي الموريتانية.
الملاحظة الثالثة: كوننا نشكل الحلقة الأضعف باتفاق الجميع، فذلك يقتضي منا أن نتعاون مع الغير لمواجهة تنظيم القاعدة. وهذا التعاون يجب أن لا نربطه بقضايا السيادة، التي يجب أن تظل بعيدا عن مثل هذه الأمور.
فالمخدرات، والهجرة السرية، والإرهاب هي قضايا تهددنا كما تهدد فرنسا. وهي قضايا تفرض علينا أن نتعاون مع فرنسا ومع غيرها إلى أقصى الحدود من أجل مواجهتها.ولا يجوز لفرنسا أن تطلب منا ثمنا سياديا من أجل الدعم في هذه القضايا. كما أنه لا يجوز لنا نحن أن نربط التعاون مع فرنسا في مثل هذه القضايا بالتمويل وبالدعم لدى المؤسسات المالية.
فالإرهاب هو عدو للجميع، ومحاربته يجب أن يتعاون عليها الجميع، بعيدا عن ربطها بملفات أخرى.
فنحن لا يمكن لنا أن نستغني عن الدعم الاستخباراتي واللوجستي لفرنسا في حربنا ضد الإرهاب. كما أنه لا يمكن لنا ـ بأي حال من الأحوال ـ أن نستغني عن التعاون مع دول الجوار في هذه الحرب.
الملاحظة الرابعة : يحتج البعض بأن التعاون مع فرنسا سيشرع للقاعدة حربها المعلنة ضدنا. وهذه الحجة تستدعي التذكير ببعض الحقائق، التي يحاول البعض أن يتجاهلها:
1 ـ إن القاعدة لا تنتظر من أي أحد أن يشرع لها حربها، فهي التي وجهت لنا ضربات موجعة في الغلاوية، وفي ألاك، وحتى في العاصمة، في وقت كانت فيه علاقاتنا بفرنسا غير ودية. وفي وقت كانت تتهم فيه فرنسا ساركوزي نظامنا الحاكم بأنه نظام إسلامي سلفي يدعم الإرهاب.
2 ـ إن ما يسمى بقاعدة المغرب العربي، هو الذي أجبرنا نحن للتعاون مع فرنسا في هذه الحرب. فالقاعدة لم تقتل الفرنسيين في الأراضي الفرنسية، ولو قتلتهم في فرنسا أو في بلد آخر لكانت تلك قضية أخرى. المشكلة أنها قتلتهم في حوزتنا الترابية. فالضربات الموجعة التي تلقتها فرنسا من هذا التنظيم، تلقتها في قلب الأراضي الموريتانية. وهو ما يستوجب من الناحية الأخلاقية، والإنسانية، التعاون مع هذا البلد ومع غيره من البلدان الغربية، التي تعرض بعض مواطنيها للقتل أو الخطف وهم ضيوف علينا.
الملاحظة الخامسة : لقد أصبح بعضنا ملكيا أكثر من الملك. فالبعض ينتقد الجيش الموريتاني، لأنه نفذ عملية في الأراضي المالية، رغم أن حكومة هذا البلد هي التي قررت أن تفتح حدودها لملاحقة ومطاردة عصابات الإرهاب والمخدرات. البعض الآخر ينتقد تلك العملية لأنها ستغضب الجزائر، والتي إلى حد الآن لم تندد رسميا بهذه العملية، بل أن بعض المصادر الإعلامية تحدثت عن تنسيق مالي وجزائري لإنجاحها.
فالجزائر ـ حسب هؤلاء ـ ستغضب لأن التعاون الموريتاني الفرنسي في محاربة القاعدة سيزيد من أنصار هذا التنظيم، وسيساعده في التمدد والتوسع وفي تشريع حربه.
ما يلزم قوله هنا هو أن الجزائر الرسمية، لا يمكن لها أن تزايد علينا، في هذه القضية بالذات، لأنها هي التي عملت في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات على " تشريع" الإرهاب ومده بالكثير من الحجج التي ساعدت في تمدده وتوسعه.
الملاحظة السادسة : يتحدث البعض أن هذه العملية قد تكون مبررا لتوجيه ضربات موجعة في المستقبل ضد بلدنا. تلك حقيقة لا يمكن إنكارها. ولكن في المقابل هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها، وهي أن القاعدة قتلت جنودنا وهم صيام ومثلت بأجسادهم في الوقت الذي كان فيه جيشنا الوطني مشغولا عنها بالعمل السياسي.
فغدا قد نواجه ضربات موجعة من طرف تنظيم القاعدة، لذلك فإنه من الضروري توجيه بعض التحذيرات "الاستباقية"، حتى لا يقع بعض ساستنا ونخبنا في أخطاء قاتلة:
التحذير الأول: لا يجوز أن نجعل من العملية التي نفذها جيشنا في الأراضي المالية، مبررا للتشفي من هذا الجيش، عندما تنفذ القاعدة مستقبلا ـ لا قدر الله ـ عملية إرهابية ضد بلدنا.
التحذير الثاني: إن أي عملية إرهابية ستنفذ ضد بلدنا، لن يكون من الإنصاف اعتبارها فشلا لقوات أمننا لوحدها. بل ستكون فشلا لنا جميعا. فالنخب حتى الآن لم تلعب دورها بشكل سليم، وحتى المواطن العادي لا زال مقصرا في هذا المجال.
فواجبنا جميعا في مثل هذا الوقت، هو أن نعمل لتوعية المواطن، ولخلق حس أمني لديه، من أجل المساهمة في هذه الحرب، التي يجب أن لا يتخلف عنها أي موريتاني.
الملاحظة السابعة : إن هذه العمليات الاستباقية هي التي ستعيد لجيشنا كرامته. وهي التي ستحمينا من أن تتحول بعض أراضينا إلى مناطق تحتلها القاعدة، لا يجوز لجيشنا ولا لمواطنينا الاقتراب منها، كما يحدث في العديد من البلدان.
الملاحظة الثامنة : إن العمليات العسكرية يجب أن لا تكون على حساب الحرب "الناعمة" ضد الإرهاب، والتي يجب أن يقودها العلماء، والمثقفون، وقادة الرأي. وهذه الحرب الناعمة يجب أن تكون لها انعكاسات إيجابية. فالحوار الذي تم تنظيمه في السابق مع بعض المحسوبين على هذا التنظيم، لم يتم حتى الآن استثماره بشكل إيجابي.تصبحون على انتفاضة شعبية ضد الارهاب...

الاثنين، 19 يوليو 2010

بطاقة حمراء رقم 2


سَتُرفع البطاقة الحمراء الثانية ـ وكما وعدت سابقا ـ في وجه رئيس تشكلة الاتحاد من أجل الجمهورية. ولقد انتظرت لرفعها اكتمال أشغال المؤتمر الأول لتشكلة ـ أو على الأصح ـ لخلطة الاتحاد ( إن شئتم أقرؤوا خلطة بالعربية الفصحى، وإن شئتم أقرؤوها بالحسانية).
فالخلطة بمفهومها الفصيح تعني ـ في هذا المقال ـ خلق كثير من الرجال والنساء من قبائل وجهات وأعراق ومستويات وأعمار شتى، تختلط، وتتمازج، وتتآلف بشكل تلقائي، لتشكل خليطا مختلطا في قالب خلطة سياسية تولد في نفس اللحظة التي يدخل فيها ساكن جديد إلى القصر الرئاسي، وهي تولد ـ عكس المألوف ـ كبيرة. ثم تتنافر، وتتخاصم، وتتباغض، وتتشتت، وتذوب وبشكل تلقائي أيضا، وفي نفس اللحظة التي يخرج فيها ذلك الساكن من القصر. إنها خلطة غريبة وعجيبة تتميز بخاصيتين متناقضتين: فهي سريعة التشكل، وسريعة الذوبان.
والخلطة بمفهومها الحساني هي مفرد الخِلَطْ وتعني: خلق قليل من الرجال والنساء هم آخر من يودع الرئيس السابق. وهم أول من يستقبل الرئيس الجديد. يُبعثون مع كل رئيس جديد، ولكنهم لا يموتون سياسيا بموته السياسي. إنها مجموعة من المخلوقات الغريبة التي تتسبب في تدمير خلايا الدفاع لكل نظام، وتعجل هلاكه، ومع ذلك لا يستطيع أي نظام جديد ـ ومهما كانت جرأته ـ أن يعيش يوما واحدا دون احتضانها!
المهم أن هذه الخلطة القليلة الكثيرة ـ بمعناها الفصيح أو الحساني ـ قد أثبتت من جديد، ومن خلال مؤتمرها الأول، في موسمها الرياضي الحالي، والذي قد يمتد لخمس سنوات، بأنها هي الوريث الشرعي الأول للفريق الجمهوري الاجتماعي والذي كان بدوره وريثا شرعيا " لهياكل شعب" ( هياكل تهذيب الجماهير + حزب الشعب + أشياء أخرى)
لرئيس فريق أو نادي "الخلطة" سأرفع البطاقة الحمراء الثانية، ولكن قبل ذلك أرجو من الجمهور الرياضي أن يسمح لي بتقديم بعض الإيضاحات الضرورية، قبل رفع هذه البطاقة.
الإيضاح الأول: لقد وردتني انتقادات من بعض مشجعي فريق بني معارض بعد البطاقة الأولى. وقد تردني انتقادات أخرى من فريق بني خلطة بعد هذه البطاقة. لذلك فقد وجدت من اللازم أن أقول ـ وبالعربي الصريح والفصيح ـ بأني لا أبحث عن رضا هؤلاء، ولا رضا أولئك. والمهم بالنسبة لي أن أكتب ما أقتنع به، لا ما يقتنع به الآخرون. وإذا كان هناك من أبحث عن رضاه ـ من خلال ما أكتب ـ فهو المواطن البسيط، الفقير، المهمش والذي قد لا يكون بالضرورة مواليا أو معارضا.
الإيضاح الثاني: لقد انتقدني البعض الآخر على السرعة في إشهار البطاقات الحمراء، وعلى الحدة التي أكتب بها عادة. وهنا لابد أن أعترف علنا بأن تلك الحدة مقصودة لذاتها، وأن تلك القسوة هي من أجل الرد على القسوة التي تتعامل بها النخب السياسية مع هياكل هذا الشعب المغلوب على أمره. ورغم أني لم أوفق ـ حتى الآن ـ في كتابة شيء قاس جدا يتناسب مع تلك القسوة التي تتعامل بها النخب مع الشعب المسكين، إلا أني مع ذلك سأظل أحاول، وأحاول، وأحاول.
الإيضاح الثالث: في المقابل لابد أن أعترف بأني وجدت صعوبة كبيرة ـ لم أعرفها من قبل ـ في كتابة هذا المقال، وترددت كثيرا في رفع هذه البطاقة في وجه "مولاي" الذي لم يعلمني حرفا واحدا، وإنما علمني مقررا كاملا عندما درسني مادة المالية العامة في أواخر الثمانينات بجامعة نواكشوط، والتي كانت يومها جامعة فتية، و التي لا زالت ـ حتى اليوم ـ فتية. تماما كما هو حال الدولة الموريتانية نفسها التي ولدت فتية، ولازالت فتية رغم أنها ستحتفل بخمسينيتها في نوفمبر القادم.
لقد حاولت أن أتعامل مع أستاذي للمالية العامة الذي يرأس فريق بني خلطة، كما تعاملت سابقا مع أستاذي للتخطيط والذي كان يرأس نفس الفريق في العهد المؤتمن. ولقد تمكنت لمدة عام كامل أن لا أكتب شيئا ضد الأستاذ حتى في " البطاقة اللاغية " التي خصصتها للرد على ندوة الحكامة التي نظمها نادي الاتحاد الذي يرأسه الأستاذ.
واليوم وبعد مرور عام على قيادة الأستاذ لأكبر فريق رياضي في البلد، فلم يعد بالإمكان التغاضي عن الفريق، ولا عن الطريقة السيئة التي يلعب بها رئيسه، والتي استوجبت رفع هذه البطاقة الحمراء.
فلم يكن بالإمكان أن أتعامل مع الأستاذ ـ خاصة بعد تثبيته قائدا لنادي الاتحاد ـ بما يفترض أن يتعامل به الطالب مع أستاذه. فالتعامل معه بتلك الطريقة سيشكل ظلما لي، ولبعض طلبة الأستاذ ممن تقاعد قبل أن يحصل على وظيفة، أو هاجر، أو عاش غريبا في وطنه، أو نسي ما تعلم بعد أن طحنته الحياة طحنا، وخبزته خبزا، وشغلته بأمور لا صلة لها بما تعلم، فأصبح لا يختلف من حيث المستوى التعليمي عن تلميذ في المرحلة الإعدادية.
ولم يكن بالإمكان أن أتعامل مع الأستاذ كطالب، لأن ذلك سيشكل ظلما لأجيال وأجيال عاشت في وطنها مهمشة وذليلة بسبب ظلم "خلطة" تُبدل جلدها مع قدوم كل رئيس جديد. لتزداد عزا بعد عز على حساب الأغلبية المهمشة، التي تزداد تهميشا بعد تهميش.فمن كان"عزيزا " في خلطة النادي الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، فهو عزيز اليوم في خلطة الاتحاد. ومن كان " ذليلا" في عهد الخلطة الجمهورية، فهو ذليل اليوم في عهد خلطة الاتحاد.
ولم يكن بالإمكان أن أتعامل مع الأستاذ كطالب لأن ذلك سيشكل ظلما لمئات الآلاف من الفقراء المشجعين والمناصرين الذين حسموا تصفيات 18 يوليو لصالح نادي الاتحاد، ورغم ذلك لا زالوا يعانون كما عانوا بالأمس. وهم الفقراء الذين يقول عنهم الأستاذ في كل بيان، أو مؤتمر، أو تصريح، بأنهم يعيشون في نعيم مقيم، بعد أن زارهم التغيير البناء في مساكنهم المتواضعة، وامتزج بأكلهم، وشربهم،وملبسهم، ودوائهم، وحتى الدماء التي تجري في عروقهم، فقد تحولت إلى دماء جديدة تتناسب مع موريتانيا في طبعتها الكالحة الجديدة، التي لا تختلف عن طبعاتها الشاحبة القديمة.
لم يكن إذاً بالإمكان ـ وأرجو المعذرة ـ إلا أن أتعامل مع الأستاذ بصفتي حكما افتراضيا، وأن أرفع في وجهه البطاقة الحمراء التي استحقها بجدارة ولأسباب عديدة أذكر منها:
1 ـ إن تعيين أعضاء المجلس الوطني لنادي الاتحاد، بتلك الطريقة التي تمت يوم السبت 10 يوليو 2010 في الملعب الدولي لقصر المؤتمرات، والتي لا تختلف عن تعيين موظفي وزارة التنمية الريفية لا يبشر بخير على مستقبل الرياضة في هذا البلد. وهي لا تنسجم مع تطلعات وخيارات الجمهور الرياضي لنادي الاتحاد الذي انتخب 1017 مندوبا لم تتم استشارتهم حتى، في عملية التعيين تلك.
إن ما حدث يوم السبت 10 يوليو 2010 لم يكن تصرفا رياضيا سليما، وهو يستحق ـ على الأقل ـ رفع بطاقة حمراء، في وجه رئيس نادي الاتحاد الذي ظل يكرر دائما بأن ناديه ستكون له بصمة جديدة في الممارسة الرياضية.
وما حدث من عجرفة يوم السبت في قصر المؤتمرات، ربما يذكر ـ في أحد أوجهه ـ بعجرفة أخرى، حدثت في القصر الرئاسي في مثل هذا اليوم من عام 1978م.
2 ـ لقد لعب رئيس الاتحاد لأول مرة في نادي الدرجة الأولى الحكومي كقلب دفاع، عندما اختاره الرئيس المؤتمن، أو اُختير له على الأصح، ليتولى قيادة الدفاع. ولقد أظهر المدافع آنذاك أداءً سيئا لم يظهر به أي مدافع منذ ميلاد الدولة الموريتانية حتى يومنا هذا. ولقد فسر البعض سوء ذلك الأداء، بأنه يعود إلى أن قلب الدفاع لم تكن له أي صلة بالدفاع. كما أنه يفتقد لروح المبادرة والجرأة الشيء الذي جعله لا يتصرف إلا بأوامر من مدافعين أصغر منه، من حيث الرتبة الرياضية.
لقد ظل المدافع لا يتصرف إلا بأوامر، وهو سلوك لا يزال يرافقه حتي بعد أن تولى قيادة فريق الاتحاد. ومن المعروف بأن قائد الفريق الرياضي ـ أي فريق رياضي ـ يجب أن يكون قادرا على المبادرة، وعلى الإبداع، وعلى اقتناص الفرص النادرة، التي قد تتاح للفريق من حين لآخر. وتلك صفات قيادية يفتقر لها رئيس فريق الاتحاد.
لقد فشل "قلب الدفاع" فشلا ذريعا في مهمته الدفاعية، سواء وهو يلعب في الفريق الحكومي للخلطة المؤتمنة، أو في فريق الخلطة "التصحيحية". ولقد ترك المرمى مكشوفا مما سمح لفريق القاعدة بتسديد ضربات موجعة في الغلاوية، وفي ألاك، وفي تورين، وحتى في قلب العاصمة مسجلا بذلك أهدافا نوعية ومكثفة. لقد كان الأستاذ في تلك الفترة يستحق بطاقة حمراء بعد فشله في مهمته الدفاعية، إلا أن الذي حدث ـ كما يحدث دائما ـ كان هو العكس، فقد تمت ترقيته بعد ذلك ـ ولنفس الأسباب التي أوصلته لقلب الدفاع ـ ليصبح هو القائد الأول لنادي الاتحاد.
3 ـ إن رئيس فريق الاتحاد لا يتقن اللعب إلا في الوقت الضائع، لذلك فهو يستحق أكثر من بطاقة حمراء. يقول قائد الاتحاد في تقريره " المذهبي" أمام مؤتمر الحزب : " لقد جاء ميلاد الاتحاد من أجل الجمهورية، على موعد مع القدر، بعد قرابة نصف قرن من التيه السياسي، دشنته الأحادية الحزبية وما تعنيه من احتكار مقيت للسلطة، طيلة عقدين من الزمن؛ مرورا بعقد من الدكتاتورية العسكرية الكالحة، ليكرسه عقدان من التعددية الوهمية، حيث الأحزاب قائمة والحريات مخنوقة؛ وحيث تتوالى الانتخابات وتحسم نتائجها سلفا؛" والأسئلة التحكيمية التي يجب طرحها هنا: فلماذا لم ينتقد نجم الاتحاد تلك الدكتاتوريات الكالحة و التعدديات الوهمية في الوقت المناسب ولو بشطر كلمة؟ ولماذا قَبِل أن يكون لاعبا نشطا في تلك التعدديات الوهمية وأن يكون قلب الدفاع لآخر تعددية وهمية؟ ولماذا لم ينتظر موعدا مع القدر؟ ثم لماذا يقسو اليوم على نجوم المعارضة والذين كانت لديهم من الشجاعة والجرأة ـ رغم أخطائهم ـ ما أتاح لهم شرف انتقاد تلك الدكتاتوريات الكالحة والتعدديات الوهمية وعروشها قائمة؟ لو أجاب قائد خلطة الاتحاد على واحد من هذه الأسئلة لسحبت ـ فورا ـ بطاقتي الحمراء.
4 ـ إن خطة 5 ـ 5 (يوم تأسيس الاتحاد) أو 6 ـ6 التي يلعب بها نادي الاتحاد لا تختلف عن خطة 12 ـ 12 التي كان يلعب بها الفريق الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي والتي أوصلتنا إلى هذا الواقع البائس حيث صنفتنا الفيفا في الرتبة 168 عالميا، بعد أن تراجعنا أربع درجات إلى الوراء في هذا العام.
والمؤكد أنه إن استمر فريق الاتحاد يلعب بنفس خطته العبثية الحالية، فإنه لن يجلب للبلد إلا المزيد من الكؤوس التي جمعنا منها عددا كثيرا : الكأس العالمي للأمية ، الكأس العالمي للفقر، الكأس العالمي للإحباط، الكأس العالمي للشعوذة والتحايل، الكأس العالمي للرشوة والفساد...
وإن استمر قائد فريق الاتحاد مشغولا بتفاصيل صغيرة تافهة، دون التركيز على التحديات الكبرى التي تواجه الرياضة في هذا البلد، فلن نحقق في عهد التغيير البناء إلا ما حققنا في 48 عام ق. ت ( القاف تعني قبل، والتاء ربما تكون اختصارا لكلمة تاريخ، أو تصحيح، أو تغيير بناء، أو تحرير الفضاء السمعي البصري، أو تحرير شوارع عرفات، أو تأسيس المقاطعة 54، أو تقرير مذهبي، أو أي شيء آخر من ملامح "موريتانيا الجديدة" يبدأ بحرف التاء.).
إن هذه الخطة الهجومية التي ورثتها خلطة 5ـ 5 أو 6ـ6 عن خلطة 12ـ 12 لا يمكن أن تؤدي إلا لنفس النتائج المعروفة. فلعن الماضي، وتقديس الحاضر، وتخوين المعارضة، والتصفيق بالأيادي والأرجل، والانشغال بكل الأمور التافهة، والابتعاد عن التحديات الكبرى لن يخدم ـ بأي حال من الأحوال ـ الرياضة ولا مستقبلها في هذا البلد. والجمهور الرياضي أصبح أكثر وعيا ولم يعد يقبل بالانشغال في تلك الأمور التافهة، وإنما أصبح يطالب بلمسات ولقطات رياضية متميزة وميدانية.
5 ـ سبب آخر جعلني أرفع البطاقة الحمراء في وجه نجم الاتحاد وفريقه، وهو فشله الكبير في تسويق بعض اللقطات الفنية الرائعة والقليلة التي تم انجازها خلال هذا العام، والتي عجز نادي الاتحاد عن نقلها وتقديمها على حقيقتها للجمهور الرياضي. بل أن هذا النادي شوش ـ بقصد أو بغير قصد ـ على تلك اللقطات من خلال الانشغال عنها بأمور تافهة، أو بتقزيمها من خلال ربطها بسلوكيات غير رياضية.
ففي بعض الأحيان كنت أشفق ـ أقول أشفق ـ على "كبير القوم" الذي تمكن رغم إخفاقاته الكثيرة في هذا العام، من تقديم بعض اللقطات الفنية الممتازة. ولكنها لقطات ضاعت بعد أن شوشت عليها أندية المعارضة ونادي الاتحاد وحجبوها ـ بشكل كامل ـ عن الجمهور الرياضي.
لقد فشل رئيس نادي الاتحاد في تقديم أي لقطة فنية ممتازة خلال هذا العام. كما فشل أيضا حتى في تسويق بعض اللقطات الفنية التي قدمها "سيد القوم". لذلك فهو وبكل أمانة يستحق هذه البطاقة الحمراء.
6 ـ حسب رؤيتي التحكيمية الخاصة والتي قد تخالف رؤية الكثير من الحكام، فإن قيادة نادي الاتحاد الذي يبشر بمشروع "موريتانيا الجديدة"، كان يجب أن تمنح لمن تتوفر فيه عدة خصائص يفتقر إليها رئيس نادي الاتحاد الحالي، ومن هذه الخصائص:
أولا: أن يكون رئيس النادي لا ينتمي للأغلبية التلقائية التي تساند كل تغيير، وإنما ينتمي للأغلبية الخاصة بالتغيير الحالي والتي لم تساند تغييرا من قبله.
ثانيا: أن يكون قد عُرِف بمعارضته للأنظمة " الكالحة " السابقة، أو على الأقل لم يعرف بمناصرتها.
ثالثا: أن تكون له القدرة على أن يفكر ويلعب كرة نظيفة بطريقة غير تقليدية، تناقض أنماط اللعب التقليدية المعروفة.
وقبل أن أطلق صفارة النهاية، أعدكم ببطاقة ثالثة أشد احمرارا، و هي بطاقة سيتم تخصيصها للصحافة الرياضية، وبالتحديد لمدير التلفزيون الحالي.
وإلى البطاقة الحمراء الثالثة، أقول لكم: تصبحون على مباريات نظيفة....

السبت، 10 يوليو 2010

خطأ غبي...واعتذار ذكي



للمرة الثانية يرتكب السفير الموريتاني في دكار نفس الخطأ البروتوكولي الجسيم في حق رئيس الجمعية الوطنية أثناء زيارته لدكار. ولقد تم ارتكاب الخطأ الأول في وقت أظهر فيه رئيس الجمعية الوطنية رغبة صادقة في الحوار مع الرئيس المنتخب. وهي رغبة تجلت في الأساس في الخطاب الشهير، والهادئ، والمفاجئ، الذي افتتح به أول دورة برلمانية بعد انتخابات 18يوليو. كما تجلت تلك الرغبة في موقفه الصريح والواضح من مخلفات الاسترقاق، أثناء زيارة لجنة حقوق الإنسان الإفريقية، وهو موقف عكس ـ كالعادة ـ مدى وطنية الرجل، خاصة أنه أطلق موقفه ذاك، في وقت كان يواجه فيه تحديات جادة، وصراعات قوية، مع بعض قيادات الشريحة.
في ذلك الوقت بالذات اختار السفير الموريتاني في دكار أن يتجاهل وجود رئيس الجمعية الوطنية في دكار، وهو تجاهل ربما يكون قد ساهم مع أمور أخرى في أن يفتتح رئيس البرلمان الدورة الثانية بخطاب متشنج عكس خطابه الافتتاحي الأول. وأن يدعو بعد ذلك لإزاحة الرئيس بالقوة ( انقلاب)، وهي دعوة لم تكن موفقة ولا مناسبة لرئيس برلمان. المهم أنه تراجع عنها ضمنيا وفي وقت مبكر، عندما فسر تلك الدعوة، وقال صراحة بأنه لا يقصد بها انقلابا عسكريا.
لقد كان من المفترض في ذلك الوقت بالذات، أن يستقبل السفير الموريتاني في دكار رئيس الجمعية الوطنية بما يليق بمقامه. لا لأن المصلحة العليا للبلد تقتضي ذلك فحسب، ولا لأن القيم الديمقراطية، وحتى الأخلاقية تفرض ذلك. ولا لأن الكرم الموريتاني يستوجب ذلك. بل لأن المصلحة الضيقة للأغلبية الحاكمة ـ إذا ما كانت هي المعيار الوحيد الذي يضبط تصرفاتنا ـ كانت تفترض من سفير الأغلبية ـ الذي يرفض أن يكون سفير دولة ـ أن يستقبل رئيس الجمعية الوطنية بما يليق، وذلك لكي يُحدث ـ خدمة للأغلبية ـ شرخا في منسقية المعارضة، والتي كان رئيس الجمعية الوطنية في ذلك الوقت يقود تيارها المعتدل.
فشلت الأغلبية، كما فشل سفيرها في التقاط تلك الإشارات الإيجابية التي أطلقها رئيس الجمعية الوطنية في تلك الفترة. بل على العكس من ذلك فقد ردوا عليها ـ كل من موقعه ـ بإشارات سلبية ساهمت في تأجيج الخلاف وفي تأجيل الحوار.
وأما الخطأ الثاني، فقد جاء بعد أيام معدودة من لقاء رئيس الجمهورية بالرئيس الدوري لمنسقية المعارضة. وهو اللقاء الذي عبر من خلاله رئيس الجمهورية عن رغبته الجادة والصادقة في الحوار مع المعارضة، والتي حاول سفير موريتانيا في دكار أن ينسفها كما فعل قبل ذلك مع الرغبة التي عبر عنها رئيس الجمعية الوطنية في وقت سابق.
فلماذا يحاول سفير موريتانيا في العاصمة التي تم فيها التوقيع على اتفاقية دكار أن يعمق من الخلاف بين الأغلبية والمعارضة، خاصة بعد أن أظهر رئيس الجمهورية رغبة صادقة وجادة في الحوار، ولم يعد يمانع أن تكون على أساس اتفاق دكار؟؟؟؟ ذلك سؤال أطرحه فقط على كل من لا يملك ـ مثلي ـ إجابة عليه.
ما أستطيع قوله هنا هو أن الوزير الأول قد وُفِق في اعتذاره الذكي في الجمعية الوطنية عن تلك الأخطاء الغبية التي ارتكبها سفير "موريتانيا" في دكار. ورغم أهمية ذلك الاعتذار ورغم قيمته، إلا أن ذلك لن يمنع من تقديم بعض الحقائق المرتبطة بتلك الأخطاء التي تم ارتكابها في دكار وفي دمشق.
الحقيقة الأولى : لقد كان من المخجل حقا أن ردود نواب الجمعية الوطنية كانت غائبة بعد التجاهل الأول لرئيس جمعيتهم. ولقد اقتصرت تلك الردود على مقال كتبه نائب من التحالف الشعبي. وهو مقال تمنيت في وقت سابق أن يكون قد كتبه نائب آخر، من حزب آخر، حتى لا يظهر وكأن ذلك التجاهل كان موجها لحزب التحالف لوحده. فلم يكن من المقبول أن يهان رئيس الجمعية الوطنية، من طرف موظف حكومي، دون أن تكون هناك ردة فعل مناسبة من طرف البرلمانيين الذين هم ـ قطعا ـ ليسوا أقل شأنا من الصحفيين الذين لن يقبلوا ـ بغض النظر عن انتماءاتهم ـ أن يهان نقيبهم، ولا حتى عضو من نقابتهم. ولا أقل شأنا من المحامين، ولا من الأطباء، ولا من الفنانين، ولا من المتقاعدين، ولا من تجمع الخياطين أو الغاسلين .. ولا... ولا..
لقد كان موقف البرلمانيين بعد الخطأ الأول موقفا محبطا ومخجلا، وربما يكون ذلك الموقف السلبي قد شجع السفير لتكرار غلطته. فكيف يقبل برلمانيون محترمون ومنتخبون أن يُعامل رئيسهم الذي انتخبوه بتلك الطريقة التي لا تليق؟ ولماذا يغضب نواب الأغلبية عندما يقال بأنهم أغلبية مأمورة، في الوقت الذي لا يدافعون فيه عن رئيسهم الذي انتخبوه، لأن الأوامر لم تصدر إليهم بعد بذلك؟
الحقيقة الثانية : إن تجاهل رئيس الجمعية الوطنية الذي يمثل نواب الشعب والذين يمثلون بدورهم الشعب الموريتاني بكل مكوناته، هو تجاهل للشعب الموريتاني بموالاته وبمعارضته، بمدنييه وبعسكره، بنخبه وبعامته. وهذا التجاهل لن ينقص من مكانة رئيس الجمعية الوطنية، وإنما سينقص من مكانة السفير الذي ارتكبه.
الحقيقة الثالثة : إن التعامل اللامسؤول مع الموريتانيين أثناء تواجدهم في الخارج بسبب انتماءاتهم السياسية، هو تصرف سخيف، و يناقض أحد الأهداف الهامة للعمل الدبلوماسي الذي يسعى إلى التعزيز من قيمة وسمعة المواطنين لدى سلطات الدول التي تستضيفهم. وإذا كان السفير المعين أصلا لتعزيز تلك المكانة هو الذي يهين مواطني بلده أمام السلطات الأجنبية فإنه بذلك يكون قد أخل كثيرا بمهمته.
الحقيقة الرابعة : إن السفير قد ارتكب خطأين جسيمين بغض النظر عن الدوافع والأسباب التي دفعته لارتكابهما. ومهما يكن من أمر فإن تلك الدوافع لا يمكن أن تخرج ـ في اعتقادي ـ عن أربعة احتمالات.
الاحتمال الأول: هو أن تكون هناك أوامر عليا قد صدرت للسفير وهو احتمال أستبعده تماما رغم بيان منسقية المعارضة. وحتى ولو افترضنا جدلا بأن السفير قد تلقى أوامر بذلك فكان عليه أن يرفض تنفيذ تلك الأوامر. وكان عليه أن يستقيل إذا أرغم على ذلك. وعموما فارتكاب الأخطاء استجابة لأوامر عليا هو الذي أوقعنا فيما نحن فيه. وهو لم يعد مقبولا على الأقل ـ نظريا ـ في موريتانيا الجديدة التي نحلم بها.
الاحتمال الثاني: هو أن يكون السفير قد ارتكب ذلك الخطأ البرتوكولي بمبادرة شخصية منه في محاولة للتقرب ولابتداع آخر "صرعة" ولاء لرئيس الجمهورية. والمؤكد ـ ومهما كان إخلاص السفير ـ أنه بتصرفه ذاك قد أضر بالرئيس و أغلبيته أكثر مما نفعهم.
الاحتمال الثالث: أن يكون السفير للمرة الثانية لم يعلم أصلا بقدوم رئيس الجمعية الوطنية إلى دكار. والاعتذار عن الخطأين بعدم العلم أقبح من الذنبين. فإذا كان السفير لا يعلم شيئا عن تحركات رئيس الجمعية الوطنية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، ثاني شخصية رسمية في البلاد. ولا يعلم شيئا عن دخوله ولا عن مغادرته للعاصمة التي يزاول فيها مهامه. فهو ـ أي السفير ـ لن يعلم شيئا عن المواطنين البسطاء الذين يفترض أنه يسهر على مصالحهم، و الذين يدخلون السنغال ويغادرونه دون أن يذكرهم ذاكر.
الاحتمال الرابع: أن يكون السفير من الأغلبية التي تعمل ـ في الخفاء ـ من أجل إجهاض "التغيير البناء" ومن أجل وأد "موريتانيا الجديدة" من قبل ولادتها. فمن يعمل من أجل إفشال الحوار بين المعارضة والأغلبية يعمل ضد موريتانيا أولا، وضد رئيس الجمهورية ثانيا. فغياب الحوار سيشكل ضررا كبيرا على موريتانيا بصفة عامة، وعلى الرئيس وأغلبيته الداعمة بصفة خاصة، لأنه سيشغله عن معركة البناء بمعارك جانبية مع المعارضة. وإذا كان يمكن للمتابع أن يفهم رغبة بعض المعارضين في عرقلة الحوار، لأن المصلحة الضيقة والأنانية لمن لا تهمه مصلحة الوطن من المعارضين، ولا يهمه إلا أن يظهر فشل النظام الحاكم، قد يفسر تلك الرغبة. إذا كان يمكن تفهم ذلك، عند بعض المعارضين، إلا أنه لا يمكن تفهمه إذا تعلق الأمر بمن يدعي بأنه من الأغلبية، فالأغلبية لن تستفيد شيئا حتى من منظور المصالح الضيقة لأنها ـ وببساطة شديدة ـ ستكون هي الخاسر الأكبر من عرقلة الحوار.
تصبحون على حوار بناء...

الثلاثاء، 29 يونيو 2010

عام الإحباط



ستحاول هذه الورقة ـ التي لا أنصح القارئ بإكمال قراءتها ـ أن تكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لأول عام من حكم "رئيس الفقراء" بعد انتخابه. وهي ستحاول أن تقدم ذلك الوجه ـ وكما هوـ دون أن تضيف له مساحيق تجميل كما يفعل البعض، ودون أن تبالغ ـ أكثر من اللازم ـ في التركيز على مواطن القبح فيه كما يفعل البعض الآخر.
ولن تقتصر هذه الورقة على كشف النقاب عن الوجه الجديد القديم لموريتانيا الجديدة القديمة، بل إنها ستحاول أن تتبع ملامح ذلك القبح وتكشف عن أسبابه وتقترح ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ بعض العمليات التجميلية التي أصبح من الضروري إجراؤها للتخفيف من تلك التشوهات التي يعتبرها البعض ـ عكس حقيقتها ـ تشوهات خلقية وبنيوية لا يمكن علاجها.
وهذه الورقة المعدة بمناسبة مرور عام تقريبا على انتخاب "رئيس الفقراء" ليست إلا مقدِّمة لورقة أخرى، ستكون ـ إن شاء الله ـ أكثر تفصيلا، وستتحدث عن عقود خمسة من الإحباط بمناسبة الاحتفال بخمسينية ميلاد الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي أنعم الله عليها بمساحة شاسعة غنية بالثروات والخيرات. ورغم ذلك لا زالت بعد عقودها الخمسة عاجزة عن توفير أبسط ضرورات الحياة الكريمة لسكانها الذين لا يصل عددهم لسكان مدينة واحدة من كثير من المدن العالمية. ولازالت ـ وهذا هو المؤلم حقا ـ تلفظ شبابها إلى الإجرام، والإرهاب، أو في أحسن الأحوال إلى دول أجنبية لمزاولة أعمال قد لا تكون لائقة من أجل البقاء على قيد الحياة.
لقد أصبحنا بحق في أمس الحاجة لميلاد موريتانيا جديدة طال انتظارنا لميلادها، خصوصا أننا سنحتفل قريبا بمرور نصف قرن على الميلاد الرسمي لموريتانيا التي لم تولد بعد في عقول وقلوب أغلب أبنائها. وتلك واحدة من أعظم مصائبنا الكثيرة.
لماذا هذا العنوان بالذات؟
لا جدال في أن النصف المعارض من الشعب الموريتاني قد أصيب بإحباط وبصدمة كبيرة بعد ظهور نتائج انتخابات الثامن عشر من يوليو. ولا جدال كذلك في أن الكثير من المعارضين لم يفق حتى الآن من آثار تلك الصدمة الكبيرة رغم مرور عام تقريبا على ظهور النتائج المفاجئة التي لم يكن يتوقعها متشائمو المعارضة ولا متفائلو الموالاة.
في حين أن النصف الثاني (الموالاة ) ـ لحسن حظه أو لسوئه ـ لم يعش ذلك الإحباط دفعة واحدة، وإنما تجرعه بالتقسيط على شكل جرعات متفاوتة على مدار العام كله.
فكل أنصار "التغيير البناء"، من وجهاء وشيوخ قبائل ورجال أعمال وساسة وحتى من فقراء يشعرون اليوم بإحباط كبير لأنه لا يوجد من بينهم من حصل على الحد الأدنى مما كان يتوقع بعد مرور عام على انتخاب وتنصيب أول "رئيس للفقراء" في تاريخ بلد الفقراء.
وإذا كان إحباط رجال الأعمال والوجهاء ورجال السياسة قد يعتبر بشارة خير، فإن إحباط الفقراء الذين يعود لهم الفضل في نجاح أول رئيس لهم ليس كذلك. فهو يمثل انتكاسة للوعود الكبرى التي حلموا بها أثناء الحملة الانتخابية.
ولقد عبرت سيدة فقيرة من مقاطعة عرفات عن ذلك الإحباط بطريقة مؤثرة جدا، عندما طالبت وبإلحاح من الرئيس بأن يعيد لها "صوتها" الذي منحته له في انتخابات يوليو، لأنها لم تعد تأمل أن يتحسن حالها ولا حال الفقراء في عهده. ( انظر الرسالة العاشرة من الرسائل المفتوحة الموجهة لرئيس الجمهورية في عام الإحباط هذا).
إذن لقد كان الإحباط هو السمة الأبرز لموريتانيا الجديدة، في عامها الأول، ورغم تعدد أسباب ومظاهر وتجليات ذلك الإحباط فإن هذه الورقة ستركز أساسا على إحباط الفقراء. وستبدأ هذه الورقة بقانون عجيب غريب "اكتشفه" فقير أمي لا يقرأ ولا يكتب، وذلك للتعبير عن إحباطه عاما بعد عام، وتغييرا بعد تغيير، وتصحيحا بعد تصحيح، وانقلابا بعد انقلاب، وتنصيبا بعد تنصيب.
قانون مُحْبِط
لا شك في أن وعود المانحين في بروكسل قد أعطت " جرعة أمل " كبيرة مع نهاية هذا العام الذي لم يشذ عن القانون المحبط . يقول القانون بعد شيء من التصرف بأن كل عام يمر بهذا البلد يتحول بطريقة عجيبة من عام شقاء إلى عام رخاء. فهو يكون جحيما في الحاضر ونعيما في الماضي، أي أنه يكون عام شقاء عندما نعيشه، وفي الوقت نفسه عام رخاء عندما نودعه. فالفقير لا يكتشف بأنه كان يعيش في رخاء ونعيم إلا بعد أن يستقبل عاما جديدا. فهو دائما ـ أي الفقير ـ يظل يكرر بأن هذا العام سيء جدا، ولا شيء أسوأ منه، ولكنه عندما يأتي عام جديد، يكتشف بأن العام الماضي الذي كان يعتبره عاما صعبا، لم يكن صعبا، بالمقارنة مع العام الجديد.
فمثلا كان فقراء هذا البلد يقولون بأن العام 2006 كان عاما صعبا على المستوى المعيشي. ولكنهم اكتشفوا بأنه كان عام رخاء مع قدوم 2007 . ثم اكتشفوا بعد ذلك أن 2007 كانت نعيما عندما عاشوا جحيم العام 2008 الذي تحول إلى نعيم مع حلول العام 2009 . ولقد تحول العام 2009 بدوره إلى جنة مع قدوم العام 2010 وهو العام الذي قد يتحول أيضا ـ وفق القانون المُحْبِط ـ إلى جنة مع قدوم العام 2011 الذي قد تُبَذر فيه المليارات من تمويلات بروكسل كما بُذرت سابقا المليارات دون أن يتحسن ـ ولو قليلا ـ المستوى المعيشي للمواطن الموريتاني.
هذا هو القانون الذي وضعه أحد بسطاء البلد، وهو القانون الذي أتمنى من كل قلبي أن يثبت لنا "رئيس الفقراء" عدم صلاحيته خلال عامه الثاني في الحكم والذي سيستقبله ـ عكس عامه الأول ـ بتمويلات سخية لم تكن تحلم بها حكومته.
ذلك ما أتمناه حقا، ولكن قبل ذلك دعونا نعود للعام الماضي ليس فقط من خلال قوانين البسطاء، بل من خلال أحدث معادلات التغيير التي وضعها العلماء والخبراء في هذا المجال. فلنستمع إذن لكلام الخبراء.
كلام خبراء: يُجمع خبراء التغيير على أن التغيير الذي يُحدث نهضة، ليس مجرد عملية فوضوية تتم بشكل عفوي. وإنما هي عملية معقدة جدا، وتحكمها قواعد وقوانين علمية صارمة. وسنتوقف في هذه الفقرة مع بعض تلك القوانين من خلال إسقاط معادلة التغيير على التغيير البناء، بعد مرور عام من الأعوام الخمسة التي من المفترض أن يحصل فيها ذلك التغيير.
تقول المعادلة : C = A x B x D > X
أي أن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بـ "سي" تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة " آ"، في معامل وضوح الرؤية "بي"، في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى"دي". ويقول هذا القانون بأن الناتج يجب أن يكون أكبر من "الإكس" التي ترمز لكلفة التغيير.
وقبل الحديث بشكل مفصل عن عناصر معادلة التغيير فإنه من المهم جدا أن نتحدث قليلا عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقوانينه.
1ـ رغم أننا قد نختلف في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام، إلا أن ذلك لا يقلل ـ إطلاقا ـ من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في التغيير نفسه. عكس عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفته إلا بشكل مؤجل ( وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون مواقف سلبية منه).
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير إلى خصوم و أعداء له. و يمكن ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم في نجاح التغيير. كما أن هناك فئة الخاملين التي تعمل جاهدة من أجل أن تبقى الأمور خاملة.
4 ـ إن هذا القانون يصلح لكل أشكال التغيير، سواء كان ذلك التغيير فرديا يخص الأفراد، أو كان تغييرا داخل مؤسسة، أو منظمة، أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (دي) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير . فهو يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
5ـ إنه عندما يكون أي عنصر من عناصر التغيير الثلاثة يساوي صفرا، فإن مستوى التغيير سيكون صفرا، لأنه حاصل عملية ضرب بين العناصر الثلاثة.
6 ـ إن من الأخطاء التي يقع فيها البعض النظر إلى نصف الكأس، وسواء منهم من ينظر إلى نصفها الفارغ، أو من ينظر إلى نصفها المملوء. علينا أن ننظر إلى الكأس بنصفيها الفارغ والمملوء. وهذا بالضبط هو ما تحاول معادلة التغيير أن تتحدث عنه بطريقة رياضية رائعة. فالبعض لسبب أو لآخر لا يرى من عملية التغيير إلا كلفته، وهو بذلك ينتقده انتقادا فظيعا. وأما البعض الآخر فهو يتغاضى عن ثمن التغيير، ويغالط المستهدفين، ولا يحدثهم عن الكلفة التي يجب عليهم دفعها وهو ما يصعب عملية التغيير.
7ـ إنه ليس من المناسب أن نغرق في تحليلات رياضية في ورقة معدة لقراء من مستويات شتى، لذلك فسأكتفي بتقديم عناصر معادلة التغيير. والمهم أن يعلم القراء أن لكل تغيير عناصر ثلاثة لا يمكن أن يحدث دونها، وأن حاصل ضرب تلك العناصر الثلاثة يجب أن يكون أكبر من كلفة التغيير. فلنعد إذن إلى عناصر المعادلة الثلاثة:
العنصر الأول : مستوى درجة الاستياء من الظاهرة المراد تغييرها، وكلما ارتفع ذلك المستوى كلما أدى ذلك إلى نتيجة أكبر. والحقيقة أن كل الشعب الموريتاني بنخبه وعامته، وبمعارضته وموالاته مستاء من هذا الواقع البائس الذي نعيشه، خصوصا أننا سنحتفل ـ بعد أشهر قليلة ـ بالذكرى الخمسين لتأسيس الدولة الموريتانية التي لازال نصف شعبها أمي لا يقرأ ولا يكتب. في حين أن النصف الثاني "المتعلم" لا تختلف تصرفاته وسلوكياته كثيرا عن النصف الأمي. ولا زالت بطون نصف شعبها جائعة، أما النصف الثاني فقلوبه جائعة لا تشبع أبدا. ولا زال نصف شعبها مفسد، أما النصف الثاني فهو يتحين الفرص لكي يجد شيئا يفسده. فالكل مستاء لأن البلد يتربع منذ خمسين سنة ـ وحسب المؤشرات الدولية ـ على أعلى درجات سلم التخلف، والفقر، والأمية، والمرض، والجوع، والرشوة، وهو ينافس حتى الدول التي تعيش حروبا أهلية منذ سنوات.
وهنا قد يطرح البعض السؤال التالي: لماذا لم يحصل تغيير ما دام الكل مستاء من الواقع؟ والجواب هو أن درجة الاستياء لا تكفي لوحدها لكي يحصل تغيير. فهناك عناصر أخرى في معادلة التغيير، ثم إن إعلامنا الرسمي كان يعمل جاهدا لامتصاص ذلك الاستياء. فكان الناس عندما يستاءون من القمامة ـ مثلا ـ يطل عليهم طبيب بائس، في تلفزيون بائس، ويقول لهم بأن انتشار القمامة بشارة خير، لأنه يعكس حجم الطفرة التي حصلت في مستوى الاستهلاك. وعندما يتألم العمال من سوء حالهم يطل عليهم نقابي بائس، في تلفزيون بائس، ويقول لهم بأن العامل الموريتاني، هو العامل الأكثر حظا في العالم لأن الزيادات تأتيه تترا دون عناء ودون نضال. وعندما يتألم البعض من غياب البنى التحتية في العاصمة، وفي المدن الكبرى، يطل عليهم صحفي بائس، في تلفزيون بائس، ليحدثهم عن تعاونيات ريفية، في قرى ريفية، تفكر في تسويق منتجاتها الزراعية عن طريق الانترنت!!
وعندما يتألم الناس من تفشي الأمية، أيام كانت الأمية ـ في عهد مضى ـ تشكل عائقا من عوائق التنمية، كان يطل ناشط مدني بائس، في تلفزيون بائس، ليعد بأن منظمته التي لا عنوان لها ستقضي على الأمية في ستة أشهر.
وكخلاصة يمكن القول بالنسبة لهذا العنصر بأن "رئيس الفقراء" كان جريئا ـ ومنذ وصوله إلى السلطة ـ في التحدث عن هموم الناس، وهي جرأة فاقت في بعض الأحيان جرأة المعارضة. وقد ساهمت تلك الجرأة في فك العقدة عن لسان الكثيرين وأصبحوا لا يجدون صعوبة في الحديث عن الهموم الحقيقية للبلد.
العنصر الثاني : وضوح الرؤية والذي ترمز له المعادلة بحرف (بي )، ولا يكفي فقط أن تكون الرؤية واضحة لمن يقود مشروع التغيير، بل لابد لها أن تكون واضحة لأغلب المستهدفين من عملية التغيير. فوضوح الرؤية يحتاج لخطاب قوي جدا، وواضح جدا، يساعد في اكتتاب أنصار جدد من خلال إقناع الخاملين والمثبطين والمترددين وحتى المعارضين، بدلا من خطاب مشوش يؤدي إلى انسحاب الكثير من أنصار التغيير.
لقد كاد "التغيير البناء" أن يتحول إلى "غموض بناء" ( الغموض البناء مصطلح أمريكي كالفوضى الخلاقة، وإن لم يكتسب شهرتها في التداول، وقد تم استخدامه لأول مرة بعد " أوسلو" عندما تم تجاهل ملف القدس والاستيطان واللاجئين فقيل أن ذلك التجاهل هو نوع من الغموض البناء).
وحتى لا نتجاهل نحن ـ على الطريقة الأمريكية ـ أهم "بنود" التغيير البناء، فقد ارتأيت أن أعود في هذه الورقة إلى بعض تلك البنود.
حقيقة لقد كانت فكرة مشروع موريتانيا الجديدة، فكرة ذكية و رائعة، وكان بالإمكان أن تكون فكرة تغيير جامعة، تجمع حولها غالبية نخب وعامة هذا الشعب، لو كانت تلك الفكرة واضحة بالنسبة لأصحابها. فمشروع موريتانيا الجديدة يحتاج أولا إلى عقلية جديدة، وإلى أساليب وأنماط جديدة في الحكم. أما استخدام نفس الأساليب القديمة فلن يؤدي إلا لنفس النتائج المعروفة، حتى ولو رفعنا شعار موريتانيا الجديدة. وخلال العام الماضي يمكن القول بأن النظام كان يُتبع كل خطوة جديدة إلى الأمام عدة خطوات إلى الوراء، وهو ما يعكس ـ بالتأكيد ـ عدم وضوح الرؤية بالنسبة له.
وفوق ذلك فقد عانى النظام خلال العام الماضي من عجز كبير في "تسويق" بعض الانجازات الهامة، التي وصلت إلى المواطن العادي بشكل مشوش وملتبس. وقد يكون السبب الأكبر في ذلك يعود إلى أغلبية الرئيس، وإلى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية خاصة، والذي يمكن تصنيفه بأنه هو حزب السلطة الأكثر فشلا في تاريخ أحزاب السلطة في هذا البلد. إن هذا الحزب الذي يديره رئيسه بنفس الطريقة التي كان يدير بها وزارة الدفاع سابقا أي عدم التصرف إلا بأوامر لا يمكن أن يُسَوق مشروع موريتانيا الجديدة ( وهذا ما ستتحدث عنه بتفصيل أكثر البطاقة الحمراء الثانية).
لقد أضاع هذا الحزب ـ الذي يعمل لا كحزب وإنما كإدارة حكومية في مقاطعة نائية ـ سنة كاملة في تبادل الشتائم والكلام التافه مع المعارضة، بدلا من أن يشتغل ـ كما تفعل أحزاب الأغلبية في الدول الديمقراطية ـ في تسويق البرنامج الانتخابي لرئيسه المنتخب، وفي الدفاع عن ما تحقق من انجازات. ولم يختلف بيانه الأخير عن بياناته وتصريحاته السابقة، فقد قزَّم ذلك البيان نجاح طاولة بروكسل عندما جعل منها مناسبة جديدة للتشفي و لتخوين المعارضة. وإذا عدنا لتراث الأغلبية والمعارضة فلن نجد ـ قطعا ـ ما يثبت أن المعارضين للنظام الحالي وللأنظمة السابقة، كانوا أكثر خيانة وعمالة من الموالين له الذين جُبلوا على موالاة كل الأنظمة، وظلوا يتوارثون تلك الموالاة كابرا عن كابر، وصاغرا عن صاغر. حتى أداء الحزب في البرلمان كان باهتا، ولو وضع أداء نوابه الثلاثة والخمسين في كفة، ووضع أداء نائبين أو ثلاثة من المعارضة في كفة أخرى لرجحت كفة نواب المعارضة. وبالمختصر المفيد فإن وضوح الرؤية لمشروع موريتانيا جديدة يحتاج أولا لأن تكون كل تصرفات المبشرين بها، تصب في ذلك المشروع ولا تناقضه.
العنصر الثالث : مستوى الانجاز في الفترة الأولى: إن هناك واقعا صعبا نعيشه اليوم، وهناك وضعية أفضل نحلم بها، ومن المفترض أن تكون هناك خطة حكومية، تنقلنا من الوضعية السيئة التي نتخبط فيها، إلى الوضعية الأفضل التي نحلم بها، في مدة زمنية تقدر بخمس سنوات، ومن أهم تلك السنوات الخمس العام الأول.
ويقول الخبراء بأن ما ننجزه في السنة الأولى، هو الذي سيحدد سرعة سيرنا في السنوات الخمس القادمة. وأهمية الإنجاز في العام الأول تكمن في أن كل تغيير ستنتج عنه لا محالة مقاومة لذلك التغيير وتلك المقاومة تزداد قوتها ومناعتها كلما كان التغيير في بدايته ضعيفا لأن ذلك سيساعدها كثيرا في جمع قدراتها وفي تنظيم صفوفها لإحباط عملية التغيير. وهذا ما جعل البعض يفضل التغيير الفجائي على التغيير التدريجي، لأن التغيير الفجائي (الثورة) يشكل صدمة قوية لقوى مقاومة التغيير، ولا يعطيها فرصة لمقاومته. وحتى لا نغرق بعيدا في نقاشات نظرية فإننا سنعود في هذا الورقة ـ والتي أطلب من جديد من القارئ أن يتوقف فورا عن قراءتها ـ إلى ملامح موريتانيا الجديدة، وذلك لنبين أن مستوى الانجاز في العام الأول لم يكن قويا، وأن مقاومة التغيير كانت حاضرة وبقوة، وأنها استطاعت أن تُحوِّل الحرب على الفساد ـ والتي كانت هي العنوان الأبرز للتغيير البناء ـ إلى هدنة معه.
الهدنة مع الفساد: لقد عرفت البلاد ـ على الأقل في الأشهر الأولى من عهد الرئيس الحالي ـ حربا معلنة وميدانية ضد الفساد، أعقبتها هدنة غير معلنة. ولتقييم نتائج تلك الحرب الخاطفة التي أثارت جدلا كبيرا بين المعارضة والموالاة لابد من التحدث عن خمسة أنواع من الأسلحة التي تم استخدامها، أو التي كان من المفترض أن يتم استخدامها في هذه الحرب، وذلك من أجل الخروج بحصيلة دقيقة وميدانية لنتائج تلك الحرب الخاطفة.
السلاح الأول: يتعلق بعصا العقوبة التي تستخدم لمعاقبة المفسدين و لتخويفهم. وهذه قد تم استخدامها في الأسابيع الأولى من هذا العام من خلال تجريد بعض المفسدين الموالين، ومن خلال استرجاع بعض الأموال المنهوبة، و من خلال فتح ملف رجال الأعمال المتهمين في ملف البنك المركزي.
السلاح الثاني: وهو سلاح الجزرة و يستخدم في العادة لحماية الموظفين ضد الفساد، من خلال تعيين وترقية وتكريم الموظفين النزهاء الأكفاء. وهذا السلاح لم يستخدم إطلاقا خلال كل العقود الأخيرة فالتعيينات والتكريمات والتوشيحات ظلت حكرا على المفسدين، أو على الأقل لمن يستخدم أساليب وطرق غير شفافة للحصول عليها. لقد حدث في هذا البلد أن تم توشيح مفوض شرطة بوسام سام، ولقد فوجئ المهنئون بظلام "دامس" يلف منزل الموظف الموشح ليلة توشيحه. لقد ظل ذلك الموظف لسنوات يسرق الكهرباء دون أن يتجرأ أحد على محاسبته، إلى أن حُوِّل لفرع شركة الكهرباء في تفرق زينة رئيس مركز، تعينه الشركة ـ عادة ـ كلما كانت تعاني من نقص حاد في الموارد، فهو معروف بالاستقامة والصرامة الشيء الذي جعله يصر على قطع الكهرباء عن منزل الموظف الموشح. تأملوا في هذه الصورة: موظف يسرق الكهرباء لسنين يتم توشيحه عدة مرات، وموظف آخر معروف بالاستقامة في شركة معروفة بالفساد لم يوشح أبدا.
فسلاح الجزرة لم يستخدم إطلاقا في موريتانيا الجديدة، فلا يوجد تعيين واحد أو ترقية واحدة تمت فيها العودة إلى الكفاءة، رغم كثرة التعيينات والترقيات التي بلغت في أحد مجالس الوزراء سبعين تعيينا.
بل أكثر من ذلك فإن موريتانيا الجديدة لا تكتفي بأنها لا تكرم الأكفاء النزهاء من أبنائها، بل أنها لا تترك الرحمة تنزل على هؤلاء. ويكفي هنا أن أقدم كمثال الشرطي المعروف بشرطي نادي الضباط المحروم من أي تكريم رسمي حتى الآن ، رغم أنه سيحال إلى التقاعد مع مطلع العام القادم. وهو الشرطي الذي يشهد له الجميع بالكفاءة والنزاهة والاستقامة والتفاني في العمل. لقد رفض والي نواكشوط الترخيص لوقفة تكريمية كانت ستنظمها " ضحايا ضد الفساد" لتكريم هذا الشرطي المميز. أنظر مقال "أقبل رأسك.. يا الشيخ صار".
السلاح الثالث: تجفيف منابع الفساد وهذا السلاح قد تم استخدامه بقوة، خاصة في مجال تعميم علاوات السكن والنقل، والتي كانت تشكل بؤرة كبيرة من بؤر الفساد. ومن المؤسف أن تعميم العلاوات قد واجه انتقادات حادة من المعارضة، وهي انتقادات لم تكن صائبة في أغلب الأحيان برغم وجود بعض الأخطاء التي كان يجب أن يتم تفاديها في هذا التعميم. ومن هذه الأخطاء عدم التشاور مع النقابات في المراحل الأولى، ومنها أيضا استخدام كلمة " معتبرة " التي أطلقها الوزير الأول والتي فتحت شهية العمال لزيادات "معتبرة" قبل ظهور الحجم الحقيقي لتلك الزيادة. وربما يكون من المفيد هنا أن ننصح بترشيد استخدام بعض الكلمات أثناء الخطابات الحماسية، بل وسحبها من الخطاب الرسمي ككلمة معتبرة أو جبارة. والكلام هنا موجه بالأساس إلى الوزير الأول الذي تسبب في مشاكل جمة بكلماته "الحماسية". فقد تسببت كلمة " معتبرة " في إضرابات عمالية، كما تسببت كلمة" دبر حالك" في مواجهات عرقية في الجامعة.
السلاح الرابع : إقصاء المفسدين: لم تكن الغالبية ممن صوت لـ "محارب المفسدين" تعتقد بأن رموز الفساد سيعودون بهذه السرعة، وبهذه القوة ،وبهذا الحجم، وبهذه الكثافة وقبل أن يكتمل العام الأول من عمر موريتانيا الجديدة التي لا مكان فيها للفساد والمفسدين، كما كان يؤكد دائما الرئيس بمناسبة وبغير مناسبة.
لقد تم تعيين من ارتبط اسمه بأشهر قضية فساد في قطاع التعليم في أعلى منصب دستوري في البلاد. كما تم تعيين من ارتبط اسمه في قضايا فساد عديدة، تبدأ بالدواء ولا تنتهي بالإرهاب والكتاب على رأس أشهر مؤسسة أنجبتها موريتانيا الجديدة!
ويكفي أن نعلم بأن كل رؤساء الحكومات في عهد "الفساد الأول" تم تعيينهم في وظائف سامية، وبذلك تكون موريتانيا الجديدة وفي وقت قياسي جدا قد تصالحت مع المفسدين واستعادت كل مشاهير الفساد، ولم تستبعد من "المشاهير" إلا المفسدين الذين فيهم خصلة حسنة وهي الوفاء لأولياء نعمهم.
السلاح الخامس : انحراف بعض المؤسسات عن دورها في محاربة الفساد ، ولعل المثال الأبرز الذي يمكن تقديمه هنا هو المحكمة السامية، التي قامت لها الدنيا ولم تقعد، والتي كان تأجيل تأسيسها لأسابيع معدودة هو أبرز حجة لتشريع الانقلاب. لقد تحول رئيس هذه المحكمة إلى مدافع عن النظام بأسلوب وبلغة وبطريقة تستحق النقد، حتى وإن جاءت من مواطن ريفي أمي لا يفقه من القانون شيئا. يمكن العودة للنقد الذي وجهه رئيس المحكمة لأعلى سلطة دستورية في البلاد، وذلك للدفاع عن قانون الإرهاب. كما يمكن العودة لانتقاداته اللاذعة لمنسقية المعارضة، والتي لا تليق بشخصية سامية، تم اختيارها لرئاسة محكمة سامية.
لقد خسرنا معركة حاسمة من الحرب على الفساد، كما خسرنا حروبا سابقة مع الأمية، ومع الفقر. ورغم أن النظام الحالي يتحمل المسؤولية الكاملة في خسارة هذه المعركة، إلا أن ذلك لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ أن نغفل الأدوار السلبية لبعض الأطراف الأخرى.
من هذه الأدوار السلبية الدور الذي لعبته المعارضة التي وقفت بشدة ضد معاقبة رجال الأعمال، وهم الذين تركوها ـ بالمناسبة ـ بعد خروجهم من السجن وانخرطوا في الإتحاد من أجل الجمهورية. لقد أخطأت المعارضة كثيرا في موقفها ذاك والذي أصبح حجة يستخدمها أنصار الأغلبية كلما طالبت المعارضة بمعاقبة بعض المفسدين. لقد كان الأولى بالمعارضة في تلك الفترة أن تستغل فتح ذلك الملف للمطالبة بفتح المزيد من الملفات، وبتوسيع الدائرة حتى تشمل رجال الأعمال المقربين من النظام، والذين توجد لبعضهم ملفات كان يمكن تقديمها للرأي العام. اللافت للانتباه هنا أن الرئيس يمتلك جرأة كبيرة للتحدث عن ما تعتبره المعارضة مفسديها. أما المعارضة فلا تستطيع ـ لسبب لا أفهمه ـ أن تتحدث عن مفسدي النظام بنفس الجرأة. أنظر مقال " تفاديا للالتفاتة القاتلة" ومقال " إعلان حرب".
أيضا أخطأت النخبة بصفة عامة، وبالأخص من هم ضحايا للفساد. فهي بدلا من أن تقود انتفاضة شعبية ضد الفساد، لمؤازرة الحرب على الفساد، عندما بدأ إطلاق الرصاص الحي، اختارت أن تلعب دورا سلبيا ومثبطا. فصورت فتح ملف رجال الأعمال وكأنه عمل خطير سيؤدي لهلاك البلاد والعباد. والحقيقة أن ترك ذلك الملف وترك غيره من ملفات الفساد هو الذي سيؤدي إلى كارثة حقيقية تهدد البلاد والعباد، بمن فيهم من مصلح ومفسد على حد سواء. فالدولة قد تستقيم على الكفر ولكنها لا تستقيم أبدا على الظلم. ونحن المسلمين علينا أن نخاف من الأضرار التي قد يتسبب فيها ترك مفسد يسرق طعام جائع، أو دواء مريض. فذلك عليه أن يخيفنا ـ إن كنا مسلمين حقا ـ أكثر من خوفنا من معاقبة كل رجال الأعمال المفسدين، بل ومعاقبة كل المفسدين في هذا البلد دفعة واحدة، حتى ولو كانت نسبتهم على هذه الأرض الطيبة تفوق كثيرا نسبة الأميين ونسبة الفقراء التي تجاوزت نصف السكان.
ومن أخطاء النخبة أيضا أنها تحولت إلى "نخبة ببغاء" فإذا تحدث الحاكم عن السمنة تحدثوا هم عن السمنة. وإذا تحدث عن الأمية تحدثوا عن الأمية، وإذا تحدث عن الأزمة الأخلاقية تحدثوا، وإذا سكت الحاكم عن الأخلاق سكتوا، وإذا تحدث عن الطاولة المدرسية تحدثوا عنها، وإذا حارب الفساد حاربوه، وإذا هادنه هادنوه. لقد أصبح الحاكم هو الذي يحدد لنا أوجاعنا وآلامنا وهمومنا ويختار لنا التوقيت المناسب للتحدث عن أي معاناة، والتوقيت المناسب للتوقف عن الحديث عن تلك المعاناة، والبدء في التحدث عن معاناة أخرى. فالحاكم هو الذي يحدد لنا بالضبط متى نشكو من كثرة القمامة، ومتى نتوقف عن الشكوى من القمامة، ومتى نتألم بسبب الفساد، ومتى نئن بسبب نقص الطاولات المدرسية، ومتى نقول عندما لا يكون هناك أي أمل في الحصول على تمويلات أجنبية ـ كما حدث بعد انقلاب السادس من أغسطس ـ بأن بلدنا غني جدا ولا يحتاج لأي تمويل. ومتى نقول عكس ذلك تماما عندما تتعلق القلوب والأفئدة ببروكسل.
وتمشيا مع ما جرت به العادة عند سلاطين هذا البلد الذين تعودوا على أن يشعلوا حربا جديدة كلما أخمدوا أخرى. فقد أعلن الرئيس الحالي عندما هادن الفساد إشعال حربين تحريريتين جديدتين ومثيرتين : إحداهما برية انطلقت من مقاطعة عرفات لتحرير الشوارع، وهي حرب لن نتحدث عنها في هذا المقام. أما الثانية فهي حرب فضائية انطلقت من مبنى بيت الشعوذة المرئي ( التلفزيون) وهي التي سنخصص لها فقرة في هذه الورقة التي أنصح القارئ للمرة الثالثة بأن لا يكمل قراءتها.
تحرير الفضاء السمعي البصري: لن أعود في هذه الورقة لعورات الإعلام الرسمي وما أكثر عوراته. فقد تحدثت بما فيه الكفاية عن تلك العورات في مقالات سابقة: " بيوت الشعوذة"، " خبر عاجل"، "تأملات في اللاشيء"، "أسئلة على الطاولة"...إلخ
لن أعود لمساوئ الإعلام الرسمي بل سأكتفي بتسجيل بعض الملاحظات على الحرب التحريرية المعلنة. وسأقتصر على التلفزيون كنموذج لأنه هو الذي خصه الرئيس بالزيارة الميدانية التي وعد أثناءها بتحرير الفضاء السمعي البصري.
الملاحظة الأولى: إن تحرير الفضاء السمعي البصري يجب أن يسبقه ـ حسب اعتقادي ـ تحرير بيوت الشعوذة ( التلفزيون، الإذاعة، الشعب) من ممارسة الدجل والشعوذة حتى تعود ـ على الأقل ـ إلى مستوى أدائها في المرحلة الانتقالية الأولى، حيث كانت يومية "الشعب" تنافس الصحف المستقلة في الأكشاك، وحيث كانت الإذاعة والتلفزيون يقدمان بعض البرامج التي تستقطب المستمع والمشاهد.
ولقد كان الأجدر بالرئيس ـ الذي أعتقد بأنه مستاء فعلا مما يقدمه إعلامنا الرسمي ـ أن يختار لإدارة تلك المؤسسات موظفين أكفاء لهم القدرة والرغبة في تطوير وتقريب إعلامنا الرسمي من المواطن العادي، بدلا من تعيين موظفين لم يشتهروا في الماضي، ولا في الحاضر، بنضالهم لتحرير الإعلام الرسمي، ولا أعتقد بأنهم سيشتهرون في المستقبل. فمدير التلفزيون مثلا لا زال لسانه رطب بمدح الرئيس السابق معاوية، فهو الذي كان يفلسف ـ عندما كان مديرا للأخبار بالإذاعة ـ الخطابات البسيطة والعادية لذلك الرئيس ويقدمها على أنها مليئة بالدرر والجواهر وبالأفكار النادرة والعظيمة.
الملاحظة الثانية : إن النفر الثلاثة الذين يديرون مؤسسات الإعلام الرسمي لا زالوا يتصرفون بعقلية مناقضة لمشروع موريتانيا الجديدة .ولا زالوا يوصدون أبواب تلك المؤسسات عن جزء كبير من نخب هذا البلد، رغم أوامر الرئيس الصريحة في هذا المجال. فالتلفزيون مثلا لا زال يغلق أبوابه أمام بعض الصحفيين الأكفاء، الذين قدموا برامج متميزة أثناء الفترة الانتقالية الأولى، وشدوا المشاهد لمتابعة تلفزيونه الوطني. أكرر وطني لأني أتحدث عن التلفزيون في المرحلة الانتقالية الأولى، أما قبل ذلك، وبعده، فهو تلفزيون رسمي.
الملاحظة الثالثة : إن من يتابع التلفزيون اليوم سيدرك كم هو شاحب ومريع ذلك التلفزيون. وكم هي شاحبة تلك البرامج الحوارية التي يقدمها، والتي هي في مجملها برامج فاشلة، و بلا هوية، ولا يفرق بينها إلا اسم البرنامج أو اسم مقدمه.
الملاحظة الرابعة : لقد لعبت مؤسسات الإعلام الرسمي أدوارا "جبارة" (وهنا يمكن استخدام هذه الكلمة ) في انهيار القيم الأخلاقية والوطنية في هذا البلد. فهي التي كانت تجعل ـ ولا زالت ـ من الولاء للرئيس لا للوطن شرطا للولوج إليها. وهي التي كانت ترفع الرئيس ـ أي رئيس ـ مكانا عليا ثم تخفضه إلى الحضيض بعد أن يصبح رئيسا سابقا. والمفارقة أن "رواد" هذه المدرسة التطبيلية هم الذين يراد منهم ـ عبثا ـ أن ينهضوا بإعلامنا الرسمي (لا يمكن تسميته بالوطني) ويجعلوا منه أداة فعالة لبناء القيم الأخلاقية والوطنية التي تسببوا في انهيارها.
أزمة قيم وأزمة مواطنة : يحتاج مشروع موريتانيا الجديدة إلى إطلاق صفارة إنذار، للحد من الانهيار السريع للقيم والأخلاق، والذي أثر كثيرا على سمعتنا في الخارج التي كانت ـ وحتى وقت قريب ـ توفر لكل موريتاني أينما ولى وجهه رصيدا كبيرا من الاحترام والتقدير. لقد نهبنا كل شيء في السنوات الأخيرة، حتى رصيد السمعة الذي وَرَّثه لنا الآباء والأجداد نهبناه و"ادخرنا" مكانه رصيدا سيئا في مصارف السمعة العالمية، لدرجة أصبح فيها الموريتاني يمثل رمزا للتحايل والخداع، ويثير مخاوف الجميع أينما حل وارتحل. ورغم أن الرئيس الحالي كان هو أول رئيس يعلن صراحة بأن البلد يعيش أزمة أخلاق، إلا أنه مع ذلك لم يتخذ خطوات ملموسة للتخفيف من حدة تلك الأزمة، وهو ما يعكس وجها آخر من أوجه الإحباط.، في عام الإحباط هذا. ولأن الأزمة الأخلاقية أكثر تعقيدا من أن نتحدث عنها في فقرة قصيرة كهذه فسأكتفي هنا بالاقتصار على وجه من أوجه تلك الأزمة لم أتحدث عنه في ورقة "البطاقة اللاغية".
فالمؤسف حقا أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية عملت جاهدة ـ في العقود الأخيرة ـ من أجل تنمية وتطوير كل الظواهر السيئة، وكل نزعات الشر لدى مواطنيها. فكان كل من يمتلك القدرة و الجرأة لأن ينافق، ويتحايل، ويخدع، وينهب، ويكذب، ويميل حيث السلطة مالت هو الذي يتمكن في النهاية من أي يكون "قدوة" في القبيلة وفي الجهة وفي الإدارة وفي المجتمع بصفة عامة .. في حين أن من يحتفظ ببقية أخلاق، يتم نبذه وتهميشه وإقصاؤه اجتماعيا وسياسيا وإداريا. وكان الشعار المطبق في العقود الأخيرة هو : " احتقر نفسك كثيرا لتعلو علوا كبيرا... واحترم نفسك شيئا قليلا لتُزدرى وتُهمش كثيرا..". هكذا ظلت الأنظمة المتعاقبة ترفع صغار الناس، وتقصي كبارهم. وكان الصغار كلما زاد صعودهم طغوا و تمادوا أكثر في إذلال وإقصاء واحتقار من له ولو شيء يسير من أخلاق. وكان كل حاكم جديد يأتي بانقلاب أو بانتخاب أو بتصحيح أول ما يقوم به هو أن يرفع من شأن أنصاره الذين هم حقيقة ليسوا أنصاره، وإنما هم عصابات مرتزقة لهم قدرة عجيبة على تعويض كل نقص يعانون منه بمزيد من التصفيق والتطبيل. وكان يقصي معارضيه والذين هم أيضا قد لا يكونون معارضين، وإنما يرفضون ممارسة قبائح الأقوال والأفعال.. هكذا ظلت الأمور تسير تغييرا بعد تغيير، وتصحيحا بعد تصحيح، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
وكمثال على ما يمكن أن يقوم به النظام من إفساد لأخلاق الناس، سأقدم لكم مثالا بسيطا لما تسبب فيه قرار واحد من أضرار. والمثال من العهد الذي كانت فيه الأمية والسمنة من أهم مشاكلنا. وذلك قبل أن تظهر مشكلة الفساد ومشكلة الأزمة الأخلاقية. لقد قرر وزير أهم وزارة في ذلك العهد، أي وزارة محاربة الأمية أن يشرك الأئمة وشيوخ المحاظر في محاربة الأمية . ولقد قرر الوزير الفقيه ـ بحسن نية ـ أن لا يحصل أي شيخ أو إمام على راتب كامل، إلا إذا كان يدرس خمسين أميا. ولقد قيل للوزير وقتها بأنه لا يمكن تقديم درس في القراءة أو الكتابة لخمسين أمي في وقت واحد. كما أنه لا يمكن جمعهم في غرفة واحدة. ولا جمعهم من حي واحد، يوجد فيه العديد من الفصول المنافسة.
أصر الوزير الفقيه على قراره. وكانت النتيجة هي أن كل من هو على استعداد لأن يتحايل ويجمع خمسين من جيرانه، يوم توزيع الرواتب، يتم اكتتابه ويحصل على راتبه كاملا غير منقوص. أما شيوخ المحاظر والأئمة الجادين الذين قالوا بأنهم على استعداد لأن يفتحوا فصولا لعشرة أو لعشرين أميا على الأكثر، فقد تم إقصاؤهم. تأملوا هذا المشهد وزارة التوجيه الإسلامي تشجع الأئمة وشيوخ المحاظر على الكذب والتحايل، والأئمة وشيوخ المحاظر يشجعون في المقابل سكان أحيائهم على الكذب والتحايل, وبأن يشهدوا زورا وبهتانا بأنهم يتعلمون في فصول وهمية لمحو الأمية . والحصيلة معروفة، فقد تحولت محاربة الأمية إلى محاربة للأخلاق والقيم، تقودها وزارة كان من المفترض أن تعزز القيم والأخلاق!!!
واليوم لازالت عملية هدم القيم تتواصل، ويكفي ذكر عملية تنصيب " هياكل" الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي يبشر بمشروع موريتانيا الجديدة. فقد كانت عملية التنصيب بحق دورة تدريبية مفتوحة، تدرب فيها نصف المليون (عدد المنتسبين) لاكتساب المزيد من"المهارات" المبتذلة التي ابتكرها الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي.
أيضا لعب بعض الشباب المؤدلج في هذا العام دورا "هاما" في تعميق أزمة القيم وذاك من خلال السجال الذي شهد كثيرا من عبارات القدح والشتم والذم ..
ولعل الملاحظة التي لابد من تسجيلها، هي أنه من الأشياء الصادمة والمحبطة أن الأحزاب الإيديولوجية التي كان من المفترض أن تقدم الشاب النموذج، هي التي فاجأتنا بمجموعة من الشباب تتبارى في سب وشتم وذم كل شيء بما في ذلك كبار العلماء الأجلاء. والمقلق أن الشباب الذين كتبوا بحماس للدفاع عن تياراتهم الفكرية، يغيبون دائما عندما تكون هناك حاجة ماسة لكتاباتهم للدفاع عن الوطن. فهل يعني ذلك أن تلك الأحزاب لا تنمي قيم الوطنية في نفوس شبابها، وإنما تكتفي بتربيتهم على الولاء الإيديولوجي ؟ ذلك سؤال يستحق شجاعة للإجابة عليه.
وساهم النواب بدورهم ـ خاصة في هذا العام ـ بتقديم دروس ميدانية جديدة في الاستهتار بالقيم، وذلك من خلال عدم الوفاء للأحزاب التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه. ولقد كان كل نائب يرحل يصر على أن يبرر رحيله بنفس الحجة التي لم يعد يصدقها أحد: لقد قررت بعد تفكير عميق ودراسة متأنية للوضعية في البلد....إلخ. لقد رحل الكثير من النواب إلى حزب السلطة ومن بين النواب الرحل: 9 تركوا التكتل من أصل 15 نائب تكتلي.. و5 تركوا الحزب الجمهوري من أصل 7.. و3 من أصل4 رحلوا من حزب حاتم...و2من أصل 5 هاجروا من التحالف الشعبي..و2 من أصل 7 تركوا اتحاد قوي التقدم.. حتى النائب الوحيد لحزب الوسط هاجر وترك حزبه بلا نائب.. نفس الشيء حدث مع البديل. تلك مجرد لقطة من لقطات الترحال السياسي في بلاد "الترحال في ظل الاستقرار" أو" الترحال المؤتمن" أو " الترحال البناء" وهي لقطة تدعونا للحديث عن نوع آخر من أنواع الترحال قد لا يجد من يتحدث عنه.
ترحال إداري ومؤسسي : لم يعد الترحال في هذا البلد مقتصرا على الأشخاص، بل أصبحت هناك إدارات كاملة ترحل، ثم ترحل، ثم ترحل حتى لا تتوقف عن الترحال. ولأننا نعيش في عهد رئيس الفقراء فسأكتفي هنا بأن أقدم مثالين لإدارتين مهمتين بالنسبة للفقراء.
لقد رحلت إدارة الشؤون الاجتماعية أربعة مرات في أقل من ثلاث سنوات، رحلت من وزارة الصحة، إلى مفوضية الحماية الاجتماعية، ثم رحلت من الحماية الاجتماعية إلى مفوضية حقوق الإنسان قبل أن ترحل عنها وتستقرـ مؤقتا ـ في وزارة المرأة.
الغريب هو أن الإدارة قد احتفظت بنفس المدير خلال كل هذه الرحلات، فمديرها في ظل التغيير في ظل الاستقرار، هو نفس المدير في ظل التغيير البناء، وهو ما يستدعي طرح بعض الأسئلة على كل قارئ عنيد لازال يصر على مواصلة قراءة هذه الورقة: فهل ذلك الترحال كان ترحالا في ظل الاستقرار، أم هل كان ترحالا مؤتمنا، أم كان ترحالا بناء؟ وأيهما كان أقرب لقلب المدير: قائد التغيير في ظل الاستقرار، أم قائد التغيير المؤتمن، أم قائد التغيير البناء؟ نفس الشيء حدث مع إدارة محو الأمية التي احتفظت بنفس المدير رغم أنها رحلت من وزارة التوجيه الإسلامي، إلى وزارة التعليم أثناء دمج التعليم في وزارة واحدة بعد انشطاره الأول، ثم تركت التعليم بعد أن عاشت معه بعض اندماجاته وانشطاراته التي لا تنتهي أبدا، لتعود مرة أخرى لوزارة التوجيه الإسلامي، والتي كانت بدورها قد عرفت الانشطار في عهد "الترحال في ظل الاستقرار" عندما فشلت في الجمع بين العلماء والفنانين. فقررت أن تلفظ إدارة الثقافة بعيدا، تلك الإدارة التي ظلت ترحل، وترحل، و ترحل ـ تعبيرا عن ثقافة الترحال ـ حتى انتهى بها المقام المؤقت في وزارة الشباب والرياضة.
ولأن الحاكم ـ كما قلت سابقا ـ هو الذي يحدد لنا همومنا، ولأنه حتى الآن لم يعلن بأن الأمية التي يعاني منها نصف السكان هي من مشاكل الفقراء، التي يجوز التحدث عنها. لذلك فسأعوض مثال إدارة محو الأمية، بمثال آخر، يهم "فقراء آخر زمن"، أو فقراء آخر عهد من عهود التغيير. ويتعلق الأمر بلوحة كبيرة على مبنى حكومي كبير كتب عليها : وزارة المياه والطاقة وتقنيات الإعلام والاتصال، وربما تكون اللوحة هي التي ضاقت قبل أن يكتبوا أشياء أخرى. هذه الوزارة لم تعد موجودة ـ قطعا ـ رغم لوحتها ومبناها الكبير. لقد تطايرت، وتفرقت، وتشتت، وتناثرت، كل القطاعات التي كانت ـ ولا زالت ـ تجمعها تلك اللوحة إلى جهات عديدة لا يمكن تتبعها هنا. الشيء المؤكد هو أنه لا يمكن لنا أن نتوقع تنمية في ظل هذا الترحال الإداري العبثي والطائش والصبياني.
مشكلة أخرى قديمة جديدة، تعاني منها الإدارة القديمة الجديدة، وهي التي أشرت إليها بطرح تلك الأسئلة السابقة. فأغلب الموظفين لا تهمهم إداراتهم، وإنما يهمهم في الأساس أن يجتمعوا في فندق مع كل مناسبة سياسية ليعلنوا ولاءهم للرئيس. فتارة يجتمعون بشكل قبلي فيقال أطر القبيلة الفلانية. وتارة يجتمعوا بشكل جهوي فيقال أطر ولاية كذا، أو مقاطعة كذا، اجتمعوا في فندق كذا، ووزعوا البيان كذا، وأعلنوا دعمهم المطلق لقائد التغيير كذا..
المهم أنكم لن تسمعوا أبدا بأن أطر أي ولاية، أو مقاطعة، قد اجتمعوا لتدارس مشاكل ولايتهم وللبحث عن أفضل السبل الكفيلة بتنميتها. ولن تسمعوا بأنهم اهتموا بفقراء ولايتهم في عهد رئيس الفقراء. لن تسمعوا أبدا ذلك، ولن تسمعوا شيئا مثل ذلك، لذلك فعليكم أن لا تتوقعوا تنمية، لأن السماء لا تمطر تنمية.
السماء لا تمطر تنمية : لقد توقع الفقراء في أول عام من حكم رئيسهم أن تمطر عليهم السماء تنمية، وأن يتحقق الشيء الكثير من تلك الوعود الثورية، خاصة أنهم بذلوا جهدا كبيرا، وأنهم هم من حسم المعركة الانتخابية لصالح قائد التغيير البناء.ولم يحسمها المفسدون أو السياسيون أو الوجهاء أو المثقفون.
لقد مر عام كما مرت أعوام من قبله، وكما ستمر أعوام من بعده، والحال كما هو : لاشيء قد تغير في حياة الفقراء رغم كثرة " التغييرات" . ولا شيء تغير في حياتهم خلال هذا العام خاصة، وإليكم بعض اللقطات السريعة من عامكم هذا:
1 ـ نواب يصوتون لرفع الضرائب على الأرز وعلى المحروقات، ويرفضون التصويت على زيادتها على السجائر. المخجل والمعيب والفاضح والمقزز والمقرف أن رئيس مكافحة التدخين في البرلمان كان من أشد المدافعين عن السجائر ومورديها.
2 ـ السلطات تعامل الحمالين بخشونة، وترفض أن تزيد لهم 500 أوقية عن الطن وهي زيادة لا تؤثر على الأسعار إلا بنصف أوقية للكلغ مع العلم أن الأسعار قد ارتفعت خلال العام بمبالغ معتبرة ( وهنا يمكن استخدام كلمة معتبرة). أنظر إلى مقال : " من حمال.. إلى رئيس الجمهورية" و " حمالون بلا حياء" و "كبرياء حمال".
3 ـ عاطلون عن العمل لا يتوقفون عن الاحتجاجات، والاعتصامات، والنداءات، ورغم ذلك لا أحد يهتم بهم . لم تقدم وكالة تشغيل الشباب أي تمويل، ولم تنفذ أي عمل لصالح حملة الشهادات لا في هذا العام، ولا في العام الذي قبله.
4 ـ لقد شهدت وزارة الصحة أسوأ عام في تاريخها، فبدلا من أن تهتم بصحة المواطن، فقد تفرغت لصراعات بلا أول ولا آخر مع الأطباء. ولقد وصل الخلاف لدرجة رفض فيها الأطباء استقبال الوزير في أول سابقة من نوعها.
5 ـ من اللقطات التي قد تظهر وكأنها بسيطة مع أنها ذات دلالة عميقة للتعبير عن الفجوة الكبيرة بين مستوى الوعود، وبين مستوى العمل الميداني اللازم لإنجاز تلك الوعود. يمكن أن نقدم كمثال مستوى العمل التحضيري المقام به حاليا من أجل إنجاح الحملة الزراعية لهذا العام، والتي أعطى الرئيس شخصيا إشارة انطلاقها بعد أن توقفت في العام الماضي.
لقد كان من المفترض أن يكون الأمين العام لوزارة التنمية الريفية على استعداد كامل للعمل ساعات إضافية مع أوقات الدوام الرسمي، خاصة في هذه الفترة بالذات، وذلك من أجل التحضير الجيد والتنسيق بين مختلف قطاعات الوزارة، لضمان نجاح الحملة الزراعية القادمة. المفاجأة هنا هي أن الوزارة بلا أمين عام منذ ما يزيد على شهرين!!!
وبالتأكيد فأنا لا أقول بأن تعيين أمين عام سيحل مشاكل الزراعة، وإنما أردت أن فقط أن أقدم لقطة من عبثية الإدارة. فهي تقول بأنها تحضر بشكل جيد لنجاح الحملة الزراعية، وهي في نفس الوقت تترك منصب من يفترض أن يقود ذلك التحضير شاغرا ولمدة شهرين حاسمين. فهل ذلك يعني أن التحضير ليس إلا مجرد كلمة لا يترتب عليها أي فعل؟ ذلك سؤال يستحق الإجابة في مقام آخر.
ختاما : ربما يكون أهم شيء أختم به، هو أن أعيد تقديم بعض المقترحات التي كنت قدمتها خلال العام ، دون أن تجد ـ كما هو العادة ـ من يهتم بها، وهي مقترحات توجد تفاصيلها في رسائل مفتوحة سابقة. ومن أهم ما يميزها أنها نابعة من الواقع الموريتاني، وتستجيب للحالة الموريتانية، وليست حلولا مستوردة قد تصطدم بالعقلية وبالحالة الموريتانية الفريدة من نوعها، ومن هذه المقترحات:
1 ـ اقتراح برامج رائدة لسد نواقص التكوين المهني المعتمد، وذلك من خلال برامج موسعة للتثقيف الحرفي والمهني قصيرة المدة، وذات كلفة منخفضة جدا، وقادرة على التأهيل في مجال الحرف الصغيرة جدا التي يستنزف من خلالها الكثير من موارد هذا البلد.
2 ـ مقترح لتنظيف العاصمة من خلال التعامل مع القمامة ليس بوصفها مشكلة، وإنما بوصفها يمكن أن تكون ثروة، و مصدرا هاما لتوفير الدخل ولتشغيل الشرائح الأكثر فقرا.
3 ـ مقترح لاعتماد أساليب جديدة في الاكتتاب، تساعد في الحد من تركيز البطالة في الأوساط الأكثر فقرا.
4 ـ مقترح لبرنامج تلفزيوني شبابي تنموي لا زال مدير التلفزيون يرفض إطلاقه.
وأخيرا : أشكركم لأنكم أكملتم قراءة هذه الورقة ولم تستجيبوا لطلبي بعدم إكمالها..وأتمنى لكم عاما جديدا يشذ عن القانون المحبط. وأقول لكم : تصبحون على موريتانيا جديدة بلا تشوهات خلقية ...

الاثنين، 14 يونيو 2010

رسالة شكر وتعهد لرئيس الوزراء التركي


لقد كان يؤلمني كثيرا ـ مثلي مثل ملايين المسلمين ـ أن لا أرى صورة أي رئيس مسلم واحد ترفع في أي مسيرة أو مظاهرة أو وقفة تنظم في أي دولة إسلامية، نصرة لقضية المسلمين الأولى، لأنه لم يكن ـ للأسف الشديد ـ من بين كل رؤساء الدول الإسلامية من يستحق أن ترفع صورته في تلك المسيرات والمظاهرات والوقفات التضامنية.
ولقد كان يؤلمني أكثر أن " تشافيز" كان هو الرئيس الوحيد الذي ظلت الجماهير المسلمة ترفع صوره في السنوات الأخيرة من " جاكرتا " إلى " نواكشوط " لأنه كان هو الوحيد الذي انحاز بجرأة وشجاعة لقضايانا العادلة.
لذلك فقد وجدتني ـ مثلي مثل ملايين المسلمين ـ أحس بشيء من العزة والافتخار، لم أشعر به من قبل وأنا أتابع مواقفكم الأخيرة التي جعلتكم تستحقون وبجدارة أن ترفع صوركم في كل مكان، خاصة بعد أن أعلنتم بصراحة وبوضوح شديدين بأنكم لن تديروا ظهركم لفلسطين حتى ولو أدار لها العالم كله ظهره.
فكم هو عظيم ذلك الوعد، وكم هو مخيف في نفس الوقت، مخيف لأنه لم تعد لنا القدرة على تحمل وامتصاص أي إحباط جديد، بعد سلسلة من الإحباطات المتراكمة التي تسبب فيها زعماء وقادة أطلقوا قبلكم وعودا كبيرة تبين في النهاية أنه لم تكن لهم القدرة على تحقيقها، أو لم تكن لهم الرغبة أصلا في تحقيقها.
والحقيقة أن هناك أسباب عديدة جعلتنا نتفاءل بوعودكم، رغم احباطاتنا السابقة، ومن هذه الأسباب:
1ـ كونكم قد استطعتم وفي مدة قصيرة أن تقدموا انجازات سياسية واقتصادية كبيرة لشعبكم فذلك يعطي مصداقية كبيرة لوعودكم،عكس زعمائنا الآخرين الذين كانوا يطلقون الوعود لصالح فلسطين، في الوقت الذي كانوا فيها عاجزين عن تحقيق أي تنمية لبلدانهم، لتبقى شعوبهم تعاني من الفقر والتخلف والظلم والاستبداد. إن من لم ينجز لشعبه شيئا مذكورا، لن ينجز لفلسطين شيئا مذكورا. أما أنتم فقد حققتم لبلدكم أشياء كثيرة لذلك فإنه يحق لنا أن نتوقع منكم أن تحققوا شيئا لصالح فلسطين.
2 ـ كونكم زعيما منتخبا يعطي لوعودكم مصداقية يفتقدها غيركم. كما أن تلك الميزة ستفقد العدو حجة كثيرا ما كان يتبجح بها، و يرددها على مسامع العالم " المتحضر"، وهي أنه بلد ديمقراطي فريد في المنطقة يصارع أنظمة دكتاتورية.
3 ـ شبكة العلاقات القوية التي تربط تركيا بالغرب، والتي تضاف إليهم قدرتكم الفائقة على استثمار تلك العلاقات، وتوجيهها بطريقة ذكية وفعالة، في مواجهة عدونا وعدوكم.
4 ـ شعوركم بالعبء التاريخي والأخلاقي والديني وحتى الإنساني الذي يفرض عليكم أن تلعبوا دورا في المنطقة، وذلك لمليء الفراغ الذي خلَّفه الموت السريري للرؤساء العرب، والذين لا تزال شعوبهم ـ لسبب أو لآخر ـ تؤخر "تشييعهم " ودفنهم، رغم أن فيهم من هو ميت منذ عقود من الزمن.
5 ـ مذهبكم السني الذي يميزكم عن إيران التي يعترض البعض على دورها الإقليمي، بحجة الوقوف أمام المد الشيعي.
هذه الأسباب من بين أخرى لا يتسع المقام لذكرها، هي التي جعلتنا نثق في وعودكم، وجعلتنا نحن بدورنا ( ونحن هنا تعني الملايين من المسلمين) نعدكم ـ كل بطريقته ـ بأننا لن ندير لكم ظهورنا حتى ولو أدار لكم العالم كله ظهره.
فالعالم ـ بالتأكيد ـ سيدير لكم ظهره، بل أنه سيحاربكم، لأن خصمكم في هذه المرة هو إسرائيل، الدولة المدللة ذات الأذرع الطويلة، والتي بدأت تشعر بأنها أصبحت تفقد شيئا كثيرا من دلالها، وتفقد كذلك شيئا كثيرا من قدرتها على البطش. ستحاربكم إسرائيل لأنكم أصبتموها في مقتل رغم أنكم لم تطلقوا رصاصة واحدة، وهذه واحدة من إبداعاتكم الكثيرة. ستحاربكم بشراسة وبعصبية وبكل أساليبها القذرة المعهودة. وسيحاربكم النظام الرسمي العربي ـ وهذه ربما تكون ضارة نافعة ـ لأنكم أهنتموه بكبريائكم . ولأنه اعتاد على أن لا يحارب إلا الأصدقاء والأشقاء.
سيحاربونكم جميعا ولكن شعوب العالم الإسلامي التي طال اشتياقها لميلاد زعيم مسلم ستكون في صفكم. وهي بالمناسبة أصبحت أكثر وعيا، وأكثر نضجا، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياتها.
وفي اعتقادي ـ وهذا الكلام موجه للشعوب لا لكم ـ أنه على الشعوب في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة، من الصراع الإسلامي الإسرائيلي( هكذا يجب تسميته) أن تقود حملة مناصرة لتركيا ولقادتها وهذه الحملة يجب أن تركز على بعض الأمور لعل من أهمها:
1 ـ الدعم الشعبي للاقتصاد التركي الذي لابد وأن يتأثر سلبا، إذا لم تقم الشعوب بدورها في هذا المجال. وذلك من خلال اختيار السلع التركية عن غيرها كلما كانت البدائل موجودة، والخيار ممكنا. كما أنه يجب تشجيع السياحة إلى تركيا، وفي تركيا ما يغري، خاصة في هذا العام الذي يجب أن تكون فيه قبلة لكل السواح المسلمين، وذلك لتعويض الخسارة، بل ولمضاعفة دخل هذا القطاع الذي قد يتعرض لخسارة كبيرة بسبب توتر العلاقات التركية والإسرائيلية، إذا لم يتم دعمه إسلاميا.
2 ـ يجب أن يتواصل ما أسميته في مقال سابق بانتفاضة القوافل، كما يجب عولمة تلك الانتفاضة، وذلك حتى لا تشعر تركيا بأنها تركت وحيدة في هذه الحرب التي تقودها باسم المسلمين وباسم كل الأحرار في العالم، والتي ستكون في الأساس حربا قانونية وإعلامية ودبلوماسية وسياسية.
3 ـ من المؤكد أن البعض سينبش التاريخ وسيضخم أحداث معينة، وذلك من أجل إقناع الشعوب بسوء نوايا تركيا، بل ومن أجل إظهارها وكأنها هي العدو الأول والأخطر للعرب والذي تجب محاربته قبل محاربة إسرائيل.
لذلك فإنه يجب على المثقفين والكتاب والإعلاميين وكل أصحاب الرأي أن يطلقوا حملة استباقية، تظهر النقاط المضيئة في التاريخ العثماني وما أكثرها.
وهنا قد يكون من الضروري أن أقدم للقارئ مثالين: أحدهما بطله تركي عادي، والآخر بطله خليفة عثماني، وذلك لأقدم صورتين ناصعتين من التاريخ العثماني.
الصورة الأولى : ذكر "أورخان محمد علي" في كتابه "روائع من التاريخ العثماني" قصة أغرب اسم جامع في العالم،وهو جامع صغير في منطقة "فاتح" في اسطنبول اسمه باللغة التركية : "صانكي يدم" أي: "كأنني أكلت" أو "افترض أنني أكلت". ووراء هذا الاسم الغريب، قصة غريبة طريفة ، وفيها عبرة كبيرة. يقول "أورخان" : كان يعيش في منطقة "فاتح" شخص ورع، اسمه "خير الدين كججي أفندي" ، وكان صاحبنا هذا عندما يمشي في السوق ، وتتوق نفسه لشراء فاكهة ، أو لحم ، أو حلوى ، يقول في نفسه : صانكي يدم.. كأنني أكلت.. ثم يضع ثمن تلك الفاكهة أو اللحم أو الحلوى في صندوق له، ومضت الأشهر والسنوات ، وهو يكف نفسه عن كل لذائذ الأكل ، ويكتفي بما يسد رمقه فقط . وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئا فشيئا ، حتى استطاع بهذا المبلغ الموفر القيام ببناء مسجد صغير في محلته ، ولما كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير، وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد ، أطلقوا على الجامع اسم : جامع صانكي يدم، أي كأنني أكلت، أو أفترض أني أكلت وهذا الجامع لازال موجودا حتى الآن.
الصورة الثانية: حدثت في العام 1571م وبطلها الخليفة العثماني "نور الدين الشهيد"، المعروف بالصاعقة، والذي بينما كان منشغلا بالجهاد في أوربا الشرقية، علم بحصار أسطول برتغالي أسباني لجدة. وقد كان هدف ذلك الأسطول البغيض الهجوم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ جسده الطاهر وتعريضه لما لا يليق بمقام سيد البشرية.
توجه نور الدين فورا إلى جدة، وتمكن من إغراق الأسطول، وعزل الوالي، ثم مشى 70 كلم على الأقدام حتى وصل إلى مكة، بعد أن ثقب أذنه، ووضع فيها حلقة، وحلق رأسه كما كان يفعل العبيد في تلك الفترة، ثم أخذ مكنسة لتنظيف المسجد الحرام. وأطلق عليه الناس لقب خادم الحرمين الشريفين وكانت تلك هي أول مرة في التاريخ يطلق فيها ذلك اللقب.
لذلك فلن يكون غريبا على أمة أنجبت في الماضي أولئك الرجال أن تقدم لنا اليوم قائدا وشعبا ينتصر لفلسطين وللمسجد الأقصى. ولن يكون غريبا على تلك الأمة التي أنجبت في الماضي قائدا كان صاعقة على أعداء المسلمين أن تنجب اليوم قائدا صاعقة على إسرائيل وقادرا على أن يحاربها بأسلحة العصر القانونية والدبلوماسية والإعلامية والسياسية حتى يكشف قبحها لكل أحرار العالم.
عشت قائدا لا يدير ظهره لفلسطين...
وعشنا أنصارا لك لا ندير ظهورنا لك أبدا..

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

بشائر الرحلة رقم 9


لقد ارتكب جيش الإجرام الصهيوني ـ كعادته ـ مجزرة بشعة جديدة، وإن كانت هذه المرة قد تم ارتكابها في المياه الدولية، في البحر المتوسط، ضد تاسع قافلة إغاثة إنسانية حاولت كسر الحصار الغاشم والظالم المفروض على أهلنا في غزة الصامدة.
ولقد سقط شهداء وجرحى، وسكبت " دماء متعددة الجنسية" في عرض البحر المتوسط في لحظة تاريخية فاصلة، بشرت بقرب زوال الكيان الغاصب، إنها لحظة تحمل بشائر عدة، رغم عظم المأساة، وتبعث آمالا كبيرة، رغم حجم الآلام التي سببتها.
إنها إذن بشائر عديدة قدمها أبطال قافلة الحرية، يمكن أن نذكر منها هنا تسعا، تيمنا برقم هذه الرحلة المباركة التي ستشكل لمرحلة جديدة من " انتفاضة القوافل":
1 ـ إن تلك الدماء المتعددة الجنسية التي قدمها أبطال متعددو الجنسية والديانات والثقافات والاهتمامات، ستشكل بداية للميلاد الفعلي لأول انتفاضة شعبية متعددة الجنسية ضد آخر نظام عنصري في العالم. إنها بداية لما يمكن تسميته بعولمة مقاومة إسرائيل حتى وإن كانت تلك العولمة عولمة شعبية وليست رسمية.
2 ـ لم تعد الشعوب تقبل بأن يقتصر دورها على مطالبات الحكومات بالتدخل لوقف الغطرسة الصهيونية التي تلطخ الضمير الإنساني العالمي، بل أصبحت على استعداد لفعل أي شيء متاح، بما في ذلك تقديم الدم الغالي والزكي إذا ما تعذر إيصال الغذاء والدواء للأطفال والنساء والشيوخ المحاصرين لما يقترب من أربع سنوات.
3 ـ إن هذه القوافل والتحركات الشعبية أفقدت إسرائيل القدرة على السيطرة و"ضبط النفس" ولم تعد قادرة على التعامل مع الضغوطات المتزايدة التي تفرضها تلك التحركات الشعبية. فلم يكن إقدام إسرائيل على تلك المجزرة البشعة في صالحها، بل إنه سيجلب لها أضرارا كبيرة دون أن يحقق لها أي مكسب مهما كان حجمه. وهذا ما تحدث عنه العديد من الكتاب في صحف العدو.
4 ـ لقد أصبح أكبر عدو لإسرائيل هو إسرائيل نفسها. وتلك هي بداية الهزيمة النفسية التي ستتسبب في المزيد من ارتكاب الأخطاء الفادحة والتي مردها ـ بالأساس ـ إلى أن هذا الكيان قد أصبح يشعر بأنه لم يعد قادرا على ردع الخصوم، كما كان يحدث سابقا، وذلك بسبب تنامي المقاومة الشعبية التي أصبحت قادرة على توجيه ضربات موجعة كما حدث مع حزب الله الذي هدد أمينه العام بحصار بحري، إذا ما حاصرت إسرائيل السواحل اللبنانية في أي حرب قادمة. هذا التراجع الكبير في القدرة على الردع ، وفي القدرة على اتخاذ زمام المبادرة، يصاحبه فشل إسرائيلي متنامي ولافت في العجز عن تغطية القبح الإسرائيلي عن العالم.
إن هذه المقاومات الشعبية هي التي تضعف إسرائيل عسكريا، في حين أن القوافل وطريقة التعامل معها هي التي تكشف الغشاء عن أعين من لا يزال يصدق بأن لإسرائيل وجه يمكن النظر إليه، أو أنها هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط!!!
لقد أصبحت إسرائيل ـ بفعل هذه التحركات المتصاعدة ـ " تناضل " بشكل مستميت من أجل كشف وجهها البشع والقبيح لكل العالم.
5 ـ لقد كان من المؤلم جدا أن الشعوب العربية والإسلامية لم تكن في السنوات الماضية، قادرة على رفع صورة أي رئيس عربي أو مسلم كلما كانت هناك تحركات تضامنية مع الشعب الفلسطيني، الشيء الذي جعلها تبحث بعيدا في أمريكا الجنوبية عن زعيم.
لذلك فقد كان من ثمار قافلة الحرية أنها جعلت المواطن في الدول العربية والإسلامية يبدل صور "تشافيز" بصور "أردوغان" الذي أثبت من خلال ردة فعله بعد مجزرة قافلة الحرية، و من خلال انسحابه عن منتدى دافوس، و من خلال ردة فعله القوية ضد إهانة السفير التركي، بأنه يستحق فعلا أن ترفع صوره في كل تحرك لصالح فلسطين التي وعد بأنه لن يدير لها ظهره حتى ولو أدار العالم كله لها ظهره.
6 ـ لقد أثبتت قافلة الحرية وما سبقها من أحداث أن الأحمق هو الذي ينتظر شيئا ما ـ أي شيء ـ من " الزعماء" العرب. فغالبية الزعماء العرب لا يمكن إحراجهم مهما كان حجم المجازر، ومهما كانت وحشيتها، ومهما كان حجم تعاطف الأجانب. هؤلاء القادة مشغولون بمبادرات السلام، وبالمفاوضات المباشرة، وغير المباشرة، وبالحوار، وبدفع عجلة السلام،وإصلاح عجلة السلام، بل وتصنيع عجلة جديدة للسلام و دفعها إلى الأمام أو إلى الوراء .. إلى اليمين أو إلى الشمال.. لا يهم.
7 ـ لقد استطاعت قافلة الحرية أن تلفت أنظار العالم إلى الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة. واستطاعت أن تسحب الأضواء ـ ولو مؤقتا ـ عن قضية السلاح النووي الإيراني الذي تحاول إسرائيل وأمريكا أن تشغل به العالم عن جرائم العدو الصهيوني.
8 ـ لقد أثبتت مجزرة قافلة الحرية أن العالم "المتحضر" لم تعد له نفس القدرة على تحمل الفاتورة الكبيرة التي تكلفها إسرائيل، بتصرفاتها المجنونة والطائشة والمستهترة. فردود الأفعال الدولية على اغتيال "المبحوح"، أو على مجزرة قافلة الحرية، رغم أنها كانت خجولة جدا، إلا أنها مع ذلك وفي المحصلة كانت لافتة. فلم تعد أمريكا التي تعاني من فشل عسكري في العراق وأفغانستان، تصاحبه وضعية اقتصادية غير مريحة، وترافقه سمعة سيئة، لم يعد بإمكانها أن تجبر العالم على السكوت على جرائم فظيعة، لا يمكن السكوت عليها.
9 ـ إن هذا الإنجاز الكبير، الذي حققته قافلة الحرية، سيبعث ثقة كبيرة لدى كل الأحرار في العالم وسيشجعهم على تنظيم المزيد من الأنشطة التي لابد وأن تترك بصمة إيجابية على النضال ضد الكيان الغاصب.
تصبحون على انتفاضة إنسانية ضد العدو الصهيوني...

الأربعاء، 19 مايو 2010

حمالون بلا حياء!


يعتقد الحمالون ـ وهم مخطئون في ذلك ـ بأن رئيس الفقراء، وحكومة الفقراء، وأغلبية الفقراء، ونخب الفقراء، ورجال أعمال الفقراء، وفقراء الفقراء، وفقراءَ فقراءِ الفقراء، سيسمحون لهم بأن يزيدوا الأسعار بنصف أوقية للكيلوغرام. وذلك الاعتقاد الخاطئ هو الذي جعل الحمالين يطالبون بزيادة 500 أوقية، أو أكثر، على حمولة كل طن، مما كان سيتسبب لا محالة في زيادة تلقائية بنصف أوقية لكل كيلوغرام يباع على أرض الفقراء، وتحت سماء الفقراء، وفي عصر الفقراء الذهبي. الشيء الذي يتناقض ـ بشكل صارخ واستفزازي ـ مع البرنامج الانتخابي لرئيس الفقراء الذي وعد فيه بخفض الأسعار، فكيف يقبل بزيادتها حتى ولو كانت زيادة بنصف أوقية لا غير. فيا أيها الحمالون إن اعتقدتم بأن تلك الزيادة ستقبل، فأنتم واهمون.. واهمون .. واهمون. فكيف تعتقدون ـ ولو للحظة ـ بأن رئيس الفقراء، وحكومة الفقراء، وتجار الفقراء، وفقراء الفقراء سيسمحون لكم بأن تزيدوا سعر كيلو الأرز بنصف أوقية. وهو الذي لا تستغني عنه أسركم وعائلاتكم التي تأكله أبيض ناصعا في أكثر الأحيان. أيها الحمالون اعلموا أن رئيس الفقراء، أكثر شفقة على أسركم منكم، واعلموا أنكم إذا حاولتم أن تزيدوا أسعار المواد الأساسية على زوجاتكم وأبنائكم وعماتكم وأعمامكم وخالاتكم وأخوالكم وبني خالكم وبنات خالاتكم و جيرانكم، فإن رئيس الفقراء لن يقبل بذلك. لن يقبل به، ولن تقبل به كذلك حكومة الفقراء، ولا رجال أعمال الفقراء، ولا فقراء الفقراء، ولا حتى فقراءَ فقراءِ الفقراء. أيها الحمالون الفقراء عليكم أن تعلموا ـ كذلك ـ بأن أغلبية رئيس الفقراء أكثر شفقة عليكم من أنفسكم. ألم تسمعوا بنائب من "المشفقين الجدد" قال في العاصمة الاقتصادية بأن احتجاجاتكم هي احتجاجات سياسية، وهي ستضركم قبل غيركم، لأنها ستزيد عليكم الأسعار وأنتم فقراء لا تتحملون زيادتها. أيها الحمالون إنكم لا تستطيعون أن تشككوا في شفقة ذلك النائب على الفقراء. فهو وحتى وإن كان قد قبل بزيادة الضرائب على الأرز الذي يأكلونه، إلا أنه كفَّر عن ذلك الذنب العظيم برفض زيادتها على السجائر التي قد يدخنها بعضهم !!! رغم أن ذلك الاعتراض يتناقض مع مكانته البرلمانية فهو رئيس فريق مكافحة التدخين في البرلمان. فطوبى لمقاطعة تيشيت بهذا النائب المشفق، وطوبى لفقراء موريتانيا به، وشكرا لأهل تيشيت الذين انتخبوه لنا فقد كنا في أمس الحاجة إليه. فتصوروا أن برلماننا لم يكن فيه مثل هذا النائب العظيم الذي انحاز للفقراء. والذي كان له الشرف، بأنه هو أول شخصية من الأغلبية، أعلنت وبشكل صريح رفضها للمحاولات الدنيئة التي يقوم بها الحمالون من أجل رفع الأسعار.( إن شعبا ينتخب مثل هذا النائب لابد أن يكون له مستقبل "ناصع" مع الفقر والتخلف). أيها الحمالون عليكم أن تعودوا لرشدكم، وتتوقفوا عن هذه المطالب التي تتناقض مع فلسفة موريتانيا الجديدة، ومع جغرافيتها، وتاريخها، وأعرافها، وتقاليدها، وعاداتها، وتراثها.(تراث موريتانيا الجديدة يبدأ مما قبل 3 أغسطس من عام 2005 رغم أنها لم تولد إلا بعد 6 من أغسطس 2008). إن تظاهركم قد يوحي لأعداء موريتانيا الجديدة، وللمشككين فيها، بأن هناك بعض الفقراء لا زالت لديه مطالب لم يتم تحقيقها، في الأشهر التسعة التي تحققت فيها "المعجزات" وتحقق فيها ما لم يتحقق في سنوات، والكلام على ذمة وزير الصحة. وتظاهركم قد يتناقض مع جنان الفقراء التي يتحدث عنها فقراء الأغلبية، وفقراء البرلمان، وفقراء الحكومة، وفقراء المفسدين، وفقراء الإعلام الرسمي. إن حكومة الفقراء تعمل جاهدة لإسعاد كل الفقراء، بما في ذلك فقراء دول إفريقيا الغربية. وهذا ما يفسر تركها للأجانب ينافسون فقراء البلد في حمل الأثقال، لأنهم هم أيضا يستحقون الرأفة والشفقة من رئيس الفقراء، ومن حكومة الفقراء، ومن رجال أعمال الفقراء. فكيف بالله تصدقون أن حكومة تهتم بفقراء الدول المجاورة ستقصر في حق فقرائها الذين هم من لحمها وعظمها؟؟؟ ( لا أستطيع أن أقول من دمها، فهناك تصرفات كثيرة توحي بأن حكومتنا لا دم فيها، ولا حياء لها، وأقرؤوا إن شئتم مقال وزير الصحة الذي لم يعد لديه شيء يفعله في وزارته، فتفرغ لكتابة المقالات !!! ). واعلموا أيها الحمالون بأن هناك الكثير من الفقراء يحسدكم على ما أنتم فيه من نِعَم، فأنتم لا تعانون من الأرق، فمن كثرة تعبكم تنامون بمجرد وصولكم إلى "أكواخ الدجاج" التي تسكنون. ( التسمية لرئيس الفقراء بمناسبة أول زيارة للحي الساكن).أما غيركم من الفقراء فإنه لا يستطيع النوم فهو " لا يحظى" بتعبكم، وإن كان يشارككم في فقركم. إن احتجاج الفقراء "النائمين" قبل احتجاج الفقراء "اليقظين" يشكل ظاهرة لافتة يجب التوقف عندها. لن أضيف شيئا على هذه الجملة، وسأترك لكل قارئ الحرية في فهمها وتأويلها كيف ما شاء. أيها الحمالون إنكم مخطئون.. مخطئون .. مخطئون.فكيف قررتم أن تتظاهروا وأنتم تعلمون بأنكم لا تستطيعون مواصلة إضرابكم، فأنتم لستم كغيركم، لأنكم عندما تتوقفون عن العمل في يوم، فلن تجدوا ما تأكلونه في ذلك اليوم. وعندما تتوقفون ليومين فلن تأكلوا ليومين.. وهكذا. وكيف قررتم أن تتظاهروا وأنتم تعلمون بأنه لن يتعاطف معكم أي فقير من الأغلبية ولا من المعارضة، رغم أن الجميع يحب الفقراء ويشفق عليهم. فأنتم قد لا تصدقون حاليا بأن الأغلبية تهتم بكم. ولكن أريدكم فقط أن تنتظروا أول انتخابات قادمة لتعرفوا كم هم يحبونكم، فقد يأتيكم ساعتها فارس من رحم الأغلبية،لا تعرفونه ولا يعرفكم، يلبس ثوبا أكثر بياضا من أرزكم الذي تأكلون، وليست عليه آثار السهر ومع ذلك فقد يقول لكم بأنه لم يذق للنوم طعما منذ سنوات، لكثرة انشغاله بالتفكير بهمومكم. وقد لا تصدقون أيضا بأن المعارضة تهتم بكم، تلك المعارضة التي نظمت المسيرات عندما سُجِن بعض رجال أعمالها، ولم تتحرك عندما تم سجن عشرات الحمالين. اعذروا المعارضة أيها الحمالون، فهي تحتاج لمال الأغنياء أكثر من احتياجها لعرق الفقراء. وقد لا تصدقون بأن كتابنا ومثقفينا وصحافتنا ومجتمعنا المدني يهتمون بكم. ولكنهم في حقيقتهم يهتمون بكم، حتى وإن كان هذا الاهتمام أقل من اهتمامهم بتحركات الطلاب أو الأساتذة أو الأطباء. فهم قد يتحركون بحماس عندما يسجن صحفي، أو طالب، أو أستاذ. ولكنهم لا يتحركون عندما يعتقل عشرات الحمالين البسطاء الفقراء. وهم قد تشغلهم قضايا أرشيفية، وصراعات ثانوية عن همومكم. ولكن كل ذلك ليس دليلا على أنهم لا يهتمون بكم. إنهم يهتمون بكم، حتى وإن كان يصعب تقديم دليل على ذلك الاهتمام. أيها الحمالون لو كنتم على حق لما ضاعت حقوقكم على أرض الفقراء، وتحت سماء الفقراء، وعلى مرأى ومسمع من رئيس الفقراء. ولو كنتم على حق لما خذلتكم حكومة الفقراء، ولا معارضة الفقراء، ولا مثقفو الفقراء، ولا صحافة الفقراء، ولا المجتمع المدني للفقراء، ولا فقراء الفقراء. فيا أيها الحمالون إنكم لمخطئون، قليلو الحياء.ولو كنتم على حق لوجدتم أنصارا كثرا: فخطباؤنا بخير.. وحكومتنا بخير.. ومعارضتنا بخير.. ومثقفونا بخير.. وصحافتنا بخير.. وفقراؤنا المفسدون ـ كل فقرائنا المفسدين ـ بخير.. أما أنتم فلا تريدون أن تكونوا على خير، فلم لا تريدون أن تكونوا على خير؟؟ تصبحون على خير..

الأحد، 16 مايو 2010

من " حَمَّالٍ"... إلى رئيس الجمهورية


سيدي الرئيس، لقد وجدتني مضطرا لأن أكتب لكم في أقل من أسبوع رسالة مفتوحة أخرى وذلك لأسمعكم شيئا قليلا من أنين حَمَّالٍ يستيقظ باكرا في كل يوم .. ويقطع المسافات الطويلة في كل يوم .. ويحمل الأثقال في كل يوم، بثمن بخس، لكي يخفف ـ ولو قليلا ـ من أعباء الحياة، ومن همومها الثقيلة.. إنه في كل يوم يحمل الأثقال على كاهله من أجل أن يخفف من أثقال الحياة...وإنه ـ يا سيادة الرئيس ـ لا يستطيع أن يتوقف عن حمل تلك الأثقال، فبحمل تلك الأثقال وبحملها فقط ، يُطعم صغاره أبخس طعام يبقيهم على قيد الحياة ، ويكسوهم أخشن الثياب، ويسقيهم أسوأ ماء، ويعالجهم بأردأ دواء...وحلم هذا الحمَّال هو أن يجد في كل يوم بضائع وسلعا يحملها.. وعندما لا يحالفه الحظ في يوم من الأيام، ولا يجد ما يحمله، فإنه يعيش يومه ذلك كئيبا، مهموما، محبطا، حزينا وبائسا.لذلك فهو عندما يقرر بمحض إرادته أن يتوقف عن حمل الأثقال، دون أن يكون المرض هو سبب ذلك التوقف، فذلك يعني أن في الأمر شيئا ما يستحق التأمل.وبطبيعة الحال فسيكون دائما هناك من يقدم التفسيرات المبسطة، والتهم الجاهزة، لأنه لا يريدكم أن تهتموا بهموم الفقراء الذين انتخبوكم، والذين لهم عليكم حقان : حق التصويت لكم، وحق الاحتياج، فهم الأحوج للاهتمام لأنهم ظُلموا كثيرا، وعانوا كثيرا، وتجاهلهم الرؤساء كثيرا، عهدا بعد عهد، وتغييرا بعد تغيير.وقد يقول لكم بعض مستشاريكم، ومقربيكم، بأن الأمر لا يتعدى كونه مجرد محاولة مشبوهة، من جهات سياسية معارضة، لخلق قلاقل وأزمات في البلد.وسيقولون لكم بأن الحل الأمني هو الوسيلة المناسبة للتعامل مع مثل هذا النوع من الأزمات المفتعلة.والحقيقة أن تلك هي أسوأ طريقة للتعامل مع مثل هذا النوع من القضايا، فهي تمثل أساليب قديمة، جُربت من قبل، واستخدام نفس الأساليب يؤدي ـ دائما ـ إلى نفس النتائج.وربما تكون هناك جهة سياسية ما هي التي حركت الحمالين، أو على الأقل تحاول أن تكسب من تحركاتهم ... ذلك شيء لا أستطيع أن أثبته أو أنفيه .. وربما تكون تحركات الحمالين هي مجرد تحركات عفوية، فرضها الواقع البائس الذي يعيشونه .. ذلك أيضا شيء لا أستطيع أن أثبته أو أنفيه.. بل أكثر من ذلك، أقول لكم، بأن كل ذلك لا يستحق أن نفكر فيها إطلاقا. فالأسئلة التي يجب علينا أن نطرحها في هذا المقام، وأن نبحث لها عن أجوبة وحلول عادلة ومنصفة للجميع، يجب أن تكون أسئلة من نوع آخر:فهل الحمالون يستحقون ـ سواء تظاهروا أم لم يتظاهروا ـ أن تسمعهم الحكومة، وأن تفكر معهم من أجل البحث عن حلول عادلة لمشاكلهم المطروحة منذ مدة طويلة ؟وهل يحق للحمالين أو لأي شريحة أو فئة أو مجموعة أخرى، إذا ما ظلت أبواب الحكومة موصدة في وجهها، أن تلجأ لجهات سياسية وطنية من أجل إسماع أنينها، حتى ولو كانت تعلم بأن تلك الجهات السياسية قد تستغل ذلك الأنين وتتاجر به في مصالح حزبية ضيقة ؟سيدي الرئيس، بعد السادس من أغسطس أعلن حملة الشهادات العاطلين عن العمل تأييدهم لحركة التصحيح، رغم أن بعضهم كان لا يرغب في اتخاذ مواقف سياسية، قد تؤثر سلبا على وحدتهم وتماسكهم. ولقد كانت حجة المساندين هي أنهم بحاجة ماسة إلى شيء من العدالة كنتم قد وعدتم بتوزيعه على كل الشعب الموريتاني.وبعد مرور مدة من الزمن، ومع افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، ظهر حملة الشهادات أمام البرلمان وهم يطلبون من رئيس البرلمان بأن يجعل من هذه الدورة دورة لمحاربة البطالة، كما طلبوا منه أن يسائل وزير التشغيل.فما الذي حدث وجعل حملة الشهادات يسعون بأنفسهم إلى جهات معارضة، قد تستغل معاناتهم وتستخدمها لأغراض سياسية، في وقت يعرف فيه البلد تجاذبات سياسية حادة؟هذا سؤال يجيب على كل الأسئلة التي طُرِحت من قبله.فلا يمكن القول بأن حملة الشهادات لا يدركون ما يقومون به، فهم متعلمون، وأصحاب شهادات عالية، ويعرفون جيدا بأن معاناتهم قد يتم استغلالها في الصراعات الدائرة حاليا بين المعارضة والموالاة.. إنهم يدركون ذلك.. ولكن المشكلة هي أن الحكومة أغلقت أبوابها أمام هؤلاء العاطلين عن العمل، وأجبرتهم بالتالي على أن يتظاهروا أمام البرلمان، وأن يناشدوا رئيسه لكي يهتم بمعاناتهم، حتى ولو أدى ذلك إلى تسييسها.سيدي الرئيس، لقد خصصت الرسالة السادسة من هذه الرسائل المفتوحة لحملة الشهادات العاطلين عن العمل. وقدمت لكم فيها مقترحات عملية لا تكلف الدولة شيئا مذكورا، وهي مقترحات لو تم الاستماع إليها لما اضطر العاطلون عن العمل للوقوف أمام البرلمان بحثا عن نصير.ولقد لاحظت كغيري ـ يا سيادة الرئيس ـ بأن الحكومة كثيرا ما تترك بعض القضايا التي كان يمكن أن يتم علاجها بفاتورة زهيدة، تتركها ـ بقصد أو عن غير قصد ـ تتفاقم، و تتأزم، وتزداد تعقيدا حتى تكون صالحة للتسييس.حدث هذا مع الحمالين، وقد يحدث مع حملة الشهادات العاطلين عن العمل.إن التغيير البناء ـ في اعتقادي ـ يتطلب تغييرا في طريقة التفكير، وتغييرا في أساليب الحكم، وفي أنماطه. فإذا كان الرؤساء من قبلكم، قد كانوا يضيعون أوقاتهم في طرح السؤال الخاطئ كلما كانت هناك احتجاجات ومطالب نقابية. وهو سؤال يربط تلك التحركات بجهات سياسية مشبوهة،. فإنه من الأجدر بكم أن تنظروا إلى الوجه الآخر للحقيقة، لكي تطرحوا السؤال المناسب : لماذا أغلقت الحكومة الأبواب في وجه الحمالين والعاطلين عن العمل، حتى اضطروا لأن يطرقوا أبواب المعارضة، والتي قد تستغل معاناتهم في صراعها الدائر حاليا؟؟؟في بعض الأحيان قد يكون أهم شيء نقوم به، هو طرح السؤال المناسب، في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة.سيدي الرئيس، لقد كان بإمكانكم ـ تفاديا لاحتجاجات الحمالين ـ أن توجهوا دعوة للعشرات من هؤلاء الحمالين لحضور حفل عشاء في القصر، بمناسبة فاتح مايو، وتستمعوا لمعاناتهم وأنينهم دون وسيط. فهم أولى من غيرهم للتحدث عن معاناتهم، ولقد كان بالإمكان أن تجدوا حلا لبعض مطالبهم العادلة، وأن تعتذروا لهم عن البعض الآخر من المطالب المستحيلة، أو التي قد يصعب تحقيقها في الوقت الحالي. قد يقول البعض بأن هذه الدعوة غريبة، وغير مألوفة، وأنها قد لا تكون مناسبة لرئيس جمهورية. وقد يعترض البعض على مثل هذه الفكرة، وخاصة أولئك الذين يفكرون بشكل تقليدي، ويتعاملون مع الأزمات المزمنة، بنفس الأساليب التي أنتجتها.والحقيقة أن هناك أفكارا عديدة من هذا القبيل، قد تم استخدامها من طرف زعماء وقادة يهتمون بالفقراء، لذلك فقد كان من المنطقي أن ينظم رئيس الفقراء، مأدبة عشاء لصالح بعض الفقراء، الذين قد يموت أغلبهم، دون أن يملأ بطنه ولو لمرة واحدة من طعام لذيذ كالذي يأكله الرؤساء عادة.إن هؤلاء أولى بعشاء فاخر في القصر الرئاسي، ولو لمرة واحدة في العمر، من أولئك الذين تتكرر دعوتهم ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ رغم أنهم هم من رشف المحيط بكل حيتانه، وابتلع النفط بكل مشتقاته، وأكل الحديد بكل شوائبه، ونهب الزراعة بكل محاصيلها. ولو أنكم استقبلتموهم في القصر ولو لمرة واحدة لحققتم بذلك مكاسب كبيرة من بينها:1ـ أن تواجد بعض البسطاء في القصر الرئاسي، كان سيمنحكم لقطة دعائية في غاية الأهمية، أنتم اليوم في أمس الحاجة إليها، وذلك بعد أن انتهى العمر الاستهلاكي للقطات دعائية سابقة، تم استهلاكها بشكل كامل أثناء الحملة الانتخابية الماضية.2 ـ أن حفل العشاء لوحده، كان سيكفي لأن يجعل هؤلاء البسطاء الطيبين يتراجعون عن التظاهر، حتى لا يتم استغلال تحركاتهم ضد الرئيس الذي فتح لهم أبواب قصره..3ـ إن هؤلاء البسطاء الذين لا يطلبون إلا قليلا هم الذين يمكن أن يعول عليهم في ساعة العسرة. أما أولئك الذين يتقربون إليكم اليوم، كما تقربوا إلى من سبقكم، فإن كلفتهم باهظة جدا، وهم دائما يتوارون عن الأنظار في ساعة العسرة.وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الثانية عشر إن شاء الله...

السبت، 8 مايو 2010

خاص برئيس الجمهورية... أعيدوا لي "صوتي"!!!


سيدي الرئيس، سأحدثكم في هذه الرسالة عن سيدة فقيرة، قصتها مثيرة، تسكن في مقاطعة عرفات غير بعيد من ساحة التغيير البناء.
هذه السيدة الفقيرة بذلت جهدا كبيرا من أجل نجاحكم، وأنفقت من قوت عيالها على حملتكم الانتخابية. ورغم أنها لم تجد تعويضا من إدارة حملتكم على نفقات خيمتها التي ضربت، ورغم سخرية بعض جاراتها الداعمات لمنافسيكم من عدم التعويض لها، إلا أن ذلك كله لم يقلل من عزيمتها ولم يؤثر مثقال ذرة على ولائها لكم.
لقد كانت تلك السيدة تقول بأنه على الفقراء أن ينفقوا من جهدهم ووقتهم ومالهم من أجل نجاحكم الذي سيشكل قطعا نصرا للفقراء، وهزيمة نكراء لرموز الفساد الذين أهلكوا البلاد والعباد، خلال العقود الماضية. بل إنها فوق ذلك جعلت من المنافسة بينكم وبين المرشحين الآخرين منافسة بين الخير المطلق، والشر المطلق. و جعلتها وكأنها حربا بين المسلمين والكفار. ولقد كانت تدعو لكم في جوف الليل ـ كغالبية الفقراء والبسطاء ـ وتسأل الله أن ينصركم على خصومكم من المفسدين.
واليوم، وبعد مرور تسعة أشهر على تنصيبكم، لم يعد لتلك السيدة إلا أمنية واحدة، وهي أن تقابلكم لتطلب منكم أن تعيدوا لها " صوتها " الذي منحته لكم أثناء الانتخابات الرئاسية الماضية.
لم تعد تلك السيدة تؤمن بالتغيير البناء، ولم تعد تبشر جاراتها بموريتانيا الجديدة، ولم تعد تحلم بأن يتحسن مستوى معيشتها. لقد تبخرت كل تلك الأحلام ولم يعد لتلك السيدة إلا حلم واحد وهو أن تتمكن من أن تستعيد "صوتها" لا أكثر ولا أقل.
فما الذي حدث في الأشهر التسعة الماضية وجعل تلك السيدة تشعر بإحباط مخيف بعد حماس مفرط؟ ذلك سؤال يستحق أن نبحث له عن إجابة محايدة.. إجابة لا تزيد من حجم الهموم لدوافع سياسية كما يفعل بعض معارضيكم . ولا تنقص في المقابل من تلك الهموم كما يفعل بعض مناصريكم لمصالح شخصية أو سياسية.
سيدي الرئيس، يمكن القول بأن الفقراء الذين يعود لهم الفضل المباشر في نجاحكم قد انقسموا ـ خلال الأشهر التسعة ـ إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: وهي طائفة لا زالت تحلم بموريتانيا الجديدة ولازالت تعتقد بأن التغيير البناء قادم لا محالة. وهي تستشهد بجملة من الانجازات التي تحققت خاصة في مجال شق الطرق، وتوزيع القطع الأرضية ، وتعميم العلاوات والشفافية في توزيعها. وهذه الطائفة لا زالت تبذل جهودا جبارة لصالحكم، وأقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة جبارة لا دلالتها في الإعلام الرسمي، رغم أنها لا تجد من يعينها على ذلك فالخطاب الحكومي والخطاب الحزبي قد فشِلا فشَلاً غير مسبوق في "تسويق" ما تم انجازه.( وهذا ما سيتم الحديث عنه إن شاء الله وبشكل مفصل في البطاقة الحمراء الثانية).
الطائفة الثانية: وهي طائفة حائرة لم تستطع بعد تسعة أشهر أن تحسم خيارها النهائي، وهي تميل إلى الصمت حتى تنكشف الأمور، فهي لم تعد تملك من الحماس ما يكفي للدفاع عن التغيير البناء. كما أنها لم تفقد الأمل نهائيا في حصول التغيير المنشود.
الطائفة الثالثة: وهي التي تحولت مئة وثمانين درجة رغم أنها كانت هي الطائفة الأكثر تحمسا للتغيير البناء أثناء الحملة الانتخابية الماضية، وأصبحت اليوم هي الأكثر قنوطا من حصول ذلك التغيير، كما هو الحال بالنسبة للسيدة التي لم تعد تطالب إلا باستعادة "صوتها".
ومع أنه لا يمكن تحديد نسبة كل طائفة، إلا أنه رغم ذلك يمكن تقديم بعض الملاحظات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، حتى لا تزداد نسب الطائفتين الثانية والثالثة، ومن هذه الملاحظات يمكن أن أذكر:
1ـ إن الفقراء والبسطاء هم الذين حسموا الانتخابات الماضية حيث صوتت غالبيتهم لصالحكم بينما انقسمت الشرائح والفئات الأخرى، بشكل متساوي تقريبا بينكم وبين منافسيكم . فلم يكن حظكم من الوجهاء أكثر من حظ غيركم. ولم يكن نصيبكم من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية بأكثر من نصيب خصومكم. ولم يكن من دعمكم من المفسدين أكثر ممن دعم خصومكم. لذلك فالفقراء يعتقدون بأنهم هم من حسم الانتخابات، وبأنهم هم من يستحق أن تهتموا به، فالعدالة تقتضي ذلك، والوفاء السياسي والأخلاقي يقتضيان أيضا ذلك.
2 ـ إن أحاديثكم عن أوجاع الفقراء، وقدرتكم الفائقة على تشخيص المرض، وتحديد مكان الداء جلبت لكم الكثير من الأنصار قبل وأثناء الحملة الانتخابية. وتلك حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن كذلك إنكارها، وهي أن تلك الأحاديث لم تعد الآن تكفي للمحافظة على تلك الشعبية بعد أن أصبحتم رئيسا منتخبا للبلاد، وبعد أن أصبح المطلوب منكم هو التخفيف ميدانيا من تلك الآلام، لا الاكتفاء بالدقة في تشخيصها.
لقد تحدثتم بشكل صريح في مجلس الوزراء عن القمامة، وأعطيتم أوامر صارمة بضرورة تنظيف العاصمة. ورغم ذلك لا زالت العاصمة مدينة مليئة بالأوساخ والقمامة. ولقد زرتم المستشفيات والمراكز الصحية، وتحدثتم كثيرا عن مشاكل الصحة، ولكن تلك الأحاديث والزيارات لم تنعكس ـ حتى اليوم ـ على الخدمات الصحية التي تقدمها تلك المؤسسات.
ولقد زرتم شركة الماء، وشركة الكهرباء أكثر من مرة، وتحدثتم بشكل صريح عن سوء التسيير، ولكن المشكلة أن التسيير لم يتحسن، وأن خدمات الماء والكهرباء لم تتحسن حتى يومنا هذا، وإن كان سقف الوعود قد زاد من جديد بعد زيارتكم للدار البيضاء، وبعد زيارتكم الأخيرة لشركة المياه.
ولقد زرتم التلفزيون وتحدثتم بشكل صريح عن بعد هذه المؤسسة عن هموم المواطن العادي، ورغم ذلك فالتلفزيون لم يقترب من هموم المواطن بعد تلك الزيارة. ولو أنه اقترب من تلك الهموم لأسمعكم أنين الكثير من الفقراء، بما فيهم السيدة التي تطالب بأن يعاد لها صوتها.
ولقد تحدثتم قبل ذلك كله عن الأزمة الأخلاقية التي لم يعد يذكرها ذاكر، والتي يعمل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية من أجل تعميقها من خلال إشعال النعرات القبلية، والجهوية. ومن خلال التزوير والرشوة التي تم استخدامها بشكل واسع أثناء عمليات التنصيب الجارية في أيامنا هذه. ولو أن الحزب أعلن بصريح العبارة، قبل عملية الانتساب بأنه سيجمد عضوية كل من يثبت أنه مارس الرشوة، أو التزوير، أو الإغراء بممتلكات الدولة، أو تسبب في صراعات عرقية أو جهوية أو فئوية لكان بالإمكان أن يدعي بعد ذلك بأنه اتحادا من أجل الجمهورية، لا اتحادا من أجل إعادة موريتانيا إلى الوراء، وإلى أساليب الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي.
3 ـ لقد فقدت الحرب على الفساد ورموزه الكثير من المصداقية. ولم تعد قادرة على المحافظة على الأنصار بعد أن تم تعيين الكثير من المفسدين في فترة قياسية. وما تم تعيينه من المفسدين منذ تنصيبكم يفوق من حيث الكم والكيف ما تم تعيينه في عهد الرئيس السابق. كما أن أغلب التعيينات الأخرى التي تمت لم تلتزم بمعيار الكفاءة والوطنية والاستقامة وهو ما جعلها في غير مصلحة الفقراء. ويمكن هنا العودة إلى الكتاب الأبيض الذي كتبه أحد المستشارين في وزارة الخارجية عن التعيينات قبل الأخيرة. كما يمكن تقديم العديد من الأدلة الأخرى والتي من بينها قصة المهندس الذي تمت إقالته من إدارة الرقابة البيئية لأنه أراد أن يؤدي عمله على أحسن وجه وأن يحمي بيئة بلده من جشع الشركات الأجنبية.
4 ـ لقد قلتم يا سيادة الرئيس و أكثر من مرة، بأن موارد الدولة كافية لتوفير كل الحاجات الأساسية، ورغم ذلك فقد اتسعت الفجوة كثيرا بين الوعود وبين المنجزات أي بين أحلام الفقراء وواقعهم المعيشي. فقد وصلت الأحلام إلى مستويات عالية بفعل وعودكم السخية، في حين أن الظروف المعيشية لم تتحسن بشكل ملموس وهو ما كان له الأثر البالغ في رفع مستوى الإحباط لدى الكثيرين من أنصار التغيير البناء. وحتى لا يزداد مستوى الإحباط فقد أصبح من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة وعاجلة وصارمة لكي يحصل الفقراء على حقوقهم وهي بالمناسبة لن تضيع أبدا.
فلن تضيع حبة قمح ولا حبة أرز لأي مواطن. ولن يضيع قرص دواء، ولا جرعة ماء، ولا ساعة عدل. لن يضيع أي حق، لأي مواطن. فإما أن يحصل عليه الآن كاملا غير منقوص، وإما أن يحصل عليه بعد حين، وعلى صعيد آخر، حيث لا حرس، ولا ألقاب، ولا أغلبية تطبل.
وسيكون التسديد وقتها بالحسنات، وكم سيكون صعبا ومؤلما وفظيعا تسديد شربة ماء، لمواطن واحد في ذلك اليوم الذي ستدنو فيه الشمس من الرؤوس، وسيتصبب فيه العرق، حتى يلجم خلقا كثيرا.
سيكون من الصعب تسديد شربة ماء لمواطن واحد، فكيف إذا تعلق الأمر بما يزيد على مليون ونصف من الفقراء، الذين يعيشون تحت خط الفقر، حسب الإحصاءات الرسمية ؟؟؟ والذين سيطالب كل واحد منهم بكثير من وجبات الطعام و من جرعات الماء و من أقراص الدواء التي كان بالإمكان أن توفر له خلال فترة حكمكم للبلاد إلا أنها لم توفر له.
وفقكم الله لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الحادية عشر إن شاء الله...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 1 مايو 2010

بطاقة حمراء رقم (1)




تشهد المباريات الدائرة بين فريقي الأغلبية والمعارضة كثيرا من الخشونة في اللعب. وهي خشونة تكاد أن توقف المباراة التي كان من المفترض أن تمتد لخمس سنوات كاملة. ومن المؤسف حقا أن هذه المباراة قد شهدت في بدايتها الكثير من ألفاظ السب والقدح والشتم التي لا تتناسب ـ بأي حال من الأحوال ـ مع الروح الرياضية التي كان من المفترض أن يتحلى بها لاعبو كل فريق، وخاصة "اللاعبون الكبار".
ولأن الجمهور الرياضي المتابع للمباراة بدأ يشعر بشيء من الخيبة من سوء اللعب الذي يمارسه الفريقان. ولأنه بدأ يمل من متابعة المباراة التي أصبحت مقرفة جدا. فقد ارتأيت أن أنصب نفسي حكما افتراضيا، وأن أرفع بعض البطاقات الصفراء، والحمراء، في وجوه بعض اللاعبين، وذلك بهدف إعادة المباريات إلى شكلها الذي يتمناه الجمهور.
وأنا أعرف بأن الكثير من "المعلقين الرياضيين" قد ينتقد طريقتي في التحكيم. وأعترف صراحة بأني لا أستطيع أن أدافع عنها لأني لا أتقن التحكيم الرياضي. بل أني أكثر من ذلك، أجد صعوبة بالغة في إكمال متابعة مباريات كاملة، حتى ولو كانت شديدة الإثارة.
ستكون أول البطاقات الحمراء في هذه المباريات موجهة إلى الثنائي الشهير القائد لفريق المعارضة. وهي موجهة ـ أساسا ـ ضد كلامهما في"التسخينات" التي نظمها فريق بني معارض يوم السبت 17 ابريل، في الساحة المجاورة للمسجد العتيق، وبحضور آلاف المشجعين.
في ذلك اليوم تحدث قادة الفريق المعارض، بكلام مشفر، لم تعرفه الملاعب الرياضية من قبل، ونتمنى أن لا تعرفه من بعد. وهو كلام يدعو ـ بعد فك تشفيره ـ الجيش للتدخل من أجل حسم التصفيات. وهذه الدعوة الغريبة لم نسمع مثلها من الفريق المعارض، حتى أثناء تلك المباريات غير المتكافئة التي كانت تنظم في المواسم الرياضية التي سبقت الثالث من أغسطس من عام 2005.
لقد كانت تلك الدعوة دعوة صادمة، خاصة بالنسبة لمشجعي فريق بني معارض. وهو ما جعلني ـ بوصفي حكما افتراضيا ـ أرفع أول البطاقات الحمراء في وجه أصحاب تلك الدعوة.
وقد يكون من المناسب هنا ذكر بعض الأسباب التي جعلتني أرفع تلك البطاقة الحمراء، في وجه أشهر لاعبَيْن وطنِيَيْن عرفتهما الملاعب الرياضية منذ إطلاق أول موسم رياضي عام 1991 م :
1ـ لم يعد الجمهور الرياضي بشكل عام يرغب في تدخل النادي العسكري في التصفيات الرياضية التي تنظم بين الفرق المدنية. خاصة بعد تدخل أحد عشر لاعبا ـ عفوا أحد عشر ضابطا ـ يوم السادس من أغسطس من عام 2008 وهو التدخل الذي كادت البلاد إثره أن تنزلق نحو الهاوية.
2ـ يعتقد بعض قادة الفريق المعارض بأن تدخل النادي العسكري سيكون لصالحهم هذه المرة. ولقد فاتهم بأن العسكر عندما يتدخل لوقف المباريات، فإنه عادة ما ينظم مباريات جديدة تكون نتائجها محسومة مسبقا لأحد أندية فريق الأغلبية التي لم تكن على الواجهة. لذلك فإن أي تدخل عسكري لن يكون لصالح فريق بني معارض.
3 ـ إن الدعوة لتدخل لاعبين من العسكر تتناقض تماما مع تلك الدعوات التي كان يطلقها الفريق المعارض، والتي كان يطالب من خلالها من النوادي العسكرية بضرورة الابتعاد عن الملاعب الرياضية والتزام الحياد، وترك المنافسات التي تنظم بين الفرق المدنية دون أي تدخل عسكري.
4 ـ هذه الدعوة التي أطلقها بعض اللاعبين الكبار من فريق بني معارض ستعطي مبررا لفريق بنى السلطة لوصف الفريق المعارض بأنه فريق انقلابي يدعو للتدخل العسكري. رغم أن تلك الصفة كانت من ميزات فريق بني موالاة ، تماما كما حدث مع الفساد الذي هجر بعض رموزه مرابع الأغلبية، وولوا وجوههم شطر مضارب بني معارض.
لقد ترك فريق بني معارض اللاعبين المفسدين الذين كانوا من أشد خصوم المعارضة، والذين تربوا وترعرعوا وشابوا في فريق الأغلبية، تركهم يتسللون إلى فريقه، الذي ظل معروفا وإلى وقت قريب، باستقامة لاعبيه.
لذلك أصبح أغلب الجمهور الرياضي يعتبر فريق بني معارض مأوى للاعبين المفسدين. وربما يتحول هذا الفريق، في نظر الجمهور الرياضي ، وفي المستقبل القريب، إذا ما تواصلت دعوات قادته للتدخل العسكري، إلى فريق مفسد، وانقلابي كذلك. ولا داعي للعجب فهذا هو حال الدنيا.
5 ـ إن هذه الدعوة الغريبة قد يعتبرها الخصم حجة كافية تؤكد أن قادة الفريق المعارض لم يعد لديهم من "اللياقة البدنية " ما يكفي لمواصلة اللعب في مباريات طويلة. لذلك فإن اعتزالهم قد أصبح مطلبا ملحا وضروريا لتجديد الفريق المعارض الذي أصبح يحتاج إلى ضخ دماء جديدة، قادرة على المنافسة، دون أن تحتاج لدعوة النادي العسكري لحسم التصفيات.
6 ـ لقد كان من المفترض أن يركز قادة الفريق المعارض، على كشف أخطاء فريق الموالاة، بدلا من الدعوة لتدخل الفريق العسكري. ولقد كان بإمكانهم أن يكشفوا للجمهور الرياضي بأن الفريق الحاكم لم يغير طريقة اللعب كما وعد بذلك. وهو اليوم يلعب بنفس الخطة الخبيثة، التي كان يلعب بها النادي الجمهوري الذي سيطر على الملاعب الرياضية، إلى غاية 3 أغسطس من عام 2005.
لقد كان الجمهور الرياضي يتوقع أن فريق التصحيح، سيغير طريقة لعبه، فإذا به يعجز حتى عن تغيير اللاعبين. وإذا به يحتفظ في صفوفه باللاعبين الكبار الأربع الذين كانوا يتناوبون على قيادة النادي الجمهوري في الفترة مابين ( 1991 إلى 2005 ). كما أن نفس الطريقة البائسة، التي كان يستخدمها النادي الجمهوري في تسجيل مشجعيه، هي نفس الطريقة التي يستخدمها اليوم نادي الاتحاد من أجل الجمهورية لتسجيل وتنصيب جمهوره الرياضي.
ولقد كان الأولى بقادة الفريق المعارض، أن لا يقاطعوا المتاح من البرامج الرياضية في الإعلام الرسمي، وذلك لكي يبينوا للجمهور الرياضي أن فريق الأغلبية، الذي وعد قبل التصفيات الأخيرة بتقديم مباريات جماهيرية وشعبية شيقة لإمتاع جمهوره الرياضي في الأحياء الأكثر فقرا، لم ينجح ـ حتى الآن ـ في الوفاء بذلك الوعد.
7 ـ إن من أخطاء الثنائي القيادي للفريق المعارض، أنه لا يجيد فن الاستماع للحظة التاريخية، ولا يجيد استغلال الفرص النادرة التي يصعب أن تتكرر. فالجمهور الرياضي لا يزال يتذكر ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه رئيس نادي التحالف، أثناء الشوط الثاني من مباريات 2007، حيث امتنع ذلك اللاعب الكبير من تسجيل الهدف القاتل في شباك الخصم، الذي كان مكشوفا، وبشكل كامل، في تلك اللحظة. ولقد اختار رئيس نادي التحالف أن يستدير بالكرة، في حركة غريبة، وأن يسددها في اتجاه مرمى فريق بني معارض، ليحقق بذلك فوزا ثمينا لخصومه. وهو الفوز الذي كان سببا في حصول الانتكاسة الرياضية، التي عرفتها البلاد فيما بعد.
تخيلوا كيف كان سيكون حالنا لو أن قائد فريق التحالف، سدد الكرة في ذلك اليوم، في اتجاه مرمى "الخصم".
لقد تسببت تلك الركلة المشينة، في فوز فريق الأغلبية الذي كان يقوده في ذلك الوقت "اللاعب المؤتمن". وهو اللاعب الذي ظلم نفسه كثيرا، عندما ترشح لقيادة الفريق، كما ظلمه كذلك كل من صوت له، وبالأخص قائد نادي التحالف، الذي كان سببا مباشرا في تسليم مقاليد الرياضة في البلد للاعب لم يبذل جهدا كبيرا لذلك، فقد ظل غائبا عن الملاعب الرياضية، وعن ممارسة الرياضة، خلال كل المواسم التي عرفتها البلاد منذ العام 1991.
ويكفي لمعرفة مدى ظلمنا للاعب المؤتمن، الذي فضلناه عن قائد نادي التكتل، أن نعود لتصريحه في قناة الجزيرة حيث قال بأن أول شيء فعله، بعد إجباره على الاعتزال يوم السادس من أغسطس عام 2008 هو أنه أخذ يقرأ الشعر في زنزانته، ثم نام بعد ذلك قرير العين وكأن شيئا لم يحدث!!!
لقد نام اللاعب الطيب، في ليلة سهر فيها أغلب الجمهور الرياضي، سواء منه مشجعو فريق الأغلبية ومشجعو فريق المعارضة، نظرا لجسامة ما حدث في صبيحة السادس من أغسطس.
ونفس الشيء حدث مع قائد نادي فريق التكتل، الذي لم يستمع جيدا لتلك اللحظة الفريدة، التي منحها له التاريخ يوم السادس من أغسطس. فبدلا من أن يقول لا، اختار أن يرحب بتدخل الفريق العسكري، والذي تسبب تدخله في تراجع كبير للمنافسات الرياضية.
وتخيلوا هنا أيضا كيف كان سيكون حالنا لو أن رئيس نادي التكتل قال يوم السادس من أغسطس لا للانقلاب.
وإنه لمن المؤسف حقا أن السمعة الرياضية، كالكرامة، تحتاج إلى سنين عديدة من العمل الدؤوب والشاق لبنائها، ولكنها لا تحتاج إلا لدقائق معدودة لنسفها.
لقد أضاع قائد التكتل مجدا كبيرا بناه في سنين عجاف، بالامتناع عن قول كلمة من حرفين فقط، يوم السادس من أغسطس. لقد رفض أن يقول كلمة لا، في ذلك اليوم، لذلك فهو يتحمل جزءا من مسؤولية ما تعيشه البلاد في أيامنا هذه. تماما كما يتحمل رئيس نادي التحالف، جزءا من المسؤولية، لأنه رفض أن يسدد الكرة في الاتجاه الصحيح، أثناء الشوط الثاني من التصفيات الرئاسية لعام 2007.
أقول هذا الكلام لأن هذا الثنائي يحاول أن يقول لنا اليوم، بأن " الجنرال" هو وحده الذي يتحمل مسؤولية ما تعيشه البلاد اليوم، وأن إزاحته هي المخرج الوحيد، للخروج من أزمتنا الرياضية.
وإنه لمن المناسب أن أعيد فقرات من رسالة مفتوحة، كنت قد كتبتها لرئيس نادي التكتل، بوصفي مشجعا منحازا، لا حكما محايدا. وهي الرسالة المفتوحة الوحيدة التي كتبتها للاعب من خارج فريق السلطة. فقد كان قائد التكتل ـ في تلك اللحظة ـ هو أشهر لاعب على الإطلاق لأنه لم يكن قد ارتكب هفوة كبيرة، عكس غيره. ولقد نشرت هذه الرسالة قبل السادس من أغسطس، بأيام معدودات، وفي العديد من الصحف الوطنية ( الفجر، الأمل، السفير، البديل..).
ولقد كنت كغيري أشعر حينها بأن هناك حدثا كبيرا سيقع، رغم أني لم أستطيع أن أحدد بالضبط ملامحه. ولقد كتبت في تلك الرسالة مخاطبا نجم المعارضة الشهير، والذي كان يعيش في تلك الأيام قمة عطائه : [ أنا واحد من 47% التي أدلت بأصواتها لكم. ولقد تمنيت نجاحكم في الانتخابات الرئاسية لأن عقدين من النضال، والكفاح، والعطاء، والتجوال من سجن في قلب العاصمة إلي سجن في قرية نائية، كانت تكفي ثمنا لتأشيرة دخول القصر الرئاسي (...)
واليوم من حقكم ـ ولا يحق لأحد أن يلومكم على ذلك ـ أن تشاركوا في إسقاط حكومة، كنتم أنتم أول من طالب بإسقاطها، ومن حقكم كذلك، وأنتم من يمثل المعارضة، أن تتحالفوا مع الأغلبية، من أجل إسقاط حكومة جاءت من رحم الأغلبية.
ومن حقكم أيضا أن تتحالفوا مع الأغلبية لسد الأبواب، أمام حزبين، هما أصدقاء الأمس، وأعداء اليوم ، وتركهما معلقين، لا إلي هؤلاء، ولا إلي هؤلاء، ولو إلي حين.
ومن حقكم، بالتعاون مع حلفائكم الجدد، أن تستفزوا رئيس الدولة، وأن تجبروه على حل البرلمان الذي يرأسه أحد خصومكم الكبار، ممن تسبب وبشكل مباشر في حرمانكم من دخول القصر لتحرموه أنتم من رئاسة برلمان لا يملك فيه إلا عددا محدودا من النواب (....) وما أستطيع أن أقوله الآن هو أن هذه " الرحلة الممتعة " في ظاهرها ستضعف هذا البلد كثيرا، وربما تؤدي في النهاية إلي " ذبح" الديمقراطية ب "سكاكين" ديمقراطية.
ولن يقبل " الجنرال " برئيس قوي مثلكم، ولن تقبلوا أنتم بأقل من الرئاسة، ولن أجازف أنا بمحاولة التنبؤ بنتائج هذا الصراع الذي لا بد من أن يحدث.
بالمقابل هناك رحلة أخرى، قد تبدو في ظاهرها شاقة، لكنها في النهاية ستعزز من أركان مؤسساتنا الديمقراطية، وستمنحنا فرصة فريدة لبناء مؤسسات مدنية قوية، وجيش جمهوري قوي.
علينا جميعا أن نتفق علي مقولتكم الشهيرة، التي تقول إن العمل السياسي لا يمكن أن يمارسه من لم ينزع بدلته العسكرية. وعلينا أن نعمل جميعا من أجل تحقيق ذلك، حتى ولو أجبرنا ذلك على أن نعمل ساقا بساق، ومنكبا بمنكب، مع خصوم كثر بزي مدني، كان بإمكاننا أن نتخلص منهم جميعا في "طرفة عين " . وأعتقد أن الوقت مناسب تماما لذلك. والقرار في هذه اللحظة الحرجة، هو بيدكم، وبيدكم أنتم وحدكم .
وهذا القرار ربما يكون له الأثر السلبي على " التكتل " في المدى القريب، ولكنه من الناحية الإستراتيجية سيخدم " التكتل " كثيرا. وهو بالتأكيد سيخدم في المدى القريب، والبعيد، بلدكم الذي طالما أعلنتم ـ ونحن نصدقكم في ذلك ـ أن طموحكم لأجله.] انتهى الاقتباس.
لذلك فنحن جميعا مسؤولون عما تعاني منه الرياضة في هذا البلد، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة طبعا. لذلك فإن أول شيء علينا أن نفعله من أجل تطوير الرياضة في بلدنا هو أن ننسى الماضي، وأن نكون رياضيين حقا. وأن لا نقبل بممارسة أي تصرف في الملاعب الرياضية، أو التفوه بما يخالف القيم الرياضية المعروفة. وهذا هو بالضبط ما جعلني أرفع أول بطاقة حمراء، ضد تصريحات الثنائي الشهير الذي يقود فريق بني معارض، وهي التصريحات التي دعت بشكل صريح إلى ممارسة " الخشونة "في الملاعب الرياضية.
وقبل أن أطلق صفارة النهاية، أعدكم بأن البطاقة الثانية ستكون أشد احمرارا، وسأرفعها في وجه لاعب من فريق الأغلبية، وهو تحديدا، رئيس نادي الاتحاد من أجل الجمهورية.
وإلى البطاقة الحمراء الثانية إن شاء الله، أقول لكم: تصبحون على مباريات نظيفة....
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org