الثلاثاء، 29 يونيو 2010

عام الإحباط



ستحاول هذه الورقة ـ التي لا أنصح القارئ بإكمال قراءتها ـ أن تكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لأول عام من حكم "رئيس الفقراء" بعد انتخابه. وهي ستحاول أن تقدم ذلك الوجه ـ وكما هوـ دون أن تضيف له مساحيق تجميل كما يفعل البعض، ودون أن تبالغ ـ أكثر من اللازم ـ في التركيز على مواطن القبح فيه كما يفعل البعض الآخر.
ولن تقتصر هذه الورقة على كشف النقاب عن الوجه الجديد القديم لموريتانيا الجديدة القديمة، بل إنها ستحاول أن تتبع ملامح ذلك القبح وتكشف عن أسبابه وتقترح ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ بعض العمليات التجميلية التي أصبح من الضروري إجراؤها للتخفيف من تلك التشوهات التي يعتبرها البعض ـ عكس حقيقتها ـ تشوهات خلقية وبنيوية لا يمكن علاجها.
وهذه الورقة المعدة بمناسبة مرور عام تقريبا على انتخاب "رئيس الفقراء" ليست إلا مقدِّمة لورقة أخرى، ستكون ـ إن شاء الله ـ أكثر تفصيلا، وستتحدث عن عقود خمسة من الإحباط بمناسبة الاحتفال بخمسينية ميلاد الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي أنعم الله عليها بمساحة شاسعة غنية بالثروات والخيرات. ورغم ذلك لا زالت بعد عقودها الخمسة عاجزة عن توفير أبسط ضرورات الحياة الكريمة لسكانها الذين لا يصل عددهم لسكان مدينة واحدة من كثير من المدن العالمية. ولازالت ـ وهذا هو المؤلم حقا ـ تلفظ شبابها إلى الإجرام، والإرهاب، أو في أحسن الأحوال إلى دول أجنبية لمزاولة أعمال قد لا تكون لائقة من أجل البقاء على قيد الحياة.
لقد أصبحنا بحق في أمس الحاجة لميلاد موريتانيا جديدة طال انتظارنا لميلادها، خصوصا أننا سنحتفل قريبا بمرور نصف قرن على الميلاد الرسمي لموريتانيا التي لم تولد بعد في عقول وقلوب أغلب أبنائها. وتلك واحدة من أعظم مصائبنا الكثيرة.
لماذا هذا العنوان بالذات؟
لا جدال في أن النصف المعارض من الشعب الموريتاني قد أصيب بإحباط وبصدمة كبيرة بعد ظهور نتائج انتخابات الثامن عشر من يوليو. ولا جدال كذلك في أن الكثير من المعارضين لم يفق حتى الآن من آثار تلك الصدمة الكبيرة رغم مرور عام تقريبا على ظهور النتائج المفاجئة التي لم يكن يتوقعها متشائمو المعارضة ولا متفائلو الموالاة.
في حين أن النصف الثاني (الموالاة ) ـ لحسن حظه أو لسوئه ـ لم يعش ذلك الإحباط دفعة واحدة، وإنما تجرعه بالتقسيط على شكل جرعات متفاوتة على مدار العام كله.
فكل أنصار "التغيير البناء"، من وجهاء وشيوخ قبائل ورجال أعمال وساسة وحتى من فقراء يشعرون اليوم بإحباط كبير لأنه لا يوجد من بينهم من حصل على الحد الأدنى مما كان يتوقع بعد مرور عام على انتخاب وتنصيب أول "رئيس للفقراء" في تاريخ بلد الفقراء.
وإذا كان إحباط رجال الأعمال والوجهاء ورجال السياسة قد يعتبر بشارة خير، فإن إحباط الفقراء الذين يعود لهم الفضل في نجاح أول رئيس لهم ليس كذلك. فهو يمثل انتكاسة للوعود الكبرى التي حلموا بها أثناء الحملة الانتخابية.
ولقد عبرت سيدة فقيرة من مقاطعة عرفات عن ذلك الإحباط بطريقة مؤثرة جدا، عندما طالبت وبإلحاح من الرئيس بأن يعيد لها "صوتها" الذي منحته له في انتخابات يوليو، لأنها لم تعد تأمل أن يتحسن حالها ولا حال الفقراء في عهده. ( انظر الرسالة العاشرة من الرسائل المفتوحة الموجهة لرئيس الجمهورية في عام الإحباط هذا).
إذن لقد كان الإحباط هو السمة الأبرز لموريتانيا الجديدة، في عامها الأول، ورغم تعدد أسباب ومظاهر وتجليات ذلك الإحباط فإن هذه الورقة ستركز أساسا على إحباط الفقراء. وستبدأ هذه الورقة بقانون عجيب غريب "اكتشفه" فقير أمي لا يقرأ ولا يكتب، وذلك للتعبير عن إحباطه عاما بعد عام، وتغييرا بعد تغيير، وتصحيحا بعد تصحيح، وانقلابا بعد انقلاب، وتنصيبا بعد تنصيب.
قانون مُحْبِط
لا شك في أن وعود المانحين في بروكسل قد أعطت " جرعة أمل " كبيرة مع نهاية هذا العام الذي لم يشذ عن القانون المحبط . يقول القانون بعد شيء من التصرف بأن كل عام يمر بهذا البلد يتحول بطريقة عجيبة من عام شقاء إلى عام رخاء. فهو يكون جحيما في الحاضر ونعيما في الماضي، أي أنه يكون عام شقاء عندما نعيشه، وفي الوقت نفسه عام رخاء عندما نودعه. فالفقير لا يكتشف بأنه كان يعيش في رخاء ونعيم إلا بعد أن يستقبل عاما جديدا. فهو دائما ـ أي الفقير ـ يظل يكرر بأن هذا العام سيء جدا، ولا شيء أسوأ منه، ولكنه عندما يأتي عام جديد، يكتشف بأن العام الماضي الذي كان يعتبره عاما صعبا، لم يكن صعبا، بالمقارنة مع العام الجديد.
فمثلا كان فقراء هذا البلد يقولون بأن العام 2006 كان عاما صعبا على المستوى المعيشي. ولكنهم اكتشفوا بأنه كان عام رخاء مع قدوم 2007 . ثم اكتشفوا بعد ذلك أن 2007 كانت نعيما عندما عاشوا جحيم العام 2008 الذي تحول إلى نعيم مع حلول العام 2009 . ولقد تحول العام 2009 بدوره إلى جنة مع قدوم العام 2010 وهو العام الذي قد يتحول أيضا ـ وفق القانون المُحْبِط ـ إلى جنة مع قدوم العام 2011 الذي قد تُبَذر فيه المليارات من تمويلات بروكسل كما بُذرت سابقا المليارات دون أن يتحسن ـ ولو قليلا ـ المستوى المعيشي للمواطن الموريتاني.
هذا هو القانون الذي وضعه أحد بسطاء البلد، وهو القانون الذي أتمنى من كل قلبي أن يثبت لنا "رئيس الفقراء" عدم صلاحيته خلال عامه الثاني في الحكم والذي سيستقبله ـ عكس عامه الأول ـ بتمويلات سخية لم تكن تحلم بها حكومته.
ذلك ما أتمناه حقا، ولكن قبل ذلك دعونا نعود للعام الماضي ليس فقط من خلال قوانين البسطاء، بل من خلال أحدث معادلات التغيير التي وضعها العلماء والخبراء في هذا المجال. فلنستمع إذن لكلام الخبراء.
كلام خبراء: يُجمع خبراء التغيير على أن التغيير الذي يُحدث نهضة، ليس مجرد عملية فوضوية تتم بشكل عفوي. وإنما هي عملية معقدة جدا، وتحكمها قواعد وقوانين علمية صارمة. وسنتوقف في هذه الفقرة مع بعض تلك القوانين من خلال إسقاط معادلة التغيير على التغيير البناء، بعد مرور عام من الأعوام الخمسة التي من المفترض أن يحصل فيها ذلك التغيير.
تقول المعادلة : C = A x B x D > X
أي أن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بـ "سي" تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة " آ"، في معامل وضوح الرؤية "بي"، في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى"دي". ويقول هذا القانون بأن الناتج يجب أن يكون أكبر من "الإكس" التي ترمز لكلفة التغيير.
وقبل الحديث بشكل مفصل عن عناصر معادلة التغيير فإنه من المهم جدا أن نتحدث قليلا عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقوانينه.
1ـ رغم أننا قد نختلف في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام، إلا أن ذلك لا يقلل ـ إطلاقا ـ من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في التغيير نفسه. عكس عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفته إلا بشكل مؤجل ( وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون مواقف سلبية منه).
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير إلى خصوم و أعداء له. و يمكن ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم في نجاح التغيير. كما أن هناك فئة الخاملين التي تعمل جاهدة من أجل أن تبقى الأمور خاملة.
4 ـ إن هذا القانون يصلح لكل أشكال التغيير، سواء كان ذلك التغيير فرديا يخص الأفراد، أو كان تغييرا داخل مؤسسة، أو منظمة، أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (دي) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير . فهو يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
5ـ إنه عندما يكون أي عنصر من عناصر التغيير الثلاثة يساوي صفرا، فإن مستوى التغيير سيكون صفرا، لأنه حاصل عملية ضرب بين العناصر الثلاثة.
6 ـ إن من الأخطاء التي يقع فيها البعض النظر إلى نصف الكأس، وسواء منهم من ينظر إلى نصفها الفارغ، أو من ينظر إلى نصفها المملوء. علينا أن ننظر إلى الكأس بنصفيها الفارغ والمملوء. وهذا بالضبط هو ما تحاول معادلة التغيير أن تتحدث عنه بطريقة رياضية رائعة. فالبعض لسبب أو لآخر لا يرى من عملية التغيير إلا كلفته، وهو بذلك ينتقده انتقادا فظيعا. وأما البعض الآخر فهو يتغاضى عن ثمن التغيير، ويغالط المستهدفين، ولا يحدثهم عن الكلفة التي يجب عليهم دفعها وهو ما يصعب عملية التغيير.
7ـ إنه ليس من المناسب أن نغرق في تحليلات رياضية في ورقة معدة لقراء من مستويات شتى، لذلك فسأكتفي بتقديم عناصر معادلة التغيير. والمهم أن يعلم القراء أن لكل تغيير عناصر ثلاثة لا يمكن أن يحدث دونها، وأن حاصل ضرب تلك العناصر الثلاثة يجب أن يكون أكبر من كلفة التغيير. فلنعد إذن إلى عناصر المعادلة الثلاثة:
العنصر الأول : مستوى درجة الاستياء من الظاهرة المراد تغييرها، وكلما ارتفع ذلك المستوى كلما أدى ذلك إلى نتيجة أكبر. والحقيقة أن كل الشعب الموريتاني بنخبه وعامته، وبمعارضته وموالاته مستاء من هذا الواقع البائس الذي نعيشه، خصوصا أننا سنحتفل ـ بعد أشهر قليلة ـ بالذكرى الخمسين لتأسيس الدولة الموريتانية التي لازال نصف شعبها أمي لا يقرأ ولا يكتب. في حين أن النصف الثاني "المتعلم" لا تختلف تصرفاته وسلوكياته كثيرا عن النصف الأمي. ولا زالت بطون نصف شعبها جائعة، أما النصف الثاني فقلوبه جائعة لا تشبع أبدا. ولا زال نصف شعبها مفسد، أما النصف الثاني فهو يتحين الفرص لكي يجد شيئا يفسده. فالكل مستاء لأن البلد يتربع منذ خمسين سنة ـ وحسب المؤشرات الدولية ـ على أعلى درجات سلم التخلف، والفقر، والأمية، والمرض، والجوع، والرشوة، وهو ينافس حتى الدول التي تعيش حروبا أهلية منذ سنوات.
وهنا قد يطرح البعض السؤال التالي: لماذا لم يحصل تغيير ما دام الكل مستاء من الواقع؟ والجواب هو أن درجة الاستياء لا تكفي لوحدها لكي يحصل تغيير. فهناك عناصر أخرى في معادلة التغيير، ثم إن إعلامنا الرسمي كان يعمل جاهدا لامتصاص ذلك الاستياء. فكان الناس عندما يستاءون من القمامة ـ مثلا ـ يطل عليهم طبيب بائس، في تلفزيون بائس، ويقول لهم بأن انتشار القمامة بشارة خير، لأنه يعكس حجم الطفرة التي حصلت في مستوى الاستهلاك. وعندما يتألم العمال من سوء حالهم يطل عليهم نقابي بائس، في تلفزيون بائس، ويقول لهم بأن العامل الموريتاني، هو العامل الأكثر حظا في العالم لأن الزيادات تأتيه تترا دون عناء ودون نضال. وعندما يتألم البعض من غياب البنى التحتية في العاصمة، وفي المدن الكبرى، يطل عليهم صحفي بائس، في تلفزيون بائس، ليحدثهم عن تعاونيات ريفية، في قرى ريفية، تفكر في تسويق منتجاتها الزراعية عن طريق الانترنت!!
وعندما يتألم الناس من تفشي الأمية، أيام كانت الأمية ـ في عهد مضى ـ تشكل عائقا من عوائق التنمية، كان يطل ناشط مدني بائس، في تلفزيون بائس، ليعد بأن منظمته التي لا عنوان لها ستقضي على الأمية في ستة أشهر.
وكخلاصة يمكن القول بالنسبة لهذا العنصر بأن "رئيس الفقراء" كان جريئا ـ ومنذ وصوله إلى السلطة ـ في التحدث عن هموم الناس، وهي جرأة فاقت في بعض الأحيان جرأة المعارضة. وقد ساهمت تلك الجرأة في فك العقدة عن لسان الكثيرين وأصبحوا لا يجدون صعوبة في الحديث عن الهموم الحقيقية للبلد.
العنصر الثاني : وضوح الرؤية والذي ترمز له المعادلة بحرف (بي )، ولا يكفي فقط أن تكون الرؤية واضحة لمن يقود مشروع التغيير، بل لابد لها أن تكون واضحة لأغلب المستهدفين من عملية التغيير. فوضوح الرؤية يحتاج لخطاب قوي جدا، وواضح جدا، يساعد في اكتتاب أنصار جدد من خلال إقناع الخاملين والمثبطين والمترددين وحتى المعارضين، بدلا من خطاب مشوش يؤدي إلى انسحاب الكثير من أنصار التغيير.
لقد كاد "التغيير البناء" أن يتحول إلى "غموض بناء" ( الغموض البناء مصطلح أمريكي كالفوضى الخلاقة، وإن لم يكتسب شهرتها في التداول، وقد تم استخدامه لأول مرة بعد " أوسلو" عندما تم تجاهل ملف القدس والاستيطان واللاجئين فقيل أن ذلك التجاهل هو نوع من الغموض البناء).
وحتى لا نتجاهل نحن ـ على الطريقة الأمريكية ـ أهم "بنود" التغيير البناء، فقد ارتأيت أن أعود في هذه الورقة إلى بعض تلك البنود.
حقيقة لقد كانت فكرة مشروع موريتانيا الجديدة، فكرة ذكية و رائعة، وكان بالإمكان أن تكون فكرة تغيير جامعة، تجمع حولها غالبية نخب وعامة هذا الشعب، لو كانت تلك الفكرة واضحة بالنسبة لأصحابها. فمشروع موريتانيا الجديدة يحتاج أولا إلى عقلية جديدة، وإلى أساليب وأنماط جديدة في الحكم. أما استخدام نفس الأساليب القديمة فلن يؤدي إلا لنفس النتائج المعروفة، حتى ولو رفعنا شعار موريتانيا الجديدة. وخلال العام الماضي يمكن القول بأن النظام كان يُتبع كل خطوة جديدة إلى الأمام عدة خطوات إلى الوراء، وهو ما يعكس ـ بالتأكيد ـ عدم وضوح الرؤية بالنسبة له.
وفوق ذلك فقد عانى النظام خلال العام الماضي من عجز كبير في "تسويق" بعض الانجازات الهامة، التي وصلت إلى المواطن العادي بشكل مشوش وملتبس. وقد يكون السبب الأكبر في ذلك يعود إلى أغلبية الرئيس، وإلى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية خاصة، والذي يمكن تصنيفه بأنه هو حزب السلطة الأكثر فشلا في تاريخ أحزاب السلطة في هذا البلد. إن هذا الحزب الذي يديره رئيسه بنفس الطريقة التي كان يدير بها وزارة الدفاع سابقا أي عدم التصرف إلا بأوامر لا يمكن أن يُسَوق مشروع موريتانيا الجديدة ( وهذا ما ستتحدث عنه بتفصيل أكثر البطاقة الحمراء الثانية).
لقد أضاع هذا الحزب ـ الذي يعمل لا كحزب وإنما كإدارة حكومية في مقاطعة نائية ـ سنة كاملة في تبادل الشتائم والكلام التافه مع المعارضة، بدلا من أن يشتغل ـ كما تفعل أحزاب الأغلبية في الدول الديمقراطية ـ في تسويق البرنامج الانتخابي لرئيسه المنتخب، وفي الدفاع عن ما تحقق من انجازات. ولم يختلف بيانه الأخير عن بياناته وتصريحاته السابقة، فقد قزَّم ذلك البيان نجاح طاولة بروكسل عندما جعل منها مناسبة جديدة للتشفي و لتخوين المعارضة. وإذا عدنا لتراث الأغلبية والمعارضة فلن نجد ـ قطعا ـ ما يثبت أن المعارضين للنظام الحالي وللأنظمة السابقة، كانوا أكثر خيانة وعمالة من الموالين له الذين جُبلوا على موالاة كل الأنظمة، وظلوا يتوارثون تلك الموالاة كابرا عن كابر، وصاغرا عن صاغر. حتى أداء الحزب في البرلمان كان باهتا، ولو وضع أداء نوابه الثلاثة والخمسين في كفة، ووضع أداء نائبين أو ثلاثة من المعارضة في كفة أخرى لرجحت كفة نواب المعارضة. وبالمختصر المفيد فإن وضوح الرؤية لمشروع موريتانيا جديدة يحتاج أولا لأن تكون كل تصرفات المبشرين بها، تصب في ذلك المشروع ولا تناقضه.
العنصر الثالث : مستوى الانجاز في الفترة الأولى: إن هناك واقعا صعبا نعيشه اليوم، وهناك وضعية أفضل نحلم بها، ومن المفترض أن تكون هناك خطة حكومية، تنقلنا من الوضعية السيئة التي نتخبط فيها، إلى الوضعية الأفضل التي نحلم بها، في مدة زمنية تقدر بخمس سنوات، ومن أهم تلك السنوات الخمس العام الأول.
ويقول الخبراء بأن ما ننجزه في السنة الأولى، هو الذي سيحدد سرعة سيرنا في السنوات الخمس القادمة. وأهمية الإنجاز في العام الأول تكمن في أن كل تغيير ستنتج عنه لا محالة مقاومة لذلك التغيير وتلك المقاومة تزداد قوتها ومناعتها كلما كان التغيير في بدايته ضعيفا لأن ذلك سيساعدها كثيرا في جمع قدراتها وفي تنظيم صفوفها لإحباط عملية التغيير. وهذا ما جعل البعض يفضل التغيير الفجائي على التغيير التدريجي، لأن التغيير الفجائي (الثورة) يشكل صدمة قوية لقوى مقاومة التغيير، ولا يعطيها فرصة لمقاومته. وحتى لا نغرق بعيدا في نقاشات نظرية فإننا سنعود في هذا الورقة ـ والتي أطلب من جديد من القارئ أن يتوقف فورا عن قراءتها ـ إلى ملامح موريتانيا الجديدة، وذلك لنبين أن مستوى الانجاز في العام الأول لم يكن قويا، وأن مقاومة التغيير كانت حاضرة وبقوة، وأنها استطاعت أن تُحوِّل الحرب على الفساد ـ والتي كانت هي العنوان الأبرز للتغيير البناء ـ إلى هدنة معه.
الهدنة مع الفساد: لقد عرفت البلاد ـ على الأقل في الأشهر الأولى من عهد الرئيس الحالي ـ حربا معلنة وميدانية ضد الفساد، أعقبتها هدنة غير معلنة. ولتقييم نتائج تلك الحرب الخاطفة التي أثارت جدلا كبيرا بين المعارضة والموالاة لابد من التحدث عن خمسة أنواع من الأسلحة التي تم استخدامها، أو التي كان من المفترض أن يتم استخدامها في هذه الحرب، وذلك من أجل الخروج بحصيلة دقيقة وميدانية لنتائج تلك الحرب الخاطفة.
السلاح الأول: يتعلق بعصا العقوبة التي تستخدم لمعاقبة المفسدين و لتخويفهم. وهذه قد تم استخدامها في الأسابيع الأولى من هذا العام من خلال تجريد بعض المفسدين الموالين، ومن خلال استرجاع بعض الأموال المنهوبة، و من خلال فتح ملف رجال الأعمال المتهمين في ملف البنك المركزي.
السلاح الثاني: وهو سلاح الجزرة و يستخدم في العادة لحماية الموظفين ضد الفساد، من خلال تعيين وترقية وتكريم الموظفين النزهاء الأكفاء. وهذا السلاح لم يستخدم إطلاقا خلال كل العقود الأخيرة فالتعيينات والتكريمات والتوشيحات ظلت حكرا على المفسدين، أو على الأقل لمن يستخدم أساليب وطرق غير شفافة للحصول عليها. لقد حدث في هذا البلد أن تم توشيح مفوض شرطة بوسام سام، ولقد فوجئ المهنئون بظلام "دامس" يلف منزل الموظف الموشح ليلة توشيحه. لقد ظل ذلك الموظف لسنوات يسرق الكهرباء دون أن يتجرأ أحد على محاسبته، إلى أن حُوِّل لفرع شركة الكهرباء في تفرق زينة رئيس مركز، تعينه الشركة ـ عادة ـ كلما كانت تعاني من نقص حاد في الموارد، فهو معروف بالاستقامة والصرامة الشيء الذي جعله يصر على قطع الكهرباء عن منزل الموظف الموشح. تأملوا في هذه الصورة: موظف يسرق الكهرباء لسنين يتم توشيحه عدة مرات، وموظف آخر معروف بالاستقامة في شركة معروفة بالفساد لم يوشح أبدا.
فسلاح الجزرة لم يستخدم إطلاقا في موريتانيا الجديدة، فلا يوجد تعيين واحد أو ترقية واحدة تمت فيها العودة إلى الكفاءة، رغم كثرة التعيينات والترقيات التي بلغت في أحد مجالس الوزراء سبعين تعيينا.
بل أكثر من ذلك فإن موريتانيا الجديدة لا تكتفي بأنها لا تكرم الأكفاء النزهاء من أبنائها، بل أنها لا تترك الرحمة تنزل على هؤلاء. ويكفي هنا أن أقدم كمثال الشرطي المعروف بشرطي نادي الضباط المحروم من أي تكريم رسمي حتى الآن ، رغم أنه سيحال إلى التقاعد مع مطلع العام القادم. وهو الشرطي الذي يشهد له الجميع بالكفاءة والنزاهة والاستقامة والتفاني في العمل. لقد رفض والي نواكشوط الترخيص لوقفة تكريمية كانت ستنظمها " ضحايا ضد الفساد" لتكريم هذا الشرطي المميز. أنظر مقال "أقبل رأسك.. يا الشيخ صار".
السلاح الثالث: تجفيف منابع الفساد وهذا السلاح قد تم استخدامه بقوة، خاصة في مجال تعميم علاوات السكن والنقل، والتي كانت تشكل بؤرة كبيرة من بؤر الفساد. ومن المؤسف أن تعميم العلاوات قد واجه انتقادات حادة من المعارضة، وهي انتقادات لم تكن صائبة في أغلب الأحيان برغم وجود بعض الأخطاء التي كان يجب أن يتم تفاديها في هذا التعميم. ومن هذه الأخطاء عدم التشاور مع النقابات في المراحل الأولى، ومنها أيضا استخدام كلمة " معتبرة " التي أطلقها الوزير الأول والتي فتحت شهية العمال لزيادات "معتبرة" قبل ظهور الحجم الحقيقي لتلك الزيادة. وربما يكون من المفيد هنا أن ننصح بترشيد استخدام بعض الكلمات أثناء الخطابات الحماسية، بل وسحبها من الخطاب الرسمي ككلمة معتبرة أو جبارة. والكلام هنا موجه بالأساس إلى الوزير الأول الذي تسبب في مشاكل جمة بكلماته "الحماسية". فقد تسببت كلمة " معتبرة " في إضرابات عمالية، كما تسببت كلمة" دبر حالك" في مواجهات عرقية في الجامعة.
السلاح الرابع : إقصاء المفسدين: لم تكن الغالبية ممن صوت لـ "محارب المفسدين" تعتقد بأن رموز الفساد سيعودون بهذه السرعة، وبهذه القوة ،وبهذا الحجم، وبهذه الكثافة وقبل أن يكتمل العام الأول من عمر موريتانيا الجديدة التي لا مكان فيها للفساد والمفسدين، كما كان يؤكد دائما الرئيس بمناسبة وبغير مناسبة.
لقد تم تعيين من ارتبط اسمه بأشهر قضية فساد في قطاع التعليم في أعلى منصب دستوري في البلاد. كما تم تعيين من ارتبط اسمه في قضايا فساد عديدة، تبدأ بالدواء ولا تنتهي بالإرهاب والكتاب على رأس أشهر مؤسسة أنجبتها موريتانيا الجديدة!
ويكفي أن نعلم بأن كل رؤساء الحكومات في عهد "الفساد الأول" تم تعيينهم في وظائف سامية، وبذلك تكون موريتانيا الجديدة وفي وقت قياسي جدا قد تصالحت مع المفسدين واستعادت كل مشاهير الفساد، ولم تستبعد من "المشاهير" إلا المفسدين الذين فيهم خصلة حسنة وهي الوفاء لأولياء نعمهم.
السلاح الخامس : انحراف بعض المؤسسات عن دورها في محاربة الفساد ، ولعل المثال الأبرز الذي يمكن تقديمه هنا هو المحكمة السامية، التي قامت لها الدنيا ولم تقعد، والتي كان تأجيل تأسيسها لأسابيع معدودة هو أبرز حجة لتشريع الانقلاب. لقد تحول رئيس هذه المحكمة إلى مدافع عن النظام بأسلوب وبلغة وبطريقة تستحق النقد، حتى وإن جاءت من مواطن ريفي أمي لا يفقه من القانون شيئا. يمكن العودة للنقد الذي وجهه رئيس المحكمة لأعلى سلطة دستورية في البلاد، وذلك للدفاع عن قانون الإرهاب. كما يمكن العودة لانتقاداته اللاذعة لمنسقية المعارضة، والتي لا تليق بشخصية سامية، تم اختيارها لرئاسة محكمة سامية.
لقد خسرنا معركة حاسمة من الحرب على الفساد، كما خسرنا حروبا سابقة مع الأمية، ومع الفقر. ورغم أن النظام الحالي يتحمل المسؤولية الكاملة في خسارة هذه المعركة، إلا أن ذلك لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ أن نغفل الأدوار السلبية لبعض الأطراف الأخرى.
من هذه الأدوار السلبية الدور الذي لعبته المعارضة التي وقفت بشدة ضد معاقبة رجال الأعمال، وهم الذين تركوها ـ بالمناسبة ـ بعد خروجهم من السجن وانخرطوا في الإتحاد من أجل الجمهورية. لقد أخطأت المعارضة كثيرا في موقفها ذاك والذي أصبح حجة يستخدمها أنصار الأغلبية كلما طالبت المعارضة بمعاقبة بعض المفسدين. لقد كان الأولى بالمعارضة في تلك الفترة أن تستغل فتح ذلك الملف للمطالبة بفتح المزيد من الملفات، وبتوسيع الدائرة حتى تشمل رجال الأعمال المقربين من النظام، والذين توجد لبعضهم ملفات كان يمكن تقديمها للرأي العام. اللافت للانتباه هنا أن الرئيس يمتلك جرأة كبيرة للتحدث عن ما تعتبره المعارضة مفسديها. أما المعارضة فلا تستطيع ـ لسبب لا أفهمه ـ أن تتحدث عن مفسدي النظام بنفس الجرأة. أنظر مقال " تفاديا للالتفاتة القاتلة" ومقال " إعلان حرب".
أيضا أخطأت النخبة بصفة عامة، وبالأخص من هم ضحايا للفساد. فهي بدلا من أن تقود انتفاضة شعبية ضد الفساد، لمؤازرة الحرب على الفساد، عندما بدأ إطلاق الرصاص الحي، اختارت أن تلعب دورا سلبيا ومثبطا. فصورت فتح ملف رجال الأعمال وكأنه عمل خطير سيؤدي لهلاك البلاد والعباد. والحقيقة أن ترك ذلك الملف وترك غيره من ملفات الفساد هو الذي سيؤدي إلى كارثة حقيقية تهدد البلاد والعباد، بمن فيهم من مصلح ومفسد على حد سواء. فالدولة قد تستقيم على الكفر ولكنها لا تستقيم أبدا على الظلم. ونحن المسلمين علينا أن نخاف من الأضرار التي قد يتسبب فيها ترك مفسد يسرق طعام جائع، أو دواء مريض. فذلك عليه أن يخيفنا ـ إن كنا مسلمين حقا ـ أكثر من خوفنا من معاقبة كل رجال الأعمال المفسدين، بل ومعاقبة كل المفسدين في هذا البلد دفعة واحدة، حتى ولو كانت نسبتهم على هذه الأرض الطيبة تفوق كثيرا نسبة الأميين ونسبة الفقراء التي تجاوزت نصف السكان.
ومن أخطاء النخبة أيضا أنها تحولت إلى "نخبة ببغاء" فإذا تحدث الحاكم عن السمنة تحدثوا هم عن السمنة. وإذا تحدث عن الأمية تحدثوا عن الأمية، وإذا تحدث عن الأزمة الأخلاقية تحدثوا، وإذا سكت الحاكم عن الأخلاق سكتوا، وإذا تحدث عن الطاولة المدرسية تحدثوا عنها، وإذا حارب الفساد حاربوه، وإذا هادنه هادنوه. لقد أصبح الحاكم هو الذي يحدد لنا أوجاعنا وآلامنا وهمومنا ويختار لنا التوقيت المناسب للتحدث عن أي معاناة، والتوقيت المناسب للتوقف عن الحديث عن تلك المعاناة، والبدء في التحدث عن معاناة أخرى. فالحاكم هو الذي يحدد لنا بالضبط متى نشكو من كثرة القمامة، ومتى نتوقف عن الشكوى من القمامة، ومتى نتألم بسبب الفساد، ومتى نئن بسبب نقص الطاولات المدرسية، ومتى نقول عندما لا يكون هناك أي أمل في الحصول على تمويلات أجنبية ـ كما حدث بعد انقلاب السادس من أغسطس ـ بأن بلدنا غني جدا ولا يحتاج لأي تمويل. ومتى نقول عكس ذلك تماما عندما تتعلق القلوب والأفئدة ببروكسل.
وتمشيا مع ما جرت به العادة عند سلاطين هذا البلد الذين تعودوا على أن يشعلوا حربا جديدة كلما أخمدوا أخرى. فقد أعلن الرئيس الحالي عندما هادن الفساد إشعال حربين تحريريتين جديدتين ومثيرتين : إحداهما برية انطلقت من مقاطعة عرفات لتحرير الشوارع، وهي حرب لن نتحدث عنها في هذا المقام. أما الثانية فهي حرب فضائية انطلقت من مبنى بيت الشعوذة المرئي ( التلفزيون) وهي التي سنخصص لها فقرة في هذه الورقة التي أنصح القارئ للمرة الثالثة بأن لا يكمل قراءتها.
تحرير الفضاء السمعي البصري: لن أعود في هذه الورقة لعورات الإعلام الرسمي وما أكثر عوراته. فقد تحدثت بما فيه الكفاية عن تلك العورات في مقالات سابقة: " بيوت الشعوذة"، " خبر عاجل"، "تأملات في اللاشيء"، "أسئلة على الطاولة"...إلخ
لن أعود لمساوئ الإعلام الرسمي بل سأكتفي بتسجيل بعض الملاحظات على الحرب التحريرية المعلنة. وسأقتصر على التلفزيون كنموذج لأنه هو الذي خصه الرئيس بالزيارة الميدانية التي وعد أثناءها بتحرير الفضاء السمعي البصري.
الملاحظة الأولى: إن تحرير الفضاء السمعي البصري يجب أن يسبقه ـ حسب اعتقادي ـ تحرير بيوت الشعوذة ( التلفزيون، الإذاعة، الشعب) من ممارسة الدجل والشعوذة حتى تعود ـ على الأقل ـ إلى مستوى أدائها في المرحلة الانتقالية الأولى، حيث كانت يومية "الشعب" تنافس الصحف المستقلة في الأكشاك، وحيث كانت الإذاعة والتلفزيون يقدمان بعض البرامج التي تستقطب المستمع والمشاهد.
ولقد كان الأجدر بالرئيس ـ الذي أعتقد بأنه مستاء فعلا مما يقدمه إعلامنا الرسمي ـ أن يختار لإدارة تلك المؤسسات موظفين أكفاء لهم القدرة والرغبة في تطوير وتقريب إعلامنا الرسمي من المواطن العادي، بدلا من تعيين موظفين لم يشتهروا في الماضي، ولا في الحاضر، بنضالهم لتحرير الإعلام الرسمي، ولا أعتقد بأنهم سيشتهرون في المستقبل. فمدير التلفزيون مثلا لا زال لسانه رطب بمدح الرئيس السابق معاوية، فهو الذي كان يفلسف ـ عندما كان مديرا للأخبار بالإذاعة ـ الخطابات البسيطة والعادية لذلك الرئيس ويقدمها على أنها مليئة بالدرر والجواهر وبالأفكار النادرة والعظيمة.
الملاحظة الثانية : إن النفر الثلاثة الذين يديرون مؤسسات الإعلام الرسمي لا زالوا يتصرفون بعقلية مناقضة لمشروع موريتانيا الجديدة .ولا زالوا يوصدون أبواب تلك المؤسسات عن جزء كبير من نخب هذا البلد، رغم أوامر الرئيس الصريحة في هذا المجال. فالتلفزيون مثلا لا زال يغلق أبوابه أمام بعض الصحفيين الأكفاء، الذين قدموا برامج متميزة أثناء الفترة الانتقالية الأولى، وشدوا المشاهد لمتابعة تلفزيونه الوطني. أكرر وطني لأني أتحدث عن التلفزيون في المرحلة الانتقالية الأولى، أما قبل ذلك، وبعده، فهو تلفزيون رسمي.
الملاحظة الثالثة : إن من يتابع التلفزيون اليوم سيدرك كم هو شاحب ومريع ذلك التلفزيون. وكم هي شاحبة تلك البرامج الحوارية التي يقدمها، والتي هي في مجملها برامج فاشلة، و بلا هوية، ولا يفرق بينها إلا اسم البرنامج أو اسم مقدمه.
الملاحظة الرابعة : لقد لعبت مؤسسات الإعلام الرسمي أدوارا "جبارة" (وهنا يمكن استخدام هذه الكلمة ) في انهيار القيم الأخلاقية والوطنية في هذا البلد. فهي التي كانت تجعل ـ ولا زالت ـ من الولاء للرئيس لا للوطن شرطا للولوج إليها. وهي التي كانت ترفع الرئيس ـ أي رئيس ـ مكانا عليا ثم تخفضه إلى الحضيض بعد أن يصبح رئيسا سابقا. والمفارقة أن "رواد" هذه المدرسة التطبيلية هم الذين يراد منهم ـ عبثا ـ أن ينهضوا بإعلامنا الرسمي (لا يمكن تسميته بالوطني) ويجعلوا منه أداة فعالة لبناء القيم الأخلاقية والوطنية التي تسببوا في انهيارها.
أزمة قيم وأزمة مواطنة : يحتاج مشروع موريتانيا الجديدة إلى إطلاق صفارة إنذار، للحد من الانهيار السريع للقيم والأخلاق، والذي أثر كثيرا على سمعتنا في الخارج التي كانت ـ وحتى وقت قريب ـ توفر لكل موريتاني أينما ولى وجهه رصيدا كبيرا من الاحترام والتقدير. لقد نهبنا كل شيء في السنوات الأخيرة، حتى رصيد السمعة الذي وَرَّثه لنا الآباء والأجداد نهبناه و"ادخرنا" مكانه رصيدا سيئا في مصارف السمعة العالمية، لدرجة أصبح فيها الموريتاني يمثل رمزا للتحايل والخداع، ويثير مخاوف الجميع أينما حل وارتحل. ورغم أن الرئيس الحالي كان هو أول رئيس يعلن صراحة بأن البلد يعيش أزمة أخلاق، إلا أنه مع ذلك لم يتخذ خطوات ملموسة للتخفيف من حدة تلك الأزمة، وهو ما يعكس وجها آخر من أوجه الإحباط.، في عام الإحباط هذا. ولأن الأزمة الأخلاقية أكثر تعقيدا من أن نتحدث عنها في فقرة قصيرة كهذه فسأكتفي هنا بالاقتصار على وجه من أوجه تلك الأزمة لم أتحدث عنه في ورقة "البطاقة اللاغية".
فالمؤسف حقا أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية عملت جاهدة ـ في العقود الأخيرة ـ من أجل تنمية وتطوير كل الظواهر السيئة، وكل نزعات الشر لدى مواطنيها. فكان كل من يمتلك القدرة و الجرأة لأن ينافق، ويتحايل، ويخدع، وينهب، ويكذب، ويميل حيث السلطة مالت هو الذي يتمكن في النهاية من أي يكون "قدوة" في القبيلة وفي الجهة وفي الإدارة وفي المجتمع بصفة عامة .. في حين أن من يحتفظ ببقية أخلاق، يتم نبذه وتهميشه وإقصاؤه اجتماعيا وسياسيا وإداريا. وكان الشعار المطبق في العقود الأخيرة هو : " احتقر نفسك كثيرا لتعلو علوا كبيرا... واحترم نفسك شيئا قليلا لتُزدرى وتُهمش كثيرا..". هكذا ظلت الأنظمة المتعاقبة ترفع صغار الناس، وتقصي كبارهم. وكان الصغار كلما زاد صعودهم طغوا و تمادوا أكثر في إذلال وإقصاء واحتقار من له ولو شيء يسير من أخلاق. وكان كل حاكم جديد يأتي بانقلاب أو بانتخاب أو بتصحيح أول ما يقوم به هو أن يرفع من شأن أنصاره الذين هم حقيقة ليسوا أنصاره، وإنما هم عصابات مرتزقة لهم قدرة عجيبة على تعويض كل نقص يعانون منه بمزيد من التصفيق والتطبيل. وكان يقصي معارضيه والذين هم أيضا قد لا يكونون معارضين، وإنما يرفضون ممارسة قبائح الأقوال والأفعال.. هكذا ظلت الأمور تسير تغييرا بعد تغيير، وتصحيحا بعد تصحيح، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
وكمثال على ما يمكن أن يقوم به النظام من إفساد لأخلاق الناس، سأقدم لكم مثالا بسيطا لما تسبب فيه قرار واحد من أضرار. والمثال من العهد الذي كانت فيه الأمية والسمنة من أهم مشاكلنا. وذلك قبل أن تظهر مشكلة الفساد ومشكلة الأزمة الأخلاقية. لقد قرر وزير أهم وزارة في ذلك العهد، أي وزارة محاربة الأمية أن يشرك الأئمة وشيوخ المحاظر في محاربة الأمية . ولقد قرر الوزير الفقيه ـ بحسن نية ـ أن لا يحصل أي شيخ أو إمام على راتب كامل، إلا إذا كان يدرس خمسين أميا. ولقد قيل للوزير وقتها بأنه لا يمكن تقديم درس في القراءة أو الكتابة لخمسين أمي في وقت واحد. كما أنه لا يمكن جمعهم في غرفة واحدة. ولا جمعهم من حي واحد، يوجد فيه العديد من الفصول المنافسة.
أصر الوزير الفقيه على قراره. وكانت النتيجة هي أن كل من هو على استعداد لأن يتحايل ويجمع خمسين من جيرانه، يوم توزيع الرواتب، يتم اكتتابه ويحصل على راتبه كاملا غير منقوص. أما شيوخ المحاظر والأئمة الجادين الذين قالوا بأنهم على استعداد لأن يفتحوا فصولا لعشرة أو لعشرين أميا على الأكثر، فقد تم إقصاؤهم. تأملوا هذا المشهد وزارة التوجيه الإسلامي تشجع الأئمة وشيوخ المحاظر على الكذب والتحايل، والأئمة وشيوخ المحاظر يشجعون في المقابل سكان أحيائهم على الكذب والتحايل, وبأن يشهدوا زورا وبهتانا بأنهم يتعلمون في فصول وهمية لمحو الأمية . والحصيلة معروفة، فقد تحولت محاربة الأمية إلى محاربة للأخلاق والقيم، تقودها وزارة كان من المفترض أن تعزز القيم والأخلاق!!!
واليوم لازالت عملية هدم القيم تتواصل، ويكفي ذكر عملية تنصيب " هياكل" الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي يبشر بمشروع موريتانيا الجديدة. فقد كانت عملية التنصيب بحق دورة تدريبية مفتوحة، تدرب فيها نصف المليون (عدد المنتسبين) لاكتساب المزيد من"المهارات" المبتذلة التي ابتكرها الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي.
أيضا لعب بعض الشباب المؤدلج في هذا العام دورا "هاما" في تعميق أزمة القيم وذاك من خلال السجال الذي شهد كثيرا من عبارات القدح والشتم والذم ..
ولعل الملاحظة التي لابد من تسجيلها، هي أنه من الأشياء الصادمة والمحبطة أن الأحزاب الإيديولوجية التي كان من المفترض أن تقدم الشاب النموذج، هي التي فاجأتنا بمجموعة من الشباب تتبارى في سب وشتم وذم كل شيء بما في ذلك كبار العلماء الأجلاء. والمقلق أن الشباب الذين كتبوا بحماس للدفاع عن تياراتهم الفكرية، يغيبون دائما عندما تكون هناك حاجة ماسة لكتاباتهم للدفاع عن الوطن. فهل يعني ذلك أن تلك الأحزاب لا تنمي قيم الوطنية في نفوس شبابها، وإنما تكتفي بتربيتهم على الولاء الإيديولوجي ؟ ذلك سؤال يستحق شجاعة للإجابة عليه.
وساهم النواب بدورهم ـ خاصة في هذا العام ـ بتقديم دروس ميدانية جديدة في الاستهتار بالقيم، وذلك من خلال عدم الوفاء للأحزاب التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه. ولقد كان كل نائب يرحل يصر على أن يبرر رحيله بنفس الحجة التي لم يعد يصدقها أحد: لقد قررت بعد تفكير عميق ودراسة متأنية للوضعية في البلد....إلخ. لقد رحل الكثير من النواب إلى حزب السلطة ومن بين النواب الرحل: 9 تركوا التكتل من أصل 15 نائب تكتلي.. و5 تركوا الحزب الجمهوري من أصل 7.. و3 من أصل4 رحلوا من حزب حاتم...و2من أصل 5 هاجروا من التحالف الشعبي..و2 من أصل 7 تركوا اتحاد قوي التقدم.. حتى النائب الوحيد لحزب الوسط هاجر وترك حزبه بلا نائب.. نفس الشيء حدث مع البديل. تلك مجرد لقطة من لقطات الترحال السياسي في بلاد "الترحال في ظل الاستقرار" أو" الترحال المؤتمن" أو " الترحال البناء" وهي لقطة تدعونا للحديث عن نوع آخر من أنواع الترحال قد لا يجد من يتحدث عنه.
ترحال إداري ومؤسسي : لم يعد الترحال في هذا البلد مقتصرا على الأشخاص، بل أصبحت هناك إدارات كاملة ترحل، ثم ترحل، ثم ترحل حتى لا تتوقف عن الترحال. ولأننا نعيش في عهد رئيس الفقراء فسأكتفي هنا بأن أقدم مثالين لإدارتين مهمتين بالنسبة للفقراء.
لقد رحلت إدارة الشؤون الاجتماعية أربعة مرات في أقل من ثلاث سنوات، رحلت من وزارة الصحة، إلى مفوضية الحماية الاجتماعية، ثم رحلت من الحماية الاجتماعية إلى مفوضية حقوق الإنسان قبل أن ترحل عنها وتستقرـ مؤقتا ـ في وزارة المرأة.
الغريب هو أن الإدارة قد احتفظت بنفس المدير خلال كل هذه الرحلات، فمديرها في ظل التغيير في ظل الاستقرار، هو نفس المدير في ظل التغيير البناء، وهو ما يستدعي طرح بعض الأسئلة على كل قارئ عنيد لازال يصر على مواصلة قراءة هذه الورقة: فهل ذلك الترحال كان ترحالا في ظل الاستقرار، أم هل كان ترحالا مؤتمنا، أم كان ترحالا بناء؟ وأيهما كان أقرب لقلب المدير: قائد التغيير في ظل الاستقرار، أم قائد التغيير المؤتمن، أم قائد التغيير البناء؟ نفس الشيء حدث مع إدارة محو الأمية التي احتفظت بنفس المدير رغم أنها رحلت من وزارة التوجيه الإسلامي، إلى وزارة التعليم أثناء دمج التعليم في وزارة واحدة بعد انشطاره الأول، ثم تركت التعليم بعد أن عاشت معه بعض اندماجاته وانشطاراته التي لا تنتهي أبدا، لتعود مرة أخرى لوزارة التوجيه الإسلامي، والتي كانت بدورها قد عرفت الانشطار في عهد "الترحال في ظل الاستقرار" عندما فشلت في الجمع بين العلماء والفنانين. فقررت أن تلفظ إدارة الثقافة بعيدا، تلك الإدارة التي ظلت ترحل، وترحل، و ترحل ـ تعبيرا عن ثقافة الترحال ـ حتى انتهى بها المقام المؤقت في وزارة الشباب والرياضة.
ولأن الحاكم ـ كما قلت سابقا ـ هو الذي يحدد لنا همومنا، ولأنه حتى الآن لم يعلن بأن الأمية التي يعاني منها نصف السكان هي من مشاكل الفقراء، التي يجوز التحدث عنها. لذلك فسأعوض مثال إدارة محو الأمية، بمثال آخر، يهم "فقراء آخر زمن"، أو فقراء آخر عهد من عهود التغيير. ويتعلق الأمر بلوحة كبيرة على مبنى حكومي كبير كتب عليها : وزارة المياه والطاقة وتقنيات الإعلام والاتصال، وربما تكون اللوحة هي التي ضاقت قبل أن يكتبوا أشياء أخرى. هذه الوزارة لم تعد موجودة ـ قطعا ـ رغم لوحتها ومبناها الكبير. لقد تطايرت، وتفرقت، وتشتت، وتناثرت، كل القطاعات التي كانت ـ ولا زالت ـ تجمعها تلك اللوحة إلى جهات عديدة لا يمكن تتبعها هنا. الشيء المؤكد هو أنه لا يمكن لنا أن نتوقع تنمية في ظل هذا الترحال الإداري العبثي والطائش والصبياني.
مشكلة أخرى قديمة جديدة، تعاني منها الإدارة القديمة الجديدة، وهي التي أشرت إليها بطرح تلك الأسئلة السابقة. فأغلب الموظفين لا تهمهم إداراتهم، وإنما يهمهم في الأساس أن يجتمعوا في فندق مع كل مناسبة سياسية ليعلنوا ولاءهم للرئيس. فتارة يجتمعون بشكل قبلي فيقال أطر القبيلة الفلانية. وتارة يجتمعوا بشكل جهوي فيقال أطر ولاية كذا، أو مقاطعة كذا، اجتمعوا في فندق كذا، ووزعوا البيان كذا، وأعلنوا دعمهم المطلق لقائد التغيير كذا..
المهم أنكم لن تسمعوا أبدا بأن أطر أي ولاية، أو مقاطعة، قد اجتمعوا لتدارس مشاكل ولايتهم وللبحث عن أفضل السبل الكفيلة بتنميتها. ولن تسمعوا بأنهم اهتموا بفقراء ولايتهم في عهد رئيس الفقراء. لن تسمعوا أبدا ذلك، ولن تسمعوا شيئا مثل ذلك، لذلك فعليكم أن لا تتوقعوا تنمية، لأن السماء لا تمطر تنمية.
السماء لا تمطر تنمية : لقد توقع الفقراء في أول عام من حكم رئيسهم أن تمطر عليهم السماء تنمية، وأن يتحقق الشيء الكثير من تلك الوعود الثورية، خاصة أنهم بذلوا جهدا كبيرا، وأنهم هم من حسم المعركة الانتخابية لصالح قائد التغيير البناء.ولم يحسمها المفسدون أو السياسيون أو الوجهاء أو المثقفون.
لقد مر عام كما مرت أعوام من قبله، وكما ستمر أعوام من بعده، والحال كما هو : لاشيء قد تغير في حياة الفقراء رغم كثرة " التغييرات" . ولا شيء تغير في حياتهم خلال هذا العام خاصة، وإليكم بعض اللقطات السريعة من عامكم هذا:
1 ـ نواب يصوتون لرفع الضرائب على الأرز وعلى المحروقات، ويرفضون التصويت على زيادتها على السجائر. المخجل والمعيب والفاضح والمقزز والمقرف أن رئيس مكافحة التدخين في البرلمان كان من أشد المدافعين عن السجائر ومورديها.
2 ـ السلطات تعامل الحمالين بخشونة، وترفض أن تزيد لهم 500 أوقية عن الطن وهي زيادة لا تؤثر على الأسعار إلا بنصف أوقية للكلغ مع العلم أن الأسعار قد ارتفعت خلال العام بمبالغ معتبرة ( وهنا يمكن استخدام كلمة معتبرة). أنظر إلى مقال : " من حمال.. إلى رئيس الجمهورية" و " حمالون بلا حياء" و "كبرياء حمال".
3 ـ عاطلون عن العمل لا يتوقفون عن الاحتجاجات، والاعتصامات، والنداءات، ورغم ذلك لا أحد يهتم بهم . لم تقدم وكالة تشغيل الشباب أي تمويل، ولم تنفذ أي عمل لصالح حملة الشهادات لا في هذا العام، ولا في العام الذي قبله.
4 ـ لقد شهدت وزارة الصحة أسوأ عام في تاريخها، فبدلا من أن تهتم بصحة المواطن، فقد تفرغت لصراعات بلا أول ولا آخر مع الأطباء. ولقد وصل الخلاف لدرجة رفض فيها الأطباء استقبال الوزير في أول سابقة من نوعها.
5 ـ من اللقطات التي قد تظهر وكأنها بسيطة مع أنها ذات دلالة عميقة للتعبير عن الفجوة الكبيرة بين مستوى الوعود، وبين مستوى العمل الميداني اللازم لإنجاز تلك الوعود. يمكن أن نقدم كمثال مستوى العمل التحضيري المقام به حاليا من أجل إنجاح الحملة الزراعية لهذا العام، والتي أعطى الرئيس شخصيا إشارة انطلاقها بعد أن توقفت في العام الماضي.
لقد كان من المفترض أن يكون الأمين العام لوزارة التنمية الريفية على استعداد كامل للعمل ساعات إضافية مع أوقات الدوام الرسمي، خاصة في هذه الفترة بالذات، وذلك من أجل التحضير الجيد والتنسيق بين مختلف قطاعات الوزارة، لضمان نجاح الحملة الزراعية القادمة. المفاجأة هنا هي أن الوزارة بلا أمين عام منذ ما يزيد على شهرين!!!
وبالتأكيد فأنا لا أقول بأن تعيين أمين عام سيحل مشاكل الزراعة، وإنما أردت أن فقط أن أقدم لقطة من عبثية الإدارة. فهي تقول بأنها تحضر بشكل جيد لنجاح الحملة الزراعية، وهي في نفس الوقت تترك منصب من يفترض أن يقود ذلك التحضير شاغرا ولمدة شهرين حاسمين. فهل ذلك يعني أن التحضير ليس إلا مجرد كلمة لا يترتب عليها أي فعل؟ ذلك سؤال يستحق الإجابة في مقام آخر.
ختاما : ربما يكون أهم شيء أختم به، هو أن أعيد تقديم بعض المقترحات التي كنت قدمتها خلال العام ، دون أن تجد ـ كما هو العادة ـ من يهتم بها، وهي مقترحات توجد تفاصيلها في رسائل مفتوحة سابقة. ومن أهم ما يميزها أنها نابعة من الواقع الموريتاني، وتستجيب للحالة الموريتانية، وليست حلولا مستوردة قد تصطدم بالعقلية وبالحالة الموريتانية الفريدة من نوعها، ومن هذه المقترحات:
1 ـ اقتراح برامج رائدة لسد نواقص التكوين المهني المعتمد، وذلك من خلال برامج موسعة للتثقيف الحرفي والمهني قصيرة المدة، وذات كلفة منخفضة جدا، وقادرة على التأهيل في مجال الحرف الصغيرة جدا التي يستنزف من خلالها الكثير من موارد هذا البلد.
2 ـ مقترح لتنظيف العاصمة من خلال التعامل مع القمامة ليس بوصفها مشكلة، وإنما بوصفها يمكن أن تكون ثروة، و مصدرا هاما لتوفير الدخل ولتشغيل الشرائح الأكثر فقرا.
3 ـ مقترح لاعتماد أساليب جديدة في الاكتتاب، تساعد في الحد من تركيز البطالة في الأوساط الأكثر فقرا.
4 ـ مقترح لبرنامج تلفزيوني شبابي تنموي لا زال مدير التلفزيون يرفض إطلاقه.
وأخيرا : أشكركم لأنكم أكملتم قراءة هذه الورقة ولم تستجيبوا لطلبي بعدم إكمالها..وأتمنى لكم عاما جديدا يشذ عن القانون المحبط. وأقول لكم : تصبحون على موريتانيا جديدة بلا تشوهات خلقية ...

الاثنين، 14 يونيو 2010

رسالة شكر وتعهد لرئيس الوزراء التركي


لقد كان يؤلمني كثيرا ـ مثلي مثل ملايين المسلمين ـ أن لا أرى صورة أي رئيس مسلم واحد ترفع في أي مسيرة أو مظاهرة أو وقفة تنظم في أي دولة إسلامية، نصرة لقضية المسلمين الأولى، لأنه لم يكن ـ للأسف الشديد ـ من بين كل رؤساء الدول الإسلامية من يستحق أن ترفع صورته في تلك المسيرات والمظاهرات والوقفات التضامنية.
ولقد كان يؤلمني أكثر أن " تشافيز" كان هو الرئيس الوحيد الذي ظلت الجماهير المسلمة ترفع صوره في السنوات الأخيرة من " جاكرتا " إلى " نواكشوط " لأنه كان هو الوحيد الذي انحاز بجرأة وشجاعة لقضايانا العادلة.
لذلك فقد وجدتني ـ مثلي مثل ملايين المسلمين ـ أحس بشيء من العزة والافتخار، لم أشعر به من قبل وأنا أتابع مواقفكم الأخيرة التي جعلتكم تستحقون وبجدارة أن ترفع صوركم في كل مكان، خاصة بعد أن أعلنتم بصراحة وبوضوح شديدين بأنكم لن تديروا ظهركم لفلسطين حتى ولو أدار لها العالم كله ظهره.
فكم هو عظيم ذلك الوعد، وكم هو مخيف في نفس الوقت، مخيف لأنه لم تعد لنا القدرة على تحمل وامتصاص أي إحباط جديد، بعد سلسلة من الإحباطات المتراكمة التي تسبب فيها زعماء وقادة أطلقوا قبلكم وعودا كبيرة تبين في النهاية أنه لم تكن لهم القدرة على تحقيقها، أو لم تكن لهم الرغبة أصلا في تحقيقها.
والحقيقة أن هناك أسباب عديدة جعلتنا نتفاءل بوعودكم، رغم احباطاتنا السابقة، ومن هذه الأسباب:
1ـ كونكم قد استطعتم وفي مدة قصيرة أن تقدموا انجازات سياسية واقتصادية كبيرة لشعبكم فذلك يعطي مصداقية كبيرة لوعودكم،عكس زعمائنا الآخرين الذين كانوا يطلقون الوعود لصالح فلسطين، في الوقت الذي كانوا فيها عاجزين عن تحقيق أي تنمية لبلدانهم، لتبقى شعوبهم تعاني من الفقر والتخلف والظلم والاستبداد. إن من لم ينجز لشعبه شيئا مذكورا، لن ينجز لفلسطين شيئا مذكورا. أما أنتم فقد حققتم لبلدكم أشياء كثيرة لذلك فإنه يحق لنا أن نتوقع منكم أن تحققوا شيئا لصالح فلسطين.
2 ـ كونكم زعيما منتخبا يعطي لوعودكم مصداقية يفتقدها غيركم. كما أن تلك الميزة ستفقد العدو حجة كثيرا ما كان يتبجح بها، و يرددها على مسامع العالم " المتحضر"، وهي أنه بلد ديمقراطي فريد في المنطقة يصارع أنظمة دكتاتورية.
3 ـ شبكة العلاقات القوية التي تربط تركيا بالغرب، والتي تضاف إليهم قدرتكم الفائقة على استثمار تلك العلاقات، وتوجيهها بطريقة ذكية وفعالة، في مواجهة عدونا وعدوكم.
4 ـ شعوركم بالعبء التاريخي والأخلاقي والديني وحتى الإنساني الذي يفرض عليكم أن تلعبوا دورا في المنطقة، وذلك لمليء الفراغ الذي خلَّفه الموت السريري للرؤساء العرب، والذين لا تزال شعوبهم ـ لسبب أو لآخر ـ تؤخر "تشييعهم " ودفنهم، رغم أن فيهم من هو ميت منذ عقود من الزمن.
5 ـ مذهبكم السني الذي يميزكم عن إيران التي يعترض البعض على دورها الإقليمي، بحجة الوقوف أمام المد الشيعي.
هذه الأسباب من بين أخرى لا يتسع المقام لذكرها، هي التي جعلتنا نثق في وعودكم، وجعلتنا نحن بدورنا ( ونحن هنا تعني الملايين من المسلمين) نعدكم ـ كل بطريقته ـ بأننا لن ندير لكم ظهورنا حتى ولو أدار لكم العالم كله ظهره.
فالعالم ـ بالتأكيد ـ سيدير لكم ظهره، بل أنه سيحاربكم، لأن خصمكم في هذه المرة هو إسرائيل، الدولة المدللة ذات الأذرع الطويلة، والتي بدأت تشعر بأنها أصبحت تفقد شيئا كثيرا من دلالها، وتفقد كذلك شيئا كثيرا من قدرتها على البطش. ستحاربكم إسرائيل لأنكم أصبتموها في مقتل رغم أنكم لم تطلقوا رصاصة واحدة، وهذه واحدة من إبداعاتكم الكثيرة. ستحاربكم بشراسة وبعصبية وبكل أساليبها القذرة المعهودة. وسيحاربكم النظام الرسمي العربي ـ وهذه ربما تكون ضارة نافعة ـ لأنكم أهنتموه بكبريائكم . ولأنه اعتاد على أن لا يحارب إلا الأصدقاء والأشقاء.
سيحاربونكم جميعا ولكن شعوب العالم الإسلامي التي طال اشتياقها لميلاد زعيم مسلم ستكون في صفكم. وهي بالمناسبة أصبحت أكثر وعيا، وأكثر نضجا، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياتها.
وفي اعتقادي ـ وهذا الكلام موجه للشعوب لا لكم ـ أنه على الشعوب في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة، من الصراع الإسلامي الإسرائيلي( هكذا يجب تسميته) أن تقود حملة مناصرة لتركيا ولقادتها وهذه الحملة يجب أن تركز على بعض الأمور لعل من أهمها:
1 ـ الدعم الشعبي للاقتصاد التركي الذي لابد وأن يتأثر سلبا، إذا لم تقم الشعوب بدورها في هذا المجال. وذلك من خلال اختيار السلع التركية عن غيرها كلما كانت البدائل موجودة، والخيار ممكنا. كما أنه يجب تشجيع السياحة إلى تركيا، وفي تركيا ما يغري، خاصة في هذا العام الذي يجب أن تكون فيه قبلة لكل السواح المسلمين، وذلك لتعويض الخسارة، بل ولمضاعفة دخل هذا القطاع الذي قد يتعرض لخسارة كبيرة بسبب توتر العلاقات التركية والإسرائيلية، إذا لم يتم دعمه إسلاميا.
2 ـ يجب أن يتواصل ما أسميته في مقال سابق بانتفاضة القوافل، كما يجب عولمة تلك الانتفاضة، وذلك حتى لا تشعر تركيا بأنها تركت وحيدة في هذه الحرب التي تقودها باسم المسلمين وباسم كل الأحرار في العالم، والتي ستكون في الأساس حربا قانونية وإعلامية ودبلوماسية وسياسية.
3 ـ من المؤكد أن البعض سينبش التاريخ وسيضخم أحداث معينة، وذلك من أجل إقناع الشعوب بسوء نوايا تركيا، بل ومن أجل إظهارها وكأنها هي العدو الأول والأخطر للعرب والذي تجب محاربته قبل محاربة إسرائيل.
لذلك فإنه يجب على المثقفين والكتاب والإعلاميين وكل أصحاب الرأي أن يطلقوا حملة استباقية، تظهر النقاط المضيئة في التاريخ العثماني وما أكثرها.
وهنا قد يكون من الضروري أن أقدم للقارئ مثالين: أحدهما بطله تركي عادي، والآخر بطله خليفة عثماني، وذلك لأقدم صورتين ناصعتين من التاريخ العثماني.
الصورة الأولى : ذكر "أورخان محمد علي" في كتابه "روائع من التاريخ العثماني" قصة أغرب اسم جامع في العالم،وهو جامع صغير في منطقة "فاتح" في اسطنبول اسمه باللغة التركية : "صانكي يدم" أي: "كأنني أكلت" أو "افترض أنني أكلت". ووراء هذا الاسم الغريب، قصة غريبة طريفة ، وفيها عبرة كبيرة. يقول "أورخان" : كان يعيش في منطقة "فاتح" شخص ورع، اسمه "خير الدين كججي أفندي" ، وكان صاحبنا هذا عندما يمشي في السوق ، وتتوق نفسه لشراء فاكهة ، أو لحم ، أو حلوى ، يقول في نفسه : صانكي يدم.. كأنني أكلت.. ثم يضع ثمن تلك الفاكهة أو اللحم أو الحلوى في صندوق له، ومضت الأشهر والسنوات ، وهو يكف نفسه عن كل لذائذ الأكل ، ويكتفي بما يسد رمقه فقط . وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئا فشيئا ، حتى استطاع بهذا المبلغ الموفر القيام ببناء مسجد صغير في محلته ، ولما كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير، وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد ، أطلقوا على الجامع اسم : جامع صانكي يدم، أي كأنني أكلت، أو أفترض أني أكلت وهذا الجامع لازال موجودا حتى الآن.
الصورة الثانية: حدثت في العام 1571م وبطلها الخليفة العثماني "نور الدين الشهيد"، المعروف بالصاعقة، والذي بينما كان منشغلا بالجهاد في أوربا الشرقية، علم بحصار أسطول برتغالي أسباني لجدة. وقد كان هدف ذلك الأسطول البغيض الهجوم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ جسده الطاهر وتعريضه لما لا يليق بمقام سيد البشرية.
توجه نور الدين فورا إلى جدة، وتمكن من إغراق الأسطول، وعزل الوالي، ثم مشى 70 كلم على الأقدام حتى وصل إلى مكة، بعد أن ثقب أذنه، ووضع فيها حلقة، وحلق رأسه كما كان يفعل العبيد في تلك الفترة، ثم أخذ مكنسة لتنظيف المسجد الحرام. وأطلق عليه الناس لقب خادم الحرمين الشريفين وكانت تلك هي أول مرة في التاريخ يطلق فيها ذلك اللقب.
لذلك فلن يكون غريبا على أمة أنجبت في الماضي أولئك الرجال أن تقدم لنا اليوم قائدا وشعبا ينتصر لفلسطين وللمسجد الأقصى. ولن يكون غريبا على تلك الأمة التي أنجبت في الماضي قائدا كان صاعقة على أعداء المسلمين أن تنجب اليوم قائدا صاعقة على إسرائيل وقادرا على أن يحاربها بأسلحة العصر القانونية والدبلوماسية والإعلامية والسياسية حتى يكشف قبحها لكل أحرار العالم.
عشت قائدا لا يدير ظهره لفلسطين...
وعشنا أنصارا لك لا ندير ظهورنا لك أبدا..

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

بشائر الرحلة رقم 9


لقد ارتكب جيش الإجرام الصهيوني ـ كعادته ـ مجزرة بشعة جديدة، وإن كانت هذه المرة قد تم ارتكابها في المياه الدولية، في البحر المتوسط، ضد تاسع قافلة إغاثة إنسانية حاولت كسر الحصار الغاشم والظالم المفروض على أهلنا في غزة الصامدة.
ولقد سقط شهداء وجرحى، وسكبت " دماء متعددة الجنسية" في عرض البحر المتوسط في لحظة تاريخية فاصلة، بشرت بقرب زوال الكيان الغاصب، إنها لحظة تحمل بشائر عدة، رغم عظم المأساة، وتبعث آمالا كبيرة، رغم حجم الآلام التي سببتها.
إنها إذن بشائر عديدة قدمها أبطال قافلة الحرية، يمكن أن نذكر منها هنا تسعا، تيمنا برقم هذه الرحلة المباركة التي ستشكل لمرحلة جديدة من " انتفاضة القوافل":
1 ـ إن تلك الدماء المتعددة الجنسية التي قدمها أبطال متعددو الجنسية والديانات والثقافات والاهتمامات، ستشكل بداية للميلاد الفعلي لأول انتفاضة شعبية متعددة الجنسية ضد آخر نظام عنصري في العالم. إنها بداية لما يمكن تسميته بعولمة مقاومة إسرائيل حتى وإن كانت تلك العولمة عولمة شعبية وليست رسمية.
2 ـ لم تعد الشعوب تقبل بأن يقتصر دورها على مطالبات الحكومات بالتدخل لوقف الغطرسة الصهيونية التي تلطخ الضمير الإنساني العالمي، بل أصبحت على استعداد لفعل أي شيء متاح، بما في ذلك تقديم الدم الغالي والزكي إذا ما تعذر إيصال الغذاء والدواء للأطفال والنساء والشيوخ المحاصرين لما يقترب من أربع سنوات.
3 ـ إن هذه القوافل والتحركات الشعبية أفقدت إسرائيل القدرة على السيطرة و"ضبط النفس" ولم تعد قادرة على التعامل مع الضغوطات المتزايدة التي تفرضها تلك التحركات الشعبية. فلم يكن إقدام إسرائيل على تلك المجزرة البشعة في صالحها، بل إنه سيجلب لها أضرارا كبيرة دون أن يحقق لها أي مكسب مهما كان حجمه. وهذا ما تحدث عنه العديد من الكتاب في صحف العدو.
4 ـ لقد أصبح أكبر عدو لإسرائيل هو إسرائيل نفسها. وتلك هي بداية الهزيمة النفسية التي ستتسبب في المزيد من ارتكاب الأخطاء الفادحة والتي مردها ـ بالأساس ـ إلى أن هذا الكيان قد أصبح يشعر بأنه لم يعد قادرا على ردع الخصوم، كما كان يحدث سابقا، وذلك بسبب تنامي المقاومة الشعبية التي أصبحت قادرة على توجيه ضربات موجعة كما حدث مع حزب الله الذي هدد أمينه العام بحصار بحري، إذا ما حاصرت إسرائيل السواحل اللبنانية في أي حرب قادمة. هذا التراجع الكبير في القدرة على الردع ، وفي القدرة على اتخاذ زمام المبادرة، يصاحبه فشل إسرائيلي متنامي ولافت في العجز عن تغطية القبح الإسرائيلي عن العالم.
إن هذه المقاومات الشعبية هي التي تضعف إسرائيل عسكريا، في حين أن القوافل وطريقة التعامل معها هي التي تكشف الغشاء عن أعين من لا يزال يصدق بأن لإسرائيل وجه يمكن النظر إليه، أو أنها هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط!!!
لقد أصبحت إسرائيل ـ بفعل هذه التحركات المتصاعدة ـ " تناضل " بشكل مستميت من أجل كشف وجهها البشع والقبيح لكل العالم.
5 ـ لقد كان من المؤلم جدا أن الشعوب العربية والإسلامية لم تكن في السنوات الماضية، قادرة على رفع صورة أي رئيس عربي أو مسلم كلما كانت هناك تحركات تضامنية مع الشعب الفلسطيني، الشيء الذي جعلها تبحث بعيدا في أمريكا الجنوبية عن زعيم.
لذلك فقد كان من ثمار قافلة الحرية أنها جعلت المواطن في الدول العربية والإسلامية يبدل صور "تشافيز" بصور "أردوغان" الذي أثبت من خلال ردة فعله بعد مجزرة قافلة الحرية، و من خلال انسحابه عن منتدى دافوس، و من خلال ردة فعله القوية ضد إهانة السفير التركي، بأنه يستحق فعلا أن ترفع صوره في كل تحرك لصالح فلسطين التي وعد بأنه لن يدير لها ظهره حتى ولو أدار العالم كله لها ظهره.
6 ـ لقد أثبتت قافلة الحرية وما سبقها من أحداث أن الأحمق هو الذي ينتظر شيئا ما ـ أي شيء ـ من " الزعماء" العرب. فغالبية الزعماء العرب لا يمكن إحراجهم مهما كان حجم المجازر، ومهما كانت وحشيتها، ومهما كان حجم تعاطف الأجانب. هؤلاء القادة مشغولون بمبادرات السلام، وبالمفاوضات المباشرة، وغير المباشرة، وبالحوار، وبدفع عجلة السلام،وإصلاح عجلة السلام، بل وتصنيع عجلة جديدة للسلام و دفعها إلى الأمام أو إلى الوراء .. إلى اليمين أو إلى الشمال.. لا يهم.
7 ـ لقد استطاعت قافلة الحرية أن تلفت أنظار العالم إلى الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة. واستطاعت أن تسحب الأضواء ـ ولو مؤقتا ـ عن قضية السلاح النووي الإيراني الذي تحاول إسرائيل وأمريكا أن تشغل به العالم عن جرائم العدو الصهيوني.
8 ـ لقد أثبتت مجزرة قافلة الحرية أن العالم "المتحضر" لم تعد له نفس القدرة على تحمل الفاتورة الكبيرة التي تكلفها إسرائيل، بتصرفاتها المجنونة والطائشة والمستهترة. فردود الأفعال الدولية على اغتيال "المبحوح"، أو على مجزرة قافلة الحرية، رغم أنها كانت خجولة جدا، إلا أنها مع ذلك وفي المحصلة كانت لافتة. فلم تعد أمريكا التي تعاني من فشل عسكري في العراق وأفغانستان، تصاحبه وضعية اقتصادية غير مريحة، وترافقه سمعة سيئة، لم يعد بإمكانها أن تجبر العالم على السكوت على جرائم فظيعة، لا يمكن السكوت عليها.
9 ـ إن هذا الإنجاز الكبير، الذي حققته قافلة الحرية، سيبعث ثقة كبيرة لدى كل الأحرار في العالم وسيشجعهم على تنظيم المزيد من الأنشطة التي لابد وأن تترك بصمة إيجابية على النضال ضد الكيان الغاصب.
تصبحون على انتفاضة إنسانية ضد العدو الصهيوني...

الأربعاء، 19 مايو 2010

حمالون بلا حياء!


يعتقد الحمالون ـ وهم مخطئون في ذلك ـ بأن رئيس الفقراء، وحكومة الفقراء، وأغلبية الفقراء، ونخب الفقراء، ورجال أعمال الفقراء، وفقراء الفقراء، وفقراءَ فقراءِ الفقراء، سيسمحون لهم بأن يزيدوا الأسعار بنصف أوقية للكيلوغرام. وذلك الاعتقاد الخاطئ هو الذي جعل الحمالين يطالبون بزيادة 500 أوقية، أو أكثر، على حمولة كل طن، مما كان سيتسبب لا محالة في زيادة تلقائية بنصف أوقية لكل كيلوغرام يباع على أرض الفقراء، وتحت سماء الفقراء، وفي عصر الفقراء الذهبي. الشيء الذي يتناقض ـ بشكل صارخ واستفزازي ـ مع البرنامج الانتخابي لرئيس الفقراء الذي وعد فيه بخفض الأسعار، فكيف يقبل بزيادتها حتى ولو كانت زيادة بنصف أوقية لا غير. فيا أيها الحمالون إن اعتقدتم بأن تلك الزيادة ستقبل، فأنتم واهمون.. واهمون .. واهمون. فكيف تعتقدون ـ ولو للحظة ـ بأن رئيس الفقراء، وحكومة الفقراء، وتجار الفقراء، وفقراء الفقراء سيسمحون لكم بأن تزيدوا سعر كيلو الأرز بنصف أوقية. وهو الذي لا تستغني عنه أسركم وعائلاتكم التي تأكله أبيض ناصعا في أكثر الأحيان. أيها الحمالون اعلموا أن رئيس الفقراء، أكثر شفقة على أسركم منكم، واعلموا أنكم إذا حاولتم أن تزيدوا أسعار المواد الأساسية على زوجاتكم وأبنائكم وعماتكم وأعمامكم وخالاتكم وأخوالكم وبني خالكم وبنات خالاتكم و جيرانكم، فإن رئيس الفقراء لن يقبل بذلك. لن يقبل به، ولن تقبل به كذلك حكومة الفقراء، ولا رجال أعمال الفقراء، ولا فقراء الفقراء، ولا حتى فقراءَ فقراءِ الفقراء. أيها الحمالون الفقراء عليكم أن تعلموا ـ كذلك ـ بأن أغلبية رئيس الفقراء أكثر شفقة عليكم من أنفسكم. ألم تسمعوا بنائب من "المشفقين الجدد" قال في العاصمة الاقتصادية بأن احتجاجاتكم هي احتجاجات سياسية، وهي ستضركم قبل غيركم، لأنها ستزيد عليكم الأسعار وأنتم فقراء لا تتحملون زيادتها. أيها الحمالون إنكم لا تستطيعون أن تشككوا في شفقة ذلك النائب على الفقراء. فهو وحتى وإن كان قد قبل بزيادة الضرائب على الأرز الذي يأكلونه، إلا أنه كفَّر عن ذلك الذنب العظيم برفض زيادتها على السجائر التي قد يدخنها بعضهم !!! رغم أن ذلك الاعتراض يتناقض مع مكانته البرلمانية فهو رئيس فريق مكافحة التدخين في البرلمان. فطوبى لمقاطعة تيشيت بهذا النائب المشفق، وطوبى لفقراء موريتانيا به، وشكرا لأهل تيشيت الذين انتخبوه لنا فقد كنا في أمس الحاجة إليه. فتصوروا أن برلماننا لم يكن فيه مثل هذا النائب العظيم الذي انحاز للفقراء. والذي كان له الشرف، بأنه هو أول شخصية من الأغلبية، أعلنت وبشكل صريح رفضها للمحاولات الدنيئة التي يقوم بها الحمالون من أجل رفع الأسعار.( إن شعبا ينتخب مثل هذا النائب لابد أن يكون له مستقبل "ناصع" مع الفقر والتخلف). أيها الحمالون عليكم أن تعودوا لرشدكم، وتتوقفوا عن هذه المطالب التي تتناقض مع فلسفة موريتانيا الجديدة، ومع جغرافيتها، وتاريخها، وأعرافها، وتقاليدها، وعاداتها، وتراثها.(تراث موريتانيا الجديدة يبدأ مما قبل 3 أغسطس من عام 2005 رغم أنها لم تولد إلا بعد 6 من أغسطس 2008). إن تظاهركم قد يوحي لأعداء موريتانيا الجديدة، وللمشككين فيها، بأن هناك بعض الفقراء لا زالت لديه مطالب لم يتم تحقيقها، في الأشهر التسعة التي تحققت فيها "المعجزات" وتحقق فيها ما لم يتحقق في سنوات، والكلام على ذمة وزير الصحة. وتظاهركم قد يتناقض مع جنان الفقراء التي يتحدث عنها فقراء الأغلبية، وفقراء البرلمان، وفقراء الحكومة، وفقراء المفسدين، وفقراء الإعلام الرسمي. إن حكومة الفقراء تعمل جاهدة لإسعاد كل الفقراء، بما في ذلك فقراء دول إفريقيا الغربية. وهذا ما يفسر تركها للأجانب ينافسون فقراء البلد في حمل الأثقال، لأنهم هم أيضا يستحقون الرأفة والشفقة من رئيس الفقراء، ومن حكومة الفقراء، ومن رجال أعمال الفقراء. فكيف بالله تصدقون أن حكومة تهتم بفقراء الدول المجاورة ستقصر في حق فقرائها الذين هم من لحمها وعظمها؟؟؟ ( لا أستطيع أن أقول من دمها، فهناك تصرفات كثيرة توحي بأن حكومتنا لا دم فيها، ولا حياء لها، وأقرؤوا إن شئتم مقال وزير الصحة الذي لم يعد لديه شيء يفعله في وزارته، فتفرغ لكتابة المقالات !!! ). واعلموا أيها الحمالون بأن هناك الكثير من الفقراء يحسدكم على ما أنتم فيه من نِعَم، فأنتم لا تعانون من الأرق، فمن كثرة تعبكم تنامون بمجرد وصولكم إلى "أكواخ الدجاج" التي تسكنون. ( التسمية لرئيس الفقراء بمناسبة أول زيارة للحي الساكن).أما غيركم من الفقراء فإنه لا يستطيع النوم فهو " لا يحظى" بتعبكم، وإن كان يشارككم في فقركم. إن احتجاج الفقراء "النائمين" قبل احتجاج الفقراء "اليقظين" يشكل ظاهرة لافتة يجب التوقف عندها. لن أضيف شيئا على هذه الجملة، وسأترك لكل قارئ الحرية في فهمها وتأويلها كيف ما شاء. أيها الحمالون إنكم مخطئون.. مخطئون .. مخطئون.فكيف قررتم أن تتظاهروا وأنتم تعلمون بأنكم لا تستطيعون مواصلة إضرابكم، فأنتم لستم كغيركم، لأنكم عندما تتوقفون عن العمل في يوم، فلن تجدوا ما تأكلونه في ذلك اليوم. وعندما تتوقفون ليومين فلن تأكلوا ليومين.. وهكذا. وكيف قررتم أن تتظاهروا وأنتم تعلمون بأنه لن يتعاطف معكم أي فقير من الأغلبية ولا من المعارضة، رغم أن الجميع يحب الفقراء ويشفق عليهم. فأنتم قد لا تصدقون حاليا بأن الأغلبية تهتم بكم. ولكن أريدكم فقط أن تنتظروا أول انتخابات قادمة لتعرفوا كم هم يحبونكم، فقد يأتيكم ساعتها فارس من رحم الأغلبية،لا تعرفونه ولا يعرفكم، يلبس ثوبا أكثر بياضا من أرزكم الذي تأكلون، وليست عليه آثار السهر ومع ذلك فقد يقول لكم بأنه لم يذق للنوم طعما منذ سنوات، لكثرة انشغاله بالتفكير بهمومكم. وقد لا تصدقون أيضا بأن المعارضة تهتم بكم، تلك المعارضة التي نظمت المسيرات عندما سُجِن بعض رجال أعمالها، ولم تتحرك عندما تم سجن عشرات الحمالين. اعذروا المعارضة أيها الحمالون، فهي تحتاج لمال الأغنياء أكثر من احتياجها لعرق الفقراء. وقد لا تصدقون بأن كتابنا ومثقفينا وصحافتنا ومجتمعنا المدني يهتمون بكم. ولكنهم في حقيقتهم يهتمون بكم، حتى وإن كان هذا الاهتمام أقل من اهتمامهم بتحركات الطلاب أو الأساتذة أو الأطباء. فهم قد يتحركون بحماس عندما يسجن صحفي، أو طالب، أو أستاذ. ولكنهم لا يتحركون عندما يعتقل عشرات الحمالين البسطاء الفقراء. وهم قد تشغلهم قضايا أرشيفية، وصراعات ثانوية عن همومكم. ولكن كل ذلك ليس دليلا على أنهم لا يهتمون بكم. إنهم يهتمون بكم، حتى وإن كان يصعب تقديم دليل على ذلك الاهتمام. أيها الحمالون لو كنتم على حق لما ضاعت حقوقكم على أرض الفقراء، وتحت سماء الفقراء، وعلى مرأى ومسمع من رئيس الفقراء. ولو كنتم على حق لما خذلتكم حكومة الفقراء، ولا معارضة الفقراء، ولا مثقفو الفقراء، ولا صحافة الفقراء، ولا المجتمع المدني للفقراء، ولا فقراء الفقراء. فيا أيها الحمالون إنكم لمخطئون، قليلو الحياء.ولو كنتم على حق لوجدتم أنصارا كثرا: فخطباؤنا بخير.. وحكومتنا بخير.. ومعارضتنا بخير.. ومثقفونا بخير.. وصحافتنا بخير.. وفقراؤنا المفسدون ـ كل فقرائنا المفسدين ـ بخير.. أما أنتم فلا تريدون أن تكونوا على خير، فلم لا تريدون أن تكونوا على خير؟؟ تصبحون على خير..

الأحد، 16 مايو 2010

من " حَمَّالٍ"... إلى رئيس الجمهورية


سيدي الرئيس، لقد وجدتني مضطرا لأن أكتب لكم في أقل من أسبوع رسالة مفتوحة أخرى وذلك لأسمعكم شيئا قليلا من أنين حَمَّالٍ يستيقظ باكرا في كل يوم .. ويقطع المسافات الطويلة في كل يوم .. ويحمل الأثقال في كل يوم، بثمن بخس، لكي يخفف ـ ولو قليلا ـ من أعباء الحياة، ومن همومها الثقيلة.. إنه في كل يوم يحمل الأثقال على كاهله من أجل أن يخفف من أثقال الحياة...وإنه ـ يا سيادة الرئيس ـ لا يستطيع أن يتوقف عن حمل تلك الأثقال، فبحمل تلك الأثقال وبحملها فقط ، يُطعم صغاره أبخس طعام يبقيهم على قيد الحياة ، ويكسوهم أخشن الثياب، ويسقيهم أسوأ ماء، ويعالجهم بأردأ دواء...وحلم هذا الحمَّال هو أن يجد في كل يوم بضائع وسلعا يحملها.. وعندما لا يحالفه الحظ في يوم من الأيام، ولا يجد ما يحمله، فإنه يعيش يومه ذلك كئيبا، مهموما، محبطا، حزينا وبائسا.لذلك فهو عندما يقرر بمحض إرادته أن يتوقف عن حمل الأثقال، دون أن يكون المرض هو سبب ذلك التوقف، فذلك يعني أن في الأمر شيئا ما يستحق التأمل.وبطبيعة الحال فسيكون دائما هناك من يقدم التفسيرات المبسطة، والتهم الجاهزة، لأنه لا يريدكم أن تهتموا بهموم الفقراء الذين انتخبوكم، والذين لهم عليكم حقان : حق التصويت لكم، وحق الاحتياج، فهم الأحوج للاهتمام لأنهم ظُلموا كثيرا، وعانوا كثيرا، وتجاهلهم الرؤساء كثيرا، عهدا بعد عهد، وتغييرا بعد تغيير.وقد يقول لكم بعض مستشاريكم، ومقربيكم، بأن الأمر لا يتعدى كونه مجرد محاولة مشبوهة، من جهات سياسية معارضة، لخلق قلاقل وأزمات في البلد.وسيقولون لكم بأن الحل الأمني هو الوسيلة المناسبة للتعامل مع مثل هذا النوع من الأزمات المفتعلة.والحقيقة أن تلك هي أسوأ طريقة للتعامل مع مثل هذا النوع من القضايا، فهي تمثل أساليب قديمة، جُربت من قبل، واستخدام نفس الأساليب يؤدي ـ دائما ـ إلى نفس النتائج.وربما تكون هناك جهة سياسية ما هي التي حركت الحمالين، أو على الأقل تحاول أن تكسب من تحركاتهم ... ذلك شيء لا أستطيع أن أثبته أو أنفيه .. وربما تكون تحركات الحمالين هي مجرد تحركات عفوية، فرضها الواقع البائس الذي يعيشونه .. ذلك أيضا شيء لا أستطيع أن أثبته أو أنفيه.. بل أكثر من ذلك، أقول لكم، بأن كل ذلك لا يستحق أن نفكر فيها إطلاقا. فالأسئلة التي يجب علينا أن نطرحها في هذا المقام، وأن نبحث لها عن أجوبة وحلول عادلة ومنصفة للجميع، يجب أن تكون أسئلة من نوع آخر:فهل الحمالون يستحقون ـ سواء تظاهروا أم لم يتظاهروا ـ أن تسمعهم الحكومة، وأن تفكر معهم من أجل البحث عن حلول عادلة لمشاكلهم المطروحة منذ مدة طويلة ؟وهل يحق للحمالين أو لأي شريحة أو فئة أو مجموعة أخرى، إذا ما ظلت أبواب الحكومة موصدة في وجهها، أن تلجأ لجهات سياسية وطنية من أجل إسماع أنينها، حتى ولو كانت تعلم بأن تلك الجهات السياسية قد تستغل ذلك الأنين وتتاجر به في مصالح حزبية ضيقة ؟سيدي الرئيس، بعد السادس من أغسطس أعلن حملة الشهادات العاطلين عن العمل تأييدهم لحركة التصحيح، رغم أن بعضهم كان لا يرغب في اتخاذ مواقف سياسية، قد تؤثر سلبا على وحدتهم وتماسكهم. ولقد كانت حجة المساندين هي أنهم بحاجة ماسة إلى شيء من العدالة كنتم قد وعدتم بتوزيعه على كل الشعب الموريتاني.وبعد مرور مدة من الزمن، ومع افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، ظهر حملة الشهادات أمام البرلمان وهم يطلبون من رئيس البرلمان بأن يجعل من هذه الدورة دورة لمحاربة البطالة، كما طلبوا منه أن يسائل وزير التشغيل.فما الذي حدث وجعل حملة الشهادات يسعون بأنفسهم إلى جهات معارضة، قد تستغل معاناتهم وتستخدمها لأغراض سياسية، في وقت يعرف فيه البلد تجاذبات سياسية حادة؟هذا سؤال يجيب على كل الأسئلة التي طُرِحت من قبله.فلا يمكن القول بأن حملة الشهادات لا يدركون ما يقومون به، فهم متعلمون، وأصحاب شهادات عالية، ويعرفون جيدا بأن معاناتهم قد يتم استغلالها في الصراعات الدائرة حاليا بين المعارضة والموالاة.. إنهم يدركون ذلك.. ولكن المشكلة هي أن الحكومة أغلقت أبوابها أمام هؤلاء العاطلين عن العمل، وأجبرتهم بالتالي على أن يتظاهروا أمام البرلمان، وأن يناشدوا رئيسه لكي يهتم بمعاناتهم، حتى ولو أدى ذلك إلى تسييسها.سيدي الرئيس، لقد خصصت الرسالة السادسة من هذه الرسائل المفتوحة لحملة الشهادات العاطلين عن العمل. وقدمت لكم فيها مقترحات عملية لا تكلف الدولة شيئا مذكورا، وهي مقترحات لو تم الاستماع إليها لما اضطر العاطلون عن العمل للوقوف أمام البرلمان بحثا عن نصير.ولقد لاحظت كغيري ـ يا سيادة الرئيس ـ بأن الحكومة كثيرا ما تترك بعض القضايا التي كان يمكن أن يتم علاجها بفاتورة زهيدة، تتركها ـ بقصد أو عن غير قصد ـ تتفاقم، و تتأزم، وتزداد تعقيدا حتى تكون صالحة للتسييس.حدث هذا مع الحمالين، وقد يحدث مع حملة الشهادات العاطلين عن العمل.إن التغيير البناء ـ في اعتقادي ـ يتطلب تغييرا في طريقة التفكير، وتغييرا في أساليب الحكم، وفي أنماطه. فإذا كان الرؤساء من قبلكم، قد كانوا يضيعون أوقاتهم في طرح السؤال الخاطئ كلما كانت هناك احتجاجات ومطالب نقابية. وهو سؤال يربط تلك التحركات بجهات سياسية مشبوهة،. فإنه من الأجدر بكم أن تنظروا إلى الوجه الآخر للحقيقة، لكي تطرحوا السؤال المناسب : لماذا أغلقت الحكومة الأبواب في وجه الحمالين والعاطلين عن العمل، حتى اضطروا لأن يطرقوا أبواب المعارضة، والتي قد تستغل معاناتهم في صراعها الدائر حاليا؟؟؟في بعض الأحيان قد يكون أهم شيء نقوم به، هو طرح السؤال المناسب، في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة.سيدي الرئيس، لقد كان بإمكانكم ـ تفاديا لاحتجاجات الحمالين ـ أن توجهوا دعوة للعشرات من هؤلاء الحمالين لحضور حفل عشاء في القصر، بمناسبة فاتح مايو، وتستمعوا لمعاناتهم وأنينهم دون وسيط. فهم أولى من غيرهم للتحدث عن معاناتهم، ولقد كان بالإمكان أن تجدوا حلا لبعض مطالبهم العادلة، وأن تعتذروا لهم عن البعض الآخر من المطالب المستحيلة، أو التي قد يصعب تحقيقها في الوقت الحالي. قد يقول البعض بأن هذه الدعوة غريبة، وغير مألوفة، وأنها قد لا تكون مناسبة لرئيس جمهورية. وقد يعترض البعض على مثل هذه الفكرة، وخاصة أولئك الذين يفكرون بشكل تقليدي، ويتعاملون مع الأزمات المزمنة، بنفس الأساليب التي أنتجتها.والحقيقة أن هناك أفكارا عديدة من هذا القبيل، قد تم استخدامها من طرف زعماء وقادة يهتمون بالفقراء، لذلك فقد كان من المنطقي أن ينظم رئيس الفقراء، مأدبة عشاء لصالح بعض الفقراء، الذين قد يموت أغلبهم، دون أن يملأ بطنه ولو لمرة واحدة من طعام لذيذ كالذي يأكله الرؤساء عادة.إن هؤلاء أولى بعشاء فاخر في القصر الرئاسي، ولو لمرة واحدة في العمر، من أولئك الذين تتكرر دعوتهم ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ رغم أنهم هم من رشف المحيط بكل حيتانه، وابتلع النفط بكل مشتقاته، وأكل الحديد بكل شوائبه، ونهب الزراعة بكل محاصيلها. ولو أنكم استقبلتموهم في القصر ولو لمرة واحدة لحققتم بذلك مكاسب كبيرة من بينها:1ـ أن تواجد بعض البسطاء في القصر الرئاسي، كان سيمنحكم لقطة دعائية في غاية الأهمية، أنتم اليوم في أمس الحاجة إليها، وذلك بعد أن انتهى العمر الاستهلاكي للقطات دعائية سابقة، تم استهلاكها بشكل كامل أثناء الحملة الانتخابية الماضية.2 ـ أن حفل العشاء لوحده، كان سيكفي لأن يجعل هؤلاء البسطاء الطيبين يتراجعون عن التظاهر، حتى لا يتم استغلال تحركاتهم ضد الرئيس الذي فتح لهم أبواب قصره..3ـ إن هؤلاء البسطاء الذين لا يطلبون إلا قليلا هم الذين يمكن أن يعول عليهم في ساعة العسرة. أما أولئك الذين يتقربون إليكم اليوم، كما تقربوا إلى من سبقكم، فإن كلفتهم باهظة جدا، وهم دائما يتوارون عن الأنظار في ساعة العسرة.وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الثانية عشر إن شاء الله...

السبت، 8 مايو 2010

خاص برئيس الجمهورية... أعيدوا لي "صوتي"!!!


سيدي الرئيس، سأحدثكم في هذه الرسالة عن سيدة فقيرة، قصتها مثيرة، تسكن في مقاطعة عرفات غير بعيد من ساحة التغيير البناء.
هذه السيدة الفقيرة بذلت جهدا كبيرا من أجل نجاحكم، وأنفقت من قوت عيالها على حملتكم الانتخابية. ورغم أنها لم تجد تعويضا من إدارة حملتكم على نفقات خيمتها التي ضربت، ورغم سخرية بعض جاراتها الداعمات لمنافسيكم من عدم التعويض لها، إلا أن ذلك كله لم يقلل من عزيمتها ولم يؤثر مثقال ذرة على ولائها لكم.
لقد كانت تلك السيدة تقول بأنه على الفقراء أن ينفقوا من جهدهم ووقتهم ومالهم من أجل نجاحكم الذي سيشكل قطعا نصرا للفقراء، وهزيمة نكراء لرموز الفساد الذين أهلكوا البلاد والعباد، خلال العقود الماضية. بل إنها فوق ذلك جعلت من المنافسة بينكم وبين المرشحين الآخرين منافسة بين الخير المطلق، والشر المطلق. و جعلتها وكأنها حربا بين المسلمين والكفار. ولقد كانت تدعو لكم في جوف الليل ـ كغالبية الفقراء والبسطاء ـ وتسأل الله أن ينصركم على خصومكم من المفسدين.
واليوم، وبعد مرور تسعة أشهر على تنصيبكم، لم يعد لتلك السيدة إلا أمنية واحدة، وهي أن تقابلكم لتطلب منكم أن تعيدوا لها " صوتها " الذي منحته لكم أثناء الانتخابات الرئاسية الماضية.
لم تعد تلك السيدة تؤمن بالتغيير البناء، ولم تعد تبشر جاراتها بموريتانيا الجديدة، ولم تعد تحلم بأن يتحسن مستوى معيشتها. لقد تبخرت كل تلك الأحلام ولم يعد لتلك السيدة إلا حلم واحد وهو أن تتمكن من أن تستعيد "صوتها" لا أكثر ولا أقل.
فما الذي حدث في الأشهر التسعة الماضية وجعل تلك السيدة تشعر بإحباط مخيف بعد حماس مفرط؟ ذلك سؤال يستحق أن نبحث له عن إجابة محايدة.. إجابة لا تزيد من حجم الهموم لدوافع سياسية كما يفعل بعض معارضيكم . ولا تنقص في المقابل من تلك الهموم كما يفعل بعض مناصريكم لمصالح شخصية أو سياسية.
سيدي الرئيس، يمكن القول بأن الفقراء الذين يعود لهم الفضل المباشر في نجاحكم قد انقسموا ـ خلال الأشهر التسعة ـ إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: وهي طائفة لا زالت تحلم بموريتانيا الجديدة ولازالت تعتقد بأن التغيير البناء قادم لا محالة. وهي تستشهد بجملة من الانجازات التي تحققت خاصة في مجال شق الطرق، وتوزيع القطع الأرضية ، وتعميم العلاوات والشفافية في توزيعها. وهذه الطائفة لا زالت تبذل جهودا جبارة لصالحكم، وأقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة جبارة لا دلالتها في الإعلام الرسمي، رغم أنها لا تجد من يعينها على ذلك فالخطاب الحكومي والخطاب الحزبي قد فشِلا فشَلاً غير مسبوق في "تسويق" ما تم انجازه.( وهذا ما سيتم الحديث عنه إن شاء الله وبشكل مفصل في البطاقة الحمراء الثانية).
الطائفة الثانية: وهي طائفة حائرة لم تستطع بعد تسعة أشهر أن تحسم خيارها النهائي، وهي تميل إلى الصمت حتى تنكشف الأمور، فهي لم تعد تملك من الحماس ما يكفي للدفاع عن التغيير البناء. كما أنها لم تفقد الأمل نهائيا في حصول التغيير المنشود.
الطائفة الثالثة: وهي التي تحولت مئة وثمانين درجة رغم أنها كانت هي الطائفة الأكثر تحمسا للتغيير البناء أثناء الحملة الانتخابية الماضية، وأصبحت اليوم هي الأكثر قنوطا من حصول ذلك التغيير، كما هو الحال بالنسبة للسيدة التي لم تعد تطالب إلا باستعادة "صوتها".
ومع أنه لا يمكن تحديد نسبة كل طائفة، إلا أنه رغم ذلك يمكن تقديم بعض الملاحظات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، حتى لا تزداد نسب الطائفتين الثانية والثالثة، ومن هذه الملاحظات يمكن أن أذكر:
1ـ إن الفقراء والبسطاء هم الذين حسموا الانتخابات الماضية حيث صوتت غالبيتهم لصالحكم بينما انقسمت الشرائح والفئات الأخرى، بشكل متساوي تقريبا بينكم وبين منافسيكم . فلم يكن حظكم من الوجهاء أكثر من حظ غيركم. ولم يكن نصيبكم من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية بأكثر من نصيب خصومكم. ولم يكن من دعمكم من المفسدين أكثر ممن دعم خصومكم. لذلك فالفقراء يعتقدون بأنهم هم من حسم الانتخابات، وبأنهم هم من يستحق أن تهتموا به، فالعدالة تقتضي ذلك، والوفاء السياسي والأخلاقي يقتضيان أيضا ذلك.
2 ـ إن أحاديثكم عن أوجاع الفقراء، وقدرتكم الفائقة على تشخيص المرض، وتحديد مكان الداء جلبت لكم الكثير من الأنصار قبل وأثناء الحملة الانتخابية. وتلك حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن كذلك إنكارها، وهي أن تلك الأحاديث لم تعد الآن تكفي للمحافظة على تلك الشعبية بعد أن أصبحتم رئيسا منتخبا للبلاد، وبعد أن أصبح المطلوب منكم هو التخفيف ميدانيا من تلك الآلام، لا الاكتفاء بالدقة في تشخيصها.
لقد تحدثتم بشكل صريح في مجلس الوزراء عن القمامة، وأعطيتم أوامر صارمة بضرورة تنظيف العاصمة. ورغم ذلك لا زالت العاصمة مدينة مليئة بالأوساخ والقمامة. ولقد زرتم المستشفيات والمراكز الصحية، وتحدثتم كثيرا عن مشاكل الصحة، ولكن تلك الأحاديث والزيارات لم تنعكس ـ حتى اليوم ـ على الخدمات الصحية التي تقدمها تلك المؤسسات.
ولقد زرتم شركة الماء، وشركة الكهرباء أكثر من مرة، وتحدثتم بشكل صريح عن سوء التسيير، ولكن المشكلة أن التسيير لم يتحسن، وأن خدمات الماء والكهرباء لم تتحسن حتى يومنا هذا، وإن كان سقف الوعود قد زاد من جديد بعد زيارتكم للدار البيضاء، وبعد زيارتكم الأخيرة لشركة المياه.
ولقد زرتم التلفزيون وتحدثتم بشكل صريح عن بعد هذه المؤسسة عن هموم المواطن العادي، ورغم ذلك فالتلفزيون لم يقترب من هموم المواطن بعد تلك الزيارة. ولو أنه اقترب من تلك الهموم لأسمعكم أنين الكثير من الفقراء، بما فيهم السيدة التي تطالب بأن يعاد لها صوتها.
ولقد تحدثتم قبل ذلك كله عن الأزمة الأخلاقية التي لم يعد يذكرها ذاكر، والتي يعمل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية من أجل تعميقها من خلال إشعال النعرات القبلية، والجهوية. ومن خلال التزوير والرشوة التي تم استخدامها بشكل واسع أثناء عمليات التنصيب الجارية في أيامنا هذه. ولو أن الحزب أعلن بصريح العبارة، قبل عملية الانتساب بأنه سيجمد عضوية كل من يثبت أنه مارس الرشوة، أو التزوير، أو الإغراء بممتلكات الدولة، أو تسبب في صراعات عرقية أو جهوية أو فئوية لكان بالإمكان أن يدعي بعد ذلك بأنه اتحادا من أجل الجمهورية، لا اتحادا من أجل إعادة موريتانيا إلى الوراء، وإلى أساليب الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي.
3 ـ لقد فقدت الحرب على الفساد ورموزه الكثير من المصداقية. ولم تعد قادرة على المحافظة على الأنصار بعد أن تم تعيين الكثير من المفسدين في فترة قياسية. وما تم تعيينه من المفسدين منذ تنصيبكم يفوق من حيث الكم والكيف ما تم تعيينه في عهد الرئيس السابق. كما أن أغلب التعيينات الأخرى التي تمت لم تلتزم بمعيار الكفاءة والوطنية والاستقامة وهو ما جعلها في غير مصلحة الفقراء. ويمكن هنا العودة إلى الكتاب الأبيض الذي كتبه أحد المستشارين في وزارة الخارجية عن التعيينات قبل الأخيرة. كما يمكن تقديم العديد من الأدلة الأخرى والتي من بينها قصة المهندس الذي تمت إقالته من إدارة الرقابة البيئية لأنه أراد أن يؤدي عمله على أحسن وجه وأن يحمي بيئة بلده من جشع الشركات الأجنبية.
4 ـ لقد قلتم يا سيادة الرئيس و أكثر من مرة، بأن موارد الدولة كافية لتوفير كل الحاجات الأساسية، ورغم ذلك فقد اتسعت الفجوة كثيرا بين الوعود وبين المنجزات أي بين أحلام الفقراء وواقعهم المعيشي. فقد وصلت الأحلام إلى مستويات عالية بفعل وعودكم السخية، في حين أن الظروف المعيشية لم تتحسن بشكل ملموس وهو ما كان له الأثر البالغ في رفع مستوى الإحباط لدى الكثيرين من أنصار التغيير البناء. وحتى لا يزداد مستوى الإحباط فقد أصبح من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة وعاجلة وصارمة لكي يحصل الفقراء على حقوقهم وهي بالمناسبة لن تضيع أبدا.
فلن تضيع حبة قمح ولا حبة أرز لأي مواطن. ولن يضيع قرص دواء، ولا جرعة ماء، ولا ساعة عدل. لن يضيع أي حق، لأي مواطن. فإما أن يحصل عليه الآن كاملا غير منقوص، وإما أن يحصل عليه بعد حين، وعلى صعيد آخر، حيث لا حرس، ولا ألقاب، ولا أغلبية تطبل.
وسيكون التسديد وقتها بالحسنات، وكم سيكون صعبا ومؤلما وفظيعا تسديد شربة ماء، لمواطن واحد في ذلك اليوم الذي ستدنو فيه الشمس من الرؤوس، وسيتصبب فيه العرق، حتى يلجم خلقا كثيرا.
سيكون من الصعب تسديد شربة ماء لمواطن واحد، فكيف إذا تعلق الأمر بما يزيد على مليون ونصف من الفقراء، الذين يعيشون تحت خط الفقر، حسب الإحصاءات الرسمية ؟؟؟ والذين سيطالب كل واحد منهم بكثير من وجبات الطعام و من جرعات الماء و من أقراص الدواء التي كان بالإمكان أن توفر له خلال فترة حكمكم للبلاد إلا أنها لم توفر له.
وفقكم الله لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الحادية عشر إن شاء الله...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 1 مايو 2010

بطاقة حمراء رقم (1)




تشهد المباريات الدائرة بين فريقي الأغلبية والمعارضة كثيرا من الخشونة في اللعب. وهي خشونة تكاد أن توقف المباراة التي كان من المفترض أن تمتد لخمس سنوات كاملة. ومن المؤسف حقا أن هذه المباراة قد شهدت في بدايتها الكثير من ألفاظ السب والقدح والشتم التي لا تتناسب ـ بأي حال من الأحوال ـ مع الروح الرياضية التي كان من المفترض أن يتحلى بها لاعبو كل فريق، وخاصة "اللاعبون الكبار".
ولأن الجمهور الرياضي المتابع للمباراة بدأ يشعر بشيء من الخيبة من سوء اللعب الذي يمارسه الفريقان. ولأنه بدأ يمل من متابعة المباراة التي أصبحت مقرفة جدا. فقد ارتأيت أن أنصب نفسي حكما افتراضيا، وأن أرفع بعض البطاقات الصفراء، والحمراء، في وجوه بعض اللاعبين، وذلك بهدف إعادة المباريات إلى شكلها الذي يتمناه الجمهور.
وأنا أعرف بأن الكثير من "المعلقين الرياضيين" قد ينتقد طريقتي في التحكيم. وأعترف صراحة بأني لا أستطيع أن أدافع عنها لأني لا أتقن التحكيم الرياضي. بل أني أكثر من ذلك، أجد صعوبة بالغة في إكمال متابعة مباريات كاملة، حتى ولو كانت شديدة الإثارة.
ستكون أول البطاقات الحمراء في هذه المباريات موجهة إلى الثنائي الشهير القائد لفريق المعارضة. وهي موجهة ـ أساسا ـ ضد كلامهما في"التسخينات" التي نظمها فريق بني معارض يوم السبت 17 ابريل، في الساحة المجاورة للمسجد العتيق، وبحضور آلاف المشجعين.
في ذلك اليوم تحدث قادة الفريق المعارض، بكلام مشفر، لم تعرفه الملاعب الرياضية من قبل، ونتمنى أن لا تعرفه من بعد. وهو كلام يدعو ـ بعد فك تشفيره ـ الجيش للتدخل من أجل حسم التصفيات. وهذه الدعوة الغريبة لم نسمع مثلها من الفريق المعارض، حتى أثناء تلك المباريات غير المتكافئة التي كانت تنظم في المواسم الرياضية التي سبقت الثالث من أغسطس من عام 2005.
لقد كانت تلك الدعوة دعوة صادمة، خاصة بالنسبة لمشجعي فريق بني معارض. وهو ما جعلني ـ بوصفي حكما افتراضيا ـ أرفع أول البطاقات الحمراء في وجه أصحاب تلك الدعوة.
وقد يكون من المناسب هنا ذكر بعض الأسباب التي جعلتني أرفع تلك البطاقة الحمراء، في وجه أشهر لاعبَيْن وطنِيَيْن عرفتهما الملاعب الرياضية منذ إطلاق أول موسم رياضي عام 1991 م :
1ـ لم يعد الجمهور الرياضي بشكل عام يرغب في تدخل النادي العسكري في التصفيات الرياضية التي تنظم بين الفرق المدنية. خاصة بعد تدخل أحد عشر لاعبا ـ عفوا أحد عشر ضابطا ـ يوم السادس من أغسطس من عام 2008 وهو التدخل الذي كادت البلاد إثره أن تنزلق نحو الهاوية.
2ـ يعتقد بعض قادة الفريق المعارض بأن تدخل النادي العسكري سيكون لصالحهم هذه المرة. ولقد فاتهم بأن العسكر عندما يتدخل لوقف المباريات، فإنه عادة ما ينظم مباريات جديدة تكون نتائجها محسومة مسبقا لأحد أندية فريق الأغلبية التي لم تكن على الواجهة. لذلك فإن أي تدخل عسكري لن يكون لصالح فريق بني معارض.
3 ـ إن الدعوة لتدخل لاعبين من العسكر تتناقض تماما مع تلك الدعوات التي كان يطلقها الفريق المعارض، والتي كان يطالب من خلالها من النوادي العسكرية بضرورة الابتعاد عن الملاعب الرياضية والتزام الحياد، وترك المنافسات التي تنظم بين الفرق المدنية دون أي تدخل عسكري.
4 ـ هذه الدعوة التي أطلقها بعض اللاعبين الكبار من فريق بني معارض ستعطي مبررا لفريق بنى السلطة لوصف الفريق المعارض بأنه فريق انقلابي يدعو للتدخل العسكري. رغم أن تلك الصفة كانت من ميزات فريق بني موالاة ، تماما كما حدث مع الفساد الذي هجر بعض رموزه مرابع الأغلبية، وولوا وجوههم شطر مضارب بني معارض.
لقد ترك فريق بني معارض اللاعبين المفسدين الذين كانوا من أشد خصوم المعارضة، والذين تربوا وترعرعوا وشابوا في فريق الأغلبية، تركهم يتسللون إلى فريقه، الذي ظل معروفا وإلى وقت قريب، باستقامة لاعبيه.
لذلك أصبح أغلب الجمهور الرياضي يعتبر فريق بني معارض مأوى للاعبين المفسدين. وربما يتحول هذا الفريق، في نظر الجمهور الرياضي ، وفي المستقبل القريب، إذا ما تواصلت دعوات قادته للتدخل العسكري، إلى فريق مفسد، وانقلابي كذلك. ولا داعي للعجب فهذا هو حال الدنيا.
5 ـ إن هذه الدعوة الغريبة قد يعتبرها الخصم حجة كافية تؤكد أن قادة الفريق المعارض لم يعد لديهم من "اللياقة البدنية " ما يكفي لمواصلة اللعب في مباريات طويلة. لذلك فإن اعتزالهم قد أصبح مطلبا ملحا وضروريا لتجديد الفريق المعارض الذي أصبح يحتاج إلى ضخ دماء جديدة، قادرة على المنافسة، دون أن تحتاج لدعوة النادي العسكري لحسم التصفيات.
6 ـ لقد كان من المفترض أن يركز قادة الفريق المعارض، على كشف أخطاء فريق الموالاة، بدلا من الدعوة لتدخل الفريق العسكري. ولقد كان بإمكانهم أن يكشفوا للجمهور الرياضي بأن الفريق الحاكم لم يغير طريقة اللعب كما وعد بذلك. وهو اليوم يلعب بنفس الخطة الخبيثة، التي كان يلعب بها النادي الجمهوري الذي سيطر على الملاعب الرياضية، إلى غاية 3 أغسطس من عام 2005.
لقد كان الجمهور الرياضي يتوقع أن فريق التصحيح، سيغير طريقة لعبه، فإذا به يعجز حتى عن تغيير اللاعبين. وإذا به يحتفظ في صفوفه باللاعبين الكبار الأربع الذين كانوا يتناوبون على قيادة النادي الجمهوري في الفترة مابين ( 1991 إلى 2005 ). كما أن نفس الطريقة البائسة، التي كان يستخدمها النادي الجمهوري في تسجيل مشجعيه، هي نفس الطريقة التي يستخدمها اليوم نادي الاتحاد من أجل الجمهورية لتسجيل وتنصيب جمهوره الرياضي.
ولقد كان الأولى بقادة الفريق المعارض، أن لا يقاطعوا المتاح من البرامج الرياضية في الإعلام الرسمي، وذلك لكي يبينوا للجمهور الرياضي أن فريق الأغلبية، الذي وعد قبل التصفيات الأخيرة بتقديم مباريات جماهيرية وشعبية شيقة لإمتاع جمهوره الرياضي في الأحياء الأكثر فقرا، لم ينجح ـ حتى الآن ـ في الوفاء بذلك الوعد.
7 ـ إن من أخطاء الثنائي القيادي للفريق المعارض، أنه لا يجيد فن الاستماع للحظة التاريخية، ولا يجيد استغلال الفرص النادرة التي يصعب أن تتكرر. فالجمهور الرياضي لا يزال يتذكر ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه رئيس نادي التحالف، أثناء الشوط الثاني من مباريات 2007، حيث امتنع ذلك اللاعب الكبير من تسجيل الهدف القاتل في شباك الخصم، الذي كان مكشوفا، وبشكل كامل، في تلك اللحظة. ولقد اختار رئيس نادي التحالف أن يستدير بالكرة، في حركة غريبة، وأن يسددها في اتجاه مرمى فريق بني معارض، ليحقق بذلك فوزا ثمينا لخصومه. وهو الفوز الذي كان سببا في حصول الانتكاسة الرياضية، التي عرفتها البلاد فيما بعد.
تخيلوا كيف كان سيكون حالنا لو أن قائد فريق التحالف، سدد الكرة في ذلك اليوم، في اتجاه مرمى "الخصم".
لقد تسببت تلك الركلة المشينة، في فوز فريق الأغلبية الذي كان يقوده في ذلك الوقت "اللاعب المؤتمن". وهو اللاعب الذي ظلم نفسه كثيرا، عندما ترشح لقيادة الفريق، كما ظلمه كذلك كل من صوت له، وبالأخص قائد نادي التحالف، الذي كان سببا مباشرا في تسليم مقاليد الرياضة في البلد للاعب لم يبذل جهدا كبيرا لذلك، فقد ظل غائبا عن الملاعب الرياضية، وعن ممارسة الرياضة، خلال كل المواسم التي عرفتها البلاد منذ العام 1991.
ويكفي لمعرفة مدى ظلمنا للاعب المؤتمن، الذي فضلناه عن قائد نادي التكتل، أن نعود لتصريحه في قناة الجزيرة حيث قال بأن أول شيء فعله، بعد إجباره على الاعتزال يوم السادس من أغسطس عام 2008 هو أنه أخذ يقرأ الشعر في زنزانته، ثم نام بعد ذلك قرير العين وكأن شيئا لم يحدث!!!
لقد نام اللاعب الطيب، في ليلة سهر فيها أغلب الجمهور الرياضي، سواء منه مشجعو فريق الأغلبية ومشجعو فريق المعارضة، نظرا لجسامة ما حدث في صبيحة السادس من أغسطس.
ونفس الشيء حدث مع قائد نادي فريق التكتل، الذي لم يستمع جيدا لتلك اللحظة الفريدة، التي منحها له التاريخ يوم السادس من أغسطس. فبدلا من أن يقول لا، اختار أن يرحب بتدخل الفريق العسكري، والذي تسبب تدخله في تراجع كبير للمنافسات الرياضية.
وتخيلوا هنا أيضا كيف كان سيكون حالنا لو أن رئيس نادي التكتل قال يوم السادس من أغسطس لا للانقلاب.
وإنه لمن المؤسف حقا أن السمعة الرياضية، كالكرامة، تحتاج إلى سنين عديدة من العمل الدؤوب والشاق لبنائها، ولكنها لا تحتاج إلا لدقائق معدودة لنسفها.
لقد أضاع قائد التكتل مجدا كبيرا بناه في سنين عجاف، بالامتناع عن قول كلمة من حرفين فقط، يوم السادس من أغسطس. لقد رفض أن يقول كلمة لا، في ذلك اليوم، لذلك فهو يتحمل جزءا من مسؤولية ما تعيشه البلاد في أيامنا هذه. تماما كما يتحمل رئيس نادي التحالف، جزءا من المسؤولية، لأنه رفض أن يسدد الكرة في الاتجاه الصحيح، أثناء الشوط الثاني من التصفيات الرئاسية لعام 2007.
أقول هذا الكلام لأن هذا الثنائي يحاول أن يقول لنا اليوم، بأن " الجنرال" هو وحده الذي يتحمل مسؤولية ما تعيشه البلاد اليوم، وأن إزاحته هي المخرج الوحيد، للخروج من أزمتنا الرياضية.
وإنه لمن المناسب أن أعيد فقرات من رسالة مفتوحة، كنت قد كتبتها لرئيس نادي التكتل، بوصفي مشجعا منحازا، لا حكما محايدا. وهي الرسالة المفتوحة الوحيدة التي كتبتها للاعب من خارج فريق السلطة. فقد كان قائد التكتل ـ في تلك اللحظة ـ هو أشهر لاعب على الإطلاق لأنه لم يكن قد ارتكب هفوة كبيرة، عكس غيره. ولقد نشرت هذه الرسالة قبل السادس من أغسطس، بأيام معدودات، وفي العديد من الصحف الوطنية ( الفجر، الأمل، السفير، البديل..).
ولقد كنت كغيري أشعر حينها بأن هناك حدثا كبيرا سيقع، رغم أني لم أستطيع أن أحدد بالضبط ملامحه. ولقد كتبت في تلك الرسالة مخاطبا نجم المعارضة الشهير، والذي كان يعيش في تلك الأيام قمة عطائه : [ أنا واحد من 47% التي أدلت بأصواتها لكم. ولقد تمنيت نجاحكم في الانتخابات الرئاسية لأن عقدين من النضال، والكفاح، والعطاء، والتجوال من سجن في قلب العاصمة إلي سجن في قرية نائية، كانت تكفي ثمنا لتأشيرة دخول القصر الرئاسي (...)
واليوم من حقكم ـ ولا يحق لأحد أن يلومكم على ذلك ـ أن تشاركوا في إسقاط حكومة، كنتم أنتم أول من طالب بإسقاطها، ومن حقكم كذلك، وأنتم من يمثل المعارضة، أن تتحالفوا مع الأغلبية، من أجل إسقاط حكومة جاءت من رحم الأغلبية.
ومن حقكم أيضا أن تتحالفوا مع الأغلبية لسد الأبواب، أمام حزبين، هما أصدقاء الأمس، وأعداء اليوم ، وتركهما معلقين، لا إلي هؤلاء، ولا إلي هؤلاء، ولو إلي حين.
ومن حقكم، بالتعاون مع حلفائكم الجدد، أن تستفزوا رئيس الدولة، وأن تجبروه على حل البرلمان الذي يرأسه أحد خصومكم الكبار، ممن تسبب وبشكل مباشر في حرمانكم من دخول القصر لتحرموه أنتم من رئاسة برلمان لا يملك فيه إلا عددا محدودا من النواب (....) وما أستطيع أن أقوله الآن هو أن هذه " الرحلة الممتعة " في ظاهرها ستضعف هذا البلد كثيرا، وربما تؤدي في النهاية إلي " ذبح" الديمقراطية ب "سكاكين" ديمقراطية.
ولن يقبل " الجنرال " برئيس قوي مثلكم، ولن تقبلوا أنتم بأقل من الرئاسة، ولن أجازف أنا بمحاولة التنبؤ بنتائج هذا الصراع الذي لا بد من أن يحدث.
بالمقابل هناك رحلة أخرى، قد تبدو في ظاهرها شاقة، لكنها في النهاية ستعزز من أركان مؤسساتنا الديمقراطية، وستمنحنا فرصة فريدة لبناء مؤسسات مدنية قوية، وجيش جمهوري قوي.
علينا جميعا أن نتفق علي مقولتكم الشهيرة، التي تقول إن العمل السياسي لا يمكن أن يمارسه من لم ينزع بدلته العسكرية. وعلينا أن نعمل جميعا من أجل تحقيق ذلك، حتى ولو أجبرنا ذلك على أن نعمل ساقا بساق، ومنكبا بمنكب، مع خصوم كثر بزي مدني، كان بإمكاننا أن نتخلص منهم جميعا في "طرفة عين " . وأعتقد أن الوقت مناسب تماما لذلك. والقرار في هذه اللحظة الحرجة، هو بيدكم، وبيدكم أنتم وحدكم .
وهذا القرار ربما يكون له الأثر السلبي على " التكتل " في المدى القريب، ولكنه من الناحية الإستراتيجية سيخدم " التكتل " كثيرا. وهو بالتأكيد سيخدم في المدى القريب، والبعيد، بلدكم الذي طالما أعلنتم ـ ونحن نصدقكم في ذلك ـ أن طموحكم لأجله.] انتهى الاقتباس.
لذلك فنحن جميعا مسؤولون عما تعاني منه الرياضة في هذا البلد، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة طبعا. لذلك فإن أول شيء علينا أن نفعله من أجل تطوير الرياضة في بلدنا هو أن ننسى الماضي، وأن نكون رياضيين حقا. وأن لا نقبل بممارسة أي تصرف في الملاعب الرياضية، أو التفوه بما يخالف القيم الرياضية المعروفة. وهذا هو بالضبط ما جعلني أرفع أول بطاقة حمراء، ضد تصريحات الثنائي الشهير الذي يقود فريق بني معارض، وهي التصريحات التي دعت بشكل صريح إلى ممارسة " الخشونة "في الملاعب الرياضية.
وقبل أن أطلق صفارة النهاية، أعدكم بأن البطاقة الثانية ستكون أشد احمرارا، وسأرفعها في وجه لاعب من فريق الأغلبية، وهو تحديدا، رئيس نادي الاتحاد من أجل الجمهورية.
وإلى البطاقة الحمراء الثانية إن شاء الله، أقول لكم: تصبحون على مباريات نظيفة....
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الأحد، 25 أبريل 2010

خاص برئيس الجمهورية


لم أكن أتوقع بأني سأجد نفسي مضطرا للتحدث عن قضايا "شخصية" في سلسلة هذه الرسائل المفتوحة التي أكتب للرؤساء، والتي وصلت ـ بالمناسبة ـ إلى خمسين رسالة مفتوحة منها تسع كتبتها لكم بعد التنصيب، وتسع قبله.
ولم أكن أتوقع أني سأضطر ـ في رسالتين متتاليتين ـ لأن أطلب منكم التدخل من أجل إطلاق برنامج تنموي شبابي في التلفزيون، لا أطالب مقابل تقديمه أي تعويض مادي، وإن كانت المطالبة بذلك التعويض تحق لي.
فلم يكن إذن من الوارد أن أكتب عن هذه الهموم التي قد تبدو وكأنها هموما"شخصية", ولكن المشكلة تكمن في أن الإدارة وحتى أيامنا هذه، لا زالت ترفض أن تتعامل بشكل إيجابي مع أي قضية لا يستخدم صاحبها الوسائل المعروفة لإنجازها.
ولقد كان بإمكاني ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أستخدم تلك الوسائل، وأن أنجز أشياء كثيرة أخفقت في تحقيقها في الماضي، ولكني كنت قد أخذت على نفسي عهدا أن لا أستخدم أي وساطة، حتى لغاية عادلة، لأني أعتقد بأن أهم ما يمكن أن يخدم به هذا البلد هو التوقف عن استخدام الوساطة.
كان بإمكاني ـ كما يفعل الغير ـ أن أستنفر بعض "الوجهاء"، وفي القبيلة وجهاء كثر. ولقد كان بالإمكان استخدام بعض العلاقات الشخصية. وفي الحكومة الحالية وزيران من أصدقائي في الجامعة، ولن يبخل أي واحد منهما باتصال هاتفي بموظف إداري من أجل إنجاز مهمة بسيطة وعادلة لصديق.
لقد ابتعدت عن تلك الأساليب لأني كنت ـ ولا أزال وسأبقى ـ أتخيل بأني أعيش في بلد تحكمه قوانين، لا في قبيلة تتحكم فيها العلاقات. حتى ولو كان الواقع يصرخ في وجهي منذ عقدين من الزمن لينبهني على أني أعيش في وهم كبير.
وفي هذه الرسالة سأقدم لكم نموذجا سيئا لتعامل الإدارة مع المواطنين العاديين من أمثالي، وهو ليس إلا مجرد مثال، وقد لا يكون هو الأسوأ من بين أمثلة كثيرة تحدث يوميا في عهد تقريب الإدارة من المواطن.
وهذا المثال السيئ سأقدمه لكم من التلفزيون الذي كان من المفترض أن يتحسن أداؤه ـ ولو لأسابيع محدودة ـ بعد زيارتكم له، وبعد أوامركم المتكررة للقائمين عليه.
لقد حاولت ومنذ ثمانية أشهر أن أتطوع للتلفزيون ببرنامج في التنمية البشرية والذي هو مجال التخصص، ولكني فوجئت برفض التلفزيون لذلك دون أن تقدم لي الأسباب.
ولقد استغربت كثيرا رفض برنامج تنموي هادف، في الوقت الذي تنفق فيه القنوات الأخرى أموالا ضخمة على مثل تلك البرامج التثقيفية والتعليمية الهامة جدا، والتي لها جمهور واسع جدا، ومتنامي بشكل لافت، وخاصة من فئة الشباب. تلك الفئة المظلومة من طرف الجميع وبالأخص من طرف الإعلام الرسمي الذي لا يقدم لها إلا البرامج التافهة والرديئة والساذجة.
سيدي الرئيس أنا مواطن موريتاني من فقراء هذا البلد، ولدي همومي الشخصية الكثيرة، ومع ذلك فإني كثيرا ما أخصص جزءا من وقتي للتفكير في هموم هذا البلد. كما أني أحاول ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ تقديم حلول ميدانية لبعض تلك الهموم .
وفي هذا الإطار أسست مركزا تنمويا خيريا، بجهود ذاتية، وذلك من أجل تقديم بعض الدورات الرائدة في مجال محاربة الفقر وفي التنمية البشرية، بالإضافة إلى برامج تعليمية أخرى.
ولقد استطعنا في المركز وبفضل بعض الخبرات الوطنية المتطوعة أن نقدم دورات عديدة استفاد منها ما مجموعه 300 متدرب ومتدربة. ولقد حاولنا آنذاك أن يقدم التلفزيون بعض تلك الدورات حتى يستفيد منها أكبر قدر ممكن من المستهدفين ولكننا فشلنا في ذلك.
وبعد عام وعدة أشهر اضطررنا لأن نغلق المركز مؤقتا، ولأسباب تستحق بدورها أن تكتب عنها عدة رسائل مفتوحة. ويكفي القول هنا أنه لولا إغلاق المركز لكان بالإمكان تقديم 40 مسعفا أوليا تم تخريجهم من المركز. وكان يمكن أن يمدوا يد العون للحماية المدنية يوم فاجعة لكصر التي تسبب فيها الغاز، والتي أظهرت مدى الحاجة إلى التكوين في هذا المجال.
المهم أنه بعد إغلاق المركز قمنا بوضع تصور لتحويل بعض الدورات الهامة التي كنا نقدمها في المركز إلى برنامج تلفزيوني أسبوعي.
وفي هذا الإطار كتبنا لوزير الاتصال السابق، وللوزير الحالي، واللذين كانت ردودهما إيجابية من خلال تكليف مدير السمعيات البصرية بدراسة الفكرة. وأعقب ذلك توجيه رسالتين من الوزارة إلى مدير التلفزيون مطالبة بالتعامل الإيجابي مع الفكرة.
ورغم ما أظهره مدير التلفزيون من اهتمام بالفكرة أثناء مقابلتي له فإنه ظل يرفض عمليا أن يتم إطلاق البرنامج المذكور. وهناك رسالة في مكتبه منذ ثلاثة أسابيع من الوزارة لم يرد عليها حتى الآن.
وإليكم ـ يا سيادة الرئيس ـ ملخصا للتصور الذي تم تقديمه إلى الجهات المعنية، بما فيه مستشاركم للاتصال والذي وعد بالهاتف بأنه سيتدخل ويكلم مدير التلفزيون، وهو الشيء الذي لا أعرف إن كان قد حصل أم لا؟
اسم البرنامج : ساعة تنمية.
مدة البرنامج :ساعة كاملة.
جمهور البرنامج : يركز البرنامج أساسا على الشباب.
هدف البرنامج : خلق فضاء مناسب يساعد على التغيير نحو الأفضل.
فكرة البرنامج : سيقدم البرنامج سلسلة مستمرة ـ إن شاء الله ـ من الحلقات في مجالات متعددة : اكتشاف الذات ـ التخطيط ـ إدارة الوقت ـ صناعة النجاح ـ التحفيز الذاتي ـ التفكير الإبداعي ـ التعامل مع المشاكل ـ اتخاذ القرارات ـ العصف الذهني ـ التغيير .... إلخ
وسيكون لكل حلقة عنوانها الخاص، وسيتم افتتاح كل حلقة من هذه الحلقات بقصة شيقة للإثارة، لها صلة بموضوع الحلقة. ويطرح في نهايتها سؤال الحلقة. بعد ذلك يتم الاستماع إلى أجوبة بعض الشباب الجامعي الحاضر (10 ـ 12 ) ، وتتم مناقشة بعضها بشكل سريع، كما سيتم الاستماع لأجوبة بعض المشاهدين الذين قد يتصلون بالبرنامج. المدة 15 إلى 20 دقيقة.
ثم يقدم جواب لسؤال الحلقة، وهو جواب سيكون مدخلا للموضوع حيث يتم تقديم بعض المعلومات والأفكار من أجل إكساب الحضور والمشاهدين بعض المهارات الهامة التي قد تفيدهم في بناء وتطوير ذواتهم. المدة 20 إلى 25 دقيقة.
في الخمس دقائق الأخيرة يتم تقديم نموذج ناجح له صلة بموضوع الحلقة (شخصية عالمية، مؤسسة ، منظمة ...) كلما أمكن ذلك.
تختتم كل حلقة بإضاءة تلخص كل الحلقة، وتلك الإضاءة قد تكون حكمة أو مثلا أو مقولة مشهورة ..
سيدي الرئيس، لقد حاولت الاتصال بمدير التلفزيون من أجل معرفة الأسباب التي جعلته يتراجع عن قبول هذا البرنامج. و لم أستطع الوصول إليه، وطلبت من سكرتيرته أكثر من مرة أن تصلني به عن طريق الهاتف ولكنها رفضت ذلك.
لذلك فأنا لا أملك أي تفسير لرفض البرنامج، وكل ما أستطيع قوله هنا هو أن ذلك الرفض يتناقض بشكل صارخ مع تعليماتكم وأوامركم التي استبشرنا بها خيرا يوم زيارتكم للتلفزيون.
وفي الأخير أقول لكم ـ بمناسبة اكتمال خمسين رسالة ـ بأني لا أملك إلا كلمة أكتبها لمن يقود هذا البلد، ولقد كتبتها في الماضي، وهاأنذا أكتبها اليوم، وسأكتبها لكم غدا إن كان في العمر بقية..
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة العاشرة إن شاء الله.
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 17 أبريل 2010

أخطاء بالجملة


كثيرا ما يحاول المشتغلون بالسياسة في هذا البلد أن يوهموا البسطاء بأن الساعة قد قامت وأن الناس قد انقسموا إلى فسطاطين اثنين : فسطاط خير لا شر فيه، وفسطاط شر لا خير فيه. فكل سياسي يتحدث وكأنه ولي من أولياء الله، لا يحيط به إلا عباد الله الصالحون. أما خصومه فهم أشرار الناس، ولا يتبعهم إلا الأشرار. وهذا هوـ بالضبط ـ ما تحاول الأغلبية والمعارضة أن تمارسه في أيامنا هذه، وهو ما أدى في المحصلة النهائية إلى ظهور كم هائل من كلمات السب، والشتم، والقدح، والذم، والتي لم تكن معروفة من قبل في الخطاب السياسي والتي يخجل المتلقي حتى من سماعها.
والحقيقة أن لكل طرف أخطاء كثيرة، وهي أخطاء لا يمكن بسطها في مقال واحد، لذلك فسأقتصر هنا على الأخطاء المرتبطة بالقضية الشائكة المطروحة في أيامنا هذه : قضية تعريب الإدارة. وسأقتصر كذلك على الأخطاء المحصورة زمنيا بين مطلع مارس حتى منتصف إبريل، وذلك في محاولة للإجابة على السؤال الشهير: من الذي ركل القطة وتسبب ـ بالتالي ـ في الأحداث المؤلمة التي عرفتها الجامعة يوم الخميس الماضي؟
وللإجابة على هذا السؤال فإنه لابد من الحديث عن حزمة كبيرة من الأخطاء التي تراكمت والتي يمكن ترتيبها زمنيا على النحو التالي:
الخطأ الأول: جاء من الوزير الأول، في اليوم الأول من مارس، وذلك بمناسبة الاحتفال الأول، بيوم اللغة العربية. ورغم أنه يصعب معرفة ما إذا كان ما قاله الوزير الأول في ذلك اليوم مجرد حديث عفوي نتيجة لشحنة حماس عابرة طافت به، أم أنه كان يعبر عن إرادة حكومية بتوجيهات نيرة؟ ومهما يكن الجواب فيمكن أن أسوق هنا بعض الملاحظات التي أفقدت تلك التصريحات ـ سواء كانت عفوية أم مبرمجةـ أشياء كثيرة من أهميتها وجعلت تجسيدها ميدانيا أمرا صعبا :
الملاحظة الأولى: لم يكن التوقيت مناسبا للحديث عن قضية هامة وشائكة مثل قضية تعريب الإدارة في الوقت الذي لا يوجد فيه أي حوار بين المعارضة والأغلبية.
الملاحظة الثانية : لقد كان بإمكان الوزير الأول أن يفرض ترجمة كل الوثائق الرسمية في الدوائر الحكومية كخطوة عملية أولى لتعريب الإدارة بدلا من حديثه الحماسي خاصة أن البلاد كانت قد عرفت مثل تلك الخطوة دون أن يتجرأ أي أحد على معارضتها.
الملاحظة الثالثة :لقد أطلق الوزير الأول في ذلك اليوم الكثير من المفرقعات الصوتية التي أضرت كثيرا بكلمة الحق التي نطق بها في تلك المناسبة والتي قال فيها بأن سيادة البلد ستبقى ناقصة ما لم يتم تعريب الإدارة .
الملاحظة الرابعة: لقد فات الوزير الأول أن إطلاق الوعود في قضايا الهوية ليس كإطلاقها في القضايا المعيشية. فمن السهل أن تعد الحكومة بخفض الأسعار فترفعها، ومن السهل أن تعد بمحاربة الفقر فتزيده، أو تعد بتحقيق العدالة فتخلف وعدها. أما إطلاق الوعود في المسائل المتعلقة بالهوية ثم التراجع عنها بعد ذلك فلابد له من كلفة باهظة وباهظة جدا.
الخطأ الثاني: وقد جاء من جامعة نواكشوط عندما تظاهرت مجموعة طلابية من القومية الزنجية غير مرخص لها ضد اللغة العربية أي ضد الدستور ودون أن تشرك معها بعض الطلاب من القومية العربية رغم أن هناك من يعارض التعريب من الموريتانيين العرب وهو ما أدى إلى أن يظهر هذا الصراع وكأنه صراع بين القوميات حيث ظهر الزنوج وكأنهم هم وحدهم من يدافع عن الفرنسية في حين ظهر العنصر العربي وكأنه هو وحده الذي يدافع عن العربية رغم أن الحقيقة لم تكن بذلك التبسيط.
الخطأ الثالث: وهو خطأ ارتكبته المعارضة التي تعودت أن تعارض النظام حتى ولو كان على صواب عكس الأغلبية التي تعودت على أن تناصره حتى ولو كان على باطل بين. فرغم أن أغلب برامج أحزاب المعارضة لا تعارض نظريا ـ على الأقل ـ الاهتمام باللغة العربية، إلا أنها رغم ذلك طالبت ـ وبكل أطيافها ـ من الوزير الأول الاعتذار في حين أنها نددت بشكل خافت أو لم تندد أصلا بتحركات الطلاب في الجامعة. وهو ما أعطى شرعية لتلك التحركات، وشجع بالتالي أصحابها على الاستمرار حتى الحصول على الاعتذار.
الخطأ الرابع: جاء من الأحزاب القومية التي اختارت أن تختفي من البلد في لحظة حرجة من تاريخه، وهي لحظة كان بالإمكان استغلالها لصالح اللغة العربية، أو على الأقل استغلالها حتى لا تضطر الحكومة إلى التراجع بذلك الأسلوب المشين الذي تحدث به وزير التعليم العالي. لقد اختار القوميون تلك اللحظة الحساسة ليرتكبوا جرما شنيعا فبايعوا رئيس دولة أخرى، وهو جرم لا يقل شناعة عن اعتراض البعض وبشكل صريح جدا، ضد استخدام اللغة الدستورية للبلد في التعاملات الإدارية اليومية لذلك البلد.
الخطأ الخامس: عندما وجدت الحكومة نفسها في ورطة : صحافة مستقلة أظهرت الوزير الأول ـ خاصة في الأيام الأولى ـ وكأنه قال منكرا من القول ، معارضة استغلت وبشكل سيء وقذر ـ في بعض الأحيان ـ تلك القضية الحساسة. مظاهرات عرقية تتسع يوما بعد يوم، غياب كامل للمدافعين "التقليديين" عن العربية وانشغالهم بالبيعة ...إلخ
وللخروج من تلك الورطة ارتكب وزير التعليم العالي خطأ جسيما وأدخل الحكومة في ورطة أكبر، عندما ساوى بين الاحتفال بيوم العربية و الاحتفال بالفرانكفونية وأعلن بشكل صريح بأن الإدارة ستبقى مفرنسة ولا نية لتعريبها.
هذه الأخطاء مع غيرها أدت إلى تشكل المشاهد التالية :
مشهد أمامي : مجموعة من الطلاب الزنوج استطاعت بتحركاتها أن تحصل على اعتذار من وزير التعليم العالي عن تصريح الوزير الأول مع الوعد بأن اللغة الفرنسية ستظل هي اللغة الرسمية للإدارة وهو ما يعني أن ثلاثة آلاف حامل شهادة بالفرنسية تزيد أو تنقص قليلا لن تكون لديها مشكلة على الأقل في المستقبل المنظور.
مشهد خلفي: حالة إحباط لدى مجموعات أخرى من الطلاب لأن مستقبلها سيكون مهددا عندما تلتحق بما يزيد على عشرين ألفا من حملة الشهادات بالعربية العاطلين عن العمل. وفي هذا المشهد الخلفي تم طرح أسئلة مشروعة جدا ومنطقية جدا : لماذا لا نطالب نحن باعتذار عن التصريح " السري" لوزير التعليم ما دام البعض قد حصل على اعتذار عن التصريح العلني للوزير الأول؟ ولماذا لا ندافع نحن عن اللغة الرسمية للبلد مادام البعض الآخر بتحركاته قد استطاع أن يحقق نتائج ملموسة لصالح لغة غير دستورية؟ ولماذا تدافع الآلاف عن مستقبلها ولا تدافع عشرات الآلاف عن مستقبلها؟
مشهد مؤلم : مواجهات عرقية داخل الجامعة أدت إلى جرح العشرات وهي مواجهات حدثت في مرحلة عصيبة من تاريخ البلد الذي عرف "انفلاتا" غير مسبوق في التصريحات والمواقف المناقضة للدستور والصادرة من جهات شتى.
وحتى لا يتحول المشهد المؤلم إلى مشاهد أكثر إيلاما فإنه قد أصبح من الضروري توجيه المناشدات التالية:
1 ـ مناشدة للطلاب الذين يدافعون عن اللغة العربية بأن يوقفوا تحركاتهم المشروعة حتى لا يتم استغلالها لإشعال الصراعات العرقية في هذا البلد الهش.
2 ـ مناشدة للأحزاب السياسية بأن تقوم بواجبها في الدفاع عن القضايا الملحة التي لم تعد تقبل التأجيل وأن لا تلقي بكل هموم البلد على عواتق الطلاب الذين لديهم من الهموم الطلابية ما يكفي.
لقد أصبحت أحزابنا لا تهتم إلا بالمواقف و"المطالب المدرة للدخل" فلم نسمع يوما عن مسيرة أو عن مهرجان للدفاع عن اللغة الرسمية للبلد، ولا عن اللغات الوطنية. ولم نسمع عن أي حزب فتح في مقره فصلا للتواصل حيث يتعلم بعض مناضليه إحدى لغاتنا الوطنية. ولم نسمع عن أي حزب نظم مثلا مسابقة رمزية في إحدى الولايات الجنوبية لتشجيع المبدعين في إحدى لغاتنا الوطنية ، ولم نسمع ، ولم ...
3 ـ مناشدة الحكومة لأن تعمل بشكل جدي وذكي حتى لا يتسع الشرخ الذي أحدثته بسبب مواقف وتصريحات واعتذارات غير مدروسة. وعليها أن تبتعد عن التنابز وتبادل الشتائم مع المعارضة والذي لن يفضي إلي أي شيء. وعلى هذه الحكومة أن تعلم بأن السجال مع المعارضة يضرها أكثر من ضرره للمعارضة. وعليها أن تعلم كذلك بأن الشعب الموريتاني سيحملها في النهاية مسؤولية كل الأخطاء التي حدثت في عهدها، سواء منها تلك الأخطاء التي ارتكبتها هي، أو ارتكبتها المعارضة، أو ارتكبتها أي مجموعة تنتمي إلى هذا البلد.
تصبحون على حكومة راشدة...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

بالعربي الصريح


المتتبع لما تنشره الجرائد والمواقع الوطنية في هذه الأيام لابد وأن يصاب بالذهول والصدمة وحتى بالاشمئزازـ في بعض الأحيان ـ وهو يتابع ذلك الكم الهائل من البيانات، والتصريحات، والمقالات، والتحليلات التي يراد منها ـ بحسن نية أو بسوئها ـ التشويش على الوعد الجميل الذي قطعه الوزير الأول على حكومته بمناسبة يوم اللغة العربية، والذي التزم من خلاله بالعمل على تطوير اللغة العربية باعتبار أن موريتانيا ستبقى بلدا منقوص السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية، وجعلها لغة إدارة وعمل.
كلام جميل لم يستطع الموريتانيون أن يفرحوا به مخافة أن يكون ما قاله الوزير الأول مجرد كلام ـ لا تصحبه أفعال ـ كما كان يحدث في السابق، خاصة وأن الدعوات للاحتفال بيوم اللغة العربية كانت مكتوبة بالفرنسية. كما أنهم لم يستطيعوا أن يستبشروا خيرا بذلك الوعد لأن بعض أبناء هذا البلد قد اعتبر ذلك الوعد موجها ضده، وهو ما أدى إلى تحرك بعض الطلاب في الجامعة وإلى حدوث مصادمات عرقية.
في ظل هذا أصبح من اللازم ـ بعد تلك الشرارات المخيفة التي انطلقت من الجامعة ـ أن نتحدث عن موضوع اللغة والهوية من وجهة نظر قد تختلف كثيرا عن وجهات النظر السائدة في هذه الأيام، وذلك من خلال سرد بعض الملاحظات الصريحة جدا والتي كثيرا ما تغيب عن البعض.
1ـ من الضروري بل ومن والملح جدا، أن نحدد لغة واحدة، وواحدة فقط، للإدارة وللعمل كما هو الحال في كل بلدان العالم . ولم يعد ممكنا التستر خلف بعض المواقف والحجج الغامضة، فمن المعيب أننا وبعد مرور نصف قرن على تأسيس الدولة الموريتانية لا نزال نختلف كثيرا في مسألة اللغة. إن كل تأخر في حسم مسألة اللغة سيزيد من صعوبة حسم ذلك الخلاف مستقبلا، لأنه سيعمق فجوة الخلاف أكثر، وهو ما سيشكل خطرا محدقا بالانسجام وبالتعايش السلمي بين مكونات هذا الشعب .
2 ـ لابد أن تكون هناك مقاييس محددة، ومعايير واضحة، يتم عليها اختيار اللغة. لذلك فعلى من يطالب بضرورة اعتماد أي لغة أخرى غير العربية، أن يقدم حجته، وبالنسبة لي أعتقد أن اللغة التي يجب اعتمادها هي اللغة العربية وذلك لأسباب عديدة أذكر منها:
إنها هي لغة " وطننا الأصلي" أي الجنة، والذي أسأل الله أن يعيدنا إليه جميعا، بما في ذلك من يعارض اعتماد اللغة العربية. كما أنها هي اللغة التي اختارها الله لأن تكون لغة قرآنه. وفضلها على كل اللغات وجعل تعلمها والتحدث ببعض كلماتها ـ على الأقل ـ خمس مرات في اليوم ،واجبا على كل مسلم ومسلمة،بما في ذلك الملايين الثلاثة التي تسكن هذه الأرض. وذلك في الوقت الذي لا توجد فيه لغة أخرى، يُلزم المسلم بالنطق بها حتى ولو مرة واحدة في العمر، بما في ذلك الحسانية، و البولارية، و الولفية، و السونكية، و الفرنسية.
3ـ إن العربية هي لغة الأكثرية في هذا البلد وأنا لا أتحدث هنا عن الشريحة الناطقة بها، وإنما أقصد بأنه لو احتكمنا إلى الأساليب الحضرية والديمقراطية ـ بوصفنا دولة ديمقراطية ـ لحسم الخلاف وأجرينا استفتاء لاختيار اللغة التي يجب أن تكون هي لغة الإدارة، ولغة التعامل، لتم اختيار اللغة العربية وبنسبة مرتفعة جدا. فأغلبية الموريتانيين ستختارـ قطعا ـ لغة القرآن عن لغة المستعمر.
4 ـ إنها هي اللغة الدستورية الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية الأربع التي يمكن استخدامها في الإدارة وفي التعامل، أما لغاتنا الوطنية الأخرى، فهي ليست مؤهلة ـ على الأقل ـ حاليا لأن تكون لغة تعامل ولغة إدارة.
5 ـ يطالب البعض باعتماد الفرنسية كلغة عمل و إدارة، رغم أن الفرنسية لا يعترف بها الدستور كلغة وطنية، ورغم أنها لغة لم تكن معروفة لدى هذا المجتمع وبكل مكوناته، قبل مجيء الاستعمار الفرنسي. لذلك فهي يجب أن لا تتعدى كونها لغة عالمية، ولغة انفتاح، يعتبر تعلمها ضروري ومفيد، لا أكثر ولا أقل. أما المطالبة بجعلها هي اللغة الرسمية للإدارة كلما دار جدل وخلاف حول مسألة اللغة، فذلك أمر لا يختلف كثيرا عن الفتوى التي شرع بها أبو نواس لنفسه شرب الخمر.
فعندما أباح العراقي ( أبوحنيفة ) النبيذ وحرم المدامة، وحرمهما الحجازي (الشافعي). أستنبط أبو نواس من ذلك فتوى غريبة، أحل بها شرب الخمر:
أباح العراقيُّ النبيذَ وشُرَبَـــــــهُ.........................وقال حرامان المدامة والسًّــــكْرُ
وقال الحجازيُّ الشرابان واحدٌ ... ......................فحلِّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهمـــــا ......................... وأشربُها لا فَارقَ الوازرَ الوزرُ

6 ـ يعتبر البعض بأن اللغة الفرنسية هي لغة الاتصال في هذا البلد، متجاهلا بأن نصف السكان أمي لا يقرأ ولا يكتب. أما النصف الثاني فغالبيته تتواصل بغير الفرنسية. ومما يجب الإشارة إليه هنا هو أن الموريتانيين العرب كثيرا ما يتعلمون اللغات الزنجية في المدن التي يكثر فيها الزنوج. في حين أن الزنوج يتعلمون الحسانية في الأماكن التي يكثر فيها الناطقين بالحسانية. لذلك فغالبية الموريتانيين تتواصل بلغاتها الوطنية ويتعلم بعضهم لغة البعض الآخر بمحض إرادته ورغبته.
وعلى أولئك الذين يطالبون بفرض اللغة الفرنسية أن يتذكروا أن فرنسا ـ التي تعتبر للبعض نموذجا ـ قد فرضت بالقانون، اللغة الفرنسية من بين 400 لغة ولهجة كانت مستخدمة، من بينها 30 لغة كان معترف بها رسميا.
7 ـ من المؤسف حقا أن بعض المدافعين عن اللغات الوطنية غير العربية لا يهتمون بلغاتهم إلا في الأوقات التي تهتم بها الدولة باللغة العربية. أما في الفترات التي يكون فيها الاهتمام مقتصرا على الفرنسية، فإنهم ينسون لغاتهم، وينسون المطالبة بتطويرها.وهذا التصرف الغريب أفقدهم الكثير من المتعاطفين معهم من الشريحة العربية.
فالمقلق حقا أن أولئك الذين يطالبون بتطوير لغاتهم ـ ولهم الحق في ذلك ـ هم أول من يقف بالمرصاد ضد تطوير اللغة العربية، بحجة واهية، وهي أن تطوير اللغة العربية سيكون على حساب لغاتهم.
8 ـ يشفق البعض على المتعلمين بالفرنسية عندما يتم الحديث عن تعريب الإدارة، ولا يشفق أولئك على الآلاف من حملة الشهادات بالعربية، والذين صدقوا ذات يوم بأن اللغة العربية ـ لا الفرنسية ـ هي اللغة الرسمية لهذا البلد، فتعلموا بالعربية، وتخرجوا، ليواجهوا مصيرا مؤلما وبائسا، بعد أن أيقنوا بأنه لن يتم توظيفهم في الإدارة لأنهم قد ارتكبوا ذنبا كبيرا عندما صدقوا الدستور الذي نص على أن اللغة الرسمية لهذا البلد هي العربية! إن من يشفق على أولئك،عليه أن يشفق كذلك على هؤلاء، الذين نسوا ما تعلموا، و اشتغلوا ببعض المهن التي لا تناسب مستواهم العلمي، و هاجر كثير منهم خارج البلاد طلبا للقمة العيش.
لقد حدث في هذا البلد الذي تعتبر العربية لغته الرسمية، أن تقدم بعض الشباب المتخرجين من قسم الاقتصاد، للمشاركة في مسابقة اكتتاب في البنك المركزي الموريتاني الذي رفض مشاركتهم في المسابقة، لأن شهاداتهم بالعربية،والمسابقة ستكون بالفرنسية. بعضهم طلب أن يسمح له بأن يجرب حظه، من خلال منافسة خريجي الأقسام الفرنسية في مسابقة مواضيعها بالفرنسية، فجاء الرد بالرفض من أحد المدراء بالبنك، بحجة أن البنك المركزي مؤسسة هامة جدا، وحساسة جدا، وتعتبر واجهة للبلد، لذلك فلا يجوز أن يعمل فيها أصحاب الشهادات العربية حتى ولو كانوا يتقنون الفرنسية!!!
9 ـ كلما تم الحديث من طرف أي وزير عن ضرورة الاهتمام باللغة العربية تعالت أصوات البعض ووصفت ذلك الوزير بالعنصرية لذلك فمن المناسب هنا ـ ومن المناسب جدا ـ أن أذكر بأن هذا النظام الذي يصفه البعض بالعنصرية، هو النظام الذي خصص يوما للمصالحة الوطنية ، واعتذر بشكل رسمي للضحايا الزنوج عن الظلم الذي وقع في حقهم، وأقام الصلاة على أرواح الضحايا. وهو فوق ذلك، هو أول نظام يخصص كتابة للشؤون الإفريقية والتي جاءت على أنقاض كتابة الدولة للشؤون المغاربية.
10ـ لا يجوز أن نتعامل مع أبناء هذا الشعب بازدواجية، وإذا كان البعض يفعل ذلك مخافة أن يوصف بالعنصرية فإنه بذلك يرتكب فعلا عنصريا مخجلا. وعلى من يملك الشجاعة لإدانة بعض الموريتانيين الذين بايعوا رئيس دولة أخرى، أن تكون له نفس الشجاعة والصراحة والوضوح لإدانة من يطالب دولا أخرى للتدخل لإحداث فتنة في هذا البلد، أو إدانة من يحاول أن يحدث فتنة بين الأعراق.
11 ـ نتيجة لغباء كثير من ساستنا فقد تحولت اللغة العربية في مخيلة البعض إلى وحش مخيف يكاد يفترس اللغات الوطنية الأخرى، ويكاد يبتلع الناطقين بتلك اللغات . فأولئك الساسة لا يستطيع أحدهم أن يقول بأن العربية يجب أن تكون لغة الإدارة ثم يسكت. بل أنه لابد أن يعقب على ذلك المطلب بمحاضرة طويلة في التعايش، وفي الوحدة، وفي تطوير اللغات الوطنية، وفي خطورة التطرف، وعن أشياء أخرى بلا أول ولا آخر. والنتيجة هي ضياع المطلب، هذا فضلا على أن من يسمع تلك المحاضرة سيخيل إليه تلقائيا أن الاهتمام باللغة العربية سيشكل خطرا محدقا بالزنوج إن لم تصاحبه الكثير من الإجراءات التي قد تخفف من آثاره السلبية. والحقيقة هي أن ترسيم الفرنسية هو الذي يشكل خطرا كبيرا على كل الشرائح، بما فيها الزنجية، فهي التي تبعدهم عن لغة دينهم،الذي رفعهم كثيرا عن الأمم الأخرى، بما في ذلك تلك الأمة الناطقة بالفرنسية، وجعلهم ينتمون إلى أفضل أمة أخرجت إلى الناس.
12 ـ لقد تحول الخطاب الديني في بعض الأحيان إلى خطاب مزدوج يعمق الفوارق بدلا من تقليصها. وكمثال على ذلك فقد استنكر بعض خطباء الجمعة ظهور موريتانيات عربيات بزي غير محتشم على لافتات الدعاية لبعض شركات الاتصال. ولقد فات أولئك الخطباء أن هناك موريتانيات زنجيات قد ظهرن قبل ذلك على تلك اللافتات بزي أقل احتشاما من الزي التي ظهرت به تلك الفتيات التي تحدث عنها بعض الخطباء. ومع ذلك لم يتم انتقادهن.
ولو أن موريتانية عربية خرجت إلى الشارع تكشف عن رأسها ونصف بطنها كما تفعل بعض الموريتانيات الزنجيات لكان ذلك منكرا عظيما وإثما مبينا، وهو كذلك . وفي المقابل فهناك بعض الأعمال المحرمة شرعا أصبحت عادية عند الموريتانيات العربيات قد لا تثير الاستغراب إلا إذا مارستها بعض الموريتانيات الزنجيات.
و نتج عن ذلك أنه أصبحت هناك أفعال حرام إذا ارتكبتها شريحة معينة وحلال أو مسكوت عنها ـ بعبارة أدق ـ إذا ما ارتكبتها شريحة أخرى، رغم أن الجميع دينه واحد، ومذهبه الفقهي واحد.
13 ـ يحتج بعض المطالبين بترسيم اللغة الفرنسية بالضعف الذي تمر به العربية بسبب ضعف الناطقين بها، ورغم أن العربية تمر بظروف صعبة، لا يمكن إنكارها، بسبب ضعف الناطقين بها، إلا أنها مع ذلك فهي اللغة الرابعة من لغات الأمم المتحدة الرسمية الست. كما أنها لغة رسمية لدول غير عربية كتشاد واريتريا، ويتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة. وهي ـ وهذا يكفيها ـ هي لغة القرآن الذي تولى الله حفظه. وكمثال بسيط على عظمة هذه اللغة فيكفي أن نعرف بأن تعلم فعل " كتب " الذي أمارسه أنا الآن، يفتح المجال واسعا للمتعلم المبتدئ لمعرفة كلمات كثيرة أخرى ترتبط بهذا الفعل: كالكتاب، والمكتبة، والكاتب، والمكتوب. أما في اللغات الأخرى كالفرنسية والانجليزية وغيرها فالأمر مختلف تماما، ففعل كتب لا صلة له بكلمة الكتاب، وكلمة الكتاب لا علاقة لها بكلمة المكتبة ولا بفعل كتب، و كلمة الكاتب لا علاقة لها بكل تلك الكلمات.لذلك فتعلم ذلك الفعل مثلا، لا يعين على تعلم الكلمات المرتبطة به في اللغات الأخرى ، عكس اللغة العربية.
14 ـ يحاول البعض أن يُحَمِّل كل مصائب هذا البلد للحركات القومية العربية، ولقد تَفَهم البعض ما قام به الطلاب الزنوج، واعتبر أنه مجرد ردة فعل طبيعية ضد تطرف تلك التيارات. البعض الآخر حاول أن يكون أكثر إنصافا، واكتفي بالقول بأن سبب فشل التعريب في هذا البلد، وسبب نفور بعض الزنوج من اللغة العربية، إنما يعود إلى الطرح القومي السيئ. وطالب أصحاب ذلك الطرح بسحب مفهوم التعريب من التداول السياسي والثقافي. وما يمكن قوله هنا هو أنه لولا نضال القوميين وتضحياتهم لكان مصير اللغة العربية في هذا البلد العربي الإفريقي المسلم أسوأ بكثير من واقعها السيئ الذي تعاني منه اليوم. وسيبقى للقوميين شرف الدفاع عن لغة القرآن في هذا البلد، وذلك ما يجب الاعتراف به، رغم أنه كانت لهم أخطاؤهم الكثيرة والكثيرة جدا.
15 ـ لقد أصبح من الضروري أن يشارك الجميع، كل من موقعه، لمواجهة الحملة الإعلامية الشرسة التي تخاض ضد تعريب الإدارة، وذلك حتى لا يعتقد الوزير الأول ـ ولو للحظة ـ وهو يطالع ما ينشر في المواقع والجرائد، بأنه ارتكب ذنبا عظيما عندما أعلن في يوم اللغة العربية، بأن البلاد ستبقى ناقصة السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية وجعلها لغة إدارة وعمل. لقد قال الوزير الأول كلمة حق، وسيكون بطلا عند الكثيرين لو استطاع أن يجعل من تلك الكلمة حقيقة ميدانية، في كل الإدارات الحكومية.
تصبحون على وطن كامل السيادة....
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org