الأربعاء، 19 مايو 2010

حمالون بلا حياء!


يعتقد الحمالون ـ وهم مخطئون في ذلك ـ بأن رئيس الفقراء، وحكومة الفقراء، وأغلبية الفقراء، ونخب الفقراء، ورجال أعمال الفقراء، وفقراء الفقراء، وفقراءَ فقراءِ الفقراء، سيسمحون لهم بأن يزيدوا الأسعار بنصف أوقية للكيلوغرام. وذلك الاعتقاد الخاطئ هو الذي جعل الحمالين يطالبون بزيادة 500 أوقية، أو أكثر، على حمولة كل طن، مما كان سيتسبب لا محالة في زيادة تلقائية بنصف أوقية لكل كيلوغرام يباع على أرض الفقراء، وتحت سماء الفقراء، وفي عصر الفقراء الذهبي. الشيء الذي يتناقض ـ بشكل صارخ واستفزازي ـ مع البرنامج الانتخابي لرئيس الفقراء الذي وعد فيه بخفض الأسعار، فكيف يقبل بزيادتها حتى ولو كانت زيادة بنصف أوقية لا غير. فيا أيها الحمالون إن اعتقدتم بأن تلك الزيادة ستقبل، فأنتم واهمون.. واهمون .. واهمون. فكيف تعتقدون ـ ولو للحظة ـ بأن رئيس الفقراء، وحكومة الفقراء، وتجار الفقراء، وفقراء الفقراء سيسمحون لكم بأن تزيدوا سعر كيلو الأرز بنصف أوقية. وهو الذي لا تستغني عنه أسركم وعائلاتكم التي تأكله أبيض ناصعا في أكثر الأحيان. أيها الحمالون اعلموا أن رئيس الفقراء، أكثر شفقة على أسركم منكم، واعلموا أنكم إذا حاولتم أن تزيدوا أسعار المواد الأساسية على زوجاتكم وأبنائكم وعماتكم وأعمامكم وخالاتكم وأخوالكم وبني خالكم وبنات خالاتكم و جيرانكم، فإن رئيس الفقراء لن يقبل بذلك. لن يقبل به، ولن تقبل به كذلك حكومة الفقراء، ولا رجال أعمال الفقراء، ولا فقراء الفقراء، ولا حتى فقراءَ فقراءِ الفقراء. أيها الحمالون الفقراء عليكم أن تعلموا ـ كذلك ـ بأن أغلبية رئيس الفقراء أكثر شفقة عليكم من أنفسكم. ألم تسمعوا بنائب من "المشفقين الجدد" قال في العاصمة الاقتصادية بأن احتجاجاتكم هي احتجاجات سياسية، وهي ستضركم قبل غيركم، لأنها ستزيد عليكم الأسعار وأنتم فقراء لا تتحملون زيادتها. أيها الحمالون إنكم لا تستطيعون أن تشككوا في شفقة ذلك النائب على الفقراء. فهو وحتى وإن كان قد قبل بزيادة الضرائب على الأرز الذي يأكلونه، إلا أنه كفَّر عن ذلك الذنب العظيم برفض زيادتها على السجائر التي قد يدخنها بعضهم !!! رغم أن ذلك الاعتراض يتناقض مع مكانته البرلمانية فهو رئيس فريق مكافحة التدخين في البرلمان. فطوبى لمقاطعة تيشيت بهذا النائب المشفق، وطوبى لفقراء موريتانيا به، وشكرا لأهل تيشيت الذين انتخبوه لنا فقد كنا في أمس الحاجة إليه. فتصوروا أن برلماننا لم يكن فيه مثل هذا النائب العظيم الذي انحاز للفقراء. والذي كان له الشرف، بأنه هو أول شخصية من الأغلبية، أعلنت وبشكل صريح رفضها للمحاولات الدنيئة التي يقوم بها الحمالون من أجل رفع الأسعار.( إن شعبا ينتخب مثل هذا النائب لابد أن يكون له مستقبل "ناصع" مع الفقر والتخلف). أيها الحمالون عليكم أن تعودوا لرشدكم، وتتوقفوا عن هذه المطالب التي تتناقض مع فلسفة موريتانيا الجديدة، ومع جغرافيتها، وتاريخها، وأعرافها، وتقاليدها، وعاداتها، وتراثها.(تراث موريتانيا الجديدة يبدأ مما قبل 3 أغسطس من عام 2005 رغم أنها لم تولد إلا بعد 6 من أغسطس 2008). إن تظاهركم قد يوحي لأعداء موريتانيا الجديدة، وللمشككين فيها، بأن هناك بعض الفقراء لا زالت لديه مطالب لم يتم تحقيقها، في الأشهر التسعة التي تحققت فيها "المعجزات" وتحقق فيها ما لم يتحقق في سنوات، والكلام على ذمة وزير الصحة. وتظاهركم قد يتناقض مع جنان الفقراء التي يتحدث عنها فقراء الأغلبية، وفقراء البرلمان، وفقراء الحكومة، وفقراء المفسدين، وفقراء الإعلام الرسمي. إن حكومة الفقراء تعمل جاهدة لإسعاد كل الفقراء، بما في ذلك فقراء دول إفريقيا الغربية. وهذا ما يفسر تركها للأجانب ينافسون فقراء البلد في حمل الأثقال، لأنهم هم أيضا يستحقون الرأفة والشفقة من رئيس الفقراء، ومن حكومة الفقراء، ومن رجال أعمال الفقراء. فكيف بالله تصدقون أن حكومة تهتم بفقراء الدول المجاورة ستقصر في حق فقرائها الذين هم من لحمها وعظمها؟؟؟ ( لا أستطيع أن أقول من دمها، فهناك تصرفات كثيرة توحي بأن حكومتنا لا دم فيها، ولا حياء لها، وأقرؤوا إن شئتم مقال وزير الصحة الذي لم يعد لديه شيء يفعله في وزارته، فتفرغ لكتابة المقالات !!! ). واعلموا أيها الحمالون بأن هناك الكثير من الفقراء يحسدكم على ما أنتم فيه من نِعَم، فأنتم لا تعانون من الأرق، فمن كثرة تعبكم تنامون بمجرد وصولكم إلى "أكواخ الدجاج" التي تسكنون. ( التسمية لرئيس الفقراء بمناسبة أول زيارة للحي الساكن).أما غيركم من الفقراء فإنه لا يستطيع النوم فهو " لا يحظى" بتعبكم، وإن كان يشارككم في فقركم. إن احتجاج الفقراء "النائمين" قبل احتجاج الفقراء "اليقظين" يشكل ظاهرة لافتة يجب التوقف عندها. لن أضيف شيئا على هذه الجملة، وسأترك لكل قارئ الحرية في فهمها وتأويلها كيف ما شاء. أيها الحمالون إنكم مخطئون.. مخطئون .. مخطئون.فكيف قررتم أن تتظاهروا وأنتم تعلمون بأنكم لا تستطيعون مواصلة إضرابكم، فأنتم لستم كغيركم، لأنكم عندما تتوقفون عن العمل في يوم، فلن تجدوا ما تأكلونه في ذلك اليوم. وعندما تتوقفون ليومين فلن تأكلوا ليومين.. وهكذا. وكيف قررتم أن تتظاهروا وأنتم تعلمون بأنه لن يتعاطف معكم أي فقير من الأغلبية ولا من المعارضة، رغم أن الجميع يحب الفقراء ويشفق عليهم. فأنتم قد لا تصدقون حاليا بأن الأغلبية تهتم بكم. ولكن أريدكم فقط أن تنتظروا أول انتخابات قادمة لتعرفوا كم هم يحبونكم، فقد يأتيكم ساعتها فارس من رحم الأغلبية،لا تعرفونه ولا يعرفكم، يلبس ثوبا أكثر بياضا من أرزكم الذي تأكلون، وليست عليه آثار السهر ومع ذلك فقد يقول لكم بأنه لم يذق للنوم طعما منذ سنوات، لكثرة انشغاله بالتفكير بهمومكم. وقد لا تصدقون أيضا بأن المعارضة تهتم بكم، تلك المعارضة التي نظمت المسيرات عندما سُجِن بعض رجال أعمالها، ولم تتحرك عندما تم سجن عشرات الحمالين. اعذروا المعارضة أيها الحمالون، فهي تحتاج لمال الأغنياء أكثر من احتياجها لعرق الفقراء. وقد لا تصدقون بأن كتابنا ومثقفينا وصحافتنا ومجتمعنا المدني يهتمون بكم. ولكنهم في حقيقتهم يهتمون بكم، حتى وإن كان هذا الاهتمام أقل من اهتمامهم بتحركات الطلاب أو الأساتذة أو الأطباء. فهم قد يتحركون بحماس عندما يسجن صحفي، أو طالب، أو أستاذ. ولكنهم لا يتحركون عندما يعتقل عشرات الحمالين البسطاء الفقراء. وهم قد تشغلهم قضايا أرشيفية، وصراعات ثانوية عن همومكم. ولكن كل ذلك ليس دليلا على أنهم لا يهتمون بكم. إنهم يهتمون بكم، حتى وإن كان يصعب تقديم دليل على ذلك الاهتمام. أيها الحمالون لو كنتم على حق لما ضاعت حقوقكم على أرض الفقراء، وتحت سماء الفقراء، وعلى مرأى ومسمع من رئيس الفقراء. ولو كنتم على حق لما خذلتكم حكومة الفقراء، ولا معارضة الفقراء، ولا مثقفو الفقراء، ولا صحافة الفقراء، ولا المجتمع المدني للفقراء، ولا فقراء الفقراء. فيا أيها الحمالون إنكم لمخطئون، قليلو الحياء.ولو كنتم على حق لوجدتم أنصارا كثرا: فخطباؤنا بخير.. وحكومتنا بخير.. ومعارضتنا بخير.. ومثقفونا بخير.. وصحافتنا بخير.. وفقراؤنا المفسدون ـ كل فقرائنا المفسدين ـ بخير.. أما أنتم فلا تريدون أن تكونوا على خير، فلم لا تريدون أن تكونوا على خير؟؟ تصبحون على خير..

الأحد، 16 مايو 2010

من " حَمَّالٍ"... إلى رئيس الجمهورية


سيدي الرئيس، لقد وجدتني مضطرا لأن أكتب لكم في أقل من أسبوع رسالة مفتوحة أخرى وذلك لأسمعكم شيئا قليلا من أنين حَمَّالٍ يستيقظ باكرا في كل يوم .. ويقطع المسافات الطويلة في كل يوم .. ويحمل الأثقال في كل يوم، بثمن بخس، لكي يخفف ـ ولو قليلا ـ من أعباء الحياة، ومن همومها الثقيلة.. إنه في كل يوم يحمل الأثقال على كاهله من أجل أن يخفف من أثقال الحياة...وإنه ـ يا سيادة الرئيس ـ لا يستطيع أن يتوقف عن حمل تلك الأثقال، فبحمل تلك الأثقال وبحملها فقط ، يُطعم صغاره أبخس طعام يبقيهم على قيد الحياة ، ويكسوهم أخشن الثياب، ويسقيهم أسوأ ماء، ويعالجهم بأردأ دواء...وحلم هذا الحمَّال هو أن يجد في كل يوم بضائع وسلعا يحملها.. وعندما لا يحالفه الحظ في يوم من الأيام، ولا يجد ما يحمله، فإنه يعيش يومه ذلك كئيبا، مهموما، محبطا، حزينا وبائسا.لذلك فهو عندما يقرر بمحض إرادته أن يتوقف عن حمل الأثقال، دون أن يكون المرض هو سبب ذلك التوقف، فذلك يعني أن في الأمر شيئا ما يستحق التأمل.وبطبيعة الحال فسيكون دائما هناك من يقدم التفسيرات المبسطة، والتهم الجاهزة، لأنه لا يريدكم أن تهتموا بهموم الفقراء الذين انتخبوكم، والذين لهم عليكم حقان : حق التصويت لكم، وحق الاحتياج، فهم الأحوج للاهتمام لأنهم ظُلموا كثيرا، وعانوا كثيرا، وتجاهلهم الرؤساء كثيرا، عهدا بعد عهد، وتغييرا بعد تغيير.وقد يقول لكم بعض مستشاريكم، ومقربيكم، بأن الأمر لا يتعدى كونه مجرد محاولة مشبوهة، من جهات سياسية معارضة، لخلق قلاقل وأزمات في البلد.وسيقولون لكم بأن الحل الأمني هو الوسيلة المناسبة للتعامل مع مثل هذا النوع من الأزمات المفتعلة.والحقيقة أن تلك هي أسوأ طريقة للتعامل مع مثل هذا النوع من القضايا، فهي تمثل أساليب قديمة، جُربت من قبل، واستخدام نفس الأساليب يؤدي ـ دائما ـ إلى نفس النتائج.وربما تكون هناك جهة سياسية ما هي التي حركت الحمالين، أو على الأقل تحاول أن تكسب من تحركاتهم ... ذلك شيء لا أستطيع أن أثبته أو أنفيه .. وربما تكون تحركات الحمالين هي مجرد تحركات عفوية، فرضها الواقع البائس الذي يعيشونه .. ذلك أيضا شيء لا أستطيع أن أثبته أو أنفيه.. بل أكثر من ذلك، أقول لكم، بأن كل ذلك لا يستحق أن نفكر فيها إطلاقا. فالأسئلة التي يجب علينا أن نطرحها في هذا المقام، وأن نبحث لها عن أجوبة وحلول عادلة ومنصفة للجميع، يجب أن تكون أسئلة من نوع آخر:فهل الحمالون يستحقون ـ سواء تظاهروا أم لم يتظاهروا ـ أن تسمعهم الحكومة، وأن تفكر معهم من أجل البحث عن حلول عادلة لمشاكلهم المطروحة منذ مدة طويلة ؟وهل يحق للحمالين أو لأي شريحة أو فئة أو مجموعة أخرى، إذا ما ظلت أبواب الحكومة موصدة في وجهها، أن تلجأ لجهات سياسية وطنية من أجل إسماع أنينها، حتى ولو كانت تعلم بأن تلك الجهات السياسية قد تستغل ذلك الأنين وتتاجر به في مصالح حزبية ضيقة ؟سيدي الرئيس، بعد السادس من أغسطس أعلن حملة الشهادات العاطلين عن العمل تأييدهم لحركة التصحيح، رغم أن بعضهم كان لا يرغب في اتخاذ مواقف سياسية، قد تؤثر سلبا على وحدتهم وتماسكهم. ولقد كانت حجة المساندين هي أنهم بحاجة ماسة إلى شيء من العدالة كنتم قد وعدتم بتوزيعه على كل الشعب الموريتاني.وبعد مرور مدة من الزمن، ومع افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، ظهر حملة الشهادات أمام البرلمان وهم يطلبون من رئيس البرلمان بأن يجعل من هذه الدورة دورة لمحاربة البطالة، كما طلبوا منه أن يسائل وزير التشغيل.فما الذي حدث وجعل حملة الشهادات يسعون بأنفسهم إلى جهات معارضة، قد تستغل معاناتهم وتستخدمها لأغراض سياسية، في وقت يعرف فيه البلد تجاذبات سياسية حادة؟هذا سؤال يجيب على كل الأسئلة التي طُرِحت من قبله.فلا يمكن القول بأن حملة الشهادات لا يدركون ما يقومون به، فهم متعلمون، وأصحاب شهادات عالية، ويعرفون جيدا بأن معاناتهم قد يتم استغلالها في الصراعات الدائرة حاليا بين المعارضة والموالاة.. إنهم يدركون ذلك.. ولكن المشكلة هي أن الحكومة أغلقت أبوابها أمام هؤلاء العاطلين عن العمل، وأجبرتهم بالتالي على أن يتظاهروا أمام البرلمان، وأن يناشدوا رئيسه لكي يهتم بمعاناتهم، حتى ولو أدى ذلك إلى تسييسها.سيدي الرئيس، لقد خصصت الرسالة السادسة من هذه الرسائل المفتوحة لحملة الشهادات العاطلين عن العمل. وقدمت لكم فيها مقترحات عملية لا تكلف الدولة شيئا مذكورا، وهي مقترحات لو تم الاستماع إليها لما اضطر العاطلون عن العمل للوقوف أمام البرلمان بحثا عن نصير.ولقد لاحظت كغيري ـ يا سيادة الرئيس ـ بأن الحكومة كثيرا ما تترك بعض القضايا التي كان يمكن أن يتم علاجها بفاتورة زهيدة، تتركها ـ بقصد أو عن غير قصد ـ تتفاقم، و تتأزم، وتزداد تعقيدا حتى تكون صالحة للتسييس.حدث هذا مع الحمالين، وقد يحدث مع حملة الشهادات العاطلين عن العمل.إن التغيير البناء ـ في اعتقادي ـ يتطلب تغييرا في طريقة التفكير، وتغييرا في أساليب الحكم، وفي أنماطه. فإذا كان الرؤساء من قبلكم، قد كانوا يضيعون أوقاتهم في طرح السؤال الخاطئ كلما كانت هناك احتجاجات ومطالب نقابية. وهو سؤال يربط تلك التحركات بجهات سياسية مشبوهة،. فإنه من الأجدر بكم أن تنظروا إلى الوجه الآخر للحقيقة، لكي تطرحوا السؤال المناسب : لماذا أغلقت الحكومة الأبواب في وجه الحمالين والعاطلين عن العمل، حتى اضطروا لأن يطرقوا أبواب المعارضة، والتي قد تستغل معاناتهم في صراعها الدائر حاليا؟؟؟في بعض الأحيان قد يكون أهم شيء نقوم به، هو طرح السؤال المناسب، في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة.سيدي الرئيس، لقد كان بإمكانكم ـ تفاديا لاحتجاجات الحمالين ـ أن توجهوا دعوة للعشرات من هؤلاء الحمالين لحضور حفل عشاء في القصر، بمناسبة فاتح مايو، وتستمعوا لمعاناتهم وأنينهم دون وسيط. فهم أولى من غيرهم للتحدث عن معاناتهم، ولقد كان بالإمكان أن تجدوا حلا لبعض مطالبهم العادلة، وأن تعتذروا لهم عن البعض الآخر من المطالب المستحيلة، أو التي قد يصعب تحقيقها في الوقت الحالي. قد يقول البعض بأن هذه الدعوة غريبة، وغير مألوفة، وأنها قد لا تكون مناسبة لرئيس جمهورية. وقد يعترض البعض على مثل هذه الفكرة، وخاصة أولئك الذين يفكرون بشكل تقليدي، ويتعاملون مع الأزمات المزمنة، بنفس الأساليب التي أنتجتها.والحقيقة أن هناك أفكارا عديدة من هذا القبيل، قد تم استخدامها من طرف زعماء وقادة يهتمون بالفقراء، لذلك فقد كان من المنطقي أن ينظم رئيس الفقراء، مأدبة عشاء لصالح بعض الفقراء، الذين قد يموت أغلبهم، دون أن يملأ بطنه ولو لمرة واحدة من طعام لذيذ كالذي يأكله الرؤساء عادة.إن هؤلاء أولى بعشاء فاخر في القصر الرئاسي، ولو لمرة واحدة في العمر، من أولئك الذين تتكرر دعوتهم ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ رغم أنهم هم من رشف المحيط بكل حيتانه، وابتلع النفط بكل مشتقاته، وأكل الحديد بكل شوائبه، ونهب الزراعة بكل محاصيلها. ولو أنكم استقبلتموهم في القصر ولو لمرة واحدة لحققتم بذلك مكاسب كبيرة من بينها:1ـ أن تواجد بعض البسطاء في القصر الرئاسي، كان سيمنحكم لقطة دعائية في غاية الأهمية، أنتم اليوم في أمس الحاجة إليها، وذلك بعد أن انتهى العمر الاستهلاكي للقطات دعائية سابقة، تم استهلاكها بشكل كامل أثناء الحملة الانتخابية الماضية.2 ـ أن حفل العشاء لوحده، كان سيكفي لأن يجعل هؤلاء البسطاء الطيبين يتراجعون عن التظاهر، حتى لا يتم استغلال تحركاتهم ضد الرئيس الذي فتح لهم أبواب قصره..3ـ إن هؤلاء البسطاء الذين لا يطلبون إلا قليلا هم الذين يمكن أن يعول عليهم في ساعة العسرة. أما أولئك الذين يتقربون إليكم اليوم، كما تقربوا إلى من سبقكم، فإن كلفتهم باهظة جدا، وهم دائما يتوارون عن الأنظار في ساعة العسرة.وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الثانية عشر إن شاء الله...

السبت، 8 مايو 2010

خاص برئيس الجمهورية... أعيدوا لي "صوتي"!!!


سيدي الرئيس، سأحدثكم في هذه الرسالة عن سيدة فقيرة، قصتها مثيرة، تسكن في مقاطعة عرفات غير بعيد من ساحة التغيير البناء.
هذه السيدة الفقيرة بذلت جهدا كبيرا من أجل نجاحكم، وأنفقت من قوت عيالها على حملتكم الانتخابية. ورغم أنها لم تجد تعويضا من إدارة حملتكم على نفقات خيمتها التي ضربت، ورغم سخرية بعض جاراتها الداعمات لمنافسيكم من عدم التعويض لها، إلا أن ذلك كله لم يقلل من عزيمتها ولم يؤثر مثقال ذرة على ولائها لكم.
لقد كانت تلك السيدة تقول بأنه على الفقراء أن ينفقوا من جهدهم ووقتهم ومالهم من أجل نجاحكم الذي سيشكل قطعا نصرا للفقراء، وهزيمة نكراء لرموز الفساد الذين أهلكوا البلاد والعباد، خلال العقود الماضية. بل إنها فوق ذلك جعلت من المنافسة بينكم وبين المرشحين الآخرين منافسة بين الخير المطلق، والشر المطلق. و جعلتها وكأنها حربا بين المسلمين والكفار. ولقد كانت تدعو لكم في جوف الليل ـ كغالبية الفقراء والبسطاء ـ وتسأل الله أن ينصركم على خصومكم من المفسدين.
واليوم، وبعد مرور تسعة أشهر على تنصيبكم، لم يعد لتلك السيدة إلا أمنية واحدة، وهي أن تقابلكم لتطلب منكم أن تعيدوا لها " صوتها " الذي منحته لكم أثناء الانتخابات الرئاسية الماضية.
لم تعد تلك السيدة تؤمن بالتغيير البناء، ولم تعد تبشر جاراتها بموريتانيا الجديدة، ولم تعد تحلم بأن يتحسن مستوى معيشتها. لقد تبخرت كل تلك الأحلام ولم يعد لتلك السيدة إلا حلم واحد وهو أن تتمكن من أن تستعيد "صوتها" لا أكثر ولا أقل.
فما الذي حدث في الأشهر التسعة الماضية وجعل تلك السيدة تشعر بإحباط مخيف بعد حماس مفرط؟ ذلك سؤال يستحق أن نبحث له عن إجابة محايدة.. إجابة لا تزيد من حجم الهموم لدوافع سياسية كما يفعل بعض معارضيكم . ولا تنقص في المقابل من تلك الهموم كما يفعل بعض مناصريكم لمصالح شخصية أو سياسية.
سيدي الرئيس، يمكن القول بأن الفقراء الذين يعود لهم الفضل المباشر في نجاحكم قد انقسموا ـ خلال الأشهر التسعة ـ إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: وهي طائفة لا زالت تحلم بموريتانيا الجديدة ولازالت تعتقد بأن التغيير البناء قادم لا محالة. وهي تستشهد بجملة من الانجازات التي تحققت خاصة في مجال شق الطرق، وتوزيع القطع الأرضية ، وتعميم العلاوات والشفافية في توزيعها. وهذه الطائفة لا زالت تبذل جهودا جبارة لصالحكم، وأقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة جبارة لا دلالتها في الإعلام الرسمي، رغم أنها لا تجد من يعينها على ذلك فالخطاب الحكومي والخطاب الحزبي قد فشِلا فشَلاً غير مسبوق في "تسويق" ما تم انجازه.( وهذا ما سيتم الحديث عنه إن شاء الله وبشكل مفصل في البطاقة الحمراء الثانية).
الطائفة الثانية: وهي طائفة حائرة لم تستطع بعد تسعة أشهر أن تحسم خيارها النهائي، وهي تميل إلى الصمت حتى تنكشف الأمور، فهي لم تعد تملك من الحماس ما يكفي للدفاع عن التغيير البناء. كما أنها لم تفقد الأمل نهائيا في حصول التغيير المنشود.
الطائفة الثالثة: وهي التي تحولت مئة وثمانين درجة رغم أنها كانت هي الطائفة الأكثر تحمسا للتغيير البناء أثناء الحملة الانتخابية الماضية، وأصبحت اليوم هي الأكثر قنوطا من حصول ذلك التغيير، كما هو الحال بالنسبة للسيدة التي لم تعد تطالب إلا باستعادة "صوتها".
ومع أنه لا يمكن تحديد نسبة كل طائفة، إلا أنه رغم ذلك يمكن تقديم بعض الملاحظات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، حتى لا تزداد نسب الطائفتين الثانية والثالثة، ومن هذه الملاحظات يمكن أن أذكر:
1ـ إن الفقراء والبسطاء هم الذين حسموا الانتخابات الماضية حيث صوتت غالبيتهم لصالحكم بينما انقسمت الشرائح والفئات الأخرى، بشكل متساوي تقريبا بينكم وبين منافسيكم . فلم يكن حظكم من الوجهاء أكثر من حظ غيركم. ولم يكن نصيبكم من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية بأكثر من نصيب خصومكم. ولم يكن من دعمكم من المفسدين أكثر ممن دعم خصومكم. لذلك فالفقراء يعتقدون بأنهم هم من حسم الانتخابات، وبأنهم هم من يستحق أن تهتموا به، فالعدالة تقتضي ذلك، والوفاء السياسي والأخلاقي يقتضيان أيضا ذلك.
2 ـ إن أحاديثكم عن أوجاع الفقراء، وقدرتكم الفائقة على تشخيص المرض، وتحديد مكان الداء جلبت لكم الكثير من الأنصار قبل وأثناء الحملة الانتخابية. وتلك حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن كذلك إنكارها، وهي أن تلك الأحاديث لم تعد الآن تكفي للمحافظة على تلك الشعبية بعد أن أصبحتم رئيسا منتخبا للبلاد، وبعد أن أصبح المطلوب منكم هو التخفيف ميدانيا من تلك الآلام، لا الاكتفاء بالدقة في تشخيصها.
لقد تحدثتم بشكل صريح في مجلس الوزراء عن القمامة، وأعطيتم أوامر صارمة بضرورة تنظيف العاصمة. ورغم ذلك لا زالت العاصمة مدينة مليئة بالأوساخ والقمامة. ولقد زرتم المستشفيات والمراكز الصحية، وتحدثتم كثيرا عن مشاكل الصحة، ولكن تلك الأحاديث والزيارات لم تنعكس ـ حتى اليوم ـ على الخدمات الصحية التي تقدمها تلك المؤسسات.
ولقد زرتم شركة الماء، وشركة الكهرباء أكثر من مرة، وتحدثتم بشكل صريح عن سوء التسيير، ولكن المشكلة أن التسيير لم يتحسن، وأن خدمات الماء والكهرباء لم تتحسن حتى يومنا هذا، وإن كان سقف الوعود قد زاد من جديد بعد زيارتكم للدار البيضاء، وبعد زيارتكم الأخيرة لشركة المياه.
ولقد زرتم التلفزيون وتحدثتم بشكل صريح عن بعد هذه المؤسسة عن هموم المواطن العادي، ورغم ذلك فالتلفزيون لم يقترب من هموم المواطن بعد تلك الزيارة. ولو أنه اقترب من تلك الهموم لأسمعكم أنين الكثير من الفقراء، بما فيهم السيدة التي تطالب بأن يعاد لها صوتها.
ولقد تحدثتم قبل ذلك كله عن الأزمة الأخلاقية التي لم يعد يذكرها ذاكر، والتي يعمل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية من أجل تعميقها من خلال إشعال النعرات القبلية، والجهوية. ومن خلال التزوير والرشوة التي تم استخدامها بشكل واسع أثناء عمليات التنصيب الجارية في أيامنا هذه. ولو أن الحزب أعلن بصريح العبارة، قبل عملية الانتساب بأنه سيجمد عضوية كل من يثبت أنه مارس الرشوة، أو التزوير، أو الإغراء بممتلكات الدولة، أو تسبب في صراعات عرقية أو جهوية أو فئوية لكان بالإمكان أن يدعي بعد ذلك بأنه اتحادا من أجل الجمهورية، لا اتحادا من أجل إعادة موريتانيا إلى الوراء، وإلى أساليب الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي.
3 ـ لقد فقدت الحرب على الفساد ورموزه الكثير من المصداقية. ولم تعد قادرة على المحافظة على الأنصار بعد أن تم تعيين الكثير من المفسدين في فترة قياسية. وما تم تعيينه من المفسدين منذ تنصيبكم يفوق من حيث الكم والكيف ما تم تعيينه في عهد الرئيس السابق. كما أن أغلب التعيينات الأخرى التي تمت لم تلتزم بمعيار الكفاءة والوطنية والاستقامة وهو ما جعلها في غير مصلحة الفقراء. ويمكن هنا العودة إلى الكتاب الأبيض الذي كتبه أحد المستشارين في وزارة الخارجية عن التعيينات قبل الأخيرة. كما يمكن تقديم العديد من الأدلة الأخرى والتي من بينها قصة المهندس الذي تمت إقالته من إدارة الرقابة البيئية لأنه أراد أن يؤدي عمله على أحسن وجه وأن يحمي بيئة بلده من جشع الشركات الأجنبية.
4 ـ لقد قلتم يا سيادة الرئيس و أكثر من مرة، بأن موارد الدولة كافية لتوفير كل الحاجات الأساسية، ورغم ذلك فقد اتسعت الفجوة كثيرا بين الوعود وبين المنجزات أي بين أحلام الفقراء وواقعهم المعيشي. فقد وصلت الأحلام إلى مستويات عالية بفعل وعودكم السخية، في حين أن الظروف المعيشية لم تتحسن بشكل ملموس وهو ما كان له الأثر البالغ في رفع مستوى الإحباط لدى الكثيرين من أنصار التغيير البناء. وحتى لا يزداد مستوى الإحباط فقد أصبح من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة وعاجلة وصارمة لكي يحصل الفقراء على حقوقهم وهي بالمناسبة لن تضيع أبدا.
فلن تضيع حبة قمح ولا حبة أرز لأي مواطن. ولن يضيع قرص دواء، ولا جرعة ماء، ولا ساعة عدل. لن يضيع أي حق، لأي مواطن. فإما أن يحصل عليه الآن كاملا غير منقوص، وإما أن يحصل عليه بعد حين، وعلى صعيد آخر، حيث لا حرس، ولا ألقاب، ولا أغلبية تطبل.
وسيكون التسديد وقتها بالحسنات، وكم سيكون صعبا ومؤلما وفظيعا تسديد شربة ماء، لمواطن واحد في ذلك اليوم الذي ستدنو فيه الشمس من الرؤوس، وسيتصبب فيه العرق، حتى يلجم خلقا كثيرا.
سيكون من الصعب تسديد شربة ماء لمواطن واحد، فكيف إذا تعلق الأمر بما يزيد على مليون ونصف من الفقراء، الذين يعيشون تحت خط الفقر، حسب الإحصاءات الرسمية ؟؟؟ والذين سيطالب كل واحد منهم بكثير من وجبات الطعام و من جرعات الماء و من أقراص الدواء التي كان بالإمكان أن توفر له خلال فترة حكمكم للبلاد إلا أنها لم توفر له.
وفقكم الله لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الحادية عشر إن شاء الله...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 1 مايو 2010

بطاقة حمراء رقم (1)




تشهد المباريات الدائرة بين فريقي الأغلبية والمعارضة كثيرا من الخشونة في اللعب. وهي خشونة تكاد أن توقف المباراة التي كان من المفترض أن تمتد لخمس سنوات كاملة. ومن المؤسف حقا أن هذه المباراة قد شهدت في بدايتها الكثير من ألفاظ السب والقدح والشتم التي لا تتناسب ـ بأي حال من الأحوال ـ مع الروح الرياضية التي كان من المفترض أن يتحلى بها لاعبو كل فريق، وخاصة "اللاعبون الكبار".
ولأن الجمهور الرياضي المتابع للمباراة بدأ يشعر بشيء من الخيبة من سوء اللعب الذي يمارسه الفريقان. ولأنه بدأ يمل من متابعة المباراة التي أصبحت مقرفة جدا. فقد ارتأيت أن أنصب نفسي حكما افتراضيا، وأن أرفع بعض البطاقات الصفراء، والحمراء، في وجوه بعض اللاعبين، وذلك بهدف إعادة المباريات إلى شكلها الذي يتمناه الجمهور.
وأنا أعرف بأن الكثير من "المعلقين الرياضيين" قد ينتقد طريقتي في التحكيم. وأعترف صراحة بأني لا أستطيع أن أدافع عنها لأني لا أتقن التحكيم الرياضي. بل أني أكثر من ذلك، أجد صعوبة بالغة في إكمال متابعة مباريات كاملة، حتى ولو كانت شديدة الإثارة.
ستكون أول البطاقات الحمراء في هذه المباريات موجهة إلى الثنائي الشهير القائد لفريق المعارضة. وهي موجهة ـ أساسا ـ ضد كلامهما في"التسخينات" التي نظمها فريق بني معارض يوم السبت 17 ابريل، في الساحة المجاورة للمسجد العتيق، وبحضور آلاف المشجعين.
في ذلك اليوم تحدث قادة الفريق المعارض، بكلام مشفر، لم تعرفه الملاعب الرياضية من قبل، ونتمنى أن لا تعرفه من بعد. وهو كلام يدعو ـ بعد فك تشفيره ـ الجيش للتدخل من أجل حسم التصفيات. وهذه الدعوة الغريبة لم نسمع مثلها من الفريق المعارض، حتى أثناء تلك المباريات غير المتكافئة التي كانت تنظم في المواسم الرياضية التي سبقت الثالث من أغسطس من عام 2005.
لقد كانت تلك الدعوة دعوة صادمة، خاصة بالنسبة لمشجعي فريق بني معارض. وهو ما جعلني ـ بوصفي حكما افتراضيا ـ أرفع أول البطاقات الحمراء في وجه أصحاب تلك الدعوة.
وقد يكون من المناسب هنا ذكر بعض الأسباب التي جعلتني أرفع تلك البطاقة الحمراء، في وجه أشهر لاعبَيْن وطنِيَيْن عرفتهما الملاعب الرياضية منذ إطلاق أول موسم رياضي عام 1991 م :
1ـ لم يعد الجمهور الرياضي بشكل عام يرغب في تدخل النادي العسكري في التصفيات الرياضية التي تنظم بين الفرق المدنية. خاصة بعد تدخل أحد عشر لاعبا ـ عفوا أحد عشر ضابطا ـ يوم السادس من أغسطس من عام 2008 وهو التدخل الذي كادت البلاد إثره أن تنزلق نحو الهاوية.
2ـ يعتقد بعض قادة الفريق المعارض بأن تدخل النادي العسكري سيكون لصالحهم هذه المرة. ولقد فاتهم بأن العسكر عندما يتدخل لوقف المباريات، فإنه عادة ما ينظم مباريات جديدة تكون نتائجها محسومة مسبقا لأحد أندية فريق الأغلبية التي لم تكن على الواجهة. لذلك فإن أي تدخل عسكري لن يكون لصالح فريق بني معارض.
3 ـ إن الدعوة لتدخل لاعبين من العسكر تتناقض تماما مع تلك الدعوات التي كان يطلقها الفريق المعارض، والتي كان يطالب من خلالها من النوادي العسكرية بضرورة الابتعاد عن الملاعب الرياضية والتزام الحياد، وترك المنافسات التي تنظم بين الفرق المدنية دون أي تدخل عسكري.
4 ـ هذه الدعوة التي أطلقها بعض اللاعبين الكبار من فريق بني معارض ستعطي مبررا لفريق بنى السلطة لوصف الفريق المعارض بأنه فريق انقلابي يدعو للتدخل العسكري. رغم أن تلك الصفة كانت من ميزات فريق بني موالاة ، تماما كما حدث مع الفساد الذي هجر بعض رموزه مرابع الأغلبية، وولوا وجوههم شطر مضارب بني معارض.
لقد ترك فريق بني معارض اللاعبين المفسدين الذين كانوا من أشد خصوم المعارضة، والذين تربوا وترعرعوا وشابوا في فريق الأغلبية، تركهم يتسللون إلى فريقه، الذي ظل معروفا وإلى وقت قريب، باستقامة لاعبيه.
لذلك أصبح أغلب الجمهور الرياضي يعتبر فريق بني معارض مأوى للاعبين المفسدين. وربما يتحول هذا الفريق، في نظر الجمهور الرياضي ، وفي المستقبل القريب، إذا ما تواصلت دعوات قادته للتدخل العسكري، إلى فريق مفسد، وانقلابي كذلك. ولا داعي للعجب فهذا هو حال الدنيا.
5 ـ إن هذه الدعوة الغريبة قد يعتبرها الخصم حجة كافية تؤكد أن قادة الفريق المعارض لم يعد لديهم من "اللياقة البدنية " ما يكفي لمواصلة اللعب في مباريات طويلة. لذلك فإن اعتزالهم قد أصبح مطلبا ملحا وضروريا لتجديد الفريق المعارض الذي أصبح يحتاج إلى ضخ دماء جديدة، قادرة على المنافسة، دون أن تحتاج لدعوة النادي العسكري لحسم التصفيات.
6 ـ لقد كان من المفترض أن يركز قادة الفريق المعارض، على كشف أخطاء فريق الموالاة، بدلا من الدعوة لتدخل الفريق العسكري. ولقد كان بإمكانهم أن يكشفوا للجمهور الرياضي بأن الفريق الحاكم لم يغير طريقة اللعب كما وعد بذلك. وهو اليوم يلعب بنفس الخطة الخبيثة، التي كان يلعب بها النادي الجمهوري الذي سيطر على الملاعب الرياضية، إلى غاية 3 أغسطس من عام 2005.
لقد كان الجمهور الرياضي يتوقع أن فريق التصحيح، سيغير طريقة لعبه، فإذا به يعجز حتى عن تغيير اللاعبين. وإذا به يحتفظ في صفوفه باللاعبين الكبار الأربع الذين كانوا يتناوبون على قيادة النادي الجمهوري في الفترة مابين ( 1991 إلى 2005 ). كما أن نفس الطريقة البائسة، التي كان يستخدمها النادي الجمهوري في تسجيل مشجعيه، هي نفس الطريقة التي يستخدمها اليوم نادي الاتحاد من أجل الجمهورية لتسجيل وتنصيب جمهوره الرياضي.
ولقد كان الأولى بقادة الفريق المعارض، أن لا يقاطعوا المتاح من البرامج الرياضية في الإعلام الرسمي، وذلك لكي يبينوا للجمهور الرياضي أن فريق الأغلبية، الذي وعد قبل التصفيات الأخيرة بتقديم مباريات جماهيرية وشعبية شيقة لإمتاع جمهوره الرياضي في الأحياء الأكثر فقرا، لم ينجح ـ حتى الآن ـ في الوفاء بذلك الوعد.
7 ـ إن من أخطاء الثنائي القيادي للفريق المعارض، أنه لا يجيد فن الاستماع للحظة التاريخية، ولا يجيد استغلال الفرص النادرة التي يصعب أن تتكرر. فالجمهور الرياضي لا يزال يتذكر ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه رئيس نادي التحالف، أثناء الشوط الثاني من مباريات 2007، حيث امتنع ذلك اللاعب الكبير من تسجيل الهدف القاتل في شباك الخصم، الذي كان مكشوفا، وبشكل كامل، في تلك اللحظة. ولقد اختار رئيس نادي التحالف أن يستدير بالكرة، في حركة غريبة، وأن يسددها في اتجاه مرمى فريق بني معارض، ليحقق بذلك فوزا ثمينا لخصومه. وهو الفوز الذي كان سببا في حصول الانتكاسة الرياضية، التي عرفتها البلاد فيما بعد.
تخيلوا كيف كان سيكون حالنا لو أن قائد فريق التحالف، سدد الكرة في ذلك اليوم، في اتجاه مرمى "الخصم".
لقد تسببت تلك الركلة المشينة، في فوز فريق الأغلبية الذي كان يقوده في ذلك الوقت "اللاعب المؤتمن". وهو اللاعب الذي ظلم نفسه كثيرا، عندما ترشح لقيادة الفريق، كما ظلمه كذلك كل من صوت له، وبالأخص قائد نادي التحالف، الذي كان سببا مباشرا في تسليم مقاليد الرياضة في البلد للاعب لم يبذل جهدا كبيرا لذلك، فقد ظل غائبا عن الملاعب الرياضية، وعن ممارسة الرياضة، خلال كل المواسم التي عرفتها البلاد منذ العام 1991.
ويكفي لمعرفة مدى ظلمنا للاعب المؤتمن، الذي فضلناه عن قائد نادي التكتل، أن نعود لتصريحه في قناة الجزيرة حيث قال بأن أول شيء فعله، بعد إجباره على الاعتزال يوم السادس من أغسطس عام 2008 هو أنه أخذ يقرأ الشعر في زنزانته، ثم نام بعد ذلك قرير العين وكأن شيئا لم يحدث!!!
لقد نام اللاعب الطيب، في ليلة سهر فيها أغلب الجمهور الرياضي، سواء منه مشجعو فريق الأغلبية ومشجعو فريق المعارضة، نظرا لجسامة ما حدث في صبيحة السادس من أغسطس.
ونفس الشيء حدث مع قائد نادي فريق التكتل، الذي لم يستمع جيدا لتلك اللحظة الفريدة، التي منحها له التاريخ يوم السادس من أغسطس. فبدلا من أن يقول لا، اختار أن يرحب بتدخل الفريق العسكري، والذي تسبب تدخله في تراجع كبير للمنافسات الرياضية.
وتخيلوا هنا أيضا كيف كان سيكون حالنا لو أن رئيس نادي التكتل قال يوم السادس من أغسطس لا للانقلاب.
وإنه لمن المؤسف حقا أن السمعة الرياضية، كالكرامة، تحتاج إلى سنين عديدة من العمل الدؤوب والشاق لبنائها، ولكنها لا تحتاج إلا لدقائق معدودة لنسفها.
لقد أضاع قائد التكتل مجدا كبيرا بناه في سنين عجاف، بالامتناع عن قول كلمة من حرفين فقط، يوم السادس من أغسطس. لقد رفض أن يقول كلمة لا، في ذلك اليوم، لذلك فهو يتحمل جزءا من مسؤولية ما تعيشه البلاد في أيامنا هذه. تماما كما يتحمل رئيس نادي التحالف، جزءا من المسؤولية، لأنه رفض أن يسدد الكرة في الاتجاه الصحيح، أثناء الشوط الثاني من التصفيات الرئاسية لعام 2007.
أقول هذا الكلام لأن هذا الثنائي يحاول أن يقول لنا اليوم، بأن " الجنرال" هو وحده الذي يتحمل مسؤولية ما تعيشه البلاد اليوم، وأن إزاحته هي المخرج الوحيد، للخروج من أزمتنا الرياضية.
وإنه لمن المناسب أن أعيد فقرات من رسالة مفتوحة، كنت قد كتبتها لرئيس نادي التكتل، بوصفي مشجعا منحازا، لا حكما محايدا. وهي الرسالة المفتوحة الوحيدة التي كتبتها للاعب من خارج فريق السلطة. فقد كان قائد التكتل ـ في تلك اللحظة ـ هو أشهر لاعب على الإطلاق لأنه لم يكن قد ارتكب هفوة كبيرة، عكس غيره. ولقد نشرت هذه الرسالة قبل السادس من أغسطس، بأيام معدودات، وفي العديد من الصحف الوطنية ( الفجر، الأمل، السفير، البديل..).
ولقد كنت كغيري أشعر حينها بأن هناك حدثا كبيرا سيقع، رغم أني لم أستطيع أن أحدد بالضبط ملامحه. ولقد كتبت في تلك الرسالة مخاطبا نجم المعارضة الشهير، والذي كان يعيش في تلك الأيام قمة عطائه : [ أنا واحد من 47% التي أدلت بأصواتها لكم. ولقد تمنيت نجاحكم في الانتخابات الرئاسية لأن عقدين من النضال، والكفاح، والعطاء، والتجوال من سجن في قلب العاصمة إلي سجن في قرية نائية، كانت تكفي ثمنا لتأشيرة دخول القصر الرئاسي (...)
واليوم من حقكم ـ ولا يحق لأحد أن يلومكم على ذلك ـ أن تشاركوا في إسقاط حكومة، كنتم أنتم أول من طالب بإسقاطها، ومن حقكم كذلك، وأنتم من يمثل المعارضة، أن تتحالفوا مع الأغلبية، من أجل إسقاط حكومة جاءت من رحم الأغلبية.
ومن حقكم أيضا أن تتحالفوا مع الأغلبية لسد الأبواب، أمام حزبين، هما أصدقاء الأمس، وأعداء اليوم ، وتركهما معلقين، لا إلي هؤلاء، ولا إلي هؤلاء، ولو إلي حين.
ومن حقكم، بالتعاون مع حلفائكم الجدد، أن تستفزوا رئيس الدولة، وأن تجبروه على حل البرلمان الذي يرأسه أحد خصومكم الكبار، ممن تسبب وبشكل مباشر في حرمانكم من دخول القصر لتحرموه أنتم من رئاسة برلمان لا يملك فيه إلا عددا محدودا من النواب (....) وما أستطيع أن أقوله الآن هو أن هذه " الرحلة الممتعة " في ظاهرها ستضعف هذا البلد كثيرا، وربما تؤدي في النهاية إلي " ذبح" الديمقراطية ب "سكاكين" ديمقراطية.
ولن يقبل " الجنرال " برئيس قوي مثلكم، ولن تقبلوا أنتم بأقل من الرئاسة، ولن أجازف أنا بمحاولة التنبؤ بنتائج هذا الصراع الذي لا بد من أن يحدث.
بالمقابل هناك رحلة أخرى، قد تبدو في ظاهرها شاقة، لكنها في النهاية ستعزز من أركان مؤسساتنا الديمقراطية، وستمنحنا فرصة فريدة لبناء مؤسسات مدنية قوية، وجيش جمهوري قوي.
علينا جميعا أن نتفق علي مقولتكم الشهيرة، التي تقول إن العمل السياسي لا يمكن أن يمارسه من لم ينزع بدلته العسكرية. وعلينا أن نعمل جميعا من أجل تحقيق ذلك، حتى ولو أجبرنا ذلك على أن نعمل ساقا بساق، ومنكبا بمنكب، مع خصوم كثر بزي مدني، كان بإمكاننا أن نتخلص منهم جميعا في "طرفة عين " . وأعتقد أن الوقت مناسب تماما لذلك. والقرار في هذه اللحظة الحرجة، هو بيدكم، وبيدكم أنتم وحدكم .
وهذا القرار ربما يكون له الأثر السلبي على " التكتل " في المدى القريب، ولكنه من الناحية الإستراتيجية سيخدم " التكتل " كثيرا. وهو بالتأكيد سيخدم في المدى القريب، والبعيد، بلدكم الذي طالما أعلنتم ـ ونحن نصدقكم في ذلك ـ أن طموحكم لأجله.] انتهى الاقتباس.
لذلك فنحن جميعا مسؤولون عما تعاني منه الرياضة في هذا البلد، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة طبعا. لذلك فإن أول شيء علينا أن نفعله من أجل تطوير الرياضة في بلدنا هو أن ننسى الماضي، وأن نكون رياضيين حقا. وأن لا نقبل بممارسة أي تصرف في الملاعب الرياضية، أو التفوه بما يخالف القيم الرياضية المعروفة. وهذا هو بالضبط ما جعلني أرفع أول بطاقة حمراء، ضد تصريحات الثنائي الشهير الذي يقود فريق بني معارض، وهي التصريحات التي دعت بشكل صريح إلى ممارسة " الخشونة "في الملاعب الرياضية.
وقبل أن أطلق صفارة النهاية، أعدكم بأن البطاقة الثانية ستكون أشد احمرارا، وسأرفعها في وجه لاعب من فريق الأغلبية، وهو تحديدا، رئيس نادي الاتحاد من أجل الجمهورية.
وإلى البطاقة الحمراء الثانية إن شاء الله، أقول لكم: تصبحون على مباريات نظيفة....
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الأحد، 25 أبريل 2010

خاص برئيس الجمهورية


لم أكن أتوقع بأني سأجد نفسي مضطرا للتحدث عن قضايا "شخصية" في سلسلة هذه الرسائل المفتوحة التي أكتب للرؤساء، والتي وصلت ـ بالمناسبة ـ إلى خمسين رسالة مفتوحة منها تسع كتبتها لكم بعد التنصيب، وتسع قبله.
ولم أكن أتوقع أني سأضطر ـ في رسالتين متتاليتين ـ لأن أطلب منكم التدخل من أجل إطلاق برنامج تنموي شبابي في التلفزيون، لا أطالب مقابل تقديمه أي تعويض مادي، وإن كانت المطالبة بذلك التعويض تحق لي.
فلم يكن إذن من الوارد أن أكتب عن هذه الهموم التي قد تبدو وكأنها هموما"شخصية", ولكن المشكلة تكمن في أن الإدارة وحتى أيامنا هذه، لا زالت ترفض أن تتعامل بشكل إيجابي مع أي قضية لا يستخدم صاحبها الوسائل المعروفة لإنجازها.
ولقد كان بإمكاني ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أستخدم تلك الوسائل، وأن أنجز أشياء كثيرة أخفقت في تحقيقها في الماضي، ولكني كنت قد أخذت على نفسي عهدا أن لا أستخدم أي وساطة، حتى لغاية عادلة، لأني أعتقد بأن أهم ما يمكن أن يخدم به هذا البلد هو التوقف عن استخدام الوساطة.
كان بإمكاني ـ كما يفعل الغير ـ أن أستنفر بعض "الوجهاء"، وفي القبيلة وجهاء كثر. ولقد كان بالإمكان استخدام بعض العلاقات الشخصية. وفي الحكومة الحالية وزيران من أصدقائي في الجامعة، ولن يبخل أي واحد منهما باتصال هاتفي بموظف إداري من أجل إنجاز مهمة بسيطة وعادلة لصديق.
لقد ابتعدت عن تلك الأساليب لأني كنت ـ ولا أزال وسأبقى ـ أتخيل بأني أعيش في بلد تحكمه قوانين، لا في قبيلة تتحكم فيها العلاقات. حتى ولو كان الواقع يصرخ في وجهي منذ عقدين من الزمن لينبهني على أني أعيش في وهم كبير.
وفي هذه الرسالة سأقدم لكم نموذجا سيئا لتعامل الإدارة مع المواطنين العاديين من أمثالي، وهو ليس إلا مجرد مثال، وقد لا يكون هو الأسوأ من بين أمثلة كثيرة تحدث يوميا في عهد تقريب الإدارة من المواطن.
وهذا المثال السيئ سأقدمه لكم من التلفزيون الذي كان من المفترض أن يتحسن أداؤه ـ ولو لأسابيع محدودة ـ بعد زيارتكم له، وبعد أوامركم المتكررة للقائمين عليه.
لقد حاولت ومنذ ثمانية أشهر أن أتطوع للتلفزيون ببرنامج في التنمية البشرية والذي هو مجال التخصص، ولكني فوجئت برفض التلفزيون لذلك دون أن تقدم لي الأسباب.
ولقد استغربت كثيرا رفض برنامج تنموي هادف، في الوقت الذي تنفق فيه القنوات الأخرى أموالا ضخمة على مثل تلك البرامج التثقيفية والتعليمية الهامة جدا، والتي لها جمهور واسع جدا، ومتنامي بشكل لافت، وخاصة من فئة الشباب. تلك الفئة المظلومة من طرف الجميع وبالأخص من طرف الإعلام الرسمي الذي لا يقدم لها إلا البرامج التافهة والرديئة والساذجة.
سيدي الرئيس أنا مواطن موريتاني من فقراء هذا البلد، ولدي همومي الشخصية الكثيرة، ومع ذلك فإني كثيرا ما أخصص جزءا من وقتي للتفكير في هموم هذا البلد. كما أني أحاول ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ تقديم حلول ميدانية لبعض تلك الهموم .
وفي هذا الإطار أسست مركزا تنمويا خيريا، بجهود ذاتية، وذلك من أجل تقديم بعض الدورات الرائدة في مجال محاربة الفقر وفي التنمية البشرية، بالإضافة إلى برامج تعليمية أخرى.
ولقد استطعنا في المركز وبفضل بعض الخبرات الوطنية المتطوعة أن نقدم دورات عديدة استفاد منها ما مجموعه 300 متدرب ومتدربة. ولقد حاولنا آنذاك أن يقدم التلفزيون بعض تلك الدورات حتى يستفيد منها أكبر قدر ممكن من المستهدفين ولكننا فشلنا في ذلك.
وبعد عام وعدة أشهر اضطررنا لأن نغلق المركز مؤقتا، ولأسباب تستحق بدورها أن تكتب عنها عدة رسائل مفتوحة. ويكفي القول هنا أنه لولا إغلاق المركز لكان بالإمكان تقديم 40 مسعفا أوليا تم تخريجهم من المركز. وكان يمكن أن يمدوا يد العون للحماية المدنية يوم فاجعة لكصر التي تسبب فيها الغاز، والتي أظهرت مدى الحاجة إلى التكوين في هذا المجال.
المهم أنه بعد إغلاق المركز قمنا بوضع تصور لتحويل بعض الدورات الهامة التي كنا نقدمها في المركز إلى برنامج تلفزيوني أسبوعي.
وفي هذا الإطار كتبنا لوزير الاتصال السابق، وللوزير الحالي، واللذين كانت ردودهما إيجابية من خلال تكليف مدير السمعيات البصرية بدراسة الفكرة. وأعقب ذلك توجيه رسالتين من الوزارة إلى مدير التلفزيون مطالبة بالتعامل الإيجابي مع الفكرة.
ورغم ما أظهره مدير التلفزيون من اهتمام بالفكرة أثناء مقابلتي له فإنه ظل يرفض عمليا أن يتم إطلاق البرنامج المذكور. وهناك رسالة في مكتبه منذ ثلاثة أسابيع من الوزارة لم يرد عليها حتى الآن.
وإليكم ـ يا سيادة الرئيس ـ ملخصا للتصور الذي تم تقديمه إلى الجهات المعنية، بما فيه مستشاركم للاتصال والذي وعد بالهاتف بأنه سيتدخل ويكلم مدير التلفزيون، وهو الشيء الذي لا أعرف إن كان قد حصل أم لا؟
اسم البرنامج : ساعة تنمية.
مدة البرنامج :ساعة كاملة.
جمهور البرنامج : يركز البرنامج أساسا على الشباب.
هدف البرنامج : خلق فضاء مناسب يساعد على التغيير نحو الأفضل.
فكرة البرنامج : سيقدم البرنامج سلسلة مستمرة ـ إن شاء الله ـ من الحلقات في مجالات متعددة : اكتشاف الذات ـ التخطيط ـ إدارة الوقت ـ صناعة النجاح ـ التحفيز الذاتي ـ التفكير الإبداعي ـ التعامل مع المشاكل ـ اتخاذ القرارات ـ العصف الذهني ـ التغيير .... إلخ
وسيكون لكل حلقة عنوانها الخاص، وسيتم افتتاح كل حلقة من هذه الحلقات بقصة شيقة للإثارة، لها صلة بموضوع الحلقة. ويطرح في نهايتها سؤال الحلقة. بعد ذلك يتم الاستماع إلى أجوبة بعض الشباب الجامعي الحاضر (10 ـ 12 ) ، وتتم مناقشة بعضها بشكل سريع، كما سيتم الاستماع لأجوبة بعض المشاهدين الذين قد يتصلون بالبرنامج. المدة 15 إلى 20 دقيقة.
ثم يقدم جواب لسؤال الحلقة، وهو جواب سيكون مدخلا للموضوع حيث يتم تقديم بعض المعلومات والأفكار من أجل إكساب الحضور والمشاهدين بعض المهارات الهامة التي قد تفيدهم في بناء وتطوير ذواتهم. المدة 20 إلى 25 دقيقة.
في الخمس دقائق الأخيرة يتم تقديم نموذج ناجح له صلة بموضوع الحلقة (شخصية عالمية، مؤسسة ، منظمة ...) كلما أمكن ذلك.
تختتم كل حلقة بإضاءة تلخص كل الحلقة، وتلك الإضاءة قد تكون حكمة أو مثلا أو مقولة مشهورة ..
سيدي الرئيس، لقد حاولت الاتصال بمدير التلفزيون من أجل معرفة الأسباب التي جعلته يتراجع عن قبول هذا البرنامج. و لم أستطع الوصول إليه، وطلبت من سكرتيرته أكثر من مرة أن تصلني به عن طريق الهاتف ولكنها رفضت ذلك.
لذلك فأنا لا أملك أي تفسير لرفض البرنامج، وكل ما أستطيع قوله هنا هو أن ذلك الرفض يتناقض بشكل صارخ مع تعليماتكم وأوامركم التي استبشرنا بها خيرا يوم زيارتكم للتلفزيون.
وفي الأخير أقول لكم ـ بمناسبة اكتمال خمسين رسالة ـ بأني لا أملك إلا كلمة أكتبها لمن يقود هذا البلد، ولقد كتبتها في الماضي، وهاأنذا أكتبها اليوم، وسأكتبها لكم غدا إن كان في العمر بقية..
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة العاشرة إن شاء الله.
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 17 أبريل 2010

أخطاء بالجملة


كثيرا ما يحاول المشتغلون بالسياسة في هذا البلد أن يوهموا البسطاء بأن الساعة قد قامت وأن الناس قد انقسموا إلى فسطاطين اثنين : فسطاط خير لا شر فيه، وفسطاط شر لا خير فيه. فكل سياسي يتحدث وكأنه ولي من أولياء الله، لا يحيط به إلا عباد الله الصالحون. أما خصومه فهم أشرار الناس، ولا يتبعهم إلا الأشرار. وهذا هوـ بالضبط ـ ما تحاول الأغلبية والمعارضة أن تمارسه في أيامنا هذه، وهو ما أدى في المحصلة النهائية إلى ظهور كم هائل من كلمات السب، والشتم، والقدح، والذم، والتي لم تكن معروفة من قبل في الخطاب السياسي والتي يخجل المتلقي حتى من سماعها.
والحقيقة أن لكل طرف أخطاء كثيرة، وهي أخطاء لا يمكن بسطها في مقال واحد، لذلك فسأقتصر هنا على الأخطاء المرتبطة بالقضية الشائكة المطروحة في أيامنا هذه : قضية تعريب الإدارة. وسأقتصر كذلك على الأخطاء المحصورة زمنيا بين مطلع مارس حتى منتصف إبريل، وذلك في محاولة للإجابة على السؤال الشهير: من الذي ركل القطة وتسبب ـ بالتالي ـ في الأحداث المؤلمة التي عرفتها الجامعة يوم الخميس الماضي؟
وللإجابة على هذا السؤال فإنه لابد من الحديث عن حزمة كبيرة من الأخطاء التي تراكمت والتي يمكن ترتيبها زمنيا على النحو التالي:
الخطأ الأول: جاء من الوزير الأول، في اليوم الأول من مارس، وذلك بمناسبة الاحتفال الأول، بيوم اللغة العربية. ورغم أنه يصعب معرفة ما إذا كان ما قاله الوزير الأول في ذلك اليوم مجرد حديث عفوي نتيجة لشحنة حماس عابرة طافت به، أم أنه كان يعبر عن إرادة حكومية بتوجيهات نيرة؟ ومهما يكن الجواب فيمكن أن أسوق هنا بعض الملاحظات التي أفقدت تلك التصريحات ـ سواء كانت عفوية أم مبرمجةـ أشياء كثيرة من أهميتها وجعلت تجسيدها ميدانيا أمرا صعبا :
الملاحظة الأولى: لم يكن التوقيت مناسبا للحديث عن قضية هامة وشائكة مثل قضية تعريب الإدارة في الوقت الذي لا يوجد فيه أي حوار بين المعارضة والأغلبية.
الملاحظة الثانية : لقد كان بإمكان الوزير الأول أن يفرض ترجمة كل الوثائق الرسمية في الدوائر الحكومية كخطوة عملية أولى لتعريب الإدارة بدلا من حديثه الحماسي خاصة أن البلاد كانت قد عرفت مثل تلك الخطوة دون أن يتجرأ أي أحد على معارضتها.
الملاحظة الثالثة :لقد أطلق الوزير الأول في ذلك اليوم الكثير من المفرقعات الصوتية التي أضرت كثيرا بكلمة الحق التي نطق بها في تلك المناسبة والتي قال فيها بأن سيادة البلد ستبقى ناقصة ما لم يتم تعريب الإدارة .
الملاحظة الرابعة: لقد فات الوزير الأول أن إطلاق الوعود في قضايا الهوية ليس كإطلاقها في القضايا المعيشية. فمن السهل أن تعد الحكومة بخفض الأسعار فترفعها، ومن السهل أن تعد بمحاربة الفقر فتزيده، أو تعد بتحقيق العدالة فتخلف وعدها. أما إطلاق الوعود في المسائل المتعلقة بالهوية ثم التراجع عنها بعد ذلك فلابد له من كلفة باهظة وباهظة جدا.
الخطأ الثاني: وقد جاء من جامعة نواكشوط عندما تظاهرت مجموعة طلابية من القومية الزنجية غير مرخص لها ضد اللغة العربية أي ضد الدستور ودون أن تشرك معها بعض الطلاب من القومية العربية رغم أن هناك من يعارض التعريب من الموريتانيين العرب وهو ما أدى إلى أن يظهر هذا الصراع وكأنه صراع بين القوميات حيث ظهر الزنوج وكأنهم هم وحدهم من يدافع عن الفرنسية في حين ظهر العنصر العربي وكأنه هو وحده الذي يدافع عن العربية رغم أن الحقيقة لم تكن بذلك التبسيط.
الخطأ الثالث: وهو خطأ ارتكبته المعارضة التي تعودت أن تعارض النظام حتى ولو كان على صواب عكس الأغلبية التي تعودت على أن تناصره حتى ولو كان على باطل بين. فرغم أن أغلب برامج أحزاب المعارضة لا تعارض نظريا ـ على الأقل ـ الاهتمام باللغة العربية، إلا أنها رغم ذلك طالبت ـ وبكل أطيافها ـ من الوزير الأول الاعتذار في حين أنها نددت بشكل خافت أو لم تندد أصلا بتحركات الطلاب في الجامعة. وهو ما أعطى شرعية لتلك التحركات، وشجع بالتالي أصحابها على الاستمرار حتى الحصول على الاعتذار.
الخطأ الرابع: جاء من الأحزاب القومية التي اختارت أن تختفي من البلد في لحظة حرجة من تاريخه، وهي لحظة كان بالإمكان استغلالها لصالح اللغة العربية، أو على الأقل استغلالها حتى لا تضطر الحكومة إلى التراجع بذلك الأسلوب المشين الذي تحدث به وزير التعليم العالي. لقد اختار القوميون تلك اللحظة الحساسة ليرتكبوا جرما شنيعا فبايعوا رئيس دولة أخرى، وهو جرم لا يقل شناعة عن اعتراض البعض وبشكل صريح جدا، ضد استخدام اللغة الدستورية للبلد في التعاملات الإدارية اليومية لذلك البلد.
الخطأ الخامس: عندما وجدت الحكومة نفسها في ورطة : صحافة مستقلة أظهرت الوزير الأول ـ خاصة في الأيام الأولى ـ وكأنه قال منكرا من القول ، معارضة استغلت وبشكل سيء وقذر ـ في بعض الأحيان ـ تلك القضية الحساسة. مظاهرات عرقية تتسع يوما بعد يوم، غياب كامل للمدافعين "التقليديين" عن العربية وانشغالهم بالبيعة ...إلخ
وللخروج من تلك الورطة ارتكب وزير التعليم العالي خطأ جسيما وأدخل الحكومة في ورطة أكبر، عندما ساوى بين الاحتفال بيوم العربية و الاحتفال بالفرانكفونية وأعلن بشكل صريح بأن الإدارة ستبقى مفرنسة ولا نية لتعريبها.
هذه الأخطاء مع غيرها أدت إلى تشكل المشاهد التالية :
مشهد أمامي : مجموعة من الطلاب الزنوج استطاعت بتحركاتها أن تحصل على اعتذار من وزير التعليم العالي عن تصريح الوزير الأول مع الوعد بأن اللغة الفرنسية ستظل هي اللغة الرسمية للإدارة وهو ما يعني أن ثلاثة آلاف حامل شهادة بالفرنسية تزيد أو تنقص قليلا لن تكون لديها مشكلة على الأقل في المستقبل المنظور.
مشهد خلفي: حالة إحباط لدى مجموعات أخرى من الطلاب لأن مستقبلها سيكون مهددا عندما تلتحق بما يزيد على عشرين ألفا من حملة الشهادات بالعربية العاطلين عن العمل. وفي هذا المشهد الخلفي تم طرح أسئلة مشروعة جدا ومنطقية جدا : لماذا لا نطالب نحن باعتذار عن التصريح " السري" لوزير التعليم ما دام البعض قد حصل على اعتذار عن التصريح العلني للوزير الأول؟ ولماذا لا ندافع نحن عن اللغة الرسمية للبلد مادام البعض الآخر بتحركاته قد استطاع أن يحقق نتائج ملموسة لصالح لغة غير دستورية؟ ولماذا تدافع الآلاف عن مستقبلها ولا تدافع عشرات الآلاف عن مستقبلها؟
مشهد مؤلم : مواجهات عرقية داخل الجامعة أدت إلى جرح العشرات وهي مواجهات حدثت في مرحلة عصيبة من تاريخ البلد الذي عرف "انفلاتا" غير مسبوق في التصريحات والمواقف المناقضة للدستور والصادرة من جهات شتى.
وحتى لا يتحول المشهد المؤلم إلى مشاهد أكثر إيلاما فإنه قد أصبح من الضروري توجيه المناشدات التالية:
1 ـ مناشدة للطلاب الذين يدافعون عن اللغة العربية بأن يوقفوا تحركاتهم المشروعة حتى لا يتم استغلالها لإشعال الصراعات العرقية في هذا البلد الهش.
2 ـ مناشدة للأحزاب السياسية بأن تقوم بواجبها في الدفاع عن القضايا الملحة التي لم تعد تقبل التأجيل وأن لا تلقي بكل هموم البلد على عواتق الطلاب الذين لديهم من الهموم الطلابية ما يكفي.
لقد أصبحت أحزابنا لا تهتم إلا بالمواقف و"المطالب المدرة للدخل" فلم نسمع يوما عن مسيرة أو عن مهرجان للدفاع عن اللغة الرسمية للبلد، ولا عن اللغات الوطنية. ولم نسمع عن أي حزب فتح في مقره فصلا للتواصل حيث يتعلم بعض مناضليه إحدى لغاتنا الوطنية. ولم نسمع عن أي حزب نظم مثلا مسابقة رمزية في إحدى الولايات الجنوبية لتشجيع المبدعين في إحدى لغاتنا الوطنية ، ولم نسمع ، ولم ...
3 ـ مناشدة الحكومة لأن تعمل بشكل جدي وذكي حتى لا يتسع الشرخ الذي أحدثته بسبب مواقف وتصريحات واعتذارات غير مدروسة. وعليها أن تبتعد عن التنابز وتبادل الشتائم مع المعارضة والذي لن يفضي إلي أي شيء. وعلى هذه الحكومة أن تعلم بأن السجال مع المعارضة يضرها أكثر من ضرره للمعارضة. وعليها أن تعلم كذلك بأن الشعب الموريتاني سيحملها في النهاية مسؤولية كل الأخطاء التي حدثت في عهدها، سواء منها تلك الأخطاء التي ارتكبتها هي، أو ارتكبتها المعارضة، أو ارتكبتها أي مجموعة تنتمي إلى هذا البلد.
تصبحون على حكومة راشدة...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

بالعربي الصريح


المتتبع لما تنشره الجرائد والمواقع الوطنية في هذه الأيام لابد وأن يصاب بالذهول والصدمة وحتى بالاشمئزازـ في بعض الأحيان ـ وهو يتابع ذلك الكم الهائل من البيانات، والتصريحات، والمقالات، والتحليلات التي يراد منها ـ بحسن نية أو بسوئها ـ التشويش على الوعد الجميل الذي قطعه الوزير الأول على حكومته بمناسبة يوم اللغة العربية، والذي التزم من خلاله بالعمل على تطوير اللغة العربية باعتبار أن موريتانيا ستبقى بلدا منقوص السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية، وجعلها لغة إدارة وعمل.
كلام جميل لم يستطع الموريتانيون أن يفرحوا به مخافة أن يكون ما قاله الوزير الأول مجرد كلام ـ لا تصحبه أفعال ـ كما كان يحدث في السابق، خاصة وأن الدعوات للاحتفال بيوم اللغة العربية كانت مكتوبة بالفرنسية. كما أنهم لم يستطيعوا أن يستبشروا خيرا بذلك الوعد لأن بعض أبناء هذا البلد قد اعتبر ذلك الوعد موجها ضده، وهو ما أدى إلى تحرك بعض الطلاب في الجامعة وإلى حدوث مصادمات عرقية.
في ظل هذا أصبح من اللازم ـ بعد تلك الشرارات المخيفة التي انطلقت من الجامعة ـ أن نتحدث عن موضوع اللغة والهوية من وجهة نظر قد تختلف كثيرا عن وجهات النظر السائدة في هذه الأيام، وذلك من خلال سرد بعض الملاحظات الصريحة جدا والتي كثيرا ما تغيب عن البعض.
1ـ من الضروري بل ومن والملح جدا، أن نحدد لغة واحدة، وواحدة فقط، للإدارة وللعمل كما هو الحال في كل بلدان العالم . ولم يعد ممكنا التستر خلف بعض المواقف والحجج الغامضة، فمن المعيب أننا وبعد مرور نصف قرن على تأسيس الدولة الموريتانية لا نزال نختلف كثيرا في مسألة اللغة. إن كل تأخر في حسم مسألة اللغة سيزيد من صعوبة حسم ذلك الخلاف مستقبلا، لأنه سيعمق فجوة الخلاف أكثر، وهو ما سيشكل خطرا محدقا بالانسجام وبالتعايش السلمي بين مكونات هذا الشعب .
2 ـ لابد أن تكون هناك مقاييس محددة، ومعايير واضحة، يتم عليها اختيار اللغة. لذلك فعلى من يطالب بضرورة اعتماد أي لغة أخرى غير العربية، أن يقدم حجته، وبالنسبة لي أعتقد أن اللغة التي يجب اعتمادها هي اللغة العربية وذلك لأسباب عديدة أذكر منها:
إنها هي لغة " وطننا الأصلي" أي الجنة، والذي أسأل الله أن يعيدنا إليه جميعا، بما في ذلك من يعارض اعتماد اللغة العربية. كما أنها هي اللغة التي اختارها الله لأن تكون لغة قرآنه. وفضلها على كل اللغات وجعل تعلمها والتحدث ببعض كلماتها ـ على الأقل ـ خمس مرات في اليوم ،واجبا على كل مسلم ومسلمة،بما في ذلك الملايين الثلاثة التي تسكن هذه الأرض. وذلك في الوقت الذي لا توجد فيه لغة أخرى، يُلزم المسلم بالنطق بها حتى ولو مرة واحدة في العمر، بما في ذلك الحسانية، و البولارية، و الولفية، و السونكية، و الفرنسية.
3ـ إن العربية هي لغة الأكثرية في هذا البلد وأنا لا أتحدث هنا عن الشريحة الناطقة بها، وإنما أقصد بأنه لو احتكمنا إلى الأساليب الحضرية والديمقراطية ـ بوصفنا دولة ديمقراطية ـ لحسم الخلاف وأجرينا استفتاء لاختيار اللغة التي يجب أن تكون هي لغة الإدارة، ولغة التعامل، لتم اختيار اللغة العربية وبنسبة مرتفعة جدا. فأغلبية الموريتانيين ستختارـ قطعا ـ لغة القرآن عن لغة المستعمر.
4 ـ إنها هي اللغة الدستورية الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية الأربع التي يمكن استخدامها في الإدارة وفي التعامل، أما لغاتنا الوطنية الأخرى، فهي ليست مؤهلة ـ على الأقل ـ حاليا لأن تكون لغة تعامل ولغة إدارة.
5 ـ يطالب البعض باعتماد الفرنسية كلغة عمل و إدارة، رغم أن الفرنسية لا يعترف بها الدستور كلغة وطنية، ورغم أنها لغة لم تكن معروفة لدى هذا المجتمع وبكل مكوناته، قبل مجيء الاستعمار الفرنسي. لذلك فهي يجب أن لا تتعدى كونها لغة عالمية، ولغة انفتاح، يعتبر تعلمها ضروري ومفيد، لا أكثر ولا أقل. أما المطالبة بجعلها هي اللغة الرسمية للإدارة كلما دار جدل وخلاف حول مسألة اللغة، فذلك أمر لا يختلف كثيرا عن الفتوى التي شرع بها أبو نواس لنفسه شرب الخمر.
فعندما أباح العراقي ( أبوحنيفة ) النبيذ وحرم المدامة، وحرمهما الحجازي (الشافعي). أستنبط أبو نواس من ذلك فتوى غريبة، أحل بها شرب الخمر:
أباح العراقيُّ النبيذَ وشُرَبَـــــــهُ.........................وقال حرامان المدامة والسًّــــكْرُ
وقال الحجازيُّ الشرابان واحدٌ ... ......................فحلِّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهمـــــا ......................... وأشربُها لا فَارقَ الوازرَ الوزرُ

6 ـ يعتبر البعض بأن اللغة الفرنسية هي لغة الاتصال في هذا البلد، متجاهلا بأن نصف السكان أمي لا يقرأ ولا يكتب. أما النصف الثاني فغالبيته تتواصل بغير الفرنسية. ومما يجب الإشارة إليه هنا هو أن الموريتانيين العرب كثيرا ما يتعلمون اللغات الزنجية في المدن التي يكثر فيها الزنوج. في حين أن الزنوج يتعلمون الحسانية في الأماكن التي يكثر فيها الناطقين بالحسانية. لذلك فغالبية الموريتانيين تتواصل بلغاتها الوطنية ويتعلم بعضهم لغة البعض الآخر بمحض إرادته ورغبته.
وعلى أولئك الذين يطالبون بفرض اللغة الفرنسية أن يتذكروا أن فرنسا ـ التي تعتبر للبعض نموذجا ـ قد فرضت بالقانون، اللغة الفرنسية من بين 400 لغة ولهجة كانت مستخدمة، من بينها 30 لغة كان معترف بها رسميا.
7 ـ من المؤسف حقا أن بعض المدافعين عن اللغات الوطنية غير العربية لا يهتمون بلغاتهم إلا في الأوقات التي تهتم بها الدولة باللغة العربية. أما في الفترات التي يكون فيها الاهتمام مقتصرا على الفرنسية، فإنهم ينسون لغاتهم، وينسون المطالبة بتطويرها.وهذا التصرف الغريب أفقدهم الكثير من المتعاطفين معهم من الشريحة العربية.
فالمقلق حقا أن أولئك الذين يطالبون بتطوير لغاتهم ـ ولهم الحق في ذلك ـ هم أول من يقف بالمرصاد ضد تطوير اللغة العربية، بحجة واهية، وهي أن تطوير اللغة العربية سيكون على حساب لغاتهم.
8 ـ يشفق البعض على المتعلمين بالفرنسية عندما يتم الحديث عن تعريب الإدارة، ولا يشفق أولئك على الآلاف من حملة الشهادات بالعربية، والذين صدقوا ذات يوم بأن اللغة العربية ـ لا الفرنسية ـ هي اللغة الرسمية لهذا البلد، فتعلموا بالعربية، وتخرجوا، ليواجهوا مصيرا مؤلما وبائسا، بعد أن أيقنوا بأنه لن يتم توظيفهم في الإدارة لأنهم قد ارتكبوا ذنبا كبيرا عندما صدقوا الدستور الذي نص على أن اللغة الرسمية لهذا البلد هي العربية! إن من يشفق على أولئك،عليه أن يشفق كذلك على هؤلاء، الذين نسوا ما تعلموا، و اشتغلوا ببعض المهن التي لا تناسب مستواهم العلمي، و هاجر كثير منهم خارج البلاد طلبا للقمة العيش.
لقد حدث في هذا البلد الذي تعتبر العربية لغته الرسمية، أن تقدم بعض الشباب المتخرجين من قسم الاقتصاد، للمشاركة في مسابقة اكتتاب في البنك المركزي الموريتاني الذي رفض مشاركتهم في المسابقة، لأن شهاداتهم بالعربية،والمسابقة ستكون بالفرنسية. بعضهم طلب أن يسمح له بأن يجرب حظه، من خلال منافسة خريجي الأقسام الفرنسية في مسابقة مواضيعها بالفرنسية، فجاء الرد بالرفض من أحد المدراء بالبنك، بحجة أن البنك المركزي مؤسسة هامة جدا، وحساسة جدا، وتعتبر واجهة للبلد، لذلك فلا يجوز أن يعمل فيها أصحاب الشهادات العربية حتى ولو كانوا يتقنون الفرنسية!!!
9 ـ كلما تم الحديث من طرف أي وزير عن ضرورة الاهتمام باللغة العربية تعالت أصوات البعض ووصفت ذلك الوزير بالعنصرية لذلك فمن المناسب هنا ـ ومن المناسب جدا ـ أن أذكر بأن هذا النظام الذي يصفه البعض بالعنصرية، هو النظام الذي خصص يوما للمصالحة الوطنية ، واعتذر بشكل رسمي للضحايا الزنوج عن الظلم الذي وقع في حقهم، وأقام الصلاة على أرواح الضحايا. وهو فوق ذلك، هو أول نظام يخصص كتابة للشؤون الإفريقية والتي جاءت على أنقاض كتابة الدولة للشؤون المغاربية.
10ـ لا يجوز أن نتعامل مع أبناء هذا الشعب بازدواجية، وإذا كان البعض يفعل ذلك مخافة أن يوصف بالعنصرية فإنه بذلك يرتكب فعلا عنصريا مخجلا. وعلى من يملك الشجاعة لإدانة بعض الموريتانيين الذين بايعوا رئيس دولة أخرى، أن تكون له نفس الشجاعة والصراحة والوضوح لإدانة من يطالب دولا أخرى للتدخل لإحداث فتنة في هذا البلد، أو إدانة من يحاول أن يحدث فتنة بين الأعراق.
11 ـ نتيجة لغباء كثير من ساستنا فقد تحولت اللغة العربية في مخيلة البعض إلى وحش مخيف يكاد يفترس اللغات الوطنية الأخرى، ويكاد يبتلع الناطقين بتلك اللغات . فأولئك الساسة لا يستطيع أحدهم أن يقول بأن العربية يجب أن تكون لغة الإدارة ثم يسكت. بل أنه لابد أن يعقب على ذلك المطلب بمحاضرة طويلة في التعايش، وفي الوحدة، وفي تطوير اللغات الوطنية، وفي خطورة التطرف، وعن أشياء أخرى بلا أول ولا آخر. والنتيجة هي ضياع المطلب، هذا فضلا على أن من يسمع تلك المحاضرة سيخيل إليه تلقائيا أن الاهتمام باللغة العربية سيشكل خطرا محدقا بالزنوج إن لم تصاحبه الكثير من الإجراءات التي قد تخفف من آثاره السلبية. والحقيقة هي أن ترسيم الفرنسية هو الذي يشكل خطرا كبيرا على كل الشرائح، بما فيها الزنجية، فهي التي تبعدهم عن لغة دينهم،الذي رفعهم كثيرا عن الأمم الأخرى، بما في ذلك تلك الأمة الناطقة بالفرنسية، وجعلهم ينتمون إلى أفضل أمة أخرجت إلى الناس.
12 ـ لقد تحول الخطاب الديني في بعض الأحيان إلى خطاب مزدوج يعمق الفوارق بدلا من تقليصها. وكمثال على ذلك فقد استنكر بعض خطباء الجمعة ظهور موريتانيات عربيات بزي غير محتشم على لافتات الدعاية لبعض شركات الاتصال. ولقد فات أولئك الخطباء أن هناك موريتانيات زنجيات قد ظهرن قبل ذلك على تلك اللافتات بزي أقل احتشاما من الزي التي ظهرت به تلك الفتيات التي تحدث عنها بعض الخطباء. ومع ذلك لم يتم انتقادهن.
ولو أن موريتانية عربية خرجت إلى الشارع تكشف عن رأسها ونصف بطنها كما تفعل بعض الموريتانيات الزنجيات لكان ذلك منكرا عظيما وإثما مبينا، وهو كذلك . وفي المقابل فهناك بعض الأعمال المحرمة شرعا أصبحت عادية عند الموريتانيات العربيات قد لا تثير الاستغراب إلا إذا مارستها بعض الموريتانيات الزنجيات.
و نتج عن ذلك أنه أصبحت هناك أفعال حرام إذا ارتكبتها شريحة معينة وحلال أو مسكوت عنها ـ بعبارة أدق ـ إذا ما ارتكبتها شريحة أخرى، رغم أن الجميع دينه واحد، ومذهبه الفقهي واحد.
13 ـ يحتج بعض المطالبين بترسيم اللغة الفرنسية بالضعف الذي تمر به العربية بسبب ضعف الناطقين بها، ورغم أن العربية تمر بظروف صعبة، لا يمكن إنكارها، بسبب ضعف الناطقين بها، إلا أنها مع ذلك فهي اللغة الرابعة من لغات الأمم المتحدة الرسمية الست. كما أنها لغة رسمية لدول غير عربية كتشاد واريتريا، ويتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة. وهي ـ وهذا يكفيها ـ هي لغة القرآن الذي تولى الله حفظه. وكمثال بسيط على عظمة هذه اللغة فيكفي أن نعرف بأن تعلم فعل " كتب " الذي أمارسه أنا الآن، يفتح المجال واسعا للمتعلم المبتدئ لمعرفة كلمات كثيرة أخرى ترتبط بهذا الفعل: كالكتاب، والمكتبة، والكاتب، والمكتوب. أما في اللغات الأخرى كالفرنسية والانجليزية وغيرها فالأمر مختلف تماما، ففعل كتب لا صلة له بكلمة الكتاب، وكلمة الكتاب لا علاقة لها بكلمة المكتبة ولا بفعل كتب، و كلمة الكاتب لا علاقة لها بكل تلك الكلمات.لذلك فتعلم ذلك الفعل مثلا، لا يعين على تعلم الكلمات المرتبطة به في اللغات الأخرى ، عكس اللغة العربية.
14 ـ يحاول البعض أن يُحَمِّل كل مصائب هذا البلد للحركات القومية العربية، ولقد تَفَهم البعض ما قام به الطلاب الزنوج، واعتبر أنه مجرد ردة فعل طبيعية ضد تطرف تلك التيارات. البعض الآخر حاول أن يكون أكثر إنصافا، واكتفي بالقول بأن سبب فشل التعريب في هذا البلد، وسبب نفور بعض الزنوج من اللغة العربية، إنما يعود إلى الطرح القومي السيئ. وطالب أصحاب ذلك الطرح بسحب مفهوم التعريب من التداول السياسي والثقافي. وما يمكن قوله هنا هو أنه لولا نضال القوميين وتضحياتهم لكان مصير اللغة العربية في هذا البلد العربي الإفريقي المسلم أسوأ بكثير من واقعها السيئ الذي تعاني منه اليوم. وسيبقى للقوميين شرف الدفاع عن لغة القرآن في هذا البلد، وذلك ما يجب الاعتراف به، رغم أنه كانت لهم أخطاؤهم الكثيرة والكثيرة جدا.
15 ـ لقد أصبح من الضروري أن يشارك الجميع، كل من موقعه، لمواجهة الحملة الإعلامية الشرسة التي تخاض ضد تعريب الإدارة، وذلك حتى لا يعتقد الوزير الأول ـ ولو للحظة ـ وهو يطالع ما ينشر في المواقع والجرائد، بأنه ارتكب ذنبا عظيما عندما أعلن في يوم اللغة العربية، بأن البلاد ستبقى ناقصة السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية وجعلها لغة إدارة وعمل. لقد قال الوزير الأول كلمة حق، وسيكون بطلا عند الكثيرين لو استطاع أن يجعل من تلك الكلمة حقيقة ميدانية، في كل الإدارات الحكومية.
تصبحون على وطن كامل السيادة....
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الاثنين، 12 أبريل 2010

بيان عابر


بما أن وزير التعليم العالي قد أكد في جامعة نواكشوط بأن الحكومة لا تفكر إطلاقا في تعريب الإدارة، أو بالمساس بالوضع القائم، وأن كلام الوزير الأول بمناسبة الاحتفال بيوم العربية كان مجرد كلام عابر، في احتفال عابر، بيوم عابر.
وبما أني كنت من الذين داعبتهم فرحة عابرة، بعد صحوة الوزير الأول العابرة، في ذلك اليوم العابر، رغم قناعتي بأن كلام الوزير الأول مجرد كلام عابر، لوزير أول عابر، في حكومة عابرة، تقود البلد في عهد عابر، كالعهود العابرة التي سبقته.
وبما أني أيضا من أقلية عابرة، تتحدث بلغة غابرة، ويستحيل عليها أن تجد وظيفة حتى ولو كانت مجرد وظيفة عابرة ، في إدارة جائرة، فقد وجدت من اللازم أن أكتب هذا البيان العابر، بمناسبة اعتذار وزير التعليم العالي عن الكلام العابر للوزير الأول. وذلك دفاعا عن حقوقي وحقوق الأقلية الصابرة التي أنتمي إليها.
1ـ نطالب الحكومة العابرة بأن تطلق برنامجا استعجاليا عابرا، يساعد حملة الشهادات العربية، على العبور الآمن إلى الدول الإفريقية لممارسة التجارة، أو تساعدهم على العبور غير الآمن إلى أوربا وأمريكا للبحث عن فرصة عمل. ويجب أن يوفر هذا البرنامج تذكرة عبور آمن أو غير آمن لكل خريج جامعي أو محظري لا يتحدث الفرنسية بطلاقة.
2 ـ نطالب الحكومة العابرة أن تحسم وبشكل نهائي الجدل الدائر منذ خمسين عاما حول اللغة ونقترح لذلك أن يتم تعديل الدستور لكي نتمكن من إلغاء العربية بوصفها نظريا هي اللغة الرسمية للبلاد وإبدالها بلغة الإشارة التي يجب اعتبارها من الآن هي اللغة الرسمية والوطنية الوحيدة للملايين الثلاثة التي تقطن في هذا البلد.
3 ـ نطالب الحكومة العابرة بالتعامل وبقسوة مع كل دعوة مغرضة تحاول أن تجعل من لغة الإشارة لغة عرق أو جهة أو شريحة معينة وذلك حتى نستطيع أن نفرض لغة الإشارة بوصفها هي اللغة الرسمية للبلاد دون أن يتسبب ذلك في خلق أي شكوك أو قلق لدى أي شريحة من مكونات هذا الشعب.
4 ـ نطالب وزيرة الثقافة بحل اتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين وإبداله باتحاد ناطق بالفرنسية وقادر على أن يتواصل مع الإدارة وذلك قبل أن يظهر كتاب مبدعون في لغة الإشارة وقادرون على تأسيس إتحاد لكتاب وأدباء وشعراء بلغة الإشارة .
كما نطالب الوزيرة بالعمل من أجل إصدار توصية تجعل من المخلوقات الغريبة المتعلمة باللغة العربية مخلوقات يجب الحفاظ عليها حتى لا تنقرض، كما يجب اعتبارها من التراث العالمي الذي يجب حمايته.
5 ـ نطالب السيد رئيس الجمعية الوطنية أن يعلن بأن لغة الإشارة هي لغة التواصل في هذا البلد وذلك حتى لا تغضب الأقلية التي لا تستطيع أن تتواصل بالفرنسية والتي اعتبرها ذات مرة بأنها هي لغة التواصل.
6 ـ نطالب رئيس حزب تواصل أن يعترض بلغة فصيحة وواضحة على ترسيم لغة الإشارة حتى لا يشكل ترسيمها ضررا بمصالح الموريتانيين الذين يعانون من إعاقة في أحد الأطراف ولا يملكون ـ لسبب أو لآخر ـ أصابع يشيرون بها.
7ـ نطلب من أحزاب البيعة أن تسافر فورا إلى القائد لمعرفة موقفه النهائي من ترسيم لغة الإشارة في الجمهورية الإسلامية الموريتانية وذلك لكي تكون قادرة على اتخاذ موقف نهائي من هذه القضية الهامة.
8 ـ نطالب من حزب إتحاد الجمهورية أن يصدر كل بياناته ابتداء من يومنا هذا بلغة الإشارة وذلك حتى يكون بالإمكان تأويلها في أي وقت مع التصريحات المتناقضة للحكومة العابرة.
9 ـ نطالب الوزير الأول أن يعترف علنا بأن موريتانيا غير كاملة السيادة مادامت حكومته العابرة قد قررت أن لا تستخدم اللغة العربية في تعاملاتها الإدارية اليومية.
10 ـ نطلب من وزير التوجيه الإسلامي أن يحول إدارة الأمية إلى إدارة لتعليم الفرنسية للكبار، كما نطالبه بإرسال أستاذ للفرنسية ـ وعلى وجه السرعة ـ لكل محظرة في موريتانيا وذلك قبل أن يتم اعتماد لغة الإشارة كلغة رسمية ووحيدة للجمهورية الإسلامية الموريتانية.
11 ـ نطلب من عمدة بلدية الرياض ـ وبشكل استعجالي ـ أن يترجم كل أسماء الوفيات في مقبرة الرياض إلى اللغة الفرنسية وذلك لكي نشرك الأموات في اللغة الرسمية لإدارة هذا البلد .
12 ـ أعتذر لكل الموريتانيين حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية ، نخبا وعامة ، أحياء و أمواتا، عن كتابة هذا البيان العابر باللغة العربية وذلك لسبب بسيط جدا وهو أني لا استطيع كتابته بالفرنسية.
تصبحون وأنتم صابرون...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com

الخميس، 8 أبريل 2010

يا سيادة الرئيس...هذه هي التلفزيون بعد زيارتكم لها (1)


سيدي الرئيس، لقد استبشرت خيرا بزيارتكم للتلفزيون. ولقد استبشرت أكثر بكلامكم الصريح جدا، والواضح جدا، والذي طالبتم من خلاله بضرورة فتح وسائل الإعلام الرسمي أمام هموم المواطن، بدلا من التركيز على التطبيل والتمجيد للحكومة.
يقول خبراء التغيير بأن أخطر التحديات التي تواجه التغييرـ أي تغيير ـ هي مقاومة التغيير. وهذه المقاومة قد تأتي من جهات عديدة، بما فيها المستفيد نفسه من عملية التغيير، ولذلك يجزم الخبراء بأن نجاح التغيير مرهون بالأساس بنجاح مقاومة المقاومة، أي مقاومة من يقاوم التغيير، والتي هي أهم التحديات التي تواجه نجاح أي تغيير.
ولقد كان من المفترض أن لا يحتاج التلفزيون لتلك الزيارة أصلا، ولا لذلك الحديث الصريح، لسبب بسيط جدا، وهو أنكم كنتم قد طالبتم قبل ذلك مرتين ـ على الأقل ـ من القائمين على تلك المؤسسات الرسمية بضرورة فتحها أمام هموم المواطنين. وهو ما لم يحدث، لأن هناك من يقاوم ـ وبطرق شتى ـ ذلك التوجه.
لقد طالبتم بعد تنصيبكم بضرورة فتح الإعلام الرسمي أمام المواطنين. ولقد اضطررتم أن تعيدوا نفس الطلب من داخل التلفزيون، وذلك بعد مرور ثمانية أشهر تقريبا. فهناك إذن من يقاوم فتح الإعلام الرسمي أمام المواطنين، كما أن هناك مقاومة صريحة من سيادتكم لمن يقاوم ذلك التوجه، وهي مقاومة بعثت في نفسي أملا، وجعلتني أكتب لكم هذه الرسالة، لأقدم لكم مثالا حيا لما يجري في مؤسسات الإعلام الرسمي من تصرفات، تناقض وبشكل صريح جدا، توجهات سيادتكم في هذا المجال.
سيدي الرئيس، إنه ليؤلمني كثيرا أن الأبواب تغلق في وجهي، بابا بعد باب ، رغم أني لا أريد منفعة خاصة، وإنما أريد أن أمد يد العون ـ حسب استطاعتي ـ لهذا البلد الذي تعاني غالبيته من الجوع والفقر والمرض والجهل والتخلف.
وأتألم أكثر عندما أ شعر بأنه لا بد من استنفار القبيلة، أو الجهة، أو أي علاقة أخرى، حتى في الأوقات التي أريد فيها أن أقدم خدمة مجانية لبلدي !!
لقد كان من الممكن أن لا تغلق تلك الأبواب أمامي، لو أني استخدمت الطرق التقليدية لفتحها، ولكني مشكلتي تكمن في أني قررت ـ ذات يوم ـ أن لا أستخدم أي وساطة، حتى ولو كانت من أجل تحقيق مصلحة عامة، وليتني ما اتخذت ذلك القرار الذي كلفني كثيرا. ليتني ما اتخذته !!!
لقد قدمت في هذا الإطار ومباشرة بعد تعيين الحكومة اقتراحا لوزير الاتصال من أجل استحداث برنامج تنموي في التلفزيون، ومن أجل السماح بنشر مقالات تنموية في يومية الشعب. وهي مقالات نُشرت بعد ذلك في جرائد ومواقع عربية متخصصة ولاقت ولله الحمد اهتماما كبيرا.
بعد أيام من تقديم ذلك المقترح أبلغني مدير السمعيات البصرية في الوزارة بأنه قد أرسل المقترح إلى مدير التلفزيون السابق مع المطالبة بضرورة التعامل الايجابي معه، وعندما وصلت إلى التلفزيون أخبروني بأن الوزارة لم ترسل إليهم أي مقترح.
كان الرد كافيا لأتأكد من فشل المحاولة الثانية، كما فشلتُ منذ ست سنوات في محاولة أولى، عندما طلبت من القائمين على التلفزيون آنذاك أن يسمحوا لي بالتحدث ـ ولو لدقائق معدودة ـ عن دراسة كنت قد أعددتها عن الأمية، وتوصلت فيها إلى نتائج تختلف تماما عما كان يروج له الإعلام الرسمي في ذلك الوقت.
بعد مرور ستة أشهر على تقديم ذلك المقترح، استدعاني ـ وبشكل مفاجئ ـ وزير الاتصال السابق الذي حدثته وبشكل مفصل عن البرنامج المقترح . أخبرني الوزير الذي أعجبته الفكرة كثيرا بأن التلفزيون سيتعامل هذه المرة بشكل إيجابي جدا مع المقترح.
بعد ذلك استدعاني مدير التلفزيون، وشرحت له بدوره فكرة البرنامج بكل تفاصيلها. اتصل المدير بمدير الإنتاج في التلفزيون وطلب منه أن يوفر كل الوسائل الممكنة لإنتاج البرنامج.
مدير الإنتاج بالتلفزيون أظهر بدوره الكثير من التحمس لتنفيذ الفكرة، وطلب مني قبل التنفيذ أن أعد له تصورا مكتوبا ومفصلا عن البرنامج، وهو الشيء الذي قمت به في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي الذي كان من المفترض أن نبدأ فيه بتنفيذ الفكرة. اتصلت بمدير الإنتاج فأخبرني بأن المدير العام لم يقدم له ـ بعد أن أرسل له التصور النهائي ـ أي أوامر مباشرة لإنتاج الحلقة الأولى من البرنامج.
بعد طول انتظار، قررت أن أكتب من جديد لمدير التلفزيون مستفسرا عن مصير البرنامج. وبعد مرور أسبوعين على عدم الحصول على أي رد، قررت أن أكتب من جديد لوزير الاتصال الحالي الذي أحال الرسالة لمدير السمعيات البصرية، وهو المدير الذي استغرب كثيرا من عدم تنفيذ الفكرة، كما وعد من جديد بأنه سيبذل مرة أخرى كل ما في وسعه، من أجل استحداث هذا البرنامج الهام.
لقد أرسلت رسالة بكل هذه التفاصيل، وبتفاصيل أخرى لا يمكن نشرها في هذه الرسالة، إلى مستشاركم للاتصال وعبر بريده الالكتروني.
السيد الرئيس، لقد حاولت في مطلع هذا العام، بالتعاون مع بعض الأندية الشبابية، أن أنظم وقفة شبابية ضد الفساد، يكرم في ختامها شرطيا يشهد له الجميع بالاستقامة والإخلاص في العمل. ولكن والي نواكشوط ـ لأسباب لم أفهمها ـ رفض أن يرخص لنا بتنظيم ذلك الحفل.
ولقد حاولت أيضا ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أقدم ـ وبلا مقابل مادي ـ بعض الدورات في تطوير الذات، على شكل حلقات تلفزيونية، موجهة للشباب الذي يحتاج كثيرا لمثل هذه البرامج التنموية الرائدة . وهنا أيضا وجدت الأبواب تغلق في وجهي.
فمتى ستفتح أبواب موريتانيا الجديدة لمن لا يريد إلا أن يقدم خدمة يعتقد أن البلد في أمس الحاجة إليها؟ فمتى ؟ ومتى؟؟؟؟
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة التاسعة إن شاء الله..
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com

السبت، 27 مارس 2010

مصفقون بلا حدود


يبدو أن السوق المحلي لم يعد قادرا على استهلاك الإنتاج الوطني الكبير من التصفيق الذي تنتجه "النخبة " من خلال تشغيل الأيادي و الأرجل في وقت واحد. وهذا العجز هو الذي جعل البعض يبحث عن أسواق خارجية لتصدير التصفيق الموريتاني الفائض.
ورغم عدم وجود مؤشر دولي لقياس مستوى التصفيق فإنه يمكن القول بأن متوسط إنتاج الفرد الموريتاني من التصفيق يعتبر مرتفعا جدا، بالمقارنة مع متوسط الإنتاج الفردي في الدول الأخرى. وهذا ما يفسر وجود فائض من التصفيق يزيد على حاجة السوق المحلية، رغم أن الطلب المحلي على التصفيق يعتبر مرتفعا جدا بالقياس مع الطلب في الدول المجاورة، حتى وإن كان قد شهد في الفترة الأخيرة كسادا موسميا.
إن "المصفق" الموريتاني ( للدقة سأستخدم كلمة مصفق بدلا من مواطن ) هو مصفق مبدع جدا، وذكي جدا، وقادر دائما على غزو أسواق الدول الأخرى، مرة بالشعوذة و الاحتيال ومرة أخرى بالتصفيق، وذلك بعد أن غدا لا يملك غير ذلك ليصدره للأمم الأخرى. فقد اختفي السمك، وتبخر النفط ، وضاعت الأخلاق والقيم، وزاد مستوى الجشع حتى بلغ مستويات مخيفة.
وبطبيعة الحال فإن تصدير التصفيق الموريتاني قد يساعد على جلب عملات صعبة للنخبة والتي هي بأمس الحاجة إليها لمواجهة الكساد الحالي، خاصة أن التصفيق الموريتاني يعتبر من أجود وأفخر وأغلى أصناف التصفيق المعروفة حتى الآن.
في الأسبوع الماضي قام " كارتل" الأحزاب القومية في البلد بالتعاون مع " الفضيلة " بتصدير تصفيقة هائلة إلى الجماهيرية الليبية تم بموجبها إعلان قيادات " الكارتل" لولائهم المطلق للأخ القائد. إنها تصفيقة "عظمى" تستحق الملاحظات التالية :
1ـ قد تشجع هذه التصفيقة أطرافا أخرى للبحث عن أسواق أخرى يصدرون إليها تصفيقهم "الحار" و"الطازج". ولذلك قد نسمع في المستقبل القريب قيام مجموعات أخرى بالتصفيق للسنغال أو للمغرب أو لمالي أو ... أو..
وربما يشتد التنافس بين مصدري التصفيق لدرجة يختفي فيها التصفيق داخل هذا البلد حتى يصبح بلا مصفق ( أقصد بلا مواطن ) وذلك بعد أن تكون كل الأحزاب والتيارات والقبائل والجهات والشرائح والأعراق قد أعلنت ولاءها بمنح تصفيقها لدول وأنظمة أخرى.
2ـ يطرح تصدير التصفيق إشكالية قانونية عويصة تحتاج لاستشارات في القانون الدولي: فهل أن الأخطاء التي يرتكبها مُصَدِّر التصفيق سيتحملها البلد المصدر للتصفيق أو البلد المستورد له؟ و بعبارة أوضح : هل الأخطاء التي قد يرتكبها مستقبلا المصفق الليبي من أصل موريتاني سيحاسب عليها النظام الليبي الذي أعلن ذلك المصفق ولاءه المطلق له؟ أم ستحاسب عليها الدولة الموريتانية التي كان من المفترض أن يكون ولاء ذلك المصفق خالصا لها؟
للتوضيح أكثر، لنفترض جدلا أن الأخ القائد طلب ـ وطلباته أوامر حسب الكارتل ـ من أحد " القيادات " السياسية التي بايعته وأعلنت له الولاء المطلق أن يفجر إحدى طائرات سويسرا الكافرة. ولنفترض جدلا بأن ذلك "القيادي" نجح في تلك المهمة الجهادية. فهل أن سويسرا ستطالب النظام الموريتاني تسليم مدبر العملية للعدالة الدولية؟ أم أنها ستطالب النظام الليبي ؟ وهل ستتحمل الخزينة الموريتانية التعويض لأسر الضحايا أم أن الخزينة الليبية هي التي ستتحمل ذلك؟ وهل أن المجموعة الدولية ستفرض حصارا دوليا على موريتانيا أم على ليبيا ؟
أبشروا فلن يحدث شيء من ذلك، فالقائد قد يعلن في المستقبل القريب أن سويسرا لم تعد دولة كافرة، لا لأنها قد سمحت ببناء مآذن للمساجد، بل لأنها لم تعد تضايق أبناء الزعيم و أعوانه والذين كانت مضايقتهم هي السبب المباشر في إعلان كفرها.
3 ـ يعتبر المصفق الموريتاني غير جريء على الاستثمار في القطاعات البكر ولكنه في المقابل معروف بالقدرة الهائلة على المنافسة في كل مجال مربح يتم اكتشافه. ولذلك قد يشهد قطاع تصدير التصفيق ـ بعد "نجاح" أول عملية تصدير كبيرة ـ منافسة محمومة في المستقبل القريب، الشيء الذي يستدعي من المؤسسات الاقتصادية المحلية إعداد دليل للأسواق الدولية الأكثر استهلاكا للتصفيق الخام وذلك حتى لا يخسر بعض مصدري التصفيق الموريتاني.
وهذا الدليل في غاية الأهمية لأن بعض المصفقين "الوطنيين" قد يفكر في تصدير التصفيق إلى " التبت" مثلا، دون أن يعلموا بأن ذلك قد يسبب لهم مشاكل جمة. فالتبت يستخدمون التصفيق لطرد الأرواح الشريرة . وهذا هو الذي جعلهم يصطفون ويستقبلون المستعمر البريطاني بالتصفيق الحار، وهو تصفيق فسره البريطانيون ـ في البداية ـ بأنه للترحيب بهم، قبل أن يكتشفوا بعد ذلك بأنه كان لطرد أرواحهم الشريرة.
4 ـ لقد أصبح من الملح أن تهتم رئاسة الجمهورية بقطاع التصفيق الذي عاش كسادا غير مسبوق بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة نتيجة لعدم تعيين مصفقين كبار و نتيجة لتجريد مصفقين كبار آخرين. ونتيجة كذلك لغلق أبواب الإعلام الرسمي أمام مبادرات التأييد والمساندة للمصفقين الداعمين والمؤيدين والمناصرين لرئيس الفقراء.
إن عدم فتح قنوات رسمية لاستهلاك الناتج اليومي من التصفيق سيؤدي إلى هجرة أدمغة التصفيق إلى دول أخرى وستليها في مرحلة لاحقة الأدمغة الصغيرة وكل الأيادي والأرجل المصفقة التي ليست لها أدمغة. ستشهد البلاد هجرات واسعة إذا ظل التصفيق المحلي لا يجد نظاما يستهلكه، ويعوض عنه، ويدفع بكرم لكل تصفيقة وهي ما زالت طازجة.وإذا استمر الحال كما هو فقد نتحول إلى بلد بلا مصفق (عفوا بلا مواطن).
تصبحون بأيادي تبني وتعمر.. بدل أن تصفق فتدمر..

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الخميس، 25 مارس 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية .... رسالة رقم 7


سيدي الرئيس، إنه لمن المؤسف حقا أن يكون قصر المؤتمرات للجمهورية الإسلامية الموريتانية ـ المزود بكل التجهيزات اللازمة ـ بلا مسجد يصلى فيه المؤتمرون، خاصة أن هذا القصر هو المرفق العام الوحيد الذي يمكن له أن يحتضن المؤتمرات والندوات والملتقيات الكبيرة.
واللافت للانتباه هو أن القصر يقع على مساحة كبيرة جدا مما يعني أن هناك أمكنة كثيرة في ساحة القصر يمكن أن يشيد عليها بيتا لله في قصر المؤتمرات.
لقد تذكرت هذا الموضوع ـ من جديد ـ عندما رأيت المؤتمرين وهم يصلون في العراء وذلك أثناء حضور الندوة المتميزة التي نظمتها جمعية " المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم " والتي حضرها الكثير من علماء المسلمين والذين ربما يكون قد فوجئ بعضهم بأن " الشناقطة الجدد " الذين عُرِفوا بالعلم وبالدعوة قد فاتهم أن يشيدوا مسجدا في هذا المرفق الهام.
سيدي الرئيس، لم أكن أفكر في الوقت الحالي في كتابة رسالة مفتوحة جديدة ولكن رؤية الناس وهم يصلون تحت العراء ذكرني بهذا المطلب الملح الشيء الذي جعلني أكتب لكم هذه الرسالة المختصرة جدا ـ عكس الرسائل السابقة ـ للتذكير بضرورة تشييد هذا المسجد.
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة الثامنة إن شاء الله..
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 مارس 2010

السفينة التائهة / قصة قصيرة


مر نصف قرن تقريبا والسفينة تتقاذفها الأمواج العاتية.. كان الركاب مع فجر كل يوم جديد يعتقدون أن الفرج قادم لا محالة.. ولكنهم سرعان ما كانوا يُصدمون عندما يكتشفون أن اليوم الجديد أشد قسوة من الأمس..
وكان في السفينة راكب حكيم ..كان يردد دائما : ستقولون بأن يومكم سيء.. وستقولون بأنه أسوأ يوم .. ولكن عندما يأتي الغد ستشتاقون للأمس.. وستكتشفون أن الأمس كان يوما سعيدا.. فثقوب الشراع تزداد يوما بعد يوم .. وحماس الركاب في إحداث الثقوب يكبر يوما بعد يوم ..إنه الشيء الوحيد الذي يكبر في هذه السفينة التائهة منذ خمسين عاما..
وكان في السفينة قلة قليلة جدا.. تتوارث المقاعد الفاخرة كابرا عن كابر.. أما أغلبية الركاب فكانت تتصارع على مقاعد متهالكة.. تتوارثها صاغرا عن صاغر.. وكان دائما بإمكان أحد الركاب العامة أن يتبوأ مقعدا فاخرا.. بشرط أن يكذب.. وينافق ..ويتزلف ..لكي يرضي الربان وأعوانه .. وبشرط أن يدوس أثناء صعوده على جثث العشرات من عامة الركاب ..
وكانت في السفينة شاشة بائسة.. شاحبة.. تافهة .. يطل منها حكواتي عجيب يعد الركاب بغد أفضل .. و يبشرهم بأن الشاطئ أصبح قريبا جدا .. وأن السفينة سترسو قريبا على بر الأمان...
كان الحكواتي لا يمل من تكرار تلك البشرى .. وكان حماسه يزداد كلما تغلب قبطان على قبطان ..فقد كانت تلك هي فرصته الوحيدة لسب وشتم وقذف القبطان السابق الذي طالما مدحه .. والذي كاد أن يغرق السفينة نهائيا لولا تدخل القبطان المنقذ المصحح للمسار.. والمتصدي لقوى الظلام بالحديد والنار.. والموصل السفينة ـ إن شاء الله ـ إلى بر الأمان .. بعد أيام معدودات ..
كان الشاطئ يقترب ويبتعد في وقت واحد.. كان يقترب مع قدوم كل قبطان جديد.. وإن كان في حقيقته يبتعد.. ولكن ذلك الابتعاد لا يكشفه الحكواتي لعامة الركاب إلا بعد أن يصبح القبطان الجديد قبطانا سابقا...
وكان في البحر قراصنة شداد.. يتربصون بالسفينة وبركابها.. وقد ازداد تهديهم للسفينة في الأعوام الأخيرة من رحلة التيه هذه .. لدرجة أنهم استطاعوا في بداية العام الخمسين أن يقتحموا السفينة مرتين .. وأن يختطفوا منها ركابا أجانب للحصول على فدية كبيرة..
كثرت الخروق والثقوب في السفينة المتهالكة .. كان بعضها بفعل الرصاص الطائش للقراصنة الإرهابيين ..وكان كثير منها بفعل ركابها.. وبالأخص الأكابر ذوي الشوكة.. والذين لم يعد لهم من شغل ـ منذ العام الثامن عشر من انطلاق السفينة ـ إلا الصراع على قيادة السفينة.. والانفراد بما تدر من عائدات...
لقد قاد السفينة ثمانية قبطان.. اثنان منهم مسالمان .. أما الستة الباقون فهم من ذوي الشوكة وأولي البأس .. كان القبطان الثامن آخرهم ، وقد جاء في العام الثامن والأربعين.. في اليوم السادس من الشهر الثامن .. وكان ذلك في صبيحة يوم أربعاء.. يوم السعد لكل من يفكر بالاستيلاء على زمرة قيادة السفينة..وكان الشهر الثامن هو شهر الحظ..
كادت السفينة أن تنقلب وتغرق نهائيا في ذلك العام المخيف لو لم يتفق ركابها الأكابر لفض الخلاف حول هوية الربان من خلال الاحتكام إلى رأي عامة الركاب..
وكان ما كان.. واختار الركاب القبطان .. ومرت ثمانية أشهر من الزمان .. وقال منافسو القبطان بأن الأوضاع لم تتحسن .. بل أنها زادت سوءا..
حدث في السفينة هرج كبير ومرج مما أثار حفيظة القبطان الذي اكتشف أن الحكواتي لم يعد قادرا على التلبيس على الركاب.. بأن الشاطئ قريب .. وأن الفرج آت بلا ريب .. وقرر القبطان الجديد أن يحول كل من في السفينة من الأعوان إلى حكواتي يقنع الأنصار والخصوم .. بأن اليوم أحسن من الأمس.. وبأن غدا سيكون أفضل من اليوم ... لقد غضب القبطان الجديد كثيرا على أنصاره عندما علم أن الركاب أصبحوا يميلون للاستماع أكثر للخصوم الذين كانوا يُحَدِّثونهم ـ بتشاؤم كبير ـ عن قرب حدوث الكارثة..
وماجت السفينة موجا .. حين تراءت في الأفق نذر عاصفة هوجاء .. والتفت راكب بلا مقعد إلى جاره وقال : لا أدري إن كانت الأوضاع قد ازدادت سوءا في الأشهر الثمانية الأخيرة أم لا ..من المؤكد أن الكثير من الركاب يعتقد بأنها زادت سوءا .. قد يكون ذلك بفعل فشل دعاية أنصار القبطان الجديد ..وقد يكون بفعل نجاح دعاية خصومه .. وقد تكون الأوضاع قد ساءت بالفعل..حقيقة لا أدري.
ومع اقتراب العاصفة بدأ الجميع يستشعر الخطر القادم .. وضرورة الحوار والتشاور مما جعل القبطان وأنصاره يدعون خصومهم لحوار "بناء".. من أجل إنقاذ السفينة وركابها .. أما الخصوم فكانوا يدعون إلى حوار "صادق" و"هادئ" ..كان كل طرف يدعو إلى الحوار ويقول بأن خصمه يرفض ذلك الحوار..
وكانت هناك عائلات لا هي إلى هؤلاء.. ولا هي إلى أولئك .. دعت إحداها إلى حوار " ناصح" .. وربما تكون تلك الدعوة هي الدعوة الوحيدة الجادة..
قال الراكب الحكيم مخاطبا بقية الركاب : يا قوم.. إن ما تسمعون من دعوات للحوار إنما هي دعوات غير صادقة.. والدليل على ذلك أن كل طرف لا يدعو الطرف الآخر للحوار إلا بعد أن يُسْمِعَهُ الكثير من السب.. والشتم.. والتخوين .. هل سمعتم محاورا يسب ويشتم خصمه.. ثم يدعوه بعد ذلك للحوار؟
ولو كان القبطان جادا في الحوار لعاقب سفيره في السفينة المجاورة الذي رفض استقبال رئيس مجلس شورى سفينتنا التائهة .. ومن الغريب أن مجلس الشورى الذي تمت إهانته لم يتحدث عن الموضوع .. باستثناء نائب واحد من عائلة رئيس المجلس .. وكم كان من "الجميل" أن يُسْكَبَ " مداد قلم" للتنديد بذلك...
ولو كان خصوم القبطان أيضا يريدون الحوار لما ظلوا يشترطون التحقيق فيما حدث منذ ثمانية أشهر .. إنه شرط غير بريء ..فهم لم يصدقوا ما حدث منذ ثمانية أشهر وهم يتقاسمون قيادة السفينة مع خصومهم .. فكيف سيصدقون نتائج تحقيق سيجري في وقت لا يشاركون فيه في قيادة السفينة..
ولقد كان الأجدر بهم أن ينظروا إلى المستقبل .. وأن يشترطواـ بدلا من التحقيق في النتائج ـ إصلاح مجلس القضاء بالسفينة وجعله مستقلا .. أو إسكات الحكواتي وعدم احتكار الشاشة.. أو السماح لكل الركاب بالمساهمة في كل ما من شأنه إيصال السفينة إلى بر الأمان ..
وقال راكب أحمق : إنهم لا يريدون الحوار بسبب الحقد .. فالقبطان وأنصاره يتمنون أن تغرق السفينة من مؤخرتها حتى يتمتعوا برؤية خصومهم وهم يغرقون.. أما خصوم القبطان فهم يعتقدون بأن أول ما سيغرق من السفينة هو زمرة القيادة .. لذلك فبالنسبة لهم سيكون الغرق ممتعا لأنه سيأتي بعد غرق القبطان وأنصاره..
إنهم يعلمون أنهم لو تعاونوا فإنهم سينجون جميعا .. وهو ما سيحرم بعضهم من التلذذ والتمتع برؤية البعض الآخر وهو يغرق..سكت الراكب الأحمق قليلا ثم قال : بالنسبة لي ليست لي في هذه الدنيا إلا أمنية واحدة.. وهي أن تغرق السفينة .. وأن أبقى حيا حتي أشاهد كل أولئك يغرقون.. سيكون ممتعا أن أغرق بعد أن أكون قد تمتعت برؤية الأكابر وهم يغرقون جميعا..
كانت أحوال السفينة غريبة .. وكان أحوال ركابها أكثر غرابة ..كل واحد منهم يخرق السفينة ويلوم الآخر .. العامة تُحْدِثُ ثقوبا صغيرة ولكنها كثيرة.. والخاصة يحدثون فجوات كبيرة.. الماء بدأ يدخل في السفينة من كل الجهات .. الكل يلوم الكل .. ولا أحد يلوم نفسه .. ولا أحد يتوقف عن خرق السفينة .. البعض مشغول باللغة التي سيصرخ بها طلبا للنجدة .. بعضهم يصر على أن تكون آخر كلمات يلفظها قبل غرقه هي كلمات أجنبية.. البعض الآخر يدعو ليل نهار إلى الفتنة ..
قال راكب بلا مقعد : ربما يكون الموت بالفتنة.. أرحم من الموت بالغرق..
اختفى الحوت من البحر.. جاع الركاب وعطش الكثير منهم .. رغم أن الماء بدأ يزحف داخل السفينة .. وتوقف الراكب الحكيم لأول مرة منذ خمسين عاما عن سد الثقوب .. لقد بدأ يشعر باليأس..عندما ابتل ثوبه لأول مرة ..
تمتم بكلمات مرتعشة وقال : إن أغلب ركاب هذه السفينة قوم مجانين إنهم غارقون ..غارقون لا محالة .. ولكن من يدري .. فربما يخرج من أصلابهم عقلاء راشدون..
تصبحون على الشاطئ ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الأربعاء، 3 مارس 2010

طلاسم قرار دستوري


ذكَّرني القرار الأخير للمجلس الدستوري بقباء مشهور للشاعر العباسي بشار بن برد، كما ذكرني المجلس الدستوري نفسه بالخياط الذي خاط ذلك القباء وهو الخياط الذي لا زال حتى يومنا هذا يشكل لغزا مثيرا، فلا أحد يعرف إن كان بارعا أم لا ؟ ولا أحد يعرف إن كان القباء جميلا أم رديئا؟ لا أحد يعرف، إلا الخياط الذي خاط القباء أو الشاعر الذي لبسه، ولقد كان الشاعر أعمى ولم يتمكن من رؤية القباء، أما الخياط فقد كان أعور له عين سليمة وأخرى طافية.
لا فرق بين خياط بشار والمجلس الدستوري، فالمجلس الدستوري يصعب الحكم عليه كما يصعب الحكم على الخياط. وللمجلس عين سليمة قرأ بها الطعن الذي قدمه نواب المعارضة حول دستورية قانون الإرهاب. وله عين أخرى غير سليمة جعلته يوم التنصيب يبدل كلمة انقلاب بكلمة تصحيح وذلك أثناء قراءة أحد أعضائه لسيرة رئيس الجمهورية المنتخب. ومن الطريف هنا أنه لا يوجد حرف واحد مشترك بين الكلمتين يبرر ذلك الخلط العجيب أثناء قراءة سيرة الرئيس.
وبغض النظر عن موقفنا مما حدث يوم السادس من أغسطس فسيبقى الاستيلاء على السلطة بالقوة في كل اللغات يسمى انقلابا. ومن المخجل أن يسميه مجلسا دستوريا بغير ذلك، هذا لا يعني أنه لا يجوز لنا أن نختلف حول ذلك الانقلاب وما إذا كان قد شكل حلا ضروريا لا مفر منه أم لا ؟ والحقيقة أنه لا يمكن إعطاء إجابة قاطعة على ذلك السؤال. كما أنه لا يمكن إعطاء إجابة حاسمة على السؤال الذي طرحه بشار منذ مئات السنين عن خياطه وهو سؤال سأختتم به هذا المقال. فإن استطعتم أن تعرفوا حقيقة خياط بشار فإنكم لا محالة ستعرفون حقيقة المجلس الدستوري.وإن استطعتم أن تعرفوا حقيقة القباء فإنكم لا محالة ستعرفون حقيقة موريتانيا في طبعتها الجديدة المصححة في السادس من أغسطس والمنقحة في الانتخابات الرئاسية الماضية.
لقد رحبت المعارضة بالقرار الأخير للمجلس الدستوري رغم أنه في حقيقته الخافية شكل طعنة قاسية لها. وانتقدته الأغلبية متجاهلة بأنه أعطى مصداقية كبيرة للديمقراطية وللأغلبية الحاكمة، حتى ولو جاء ذلك على حساب تمرير القانون الذي روجت له تلك الأغلبية كثيرا.
سيسبب القرار في المستقبل القريب ارتباكا كبيرا للمعارضة وسيجعلها غير قادرة على أن تردد وبالحماس نفسه أغنيتها الساخرة التي تشكك في شرعية النظام الحالي وفي دستورية رفض الطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ستجد المعارضة نفسها وقد أُجبرت على أن تكون معارضة دستورية وعلى أن تتعامل مع المؤسسات الدستورية القائمة ، بل إنها قد تضطر للدفاع عن المجلس الدستوري لمواجهة الانتقادات التي بدأت توجهها الأغلبية لذلك المجلس. سيكون في ذلك شيء من الغرابة، وسيكون فيه شيء من الإثارة، وربما يساهم ذلك كله في التخفيف من الرتابة التي أصبحنا نعيشها بعد أن خفت حدة الحرب على الفساد, وبعد أن توقف ـ تقريبا ـ التجريد من المهام في الاجتماعات الأسبوعية للحكومة.
من المؤكد أن قرار المجلس الأخير كان انتصارا للديمقراطية. ومن المؤكد أيضا أن المعارضة سيكون بإمكانها دائما أن تحقق أشياء مهمة إذا ما تعاملت بذكاء مع الواقع بدلا من التشكيك والتوقف عند نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية.
ومن المؤكد أيضا أن الأغلبية الغاضبة حاليا من قرار المجلس الدستوري أصبحت اليوم تملك أول دليل مادي على أن موريتانيا في طبعتها الجديدة قد تختلف عن موريتانيا في طبعاتها القديمة.
نظر المواطن العادي إلى القرار الأخير بكثير من الريبة والحيرة لأنه لم يتعود الاستقلالية في عمل المؤسسات. بعضهم اعتبر أن الأمر كله مجرد تمثيلية وبأن هناك أوامر عليا من رئيس الجمهورية هي التي جعلت المجلس يتخذ ذلك القرار المثير.
وربما يكون قرار المجلس الدستوري قد جاء كردة فعل للتكفير عن ذنوب سابقة بما فيها إبدال كلمة الانقلاب بكلمة تصحيح. وهو ـ أي القرارـ من هذه الزاوية قد يتشابه كثيرا مع الأذان الذي رفعه ذات يوم بشار بن برد وهو سكران.
لقد كان بشار يمشى وهو سكران وفجأة أخبروه بأن الخليفة قادم فما كان منه إلا أن رفع صوته بالأذان في وقت لا صلاة فيه لكي يخفي أنه سكران. لقد كان أذان بشار دليلا على سكره وسببا في قتله.
تتشابه موريتانيا في طبعتها الجديدة مع قباء بشار بن برد الذي لا أحد يعرف حقيقته فربما يكون ذلك القباء قمة في الروعة، وربما يكون قمة في الرداءة. لا أحد يستطيع أن يحسم ذلك الخلاف.
لا فرق إذن بين موريتانيا الجديدة وقباء بشار الذي خاطه عمرو الخياط الأعور، ونحن لا زلنا غير قادرين على الحكم على موريتانيا الجديدة كعجزنا عن الحكم على قباء بشار وعلى الخياط الذي قال عنه بشار:
خاط لي عمرو قباء +++++ ليــــت عينيه سواء
فسل الناس جميعا +++++ أمديــــــــح أم هجاء
تصبحون على مجلس دستوري بعينين سليمتين
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

إلى السفير الأمريكي في موريتانيا


هذه رسالة مفتوحة كتبتها بعد تنصيب باراك أوبوما رئيسا للولايات المتحدة قررت أن أعيد نشرها ـ بدون أي تغيير ـ للمشاركة في الحوار الدائر عبر الأقمار الصناعية بعد مرور عام على تنصيب أوبوما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ..

عاجل .....إلي باراك حسين أوباما
رئيس الولايات المتحدة الأمريكية

" جرأة أمل "
لقد وجدت من الضروري أن أكتب لكم هذه الرسالة المفتوحة وذلك بعد أن تابعت ـ مثلي مثل مئات الملايين من المسلمين ـ حفل تنصيبكم وخطاب التنصيب الذي ألقيتموه في هذا الحفل ، وهو خطاب كان بمثابة "جرعة أمل" لا تقل أهمية عن تلك الجرعة التي تولدت في نفوس الملايين من المظلومين والمستضعفين بعد فوزكم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية .
بدءا أرجو أن تسمحوا لي باستخدام عنوان كتابكم " جرأة أمل " ـ الذي يؤسفني أني لم أطالعه حتى الآن ـ كعنوان لهذه الرسالة وذلك لأني لم أجد ما أعنونها به أفضل من ذلك العنوان ، وأنا أتمني فعلا أن تكون سنواتكم الأربع أو الثمانية القادمة "جرعة أمل " لكل شعوب الأرض يكون فيها لكل إنسان ـ أي إنسان ـ الحق في أن يعيش كريما حرا آمنا يحترمه الآخر ويحترم هو الآخر .
ولأن قدرنا ـ شئنا ذلك أم أبينا ـ أن نعيش معا علي هذا الكوكب ، فإنه يتحتم علينا جميعا أن نبحث عن أفضل السبل للعيش الكريم لنا ولأجيالنا القادمة وذلك حتى لا تغرق بنا السفينة التي تعددت الثقوب فيها والتي يؤسفنا أن نقول إن أكثر الثقوب وأكبرها وأقدمها يوجد في عالمنا العربي والإسلامي وأن سياسة بلدكم الخارجية لم تزل تؤدي إلي خرق السفينة في أماكن عديدة من عالمنا الإسلامي .
وأنا لست هنا بحاجة لأن أقول لكم بأنه عندما تغرق السفينة فلن يكون وقتها هناك فرق بين من كان مقعده فاخرا مثلكم أو من كان مقعده متواضعا مثلنا أو من يراد له أن لا يكون له أصلا مقعد في هذه السفينة كالشعب الفلسطيني المظلوم منذ عقود من الزمن.
سأحدثكم بصدق وبصراحة قد لا يحدثكم بها غيري ، وستجدون في هذه الرسالة مشاعر و أفكارا" خاما " لمسلم بسيط عادي قد تكون هي أفضل تعبير عن ما يدور في أذهان مئات الملايين من شعوب عالمنا الإسلامي ، كما أني سأقتصر في هذه الرسالة علي ما يهمني بشكل مباشر ـ كمسلم ـ من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وإن كنت لا أستطيع أن أنكر بأن كل ما يحدث في بلدكم ينعكس بدرجة أو بأخرى علي حياتي اليومية لذلك فأنا أتمني لكم النجاح في تجاوز الأزمة المالية التي تسبب فيها بلدكم نتيجة الجشع وعدم المسؤولية كما قلتم في خطاب التنصيب والتي تنعكس آثارها السلبية علي العالم كله.
لا أخفيكم بأني لم أعد معجبا بأمتكم العظيمة أمريكا والتي كان من المفترض أن أحترمها لأنها شكلت نموذجا فريدا من نوعه و قدمت للبشرية في القرن الأخير ما لم تقدمه أمة أخري ، كما أن ديني ـ وهذا ما يجب أن تعرفوه ـ هو دين محبة وسلام للإنسانية جمعاء وبالأخص بمن يدين منها بالمسيحية كغالبية شعبكم .
ديننا الإسلامي ـ وهذه حقيقة يؤكدها التاريخ ـ هو الذي جعلنا نستقبل اليهود بصدور رحبة عندما كانت أوربا تخيرهم بين ترك ديانتهم اليهودية أو القتل ،استقبلناهم في الأندلس وعاشوا معنا كما كنا نعيش ، لا فرق ، وبعد هزيمتنا في الأندلس استقبلناهم في الدولة العثمانية وعاشوا أيضا معنا كما كنا نعيش وهو ما أشار إليه أخيرا الرئيس التركي.
في هذه الرسالة قد تجدون جوابا لسؤال طرحه سلفكم عندما سأل ذات مرة وهو يقصد بسؤاله المسلمين: لماذا يكرهوننا ؟ ومع أني أعتقد بأن المنطق كان يفترض أن يوجه المسلمون ـ وهم الضحية دوما ـ نفس السؤال لسلفكم: لماذا تكرهنا ؟
فمن المعروف أن أهم حدث حبس الأنفاس وأثر كثيرا علي العلاقة بيننا وبينكم هو أحداث 11 سبتمبر وذلك عندما قامت مجموعة محدودة بتدمير برجين كانت ردة فعل سلفكم عليها هي احتلال دولتين من العالم الإسلامي رغم أن كل الدول الإسلامية استنكرت وأدانت تلك العمليات بل أن بعضها أيضا كان ضحية لبعض العمليات الإرهابية من نفس المجموعة .
ومما لا يحتاج إلي تأكيد هنا هو أن العراق ليست له ـ قطعا ـ أية علاقة من أي نوع بتلك الأحداث ومع ذلك قُتِلَ من شعبه ما يزيد علي مليون من الأبرياء في حرب قال سلفكم بأنها لمواجهة الإرهاب وهو الذي اعتذر في نهاية حكمه بأنه يأسف ـ وكأن كلمة آسف تكفي ـ لما قام به في العراق لأنه اعتمد علي كذبة من المخابرات الأمريكية قتل بموجبها مليونا وزيادة من العراقيين الأبرياء .
والحقيقة أن هذه الحرب الطائشة لم تشكل خسارة فقط للعراق الذي أدخلته في صراعات طائفية ومذهبية خطيرة أصبحت تهدد أمنه وأمن المنطقة بكاملها ، بل أنها شكلت كارثة علي أمريكا نفسها التي زادت هذه الحرب من أعدائها رغم أنها فقدت في هذه الحرب من جنودها ما يزيد علي ما فقدت في أحداث 11 سبتمبر ، هذا فضلا عن المبالغ الطائلة التي أنفقتها علي هذه الحرب والتي ربما تكون قد ساهمت في حدوث هذه الأزمة المالية التي يعيشها العالم اليوم .
148مليار دولار تنفقها أمريكا سنويا علي حربها في العراق لو أنفقتها في الحرب علي الفقر والجهل والمرض في العالم الإسلامي لكانت صورة أمريكا تختلف تماما عن صورتها الحالية ولما احتاج سلفكم أن يتساءل لماذا تكرهوننا ؟ لأنه وقتها سنواجه نحن أعداء أمريكا بالنيابة عنها لأنهم لن يكونوا ساعتها مجرد أعداء لأمريكا فقط .
لقد ساءت كثيرا سمعة أمريكا خاصة في السنوات الأخيرة ونحن تتمني أن يكون السبب في ذلك مرتبطا بأخطاء تلك الإدارات السابقة لأن شعبكم المتميز يستحق سمعة أفضل من سمعته الحالية فهو الشعب الذي يقدم لنا اليوم هذا الدرس الرائع في الديمقراطية الذي أوصل من خلاله رجلا من أصول إفريقية والده مسلم إلي البيت الأبيض لأنه كان هو المرشح الأفضل رغم أن أباه كان لا يمكن له أن يحصل علي طعام من مطعم محلي كما قلتم في خطاب التنصيب، بل أنه كان ينظر إليه علي أنه لا يشكل إلا ثلاثة أخماس من قيمة الرجل الأبيض .
ومن المؤسف جدا أن هذه النظرة العنصرية التي تفرق بين البشر حسب ألوانهم أو معتقداتهم هي التي ينظر بها صناع القرار في بلدكم لشعوبنا العربية والإسلامية.
لقد أصبح الإنسان العربي المسلم لا يمثل إلا 1% أو 2 % .ـ حسب وجهة نظر سلفكم ـ من قيمة الإنسان اليهودي أو الأمريكي، فأن يموت المئات من الفلسطينيين بسلاح أمريكي فهذا حدث لا يستحق أي اهتمام، أما أن يجرح إسرائيلي واحد فتلك مأساة إنسانية تستحق أقسي أنواع الشجب والتنديد من كل حكومات العالم " المتحضر".
كثيرا ما يستفزني بعض الأمريكيين عندما يتحدث عن "الكلفة المالية " للحرب علي الإرهاب ولا يهتم بالكلفة البشرية لهذه الحرب وأنا هنا أتحدث عن خسارة كل الأطراف بما فيهم آلاف الجنود الأمريكيين وما يزيد علي المليون من العراقيين ، أي أنه لو تمكن الأمريكيون من استعادة ما خسروه من مال لما تحدث هؤلاء عن ضرورة الانسحاب من العراق ووقف هذه الحرب التي شكلت صفحة سوداء في تاريخ بلدكم الذي تكثر فيها الصفحات السوداء ـ علي الأقل ـ إذا كان من يقرأ هذا التاريخ إنسان عربي مسلم بسيط مثلي .
لن أحدثكم في هذه الرسالة عن تلك الصور المؤلمة والقاسية التي يكاد يستحيل أن أنساها (القرآن ـ وهذا هو أقدس شيء عندي كمسلم ـ يمزقه الجندي الأمريكي ، مساجد تدمر ، صور لا تطاق رؤيتها في أبو غريب وكوانتانامو )
لن أحدثكم أيضا في هذه الرسالة عن أحداث "غزة " الأخيرة والتي لا بد أنكم شاهدتموها رغم صمتكم الرهيب الذي لم أقتنع بتبريره وإن كان في كل الأحوال أفضل بكثير من تعليقات سلفكم ووزيرة خارجيته التي كانت لا تخجل من مطالبتها بوقف تهريب السلاح إلي " حماس " كلما تمادت إسرائيل في قتل الشيوخ والنساء ورجال الإسعاف والصحفيين وحتى الأطفال الموجودين في المقرات التابعة للأمم المتحدة والتي لم تسلم حتى في اليوم الذي كان يزور فيه الأمين العام للأمم المتحدة إسرائيل .
لن أحدثكم عن هذه الأمور الشائكة وإن كان يؤلمني حقا أني علي يقين أنه لو حدث العكس ولو بنسبة 1% لكانت ردة الفعل ـ علي أقل تقدير ـ هي التلويح باستخدام البند السابع الذي أصبح لا يهدد به إلا العرب والمسلمون .
لن أحدثكم عن هذه الأمور وإن كنت لا أخفيكم بأن أمنيتي ـ التي يبدو أنها لن تحقق قريبا ـ هي أن أعيش في عالم يستنكر قتل كل نفس بريئة بغض النظر عن جنسيتها وعن دينها ، في عالم عدالته عدالة واحدة وإنسانيته إنسانية واحدة لا تتغير بتغير الضحية ، وديمقراطيته ديمقراطية واحدة يتم احترام نتائجها في أمريكا عندما تنتخب رئيسا أسودا ، مثلما يتم احترام نتائجها في فلسطين عندما يصوت شعبها لحماس .
لن أحدثكم عن هذه الأمور المؤلمة التي تحدث في " غزة " بل سأكتفي هنا بأن أذكر لكم قصة واحدة من مئات القصص التي تحدث يوميا في " الضفة الغربية " والتي يراد لنا أن نصدق بأنها دولة لها سلطة كان من حظ رئيسها أنه كان أول رئيس تتصلون به هاتفيا بعد تنصيبكم .
شاب يسكن في قرية يقرر الزواج بفتاة تسكن في قرية أخري من " الضفة الغربية "، وبعد أن يئس الخطيبان من إمكانية إقامة الحفل في أي من القريتين بفعل الحواجز قررا في الأخير أن يسافرا مع بعض الأقارب والأصدقاء إلي " الأردن " لإقامة حفل الزواج .
هذه هي الدولة الفلسطينية "العظيمة "التي تمخضت عن كل تلك السنوات الطوال من المفاوضات العبثية والتي لم تكن أمريكا فيها وسيطا محايدا.
أيضا وللأسف الشديد يبدو أن هذه السلسلة الطويلة من المفاوضات قد نشهدها في عهدكم لأنه يبدوا أنكم ستتعاملون مع هذه الأزمة المعقدة بنفس الأساليب التي أفرزتها، هذا ما ظهر لنا بعد يومكم الثاني في البيت الأبيض الذي أشدتم فيه بدور بعض الرؤساء العرب وتحدثتم فيه عن أحداث "غزة " وكأنها بفعل زلزال لا يمكن أن تُحََمَّلَ إسرائيل نتائجه ، بل أنكم حاولتم ـ وإن كان بطريقة قد تكون أكثر حياءً وأكثر لباقة من سلفكم ـ أن تحملوا" حماس " مسؤولية ما حدث .
كم هو فظيع أن يتعامل العالم بأسره مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل وكأنها كوارث طبيعية لا مفر منها ، أقصي ما يمكن فعله هو أن يتم إعادة إعمار جزء مما تم تدميره قبل أن تقرر إسرائيل أن تدمره مرة أخري وبشكل أفظع .
قطعا سيكون بالإمكان تقديم "طبعة جديدة " غير مصححة وغير منقحة من مسرحية " أوسلو " أو " أنابولس " مع بعض التعديلات الطفيفة ، وستجدون بالتأكيد من يروج لهذه المسرحية من القادة والزعماء العرب ، سيقبلكم بعضهم ذات اليمين وسيقبلكم بعضهم ذات الشمال وسيرقص معكم البعض الآخر رقصة السيف ،المهم أن لا تشعروهم بأنهم رؤساء صلاحياتهم منتهية وأن لا تجعلوهم يستفيقوا من سكرتهم التي تمنيهم بأن حكمهم دائم أو علي الأقل إلي ورثتهم صائر .
وسيكون بإمكان إسرائيل أن ترتكب حماقات جديدة دون أن تجد من يردعها وسينكشف يوما بعد يوم مدي الإفلاس الذي يعيشه عالمنا اليوم ، وقد يحدث بعد ذلك كله أن يستخدم أحدهم حذاءه للتعبير عن سخطه مما يحدث .
هذا ما قد يحدث داخل "قاعة العرض " ولكن هناك أشياء أخري ستحدث خارج القاعة أعتقد أنه من الضروري أن أحدثكم عنها .
سيزداد وعي الشعوب الإسلامية وستتأكد الغالبية من هذه الشعوب أن القضية الفلسطينية ـ والتي هي بالمناسبة كانت ولم تزل وستبقي قضية العرب والمسلمين الأولي ـ لن تجد حلها عن طريق " الأمم المتحدة " ولا عن طريق مفاوضات القادة العرب بعد أن أصبح السلام هو خيارهم الإستراتيجي ، كما فشلوا سابقا في حلها أيام كانت الحرب مع إسرائيل هي خيارهم الإستراتيجي .
ستزداد قناعة الشعوب بأن المقاومة الشعبية والتضامن معها ونصرتها بشتى الوسائل بما فيها مقاطعة المنتجات الأمريكية هي السبيل الوحيد لمناصرة الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن قضية عادلة لم تجد رغم مرور ستين عاما ـ يوم كان والدكم رحمه الله لا يخدم في المطعم ـ الحد الأدنى من الإنصاف من طرف حكومات العالم "المتحضر " وإن كانت قد وجدت الكثير من التعاطف المتنامي ـ وهذا ما يجب ذكره ـ من طرف العديد من الأحرار في هذا العالم بما فيهم من ناصرها من الشعب الأمريكي .
ربما يكون من المفيد أيضا أن أذكر لكم هنا أني مثلي مثل مئات الملايين من المسلمين أومن إيمانا كاملا بأن من تظلمهم إسرائيل الآن سينتصرون في النهاية ، لا أشك في ذلك ، فالمسلم يؤمن بأن النصر هو وعد إلهي و المهم أن يدافع عن حق وعن قضية عادلة وأن يستخدم كل الوسائل المتاحة أمامه للدفاع عن هذا الحق حتى ولو كانت مجرد حجارة في يد طفل صغير،أو كانت مجرد صواريخ مصنعة تقليديا لا أدري لماذا يرتجف منها العالم " المتحضر " الذي لم يهمس يوما بكلمة أو بإشارة تعبر عن خوفه من السلاح النووي الإسرائيلي ؟
تلك الحقيقة هي ما نفسر به انتصار الشعب اللبناني في جنوب لبنان وانتصار الشعب الفلسطيني في قطاع "غزة " في مواجهة الآلة العسكرية المخيفة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي .
هذه الحقيقة الدينية هي أيضا حقيقة تاريخية ، فالتاريخ يقول بأن من يصر علي الدفاع عن الحق سينتصر في النهاية ، لذلك فنحن نؤمن بأن الشعب الفلسطيني سينتصر في النهاية ونؤمن كذلك بأن كل حماقة جديدة ترتكبها إسرائيل بغطاء أمريكي ستعجل من هذا النصر الحتمي .
ونحن نشعر ـ نحن هنا تعني مئات الملايين من بسطاء المسلمين ـ بأن أمريكا التي لم تكن لديها في الماضي مشكلة في تسديد "الفاتورة " الاقتصادية والسياسية والقانونية والأخلاقية والإعلامية للتغطية علي ظلم وغطرسة إسرائيل ، هي الآن لم تعد قادرة علي ذلك بعد الأزمة المالية وبعد تنامي الوعي العالمي بأن إسرائيل ليست هي الضحية وبعد بروز أقطاب عالمية جديدة لا تتفق إلا علي هدف واحد وهو مشاركة أمريكا في قيادة العالم .
لا أظن بأنه يخفي عليكم دلالة تلك الإشارات العديدة التي أرسلتها الشعوب العربية و الإسلامية من جاكرتا إلي نواكشوط ، كما أنه لن يكون من الحكمة المراهنة علي علاقات " طيبة " مع حفنة من الأمراء والملوك والرؤساء الذين لم تعد لهم أي مصداقية أو شرعية داخل بلدانهم مما ينذر بقرب نهاية دكتاتورياتهم ، فهؤلاء لم تعد تنفعهم شرعية مستوردة من خارج بلدانهم ، فلا تراهنوا عليهم ، وهنا نطلب منكم ـ وهذا طلب ملح ـ أن تتركوا بين هؤلاء القادة وشعوبهم ، لا نطلب منكم التدخل لصالح الشعوب ، كما أننا في المقابل لم نعد نتحمل التدخل لصالح هؤلاء القادة الذين خذلوا شعوبهم كثيرا، يكفي هنا أن نذكر كمثال ما حدث في القمة الأخيرة من أسبوع القمم العربية " المضحكة " ، لن أتحدث عن " غزة " التي خذلوها كثيرا في قمة الرياض وفي قمة شرم الشيخ وفي قمة الكويت وقدموا لها الحد الأدنى في قمة الدوحة بل سأقتصر هنا علي الاقتصاد الذي خُصِصََتْ له قمة الكويت والتي تم الإعداد "الجيد " لها من طرف جامعة عمر موسي ، لقد تحدثوا عن اكتشاف عظيم في قمة الكويت وهو تطبيق تجربة بنجلادش التي تعتمد علي القروض الصغيرة جدا والتي قادها الاقتصادي الكبير محمد يونس في منتصف السبعينات من القرن الماضي !!!
أعذرني، لقد خرجت قليلا عن الموضوع ، فمصائبنا التي يجلبها لنا القادة العرب لا تقل خطورة عن مصائبنا التي تأتينا من بلدكم .
المهم ـ وهذه هي زبدة الرسالة ـ أنه قد أصبح من الملح ومن الضروري لأمريكا أن تراجع علاقاتها مع شعوب أمة المليار وزيادة وهي الشعوب التي ستكون لها الكلمة الفصل في حسم المنافسة القادمة بين الأقطاب الجديدة والقديمة علي قيادة العالم .
وفي ختام هذه الرسالة لا بد أن أعترف ـ وأنا من الذين يقرؤون كثيرا عن بلدكم ـ بأن لأمريكا وجها آخر مضيئا جدا يمكن لها أن تقود به العالم من جديد ، كما أنه لا بد لي من أن أعترف أيضا بأني أحترم كثيرا ذكاءكم وطريقتكم الإبداعية في التفكير وهذا بالضبط هو ما جعلني لا أهتم بتلك الحقيقة التي تتردد كثيرا الآن ، وهي أن الرئيس الجديد لأمريكا لا يمكن له أن يحدث تغييرا جذريا في السياسة الخارجية حتى ولو كان يرغب بشكل جاد في إحداث ذلك التغيير، لأن صناعة القرار في أمريكا تتحكم فيها مؤسسات ولوبيات وقوي ومصالح متشعبة ومعقدة جدا .
تلك حقيقة لا أنكرها ، ولكن هناك حقيقة أخري لا أستطيع أن أنكرها أيضا، وهي أن أمريكا تعيش اليوم ـ وهذه زبدة الزبدة ـ لحظة حرجة من تاريخها وهي تحتاج وبشكل عاجل إلي أن تُحْْقَنَ بــ "جرعة أمل " جديدة تمكنها من أن تحافظ علي مركزها العالمي .
فهل سيبدع المحامي الذكي جدا طريقة ما يتمكن من خلالها من حقن " جرعة الأمل" للبلد الذي اختاره لأن يكون خلفا لأسوأ رئيس عرفته أمريكا ؟
هذا سؤال يهم الجواب عليه الكثير من شعوب العالم خاصة منه شعوب العالم العربي والإسلامي .
محمد الأمين بن الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولي " للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Elvadel @gmail.comhttp://www.autodev.org/