الأحد، 25 أبريل 2010

خاص برئيس الجمهورية


لم أكن أتوقع بأني سأجد نفسي مضطرا للتحدث عن قضايا "شخصية" في سلسلة هذه الرسائل المفتوحة التي أكتب للرؤساء، والتي وصلت ـ بالمناسبة ـ إلى خمسين رسالة مفتوحة منها تسع كتبتها لكم بعد التنصيب، وتسع قبله.
ولم أكن أتوقع أني سأضطر ـ في رسالتين متتاليتين ـ لأن أطلب منكم التدخل من أجل إطلاق برنامج تنموي شبابي في التلفزيون، لا أطالب مقابل تقديمه أي تعويض مادي، وإن كانت المطالبة بذلك التعويض تحق لي.
فلم يكن إذن من الوارد أن أكتب عن هذه الهموم التي قد تبدو وكأنها هموما"شخصية", ولكن المشكلة تكمن في أن الإدارة وحتى أيامنا هذه، لا زالت ترفض أن تتعامل بشكل إيجابي مع أي قضية لا يستخدم صاحبها الوسائل المعروفة لإنجازها.
ولقد كان بإمكاني ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أستخدم تلك الوسائل، وأن أنجز أشياء كثيرة أخفقت في تحقيقها في الماضي، ولكني كنت قد أخذت على نفسي عهدا أن لا أستخدم أي وساطة، حتى لغاية عادلة، لأني أعتقد بأن أهم ما يمكن أن يخدم به هذا البلد هو التوقف عن استخدام الوساطة.
كان بإمكاني ـ كما يفعل الغير ـ أن أستنفر بعض "الوجهاء"، وفي القبيلة وجهاء كثر. ولقد كان بالإمكان استخدام بعض العلاقات الشخصية. وفي الحكومة الحالية وزيران من أصدقائي في الجامعة، ولن يبخل أي واحد منهما باتصال هاتفي بموظف إداري من أجل إنجاز مهمة بسيطة وعادلة لصديق.
لقد ابتعدت عن تلك الأساليب لأني كنت ـ ولا أزال وسأبقى ـ أتخيل بأني أعيش في بلد تحكمه قوانين، لا في قبيلة تتحكم فيها العلاقات. حتى ولو كان الواقع يصرخ في وجهي منذ عقدين من الزمن لينبهني على أني أعيش في وهم كبير.
وفي هذه الرسالة سأقدم لكم نموذجا سيئا لتعامل الإدارة مع المواطنين العاديين من أمثالي، وهو ليس إلا مجرد مثال، وقد لا يكون هو الأسوأ من بين أمثلة كثيرة تحدث يوميا في عهد تقريب الإدارة من المواطن.
وهذا المثال السيئ سأقدمه لكم من التلفزيون الذي كان من المفترض أن يتحسن أداؤه ـ ولو لأسابيع محدودة ـ بعد زيارتكم له، وبعد أوامركم المتكررة للقائمين عليه.
لقد حاولت ومنذ ثمانية أشهر أن أتطوع للتلفزيون ببرنامج في التنمية البشرية والذي هو مجال التخصص، ولكني فوجئت برفض التلفزيون لذلك دون أن تقدم لي الأسباب.
ولقد استغربت كثيرا رفض برنامج تنموي هادف، في الوقت الذي تنفق فيه القنوات الأخرى أموالا ضخمة على مثل تلك البرامج التثقيفية والتعليمية الهامة جدا، والتي لها جمهور واسع جدا، ومتنامي بشكل لافت، وخاصة من فئة الشباب. تلك الفئة المظلومة من طرف الجميع وبالأخص من طرف الإعلام الرسمي الذي لا يقدم لها إلا البرامج التافهة والرديئة والساذجة.
سيدي الرئيس أنا مواطن موريتاني من فقراء هذا البلد، ولدي همومي الشخصية الكثيرة، ومع ذلك فإني كثيرا ما أخصص جزءا من وقتي للتفكير في هموم هذا البلد. كما أني أحاول ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ تقديم حلول ميدانية لبعض تلك الهموم .
وفي هذا الإطار أسست مركزا تنمويا خيريا، بجهود ذاتية، وذلك من أجل تقديم بعض الدورات الرائدة في مجال محاربة الفقر وفي التنمية البشرية، بالإضافة إلى برامج تعليمية أخرى.
ولقد استطعنا في المركز وبفضل بعض الخبرات الوطنية المتطوعة أن نقدم دورات عديدة استفاد منها ما مجموعه 300 متدرب ومتدربة. ولقد حاولنا آنذاك أن يقدم التلفزيون بعض تلك الدورات حتى يستفيد منها أكبر قدر ممكن من المستهدفين ولكننا فشلنا في ذلك.
وبعد عام وعدة أشهر اضطررنا لأن نغلق المركز مؤقتا، ولأسباب تستحق بدورها أن تكتب عنها عدة رسائل مفتوحة. ويكفي القول هنا أنه لولا إغلاق المركز لكان بالإمكان تقديم 40 مسعفا أوليا تم تخريجهم من المركز. وكان يمكن أن يمدوا يد العون للحماية المدنية يوم فاجعة لكصر التي تسبب فيها الغاز، والتي أظهرت مدى الحاجة إلى التكوين في هذا المجال.
المهم أنه بعد إغلاق المركز قمنا بوضع تصور لتحويل بعض الدورات الهامة التي كنا نقدمها في المركز إلى برنامج تلفزيوني أسبوعي.
وفي هذا الإطار كتبنا لوزير الاتصال السابق، وللوزير الحالي، واللذين كانت ردودهما إيجابية من خلال تكليف مدير السمعيات البصرية بدراسة الفكرة. وأعقب ذلك توجيه رسالتين من الوزارة إلى مدير التلفزيون مطالبة بالتعامل الإيجابي مع الفكرة.
ورغم ما أظهره مدير التلفزيون من اهتمام بالفكرة أثناء مقابلتي له فإنه ظل يرفض عمليا أن يتم إطلاق البرنامج المذكور. وهناك رسالة في مكتبه منذ ثلاثة أسابيع من الوزارة لم يرد عليها حتى الآن.
وإليكم ـ يا سيادة الرئيس ـ ملخصا للتصور الذي تم تقديمه إلى الجهات المعنية، بما فيه مستشاركم للاتصال والذي وعد بالهاتف بأنه سيتدخل ويكلم مدير التلفزيون، وهو الشيء الذي لا أعرف إن كان قد حصل أم لا؟
اسم البرنامج : ساعة تنمية.
مدة البرنامج :ساعة كاملة.
جمهور البرنامج : يركز البرنامج أساسا على الشباب.
هدف البرنامج : خلق فضاء مناسب يساعد على التغيير نحو الأفضل.
فكرة البرنامج : سيقدم البرنامج سلسلة مستمرة ـ إن شاء الله ـ من الحلقات في مجالات متعددة : اكتشاف الذات ـ التخطيط ـ إدارة الوقت ـ صناعة النجاح ـ التحفيز الذاتي ـ التفكير الإبداعي ـ التعامل مع المشاكل ـ اتخاذ القرارات ـ العصف الذهني ـ التغيير .... إلخ
وسيكون لكل حلقة عنوانها الخاص، وسيتم افتتاح كل حلقة من هذه الحلقات بقصة شيقة للإثارة، لها صلة بموضوع الحلقة. ويطرح في نهايتها سؤال الحلقة. بعد ذلك يتم الاستماع إلى أجوبة بعض الشباب الجامعي الحاضر (10 ـ 12 ) ، وتتم مناقشة بعضها بشكل سريع، كما سيتم الاستماع لأجوبة بعض المشاهدين الذين قد يتصلون بالبرنامج. المدة 15 إلى 20 دقيقة.
ثم يقدم جواب لسؤال الحلقة، وهو جواب سيكون مدخلا للموضوع حيث يتم تقديم بعض المعلومات والأفكار من أجل إكساب الحضور والمشاهدين بعض المهارات الهامة التي قد تفيدهم في بناء وتطوير ذواتهم. المدة 20 إلى 25 دقيقة.
في الخمس دقائق الأخيرة يتم تقديم نموذج ناجح له صلة بموضوع الحلقة (شخصية عالمية، مؤسسة ، منظمة ...) كلما أمكن ذلك.
تختتم كل حلقة بإضاءة تلخص كل الحلقة، وتلك الإضاءة قد تكون حكمة أو مثلا أو مقولة مشهورة ..
سيدي الرئيس، لقد حاولت الاتصال بمدير التلفزيون من أجل معرفة الأسباب التي جعلته يتراجع عن قبول هذا البرنامج. و لم أستطع الوصول إليه، وطلبت من سكرتيرته أكثر من مرة أن تصلني به عن طريق الهاتف ولكنها رفضت ذلك.
لذلك فأنا لا أملك أي تفسير لرفض البرنامج، وكل ما أستطيع قوله هنا هو أن ذلك الرفض يتناقض بشكل صارخ مع تعليماتكم وأوامركم التي استبشرنا بها خيرا يوم زيارتكم للتلفزيون.
وفي الأخير أقول لكم ـ بمناسبة اكتمال خمسين رسالة ـ بأني لا أملك إلا كلمة أكتبها لمن يقود هذا البلد، ولقد كتبتها في الماضي، وهاأنذا أكتبها اليوم، وسأكتبها لكم غدا إن كان في العمر بقية..
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة العاشرة إن شاء الله.
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 17 أبريل 2010

أخطاء بالجملة


كثيرا ما يحاول المشتغلون بالسياسة في هذا البلد أن يوهموا البسطاء بأن الساعة قد قامت وأن الناس قد انقسموا إلى فسطاطين اثنين : فسطاط خير لا شر فيه، وفسطاط شر لا خير فيه. فكل سياسي يتحدث وكأنه ولي من أولياء الله، لا يحيط به إلا عباد الله الصالحون. أما خصومه فهم أشرار الناس، ولا يتبعهم إلا الأشرار. وهذا هوـ بالضبط ـ ما تحاول الأغلبية والمعارضة أن تمارسه في أيامنا هذه، وهو ما أدى في المحصلة النهائية إلى ظهور كم هائل من كلمات السب، والشتم، والقدح، والذم، والتي لم تكن معروفة من قبل في الخطاب السياسي والتي يخجل المتلقي حتى من سماعها.
والحقيقة أن لكل طرف أخطاء كثيرة، وهي أخطاء لا يمكن بسطها في مقال واحد، لذلك فسأقتصر هنا على الأخطاء المرتبطة بالقضية الشائكة المطروحة في أيامنا هذه : قضية تعريب الإدارة. وسأقتصر كذلك على الأخطاء المحصورة زمنيا بين مطلع مارس حتى منتصف إبريل، وذلك في محاولة للإجابة على السؤال الشهير: من الذي ركل القطة وتسبب ـ بالتالي ـ في الأحداث المؤلمة التي عرفتها الجامعة يوم الخميس الماضي؟
وللإجابة على هذا السؤال فإنه لابد من الحديث عن حزمة كبيرة من الأخطاء التي تراكمت والتي يمكن ترتيبها زمنيا على النحو التالي:
الخطأ الأول: جاء من الوزير الأول، في اليوم الأول من مارس، وذلك بمناسبة الاحتفال الأول، بيوم اللغة العربية. ورغم أنه يصعب معرفة ما إذا كان ما قاله الوزير الأول في ذلك اليوم مجرد حديث عفوي نتيجة لشحنة حماس عابرة طافت به، أم أنه كان يعبر عن إرادة حكومية بتوجيهات نيرة؟ ومهما يكن الجواب فيمكن أن أسوق هنا بعض الملاحظات التي أفقدت تلك التصريحات ـ سواء كانت عفوية أم مبرمجةـ أشياء كثيرة من أهميتها وجعلت تجسيدها ميدانيا أمرا صعبا :
الملاحظة الأولى: لم يكن التوقيت مناسبا للحديث عن قضية هامة وشائكة مثل قضية تعريب الإدارة في الوقت الذي لا يوجد فيه أي حوار بين المعارضة والأغلبية.
الملاحظة الثانية : لقد كان بإمكان الوزير الأول أن يفرض ترجمة كل الوثائق الرسمية في الدوائر الحكومية كخطوة عملية أولى لتعريب الإدارة بدلا من حديثه الحماسي خاصة أن البلاد كانت قد عرفت مثل تلك الخطوة دون أن يتجرأ أي أحد على معارضتها.
الملاحظة الثالثة :لقد أطلق الوزير الأول في ذلك اليوم الكثير من المفرقعات الصوتية التي أضرت كثيرا بكلمة الحق التي نطق بها في تلك المناسبة والتي قال فيها بأن سيادة البلد ستبقى ناقصة ما لم يتم تعريب الإدارة .
الملاحظة الرابعة: لقد فات الوزير الأول أن إطلاق الوعود في قضايا الهوية ليس كإطلاقها في القضايا المعيشية. فمن السهل أن تعد الحكومة بخفض الأسعار فترفعها، ومن السهل أن تعد بمحاربة الفقر فتزيده، أو تعد بتحقيق العدالة فتخلف وعدها. أما إطلاق الوعود في المسائل المتعلقة بالهوية ثم التراجع عنها بعد ذلك فلابد له من كلفة باهظة وباهظة جدا.
الخطأ الثاني: وقد جاء من جامعة نواكشوط عندما تظاهرت مجموعة طلابية من القومية الزنجية غير مرخص لها ضد اللغة العربية أي ضد الدستور ودون أن تشرك معها بعض الطلاب من القومية العربية رغم أن هناك من يعارض التعريب من الموريتانيين العرب وهو ما أدى إلى أن يظهر هذا الصراع وكأنه صراع بين القوميات حيث ظهر الزنوج وكأنهم هم وحدهم من يدافع عن الفرنسية في حين ظهر العنصر العربي وكأنه هو وحده الذي يدافع عن العربية رغم أن الحقيقة لم تكن بذلك التبسيط.
الخطأ الثالث: وهو خطأ ارتكبته المعارضة التي تعودت أن تعارض النظام حتى ولو كان على صواب عكس الأغلبية التي تعودت على أن تناصره حتى ولو كان على باطل بين. فرغم أن أغلب برامج أحزاب المعارضة لا تعارض نظريا ـ على الأقل ـ الاهتمام باللغة العربية، إلا أنها رغم ذلك طالبت ـ وبكل أطيافها ـ من الوزير الأول الاعتذار في حين أنها نددت بشكل خافت أو لم تندد أصلا بتحركات الطلاب في الجامعة. وهو ما أعطى شرعية لتلك التحركات، وشجع بالتالي أصحابها على الاستمرار حتى الحصول على الاعتذار.
الخطأ الرابع: جاء من الأحزاب القومية التي اختارت أن تختفي من البلد في لحظة حرجة من تاريخه، وهي لحظة كان بالإمكان استغلالها لصالح اللغة العربية، أو على الأقل استغلالها حتى لا تضطر الحكومة إلى التراجع بذلك الأسلوب المشين الذي تحدث به وزير التعليم العالي. لقد اختار القوميون تلك اللحظة الحساسة ليرتكبوا جرما شنيعا فبايعوا رئيس دولة أخرى، وهو جرم لا يقل شناعة عن اعتراض البعض وبشكل صريح جدا، ضد استخدام اللغة الدستورية للبلد في التعاملات الإدارية اليومية لذلك البلد.
الخطأ الخامس: عندما وجدت الحكومة نفسها في ورطة : صحافة مستقلة أظهرت الوزير الأول ـ خاصة في الأيام الأولى ـ وكأنه قال منكرا من القول ، معارضة استغلت وبشكل سيء وقذر ـ في بعض الأحيان ـ تلك القضية الحساسة. مظاهرات عرقية تتسع يوما بعد يوم، غياب كامل للمدافعين "التقليديين" عن العربية وانشغالهم بالبيعة ...إلخ
وللخروج من تلك الورطة ارتكب وزير التعليم العالي خطأ جسيما وأدخل الحكومة في ورطة أكبر، عندما ساوى بين الاحتفال بيوم العربية و الاحتفال بالفرانكفونية وأعلن بشكل صريح بأن الإدارة ستبقى مفرنسة ولا نية لتعريبها.
هذه الأخطاء مع غيرها أدت إلى تشكل المشاهد التالية :
مشهد أمامي : مجموعة من الطلاب الزنوج استطاعت بتحركاتها أن تحصل على اعتذار من وزير التعليم العالي عن تصريح الوزير الأول مع الوعد بأن اللغة الفرنسية ستظل هي اللغة الرسمية للإدارة وهو ما يعني أن ثلاثة آلاف حامل شهادة بالفرنسية تزيد أو تنقص قليلا لن تكون لديها مشكلة على الأقل في المستقبل المنظور.
مشهد خلفي: حالة إحباط لدى مجموعات أخرى من الطلاب لأن مستقبلها سيكون مهددا عندما تلتحق بما يزيد على عشرين ألفا من حملة الشهادات بالعربية العاطلين عن العمل. وفي هذا المشهد الخلفي تم طرح أسئلة مشروعة جدا ومنطقية جدا : لماذا لا نطالب نحن باعتذار عن التصريح " السري" لوزير التعليم ما دام البعض قد حصل على اعتذار عن التصريح العلني للوزير الأول؟ ولماذا لا ندافع نحن عن اللغة الرسمية للبلد مادام البعض الآخر بتحركاته قد استطاع أن يحقق نتائج ملموسة لصالح لغة غير دستورية؟ ولماذا تدافع الآلاف عن مستقبلها ولا تدافع عشرات الآلاف عن مستقبلها؟
مشهد مؤلم : مواجهات عرقية داخل الجامعة أدت إلى جرح العشرات وهي مواجهات حدثت في مرحلة عصيبة من تاريخ البلد الذي عرف "انفلاتا" غير مسبوق في التصريحات والمواقف المناقضة للدستور والصادرة من جهات شتى.
وحتى لا يتحول المشهد المؤلم إلى مشاهد أكثر إيلاما فإنه قد أصبح من الضروري توجيه المناشدات التالية:
1 ـ مناشدة للطلاب الذين يدافعون عن اللغة العربية بأن يوقفوا تحركاتهم المشروعة حتى لا يتم استغلالها لإشعال الصراعات العرقية في هذا البلد الهش.
2 ـ مناشدة للأحزاب السياسية بأن تقوم بواجبها في الدفاع عن القضايا الملحة التي لم تعد تقبل التأجيل وأن لا تلقي بكل هموم البلد على عواتق الطلاب الذين لديهم من الهموم الطلابية ما يكفي.
لقد أصبحت أحزابنا لا تهتم إلا بالمواقف و"المطالب المدرة للدخل" فلم نسمع يوما عن مسيرة أو عن مهرجان للدفاع عن اللغة الرسمية للبلد، ولا عن اللغات الوطنية. ولم نسمع عن أي حزب فتح في مقره فصلا للتواصل حيث يتعلم بعض مناضليه إحدى لغاتنا الوطنية. ولم نسمع عن أي حزب نظم مثلا مسابقة رمزية في إحدى الولايات الجنوبية لتشجيع المبدعين في إحدى لغاتنا الوطنية ، ولم نسمع ، ولم ...
3 ـ مناشدة الحكومة لأن تعمل بشكل جدي وذكي حتى لا يتسع الشرخ الذي أحدثته بسبب مواقف وتصريحات واعتذارات غير مدروسة. وعليها أن تبتعد عن التنابز وتبادل الشتائم مع المعارضة والذي لن يفضي إلي أي شيء. وعلى هذه الحكومة أن تعلم بأن السجال مع المعارضة يضرها أكثر من ضرره للمعارضة. وعليها أن تعلم كذلك بأن الشعب الموريتاني سيحملها في النهاية مسؤولية كل الأخطاء التي حدثت في عهدها، سواء منها تلك الأخطاء التي ارتكبتها هي، أو ارتكبتها المعارضة، أو ارتكبتها أي مجموعة تنتمي إلى هذا البلد.
تصبحون على حكومة راشدة...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

بالعربي الصريح


المتتبع لما تنشره الجرائد والمواقع الوطنية في هذه الأيام لابد وأن يصاب بالذهول والصدمة وحتى بالاشمئزازـ في بعض الأحيان ـ وهو يتابع ذلك الكم الهائل من البيانات، والتصريحات، والمقالات، والتحليلات التي يراد منها ـ بحسن نية أو بسوئها ـ التشويش على الوعد الجميل الذي قطعه الوزير الأول على حكومته بمناسبة يوم اللغة العربية، والذي التزم من خلاله بالعمل على تطوير اللغة العربية باعتبار أن موريتانيا ستبقى بلدا منقوص السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية، وجعلها لغة إدارة وعمل.
كلام جميل لم يستطع الموريتانيون أن يفرحوا به مخافة أن يكون ما قاله الوزير الأول مجرد كلام ـ لا تصحبه أفعال ـ كما كان يحدث في السابق، خاصة وأن الدعوات للاحتفال بيوم اللغة العربية كانت مكتوبة بالفرنسية. كما أنهم لم يستطيعوا أن يستبشروا خيرا بذلك الوعد لأن بعض أبناء هذا البلد قد اعتبر ذلك الوعد موجها ضده، وهو ما أدى إلى تحرك بعض الطلاب في الجامعة وإلى حدوث مصادمات عرقية.
في ظل هذا أصبح من اللازم ـ بعد تلك الشرارات المخيفة التي انطلقت من الجامعة ـ أن نتحدث عن موضوع اللغة والهوية من وجهة نظر قد تختلف كثيرا عن وجهات النظر السائدة في هذه الأيام، وذلك من خلال سرد بعض الملاحظات الصريحة جدا والتي كثيرا ما تغيب عن البعض.
1ـ من الضروري بل ومن والملح جدا، أن نحدد لغة واحدة، وواحدة فقط، للإدارة وللعمل كما هو الحال في كل بلدان العالم . ولم يعد ممكنا التستر خلف بعض المواقف والحجج الغامضة، فمن المعيب أننا وبعد مرور نصف قرن على تأسيس الدولة الموريتانية لا نزال نختلف كثيرا في مسألة اللغة. إن كل تأخر في حسم مسألة اللغة سيزيد من صعوبة حسم ذلك الخلاف مستقبلا، لأنه سيعمق فجوة الخلاف أكثر، وهو ما سيشكل خطرا محدقا بالانسجام وبالتعايش السلمي بين مكونات هذا الشعب .
2 ـ لابد أن تكون هناك مقاييس محددة، ومعايير واضحة، يتم عليها اختيار اللغة. لذلك فعلى من يطالب بضرورة اعتماد أي لغة أخرى غير العربية، أن يقدم حجته، وبالنسبة لي أعتقد أن اللغة التي يجب اعتمادها هي اللغة العربية وذلك لأسباب عديدة أذكر منها:
إنها هي لغة " وطننا الأصلي" أي الجنة، والذي أسأل الله أن يعيدنا إليه جميعا، بما في ذلك من يعارض اعتماد اللغة العربية. كما أنها هي اللغة التي اختارها الله لأن تكون لغة قرآنه. وفضلها على كل اللغات وجعل تعلمها والتحدث ببعض كلماتها ـ على الأقل ـ خمس مرات في اليوم ،واجبا على كل مسلم ومسلمة،بما في ذلك الملايين الثلاثة التي تسكن هذه الأرض. وذلك في الوقت الذي لا توجد فيه لغة أخرى، يُلزم المسلم بالنطق بها حتى ولو مرة واحدة في العمر، بما في ذلك الحسانية، و البولارية، و الولفية، و السونكية، و الفرنسية.
3ـ إن العربية هي لغة الأكثرية في هذا البلد وأنا لا أتحدث هنا عن الشريحة الناطقة بها، وإنما أقصد بأنه لو احتكمنا إلى الأساليب الحضرية والديمقراطية ـ بوصفنا دولة ديمقراطية ـ لحسم الخلاف وأجرينا استفتاء لاختيار اللغة التي يجب أن تكون هي لغة الإدارة، ولغة التعامل، لتم اختيار اللغة العربية وبنسبة مرتفعة جدا. فأغلبية الموريتانيين ستختارـ قطعا ـ لغة القرآن عن لغة المستعمر.
4 ـ إنها هي اللغة الدستورية الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية الأربع التي يمكن استخدامها في الإدارة وفي التعامل، أما لغاتنا الوطنية الأخرى، فهي ليست مؤهلة ـ على الأقل ـ حاليا لأن تكون لغة تعامل ولغة إدارة.
5 ـ يطالب البعض باعتماد الفرنسية كلغة عمل و إدارة، رغم أن الفرنسية لا يعترف بها الدستور كلغة وطنية، ورغم أنها لغة لم تكن معروفة لدى هذا المجتمع وبكل مكوناته، قبل مجيء الاستعمار الفرنسي. لذلك فهي يجب أن لا تتعدى كونها لغة عالمية، ولغة انفتاح، يعتبر تعلمها ضروري ومفيد، لا أكثر ولا أقل. أما المطالبة بجعلها هي اللغة الرسمية للإدارة كلما دار جدل وخلاف حول مسألة اللغة، فذلك أمر لا يختلف كثيرا عن الفتوى التي شرع بها أبو نواس لنفسه شرب الخمر.
فعندما أباح العراقي ( أبوحنيفة ) النبيذ وحرم المدامة، وحرمهما الحجازي (الشافعي). أستنبط أبو نواس من ذلك فتوى غريبة، أحل بها شرب الخمر:
أباح العراقيُّ النبيذَ وشُرَبَـــــــهُ.........................وقال حرامان المدامة والسًّــــكْرُ
وقال الحجازيُّ الشرابان واحدٌ ... ......................فحلِّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهمـــــا ......................... وأشربُها لا فَارقَ الوازرَ الوزرُ

6 ـ يعتبر البعض بأن اللغة الفرنسية هي لغة الاتصال في هذا البلد، متجاهلا بأن نصف السكان أمي لا يقرأ ولا يكتب. أما النصف الثاني فغالبيته تتواصل بغير الفرنسية. ومما يجب الإشارة إليه هنا هو أن الموريتانيين العرب كثيرا ما يتعلمون اللغات الزنجية في المدن التي يكثر فيها الزنوج. في حين أن الزنوج يتعلمون الحسانية في الأماكن التي يكثر فيها الناطقين بالحسانية. لذلك فغالبية الموريتانيين تتواصل بلغاتها الوطنية ويتعلم بعضهم لغة البعض الآخر بمحض إرادته ورغبته.
وعلى أولئك الذين يطالبون بفرض اللغة الفرنسية أن يتذكروا أن فرنسا ـ التي تعتبر للبعض نموذجا ـ قد فرضت بالقانون، اللغة الفرنسية من بين 400 لغة ولهجة كانت مستخدمة، من بينها 30 لغة كان معترف بها رسميا.
7 ـ من المؤسف حقا أن بعض المدافعين عن اللغات الوطنية غير العربية لا يهتمون بلغاتهم إلا في الأوقات التي تهتم بها الدولة باللغة العربية. أما في الفترات التي يكون فيها الاهتمام مقتصرا على الفرنسية، فإنهم ينسون لغاتهم، وينسون المطالبة بتطويرها.وهذا التصرف الغريب أفقدهم الكثير من المتعاطفين معهم من الشريحة العربية.
فالمقلق حقا أن أولئك الذين يطالبون بتطوير لغاتهم ـ ولهم الحق في ذلك ـ هم أول من يقف بالمرصاد ضد تطوير اللغة العربية، بحجة واهية، وهي أن تطوير اللغة العربية سيكون على حساب لغاتهم.
8 ـ يشفق البعض على المتعلمين بالفرنسية عندما يتم الحديث عن تعريب الإدارة، ولا يشفق أولئك على الآلاف من حملة الشهادات بالعربية، والذين صدقوا ذات يوم بأن اللغة العربية ـ لا الفرنسية ـ هي اللغة الرسمية لهذا البلد، فتعلموا بالعربية، وتخرجوا، ليواجهوا مصيرا مؤلما وبائسا، بعد أن أيقنوا بأنه لن يتم توظيفهم في الإدارة لأنهم قد ارتكبوا ذنبا كبيرا عندما صدقوا الدستور الذي نص على أن اللغة الرسمية لهذا البلد هي العربية! إن من يشفق على أولئك،عليه أن يشفق كذلك على هؤلاء، الذين نسوا ما تعلموا، و اشتغلوا ببعض المهن التي لا تناسب مستواهم العلمي، و هاجر كثير منهم خارج البلاد طلبا للقمة العيش.
لقد حدث في هذا البلد الذي تعتبر العربية لغته الرسمية، أن تقدم بعض الشباب المتخرجين من قسم الاقتصاد، للمشاركة في مسابقة اكتتاب في البنك المركزي الموريتاني الذي رفض مشاركتهم في المسابقة، لأن شهاداتهم بالعربية،والمسابقة ستكون بالفرنسية. بعضهم طلب أن يسمح له بأن يجرب حظه، من خلال منافسة خريجي الأقسام الفرنسية في مسابقة مواضيعها بالفرنسية، فجاء الرد بالرفض من أحد المدراء بالبنك، بحجة أن البنك المركزي مؤسسة هامة جدا، وحساسة جدا، وتعتبر واجهة للبلد، لذلك فلا يجوز أن يعمل فيها أصحاب الشهادات العربية حتى ولو كانوا يتقنون الفرنسية!!!
9 ـ كلما تم الحديث من طرف أي وزير عن ضرورة الاهتمام باللغة العربية تعالت أصوات البعض ووصفت ذلك الوزير بالعنصرية لذلك فمن المناسب هنا ـ ومن المناسب جدا ـ أن أذكر بأن هذا النظام الذي يصفه البعض بالعنصرية، هو النظام الذي خصص يوما للمصالحة الوطنية ، واعتذر بشكل رسمي للضحايا الزنوج عن الظلم الذي وقع في حقهم، وأقام الصلاة على أرواح الضحايا. وهو فوق ذلك، هو أول نظام يخصص كتابة للشؤون الإفريقية والتي جاءت على أنقاض كتابة الدولة للشؤون المغاربية.
10ـ لا يجوز أن نتعامل مع أبناء هذا الشعب بازدواجية، وإذا كان البعض يفعل ذلك مخافة أن يوصف بالعنصرية فإنه بذلك يرتكب فعلا عنصريا مخجلا. وعلى من يملك الشجاعة لإدانة بعض الموريتانيين الذين بايعوا رئيس دولة أخرى، أن تكون له نفس الشجاعة والصراحة والوضوح لإدانة من يطالب دولا أخرى للتدخل لإحداث فتنة في هذا البلد، أو إدانة من يحاول أن يحدث فتنة بين الأعراق.
11 ـ نتيجة لغباء كثير من ساستنا فقد تحولت اللغة العربية في مخيلة البعض إلى وحش مخيف يكاد يفترس اللغات الوطنية الأخرى، ويكاد يبتلع الناطقين بتلك اللغات . فأولئك الساسة لا يستطيع أحدهم أن يقول بأن العربية يجب أن تكون لغة الإدارة ثم يسكت. بل أنه لابد أن يعقب على ذلك المطلب بمحاضرة طويلة في التعايش، وفي الوحدة، وفي تطوير اللغات الوطنية، وفي خطورة التطرف، وعن أشياء أخرى بلا أول ولا آخر. والنتيجة هي ضياع المطلب، هذا فضلا على أن من يسمع تلك المحاضرة سيخيل إليه تلقائيا أن الاهتمام باللغة العربية سيشكل خطرا محدقا بالزنوج إن لم تصاحبه الكثير من الإجراءات التي قد تخفف من آثاره السلبية. والحقيقة هي أن ترسيم الفرنسية هو الذي يشكل خطرا كبيرا على كل الشرائح، بما فيها الزنجية، فهي التي تبعدهم عن لغة دينهم،الذي رفعهم كثيرا عن الأمم الأخرى، بما في ذلك تلك الأمة الناطقة بالفرنسية، وجعلهم ينتمون إلى أفضل أمة أخرجت إلى الناس.
12 ـ لقد تحول الخطاب الديني في بعض الأحيان إلى خطاب مزدوج يعمق الفوارق بدلا من تقليصها. وكمثال على ذلك فقد استنكر بعض خطباء الجمعة ظهور موريتانيات عربيات بزي غير محتشم على لافتات الدعاية لبعض شركات الاتصال. ولقد فات أولئك الخطباء أن هناك موريتانيات زنجيات قد ظهرن قبل ذلك على تلك اللافتات بزي أقل احتشاما من الزي التي ظهرت به تلك الفتيات التي تحدث عنها بعض الخطباء. ومع ذلك لم يتم انتقادهن.
ولو أن موريتانية عربية خرجت إلى الشارع تكشف عن رأسها ونصف بطنها كما تفعل بعض الموريتانيات الزنجيات لكان ذلك منكرا عظيما وإثما مبينا، وهو كذلك . وفي المقابل فهناك بعض الأعمال المحرمة شرعا أصبحت عادية عند الموريتانيات العربيات قد لا تثير الاستغراب إلا إذا مارستها بعض الموريتانيات الزنجيات.
و نتج عن ذلك أنه أصبحت هناك أفعال حرام إذا ارتكبتها شريحة معينة وحلال أو مسكوت عنها ـ بعبارة أدق ـ إذا ما ارتكبتها شريحة أخرى، رغم أن الجميع دينه واحد، ومذهبه الفقهي واحد.
13 ـ يحتج بعض المطالبين بترسيم اللغة الفرنسية بالضعف الذي تمر به العربية بسبب ضعف الناطقين بها، ورغم أن العربية تمر بظروف صعبة، لا يمكن إنكارها، بسبب ضعف الناطقين بها، إلا أنها مع ذلك فهي اللغة الرابعة من لغات الأمم المتحدة الرسمية الست. كما أنها لغة رسمية لدول غير عربية كتشاد واريتريا، ويتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة. وهي ـ وهذا يكفيها ـ هي لغة القرآن الذي تولى الله حفظه. وكمثال بسيط على عظمة هذه اللغة فيكفي أن نعرف بأن تعلم فعل " كتب " الذي أمارسه أنا الآن، يفتح المجال واسعا للمتعلم المبتدئ لمعرفة كلمات كثيرة أخرى ترتبط بهذا الفعل: كالكتاب، والمكتبة، والكاتب، والمكتوب. أما في اللغات الأخرى كالفرنسية والانجليزية وغيرها فالأمر مختلف تماما، ففعل كتب لا صلة له بكلمة الكتاب، وكلمة الكتاب لا علاقة لها بكلمة المكتبة ولا بفعل كتب، و كلمة الكاتب لا علاقة لها بكل تلك الكلمات.لذلك فتعلم ذلك الفعل مثلا، لا يعين على تعلم الكلمات المرتبطة به في اللغات الأخرى ، عكس اللغة العربية.
14 ـ يحاول البعض أن يُحَمِّل كل مصائب هذا البلد للحركات القومية العربية، ولقد تَفَهم البعض ما قام به الطلاب الزنوج، واعتبر أنه مجرد ردة فعل طبيعية ضد تطرف تلك التيارات. البعض الآخر حاول أن يكون أكثر إنصافا، واكتفي بالقول بأن سبب فشل التعريب في هذا البلد، وسبب نفور بعض الزنوج من اللغة العربية، إنما يعود إلى الطرح القومي السيئ. وطالب أصحاب ذلك الطرح بسحب مفهوم التعريب من التداول السياسي والثقافي. وما يمكن قوله هنا هو أنه لولا نضال القوميين وتضحياتهم لكان مصير اللغة العربية في هذا البلد العربي الإفريقي المسلم أسوأ بكثير من واقعها السيئ الذي تعاني منه اليوم. وسيبقى للقوميين شرف الدفاع عن لغة القرآن في هذا البلد، وذلك ما يجب الاعتراف به، رغم أنه كانت لهم أخطاؤهم الكثيرة والكثيرة جدا.
15 ـ لقد أصبح من الضروري أن يشارك الجميع، كل من موقعه، لمواجهة الحملة الإعلامية الشرسة التي تخاض ضد تعريب الإدارة، وذلك حتى لا يعتقد الوزير الأول ـ ولو للحظة ـ وهو يطالع ما ينشر في المواقع والجرائد، بأنه ارتكب ذنبا عظيما عندما أعلن في يوم اللغة العربية، بأن البلاد ستبقى ناقصة السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية وجعلها لغة إدارة وعمل. لقد قال الوزير الأول كلمة حق، وسيكون بطلا عند الكثيرين لو استطاع أن يجعل من تلك الكلمة حقيقة ميدانية، في كل الإدارات الحكومية.
تصبحون على وطن كامل السيادة....
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الاثنين، 12 أبريل 2010

بيان عابر


بما أن وزير التعليم العالي قد أكد في جامعة نواكشوط بأن الحكومة لا تفكر إطلاقا في تعريب الإدارة، أو بالمساس بالوضع القائم، وأن كلام الوزير الأول بمناسبة الاحتفال بيوم العربية كان مجرد كلام عابر، في احتفال عابر، بيوم عابر.
وبما أني كنت من الذين داعبتهم فرحة عابرة، بعد صحوة الوزير الأول العابرة، في ذلك اليوم العابر، رغم قناعتي بأن كلام الوزير الأول مجرد كلام عابر، لوزير أول عابر، في حكومة عابرة، تقود البلد في عهد عابر، كالعهود العابرة التي سبقته.
وبما أني أيضا من أقلية عابرة، تتحدث بلغة غابرة، ويستحيل عليها أن تجد وظيفة حتى ولو كانت مجرد وظيفة عابرة ، في إدارة جائرة، فقد وجدت من اللازم أن أكتب هذا البيان العابر، بمناسبة اعتذار وزير التعليم العالي عن الكلام العابر للوزير الأول. وذلك دفاعا عن حقوقي وحقوق الأقلية الصابرة التي أنتمي إليها.
1ـ نطالب الحكومة العابرة بأن تطلق برنامجا استعجاليا عابرا، يساعد حملة الشهادات العربية، على العبور الآمن إلى الدول الإفريقية لممارسة التجارة، أو تساعدهم على العبور غير الآمن إلى أوربا وأمريكا للبحث عن فرصة عمل. ويجب أن يوفر هذا البرنامج تذكرة عبور آمن أو غير آمن لكل خريج جامعي أو محظري لا يتحدث الفرنسية بطلاقة.
2 ـ نطالب الحكومة العابرة أن تحسم وبشكل نهائي الجدل الدائر منذ خمسين عاما حول اللغة ونقترح لذلك أن يتم تعديل الدستور لكي نتمكن من إلغاء العربية بوصفها نظريا هي اللغة الرسمية للبلاد وإبدالها بلغة الإشارة التي يجب اعتبارها من الآن هي اللغة الرسمية والوطنية الوحيدة للملايين الثلاثة التي تقطن في هذا البلد.
3 ـ نطالب الحكومة العابرة بالتعامل وبقسوة مع كل دعوة مغرضة تحاول أن تجعل من لغة الإشارة لغة عرق أو جهة أو شريحة معينة وذلك حتى نستطيع أن نفرض لغة الإشارة بوصفها هي اللغة الرسمية للبلاد دون أن يتسبب ذلك في خلق أي شكوك أو قلق لدى أي شريحة من مكونات هذا الشعب.
4 ـ نطالب وزيرة الثقافة بحل اتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين وإبداله باتحاد ناطق بالفرنسية وقادر على أن يتواصل مع الإدارة وذلك قبل أن يظهر كتاب مبدعون في لغة الإشارة وقادرون على تأسيس إتحاد لكتاب وأدباء وشعراء بلغة الإشارة .
كما نطالب الوزيرة بالعمل من أجل إصدار توصية تجعل من المخلوقات الغريبة المتعلمة باللغة العربية مخلوقات يجب الحفاظ عليها حتى لا تنقرض، كما يجب اعتبارها من التراث العالمي الذي يجب حمايته.
5 ـ نطالب السيد رئيس الجمعية الوطنية أن يعلن بأن لغة الإشارة هي لغة التواصل في هذا البلد وذلك حتى لا تغضب الأقلية التي لا تستطيع أن تتواصل بالفرنسية والتي اعتبرها ذات مرة بأنها هي لغة التواصل.
6 ـ نطالب رئيس حزب تواصل أن يعترض بلغة فصيحة وواضحة على ترسيم لغة الإشارة حتى لا يشكل ترسيمها ضررا بمصالح الموريتانيين الذين يعانون من إعاقة في أحد الأطراف ولا يملكون ـ لسبب أو لآخر ـ أصابع يشيرون بها.
7ـ نطلب من أحزاب البيعة أن تسافر فورا إلى القائد لمعرفة موقفه النهائي من ترسيم لغة الإشارة في الجمهورية الإسلامية الموريتانية وذلك لكي تكون قادرة على اتخاذ موقف نهائي من هذه القضية الهامة.
8 ـ نطالب من حزب إتحاد الجمهورية أن يصدر كل بياناته ابتداء من يومنا هذا بلغة الإشارة وذلك حتى يكون بالإمكان تأويلها في أي وقت مع التصريحات المتناقضة للحكومة العابرة.
9 ـ نطالب الوزير الأول أن يعترف علنا بأن موريتانيا غير كاملة السيادة مادامت حكومته العابرة قد قررت أن لا تستخدم اللغة العربية في تعاملاتها الإدارية اليومية.
10 ـ نطلب من وزير التوجيه الإسلامي أن يحول إدارة الأمية إلى إدارة لتعليم الفرنسية للكبار، كما نطالبه بإرسال أستاذ للفرنسية ـ وعلى وجه السرعة ـ لكل محظرة في موريتانيا وذلك قبل أن يتم اعتماد لغة الإشارة كلغة رسمية ووحيدة للجمهورية الإسلامية الموريتانية.
11 ـ نطلب من عمدة بلدية الرياض ـ وبشكل استعجالي ـ أن يترجم كل أسماء الوفيات في مقبرة الرياض إلى اللغة الفرنسية وذلك لكي نشرك الأموات في اللغة الرسمية لإدارة هذا البلد .
12 ـ أعتذر لكل الموريتانيين حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية ، نخبا وعامة ، أحياء و أمواتا، عن كتابة هذا البيان العابر باللغة العربية وذلك لسبب بسيط جدا وهو أني لا استطيع كتابته بالفرنسية.
تصبحون وأنتم صابرون...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com

الخميس، 8 أبريل 2010

يا سيادة الرئيس...هذه هي التلفزيون بعد زيارتكم لها (1)


سيدي الرئيس، لقد استبشرت خيرا بزيارتكم للتلفزيون. ولقد استبشرت أكثر بكلامكم الصريح جدا، والواضح جدا، والذي طالبتم من خلاله بضرورة فتح وسائل الإعلام الرسمي أمام هموم المواطن، بدلا من التركيز على التطبيل والتمجيد للحكومة.
يقول خبراء التغيير بأن أخطر التحديات التي تواجه التغييرـ أي تغيير ـ هي مقاومة التغيير. وهذه المقاومة قد تأتي من جهات عديدة، بما فيها المستفيد نفسه من عملية التغيير، ولذلك يجزم الخبراء بأن نجاح التغيير مرهون بالأساس بنجاح مقاومة المقاومة، أي مقاومة من يقاوم التغيير، والتي هي أهم التحديات التي تواجه نجاح أي تغيير.
ولقد كان من المفترض أن لا يحتاج التلفزيون لتلك الزيارة أصلا، ولا لذلك الحديث الصريح، لسبب بسيط جدا، وهو أنكم كنتم قد طالبتم قبل ذلك مرتين ـ على الأقل ـ من القائمين على تلك المؤسسات الرسمية بضرورة فتحها أمام هموم المواطنين. وهو ما لم يحدث، لأن هناك من يقاوم ـ وبطرق شتى ـ ذلك التوجه.
لقد طالبتم بعد تنصيبكم بضرورة فتح الإعلام الرسمي أمام المواطنين. ولقد اضطررتم أن تعيدوا نفس الطلب من داخل التلفزيون، وذلك بعد مرور ثمانية أشهر تقريبا. فهناك إذن من يقاوم فتح الإعلام الرسمي أمام المواطنين، كما أن هناك مقاومة صريحة من سيادتكم لمن يقاوم ذلك التوجه، وهي مقاومة بعثت في نفسي أملا، وجعلتني أكتب لكم هذه الرسالة، لأقدم لكم مثالا حيا لما يجري في مؤسسات الإعلام الرسمي من تصرفات، تناقض وبشكل صريح جدا، توجهات سيادتكم في هذا المجال.
سيدي الرئيس، إنه ليؤلمني كثيرا أن الأبواب تغلق في وجهي، بابا بعد باب ، رغم أني لا أريد منفعة خاصة، وإنما أريد أن أمد يد العون ـ حسب استطاعتي ـ لهذا البلد الذي تعاني غالبيته من الجوع والفقر والمرض والجهل والتخلف.
وأتألم أكثر عندما أ شعر بأنه لا بد من استنفار القبيلة، أو الجهة، أو أي علاقة أخرى، حتى في الأوقات التي أريد فيها أن أقدم خدمة مجانية لبلدي !!
لقد كان من الممكن أن لا تغلق تلك الأبواب أمامي، لو أني استخدمت الطرق التقليدية لفتحها، ولكني مشكلتي تكمن في أني قررت ـ ذات يوم ـ أن لا أستخدم أي وساطة، حتى ولو كانت من أجل تحقيق مصلحة عامة، وليتني ما اتخذت ذلك القرار الذي كلفني كثيرا. ليتني ما اتخذته !!!
لقد قدمت في هذا الإطار ومباشرة بعد تعيين الحكومة اقتراحا لوزير الاتصال من أجل استحداث برنامج تنموي في التلفزيون، ومن أجل السماح بنشر مقالات تنموية في يومية الشعب. وهي مقالات نُشرت بعد ذلك في جرائد ومواقع عربية متخصصة ولاقت ولله الحمد اهتماما كبيرا.
بعد أيام من تقديم ذلك المقترح أبلغني مدير السمعيات البصرية في الوزارة بأنه قد أرسل المقترح إلى مدير التلفزيون السابق مع المطالبة بضرورة التعامل الايجابي معه، وعندما وصلت إلى التلفزيون أخبروني بأن الوزارة لم ترسل إليهم أي مقترح.
كان الرد كافيا لأتأكد من فشل المحاولة الثانية، كما فشلتُ منذ ست سنوات في محاولة أولى، عندما طلبت من القائمين على التلفزيون آنذاك أن يسمحوا لي بالتحدث ـ ولو لدقائق معدودة ـ عن دراسة كنت قد أعددتها عن الأمية، وتوصلت فيها إلى نتائج تختلف تماما عما كان يروج له الإعلام الرسمي في ذلك الوقت.
بعد مرور ستة أشهر على تقديم ذلك المقترح، استدعاني ـ وبشكل مفاجئ ـ وزير الاتصال السابق الذي حدثته وبشكل مفصل عن البرنامج المقترح . أخبرني الوزير الذي أعجبته الفكرة كثيرا بأن التلفزيون سيتعامل هذه المرة بشكل إيجابي جدا مع المقترح.
بعد ذلك استدعاني مدير التلفزيون، وشرحت له بدوره فكرة البرنامج بكل تفاصيلها. اتصل المدير بمدير الإنتاج في التلفزيون وطلب منه أن يوفر كل الوسائل الممكنة لإنتاج البرنامج.
مدير الإنتاج بالتلفزيون أظهر بدوره الكثير من التحمس لتنفيذ الفكرة، وطلب مني قبل التنفيذ أن أعد له تصورا مكتوبا ومفصلا عن البرنامج، وهو الشيء الذي قمت به في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي الذي كان من المفترض أن نبدأ فيه بتنفيذ الفكرة. اتصلت بمدير الإنتاج فأخبرني بأن المدير العام لم يقدم له ـ بعد أن أرسل له التصور النهائي ـ أي أوامر مباشرة لإنتاج الحلقة الأولى من البرنامج.
بعد طول انتظار، قررت أن أكتب من جديد لمدير التلفزيون مستفسرا عن مصير البرنامج. وبعد مرور أسبوعين على عدم الحصول على أي رد، قررت أن أكتب من جديد لوزير الاتصال الحالي الذي أحال الرسالة لمدير السمعيات البصرية، وهو المدير الذي استغرب كثيرا من عدم تنفيذ الفكرة، كما وعد من جديد بأنه سيبذل مرة أخرى كل ما في وسعه، من أجل استحداث هذا البرنامج الهام.
لقد أرسلت رسالة بكل هذه التفاصيل، وبتفاصيل أخرى لا يمكن نشرها في هذه الرسالة، إلى مستشاركم للاتصال وعبر بريده الالكتروني.
السيد الرئيس، لقد حاولت في مطلع هذا العام، بالتعاون مع بعض الأندية الشبابية، أن أنظم وقفة شبابية ضد الفساد، يكرم في ختامها شرطيا يشهد له الجميع بالاستقامة والإخلاص في العمل. ولكن والي نواكشوط ـ لأسباب لم أفهمها ـ رفض أن يرخص لنا بتنظيم ذلك الحفل.
ولقد حاولت أيضا ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أقدم ـ وبلا مقابل مادي ـ بعض الدورات في تطوير الذات، على شكل حلقات تلفزيونية، موجهة للشباب الذي يحتاج كثيرا لمثل هذه البرامج التنموية الرائدة . وهنا أيضا وجدت الأبواب تغلق في وجهي.
فمتى ستفتح أبواب موريتانيا الجديدة لمن لا يريد إلا أن يقدم خدمة يعتقد أن البلد في أمس الحاجة إليها؟ فمتى ؟ ومتى؟؟؟؟
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة التاسعة إن شاء الله..
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com

السبت، 27 مارس 2010

مصفقون بلا حدود


يبدو أن السوق المحلي لم يعد قادرا على استهلاك الإنتاج الوطني الكبير من التصفيق الذي تنتجه "النخبة " من خلال تشغيل الأيادي و الأرجل في وقت واحد. وهذا العجز هو الذي جعل البعض يبحث عن أسواق خارجية لتصدير التصفيق الموريتاني الفائض.
ورغم عدم وجود مؤشر دولي لقياس مستوى التصفيق فإنه يمكن القول بأن متوسط إنتاج الفرد الموريتاني من التصفيق يعتبر مرتفعا جدا، بالمقارنة مع متوسط الإنتاج الفردي في الدول الأخرى. وهذا ما يفسر وجود فائض من التصفيق يزيد على حاجة السوق المحلية، رغم أن الطلب المحلي على التصفيق يعتبر مرتفعا جدا بالقياس مع الطلب في الدول المجاورة، حتى وإن كان قد شهد في الفترة الأخيرة كسادا موسميا.
إن "المصفق" الموريتاني ( للدقة سأستخدم كلمة مصفق بدلا من مواطن ) هو مصفق مبدع جدا، وذكي جدا، وقادر دائما على غزو أسواق الدول الأخرى، مرة بالشعوذة و الاحتيال ومرة أخرى بالتصفيق، وذلك بعد أن غدا لا يملك غير ذلك ليصدره للأمم الأخرى. فقد اختفي السمك، وتبخر النفط ، وضاعت الأخلاق والقيم، وزاد مستوى الجشع حتى بلغ مستويات مخيفة.
وبطبيعة الحال فإن تصدير التصفيق الموريتاني قد يساعد على جلب عملات صعبة للنخبة والتي هي بأمس الحاجة إليها لمواجهة الكساد الحالي، خاصة أن التصفيق الموريتاني يعتبر من أجود وأفخر وأغلى أصناف التصفيق المعروفة حتى الآن.
في الأسبوع الماضي قام " كارتل" الأحزاب القومية في البلد بالتعاون مع " الفضيلة " بتصدير تصفيقة هائلة إلى الجماهيرية الليبية تم بموجبها إعلان قيادات " الكارتل" لولائهم المطلق للأخ القائد. إنها تصفيقة "عظمى" تستحق الملاحظات التالية :
1ـ قد تشجع هذه التصفيقة أطرافا أخرى للبحث عن أسواق أخرى يصدرون إليها تصفيقهم "الحار" و"الطازج". ولذلك قد نسمع في المستقبل القريب قيام مجموعات أخرى بالتصفيق للسنغال أو للمغرب أو لمالي أو ... أو..
وربما يشتد التنافس بين مصدري التصفيق لدرجة يختفي فيها التصفيق داخل هذا البلد حتى يصبح بلا مصفق ( أقصد بلا مواطن ) وذلك بعد أن تكون كل الأحزاب والتيارات والقبائل والجهات والشرائح والأعراق قد أعلنت ولاءها بمنح تصفيقها لدول وأنظمة أخرى.
2ـ يطرح تصدير التصفيق إشكالية قانونية عويصة تحتاج لاستشارات في القانون الدولي: فهل أن الأخطاء التي يرتكبها مُصَدِّر التصفيق سيتحملها البلد المصدر للتصفيق أو البلد المستورد له؟ و بعبارة أوضح : هل الأخطاء التي قد يرتكبها مستقبلا المصفق الليبي من أصل موريتاني سيحاسب عليها النظام الليبي الذي أعلن ذلك المصفق ولاءه المطلق له؟ أم ستحاسب عليها الدولة الموريتانية التي كان من المفترض أن يكون ولاء ذلك المصفق خالصا لها؟
للتوضيح أكثر، لنفترض جدلا أن الأخ القائد طلب ـ وطلباته أوامر حسب الكارتل ـ من أحد " القيادات " السياسية التي بايعته وأعلنت له الولاء المطلق أن يفجر إحدى طائرات سويسرا الكافرة. ولنفترض جدلا بأن ذلك "القيادي" نجح في تلك المهمة الجهادية. فهل أن سويسرا ستطالب النظام الموريتاني تسليم مدبر العملية للعدالة الدولية؟ أم أنها ستطالب النظام الليبي ؟ وهل ستتحمل الخزينة الموريتانية التعويض لأسر الضحايا أم أن الخزينة الليبية هي التي ستتحمل ذلك؟ وهل أن المجموعة الدولية ستفرض حصارا دوليا على موريتانيا أم على ليبيا ؟
أبشروا فلن يحدث شيء من ذلك، فالقائد قد يعلن في المستقبل القريب أن سويسرا لم تعد دولة كافرة، لا لأنها قد سمحت ببناء مآذن للمساجد، بل لأنها لم تعد تضايق أبناء الزعيم و أعوانه والذين كانت مضايقتهم هي السبب المباشر في إعلان كفرها.
3 ـ يعتبر المصفق الموريتاني غير جريء على الاستثمار في القطاعات البكر ولكنه في المقابل معروف بالقدرة الهائلة على المنافسة في كل مجال مربح يتم اكتشافه. ولذلك قد يشهد قطاع تصدير التصفيق ـ بعد "نجاح" أول عملية تصدير كبيرة ـ منافسة محمومة في المستقبل القريب، الشيء الذي يستدعي من المؤسسات الاقتصادية المحلية إعداد دليل للأسواق الدولية الأكثر استهلاكا للتصفيق الخام وذلك حتى لا يخسر بعض مصدري التصفيق الموريتاني.
وهذا الدليل في غاية الأهمية لأن بعض المصفقين "الوطنيين" قد يفكر في تصدير التصفيق إلى " التبت" مثلا، دون أن يعلموا بأن ذلك قد يسبب لهم مشاكل جمة. فالتبت يستخدمون التصفيق لطرد الأرواح الشريرة . وهذا هو الذي جعلهم يصطفون ويستقبلون المستعمر البريطاني بالتصفيق الحار، وهو تصفيق فسره البريطانيون ـ في البداية ـ بأنه للترحيب بهم، قبل أن يكتشفوا بعد ذلك بأنه كان لطرد أرواحهم الشريرة.
4 ـ لقد أصبح من الملح أن تهتم رئاسة الجمهورية بقطاع التصفيق الذي عاش كسادا غير مسبوق بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة نتيجة لعدم تعيين مصفقين كبار و نتيجة لتجريد مصفقين كبار آخرين. ونتيجة كذلك لغلق أبواب الإعلام الرسمي أمام مبادرات التأييد والمساندة للمصفقين الداعمين والمؤيدين والمناصرين لرئيس الفقراء.
إن عدم فتح قنوات رسمية لاستهلاك الناتج اليومي من التصفيق سيؤدي إلى هجرة أدمغة التصفيق إلى دول أخرى وستليها في مرحلة لاحقة الأدمغة الصغيرة وكل الأيادي والأرجل المصفقة التي ليست لها أدمغة. ستشهد البلاد هجرات واسعة إذا ظل التصفيق المحلي لا يجد نظاما يستهلكه، ويعوض عنه، ويدفع بكرم لكل تصفيقة وهي ما زالت طازجة.وإذا استمر الحال كما هو فقد نتحول إلى بلد بلا مصفق (عفوا بلا مواطن).
تصبحون بأيادي تبني وتعمر.. بدل أن تصفق فتدمر..

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الخميس، 25 مارس 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية .... رسالة رقم 7


سيدي الرئيس، إنه لمن المؤسف حقا أن يكون قصر المؤتمرات للجمهورية الإسلامية الموريتانية ـ المزود بكل التجهيزات اللازمة ـ بلا مسجد يصلى فيه المؤتمرون، خاصة أن هذا القصر هو المرفق العام الوحيد الذي يمكن له أن يحتضن المؤتمرات والندوات والملتقيات الكبيرة.
واللافت للانتباه هو أن القصر يقع على مساحة كبيرة جدا مما يعني أن هناك أمكنة كثيرة في ساحة القصر يمكن أن يشيد عليها بيتا لله في قصر المؤتمرات.
لقد تذكرت هذا الموضوع ـ من جديد ـ عندما رأيت المؤتمرين وهم يصلون في العراء وذلك أثناء حضور الندوة المتميزة التي نظمتها جمعية " المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم " والتي حضرها الكثير من علماء المسلمين والذين ربما يكون قد فوجئ بعضهم بأن " الشناقطة الجدد " الذين عُرِفوا بالعلم وبالدعوة قد فاتهم أن يشيدوا مسجدا في هذا المرفق الهام.
سيدي الرئيس، لم أكن أفكر في الوقت الحالي في كتابة رسالة مفتوحة جديدة ولكن رؤية الناس وهم يصلون تحت العراء ذكرني بهذا المطلب الملح الشيء الذي جعلني أكتب لكم هذه الرسالة المختصرة جدا ـ عكس الرسائل السابقة ـ للتذكير بضرورة تشييد هذا المسجد.
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة الثامنة إن شاء الله..
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 مارس 2010

السفينة التائهة / قصة قصيرة


مر نصف قرن تقريبا والسفينة تتقاذفها الأمواج العاتية.. كان الركاب مع فجر كل يوم جديد يعتقدون أن الفرج قادم لا محالة.. ولكنهم سرعان ما كانوا يُصدمون عندما يكتشفون أن اليوم الجديد أشد قسوة من الأمس..
وكان في السفينة راكب حكيم ..كان يردد دائما : ستقولون بأن يومكم سيء.. وستقولون بأنه أسوأ يوم .. ولكن عندما يأتي الغد ستشتاقون للأمس.. وستكتشفون أن الأمس كان يوما سعيدا.. فثقوب الشراع تزداد يوما بعد يوم .. وحماس الركاب في إحداث الثقوب يكبر يوما بعد يوم ..إنه الشيء الوحيد الذي يكبر في هذه السفينة التائهة منذ خمسين عاما..
وكان في السفينة قلة قليلة جدا.. تتوارث المقاعد الفاخرة كابرا عن كابر.. أما أغلبية الركاب فكانت تتصارع على مقاعد متهالكة.. تتوارثها صاغرا عن صاغر.. وكان دائما بإمكان أحد الركاب العامة أن يتبوأ مقعدا فاخرا.. بشرط أن يكذب.. وينافق ..ويتزلف ..لكي يرضي الربان وأعوانه .. وبشرط أن يدوس أثناء صعوده على جثث العشرات من عامة الركاب ..
وكانت في السفينة شاشة بائسة.. شاحبة.. تافهة .. يطل منها حكواتي عجيب يعد الركاب بغد أفضل .. و يبشرهم بأن الشاطئ أصبح قريبا جدا .. وأن السفينة سترسو قريبا على بر الأمان...
كان الحكواتي لا يمل من تكرار تلك البشرى .. وكان حماسه يزداد كلما تغلب قبطان على قبطان ..فقد كانت تلك هي فرصته الوحيدة لسب وشتم وقذف القبطان السابق الذي طالما مدحه .. والذي كاد أن يغرق السفينة نهائيا لولا تدخل القبطان المنقذ المصحح للمسار.. والمتصدي لقوى الظلام بالحديد والنار.. والموصل السفينة ـ إن شاء الله ـ إلى بر الأمان .. بعد أيام معدودات ..
كان الشاطئ يقترب ويبتعد في وقت واحد.. كان يقترب مع قدوم كل قبطان جديد.. وإن كان في حقيقته يبتعد.. ولكن ذلك الابتعاد لا يكشفه الحكواتي لعامة الركاب إلا بعد أن يصبح القبطان الجديد قبطانا سابقا...
وكان في البحر قراصنة شداد.. يتربصون بالسفينة وبركابها.. وقد ازداد تهديهم للسفينة في الأعوام الأخيرة من رحلة التيه هذه .. لدرجة أنهم استطاعوا في بداية العام الخمسين أن يقتحموا السفينة مرتين .. وأن يختطفوا منها ركابا أجانب للحصول على فدية كبيرة..
كثرت الخروق والثقوب في السفينة المتهالكة .. كان بعضها بفعل الرصاص الطائش للقراصنة الإرهابيين ..وكان كثير منها بفعل ركابها.. وبالأخص الأكابر ذوي الشوكة.. والذين لم يعد لهم من شغل ـ منذ العام الثامن عشر من انطلاق السفينة ـ إلا الصراع على قيادة السفينة.. والانفراد بما تدر من عائدات...
لقد قاد السفينة ثمانية قبطان.. اثنان منهم مسالمان .. أما الستة الباقون فهم من ذوي الشوكة وأولي البأس .. كان القبطان الثامن آخرهم ، وقد جاء في العام الثامن والأربعين.. في اليوم السادس من الشهر الثامن .. وكان ذلك في صبيحة يوم أربعاء.. يوم السعد لكل من يفكر بالاستيلاء على زمرة قيادة السفينة..وكان الشهر الثامن هو شهر الحظ..
كادت السفينة أن تنقلب وتغرق نهائيا في ذلك العام المخيف لو لم يتفق ركابها الأكابر لفض الخلاف حول هوية الربان من خلال الاحتكام إلى رأي عامة الركاب..
وكان ما كان.. واختار الركاب القبطان .. ومرت ثمانية أشهر من الزمان .. وقال منافسو القبطان بأن الأوضاع لم تتحسن .. بل أنها زادت سوءا..
حدث في السفينة هرج كبير ومرج مما أثار حفيظة القبطان الذي اكتشف أن الحكواتي لم يعد قادرا على التلبيس على الركاب.. بأن الشاطئ قريب .. وأن الفرج آت بلا ريب .. وقرر القبطان الجديد أن يحول كل من في السفينة من الأعوان إلى حكواتي يقنع الأنصار والخصوم .. بأن اليوم أحسن من الأمس.. وبأن غدا سيكون أفضل من اليوم ... لقد غضب القبطان الجديد كثيرا على أنصاره عندما علم أن الركاب أصبحوا يميلون للاستماع أكثر للخصوم الذين كانوا يُحَدِّثونهم ـ بتشاؤم كبير ـ عن قرب حدوث الكارثة..
وماجت السفينة موجا .. حين تراءت في الأفق نذر عاصفة هوجاء .. والتفت راكب بلا مقعد إلى جاره وقال : لا أدري إن كانت الأوضاع قد ازدادت سوءا في الأشهر الثمانية الأخيرة أم لا ..من المؤكد أن الكثير من الركاب يعتقد بأنها زادت سوءا .. قد يكون ذلك بفعل فشل دعاية أنصار القبطان الجديد ..وقد يكون بفعل نجاح دعاية خصومه .. وقد تكون الأوضاع قد ساءت بالفعل..حقيقة لا أدري.
ومع اقتراب العاصفة بدأ الجميع يستشعر الخطر القادم .. وضرورة الحوار والتشاور مما جعل القبطان وأنصاره يدعون خصومهم لحوار "بناء".. من أجل إنقاذ السفينة وركابها .. أما الخصوم فكانوا يدعون إلى حوار "صادق" و"هادئ" ..كان كل طرف يدعو إلى الحوار ويقول بأن خصمه يرفض ذلك الحوار..
وكانت هناك عائلات لا هي إلى هؤلاء.. ولا هي إلى أولئك .. دعت إحداها إلى حوار " ناصح" .. وربما تكون تلك الدعوة هي الدعوة الوحيدة الجادة..
قال الراكب الحكيم مخاطبا بقية الركاب : يا قوم.. إن ما تسمعون من دعوات للحوار إنما هي دعوات غير صادقة.. والدليل على ذلك أن كل طرف لا يدعو الطرف الآخر للحوار إلا بعد أن يُسْمِعَهُ الكثير من السب.. والشتم.. والتخوين .. هل سمعتم محاورا يسب ويشتم خصمه.. ثم يدعوه بعد ذلك للحوار؟
ولو كان القبطان جادا في الحوار لعاقب سفيره في السفينة المجاورة الذي رفض استقبال رئيس مجلس شورى سفينتنا التائهة .. ومن الغريب أن مجلس الشورى الذي تمت إهانته لم يتحدث عن الموضوع .. باستثناء نائب واحد من عائلة رئيس المجلس .. وكم كان من "الجميل" أن يُسْكَبَ " مداد قلم" للتنديد بذلك...
ولو كان خصوم القبطان أيضا يريدون الحوار لما ظلوا يشترطون التحقيق فيما حدث منذ ثمانية أشهر .. إنه شرط غير بريء ..فهم لم يصدقوا ما حدث منذ ثمانية أشهر وهم يتقاسمون قيادة السفينة مع خصومهم .. فكيف سيصدقون نتائج تحقيق سيجري في وقت لا يشاركون فيه في قيادة السفينة..
ولقد كان الأجدر بهم أن ينظروا إلى المستقبل .. وأن يشترطواـ بدلا من التحقيق في النتائج ـ إصلاح مجلس القضاء بالسفينة وجعله مستقلا .. أو إسكات الحكواتي وعدم احتكار الشاشة.. أو السماح لكل الركاب بالمساهمة في كل ما من شأنه إيصال السفينة إلى بر الأمان ..
وقال راكب أحمق : إنهم لا يريدون الحوار بسبب الحقد .. فالقبطان وأنصاره يتمنون أن تغرق السفينة من مؤخرتها حتى يتمتعوا برؤية خصومهم وهم يغرقون.. أما خصوم القبطان فهم يعتقدون بأن أول ما سيغرق من السفينة هو زمرة القيادة .. لذلك فبالنسبة لهم سيكون الغرق ممتعا لأنه سيأتي بعد غرق القبطان وأنصاره..
إنهم يعلمون أنهم لو تعاونوا فإنهم سينجون جميعا .. وهو ما سيحرم بعضهم من التلذذ والتمتع برؤية البعض الآخر وهو يغرق..سكت الراكب الأحمق قليلا ثم قال : بالنسبة لي ليست لي في هذه الدنيا إلا أمنية واحدة.. وهي أن تغرق السفينة .. وأن أبقى حيا حتي أشاهد كل أولئك يغرقون.. سيكون ممتعا أن أغرق بعد أن أكون قد تمتعت برؤية الأكابر وهم يغرقون جميعا..
كانت أحوال السفينة غريبة .. وكان أحوال ركابها أكثر غرابة ..كل واحد منهم يخرق السفينة ويلوم الآخر .. العامة تُحْدِثُ ثقوبا صغيرة ولكنها كثيرة.. والخاصة يحدثون فجوات كبيرة.. الماء بدأ يدخل في السفينة من كل الجهات .. الكل يلوم الكل .. ولا أحد يلوم نفسه .. ولا أحد يتوقف عن خرق السفينة .. البعض مشغول باللغة التي سيصرخ بها طلبا للنجدة .. بعضهم يصر على أن تكون آخر كلمات يلفظها قبل غرقه هي كلمات أجنبية.. البعض الآخر يدعو ليل نهار إلى الفتنة ..
قال راكب بلا مقعد : ربما يكون الموت بالفتنة.. أرحم من الموت بالغرق..
اختفى الحوت من البحر.. جاع الركاب وعطش الكثير منهم .. رغم أن الماء بدأ يزحف داخل السفينة .. وتوقف الراكب الحكيم لأول مرة منذ خمسين عاما عن سد الثقوب .. لقد بدأ يشعر باليأس..عندما ابتل ثوبه لأول مرة ..
تمتم بكلمات مرتعشة وقال : إن أغلب ركاب هذه السفينة قوم مجانين إنهم غارقون ..غارقون لا محالة .. ولكن من يدري .. فربما يخرج من أصلابهم عقلاء راشدون..
تصبحون على الشاطئ ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الأربعاء، 3 مارس 2010

طلاسم قرار دستوري


ذكَّرني القرار الأخير للمجلس الدستوري بقباء مشهور للشاعر العباسي بشار بن برد، كما ذكرني المجلس الدستوري نفسه بالخياط الذي خاط ذلك القباء وهو الخياط الذي لا زال حتى يومنا هذا يشكل لغزا مثيرا، فلا أحد يعرف إن كان بارعا أم لا ؟ ولا أحد يعرف إن كان القباء جميلا أم رديئا؟ لا أحد يعرف، إلا الخياط الذي خاط القباء أو الشاعر الذي لبسه، ولقد كان الشاعر أعمى ولم يتمكن من رؤية القباء، أما الخياط فقد كان أعور له عين سليمة وأخرى طافية.
لا فرق بين خياط بشار والمجلس الدستوري، فالمجلس الدستوري يصعب الحكم عليه كما يصعب الحكم على الخياط. وللمجلس عين سليمة قرأ بها الطعن الذي قدمه نواب المعارضة حول دستورية قانون الإرهاب. وله عين أخرى غير سليمة جعلته يوم التنصيب يبدل كلمة انقلاب بكلمة تصحيح وذلك أثناء قراءة أحد أعضائه لسيرة رئيس الجمهورية المنتخب. ومن الطريف هنا أنه لا يوجد حرف واحد مشترك بين الكلمتين يبرر ذلك الخلط العجيب أثناء قراءة سيرة الرئيس.
وبغض النظر عن موقفنا مما حدث يوم السادس من أغسطس فسيبقى الاستيلاء على السلطة بالقوة في كل اللغات يسمى انقلابا. ومن المخجل أن يسميه مجلسا دستوريا بغير ذلك، هذا لا يعني أنه لا يجوز لنا أن نختلف حول ذلك الانقلاب وما إذا كان قد شكل حلا ضروريا لا مفر منه أم لا ؟ والحقيقة أنه لا يمكن إعطاء إجابة قاطعة على ذلك السؤال. كما أنه لا يمكن إعطاء إجابة حاسمة على السؤال الذي طرحه بشار منذ مئات السنين عن خياطه وهو سؤال سأختتم به هذا المقال. فإن استطعتم أن تعرفوا حقيقة خياط بشار فإنكم لا محالة ستعرفون حقيقة المجلس الدستوري.وإن استطعتم أن تعرفوا حقيقة القباء فإنكم لا محالة ستعرفون حقيقة موريتانيا في طبعتها الجديدة المصححة في السادس من أغسطس والمنقحة في الانتخابات الرئاسية الماضية.
لقد رحبت المعارضة بالقرار الأخير للمجلس الدستوري رغم أنه في حقيقته الخافية شكل طعنة قاسية لها. وانتقدته الأغلبية متجاهلة بأنه أعطى مصداقية كبيرة للديمقراطية وللأغلبية الحاكمة، حتى ولو جاء ذلك على حساب تمرير القانون الذي روجت له تلك الأغلبية كثيرا.
سيسبب القرار في المستقبل القريب ارتباكا كبيرا للمعارضة وسيجعلها غير قادرة على أن تردد وبالحماس نفسه أغنيتها الساخرة التي تشكك في شرعية النظام الحالي وفي دستورية رفض الطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ستجد المعارضة نفسها وقد أُجبرت على أن تكون معارضة دستورية وعلى أن تتعامل مع المؤسسات الدستورية القائمة ، بل إنها قد تضطر للدفاع عن المجلس الدستوري لمواجهة الانتقادات التي بدأت توجهها الأغلبية لذلك المجلس. سيكون في ذلك شيء من الغرابة، وسيكون فيه شيء من الإثارة، وربما يساهم ذلك كله في التخفيف من الرتابة التي أصبحنا نعيشها بعد أن خفت حدة الحرب على الفساد, وبعد أن توقف ـ تقريبا ـ التجريد من المهام في الاجتماعات الأسبوعية للحكومة.
من المؤكد أن قرار المجلس الأخير كان انتصارا للديمقراطية. ومن المؤكد أيضا أن المعارضة سيكون بإمكانها دائما أن تحقق أشياء مهمة إذا ما تعاملت بذكاء مع الواقع بدلا من التشكيك والتوقف عند نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية.
ومن المؤكد أيضا أن الأغلبية الغاضبة حاليا من قرار المجلس الدستوري أصبحت اليوم تملك أول دليل مادي على أن موريتانيا في طبعتها الجديدة قد تختلف عن موريتانيا في طبعاتها القديمة.
نظر المواطن العادي إلى القرار الأخير بكثير من الريبة والحيرة لأنه لم يتعود الاستقلالية في عمل المؤسسات. بعضهم اعتبر أن الأمر كله مجرد تمثيلية وبأن هناك أوامر عليا من رئيس الجمهورية هي التي جعلت المجلس يتخذ ذلك القرار المثير.
وربما يكون قرار المجلس الدستوري قد جاء كردة فعل للتكفير عن ذنوب سابقة بما فيها إبدال كلمة الانقلاب بكلمة تصحيح. وهو ـ أي القرارـ من هذه الزاوية قد يتشابه كثيرا مع الأذان الذي رفعه ذات يوم بشار بن برد وهو سكران.
لقد كان بشار يمشى وهو سكران وفجأة أخبروه بأن الخليفة قادم فما كان منه إلا أن رفع صوته بالأذان في وقت لا صلاة فيه لكي يخفي أنه سكران. لقد كان أذان بشار دليلا على سكره وسببا في قتله.
تتشابه موريتانيا في طبعتها الجديدة مع قباء بشار بن برد الذي لا أحد يعرف حقيقته فربما يكون ذلك القباء قمة في الروعة، وربما يكون قمة في الرداءة. لا أحد يستطيع أن يحسم ذلك الخلاف.
لا فرق إذن بين موريتانيا الجديدة وقباء بشار الذي خاطه عمرو الخياط الأعور، ونحن لا زلنا غير قادرين على الحكم على موريتانيا الجديدة كعجزنا عن الحكم على قباء بشار وعلى الخياط الذي قال عنه بشار:
خاط لي عمرو قباء +++++ ليــــت عينيه سواء
فسل الناس جميعا +++++ أمديــــــــح أم هجاء
تصبحون على مجلس دستوري بعينين سليمتين
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

إلى السفير الأمريكي في موريتانيا


هذه رسالة مفتوحة كتبتها بعد تنصيب باراك أوبوما رئيسا للولايات المتحدة قررت أن أعيد نشرها ـ بدون أي تغيير ـ للمشاركة في الحوار الدائر عبر الأقمار الصناعية بعد مرور عام على تنصيب أوبوما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ..

عاجل .....إلي باراك حسين أوباما
رئيس الولايات المتحدة الأمريكية

" جرأة أمل "
لقد وجدت من الضروري أن أكتب لكم هذه الرسالة المفتوحة وذلك بعد أن تابعت ـ مثلي مثل مئات الملايين من المسلمين ـ حفل تنصيبكم وخطاب التنصيب الذي ألقيتموه في هذا الحفل ، وهو خطاب كان بمثابة "جرعة أمل" لا تقل أهمية عن تلك الجرعة التي تولدت في نفوس الملايين من المظلومين والمستضعفين بعد فوزكم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية .
بدءا أرجو أن تسمحوا لي باستخدام عنوان كتابكم " جرأة أمل " ـ الذي يؤسفني أني لم أطالعه حتى الآن ـ كعنوان لهذه الرسالة وذلك لأني لم أجد ما أعنونها به أفضل من ذلك العنوان ، وأنا أتمني فعلا أن تكون سنواتكم الأربع أو الثمانية القادمة "جرعة أمل " لكل شعوب الأرض يكون فيها لكل إنسان ـ أي إنسان ـ الحق في أن يعيش كريما حرا آمنا يحترمه الآخر ويحترم هو الآخر .
ولأن قدرنا ـ شئنا ذلك أم أبينا ـ أن نعيش معا علي هذا الكوكب ، فإنه يتحتم علينا جميعا أن نبحث عن أفضل السبل للعيش الكريم لنا ولأجيالنا القادمة وذلك حتى لا تغرق بنا السفينة التي تعددت الثقوب فيها والتي يؤسفنا أن نقول إن أكثر الثقوب وأكبرها وأقدمها يوجد في عالمنا العربي والإسلامي وأن سياسة بلدكم الخارجية لم تزل تؤدي إلي خرق السفينة في أماكن عديدة من عالمنا الإسلامي .
وأنا لست هنا بحاجة لأن أقول لكم بأنه عندما تغرق السفينة فلن يكون وقتها هناك فرق بين من كان مقعده فاخرا مثلكم أو من كان مقعده متواضعا مثلنا أو من يراد له أن لا يكون له أصلا مقعد في هذه السفينة كالشعب الفلسطيني المظلوم منذ عقود من الزمن.
سأحدثكم بصدق وبصراحة قد لا يحدثكم بها غيري ، وستجدون في هذه الرسالة مشاعر و أفكارا" خاما " لمسلم بسيط عادي قد تكون هي أفضل تعبير عن ما يدور في أذهان مئات الملايين من شعوب عالمنا الإسلامي ، كما أني سأقتصر في هذه الرسالة علي ما يهمني بشكل مباشر ـ كمسلم ـ من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وإن كنت لا أستطيع أن أنكر بأن كل ما يحدث في بلدكم ينعكس بدرجة أو بأخرى علي حياتي اليومية لذلك فأنا أتمني لكم النجاح في تجاوز الأزمة المالية التي تسبب فيها بلدكم نتيجة الجشع وعدم المسؤولية كما قلتم في خطاب التنصيب والتي تنعكس آثارها السلبية علي العالم كله.
لا أخفيكم بأني لم أعد معجبا بأمتكم العظيمة أمريكا والتي كان من المفترض أن أحترمها لأنها شكلت نموذجا فريدا من نوعه و قدمت للبشرية في القرن الأخير ما لم تقدمه أمة أخري ، كما أن ديني ـ وهذا ما يجب أن تعرفوه ـ هو دين محبة وسلام للإنسانية جمعاء وبالأخص بمن يدين منها بالمسيحية كغالبية شعبكم .
ديننا الإسلامي ـ وهذه حقيقة يؤكدها التاريخ ـ هو الذي جعلنا نستقبل اليهود بصدور رحبة عندما كانت أوربا تخيرهم بين ترك ديانتهم اليهودية أو القتل ،استقبلناهم في الأندلس وعاشوا معنا كما كنا نعيش ، لا فرق ، وبعد هزيمتنا في الأندلس استقبلناهم في الدولة العثمانية وعاشوا أيضا معنا كما كنا نعيش وهو ما أشار إليه أخيرا الرئيس التركي.
في هذه الرسالة قد تجدون جوابا لسؤال طرحه سلفكم عندما سأل ذات مرة وهو يقصد بسؤاله المسلمين: لماذا يكرهوننا ؟ ومع أني أعتقد بأن المنطق كان يفترض أن يوجه المسلمون ـ وهم الضحية دوما ـ نفس السؤال لسلفكم: لماذا تكرهنا ؟
فمن المعروف أن أهم حدث حبس الأنفاس وأثر كثيرا علي العلاقة بيننا وبينكم هو أحداث 11 سبتمبر وذلك عندما قامت مجموعة محدودة بتدمير برجين كانت ردة فعل سلفكم عليها هي احتلال دولتين من العالم الإسلامي رغم أن كل الدول الإسلامية استنكرت وأدانت تلك العمليات بل أن بعضها أيضا كان ضحية لبعض العمليات الإرهابية من نفس المجموعة .
ومما لا يحتاج إلي تأكيد هنا هو أن العراق ليست له ـ قطعا ـ أية علاقة من أي نوع بتلك الأحداث ومع ذلك قُتِلَ من شعبه ما يزيد علي مليون من الأبرياء في حرب قال سلفكم بأنها لمواجهة الإرهاب وهو الذي اعتذر في نهاية حكمه بأنه يأسف ـ وكأن كلمة آسف تكفي ـ لما قام به في العراق لأنه اعتمد علي كذبة من المخابرات الأمريكية قتل بموجبها مليونا وزيادة من العراقيين الأبرياء .
والحقيقة أن هذه الحرب الطائشة لم تشكل خسارة فقط للعراق الذي أدخلته في صراعات طائفية ومذهبية خطيرة أصبحت تهدد أمنه وأمن المنطقة بكاملها ، بل أنها شكلت كارثة علي أمريكا نفسها التي زادت هذه الحرب من أعدائها رغم أنها فقدت في هذه الحرب من جنودها ما يزيد علي ما فقدت في أحداث 11 سبتمبر ، هذا فضلا عن المبالغ الطائلة التي أنفقتها علي هذه الحرب والتي ربما تكون قد ساهمت في حدوث هذه الأزمة المالية التي يعيشها العالم اليوم .
148مليار دولار تنفقها أمريكا سنويا علي حربها في العراق لو أنفقتها في الحرب علي الفقر والجهل والمرض في العالم الإسلامي لكانت صورة أمريكا تختلف تماما عن صورتها الحالية ولما احتاج سلفكم أن يتساءل لماذا تكرهوننا ؟ لأنه وقتها سنواجه نحن أعداء أمريكا بالنيابة عنها لأنهم لن يكونوا ساعتها مجرد أعداء لأمريكا فقط .
لقد ساءت كثيرا سمعة أمريكا خاصة في السنوات الأخيرة ونحن تتمني أن يكون السبب في ذلك مرتبطا بأخطاء تلك الإدارات السابقة لأن شعبكم المتميز يستحق سمعة أفضل من سمعته الحالية فهو الشعب الذي يقدم لنا اليوم هذا الدرس الرائع في الديمقراطية الذي أوصل من خلاله رجلا من أصول إفريقية والده مسلم إلي البيت الأبيض لأنه كان هو المرشح الأفضل رغم أن أباه كان لا يمكن له أن يحصل علي طعام من مطعم محلي كما قلتم في خطاب التنصيب، بل أنه كان ينظر إليه علي أنه لا يشكل إلا ثلاثة أخماس من قيمة الرجل الأبيض .
ومن المؤسف جدا أن هذه النظرة العنصرية التي تفرق بين البشر حسب ألوانهم أو معتقداتهم هي التي ينظر بها صناع القرار في بلدكم لشعوبنا العربية والإسلامية.
لقد أصبح الإنسان العربي المسلم لا يمثل إلا 1% أو 2 % .ـ حسب وجهة نظر سلفكم ـ من قيمة الإنسان اليهودي أو الأمريكي، فأن يموت المئات من الفلسطينيين بسلاح أمريكي فهذا حدث لا يستحق أي اهتمام، أما أن يجرح إسرائيلي واحد فتلك مأساة إنسانية تستحق أقسي أنواع الشجب والتنديد من كل حكومات العالم " المتحضر".
كثيرا ما يستفزني بعض الأمريكيين عندما يتحدث عن "الكلفة المالية " للحرب علي الإرهاب ولا يهتم بالكلفة البشرية لهذه الحرب وأنا هنا أتحدث عن خسارة كل الأطراف بما فيهم آلاف الجنود الأمريكيين وما يزيد علي المليون من العراقيين ، أي أنه لو تمكن الأمريكيون من استعادة ما خسروه من مال لما تحدث هؤلاء عن ضرورة الانسحاب من العراق ووقف هذه الحرب التي شكلت صفحة سوداء في تاريخ بلدكم الذي تكثر فيها الصفحات السوداء ـ علي الأقل ـ إذا كان من يقرأ هذا التاريخ إنسان عربي مسلم بسيط مثلي .
لن أحدثكم في هذه الرسالة عن تلك الصور المؤلمة والقاسية التي يكاد يستحيل أن أنساها (القرآن ـ وهذا هو أقدس شيء عندي كمسلم ـ يمزقه الجندي الأمريكي ، مساجد تدمر ، صور لا تطاق رؤيتها في أبو غريب وكوانتانامو )
لن أحدثكم أيضا في هذه الرسالة عن أحداث "غزة " الأخيرة والتي لا بد أنكم شاهدتموها رغم صمتكم الرهيب الذي لم أقتنع بتبريره وإن كان في كل الأحوال أفضل بكثير من تعليقات سلفكم ووزيرة خارجيته التي كانت لا تخجل من مطالبتها بوقف تهريب السلاح إلي " حماس " كلما تمادت إسرائيل في قتل الشيوخ والنساء ورجال الإسعاف والصحفيين وحتى الأطفال الموجودين في المقرات التابعة للأمم المتحدة والتي لم تسلم حتى في اليوم الذي كان يزور فيه الأمين العام للأمم المتحدة إسرائيل .
لن أحدثكم عن هذه الأمور الشائكة وإن كان يؤلمني حقا أني علي يقين أنه لو حدث العكس ولو بنسبة 1% لكانت ردة الفعل ـ علي أقل تقدير ـ هي التلويح باستخدام البند السابع الذي أصبح لا يهدد به إلا العرب والمسلمون .
لن أحدثكم عن هذه الأمور وإن كنت لا أخفيكم بأن أمنيتي ـ التي يبدو أنها لن تحقق قريبا ـ هي أن أعيش في عالم يستنكر قتل كل نفس بريئة بغض النظر عن جنسيتها وعن دينها ، في عالم عدالته عدالة واحدة وإنسانيته إنسانية واحدة لا تتغير بتغير الضحية ، وديمقراطيته ديمقراطية واحدة يتم احترام نتائجها في أمريكا عندما تنتخب رئيسا أسودا ، مثلما يتم احترام نتائجها في فلسطين عندما يصوت شعبها لحماس .
لن أحدثكم عن هذه الأمور المؤلمة التي تحدث في " غزة " بل سأكتفي هنا بأن أذكر لكم قصة واحدة من مئات القصص التي تحدث يوميا في " الضفة الغربية " والتي يراد لنا أن نصدق بأنها دولة لها سلطة كان من حظ رئيسها أنه كان أول رئيس تتصلون به هاتفيا بعد تنصيبكم .
شاب يسكن في قرية يقرر الزواج بفتاة تسكن في قرية أخري من " الضفة الغربية "، وبعد أن يئس الخطيبان من إمكانية إقامة الحفل في أي من القريتين بفعل الحواجز قررا في الأخير أن يسافرا مع بعض الأقارب والأصدقاء إلي " الأردن " لإقامة حفل الزواج .
هذه هي الدولة الفلسطينية "العظيمة "التي تمخضت عن كل تلك السنوات الطوال من المفاوضات العبثية والتي لم تكن أمريكا فيها وسيطا محايدا.
أيضا وللأسف الشديد يبدو أن هذه السلسلة الطويلة من المفاوضات قد نشهدها في عهدكم لأنه يبدوا أنكم ستتعاملون مع هذه الأزمة المعقدة بنفس الأساليب التي أفرزتها، هذا ما ظهر لنا بعد يومكم الثاني في البيت الأبيض الذي أشدتم فيه بدور بعض الرؤساء العرب وتحدثتم فيه عن أحداث "غزة " وكأنها بفعل زلزال لا يمكن أن تُحََمَّلَ إسرائيل نتائجه ، بل أنكم حاولتم ـ وإن كان بطريقة قد تكون أكثر حياءً وأكثر لباقة من سلفكم ـ أن تحملوا" حماس " مسؤولية ما حدث .
كم هو فظيع أن يتعامل العالم بأسره مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل وكأنها كوارث طبيعية لا مفر منها ، أقصي ما يمكن فعله هو أن يتم إعادة إعمار جزء مما تم تدميره قبل أن تقرر إسرائيل أن تدمره مرة أخري وبشكل أفظع .
قطعا سيكون بالإمكان تقديم "طبعة جديدة " غير مصححة وغير منقحة من مسرحية " أوسلو " أو " أنابولس " مع بعض التعديلات الطفيفة ، وستجدون بالتأكيد من يروج لهذه المسرحية من القادة والزعماء العرب ، سيقبلكم بعضهم ذات اليمين وسيقبلكم بعضهم ذات الشمال وسيرقص معكم البعض الآخر رقصة السيف ،المهم أن لا تشعروهم بأنهم رؤساء صلاحياتهم منتهية وأن لا تجعلوهم يستفيقوا من سكرتهم التي تمنيهم بأن حكمهم دائم أو علي الأقل إلي ورثتهم صائر .
وسيكون بإمكان إسرائيل أن ترتكب حماقات جديدة دون أن تجد من يردعها وسينكشف يوما بعد يوم مدي الإفلاس الذي يعيشه عالمنا اليوم ، وقد يحدث بعد ذلك كله أن يستخدم أحدهم حذاءه للتعبير عن سخطه مما يحدث .
هذا ما قد يحدث داخل "قاعة العرض " ولكن هناك أشياء أخري ستحدث خارج القاعة أعتقد أنه من الضروري أن أحدثكم عنها .
سيزداد وعي الشعوب الإسلامية وستتأكد الغالبية من هذه الشعوب أن القضية الفلسطينية ـ والتي هي بالمناسبة كانت ولم تزل وستبقي قضية العرب والمسلمين الأولي ـ لن تجد حلها عن طريق " الأمم المتحدة " ولا عن طريق مفاوضات القادة العرب بعد أن أصبح السلام هو خيارهم الإستراتيجي ، كما فشلوا سابقا في حلها أيام كانت الحرب مع إسرائيل هي خيارهم الإستراتيجي .
ستزداد قناعة الشعوب بأن المقاومة الشعبية والتضامن معها ونصرتها بشتى الوسائل بما فيها مقاطعة المنتجات الأمريكية هي السبيل الوحيد لمناصرة الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن قضية عادلة لم تجد رغم مرور ستين عاما ـ يوم كان والدكم رحمه الله لا يخدم في المطعم ـ الحد الأدنى من الإنصاف من طرف حكومات العالم "المتحضر " وإن كانت قد وجدت الكثير من التعاطف المتنامي ـ وهذا ما يجب ذكره ـ من طرف العديد من الأحرار في هذا العالم بما فيهم من ناصرها من الشعب الأمريكي .
ربما يكون من المفيد أيضا أن أذكر لكم هنا أني مثلي مثل مئات الملايين من المسلمين أومن إيمانا كاملا بأن من تظلمهم إسرائيل الآن سينتصرون في النهاية ، لا أشك في ذلك ، فالمسلم يؤمن بأن النصر هو وعد إلهي و المهم أن يدافع عن حق وعن قضية عادلة وأن يستخدم كل الوسائل المتاحة أمامه للدفاع عن هذا الحق حتى ولو كانت مجرد حجارة في يد طفل صغير،أو كانت مجرد صواريخ مصنعة تقليديا لا أدري لماذا يرتجف منها العالم " المتحضر " الذي لم يهمس يوما بكلمة أو بإشارة تعبر عن خوفه من السلاح النووي الإسرائيلي ؟
تلك الحقيقة هي ما نفسر به انتصار الشعب اللبناني في جنوب لبنان وانتصار الشعب الفلسطيني في قطاع "غزة " في مواجهة الآلة العسكرية المخيفة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي .
هذه الحقيقة الدينية هي أيضا حقيقة تاريخية ، فالتاريخ يقول بأن من يصر علي الدفاع عن الحق سينتصر في النهاية ، لذلك فنحن نؤمن بأن الشعب الفلسطيني سينتصر في النهاية ونؤمن كذلك بأن كل حماقة جديدة ترتكبها إسرائيل بغطاء أمريكي ستعجل من هذا النصر الحتمي .
ونحن نشعر ـ نحن هنا تعني مئات الملايين من بسطاء المسلمين ـ بأن أمريكا التي لم تكن لديها في الماضي مشكلة في تسديد "الفاتورة " الاقتصادية والسياسية والقانونية والأخلاقية والإعلامية للتغطية علي ظلم وغطرسة إسرائيل ، هي الآن لم تعد قادرة علي ذلك بعد الأزمة المالية وبعد تنامي الوعي العالمي بأن إسرائيل ليست هي الضحية وبعد بروز أقطاب عالمية جديدة لا تتفق إلا علي هدف واحد وهو مشاركة أمريكا في قيادة العالم .
لا أظن بأنه يخفي عليكم دلالة تلك الإشارات العديدة التي أرسلتها الشعوب العربية و الإسلامية من جاكرتا إلي نواكشوط ، كما أنه لن يكون من الحكمة المراهنة علي علاقات " طيبة " مع حفنة من الأمراء والملوك والرؤساء الذين لم تعد لهم أي مصداقية أو شرعية داخل بلدانهم مما ينذر بقرب نهاية دكتاتورياتهم ، فهؤلاء لم تعد تنفعهم شرعية مستوردة من خارج بلدانهم ، فلا تراهنوا عليهم ، وهنا نطلب منكم ـ وهذا طلب ملح ـ أن تتركوا بين هؤلاء القادة وشعوبهم ، لا نطلب منكم التدخل لصالح الشعوب ، كما أننا في المقابل لم نعد نتحمل التدخل لصالح هؤلاء القادة الذين خذلوا شعوبهم كثيرا، يكفي هنا أن نذكر كمثال ما حدث في القمة الأخيرة من أسبوع القمم العربية " المضحكة " ، لن أتحدث عن " غزة " التي خذلوها كثيرا في قمة الرياض وفي قمة شرم الشيخ وفي قمة الكويت وقدموا لها الحد الأدنى في قمة الدوحة بل سأقتصر هنا علي الاقتصاد الذي خُصِصََتْ له قمة الكويت والتي تم الإعداد "الجيد " لها من طرف جامعة عمر موسي ، لقد تحدثوا عن اكتشاف عظيم في قمة الكويت وهو تطبيق تجربة بنجلادش التي تعتمد علي القروض الصغيرة جدا والتي قادها الاقتصادي الكبير محمد يونس في منتصف السبعينات من القرن الماضي !!!
أعذرني، لقد خرجت قليلا عن الموضوع ، فمصائبنا التي يجلبها لنا القادة العرب لا تقل خطورة عن مصائبنا التي تأتينا من بلدكم .
المهم ـ وهذه هي زبدة الرسالة ـ أنه قد أصبح من الملح ومن الضروري لأمريكا أن تراجع علاقاتها مع شعوب أمة المليار وزيادة وهي الشعوب التي ستكون لها الكلمة الفصل في حسم المنافسة القادمة بين الأقطاب الجديدة والقديمة علي قيادة العالم .
وفي ختام هذه الرسالة لا بد أن أعترف ـ وأنا من الذين يقرؤون كثيرا عن بلدكم ـ بأن لأمريكا وجها آخر مضيئا جدا يمكن لها أن تقود به العالم من جديد ، كما أنه لا بد لي من أن أعترف أيضا بأني أحترم كثيرا ذكاءكم وطريقتكم الإبداعية في التفكير وهذا بالضبط هو ما جعلني لا أهتم بتلك الحقيقة التي تتردد كثيرا الآن ، وهي أن الرئيس الجديد لأمريكا لا يمكن له أن يحدث تغييرا جذريا في السياسة الخارجية حتى ولو كان يرغب بشكل جاد في إحداث ذلك التغيير، لأن صناعة القرار في أمريكا تتحكم فيها مؤسسات ولوبيات وقوي ومصالح متشعبة ومعقدة جدا .
تلك حقيقة لا أنكرها ، ولكن هناك حقيقة أخري لا أستطيع أن أنكرها أيضا، وهي أن أمريكا تعيش اليوم ـ وهذه زبدة الزبدة ـ لحظة حرجة من تاريخها وهي تحتاج وبشكل عاجل إلي أن تُحْْقَنَ بــ "جرعة أمل " جديدة تمكنها من أن تحافظ علي مركزها العالمي .
فهل سيبدع المحامي الذكي جدا طريقة ما يتمكن من خلالها من حقن " جرعة الأمل" للبلد الذي اختاره لأن يكون خلفا لأسوأ رئيس عرفته أمريكا ؟
هذا سؤال يهم الجواب عليه الكثير من شعوب العالم خاصة منه شعوب العالم العربي والإسلامي .
محمد الأمين بن الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولي " للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Elvadel @gmail.comhttp://www.autodev.org/

الاثنين، 22 فبراير 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية ... وللقصة بقية


سيدي الرئيس، لنستمع معا في بداية هذه الرسالة المفتوحة إلى أنين مهندس زراعي عاطل عن العمل : " أنا مهندس زراعي حاصل على شهادة مهندس منذ ثلاث سنوات، ولي ثلاث أخوة كل واحد منهم يحمل شهادة جامعية. نحن الأربعة لم نجد عملا مما جعلني أضطر لأن أهاجر إلى "غامبيا" لمزاولة أعمال لا أحب الحديث عنها. لم أكن أحب أن أهاجر لأني لا أحب الغربة عن الوطن. سنوات الدراسة التي هي أحلى سنوات العمر لم تكن بالنسبة لي كذلك، لأني كنت مرغما فيها على السفر طلبا للعلم. لقد أنفق والدي كل ما يملك - وهو قليل أصلا- من أجل أن أحصل أنا وإخوتي على شهادات جامعية. واليوم لم تعد أسرتنا تملك شيئا سوى أربعة من العاطلين عن العمل، لهم شهادات عالية، تحول بينهم وبين مزاولة الأعمال اليدوية. لقد اضطررت للخروج من هذا البلد - حتى لا أقول طردت- وذلك بعد أن أصبحت غير قادر على البقاء في أسرة فيها شيخ كبير، أصيب بمرض مزمن لا يجد من بين أولاده الأربعة من يستطيع أن يوفر له ثمن الدواء. لقد تركت البلد مرغما لأني أنا الأكبر، ولأنه كان لابد لهذا الشيخ الكبير من الدواء......
سيدي الرئيس، أنا لا اطلب منكم سوى أن تجمعوا بيني وبين أبي الشيخ الكبير، ولا سبيل إلى ذلك سوى بتوفير وظيفة واحدة لي أو لواحد من إخوتي الثلاثة.
فهل سأعود إلى أبي الشيخ، أم أنه سيرحل عن هذه الدنيا دون أن أراه؟" كان هذا مقطع من رسالتي السابعة من سلسلة الرسائل الثلاثين التي كتبتها للرئيس السابق، وهو مقطع وجدت أنه من المناسب أن أبدأ به رسالتي السادسة إليكم.
رحل الشيخ عن الدنيا، ورحل آباء آخرون، ولم يعد المهندس إلى الوطن، وهاجر حملة شهادات آخرون، هاجروا من بلد نصيب الفرد فيه من الثروة الطبيعية يفوق بكثير نصيب الفرد في تلك الدول المهاجر إليها. مات الشيخ، ولم يعد الابن، ولم تكتمل القصة التي لابد أن تفتح من جديد، على صعيد آخر، في عالم آخر، وفي يوم عصيب، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس. لن تكون هناك مكيفات، وسيلجم العرق كثيرا من الخلق، وسيتمنى أهل النار أن يلقى بهم في النار نظرا لهول ذلك اليوم.أجارنا الله وإياكم من النار وأظلنا تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
كثيرة هي قصص المعاناة التي ستفتح في ذلك اليوم العصيب، وكثير هم الموريتانيون الذين سيطالبون بحقوقهم كاملة غير منقوصة، لن تكون هناك أغلبية تطبل لكم، يا سيادة الرئيس، كما طبلت لمن قبلكم، وكما ستطبل لمن يأتي من بعدكم. ولن تكون الصحافة الرسمية قادرة ـ في ذلك اليوم ـ على تزييف الحقائق، كما زيفتها لمن سبقكم، وكما ستزيفها لمن سيأتي بعدكم. لن يكون هناك حرس، وسيكون التسديد بالحسنات، وسيأخذ كل ذي حق حقه.
ومن بين من ستقابلهم في ذلك اليوم العصيب ـ يا سيادة الرئيس ـ عشرات الآلاف من حملة الشهادات العاطلين العمل الذين عانوا كثيرا، وظُلِموا كثيرا، وتجاهل همومهم الجميع. وستكون لكل واحد منهم قصة لم تكتمل.
وبعيدا عن تزييف الإعلام الرسمي، وبوصفي واحدا من أصحاب "الخبرة" الطويلة في البطالة، فقد وجدت من اللازم أن أحدثكم بصراحة وبصدق عن معاناة و مآسي العاطلين عن العمل، مع تقديم بعض الاقتراحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية للتخفيف من تلك المعاناة.
في البداية أشكركم على تمديد سن الاكتتاب الذي كان مطلبا ملحا للعاطلين عن العمل، كما أشكركم على اكتتاب المئات من حملة الشهادات. تلك هي الأشياء الإيجابية التي تحققت في عهدكم لصالح العاطلين عن العمل. ولكن في المقابل حدث تراجع كبير لدور وكالة تشغيل الشباب التي أصبحت غائبة تماما منذ السادس من أغسطس، ولم يسجل لها أي عمل ميداني، خاصة في مجال تمويل المشاريع.
ومن المفارقات التي يمكن تسجيلها هنا أن هذه الوكالة قد استطاعت أن تقدم تمويلات هامة للكثير من العاطلين عن العمل، وبمبالغ معتبرة، وبطرق شفافة، قبل الثالث من أغسطس من عام 2005. وقد كان المعيار وقتها الذي يتم عليه الاختيار هو أقدمية التخرج. كما أن ذلك العهد شهد عمليات اكتتاب واسعة لحملة الشهادات، في محو الأمية ودور الكتاب وفي السياحة وفي المخابز وفي أنشطة خاصة أخرى. ولقد وفرت تلك الفرص متوسط دخل يقدر ب 30.000 أوقية للشهر، استفاد منه المئات إن لم أقل الآلاف من حملة الشهادات. أما بعد الثالث من أغسطس فقد تراجع كثيرا حجم التمويلات، وتراجعت الشفافية في اختيار المشاريع، كما تراجع عدد المكتتبين من حملة الشهادات وتم فصل المئات منهم.
بعد السادس من أغسطس غابت الوكالة تماما، ولم تعد تقوم بأي نشاط ميداني للحد من معاناة العاطلين عن العمل، ولتلافي ذلك النقص الكبير فإنني أقترح ما يلي:
1 ـ بما أن خزينة الدولة كانت توفر ما يزيد على خمسة آلاف راتب لموظفين أشباح، أغلبهم لا يحتاج لتلك الرواتب، فإني أقترح أن تُحول تلك المبالغ إلى إعانات اجتماعية لصالح أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، بحيث يقسم كل راتب إلى إعانتين، أو ثلاث،على المتخرجين الذين لم يحصلوا على وظيفة وذلك للتخفيف من معاناتهم كما يحدث في بعض البلدان.
2 ـ بما أن الحكومة قد قررت تأسيس شركة للنقل العمومي، وبما أن جمهورية إيران الإسلامية قد وعدت ب500 سيارة و250 حافلة، فإني أقترح بأن تخصص تلك السيارات لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، بمعدل سيارة لكل حامل شهادة، وحافلة لكل عشرة عاطلين، وهو ما سيسمح بدمج 3000 حامل شهادة. يؤسس المستفيدون شركة للنقل ينتخب لها مجلس إدارة من حملة الشهادات وتقدم لها الدولة الدعم اللازم في مقابل أن تلتزم الشركة بتنفيذ سياسة الدولة في مجال النقل العمومي. يمكن تعميق هذا الاقتراح من خلال إشراك الخبراء في دراسة هذه الفكرة . أما إنشاء شركة للنقل تابعة للحكومة فلن يكون بالفكرة السليمة، لأنها ستنهار سريعا نظرا لصعوبة تسيير شركة من هذا النوع، وهي في النهاية ستشكل عبئا إضافيا على الدولة، كما هو حال شركة الكهرباء و شركة الماء و شركة الغاز أو كما هو الحال بالنسبة للخطوط الجوية الموريتانية.
ويجب أن تعطى الأولوية للأسر التي تضم أكثر من عاطل عن العمل، كما هو حال أسرة المهندس الزراعي الذي سمعنا شيئا من أنينه في بداية هذه الرسالة. فقد أدت أساليب الاكتتاب المعتمدة على الرشوة والوساطة والمحسوبية إلى تركيز البطالة في الأسر الفقيرة، وذلك بعد أن احتكرت الأسر الغنية الوظائف القليلة المتاحة. وهذا الإجراء يمكن تنفيذه عمليا من خلال العودة للمسجلين في الوكالة.
3 ـ لقد شكلت استقبالاتكم في القصر الرئاسي لممثلي الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية ولممثلي الصحافة والأئمة وغيرهم، سابقة تذكر فتشكر. ولقد كان الغائب الأكبر عن تلك الاستقبالات هم حملة الشهادات العاطلين، رغم أن معاناتهم أشد من معاناة غيرهم. ورغم أنهم أولى من غيرهم بتلك اللقاءات، حتى يسمع شيء من أنينهم بشكل مباشر، وهم خير من يعبر عنه. لقد تم تجاهل معاناة العاطلين عن العمل من طرف الجميع ( حكومة، أحزابا، صحافة، مجتمعا مدنيا ...) كما أن الظروف المادية والنفسية الصعبة التي يعاني منها حملة الشهادات، وقلة الوسائل المتاحة لهم، وسلبية البعض منهم، كل ذلك ساهم في تجاهل همومهم.
وفيما يخص فئة المتقاعدين، فإني سأكتفي في هذه الرسالة بالتذكير باقتراح هام تم تقديمه في البرلمان، ولم يطبق حتى الآن، وهو اقتراح يطالب بإلزام شركات الحراسة العاملة في البلد بضرورة اكتتاب المتقاعدين من الجيش كحراس، بدلا من اكتتاب الأجانب.
أما فيما يخص محاربة الفقر، وتشغيل العاطلين عن العمل من غير ذوي الشهادات، فإنه يمكن أن أتحدث هنا عن اقتراحين هامين في هذا المجال: أولهما تم تقديمه سابقا، وبشكل تفصيلي، في الرسالة المفتوحة الثالثة، وهو يتعلق باستخدام القمامة كمصدر للدخل في الأوساط الأكثر فقرا. وهذا الاقتراح قد أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل، بعد الفشل البين للشركة الفرنسية في تنظيف العاصمة التي أصبحت نظافتها مسألة هامة، بعد أن تم اختيارها لتكون بمشاركة غيرها، عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011.
أما الاقتراح الثاني فهو يتعلق بعمل ميداني قدمه مركز "الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية لكل الوزارات والقطاعات ذات الصلة. ولقد اطلع على ذلك الاقتراح وبشكل ميداني، مدير الشؤون الاجتماعية بمفوضية حقوق الإنسان، ومدير التكوين بوكالة تشغيل الشباب، ومديرة الأسرة ...إلخ
لقد حاول المركز وبعد سلسلة من الدراسات أن يساهم في محاربة الفقر من خلال برنامج تدريبي رائد، يسعى لأن يتغلب على بعض نواقص التكوين المهني والحرفي المعتمد في البلاد.
لقد قام المركز بتصنيف بعض المهن والحرف الصغيرة جدا والتي لا زال يحتكرها الأجانب، ثم بعد ذلك أطلق برنامجا مجانيا للتثقيف الحرفي في تلك المهن، ويمتاز ذلك البرنامج بالخصائص التالية:
1ـ أن تكون مدة التدريب قصيرة جدا لا تتجاوز الشهر، وأن تكون كلفته زهيدة حتى يمكن للمركز أن يدرب أكبر عدد ممكن.
2 ـ أن يتم التدريب بوسائل وبآلات بسيطة جدا، يمكن للمتدرب أن يوفرها بعد انتهاء فترة التدريب. فمن أخطاء التكوين المهني المعتمد أنه يدرب على آلات معقدة وباهظة لا يمكن للمتدرب أن يوفرها.
3ـ يستفيد المتدرب من دورة مبسطة في تسيير المشاريع الصغيرة، فتعلم حرفة لا يكفي وحده لإطلاق مشروع ناجح.
4 ـ تم التركيز على المنتسبين لصناديق الادخار وذلك لأنهم أحوج من غيرهم للتدريب على مهنة مربحة يمكن لهم أن يمارسوها إذا ما حصلوا على قروض صغيرة.
5 ـ تم التركيز على المشاريع الصغيرة جدا والتي يمكن إطلاقها من المنزل " مشاريع من المنزل".
لقد استطاع المركز بوسائل ذاتية متواضعة جدا، وبتضحيات كبيرة، أن يقدم دورات متميزة في صناعة الحلويات. ولقد تم التدريب على أفران قادرة على إنتاج كميات تجارية، وبجودة عالية جدا، وهي أفران مصنعة محليا، ومتوفرة في السوق بأسعار تتراوح بين 50000 أوقية إلى 60000 أوقية.
لقد حاولنا في المركز أن يتم تقديم تلك الدورات عن طريق التلفزيون حتى تعم الاستفادة على أكبر قدر ممكن. كما حاولنا بعد ذلك ومع وزير الإعلام الحالي أن يسمح لنا التلفزيون أن نقدم برنامجا على شكل دورات في التنمية البشرية وهو ما فشلنا أيضا فيه.
وللقصة بقية.. وإلى الرسالة السابعة إن شاء الله.. وفقكم الله لما فيه خير البلد.

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 فبراير 2010

أسئلة على الطاولة


يبدو أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن كبير في هذا البلد، ويبدو أننا سنشاهد كثيرا تلك الطاولة في بيت الشعوذة المرئي (التلفزيون). وسنسمع عنها كثيرا في بيت الشعوذة المسموع (الإذاعة). وسنقرأ عنها في بيت الشعوذة المقروء (يومية الشعب). وربما نسمع قريبا من يدعو إلى إبدال النجمة في العلم الوطني بطاولة مدرسية، أو إبدال الهلال بمقعد دراسي (مذكر الطاولة). وربما يبدع أحد شعرائنا قصيدة رائعة عن الطاولة تكون بديلا لكلمات نشيدنا الوطني الذي يبدو أن كلماته ـ بالنسبة للبعض ـ قد شاخت كثيرا.
ومن يدري فربما تتفتق مواهب فنانينا عن أغنية للطاولة؟ كما تفتقت مواهبهم ذات يوم عن أغنية الكتاب، في زمن عز الكتاب، الذي بزغ نجمه على حساب أفران المصلحة بعد أن تآمر الجميع عليها، ولم يعد أحد يتحدث عنها، رغم أنها كانت في يوم من الأيام هي الشغل الشاغل لكثير من أهل هذا البلد بنخبهم وعامتهم.
ولأن عاصمتنا التي تم اختيارها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، لا تحوي من المعالم الثقافية إلا معلمة الكتاب، التي تم تشييدها في وسط "كارفور مدريد". ولأننا لم نعد نعيش في العهد البائد، عهد الكتاب، فإننا اليوم بحاجة ماسة لأن يتطوع أحد رجال أعمالنا بهدم تلك المعلمة، وإبدالها بصفوف متراصة من الطاولات المدرسية الكبيرة التي يمكن رؤيتها من مكان بعيد، وذلك لكي تكون الطاولة المدرسية هي أول شيء يشاهده زائر عاصمة الثقافية الإسلامية لعام 2011.
ونحن اليوم بحاجة ماسة لجمع التبرعات، من أجل تصنيع الطاولات، كما تبرعنا في الماضي للكتاب. ونحن بحاجة لأن نُحَوِّل المخابز ـ لا أتحدث إلا عن المخابز ـ إلى معامل لتصنيع الطاولات. ونحن بحاجة أيضا إلى تحويل وزارة التكوين المهني إلى وزارة للطاولة المدرسية، حتى نحقق وعد الرئيس، ونوفر مقعدا دراسيا لكل تلميذ، ثم بعد ذلك نفكر في توفير طاولة لكل موريتاني، ثم بعد ذلك يمكن لنا أن نفكر في توفير ثلاث طاولات لكل موريتاني، طاولة يولد عليها، وثانية يعيش عليها، وثالثة يموت عليها.
وسيتحول بيت الشعوذة المرئي في الأيام القادمة إلى طاولة منوعة، وستنظم طاولات مستديرة وأخرى مستطيلة عن الطاولة المدرسية. سنتعرف على آخر أخبار الطاولات والمقاعد في الأعماق، وسنسمع الرأي الطبي عن خطورة عدم الجلوس على الطاولة المدرسية، وستنظم لقاءات خاصة ومنتديات عن الطاولة، وسيتمتع المشاهد بعناصر وتقارير عجيبة وغريبة عن الطاولة المدرسية وعن المقعد الدراسي.
إنه عهد الطاولة المدرسية الذي ستستعيد فيه كل طاولات البلد ومقاعده المدرسية المكانة اللائقة ، وهو عهد يمكن التأريخ له مع الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية للثانوية التجارية، مباشرة بعد عودته من إيران. لا أدري ما العلاقة بين إيران والطاولة ؟ وإذا كان فيكم من يعرف شيئا في التراث الفارسي يمجد الطاولة المدرسية المصنعة في الثانوية التجارية الإيرانية فليغثنا به.
لقد كانت الضربة القاضية التي شكلت السقوط الحقيقي لدولة الكتاب، هي قرار الحكومة بإغلاق جميع دور الكتاب، ودفن كل الكتب الموجودة في البلد ـ بطريقة استفزازية ـ في مخازن الحالة المدنية.
لم يكن الكتاب محظوظا في هذا البلد، لقد ولد في وزارة الداخلية، وعاش في دور الكتاب السيئة الصيت، ومات عندما تم اختيار نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية، ثم دفن في مخازن الحالة المدنية.
بالمختصر المفيد، لقد انهارت دولة الكتاب، كما انهارت قبل ذلك دولة أفران المصلحة، وهانحن اليوم نشهد ميلاد دولة الطاولة المدرسية والتي من أبرز سماتها أنها دولة ذات ثلاثة أوجه : وجه يُشَرِّع نقدها للمعارضة، ووجه ثان يشرع مدحها للموالاة، ووجه ثالث يربك كل الموريتانيين الذين ليسوا من المعارضة ولا من الموالاة ، لأنهم في حيرة من أمرهم. فهم لا يعرفون إن كان عليهم أن ينتقدوا هذه الدولة التي حدثت فيها أخطاء شنيعة، لم يعرفوها من قبل، أم يمدحوها لأنها تحققت فيها أشياء لم تكن تخطر لهم على بال؟
فمن حق المعارضة أن تصف دولة الطاولة بأنها دولة دكتاتورية لأنها ترفض محاورة شريكها الأساسي أي المعارضة، ولأنها تسجن وتغرم الصحافة المستقلة. ومن حق الموالاة أن تصفها بأنها جمهورية حوار وتشاور، فهي تحاورت مع الشباب ومع الناقلين، ومع العلماء، وحتى مع السجناء الذي لم يكن أحد يتخيل أن تتم محاورتهم.
ومن حق الفئة الثالثة أن تحتار لأنها لا تستطيع أن تجزم بدكتاتورية الحكم، ولا تستطيع أن تجزم كذلك برغبته بشكل جدي في الحوار والتشاور.
ومن حق المعارضة أن تصف هذا الحكم بأنه لا يشجع العلم، لأنه تعامل مع الكتاب بشكل غير لائق. ومن حق الأغلبية أن تدعي بأن هذه الحكومة تشجع العلم، لأنها أول حكومة تلتزم بمقعد لكل تلميذ. ومن حقنا نحن أهل الفئة الثالثة أن نحتار لأننا لا نعرف إن كان هذا النظام يشجع العلم أم لا؟
ومن حق المعارضة أن تقول بأننا نعيش في فساد كبير بعد أن تم تعيين كبار المفسدين، في وظائف حساسة. وبعد أن تمت تعيينات، وترقيات، وتوشيحات كثيرة، لا يمكن القول بأنه قد تمت فيها مراعاة الاستقامة والنزاهة . ومن حق الأغلبية أن تقول بأننا نعيش أول حرب جدية ضد الفساد. والدليل هو تجريد الكثير من المفسدين، وتجفيف الكثير من منابع الفساد، من خلال تحديد علاوات السكن، والنقل، وعدم تحمل تسديد فواتير الكهرباء، والماء، والبنزين، وإيقاف السيارات الحكومية. ومن حق الرأي الثالث أن يحتار لأنه لا يستطيع أن يجزم بأن الحكومة جادة في محاربتها للفساد، ولا يستطيع كذلك أن يقول بأنها ليست جادة في حربها على الفساد.
ومن حق المعارضة أن تقول بأن علاقاتنا الخارجية ليست بخير، وبأن دبلوماسيتنا وقعت في أخطاء كثيرة، من بينها ترك الحياد في قضية شائكة. ومن حق الموالاة أن تقول بأن البلد قد حقق انتصارا كبيرا بطرده لسفير العدو الصهيوني، وباستعادته لعلاقات طبيعية مع كل المحاور، مما سينعكس على البلد إيجابيا. ومن حق أهل الفريق الثالث أن يحتاروا من هذه الخلطة العجيبة التي جمعتها دبلوماسيتنا، وهل ستتمكن من استخدامها في مصلحة البلد؟ أم أن تلك الخلطة لن يكون بالإمكان ابتلاعها بشكل سلس وستنعكس سلبا علينا.
الشيء المؤكد ـ وهذه ليست نبوءة ـ هو أن أمور هذا البلد ستتحسن كثيرا في المستقبل القريب، أو تسوء كثيرا، لن تكون هناك حالة وسطى، وهذا هو الجديد في جمهورية الطاولة المدرسية. وسيكون عمر تلك الحيرة ـ التي نعاني منها الآن ـ قصيرا جدا. فمن خصال رئيسنا الحالي أن له قدرة كبيرة على تجسيد أفكاره ميدانيا. وتلك الميزة رفع بها قادة دولا كثيرة، ودمر بها قادة آخرون دولا كثيرة أخرى، والأمثلة لا حصر لها. والمشكلة هنا هي أننا لا نعرف ـ بالضبط ـ ما يفكر به الرئيس. ويتساوى الجميع في ذلك، يتساوى البعيد مع القريب، والأمي مع المتعلم، ويتساوى المعارض مع الموالي، ويتساوى العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال، مع كل مستشاري رئيس الجمهورية ومقربيه. فنحن جميعا حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية، نخبا وعامة، لم نكن نعلم أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن مذكور إلا بعد أن علمنا وفي وقت واحد بزيارة الرئيس للثانوية التجارية.
والدليل على هذا الكلام، هو أنه لو علم أي واحد من الموريتانيين، أو الموريتانيات، بأن الرئيس سيرفع من شأن الطاولة المدرسية لشهدتم رجالا يتحولون إلى مقاعد مدرسية أمام الثانوية التجارية، ولشهدتم ـ كذلك ـ نساء يتحولن إلى طاولات مدرسية.
والرئيس ـ وهذه معضلة قديمة جديدة ـ ليست لديه أغلبية تفكر معه وتوجهه وتنصحه، وتحول بينه وبين أخطاء القرار الفردي. إن الأغلبية الداعمة للرئيس الحالي لا تختلف عن الأغلبية الداعمة للرؤساء السابقين، إنها أغلبية تصفق إلى أبعد الحدود لمن يحكم، وتدير ظهرها له بشكل عنيف عندما يفقد الحكم. لقد فشلت وساطة الأغلبية في ملف رجال الأعمال. كما أنها فشلت في إطلاق سراح حنفي، رغم توصيتها بذلك في الأيام التشاورية للحكامة. وبالعربي الصريح والفصيح : إن الأغلبية غائبة ميدانيا ـ لا يعني ذلك حضور المعارضة ـ ولا تؤثر على الرئيس إلا كما يؤثر عليه العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال.والرئيس يعلم بأن الأغلبية ليست جادة في وساطتها، و لا في مطلبها بإطلاق سراح الصحفي حنفي. وهو يعلم كذلك بأنه عندما يرفض طلبا أجمعت عليه أغلبيته، فإن ذلك لن يتسبب في أي شيء، أقول أي شيء.
وهنا سأطرح أسئلة على الطاولة وسأترك الإجابة عليها لكل من يريد الإجابة، وخطوط الاتصال ستبقى مفتوحة لكل من يريد أن يقول كلاما ينسجم مع التوجهات النيرة والتعليمات السامية.
هل من الأفضل أن نحاسب الصحافة المستقلة على "صغائرها" أم نحاسب الصحافة الرسمية على " كبائرها"؟ ألم تتوقف خدمة التعليقات التي كان ينتقد بها البعض موقع تقدمي؟ وفي المقابل ألم تتراجع بيوت الشعوذة كثيرا إلى الوراء؟ أليس التلفزيون أسوأ اليوم من التلفزيون في العهد المؤتمن والذي كان فيه التلفزيون أسوأ مما كان عليه في المرحلة الانتقالية الأولى؟ ألم يطرد التلفزيون كل أوجهه المتميزة؟ ألا تتحكم فيه اليوم وفي كل برامجه الأساسية نفس الأوجه التي عرفناها وهي تشغل الناس ببرامج السمنة وأفران المصلحة وكتب الطبخ؟ وهل أن حنفي هو الصحفي الذي أضر بأخلاق هذا البلد؟ وهل أنه هو الذي علمنا النفاق والتزلف لكل حكام هذا البلد؟ وهل هو من كان يمارس الشعوذة ليقنعنا بأن الجحيم الذي عشناه كان جنانا عظيمة ؟ أم أنه هو الذي كان يكتب حروفا من النار تحرق جنان بيوت الشعوذة، سواء المرئي منها أم المسموع أو المقروء؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يأتينا بعجائز يقلن بأن الرئيس حقق كل أحلامهن الدنيوية ولم يعد لديهن ما يطلبنه إلا أمور الآخرة. وأستغفر الله من هذا الكلام ؟ وهل أن حنفي هو الذي بشر الموريتانيين بأن الأمية سيقضى عليها في ستة أشهر؟ وهل أنه هو الذي استضاف صاحب منظمة غير حكومية وعدت بتنفيذ تلك البشرى ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا أن يكذب كذبة تمتد في الآفاق وأن يقول بأن دفتر ولده هو دفتره؟ وأن يقول بأن كل ما في ذلك الدفتر من كلمات قد خطها بيمينه في فصل محو الأمية الذي لا يعرف أين يقع ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول لنا بأن النساء الأميات المنخرطات في تعاونيات ريفية نائية يسوقن منتجاتهن عن طريق الانترنت ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يبشر الجوعى بأنه لن يجوع جائع في غرب إفريقيا بعد حصاد العشب الذي أنبته الله على هذه الأرض وصوره وقدمه بيت الشعوذة المرئي على أنه أرز؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن الانجازات الكبرى في العهود "المباركة" حتى يخيل لكل فقير في غرب إفريقيا بأنه سيصبح غنيا، وحتى يخيل لكل حالم في شمال إفريقيا بأن كل أحلامه ستتحقق؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من حامل الشهادة الذي يشتغل في مؤسسة كبيرة أن يكذب ويدعي بأنه مالك تلك المؤسسة وأنه أنشأها بمبادرة شخصية بعد تخرجه من الجامعة؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن القمامة نعمة كبرى لأنها مؤشر على الطفرة الاستهلاكية التي عرفها البلد في العهد "المبارك" ؟ وهل أن حنفي هو الذي شغل الجوعى بالحديث عن السمنة حتى يتناسوا الجوع والفقر والجهل والمرض؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يعتبر كل عهد عهدا مباركا ما دام يحكم، ويعتبره عهدا مشؤوما بعد الدقيقة الأولى من إذاعة البيان الأول؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن عمال البلد هم أكثر عمال العالم حظوظا لأن أجورهم تزداد دون أن يحتاجوا للإضرابات ؟ وهل أن حنفي هو الذي لم يستطع أن يكتشف خطأ واحدا لمعاوية خلال عقدين من الحكم مليئة بالأخطاء ؟ وهل أن حنفي هو الذي حُجبَت عنه كل أخطاء معاوية حتى صبيحة الثالث من أغسطس ؟ وهل أن حنفي لم يتحدث عن " الموبقات " الكبرى للرئيس المؤتمن إلا بعد الدقيقة السادسة من الساعة السادسة من صبيحة السادس من أغسطس؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يشجع الناس على الكذب والنفاق والتزلف والتصفيق بالأيادي والأرجل لكل سلاطين البد؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي وهو يمدح الرئيس معاوية بنفس الكلمات التي مدح بها الرئيس أعل والرئيس سيدي ؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده يصف الرئيس السابق سيدي بأقبح الأوصاف بعد سقوطه، تماما كما فعل قبل ذلك مع الرئيس أعل وكما فعل مع الرئيس معاوية؟ وهل أن حنفي هو ذلك الشخص الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي في عهد ولد الطايع ولا نزال نشاهده حتى أيامنا هذه، يتكلم بنفس اللغة وبنفس الأسلوب وبنفس العقلية التي أضرت كثيرا بهذا البلد ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن كل معارض وكأنه خطر كبير ومخلوق عجيب ليس في قلبه مثقال ذرة من وطنية ؟ وهل أن حنفي هو الذي أهان زعيم المعارضة الدستورية منذ أشهر قليلة ؟ لا أدري لماذا لا تكون المعارضة ذكية ولو لمرة واحدة وتشكو بدورها ممن أهانها وأساء إليها من باب إزعاج القضاء وإحراجه على الأقل.
إذا كان حنفي قد فعل تلك الأشياء فإنه قد أضر كثيرا بأخلاق البلد، ولذلك فإننا نستنكر ونشجب ونندد ونستغرب ذلك الحكم المخفف الذي حكم عليه به القاضي، ونطالب بمحاكمته للمرة الثالثة والحكم عليه بالمؤبد مع الأعمال الشاقة..
أما إذا كان حنفي قد وهب قلمه المبدع لمواجهة من كان يقوم بذلك، فإنه يستحق شيئا آخر غير سجن كان قدره أن لا يزوره ـ ولو بشكل عابر ـ من أفسد أخلاق هذا البلد حقا.
تصبحون على قليل من الحياء...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.comwww .autodev.org

الأحد، 7 فبراير 2010

الانقلاب "الأسمر"


في البداية أعتذر للقراء عن استخدام كلمات من قبيل " البيظان" و" لحراطين " و" لكور".. إنها كلمات لا أحب استخدامها ولكن فرضتها طبيعة المقال.
لقد تزايدت وبشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة المقالات والتصريحات والمواقف الصادرة عن جهات عديدة من " الجيل الثاني والثالث" لحركة الحر. وهي مواقف وتصريحات قد تشكل تمهيدا لصياغة البيان الأول للانقلاب الذي أصبحت كل الدلائل تشير إلى تفكير البعض في القيام به. وسواء نجح ذلك الانقلاب على القادة المؤسسين للحركة أو فشل فإنه قد أصبح من الضروري أن يتم توسيع النقاش الدائر حول هموم الشريحة المظلومة ليشارك فيه الجميع، باعتبار أن معاناة تلك الشريحة هي معاناة وطن بكامله بكل شرائحه وأعراقه، أو هكذا يجب أن تكون.
ومن المؤسف حقا أن كل ما يطفو على السطح حتى الآن من مقالات ومقالات مضادة، أو من تصريحات وتصريحات مضادة، لا يخدم إطلاقا معاناة تلك الشريحة. فالبعض للأسف الشديد لا يزال يتجاهل ويرفض أن يسمع أنين المستضعفين من تلك الشريحة، أما البعض الآخر فإنه يعمل جاهدا لكي يُحَوِّل ذلك الأنين إلى سلعة يمكن تسويقها في الدوائر الغربية وفق مواصفات ومقاييس الجودة الأوروبية، مقابل عائد مادي لا يستفيد منه إلا مُصَدِّر تلك السلعة..
لقد صرح أحد "المناضلين الجدد" في لحظة "صفاء" لصديق له بأن القسوة التي يتحدث بها عن " البيظان " إنما هي قسوة من أجل كسب قوته، وأنه في أعماقه يحب " البيظان " خاصة منهم أولئك الذين لم يتخلوا عن ممارسة الرق لأنهم يوفرون له مصدر رزق لا ينفد !!! هكذا رد ذلك "المناضل" عندما انتقده صديقه على قسوته على" البيظان".
وتلك واحدة من مآسي هذا البلد، فغالبية نخبنا مجرد سماسرة وتجار. والأمر هنا لا يقتصر على شريحة دون أخرى، وإن كانت المتاجرة بهموم " لحراطين " أكثر رواجا من المتاجرة بهموم الشرائح الأخرى، لأن معاناتهم أشد عمقا من معاناة غيرهم.
إن من يهتم حقا بهذه الشريحة المظلومة عليه ـ حسب اعتقادي ـ أن يأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
1ـ إن الزعيم "مسعود" سيبقى أعظم هبة قدمتها موريتانيا لحركة الحر، كما أنه سيبقى ـ في المقابل ـ أعظم هبة قدمتها حركة الحر لموريتانيا .. لذلك فإنه لا يجوز لحركة الحر أن تحتكره وتحرم موريتانيا منه . كما أنه لا يجوز لموريتانيا أن تحتكره وتحرم الحركة من زعيمها المؤسس.
2ـ إن خبرة الزعيم "مسعود" وتضحياته الكبيرة التي قدمها في وقت كانت تصعب فيه التضحية تؤهله أكثر من غيره لأن يحدد متطلبات المرحلة ويرسم مسار النضال الذي يجب أن يُسْلَكَ من أجل تجاوز مخلفات الاسترقاق. وعندما يحدد الزعيم "مسعود" رؤية معينة فإنه لا يجوز للغير أن يشكك في تلك الرؤية ويبدلها بمشروع تصادمي ستكون نتائجه مدمرة وكارثية على الوطن كله.
3 ـ لقد استطاع الزعيم "مسعود" بحكمته المعهودة، أن يشكل تحالفا بين الحر والناصريين. وهو تحالف استفادت منه حركة الحر، كما استفاد منه الناصريون، بل أن ذلك التحالف تعدت آثاره الإيجابية حزب التحالف.
وبالرغم من أننا كنا نتوقع أن ذلك التحالف سيمتد ليشمل حركات وتنظيمات وأحزاب أخرى، خدمة للشريحة، وخدمة للوطن كله، فإذا بنا نفاجأ بخطابات وبيانات تصادمية تأتي من متطرفي التنظيمين المكونين للتحالف الشعبي التقدمي.
4 ـ إن مغازلة اليهود والتقرب من الغرب ونعت الرئيس السوداني بأشنع الأوصاف لا يخدم " لحراطين " في أي شيء. ولقد أثبتت سنوات التطبيع البائسة بأن أبناء هذه الشريحة كانوا هم الأكثر نفورا وبعدا من اليهود. لذلك فإن هذه الشريحة لن يستطيع أن يقودها إلا من كان يعتز بدينه وبكرامته وبهويته.. ولقد أثبت التاريخ بأن " لحراطين " حتى ولو تعرضوا للظلم من الأخوة فذلك لن يكون سببا في أن تتولد لديهم عقدة من هويتهم وانتمائهم لهذا البلد.
5ـ إن التهجم على الشرائح الأخرى، وعلى العلماء، وعلى رموز هذا البلد، لا يخدم إلا أعداء هذا البلد. وعلينا أن نتذكر دائما بأن من علماء هذا البلد من قدم خدمات جليلة في تعليم أبناء شريحة لحراطين التي يعتبر الجهل و الفقر من أعظم التحديات التي تواجهها.
ولقد استطاع الأستاذ الجليل "محمد ولد سيدي يحي" أن يلعب دورا كبيرا في مجال تعزيز الوحدة الوطنية، من خلال دروسه ومحاضراته التي استفاد منها الكثير من أبناء هذه الشريحة. لدرجة أنه أصبح من بين تلاميذه من ينشر العلم داخل أوساط الشريحة، ويؤم المصلين، ويعظ بشكل رائع جدا، كما هو حال إمامنا في مسجد الحي.
ومن المؤسف أنه لا أحد يعترف بشكل رسمي أو شعبي لذلك الداعية بجهده الكبير الذي يقوم به. وهنا لا أتحدث عن دوره الدعوي والوعظي ، بل عن دوره في تقليص الفوارق بين الشرائح في مجال العلم.
6 ـ في المقابل لا أحد يستطيع أن ينكر بأن هناك عدم تحمس لدى البعض في محاربة بقايا ومخلفات الاسترقاق، كما أنه لا يمكن للمُنْصِف إلا أن يستغرب بأنه رغم كثرة الأحزاب والمنظمات فلم يزل اكتشاف حالات الاسترقاق في هذا البلد والتنديد بها يقتصر على منظمات قليلة يقودها مناضلون من " لحراطين". لقد أصبح من اللازم والضروري أن تشارك الشرائح الأخرى في التنقيب عن حالات الاسترقاق وكشفها.
7 ـ لقد حاول البعض أن يشكك في جدية دعم " البيظان" للمرشح " مسعود" في الانتخابات الرئاسية الماضية. ورغم قناعتي بأن المرشح " مسعود" يستحق ـ لنضاله ـ أكثر من 16% التي حصل عليها، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأن تلك النسبة كانت تشكل مؤشرا مهما خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة هامة وهي أن المرشح " محمد ولد عبد العزيز" قد اخترق الشعبية التقليدية للمعارضة بخطابه الانتخابي، خاصة في الأوساط الفقيرة، وبالأخص في التجمعات التي يكثر فيها "لحراطين". لذلك فإن وصف "البيظان" الذين شكلوا غالبية شعبية "مسعود" وبذلوا كل ما في وسعهم من أجل نجاحه بالبرابرة والإقطاعيين لا يخدم "لحراطين" بصفة خاصة، ولا يخدم موريتانيا بصفة عامة.
إن من تهمه محاربة الرق ومخلفاته، عليه أن يعمل على تماسك 16% وتوسيعها وتوجيهها في مشاريع سياسية وتنموية لمحاربة الرق، بدلا من تفكيكها من خلال التصريحات المتطرفة، والتصريحات المتطرفة المضادة.
8 ـ لا أحد يستطيع أن ينكر بأن نسبة توظيف لحراطين لا يتناسب ـ إطلاقا ـ مع حجم الشريحة، ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسير ذلك تفسيرا عنصريا لأن نسبة التعلم تلعب دورا هاما وهناك قبائل كثيرة تعاني من نفس الشيء، بالمقارنة مع قبائل أخرى أقل عددا. كما أن عدم تناسب الوظائف مع الحجم العددي يمتد ليشمل شرائح الزنوج فيما بينها، حيث أن هناك شرائح زنجية تحتكر وظائف أكثر من شرائح أخرى هي أكثر عددا.
9 ـ يتحدث البعض عن عنصرية الدولة ويحتج بعدم تطبيق القوانين التي تم وضعها لمحاربة الرق. والحقيقة أن الدولة عاجزة عن تطبيق أي قانون في أي مجال من مجال تدخلاتها، لذلك فالمسألة ليست عنصرية في تطبيق القانون، وإنما هي عجز بنيوي في تطبيق أي قانون.
10ـ ليس من حق أي واحد منا أن يتهجم على شريحة كاملة ويصفها بأبشع الأوصاف. وليس لأي أحد منا الحق في بث الكره والحقد بين مكونات هذا الشعب الطيب بكل أعراقه.
وعلى القائمين على بعض الجرائد والمواقع التي تشارك في نشر ثقافة الكره والحقد ـ والتي كنا نعتقد أنها أكثر مهنية من ذلك ـ أن يعلموا بأن عليهم وزر كل كلمة سوء يبثونها في الآفاق.
11 ـ إن ترسيخ قيم الديمقراطية واستغلال ما تتيحه من هوامش واسعة للعمل السياسي والتنموي سيبقى أفضل وسيلة لمحاربة الرق. أما استغلال ذلك الهامش ـ بشكل سلبي ـ في بث روح التفرقة والتباغض وفي الاستجداء بالخارج فستكون آثاره وخيمة على الجميع، وقد يؤدي ـ لا قدر الله ـ إلى غرق السفينة بكاملها وبما فيها من "حراطين" و"بيظان" و"اكور".
12 ـ إن تنمية الديمقراطية في هذا البلد هي التي ستمكننا من تفكيك بعض العلاقات والروابط التقليدية الجائرة، وإبدالها بمؤسسات مدنية وسياسية قادرة على توجيه الأكثرية الفقيرة لاختيار من يخدم مصالحها، مما سينعكس إيجابا على فقراء هذا البلد ومهمشيه والذين يشكل "لحراطين" ـ بطبيعة الحال ـ غالبيتهم.
13 ـ إن هناك فجوة كبيرة بين الأداء السياسي والأداء التنموي، فالخطاب السياسي بلغ مراحل متقدمة أما الأداء التنموي فهو في انحطاط متنامي. ونحن مجتمع يتقن الكلام والصراخ، وبإمكان كل واحد منا أن يُسِيل وديانا "بعرق لسانه" ولكنه في المقابل لا يستطيع أن يُسيل قطرة عرق واحدة من جبينه في عمل تنموي هادف.
فأين هي الأحزاب وأين هو المجتمع المدني في آدوابة ؟ ولماذا الكل يصرخ ويصرخ بهموم لحراطين ومع ذلك فلا أحد يفكر في أن يفتح فصلا واحدا لمحو الأمية، أو مركزا لمحاربة الفقر لهؤلاء المهمشين والمظلومين؟ فعلينا أن نعلم بأن فتح فصل واحد لمحو الأمية في آدوابة خير من كثير من البيانات ومن الصراخ الذي يصم الآذان. والعبء الأكبر في هذا المجال يقع على أولئك الذين يفتح لهم الغرب خزائنه، ومع ذلك يبخلون على آدوابة بفصل واحد لمحو الأمية.
إن من يهتم بهذه الشريحة حقا عليه أن يهتم أولا بتعليمها وبتوعيتها وبتثقيفها المهني والحرفي وهناك تصور جاهز أعده مركز " الخطوة الأولى " يمكن تقديمه لكل من يهمه الأمر .
تصبحون على وطن لا فوارق فيه ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org