السبت، 27 مارس 2010

مصفقون بلا حدود


يبدو أن السوق المحلي لم يعد قادرا على استهلاك الإنتاج الوطني الكبير من التصفيق الذي تنتجه "النخبة " من خلال تشغيل الأيادي و الأرجل في وقت واحد. وهذا العجز هو الذي جعل البعض يبحث عن أسواق خارجية لتصدير التصفيق الموريتاني الفائض.
ورغم عدم وجود مؤشر دولي لقياس مستوى التصفيق فإنه يمكن القول بأن متوسط إنتاج الفرد الموريتاني من التصفيق يعتبر مرتفعا جدا، بالمقارنة مع متوسط الإنتاج الفردي في الدول الأخرى. وهذا ما يفسر وجود فائض من التصفيق يزيد على حاجة السوق المحلية، رغم أن الطلب المحلي على التصفيق يعتبر مرتفعا جدا بالقياس مع الطلب في الدول المجاورة، حتى وإن كان قد شهد في الفترة الأخيرة كسادا موسميا.
إن "المصفق" الموريتاني ( للدقة سأستخدم كلمة مصفق بدلا من مواطن ) هو مصفق مبدع جدا، وذكي جدا، وقادر دائما على غزو أسواق الدول الأخرى، مرة بالشعوذة و الاحتيال ومرة أخرى بالتصفيق، وذلك بعد أن غدا لا يملك غير ذلك ليصدره للأمم الأخرى. فقد اختفي السمك، وتبخر النفط ، وضاعت الأخلاق والقيم، وزاد مستوى الجشع حتى بلغ مستويات مخيفة.
وبطبيعة الحال فإن تصدير التصفيق الموريتاني قد يساعد على جلب عملات صعبة للنخبة والتي هي بأمس الحاجة إليها لمواجهة الكساد الحالي، خاصة أن التصفيق الموريتاني يعتبر من أجود وأفخر وأغلى أصناف التصفيق المعروفة حتى الآن.
في الأسبوع الماضي قام " كارتل" الأحزاب القومية في البلد بالتعاون مع " الفضيلة " بتصدير تصفيقة هائلة إلى الجماهيرية الليبية تم بموجبها إعلان قيادات " الكارتل" لولائهم المطلق للأخ القائد. إنها تصفيقة "عظمى" تستحق الملاحظات التالية :
1ـ قد تشجع هذه التصفيقة أطرافا أخرى للبحث عن أسواق أخرى يصدرون إليها تصفيقهم "الحار" و"الطازج". ولذلك قد نسمع في المستقبل القريب قيام مجموعات أخرى بالتصفيق للسنغال أو للمغرب أو لمالي أو ... أو..
وربما يشتد التنافس بين مصدري التصفيق لدرجة يختفي فيها التصفيق داخل هذا البلد حتى يصبح بلا مصفق ( أقصد بلا مواطن ) وذلك بعد أن تكون كل الأحزاب والتيارات والقبائل والجهات والشرائح والأعراق قد أعلنت ولاءها بمنح تصفيقها لدول وأنظمة أخرى.
2ـ يطرح تصدير التصفيق إشكالية قانونية عويصة تحتاج لاستشارات في القانون الدولي: فهل أن الأخطاء التي يرتكبها مُصَدِّر التصفيق سيتحملها البلد المصدر للتصفيق أو البلد المستورد له؟ و بعبارة أوضح : هل الأخطاء التي قد يرتكبها مستقبلا المصفق الليبي من أصل موريتاني سيحاسب عليها النظام الليبي الذي أعلن ذلك المصفق ولاءه المطلق له؟ أم ستحاسب عليها الدولة الموريتانية التي كان من المفترض أن يكون ولاء ذلك المصفق خالصا لها؟
للتوضيح أكثر، لنفترض جدلا أن الأخ القائد طلب ـ وطلباته أوامر حسب الكارتل ـ من أحد " القيادات " السياسية التي بايعته وأعلنت له الولاء المطلق أن يفجر إحدى طائرات سويسرا الكافرة. ولنفترض جدلا بأن ذلك "القيادي" نجح في تلك المهمة الجهادية. فهل أن سويسرا ستطالب النظام الموريتاني تسليم مدبر العملية للعدالة الدولية؟ أم أنها ستطالب النظام الليبي ؟ وهل ستتحمل الخزينة الموريتانية التعويض لأسر الضحايا أم أن الخزينة الليبية هي التي ستتحمل ذلك؟ وهل أن المجموعة الدولية ستفرض حصارا دوليا على موريتانيا أم على ليبيا ؟
أبشروا فلن يحدث شيء من ذلك، فالقائد قد يعلن في المستقبل القريب أن سويسرا لم تعد دولة كافرة، لا لأنها قد سمحت ببناء مآذن للمساجد، بل لأنها لم تعد تضايق أبناء الزعيم و أعوانه والذين كانت مضايقتهم هي السبب المباشر في إعلان كفرها.
3 ـ يعتبر المصفق الموريتاني غير جريء على الاستثمار في القطاعات البكر ولكنه في المقابل معروف بالقدرة الهائلة على المنافسة في كل مجال مربح يتم اكتشافه. ولذلك قد يشهد قطاع تصدير التصفيق ـ بعد "نجاح" أول عملية تصدير كبيرة ـ منافسة محمومة في المستقبل القريب، الشيء الذي يستدعي من المؤسسات الاقتصادية المحلية إعداد دليل للأسواق الدولية الأكثر استهلاكا للتصفيق الخام وذلك حتى لا يخسر بعض مصدري التصفيق الموريتاني.
وهذا الدليل في غاية الأهمية لأن بعض المصفقين "الوطنيين" قد يفكر في تصدير التصفيق إلى " التبت" مثلا، دون أن يعلموا بأن ذلك قد يسبب لهم مشاكل جمة. فالتبت يستخدمون التصفيق لطرد الأرواح الشريرة . وهذا هو الذي جعلهم يصطفون ويستقبلون المستعمر البريطاني بالتصفيق الحار، وهو تصفيق فسره البريطانيون ـ في البداية ـ بأنه للترحيب بهم، قبل أن يكتشفوا بعد ذلك بأنه كان لطرد أرواحهم الشريرة.
4 ـ لقد أصبح من الملح أن تهتم رئاسة الجمهورية بقطاع التصفيق الذي عاش كسادا غير مسبوق بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة نتيجة لعدم تعيين مصفقين كبار و نتيجة لتجريد مصفقين كبار آخرين. ونتيجة كذلك لغلق أبواب الإعلام الرسمي أمام مبادرات التأييد والمساندة للمصفقين الداعمين والمؤيدين والمناصرين لرئيس الفقراء.
إن عدم فتح قنوات رسمية لاستهلاك الناتج اليومي من التصفيق سيؤدي إلى هجرة أدمغة التصفيق إلى دول أخرى وستليها في مرحلة لاحقة الأدمغة الصغيرة وكل الأيادي والأرجل المصفقة التي ليست لها أدمغة. ستشهد البلاد هجرات واسعة إذا ظل التصفيق المحلي لا يجد نظاما يستهلكه، ويعوض عنه، ويدفع بكرم لكل تصفيقة وهي ما زالت طازجة.وإذا استمر الحال كما هو فقد نتحول إلى بلد بلا مصفق (عفوا بلا مواطن).
تصبحون بأيادي تبني وتعمر.. بدل أن تصفق فتدمر..

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الخميس، 25 مارس 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية .... رسالة رقم 7


سيدي الرئيس، إنه لمن المؤسف حقا أن يكون قصر المؤتمرات للجمهورية الإسلامية الموريتانية ـ المزود بكل التجهيزات اللازمة ـ بلا مسجد يصلى فيه المؤتمرون، خاصة أن هذا القصر هو المرفق العام الوحيد الذي يمكن له أن يحتضن المؤتمرات والندوات والملتقيات الكبيرة.
واللافت للانتباه هو أن القصر يقع على مساحة كبيرة جدا مما يعني أن هناك أمكنة كثيرة في ساحة القصر يمكن أن يشيد عليها بيتا لله في قصر المؤتمرات.
لقد تذكرت هذا الموضوع ـ من جديد ـ عندما رأيت المؤتمرين وهم يصلون في العراء وذلك أثناء حضور الندوة المتميزة التي نظمتها جمعية " المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم " والتي حضرها الكثير من علماء المسلمين والذين ربما يكون قد فوجئ بعضهم بأن " الشناقطة الجدد " الذين عُرِفوا بالعلم وبالدعوة قد فاتهم أن يشيدوا مسجدا في هذا المرفق الهام.
سيدي الرئيس، لم أكن أفكر في الوقت الحالي في كتابة رسالة مفتوحة جديدة ولكن رؤية الناس وهم يصلون تحت العراء ذكرني بهذا المطلب الملح الشيء الذي جعلني أكتب لكم هذه الرسالة المختصرة جدا ـ عكس الرسائل السابقة ـ للتذكير بضرورة تشييد هذا المسجد.
وفقكم الله لما فيه خير البلد.. وإلى الرسالة الثامنة إن شاء الله..
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 مارس 2010

السفينة التائهة / قصة قصيرة


مر نصف قرن تقريبا والسفينة تتقاذفها الأمواج العاتية.. كان الركاب مع فجر كل يوم جديد يعتقدون أن الفرج قادم لا محالة.. ولكنهم سرعان ما كانوا يُصدمون عندما يكتشفون أن اليوم الجديد أشد قسوة من الأمس..
وكان في السفينة راكب حكيم ..كان يردد دائما : ستقولون بأن يومكم سيء.. وستقولون بأنه أسوأ يوم .. ولكن عندما يأتي الغد ستشتاقون للأمس.. وستكتشفون أن الأمس كان يوما سعيدا.. فثقوب الشراع تزداد يوما بعد يوم .. وحماس الركاب في إحداث الثقوب يكبر يوما بعد يوم ..إنه الشيء الوحيد الذي يكبر في هذه السفينة التائهة منذ خمسين عاما..
وكان في السفينة قلة قليلة جدا.. تتوارث المقاعد الفاخرة كابرا عن كابر.. أما أغلبية الركاب فكانت تتصارع على مقاعد متهالكة.. تتوارثها صاغرا عن صاغر.. وكان دائما بإمكان أحد الركاب العامة أن يتبوأ مقعدا فاخرا.. بشرط أن يكذب.. وينافق ..ويتزلف ..لكي يرضي الربان وأعوانه .. وبشرط أن يدوس أثناء صعوده على جثث العشرات من عامة الركاب ..
وكانت في السفينة شاشة بائسة.. شاحبة.. تافهة .. يطل منها حكواتي عجيب يعد الركاب بغد أفضل .. و يبشرهم بأن الشاطئ أصبح قريبا جدا .. وأن السفينة سترسو قريبا على بر الأمان...
كان الحكواتي لا يمل من تكرار تلك البشرى .. وكان حماسه يزداد كلما تغلب قبطان على قبطان ..فقد كانت تلك هي فرصته الوحيدة لسب وشتم وقذف القبطان السابق الذي طالما مدحه .. والذي كاد أن يغرق السفينة نهائيا لولا تدخل القبطان المنقذ المصحح للمسار.. والمتصدي لقوى الظلام بالحديد والنار.. والموصل السفينة ـ إن شاء الله ـ إلى بر الأمان .. بعد أيام معدودات ..
كان الشاطئ يقترب ويبتعد في وقت واحد.. كان يقترب مع قدوم كل قبطان جديد.. وإن كان في حقيقته يبتعد.. ولكن ذلك الابتعاد لا يكشفه الحكواتي لعامة الركاب إلا بعد أن يصبح القبطان الجديد قبطانا سابقا...
وكان في البحر قراصنة شداد.. يتربصون بالسفينة وبركابها.. وقد ازداد تهديهم للسفينة في الأعوام الأخيرة من رحلة التيه هذه .. لدرجة أنهم استطاعوا في بداية العام الخمسين أن يقتحموا السفينة مرتين .. وأن يختطفوا منها ركابا أجانب للحصول على فدية كبيرة..
كثرت الخروق والثقوب في السفينة المتهالكة .. كان بعضها بفعل الرصاص الطائش للقراصنة الإرهابيين ..وكان كثير منها بفعل ركابها.. وبالأخص الأكابر ذوي الشوكة.. والذين لم يعد لهم من شغل ـ منذ العام الثامن عشر من انطلاق السفينة ـ إلا الصراع على قيادة السفينة.. والانفراد بما تدر من عائدات...
لقد قاد السفينة ثمانية قبطان.. اثنان منهم مسالمان .. أما الستة الباقون فهم من ذوي الشوكة وأولي البأس .. كان القبطان الثامن آخرهم ، وقد جاء في العام الثامن والأربعين.. في اليوم السادس من الشهر الثامن .. وكان ذلك في صبيحة يوم أربعاء.. يوم السعد لكل من يفكر بالاستيلاء على زمرة قيادة السفينة..وكان الشهر الثامن هو شهر الحظ..
كادت السفينة أن تنقلب وتغرق نهائيا في ذلك العام المخيف لو لم يتفق ركابها الأكابر لفض الخلاف حول هوية الربان من خلال الاحتكام إلى رأي عامة الركاب..
وكان ما كان.. واختار الركاب القبطان .. ومرت ثمانية أشهر من الزمان .. وقال منافسو القبطان بأن الأوضاع لم تتحسن .. بل أنها زادت سوءا..
حدث في السفينة هرج كبير ومرج مما أثار حفيظة القبطان الذي اكتشف أن الحكواتي لم يعد قادرا على التلبيس على الركاب.. بأن الشاطئ قريب .. وأن الفرج آت بلا ريب .. وقرر القبطان الجديد أن يحول كل من في السفينة من الأعوان إلى حكواتي يقنع الأنصار والخصوم .. بأن اليوم أحسن من الأمس.. وبأن غدا سيكون أفضل من اليوم ... لقد غضب القبطان الجديد كثيرا على أنصاره عندما علم أن الركاب أصبحوا يميلون للاستماع أكثر للخصوم الذين كانوا يُحَدِّثونهم ـ بتشاؤم كبير ـ عن قرب حدوث الكارثة..
وماجت السفينة موجا .. حين تراءت في الأفق نذر عاصفة هوجاء .. والتفت راكب بلا مقعد إلى جاره وقال : لا أدري إن كانت الأوضاع قد ازدادت سوءا في الأشهر الثمانية الأخيرة أم لا ..من المؤكد أن الكثير من الركاب يعتقد بأنها زادت سوءا .. قد يكون ذلك بفعل فشل دعاية أنصار القبطان الجديد ..وقد يكون بفعل نجاح دعاية خصومه .. وقد تكون الأوضاع قد ساءت بالفعل..حقيقة لا أدري.
ومع اقتراب العاصفة بدأ الجميع يستشعر الخطر القادم .. وضرورة الحوار والتشاور مما جعل القبطان وأنصاره يدعون خصومهم لحوار "بناء".. من أجل إنقاذ السفينة وركابها .. أما الخصوم فكانوا يدعون إلى حوار "صادق" و"هادئ" ..كان كل طرف يدعو إلى الحوار ويقول بأن خصمه يرفض ذلك الحوار..
وكانت هناك عائلات لا هي إلى هؤلاء.. ولا هي إلى أولئك .. دعت إحداها إلى حوار " ناصح" .. وربما تكون تلك الدعوة هي الدعوة الوحيدة الجادة..
قال الراكب الحكيم مخاطبا بقية الركاب : يا قوم.. إن ما تسمعون من دعوات للحوار إنما هي دعوات غير صادقة.. والدليل على ذلك أن كل طرف لا يدعو الطرف الآخر للحوار إلا بعد أن يُسْمِعَهُ الكثير من السب.. والشتم.. والتخوين .. هل سمعتم محاورا يسب ويشتم خصمه.. ثم يدعوه بعد ذلك للحوار؟
ولو كان القبطان جادا في الحوار لعاقب سفيره في السفينة المجاورة الذي رفض استقبال رئيس مجلس شورى سفينتنا التائهة .. ومن الغريب أن مجلس الشورى الذي تمت إهانته لم يتحدث عن الموضوع .. باستثناء نائب واحد من عائلة رئيس المجلس .. وكم كان من "الجميل" أن يُسْكَبَ " مداد قلم" للتنديد بذلك...
ولو كان خصوم القبطان أيضا يريدون الحوار لما ظلوا يشترطون التحقيق فيما حدث منذ ثمانية أشهر .. إنه شرط غير بريء ..فهم لم يصدقوا ما حدث منذ ثمانية أشهر وهم يتقاسمون قيادة السفينة مع خصومهم .. فكيف سيصدقون نتائج تحقيق سيجري في وقت لا يشاركون فيه في قيادة السفينة..
ولقد كان الأجدر بهم أن ينظروا إلى المستقبل .. وأن يشترطواـ بدلا من التحقيق في النتائج ـ إصلاح مجلس القضاء بالسفينة وجعله مستقلا .. أو إسكات الحكواتي وعدم احتكار الشاشة.. أو السماح لكل الركاب بالمساهمة في كل ما من شأنه إيصال السفينة إلى بر الأمان ..
وقال راكب أحمق : إنهم لا يريدون الحوار بسبب الحقد .. فالقبطان وأنصاره يتمنون أن تغرق السفينة من مؤخرتها حتى يتمتعوا برؤية خصومهم وهم يغرقون.. أما خصوم القبطان فهم يعتقدون بأن أول ما سيغرق من السفينة هو زمرة القيادة .. لذلك فبالنسبة لهم سيكون الغرق ممتعا لأنه سيأتي بعد غرق القبطان وأنصاره..
إنهم يعلمون أنهم لو تعاونوا فإنهم سينجون جميعا .. وهو ما سيحرم بعضهم من التلذذ والتمتع برؤية البعض الآخر وهو يغرق..سكت الراكب الأحمق قليلا ثم قال : بالنسبة لي ليست لي في هذه الدنيا إلا أمنية واحدة.. وهي أن تغرق السفينة .. وأن أبقى حيا حتي أشاهد كل أولئك يغرقون.. سيكون ممتعا أن أغرق بعد أن أكون قد تمتعت برؤية الأكابر وهم يغرقون جميعا..
كانت أحوال السفينة غريبة .. وكان أحوال ركابها أكثر غرابة ..كل واحد منهم يخرق السفينة ويلوم الآخر .. العامة تُحْدِثُ ثقوبا صغيرة ولكنها كثيرة.. والخاصة يحدثون فجوات كبيرة.. الماء بدأ يدخل في السفينة من كل الجهات .. الكل يلوم الكل .. ولا أحد يلوم نفسه .. ولا أحد يتوقف عن خرق السفينة .. البعض مشغول باللغة التي سيصرخ بها طلبا للنجدة .. بعضهم يصر على أن تكون آخر كلمات يلفظها قبل غرقه هي كلمات أجنبية.. البعض الآخر يدعو ليل نهار إلى الفتنة ..
قال راكب بلا مقعد : ربما يكون الموت بالفتنة.. أرحم من الموت بالغرق..
اختفى الحوت من البحر.. جاع الركاب وعطش الكثير منهم .. رغم أن الماء بدأ يزحف داخل السفينة .. وتوقف الراكب الحكيم لأول مرة منذ خمسين عاما عن سد الثقوب .. لقد بدأ يشعر باليأس..عندما ابتل ثوبه لأول مرة ..
تمتم بكلمات مرتعشة وقال : إن أغلب ركاب هذه السفينة قوم مجانين إنهم غارقون ..غارقون لا محالة .. ولكن من يدري .. فربما يخرج من أصلابهم عقلاء راشدون..
تصبحون على الشاطئ ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

الأربعاء، 3 مارس 2010

طلاسم قرار دستوري


ذكَّرني القرار الأخير للمجلس الدستوري بقباء مشهور للشاعر العباسي بشار بن برد، كما ذكرني المجلس الدستوري نفسه بالخياط الذي خاط ذلك القباء وهو الخياط الذي لا زال حتى يومنا هذا يشكل لغزا مثيرا، فلا أحد يعرف إن كان بارعا أم لا ؟ ولا أحد يعرف إن كان القباء جميلا أم رديئا؟ لا أحد يعرف، إلا الخياط الذي خاط القباء أو الشاعر الذي لبسه، ولقد كان الشاعر أعمى ولم يتمكن من رؤية القباء، أما الخياط فقد كان أعور له عين سليمة وأخرى طافية.
لا فرق بين خياط بشار والمجلس الدستوري، فالمجلس الدستوري يصعب الحكم عليه كما يصعب الحكم على الخياط. وللمجلس عين سليمة قرأ بها الطعن الذي قدمه نواب المعارضة حول دستورية قانون الإرهاب. وله عين أخرى غير سليمة جعلته يوم التنصيب يبدل كلمة انقلاب بكلمة تصحيح وذلك أثناء قراءة أحد أعضائه لسيرة رئيس الجمهورية المنتخب. ومن الطريف هنا أنه لا يوجد حرف واحد مشترك بين الكلمتين يبرر ذلك الخلط العجيب أثناء قراءة سيرة الرئيس.
وبغض النظر عن موقفنا مما حدث يوم السادس من أغسطس فسيبقى الاستيلاء على السلطة بالقوة في كل اللغات يسمى انقلابا. ومن المخجل أن يسميه مجلسا دستوريا بغير ذلك، هذا لا يعني أنه لا يجوز لنا أن نختلف حول ذلك الانقلاب وما إذا كان قد شكل حلا ضروريا لا مفر منه أم لا ؟ والحقيقة أنه لا يمكن إعطاء إجابة قاطعة على ذلك السؤال. كما أنه لا يمكن إعطاء إجابة حاسمة على السؤال الذي طرحه بشار منذ مئات السنين عن خياطه وهو سؤال سأختتم به هذا المقال. فإن استطعتم أن تعرفوا حقيقة خياط بشار فإنكم لا محالة ستعرفون حقيقة المجلس الدستوري.وإن استطعتم أن تعرفوا حقيقة القباء فإنكم لا محالة ستعرفون حقيقة موريتانيا في طبعتها الجديدة المصححة في السادس من أغسطس والمنقحة في الانتخابات الرئاسية الماضية.
لقد رحبت المعارضة بالقرار الأخير للمجلس الدستوري رغم أنه في حقيقته الخافية شكل طعنة قاسية لها. وانتقدته الأغلبية متجاهلة بأنه أعطى مصداقية كبيرة للديمقراطية وللأغلبية الحاكمة، حتى ولو جاء ذلك على حساب تمرير القانون الذي روجت له تلك الأغلبية كثيرا.
سيسبب القرار في المستقبل القريب ارتباكا كبيرا للمعارضة وسيجعلها غير قادرة على أن تردد وبالحماس نفسه أغنيتها الساخرة التي تشكك في شرعية النظام الحالي وفي دستورية رفض الطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ستجد المعارضة نفسها وقد أُجبرت على أن تكون معارضة دستورية وعلى أن تتعامل مع المؤسسات الدستورية القائمة ، بل إنها قد تضطر للدفاع عن المجلس الدستوري لمواجهة الانتقادات التي بدأت توجهها الأغلبية لذلك المجلس. سيكون في ذلك شيء من الغرابة، وسيكون فيه شيء من الإثارة، وربما يساهم ذلك كله في التخفيف من الرتابة التي أصبحنا نعيشها بعد أن خفت حدة الحرب على الفساد, وبعد أن توقف ـ تقريبا ـ التجريد من المهام في الاجتماعات الأسبوعية للحكومة.
من المؤكد أن قرار المجلس الأخير كان انتصارا للديمقراطية. ومن المؤكد أيضا أن المعارضة سيكون بإمكانها دائما أن تحقق أشياء مهمة إذا ما تعاملت بذكاء مع الواقع بدلا من التشكيك والتوقف عند نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية.
ومن المؤكد أيضا أن الأغلبية الغاضبة حاليا من قرار المجلس الدستوري أصبحت اليوم تملك أول دليل مادي على أن موريتانيا في طبعتها الجديدة قد تختلف عن موريتانيا في طبعاتها القديمة.
نظر المواطن العادي إلى القرار الأخير بكثير من الريبة والحيرة لأنه لم يتعود الاستقلالية في عمل المؤسسات. بعضهم اعتبر أن الأمر كله مجرد تمثيلية وبأن هناك أوامر عليا من رئيس الجمهورية هي التي جعلت المجلس يتخذ ذلك القرار المثير.
وربما يكون قرار المجلس الدستوري قد جاء كردة فعل للتكفير عن ذنوب سابقة بما فيها إبدال كلمة الانقلاب بكلمة تصحيح. وهو ـ أي القرارـ من هذه الزاوية قد يتشابه كثيرا مع الأذان الذي رفعه ذات يوم بشار بن برد وهو سكران.
لقد كان بشار يمشى وهو سكران وفجأة أخبروه بأن الخليفة قادم فما كان منه إلا أن رفع صوته بالأذان في وقت لا صلاة فيه لكي يخفي أنه سكران. لقد كان أذان بشار دليلا على سكره وسببا في قتله.
تتشابه موريتانيا في طبعتها الجديدة مع قباء بشار بن برد الذي لا أحد يعرف حقيقته فربما يكون ذلك القباء قمة في الروعة، وربما يكون قمة في الرداءة. لا أحد يستطيع أن يحسم ذلك الخلاف.
لا فرق إذن بين موريتانيا الجديدة وقباء بشار الذي خاطه عمرو الخياط الأعور، ونحن لا زلنا غير قادرين على الحكم على موريتانيا الجديدة كعجزنا عن الحكم على قباء بشار وعلى الخياط الذي قال عنه بشار:
خاط لي عمرو قباء +++++ ليــــت عينيه سواء
فسل الناس جميعا +++++ أمديــــــــح أم هجاء
تصبحون على مجلس دستوري بعينين سليمتين
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

إلى السفير الأمريكي في موريتانيا


هذه رسالة مفتوحة كتبتها بعد تنصيب باراك أوبوما رئيسا للولايات المتحدة قررت أن أعيد نشرها ـ بدون أي تغيير ـ للمشاركة في الحوار الدائر عبر الأقمار الصناعية بعد مرور عام على تنصيب أوبوما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ..

عاجل .....إلي باراك حسين أوباما
رئيس الولايات المتحدة الأمريكية

" جرأة أمل "
لقد وجدت من الضروري أن أكتب لكم هذه الرسالة المفتوحة وذلك بعد أن تابعت ـ مثلي مثل مئات الملايين من المسلمين ـ حفل تنصيبكم وخطاب التنصيب الذي ألقيتموه في هذا الحفل ، وهو خطاب كان بمثابة "جرعة أمل" لا تقل أهمية عن تلك الجرعة التي تولدت في نفوس الملايين من المظلومين والمستضعفين بعد فوزكم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية .
بدءا أرجو أن تسمحوا لي باستخدام عنوان كتابكم " جرأة أمل " ـ الذي يؤسفني أني لم أطالعه حتى الآن ـ كعنوان لهذه الرسالة وذلك لأني لم أجد ما أعنونها به أفضل من ذلك العنوان ، وأنا أتمني فعلا أن تكون سنواتكم الأربع أو الثمانية القادمة "جرعة أمل " لكل شعوب الأرض يكون فيها لكل إنسان ـ أي إنسان ـ الحق في أن يعيش كريما حرا آمنا يحترمه الآخر ويحترم هو الآخر .
ولأن قدرنا ـ شئنا ذلك أم أبينا ـ أن نعيش معا علي هذا الكوكب ، فإنه يتحتم علينا جميعا أن نبحث عن أفضل السبل للعيش الكريم لنا ولأجيالنا القادمة وذلك حتى لا تغرق بنا السفينة التي تعددت الثقوب فيها والتي يؤسفنا أن نقول إن أكثر الثقوب وأكبرها وأقدمها يوجد في عالمنا العربي والإسلامي وأن سياسة بلدكم الخارجية لم تزل تؤدي إلي خرق السفينة في أماكن عديدة من عالمنا الإسلامي .
وأنا لست هنا بحاجة لأن أقول لكم بأنه عندما تغرق السفينة فلن يكون وقتها هناك فرق بين من كان مقعده فاخرا مثلكم أو من كان مقعده متواضعا مثلنا أو من يراد له أن لا يكون له أصلا مقعد في هذه السفينة كالشعب الفلسطيني المظلوم منذ عقود من الزمن.
سأحدثكم بصدق وبصراحة قد لا يحدثكم بها غيري ، وستجدون في هذه الرسالة مشاعر و أفكارا" خاما " لمسلم بسيط عادي قد تكون هي أفضل تعبير عن ما يدور في أذهان مئات الملايين من شعوب عالمنا الإسلامي ، كما أني سأقتصر في هذه الرسالة علي ما يهمني بشكل مباشر ـ كمسلم ـ من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وإن كنت لا أستطيع أن أنكر بأن كل ما يحدث في بلدكم ينعكس بدرجة أو بأخرى علي حياتي اليومية لذلك فأنا أتمني لكم النجاح في تجاوز الأزمة المالية التي تسبب فيها بلدكم نتيجة الجشع وعدم المسؤولية كما قلتم في خطاب التنصيب والتي تنعكس آثارها السلبية علي العالم كله.
لا أخفيكم بأني لم أعد معجبا بأمتكم العظيمة أمريكا والتي كان من المفترض أن أحترمها لأنها شكلت نموذجا فريدا من نوعه و قدمت للبشرية في القرن الأخير ما لم تقدمه أمة أخري ، كما أن ديني ـ وهذا ما يجب أن تعرفوه ـ هو دين محبة وسلام للإنسانية جمعاء وبالأخص بمن يدين منها بالمسيحية كغالبية شعبكم .
ديننا الإسلامي ـ وهذه حقيقة يؤكدها التاريخ ـ هو الذي جعلنا نستقبل اليهود بصدور رحبة عندما كانت أوربا تخيرهم بين ترك ديانتهم اليهودية أو القتل ،استقبلناهم في الأندلس وعاشوا معنا كما كنا نعيش ، لا فرق ، وبعد هزيمتنا في الأندلس استقبلناهم في الدولة العثمانية وعاشوا أيضا معنا كما كنا نعيش وهو ما أشار إليه أخيرا الرئيس التركي.
في هذه الرسالة قد تجدون جوابا لسؤال طرحه سلفكم عندما سأل ذات مرة وهو يقصد بسؤاله المسلمين: لماذا يكرهوننا ؟ ومع أني أعتقد بأن المنطق كان يفترض أن يوجه المسلمون ـ وهم الضحية دوما ـ نفس السؤال لسلفكم: لماذا تكرهنا ؟
فمن المعروف أن أهم حدث حبس الأنفاس وأثر كثيرا علي العلاقة بيننا وبينكم هو أحداث 11 سبتمبر وذلك عندما قامت مجموعة محدودة بتدمير برجين كانت ردة فعل سلفكم عليها هي احتلال دولتين من العالم الإسلامي رغم أن كل الدول الإسلامية استنكرت وأدانت تلك العمليات بل أن بعضها أيضا كان ضحية لبعض العمليات الإرهابية من نفس المجموعة .
ومما لا يحتاج إلي تأكيد هنا هو أن العراق ليست له ـ قطعا ـ أية علاقة من أي نوع بتلك الأحداث ومع ذلك قُتِلَ من شعبه ما يزيد علي مليون من الأبرياء في حرب قال سلفكم بأنها لمواجهة الإرهاب وهو الذي اعتذر في نهاية حكمه بأنه يأسف ـ وكأن كلمة آسف تكفي ـ لما قام به في العراق لأنه اعتمد علي كذبة من المخابرات الأمريكية قتل بموجبها مليونا وزيادة من العراقيين الأبرياء .
والحقيقة أن هذه الحرب الطائشة لم تشكل خسارة فقط للعراق الذي أدخلته في صراعات طائفية ومذهبية خطيرة أصبحت تهدد أمنه وأمن المنطقة بكاملها ، بل أنها شكلت كارثة علي أمريكا نفسها التي زادت هذه الحرب من أعدائها رغم أنها فقدت في هذه الحرب من جنودها ما يزيد علي ما فقدت في أحداث 11 سبتمبر ، هذا فضلا عن المبالغ الطائلة التي أنفقتها علي هذه الحرب والتي ربما تكون قد ساهمت في حدوث هذه الأزمة المالية التي يعيشها العالم اليوم .
148مليار دولار تنفقها أمريكا سنويا علي حربها في العراق لو أنفقتها في الحرب علي الفقر والجهل والمرض في العالم الإسلامي لكانت صورة أمريكا تختلف تماما عن صورتها الحالية ولما احتاج سلفكم أن يتساءل لماذا تكرهوننا ؟ لأنه وقتها سنواجه نحن أعداء أمريكا بالنيابة عنها لأنهم لن يكونوا ساعتها مجرد أعداء لأمريكا فقط .
لقد ساءت كثيرا سمعة أمريكا خاصة في السنوات الأخيرة ونحن تتمني أن يكون السبب في ذلك مرتبطا بأخطاء تلك الإدارات السابقة لأن شعبكم المتميز يستحق سمعة أفضل من سمعته الحالية فهو الشعب الذي يقدم لنا اليوم هذا الدرس الرائع في الديمقراطية الذي أوصل من خلاله رجلا من أصول إفريقية والده مسلم إلي البيت الأبيض لأنه كان هو المرشح الأفضل رغم أن أباه كان لا يمكن له أن يحصل علي طعام من مطعم محلي كما قلتم في خطاب التنصيب، بل أنه كان ينظر إليه علي أنه لا يشكل إلا ثلاثة أخماس من قيمة الرجل الأبيض .
ومن المؤسف جدا أن هذه النظرة العنصرية التي تفرق بين البشر حسب ألوانهم أو معتقداتهم هي التي ينظر بها صناع القرار في بلدكم لشعوبنا العربية والإسلامية.
لقد أصبح الإنسان العربي المسلم لا يمثل إلا 1% أو 2 % .ـ حسب وجهة نظر سلفكم ـ من قيمة الإنسان اليهودي أو الأمريكي، فأن يموت المئات من الفلسطينيين بسلاح أمريكي فهذا حدث لا يستحق أي اهتمام، أما أن يجرح إسرائيلي واحد فتلك مأساة إنسانية تستحق أقسي أنواع الشجب والتنديد من كل حكومات العالم " المتحضر".
كثيرا ما يستفزني بعض الأمريكيين عندما يتحدث عن "الكلفة المالية " للحرب علي الإرهاب ولا يهتم بالكلفة البشرية لهذه الحرب وأنا هنا أتحدث عن خسارة كل الأطراف بما فيهم آلاف الجنود الأمريكيين وما يزيد علي المليون من العراقيين ، أي أنه لو تمكن الأمريكيون من استعادة ما خسروه من مال لما تحدث هؤلاء عن ضرورة الانسحاب من العراق ووقف هذه الحرب التي شكلت صفحة سوداء في تاريخ بلدكم الذي تكثر فيها الصفحات السوداء ـ علي الأقل ـ إذا كان من يقرأ هذا التاريخ إنسان عربي مسلم بسيط مثلي .
لن أحدثكم في هذه الرسالة عن تلك الصور المؤلمة والقاسية التي يكاد يستحيل أن أنساها (القرآن ـ وهذا هو أقدس شيء عندي كمسلم ـ يمزقه الجندي الأمريكي ، مساجد تدمر ، صور لا تطاق رؤيتها في أبو غريب وكوانتانامو )
لن أحدثكم أيضا في هذه الرسالة عن أحداث "غزة " الأخيرة والتي لا بد أنكم شاهدتموها رغم صمتكم الرهيب الذي لم أقتنع بتبريره وإن كان في كل الأحوال أفضل بكثير من تعليقات سلفكم ووزيرة خارجيته التي كانت لا تخجل من مطالبتها بوقف تهريب السلاح إلي " حماس " كلما تمادت إسرائيل في قتل الشيوخ والنساء ورجال الإسعاف والصحفيين وحتى الأطفال الموجودين في المقرات التابعة للأمم المتحدة والتي لم تسلم حتى في اليوم الذي كان يزور فيه الأمين العام للأمم المتحدة إسرائيل .
لن أحدثكم عن هذه الأمور الشائكة وإن كان يؤلمني حقا أني علي يقين أنه لو حدث العكس ولو بنسبة 1% لكانت ردة الفعل ـ علي أقل تقدير ـ هي التلويح باستخدام البند السابع الذي أصبح لا يهدد به إلا العرب والمسلمون .
لن أحدثكم عن هذه الأمور وإن كنت لا أخفيكم بأن أمنيتي ـ التي يبدو أنها لن تحقق قريبا ـ هي أن أعيش في عالم يستنكر قتل كل نفس بريئة بغض النظر عن جنسيتها وعن دينها ، في عالم عدالته عدالة واحدة وإنسانيته إنسانية واحدة لا تتغير بتغير الضحية ، وديمقراطيته ديمقراطية واحدة يتم احترام نتائجها في أمريكا عندما تنتخب رئيسا أسودا ، مثلما يتم احترام نتائجها في فلسطين عندما يصوت شعبها لحماس .
لن أحدثكم عن هذه الأمور المؤلمة التي تحدث في " غزة " بل سأكتفي هنا بأن أذكر لكم قصة واحدة من مئات القصص التي تحدث يوميا في " الضفة الغربية " والتي يراد لنا أن نصدق بأنها دولة لها سلطة كان من حظ رئيسها أنه كان أول رئيس تتصلون به هاتفيا بعد تنصيبكم .
شاب يسكن في قرية يقرر الزواج بفتاة تسكن في قرية أخري من " الضفة الغربية "، وبعد أن يئس الخطيبان من إمكانية إقامة الحفل في أي من القريتين بفعل الحواجز قررا في الأخير أن يسافرا مع بعض الأقارب والأصدقاء إلي " الأردن " لإقامة حفل الزواج .
هذه هي الدولة الفلسطينية "العظيمة "التي تمخضت عن كل تلك السنوات الطوال من المفاوضات العبثية والتي لم تكن أمريكا فيها وسيطا محايدا.
أيضا وللأسف الشديد يبدو أن هذه السلسلة الطويلة من المفاوضات قد نشهدها في عهدكم لأنه يبدوا أنكم ستتعاملون مع هذه الأزمة المعقدة بنفس الأساليب التي أفرزتها، هذا ما ظهر لنا بعد يومكم الثاني في البيت الأبيض الذي أشدتم فيه بدور بعض الرؤساء العرب وتحدثتم فيه عن أحداث "غزة " وكأنها بفعل زلزال لا يمكن أن تُحََمَّلَ إسرائيل نتائجه ، بل أنكم حاولتم ـ وإن كان بطريقة قد تكون أكثر حياءً وأكثر لباقة من سلفكم ـ أن تحملوا" حماس " مسؤولية ما حدث .
كم هو فظيع أن يتعامل العالم بأسره مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل وكأنها كوارث طبيعية لا مفر منها ، أقصي ما يمكن فعله هو أن يتم إعادة إعمار جزء مما تم تدميره قبل أن تقرر إسرائيل أن تدمره مرة أخري وبشكل أفظع .
قطعا سيكون بالإمكان تقديم "طبعة جديدة " غير مصححة وغير منقحة من مسرحية " أوسلو " أو " أنابولس " مع بعض التعديلات الطفيفة ، وستجدون بالتأكيد من يروج لهذه المسرحية من القادة والزعماء العرب ، سيقبلكم بعضهم ذات اليمين وسيقبلكم بعضهم ذات الشمال وسيرقص معكم البعض الآخر رقصة السيف ،المهم أن لا تشعروهم بأنهم رؤساء صلاحياتهم منتهية وأن لا تجعلوهم يستفيقوا من سكرتهم التي تمنيهم بأن حكمهم دائم أو علي الأقل إلي ورثتهم صائر .
وسيكون بإمكان إسرائيل أن ترتكب حماقات جديدة دون أن تجد من يردعها وسينكشف يوما بعد يوم مدي الإفلاس الذي يعيشه عالمنا اليوم ، وقد يحدث بعد ذلك كله أن يستخدم أحدهم حذاءه للتعبير عن سخطه مما يحدث .
هذا ما قد يحدث داخل "قاعة العرض " ولكن هناك أشياء أخري ستحدث خارج القاعة أعتقد أنه من الضروري أن أحدثكم عنها .
سيزداد وعي الشعوب الإسلامية وستتأكد الغالبية من هذه الشعوب أن القضية الفلسطينية ـ والتي هي بالمناسبة كانت ولم تزل وستبقي قضية العرب والمسلمين الأولي ـ لن تجد حلها عن طريق " الأمم المتحدة " ولا عن طريق مفاوضات القادة العرب بعد أن أصبح السلام هو خيارهم الإستراتيجي ، كما فشلوا سابقا في حلها أيام كانت الحرب مع إسرائيل هي خيارهم الإستراتيجي .
ستزداد قناعة الشعوب بأن المقاومة الشعبية والتضامن معها ونصرتها بشتى الوسائل بما فيها مقاطعة المنتجات الأمريكية هي السبيل الوحيد لمناصرة الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن قضية عادلة لم تجد رغم مرور ستين عاما ـ يوم كان والدكم رحمه الله لا يخدم في المطعم ـ الحد الأدنى من الإنصاف من طرف حكومات العالم "المتحضر " وإن كانت قد وجدت الكثير من التعاطف المتنامي ـ وهذا ما يجب ذكره ـ من طرف العديد من الأحرار في هذا العالم بما فيهم من ناصرها من الشعب الأمريكي .
ربما يكون من المفيد أيضا أن أذكر لكم هنا أني مثلي مثل مئات الملايين من المسلمين أومن إيمانا كاملا بأن من تظلمهم إسرائيل الآن سينتصرون في النهاية ، لا أشك في ذلك ، فالمسلم يؤمن بأن النصر هو وعد إلهي و المهم أن يدافع عن حق وعن قضية عادلة وأن يستخدم كل الوسائل المتاحة أمامه للدفاع عن هذا الحق حتى ولو كانت مجرد حجارة في يد طفل صغير،أو كانت مجرد صواريخ مصنعة تقليديا لا أدري لماذا يرتجف منها العالم " المتحضر " الذي لم يهمس يوما بكلمة أو بإشارة تعبر عن خوفه من السلاح النووي الإسرائيلي ؟
تلك الحقيقة هي ما نفسر به انتصار الشعب اللبناني في جنوب لبنان وانتصار الشعب الفلسطيني في قطاع "غزة " في مواجهة الآلة العسكرية المخيفة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي .
هذه الحقيقة الدينية هي أيضا حقيقة تاريخية ، فالتاريخ يقول بأن من يصر علي الدفاع عن الحق سينتصر في النهاية ، لذلك فنحن نؤمن بأن الشعب الفلسطيني سينتصر في النهاية ونؤمن كذلك بأن كل حماقة جديدة ترتكبها إسرائيل بغطاء أمريكي ستعجل من هذا النصر الحتمي .
ونحن نشعر ـ نحن هنا تعني مئات الملايين من بسطاء المسلمين ـ بأن أمريكا التي لم تكن لديها في الماضي مشكلة في تسديد "الفاتورة " الاقتصادية والسياسية والقانونية والأخلاقية والإعلامية للتغطية علي ظلم وغطرسة إسرائيل ، هي الآن لم تعد قادرة علي ذلك بعد الأزمة المالية وبعد تنامي الوعي العالمي بأن إسرائيل ليست هي الضحية وبعد بروز أقطاب عالمية جديدة لا تتفق إلا علي هدف واحد وهو مشاركة أمريكا في قيادة العالم .
لا أظن بأنه يخفي عليكم دلالة تلك الإشارات العديدة التي أرسلتها الشعوب العربية و الإسلامية من جاكرتا إلي نواكشوط ، كما أنه لن يكون من الحكمة المراهنة علي علاقات " طيبة " مع حفنة من الأمراء والملوك والرؤساء الذين لم تعد لهم أي مصداقية أو شرعية داخل بلدانهم مما ينذر بقرب نهاية دكتاتورياتهم ، فهؤلاء لم تعد تنفعهم شرعية مستوردة من خارج بلدانهم ، فلا تراهنوا عليهم ، وهنا نطلب منكم ـ وهذا طلب ملح ـ أن تتركوا بين هؤلاء القادة وشعوبهم ، لا نطلب منكم التدخل لصالح الشعوب ، كما أننا في المقابل لم نعد نتحمل التدخل لصالح هؤلاء القادة الذين خذلوا شعوبهم كثيرا، يكفي هنا أن نذكر كمثال ما حدث في القمة الأخيرة من أسبوع القمم العربية " المضحكة " ، لن أتحدث عن " غزة " التي خذلوها كثيرا في قمة الرياض وفي قمة شرم الشيخ وفي قمة الكويت وقدموا لها الحد الأدنى في قمة الدوحة بل سأقتصر هنا علي الاقتصاد الذي خُصِصََتْ له قمة الكويت والتي تم الإعداد "الجيد " لها من طرف جامعة عمر موسي ، لقد تحدثوا عن اكتشاف عظيم في قمة الكويت وهو تطبيق تجربة بنجلادش التي تعتمد علي القروض الصغيرة جدا والتي قادها الاقتصادي الكبير محمد يونس في منتصف السبعينات من القرن الماضي !!!
أعذرني، لقد خرجت قليلا عن الموضوع ، فمصائبنا التي يجلبها لنا القادة العرب لا تقل خطورة عن مصائبنا التي تأتينا من بلدكم .
المهم ـ وهذه هي زبدة الرسالة ـ أنه قد أصبح من الملح ومن الضروري لأمريكا أن تراجع علاقاتها مع شعوب أمة المليار وزيادة وهي الشعوب التي ستكون لها الكلمة الفصل في حسم المنافسة القادمة بين الأقطاب الجديدة والقديمة علي قيادة العالم .
وفي ختام هذه الرسالة لا بد أن أعترف ـ وأنا من الذين يقرؤون كثيرا عن بلدكم ـ بأن لأمريكا وجها آخر مضيئا جدا يمكن لها أن تقود به العالم من جديد ، كما أنه لا بد لي من أن أعترف أيضا بأني أحترم كثيرا ذكاءكم وطريقتكم الإبداعية في التفكير وهذا بالضبط هو ما جعلني لا أهتم بتلك الحقيقة التي تتردد كثيرا الآن ، وهي أن الرئيس الجديد لأمريكا لا يمكن له أن يحدث تغييرا جذريا في السياسة الخارجية حتى ولو كان يرغب بشكل جاد في إحداث ذلك التغيير، لأن صناعة القرار في أمريكا تتحكم فيها مؤسسات ولوبيات وقوي ومصالح متشعبة ومعقدة جدا .
تلك حقيقة لا أنكرها ، ولكن هناك حقيقة أخري لا أستطيع أن أنكرها أيضا، وهي أن أمريكا تعيش اليوم ـ وهذه زبدة الزبدة ـ لحظة حرجة من تاريخها وهي تحتاج وبشكل عاجل إلي أن تُحْْقَنَ بــ "جرعة أمل " جديدة تمكنها من أن تحافظ علي مركزها العالمي .
فهل سيبدع المحامي الذكي جدا طريقة ما يتمكن من خلالها من حقن " جرعة الأمل" للبلد الذي اختاره لأن يكون خلفا لأسوأ رئيس عرفته أمريكا ؟
هذا سؤال يهم الجواب عليه الكثير من شعوب العالم خاصة منه شعوب العالم العربي والإسلامي .
محمد الأمين بن الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولي " للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Elvadel @gmail.comhttp://www.autodev.org/

الاثنين، 22 فبراير 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية ... وللقصة بقية


سيدي الرئيس، لنستمع معا في بداية هذه الرسالة المفتوحة إلى أنين مهندس زراعي عاطل عن العمل : " أنا مهندس زراعي حاصل على شهادة مهندس منذ ثلاث سنوات، ولي ثلاث أخوة كل واحد منهم يحمل شهادة جامعية. نحن الأربعة لم نجد عملا مما جعلني أضطر لأن أهاجر إلى "غامبيا" لمزاولة أعمال لا أحب الحديث عنها. لم أكن أحب أن أهاجر لأني لا أحب الغربة عن الوطن. سنوات الدراسة التي هي أحلى سنوات العمر لم تكن بالنسبة لي كذلك، لأني كنت مرغما فيها على السفر طلبا للعلم. لقد أنفق والدي كل ما يملك - وهو قليل أصلا- من أجل أن أحصل أنا وإخوتي على شهادات جامعية. واليوم لم تعد أسرتنا تملك شيئا سوى أربعة من العاطلين عن العمل، لهم شهادات عالية، تحول بينهم وبين مزاولة الأعمال اليدوية. لقد اضطررت للخروج من هذا البلد - حتى لا أقول طردت- وذلك بعد أن أصبحت غير قادر على البقاء في أسرة فيها شيخ كبير، أصيب بمرض مزمن لا يجد من بين أولاده الأربعة من يستطيع أن يوفر له ثمن الدواء. لقد تركت البلد مرغما لأني أنا الأكبر، ولأنه كان لابد لهذا الشيخ الكبير من الدواء......
سيدي الرئيس، أنا لا اطلب منكم سوى أن تجمعوا بيني وبين أبي الشيخ الكبير، ولا سبيل إلى ذلك سوى بتوفير وظيفة واحدة لي أو لواحد من إخوتي الثلاثة.
فهل سأعود إلى أبي الشيخ، أم أنه سيرحل عن هذه الدنيا دون أن أراه؟" كان هذا مقطع من رسالتي السابعة من سلسلة الرسائل الثلاثين التي كتبتها للرئيس السابق، وهو مقطع وجدت أنه من المناسب أن أبدأ به رسالتي السادسة إليكم.
رحل الشيخ عن الدنيا، ورحل آباء آخرون، ولم يعد المهندس إلى الوطن، وهاجر حملة شهادات آخرون، هاجروا من بلد نصيب الفرد فيه من الثروة الطبيعية يفوق بكثير نصيب الفرد في تلك الدول المهاجر إليها. مات الشيخ، ولم يعد الابن، ولم تكتمل القصة التي لابد أن تفتح من جديد، على صعيد آخر، في عالم آخر، وفي يوم عصيب، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس. لن تكون هناك مكيفات، وسيلجم العرق كثيرا من الخلق، وسيتمنى أهل النار أن يلقى بهم في النار نظرا لهول ذلك اليوم.أجارنا الله وإياكم من النار وأظلنا تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
كثيرة هي قصص المعاناة التي ستفتح في ذلك اليوم العصيب، وكثير هم الموريتانيون الذين سيطالبون بحقوقهم كاملة غير منقوصة، لن تكون هناك أغلبية تطبل لكم، يا سيادة الرئيس، كما طبلت لمن قبلكم، وكما ستطبل لمن يأتي من بعدكم. ولن تكون الصحافة الرسمية قادرة ـ في ذلك اليوم ـ على تزييف الحقائق، كما زيفتها لمن سبقكم، وكما ستزيفها لمن سيأتي بعدكم. لن يكون هناك حرس، وسيكون التسديد بالحسنات، وسيأخذ كل ذي حق حقه.
ومن بين من ستقابلهم في ذلك اليوم العصيب ـ يا سيادة الرئيس ـ عشرات الآلاف من حملة الشهادات العاطلين العمل الذين عانوا كثيرا، وظُلِموا كثيرا، وتجاهل همومهم الجميع. وستكون لكل واحد منهم قصة لم تكتمل.
وبعيدا عن تزييف الإعلام الرسمي، وبوصفي واحدا من أصحاب "الخبرة" الطويلة في البطالة، فقد وجدت من اللازم أن أحدثكم بصراحة وبصدق عن معاناة و مآسي العاطلين عن العمل، مع تقديم بعض الاقتراحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية للتخفيف من تلك المعاناة.
في البداية أشكركم على تمديد سن الاكتتاب الذي كان مطلبا ملحا للعاطلين عن العمل، كما أشكركم على اكتتاب المئات من حملة الشهادات. تلك هي الأشياء الإيجابية التي تحققت في عهدكم لصالح العاطلين عن العمل. ولكن في المقابل حدث تراجع كبير لدور وكالة تشغيل الشباب التي أصبحت غائبة تماما منذ السادس من أغسطس، ولم يسجل لها أي عمل ميداني، خاصة في مجال تمويل المشاريع.
ومن المفارقات التي يمكن تسجيلها هنا أن هذه الوكالة قد استطاعت أن تقدم تمويلات هامة للكثير من العاطلين عن العمل، وبمبالغ معتبرة، وبطرق شفافة، قبل الثالث من أغسطس من عام 2005. وقد كان المعيار وقتها الذي يتم عليه الاختيار هو أقدمية التخرج. كما أن ذلك العهد شهد عمليات اكتتاب واسعة لحملة الشهادات، في محو الأمية ودور الكتاب وفي السياحة وفي المخابز وفي أنشطة خاصة أخرى. ولقد وفرت تلك الفرص متوسط دخل يقدر ب 30.000 أوقية للشهر، استفاد منه المئات إن لم أقل الآلاف من حملة الشهادات. أما بعد الثالث من أغسطس فقد تراجع كثيرا حجم التمويلات، وتراجعت الشفافية في اختيار المشاريع، كما تراجع عدد المكتتبين من حملة الشهادات وتم فصل المئات منهم.
بعد السادس من أغسطس غابت الوكالة تماما، ولم تعد تقوم بأي نشاط ميداني للحد من معاناة العاطلين عن العمل، ولتلافي ذلك النقص الكبير فإنني أقترح ما يلي:
1 ـ بما أن خزينة الدولة كانت توفر ما يزيد على خمسة آلاف راتب لموظفين أشباح، أغلبهم لا يحتاج لتلك الرواتب، فإني أقترح أن تُحول تلك المبالغ إلى إعانات اجتماعية لصالح أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، بحيث يقسم كل راتب إلى إعانتين، أو ثلاث،على المتخرجين الذين لم يحصلوا على وظيفة وذلك للتخفيف من معاناتهم كما يحدث في بعض البلدان.
2 ـ بما أن الحكومة قد قررت تأسيس شركة للنقل العمومي، وبما أن جمهورية إيران الإسلامية قد وعدت ب500 سيارة و250 حافلة، فإني أقترح بأن تخصص تلك السيارات لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، بمعدل سيارة لكل حامل شهادة، وحافلة لكل عشرة عاطلين، وهو ما سيسمح بدمج 3000 حامل شهادة. يؤسس المستفيدون شركة للنقل ينتخب لها مجلس إدارة من حملة الشهادات وتقدم لها الدولة الدعم اللازم في مقابل أن تلتزم الشركة بتنفيذ سياسة الدولة في مجال النقل العمومي. يمكن تعميق هذا الاقتراح من خلال إشراك الخبراء في دراسة هذه الفكرة . أما إنشاء شركة للنقل تابعة للحكومة فلن يكون بالفكرة السليمة، لأنها ستنهار سريعا نظرا لصعوبة تسيير شركة من هذا النوع، وهي في النهاية ستشكل عبئا إضافيا على الدولة، كما هو حال شركة الكهرباء و شركة الماء و شركة الغاز أو كما هو الحال بالنسبة للخطوط الجوية الموريتانية.
ويجب أن تعطى الأولوية للأسر التي تضم أكثر من عاطل عن العمل، كما هو حال أسرة المهندس الزراعي الذي سمعنا شيئا من أنينه في بداية هذه الرسالة. فقد أدت أساليب الاكتتاب المعتمدة على الرشوة والوساطة والمحسوبية إلى تركيز البطالة في الأسر الفقيرة، وذلك بعد أن احتكرت الأسر الغنية الوظائف القليلة المتاحة. وهذا الإجراء يمكن تنفيذه عمليا من خلال العودة للمسجلين في الوكالة.
3 ـ لقد شكلت استقبالاتكم في القصر الرئاسي لممثلي الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية ولممثلي الصحافة والأئمة وغيرهم، سابقة تذكر فتشكر. ولقد كان الغائب الأكبر عن تلك الاستقبالات هم حملة الشهادات العاطلين، رغم أن معاناتهم أشد من معاناة غيرهم. ورغم أنهم أولى من غيرهم بتلك اللقاءات، حتى يسمع شيء من أنينهم بشكل مباشر، وهم خير من يعبر عنه. لقد تم تجاهل معاناة العاطلين عن العمل من طرف الجميع ( حكومة، أحزابا، صحافة، مجتمعا مدنيا ...) كما أن الظروف المادية والنفسية الصعبة التي يعاني منها حملة الشهادات، وقلة الوسائل المتاحة لهم، وسلبية البعض منهم، كل ذلك ساهم في تجاهل همومهم.
وفيما يخص فئة المتقاعدين، فإني سأكتفي في هذه الرسالة بالتذكير باقتراح هام تم تقديمه في البرلمان، ولم يطبق حتى الآن، وهو اقتراح يطالب بإلزام شركات الحراسة العاملة في البلد بضرورة اكتتاب المتقاعدين من الجيش كحراس، بدلا من اكتتاب الأجانب.
أما فيما يخص محاربة الفقر، وتشغيل العاطلين عن العمل من غير ذوي الشهادات، فإنه يمكن أن أتحدث هنا عن اقتراحين هامين في هذا المجال: أولهما تم تقديمه سابقا، وبشكل تفصيلي، في الرسالة المفتوحة الثالثة، وهو يتعلق باستخدام القمامة كمصدر للدخل في الأوساط الأكثر فقرا. وهذا الاقتراح قد أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل، بعد الفشل البين للشركة الفرنسية في تنظيف العاصمة التي أصبحت نظافتها مسألة هامة، بعد أن تم اختيارها لتكون بمشاركة غيرها، عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011.
أما الاقتراح الثاني فهو يتعلق بعمل ميداني قدمه مركز "الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية لكل الوزارات والقطاعات ذات الصلة. ولقد اطلع على ذلك الاقتراح وبشكل ميداني، مدير الشؤون الاجتماعية بمفوضية حقوق الإنسان، ومدير التكوين بوكالة تشغيل الشباب، ومديرة الأسرة ...إلخ
لقد حاول المركز وبعد سلسلة من الدراسات أن يساهم في محاربة الفقر من خلال برنامج تدريبي رائد، يسعى لأن يتغلب على بعض نواقص التكوين المهني والحرفي المعتمد في البلاد.
لقد قام المركز بتصنيف بعض المهن والحرف الصغيرة جدا والتي لا زال يحتكرها الأجانب، ثم بعد ذلك أطلق برنامجا مجانيا للتثقيف الحرفي في تلك المهن، ويمتاز ذلك البرنامج بالخصائص التالية:
1ـ أن تكون مدة التدريب قصيرة جدا لا تتجاوز الشهر، وأن تكون كلفته زهيدة حتى يمكن للمركز أن يدرب أكبر عدد ممكن.
2 ـ أن يتم التدريب بوسائل وبآلات بسيطة جدا، يمكن للمتدرب أن يوفرها بعد انتهاء فترة التدريب. فمن أخطاء التكوين المهني المعتمد أنه يدرب على آلات معقدة وباهظة لا يمكن للمتدرب أن يوفرها.
3ـ يستفيد المتدرب من دورة مبسطة في تسيير المشاريع الصغيرة، فتعلم حرفة لا يكفي وحده لإطلاق مشروع ناجح.
4 ـ تم التركيز على المنتسبين لصناديق الادخار وذلك لأنهم أحوج من غيرهم للتدريب على مهنة مربحة يمكن لهم أن يمارسوها إذا ما حصلوا على قروض صغيرة.
5 ـ تم التركيز على المشاريع الصغيرة جدا والتي يمكن إطلاقها من المنزل " مشاريع من المنزل".
لقد استطاع المركز بوسائل ذاتية متواضعة جدا، وبتضحيات كبيرة، أن يقدم دورات متميزة في صناعة الحلويات. ولقد تم التدريب على أفران قادرة على إنتاج كميات تجارية، وبجودة عالية جدا، وهي أفران مصنعة محليا، ومتوفرة في السوق بأسعار تتراوح بين 50000 أوقية إلى 60000 أوقية.
لقد حاولنا في المركز أن يتم تقديم تلك الدورات عن طريق التلفزيون حتى تعم الاستفادة على أكبر قدر ممكن. كما حاولنا بعد ذلك ومع وزير الإعلام الحالي أن يسمح لنا التلفزيون أن نقدم برنامجا على شكل دورات في التنمية البشرية وهو ما فشلنا أيضا فيه.
وللقصة بقية.. وإلى الرسالة السابعة إن شاء الله.. وفقكم الله لما فيه خير البلد.

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 فبراير 2010

أسئلة على الطاولة


يبدو أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن كبير في هذا البلد، ويبدو أننا سنشاهد كثيرا تلك الطاولة في بيت الشعوذة المرئي (التلفزيون). وسنسمع عنها كثيرا في بيت الشعوذة المسموع (الإذاعة). وسنقرأ عنها في بيت الشعوذة المقروء (يومية الشعب). وربما نسمع قريبا من يدعو إلى إبدال النجمة في العلم الوطني بطاولة مدرسية، أو إبدال الهلال بمقعد دراسي (مذكر الطاولة). وربما يبدع أحد شعرائنا قصيدة رائعة عن الطاولة تكون بديلا لكلمات نشيدنا الوطني الذي يبدو أن كلماته ـ بالنسبة للبعض ـ قد شاخت كثيرا.
ومن يدري فربما تتفتق مواهب فنانينا عن أغنية للطاولة؟ كما تفتقت مواهبهم ذات يوم عن أغنية الكتاب، في زمن عز الكتاب، الذي بزغ نجمه على حساب أفران المصلحة بعد أن تآمر الجميع عليها، ولم يعد أحد يتحدث عنها، رغم أنها كانت في يوم من الأيام هي الشغل الشاغل لكثير من أهل هذا البلد بنخبهم وعامتهم.
ولأن عاصمتنا التي تم اختيارها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، لا تحوي من المعالم الثقافية إلا معلمة الكتاب، التي تم تشييدها في وسط "كارفور مدريد". ولأننا لم نعد نعيش في العهد البائد، عهد الكتاب، فإننا اليوم بحاجة ماسة لأن يتطوع أحد رجال أعمالنا بهدم تلك المعلمة، وإبدالها بصفوف متراصة من الطاولات المدرسية الكبيرة التي يمكن رؤيتها من مكان بعيد، وذلك لكي تكون الطاولة المدرسية هي أول شيء يشاهده زائر عاصمة الثقافية الإسلامية لعام 2011.
ونحن اليوم بحاجة ماسة لجمع التبرعات، من أجل تصنيع الطاولات، كما تبرعنا في الماضي للكتاب. ونحن بحاجة لأن نُحَوِّل المخابز ـ لا أتحدث إلا عن المخابز ـ إلى معامل لتصنيع الطاولات. ونحن بحاجة أيضا إلى تحويل وزارة التكوين المهني إلى وزارة للطاولة المدرسية، حتى نحقق وعد الرئيس، ونوفر مقعدا دراسيا لكل تلميذ، ثم بعد ذلك نفكر في توفير طاولة لكل موريتاني، ثم بعد ذلك يمكن لنا أن نفكر في توفير ثلاث طاولات لكل موريتاني، طاولة يولد عليها، وثانية يعيش عليها، وثالثة يموت عليها.
وسيتحول بيت الشعوذة المرئي في الأيام القادمة إلى طاولة منوعة، وستنظم طاولات مستديرة وأخرى مستطيلة عن الطاولة المدرسية. سنتعرف على آخر أخبار الطاولات والمقاعد في الأعماق، وسنسمع الرأي الطبي عن خطورة عدم الجلوس على الطاولة المدرسية، وستنظم لقاءات خاصة ومنتديات عن الطاولة، وسيتمتع المشاهد بعناصر وتقارير عجيبة وغريبة عن الطاولة المدرسية وعن المقعد الدراسي.
إنه عهد الطاولة المدرسية الذي ستستعيد فيه كل طاولات البلد ومقاعده المدرسية المكانة اللائقة ، وهو عهد يمكن التأريخ له مع الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية للثانوية التجارية، مباشرة بعد عودته من إيران. لا أدري ما العلاقة بين إيران والطاولة ؟ وإذا كان فيكم من يعرف شيئا في التراث الفارسي يمجد الطاولة المدرسية المصنعة في الثانوية التجارية الإيرانية فليغثنا به.
لقد كانت الضربة القاضية التي شكلت السقوط الحقيقي لدولة الكتاب، هي قرار الحكومة بإغلاق جميع دور الكتاب، ودفن كل الكتب الموجودة في البلد ـ بطريقة استفزازية ـ في مخازن الحالة المدنية.
لم يكن الكتاب محظوظا في هذا البلد، لقد ولد في وزارة الداخلية، وعاش في دور الكتاب السيئة الصيت، ومات عندما تم اختيار نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية، ثم دفن في مخازن الحالة المدنية.
بالمختصر المفيد، لقد انهارت دولة الكتاب، كما انهارت قبل ذلك دولة أفران المصلحة، وهانحن اليوم نشهد ميلاد دولة الطاولة المدرسية والتي من أبرز سماتها أنها دولة ذات ثلاثة أوجه : وجه يُشَرِّع نقدها للمعارضة، ووجه ثان يشرع مدحها للموالاة، ووجه ثالث يربك كل الموريتانيين الذين ليسوا من المعارضة ولا من الموالاة ، لأنهم في حيرة من أمرهم. فهم لا يعرفون إن كان عليهم أن ينتقدوا هذه الدولة التي حدثت فيها أخطاء شنيعة، لم يعرفوها من قبل، أم يمدحوها لأنها تحققت فيها أشياء لم تكن تخطر لهم على بال؟
فمن حق المعارضة أن تصف دولة الطاولة بأنها دولة دكتاتورية لأنها ترفض محاورة شريكها الأساسي أي المعارضة، ولأنها تسجن وتغرم الصحافة المستقلة. ومن حق الموالاة أن تصفها بأنها جمهورية حوار وتشاور، فهي تحاورت مع الشباب ومع الناقلين، ومع العلماء، وحتى مع السجناء الذي لم يكن أحد يتخيل أن تتم محاورتهم.
ومن حق الفئة الثالثة أن تحتار لأنها لا تستطيع أن تجزم بدكتاتورية الحكم، ولا تستطيع أن تجزم كذلك برغبته بشكل جدي في الحوار والتشاور.
ومن حق المعارضة أن تصف هذا الحكم بأنه لا يشجع العلم، لأنه تعامل مع الكتاب بشكل غير لائق. ومن حق الأغلبية أن تدعي بأن هذه الحكومة تشجع العلم، لأنها أول حكومة تلتزم بمقعد لكل تلميذ. ومن حقنا نحن أهل الفئة الثالثة أن نحتار لأننا لا نعرف إن كان هذا النظام يشجع العلم أم لا؟
ومن حق المعارضة أن تقول بأننا نعيش في فساد كبير بعد أن تم تعيين كبار المفسدين، في وظائف حساسة. وبعد أن تمت تعيينات، وترقيات، وتوشيحات كثيرة، لا يمكن القول بأنه قد تمت فيها مراعاة الاستقامة والنزاهة . ومن حق الأغلبية أن تقول بأننا نعيش أول حرب جدية ضد الفساد. والدليل هو تجريد الكثير من المفسدين، وتجفيف الكثير من منابع الفساد، من خلال تحديد علاوات السكن، والنقل، وعدم تحمل تسديد فواتير الكهرباء، والماء، والبنزين، وإيقاف السيارات الحكومية. ومن حق الرأي الثالث أن يحتار لأنه لا يستطيع أن يجزم بأن الحكومة جادة في محاربتها للفساد، ولا يستطيع كذلك أن يقول بأنها ليست جادة في حربها على الفساد.
ومن حق المعارضة أن تقول بأن علاقاتنا الخارجية ليست بخير، وبأن دبلوماسيتنا وقعت في أخطاء كثيرة، من بينها ترك الحياد في قضية شائكة. ومن حق الموالاة أن تقول بأن البلد قد حقق انتصارا كبيرا بطرده لسفير العدو الصهيوني، وباستعادته لعلاقات طبيعية مع كل المحاور، مما سينعكس على البلد إيجابيا. ومن حق أهل الفريق الثالث أن يحتاروا من هذه الخلطة العجيبة التي جمعتها دبلوماسيتنا، وهل ستتمكن من استخدامها في مصلحة البلد؟ أم أن تلك الخلطة لن يكون بالإمكان ابتلاعها بشكل سلس وستنعكس سلبا علينا.
الشيء المؤكد ـ وهذه ليست نبوءة ـ هو أن أمور هذا البلد ستتحسن كثيرا في المستقبل القريب، أو تسوء كثيرا، لن تكون هناك حالة وسطى، وهذا هو الجديد في جمهورية الطاولة المدرسية. وسيكون عمر تلك الحيرة ـ التي نعاني منها الآن ـ قصيرا جدا. فمن خصال رئيسنا الحالي أن له قدرة كبيرة على تجسيد أفكاره ميدانيا. وتلك الميزة رفع بها قادة دولا كثيرة، ودمر بها قادة آخرون دولا كثيرة أخرى، والأمثلة لا حصر لها. والمشكلة هنا هي أننا لا نعرف ـ بالضبط ـ ما يفكر به الرئيس. ويتساوى الجميع في ذلك، يتساوى البعيد مع القريب، والأمي مع المتعلم، ويتساوى المعارض مع الموالي، ويتساوى العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال، مع كل مستشاري رئيس الجمهورية ومقربيه. فنحن جميعا حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية، نخبا وعامة، لم نكن نعلم أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن مذكور إلا بعد أن علمنا وفي وقت واحد بزيارة الرئيس للثانوية التجارية.
والدليل على هذا الكلام، هو أنه لو علم أي واحد من الموريتانيين، أو الموريتانيات، بأن الرئيس سيرفع من شأن الطاولة المدرسية لشهدتم رجالا يتحولون إلى مقاعد مدرسية أمام الثانوية التجارية، ولشهدتم ـ كذلك ـ نساء يتحولن إلى طاولات مدرسية.
والرئيس ـ وهذه معضلة قديمة جديدة ـ ليست لديه أغلبية تفكر معه وتوجهه وتنصحه، وتحول بينه وبين أخطاء القرار الفردي. إن الأغلبية الداعمة للرئيس الحالي لا تختلف عن الأغلبية الداعمة للرؤساء السابقين، إنها أغلبية تصفق إلى أبعد الحدود لمن يحكم، وتدير ظهرها له بشكل عنيف عندما يفقد الحكم. لقد فشلت وساطة الأغلبية في ملف رجال الأعمال. كما أنها فشلت في إطلاق سراح حنفي، رغم توصيتها بذلك في الأيام التشاورية للحكامة. وبالعربي الصريح والفصيح : إن الأغلبية غائبة ميدانيا ـ لا يعني ذلك حضور المعارضة ـ ولا تؤثر على الرئيس إلا كما يؤثر عليه العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال.والرئيس يعلم بأن الأغلبية ليست جادة في وساطتها، و لا في مطلبها بإطلاق سراح الصحفي حنفي. وهو يعلم كذلك بأنه عندما يرفض طلبا أجمعت عليه أغلبيته، فإن ذلك لن يتسبب في أي شيء، أقول أي شيء.
وهنا سأطرح أسئلة على الطاولة وسأترك الإجابة عليها لكل من يريد الإجابة، وخطوط الاتصال ستبقى مفتوحة لكل من يريد أن يقول كلاما ينسجم مع التوجهات النيرة والتعليمات السامية.
هل من الأفضل أن نحاسب الصحافة المستقلة على "صغائرها" أم نحاسب الصحافة الرسمية على " كبائرها"؟ ألم تتوقف خدمة التعليقات التي كان ينتقد بها البعض موقع تقدمي؟ وفي المقابل ألم تتراجع بيوت الشعوذة كثيرا إلى الوراء؟ أليس التلفزيون أسوأ اليوم من التلفزيون في العهد المؤتمن والذي كان فيه التلفزيون أسوأ مما كان عليه في المرحلة الانتقالية الأولى؟ ألم يطرد التلفزيون كل أوجهه المتميزة؟ ألا تتحكم فيه اليوم وفي كل برامجه الأساسية نفس الأوجه التي عرفناها وهي تشغل الناس ببرامج السمنة وأفران المصلحة وكتب الطبخ؟ وهل أن حنفي هو الصحفي الذي أضر بأخلاق هذا البلد؟ وهل أنه هو الذي علمنا النفاق والتزلف لكل حكام هذا البلد؟ وهل هو من كان يمارس الشعوذة ليقنعنا بأن الجحيم الذي عشناه كان جنانا عظيمة ؟ أم أنه هو الذي كان يكتب حروفا من النار تحرق جنان بيوت الشعوذة، سواء المرئي منها أم المسموع أو المقروء؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يأتينا بعجائز يقلن بأن الرئيس حقق كل أحلامهن الدنيوية ولم يعد لديهن ما يطلبنه إلا أمور الآخرة. وأستغفر الله من هذا الكلام ؟ وهل أن حنفي هو الذي بشر الموريتانيين بأن الأمية سيقضى عليها في ستة أشهر؟ وهل أنه هو الذي استضاف صاحب منظمة غير حكومية وعدت بتنفيذ تلك البشرى ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا أن يكذب كذبة تمتد في الآفاق وأن يقول بأن دفتر ولده هو دفتره؟ وأن يقول بأن كل ما في ذلك الدفتر من كلمات قد خطها بيمينه في فصل محو الأمية الذي لا يعرف أين يقع ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول لنا بأن النساء الأميات المنخرطات في تعاونيات ريفية نائية يسوقن منتجاتهن عن طريق الانترنت ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يبشر الجوعى بأنه لن يجوع جائع في غرب إفريقيا بعد حصاد العشب الذي أنبته الله على هذه الأرض وصوره وقدمه بيت الشعوذة المرئي على أنه أرز؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن الانجازات الكبرى في العهود "المباركة" حتى يخيل لكل فقير في غرب إفريقيا بأنه سيصبح غنيا، وحتى يخيل لكل حالم في شمال إفريقيا بأن كل أحلامه ستتحقق؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من حامل الشهادة الذي يشتغل في مؤسسة كبيرة أن يكذب ويدعي بأنه مالك تلك المؤسسة وأنه أنشأها بمبادرة شخصية بعد تخرجه من الجامعة؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن القمامة نعمة كبرى لأنها مؤشر على الطفرة الاستهلاكية التي عرفها البلد في العهد "المبارك" ؟ وهل أن حنفي هو الذي شغل الجوعى بالحديث عن السمنة حتى يتناسوا الجوع والفقر والجهل والمرض؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يعتبر كل عهد عهدا مباركا ما دام يحكم، ويعتبره عهدا مشؤوما بعد الدقيقة الأولى من إذاعة البيان الأول؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن عمال البلد هم أكثر عمال العالم حظوظا لأن أجورهم تزداد دون أن يحتاجوا للإضرابات ؟ وهل أن حنفي هو الذي لم يستطع أن يكتشف خطأ واحدا لمعاوية خلال عقدين من الحكم مليئة بالأخطاء ؟ وهل أن حنفي هو الذي حُجبَت عنه كل أخطاء معاوية حتى صبيحة الثالث من أغسطس ؟ وهل أن حنفي لم يتحدث عن " الموبقات " الكبرى للرئيس المؤتمن إلا بعد الدقيقة السادسة من الساعة السادسة من صبيحة السادس من أغسطس؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يشجع الناس على الكذب والنفاق والتزلف والتصفيق بالأيادي والأرجل لكل سلاطين البد؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي وهو يمدح الرئيس معاوية بنفس الكلمات التي مدح بها الرئيس أعل والرئيس سيدي ؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده يصف الرئيس السابق سيدي بأقبح الأوصاف بعد سقوطه، تماما كما فعل قبل ذلك مع الرئيس أعل وكما فعل مع الرئيس معاوية؟ وهل أن حنفي هو ذلك الشخص الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي في عهد ولد الطايع ولا نزال نشاهده حتى أيامنا هذه، يتكلم بنفس اللغة وبنفس الأسلوب وبنفس العقلية التي أضرت كثيرا بهذا البلد ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن كل معارض وكأنه خطر كبير ومخلوق عجيب ليس في قلبه مثقال ذرة من وطنية ؟ وهل أن حنفي هو الذي أهان زعيم المعارضة الدستورية منذ أشهر قليلة ؟ لا أدري لماذا لا تكون المعارضة ذكية ولو لمرة واحدة وتشكو بدورها ممن أهانها وأساء إليها من باب إزعاج القضاء وإحراجه على الأقل.
إذا كان حنفي قد فعل تلك الأشياء فإنه قد أضر كثيرا بأخلاق البلد، ولذلك فإننا نستنكر ونشجب ونندد ونستغرب ذلك الحكم المخفف الذي حكم عليه به القاضي، ونطالب بمحاكمته للمرة الثالثة والحكم عليه بالمؤبد مع الأعمال الشاقة..
أما إذا كان حنفي قد وهب قلمه المبدع لمواجهة من كان يقوم بذلك، فإنه يستحق شيئا آخر غير سجن كان قدره أن لا يزوره ـ ولو بشكل عابر ـ من أفسد أخلاق هذا البلد حقا.
تصبحون على قليل من الحياء...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.comwww .autodev.org

الأحد، 7 فبراير 2010

الانقلاب "الأسمر"


في البداية أعتذر للقراء عن استخدام كلمات من قبيل " البيظان" و" لحراطين " و" لكور".. إنها كلمات لا أحب استخدامها ولكن فرضتها طبيعة المقال.
لقد تزايدت وبشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة المقالات والتصريحات والمواقف الصادرة عن جهات عديدة من " الجيل الثاني والثالث" لحركة الحر. وهي مواقف وتصريحات قد تشكل تمهيدا لصياغة البيان الأول للانقلاب الذي أصبحت كل الدلائل تشير إلى تفكير البعض في القيام به. وسواء نجح ذلك الانقلاب على القادة المؤسسين للحركة أو فشل فإنه قد أصبح من الضروري أن يتم توسيع النقاش الدائر حول هموم الشريحة المظلومة ليشارك فيه الجميع، باعتبار أن معاناة تلك الشريحة هي معاناة وطن بكامله بكل شرائحه وأعراقه، أو هكذا يجب أن تكون.
ومن المؤسف حقا أن كل ما يطفو على السطح حتى الآن من مقالات ومقالات مضادة، أو من تصريحات وتصريحات مضادة، لا يخدم إطلاقا معاناة تلك الشريحة. فالبعض للأسف الشديد لا يزال يتجاهل ويرفض أن يسمع أنين المستضعفين من تلك الشريحة، أما البعض الآخر فإنه يعمل جاهدا لكي يُحَوِّل ذلك الأنين إلى سلعة يمكن تسويقها في الدوائر الغربية وفق مواصفات ومقاييس الجودة الأوروبية، مقابل عائد مادي لا يستفيد منه إلا مُصَدِّر تلك السلعة..
لقد صرح أحد "المناضلين الجدد" في لحظة "صفاء" لصديق له بأن القسوة التي يتحدث بها عن " البيظان " إنما هي قسوة من أجل كسب قوته، وأنه في أعماقه يحب " البيظان " خاصة منهم أولئك الذين لم يتخلوا عن ممارسة الرق لأنهم يوفرون له مصدر رزق لا ينفد !!! هكذا رد ذلك "المناضل" عندما انتقده صديقه على قسوته على" البيظان".
وتلك واحدة من مآسي هذا البلد، فغالبية نخبنا مجرد سماسرة وتجار. والأمر هنا لا يقتصر على شريحة دون أخرى، وإن كانت المتاجرة بهموم " لحراطين " أكثر رواجا من المتاجرة بهموم الشرائح الأخرى، لأن معاناتهم أشد عمقا من معاناة غيرهم.
إن من يهتم حقا بهذه الشريحة المظلومة عليه ـ حسب اعتقادي ـ أن يأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
1ـ إن الزعيم "مسعود" سيبقى أعظم هبة قدمتها موريتانيا لحركة الحر، كما أنه سيبقى ـ في المقابل ـ أعظم هبة قدمتها حركة الحر لموريتانيا .. لذلك فإنه لا يجوز لحركة الحر أن تحتكره وتحرم موريتانيا منه . كما أنه لا يجوز لموريتانيا أن تحتكره وتحرم الحركة من زعيمها المؤسس.
2ـ إن خبرة الزعيم "مسعود" وتضحياته الكبيرة التي قدمها في وقت كانت تصعب فيه التضحية تؤهله أكثر من غيره لأن يحدد متطلبات المرحلة ويرسم مسار النضال الذي يجب أن يُسْلَكَ من أجل تجاوز مخلفات الاسترقاق. وعندما يحدد الزعيم "مسعود" رؤية معينة فإنه لا يجوز للغير أن يشكك في تلك الرؤية ويبدلها بمشروع تصادمي ستكون نتائجه مدمرة وكارثية على الوطن كله.
3 ـ لقد استطاع الزعيم "مسعود" بحكمته المعهودة، أن يشكل تحالفا بين الحر والناصريين. وهو تحالف استفادت منه حركة الحر، كما استفاد منه الناصريون، بل أن ذلك التحالف تعدت آثاره الإيجابية حزب التحالف.
وبالرغم من أننا كنا نتوقع أن ذلك التحالف سيمتد ليشمل حركات وتنظيمات وأحزاب أخرى، خدمة للشريحة، وخدمة للوطن كله، فإذا بنا نفاجأ بخطابات وبيانات تصادمية تأتي من متطرفي التنظيمين المكونين للتحالف الشعبي التقدمي.
4 ـ إن مغازلة اليهود والتقرب من الغرب ونعت الرئيس السوداني بأشنع الأوصاف لا يخدم " لحراطين " في أي شيء. ولقد أثبتت سنوات التطبيع البائسة بأن أبناء هذه الشريحة كانوا هم الأكثر نفورا وبعدا من اليهود. لذلك فإن هذه الشريحة لن يستطيع أن يقودها إلا من كان يعتز بدينه وبكرامته وبهويته.. ولقد أثبت التاريخ بأن " لحراطين " حتى ولو تعرضوا للظلم من الأخوة فذلك لن يكون سببا في أن تتولد لديهم عقدة من هويتهم وانتمائهم لهذا البلد.
5ـ إن التهجم على الشرائح الأخرى، وعلى العلماء، وعلى رموز هذا البلد، لا يخدم إلا أعداء هذا البلد. وعلينا أن نتذكر دائما بأن من علماء هذا البلد من قدم خدمات جليلة في تعليم أبناء شريحة لحراطين التي يعتبر الجهل و الفقر من أعظم التحديات التي تواجهها.
ولقد استطاع الأستاذ الجليل "محمد ولد سيدي يحي" أن يلعب دورا كبيرا في مجال تعزيز الوحدة الوطنية، من خلال دروسه ومحاضراته التي استفاد منها الكثير من أبناء هذه الشريحة. لدرجة أنه أصبح من بين تلاميذه من ينشر العلم داخل أوساط الشريحة، ويؤم المصلين، ويعظ بشكل رائع جدا، كما هو حال إمامنا في مسجد الحي.
ومن المؤسف أنه لا أحد يعترف بشكل رسمي أو شعبي لذلك الداعية بجهده الكبير الذي يقوم به. وهنا لا أتحدث عن دوره الدعوي والوعظي ، بل عن دوره في تقليص الفوارق بين الشرائح في مجال العلم.
6 ـ في المقابل لا أحد يستطيع أن ينكر بأن هناك عدم تحمس لدى البعض في محاربة بقايا ومخلفات الاسترقاق، كما أنه لا يمكن للمُنْصِف إلا أن يستغرب بأنه رغم كثرة الأحزاب والمنظمات فلم يزل اكتشاف حالات الاسترقاق في هذا البلد والتنديد بها يقتصر على منظمات قليلة يقودها مناضلون من " لحراطين". لقد أصبح من اللازم والضروري أن تشارك الشرائح الأخرى في التنقيب عن حالات الاسترقاق وكشفها.
7 ـ لقد حاول البعض أن يشكك في جدية دعم " البيظان" للمرشح " مسعود" في الانتخابات الرئاسية الماضية. ورغم قناعتي بأن المرشح " مسعود" يستحق ـ لنضاله ـ أكثر من 16% التي حصل عليها، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأن تلك النسبة كانت تشكل مؤشرا مهما خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة هامة وهي أن المرشح " محمد ولد عبد العزيز" قد اخترق الشعبية التقليدية للمعارضة بخطابه الانتخابي، خاصة في الأوساط الفقيرة، وبالأخص في التجمعات التي يكثر فيها "لحراطين". لذلك فإن وصف "البيظان" الذين شكلوا غالبية شعبية "مسعود" وبذلوا كل ما في وسعهم من أجل نجاحه بالبرابرة والإقطاعيين لا يخدم "لحراطين" بصفة خاصة، ولا يخدم موريتانيا بصفة عامة.
إن من تهمه محاربة الرق ومخلفاته، عليه أن يعمل على تماسك 16% وتوسيعها وتوجيهها في مشاريع سياسية وتنموية لمحاربة الرق، بدلا من تفكيكها من خلال التصريحات المتطرفة، والتصريحات المتطرفة المضادة.
8 ـ لا أحد يستطيع أن ينكر بأن نسبة توظيف لحراطين لا يتناسب ـ إطلاقا ـ مع حجم الشريحة، ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسير ذلك تفسيرا عنصريا لأن نسبة التعلم تلعب دورا هاما وهناك قبائل كثيرة تعاني من نفس الشيء، بالمقارنة مع قبائل أخرى أقل عددا. كما أن عدم تناسب الوظائف مع الحجم العددي يمتد ليشمل شرائح الزنوج فيما بينها، حيث أن هناك شرائح زنجية تحتكر وظائف أكثر من شرائح أخرى هي أكثر عددا.
9 ـ يتحدث البعض عن عنصرية الدولة ويحتج بعدم تطبيق القوانين التي تم وضعها لمحاربة الرق. والحقيقة أن الدولة عاجزة عن تطبيق أي قانون في أي مجال من مجال تدخلاتها، لذلك فالمسألة ليست عنصرية في تطبيق القانون، وإنما هي عجز بنيوي في تطبيق أي قانون.
10ـ ليس من حق أي واحد منا أن يتهجم على شريحة كاملة ويصفها بأبشع الأوصاف. وليس لأي أحد منا الحق في بث الكره والحقد بين مكونات هذا الشعب الطيب بكل أعراقه.
وعلى القائمين على بعض الجرائد والمواقع التي تشارك في نشر ثقافة الكره والحقد ـ والتي كنا نعتقد أنها أكثر مهنية من ذلك ـ أن يعلموا بأن عليهم وزر كل كلمة سوء يبثونها في الآفاق.
11 ـ إن ترسيخ قيم الديمقراطية واستغلال ما تتيحه من هوامش واسعة للعمل السياسي والتنموي سيبقى أفضل وسيلة لمحاربة الرق. أما استغلال ذلك الهامش ـ بشكل سلبي ـ في بث روح التفرقة والتباغض وفي الاستجداء بالخارج فستكون آثاره وخيمة على الجميع، وقد يؤدي ـ لا قدر الله ـ إلى غرق السفينة بكاملها وبما فيها من "حراطين" و"بيظان" و"اكور".
12 ـ إن تنمية الديمقراطية في هذا البلد هي التي ستمكننا من تفكيك بعض العلاقات والروابط التقليدية الجائرة، وإبدالها بمؤسسات مدنية وسياسية قادرة على توجيه الأكثرية الفقيرة لاختيار من يخدم مصالحها، مما سينعكس إيجابا على فقراء هذا البلد ومهمشيه والذين يشكل "لحراطين" ـ بطبيعة الحال ـ غالبيتهم.
13 ـ إن هناك فجوة كبيرة بين الأداء السياسي والأداء التنموي، فالخطاب السياسي بلغ مراحل متقدمة أما الأداء التنموي فهو في انحطاط متنامي. ونحن مجتمع يتقن الكلام والصراخ، وبإمكان كل واحد منا أن يُسِيل وديانا "بعرق لسانه" ولكنه في المقابل لا يستطيع أن يُسيل قطرة عرق واحدة من جبينه في عمل تنموي هادف.
فأين هي الأحزاب وأين هو المجتمع المدني في آدوابة ؟ ولماذا الكل يصرخ ويصرخ بهموم لحراطين ومع ذلك فلا أحد يفكر في أن يفتح فصلا واحدا لمحو الأمية، أو مركزا لمحاربة الفقر لهؤلاء المهمشين والمظلومين؟ فعلينا أن نعلم بأن فتح فصل واحد لمحو الأمية في آدوابة خير من كثير من البيانات ومن الصراخ الذي يصم الآذان. والعبء الأكبر في هذا المجال يقع على أولئك الذين يفتح لهم الغرب خزائنه، ومع ذلك يبخلون على آدوابة بفصل واحد لمحو الأمية.
إن من يهتم بهذه الشريحة حقا عليه أن يهتم أولا بتعليمها وبتوعيتها وبتثقيفها المهني والحرفي وهناك تصور جاهز أعده مركز " الخطوة الأولى " يمكن تقديمه لكل من يهمه الأمر .
تصبحون على وطن لا فوارق فيه ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 23 يناير 2010

بطاقة لاغية / ورقة خاصة بندوة الحكامة


تخيلت أنه قد وصلتني ـ عن طريق الخطأ ـ بطاقة دعوة من بين البطاقات الثمانمائة التي تكفل أمين عام وزارة الإسكان ـ بصفته الحزبية ـ بتوزيعها على كل من يهمه مستقبل هذا البلد. تخيلت ذلك، لأني موقن بأنه لا يوجد عمل بشري كامل، فقد يخطئ الأمين العام لوزارة الإسكان وتضيع عليه ـ على الأقل ـ بطاقة دعوة، وقد تقع تلك البطاقة الضائعة في يدي.
ثم تخيلت بعد ذلك بأني ألقيت كلمة ـ بوصفي مدعوا عن طريق الخطأ ـ في ندوة " أية حكامة نريد بعد خمسين سنة؟"
وتخيلت أني قلت :
أيها الحاضرون بأجسادهم والغائبون بعقولهم ... أيتها الحاضرات الغائبات ( هذه الفئة تمثل نسبة هامة من الحضور).
أيها الحاضرون بأجسادهم والحاضرون بعقولهم ... أيتها الحاضرات الحاضرات (هذه الفئة تمثل أقلية في القاعة).
أيها الغائبون بأجسادهم الحاضرون بعقولهم ... أيتها الغائبات الحاضرات (هذه تمثل نسبة ليست بالقليلة من الغائبين).
أيها الغائبون بأجسادهم الغائبون بعقولهم ... أيتها الغائبات الغائبات ( هذه الفئة تمثل أغلبية الغائبين).
حدث هرج ومرج كبير بعد تلك الكلمات، وتخيلت أني سمعت أكثر من في القاعة يطالب بإخراجي أو إسكاتي على الأقل. ثم تخيلت بعد ذلك أن أستاذي الذي أقدره كثيرا ( رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ) تدخل عندما تذكرني ـ رغم مرور ما يزيد على عقدين من الزمن على آخر لقاء ـ و طلب من الحضور أن يسمحوا لي بالمواصلة، ثم طلب مني في المقابل أن أكون أكثر جدية في حديثي.
من حسن حظي أن رئيس الحزب الحاكم الحالي هو أستاذي للاقتصاد المالي في جامعة نواكشوط ، كما أن رئيس الحزب الحاكم السابق (عادل ) هو أستاذي للتخطيط ، وربما يكون رئيس الحزب الذي سيحكم مستقبلا هو أستاذي أيضا.
استجبت لأستاذي رغم أني كنت أود من خلال تلك التصنيفات التي أغضبت بعض المدعوين أن أثير نقطة هامة وأساسية، تتمثل في أن هناك أصنافا من الناس يتكرر حضورها الجسدي لكل ندوة أو نقاش دون أن تكون لها القدرة على تقديم أي شيء مفيد. في الوقت الذي تحرم فيه مجموعات أخرى من الحضور كان بإمكانها أن تثري النقاش، لذلك فأنا أعتقد بأن أول ما علينا فعله، هو أن لا نجامل في الدعوات عندما يتعلق الأمر بنقاش قضايا هامة ومعقدة كما هو الحال بموضوع ندوة الأغلبية.
المهم أني بدأت في قراءة الورقة التخيلية التي أعددتها بشكل سريع بسبب تأخري في تخيل إمكانية المشاركة. كانت الورقة مملوءة بالكلام المر الذي وجدت من الضروري أن يشاركني المؤتمرون في تجرع مرارته.
أولا عن أزمة مواطنة : هناك سؤال يؤرقني دائما سأطرحه على المؤتمرين عسى أن أجد فيهم من يجيبني : فمن نحن؟ وما هو الموريتاني؟ فهل نحن مجموعات من القبائل المتصارعة والتي كان قدرها أن تعيش على أرض واحدة ؟ أم نحن مجموعة من العبيد التي يحق لها أن تتحالف مع الشيطان لكي يحررها من البربر الظالمين المتوحشين ؟ أم هل نحن مجموعة من الزنوج التي تسعى لتأسيس دولة زنجية على الضفة الثانية من النهر ؟ أم هل نحن عرب عاربة أو مستعربة ؟ هل نحن صحراويون ثوار؟ أم نحن مغاربة ملكيون ؟ أم ليبيون أمميون ؟ أم مصريون ناصريون ؟ أم بعثيون عراقيون أو سوريون ؟ أم أننا لسنا عبيدا، ولسنا زنوجا، ولسنا عربا، وإنما نحن لاتينيون كوبيون وثوار جيفاريون ؟ أم أننا على النقيض من ذلك كله، فنحن إسلاميون تبليغيون لا يهمنا ما يدور في البلد من أحداث سياسية ؟ أم أننا عكس ذلك، إسلاميون غارقون في السياسة حتى التراقي ؟ يهتم بعضنا بما يدور في أطراف العالم الإسلامي أكثر من اهتمامه بما يدور على هذه الأرض المسلمة. ولماذا نحن نقبل ـ وهذا هو السؤال الذي يحيرني دائما ـ أن نكون كل شيء ولا نرفض إلا شيئا واحدا، وهو أن نكون موريتانيين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هذه ليست دعوة للقطرية الضيقة، وإنما هي دعوة لإعادة صياغة ترتيب الولاءات مع تخيل وجود بلد يستحق علينا واجبات ـ على الأقل ـ مقابل الإقامة فيه.
فمن المؤسف حقا أن أزمة الهوية والمواطنة في هذا البلد، هي أزمة نخبة، قبل أن تكون أزمة عامة. فهناك من النخبة من لا يهمه ـ إطلاقا ـ ما يحدث في هذا البلد الغارق في الأزمات، والذي لا تتركه مصيبة إلا لتسلمه لمصيبة أكبر. ولا تنقشع عنه أزمة إلا بعد أن تكون نذر أزمة أكبر قد بدأت تلوح في الأفق.
وهناك في هذا البلد من لا يكتب ـ رغم شوق القراء لما يكتب ـ إلا إذا أسيء إلى شقيق مجاور، وهناك من لا يكتب ولا يهتم إلا بذكرى ميلاد الزعيم ،أو بذكرى وفاة الزعيم الآخر، أو بذكرى استشهاد الزعيم الثالث، أو بذكرى ثورة الزعيم الرابع، أما غير ذلك من الأحداث فهو تافه لا يهم. ولا يستحق أن نكتب أو نتحدث عنه. حتى ولو تعلق الأمر بأحداث جسام تكاد تعصف "بالبلد الثاني" الذي يحمل ذلك "الموريتاني" جنسيته.
وكثيرا ما يساء إلى هذا البلد دون أن يجد من أبنائه من يرد على تلك الإساءة (هذا إذا ما استثنينا قلة قلية جدا من أبنائه ) وذلك في الوقت الذي توجد فيه كتائب، وطوائف، وميليشيات جاهزة، أو مجهزة، لكل منها خط أحمر، لا يمكن التحدث عنه . فتارة يكون ذلك الخط الأحمر أشقاء يطالبون بالاستقلال ، وتارة يكون زعيما عربيا توفي منذ عقود من الزمن، وتارة يكون رئيسا شهيدا، وتارة يكون زعيما عربيا لم يزل يحكم، وتارة يكون ذلك الخط الأحمر رمزا محليا لشريحة ما، أو لحزب ما، أو لحركة ما.
شيء واحد مستباح ولا توضع أمامه الخطوط الحمراء ولا حتى الصفراء: إنه موريتانيا وسيادتها ورموزها.
فمن المؤسف أنه في هذا البلد يوجد من يقدس بعض الرؤساء العرب، ولا يسمح بالتحدث عنهم، ومع ذلك فهو يصف رئيس موريتانيا بالحاكم العسكري ويصفه بألفاظ لا تليق. إن رئيس موريتانيا ـ للتذكير ـ هو أكثر الرؤساء العرب على الإطلاق شرعية منذ الانتخابات الرئاسية الماضية، شئنا ذلك أم أبينا. وهو الرئيس العربي الوحيد ـ أقول الوحيد، ثم أكرر الوحيد ـ الذي يمكن للمواطن أن ينتقده ـ سرا وعلانية ـ وينام بعد ذلك قرير العين . (مأساة حنفي التي كانت تشكل استثناء قد تعرف فرجا قريبا، فالرئيس تعهد بأنه سيأخذ بعين الاعتبار توصيات الندوة). وهذا الكلام لا يعني بأي حال من الأحوال أن لا ننتقد الرئيس، بل يجب علينا أن ننتقده، ولكن بوصفه رئيسا للجمهورية، إن كنا حقا نحترم هذا البلد الذي نعيش فيه .والذي يعتبر الرئيس رمزا من رموزه . ولمن سيزايد هنا فليقرأ : " الرئيس على الخط " أو "جحيم خمس نجوم" أو " تأملات في اللاشيء " .....ثم بعد ذلك فليزايد كما شاء. وهنا أغلق القوس الذي فتحته دون إشعار.
ومشكلتنا التي يجب علينا أن نتحدث عنها بشكل صريح هي أننا وطن يتشكل من عدة أوطان وعدة أعراق وعدة وإيدولجيات ...ومشكلتنا هي أننا من أقل بلدان العالم وطنية ( ولو كان هناك مقياس دولي للوطنية لكنا في أسفل اللائحة كما هو حالنا مع القضاء على الفقر والأمية والرشوة) ومشكلتنا أنه يوجد في هذا البلد ما يزيد على ثلاثة ملايين مواطن موريتاني بالبطاقة ، ولا يوجد فيه إلا قلة ممن هم موريتانيون بالشعور وبالانتماء وممن هم قادرون أن يجعلوا ولاءهم للوطن فوق أي ولاء آخر، سواء كان ذلك الولاء للقبيلة، أو للشريحة، أو للايدولوجيا، أو للحزب السياسي .
مشكلتنا في هذه البقعة من الأرض أننا نحن هم البلد الوحيد الذي يُهَمَّش فيه المواطن الصالح الذي يحب وطنه، يهمش لأنه لا يرضى أن يستنفر قبيلة، أو شريحة ،أو حزبا، من أجل أن يحصل على أبسط حقوق المواطنة. فالشهادات العالية لا تكفي للحصول على وظيفة إن لم "تزين" بوساطة وجهاء القبيلة أو الشريحة أو الحزب. الشيء الذي يساهم في تعميق الولاء للقبيلة على حساب الولاء للوطن .وما يحدث في التوظيف يحدث في كل الخدمات الأخرى التي يفترض أن تقدمها الدولة لمواطنيها.
مشكلتنا في هذا البلد هي أن المواطن الصالح يولد مهمشا، ويعيش مهمشا، ويموت مهمشا. ونسأل الله أن لا يبعث مهمشا. في حين أن ابن القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، يولد معززا، ويعيش معززا، ويموت معززا، بشكل يتناسب طرديا مع علاقة السلطات الحاكمة بقبيلته أو بشريحته أو بحزبه أو حتى بامتداده وولائه الخارجي.
فأي حكامة نريد بعد خمسين عاما ؟ إننا نريد وطنا نعيش فيه، لأننا لم نعد نطيق العيش بين مجموعة من القبائل التي تتنافس، أو بين مجموعة من الشرائح التي تتصارع ، أو بين مجموعة من الايدولجيوت التي تتباغض.. لقد سئمنا تلك الحياة .. سئمناها ..سئمناها .. أتسمعون يا مؤتمرون ؟؟ أتسمعون أيها الحاضرون ؟؟ أتسمعون أيها الغائبون؟؟
إننا نريد وطنا يحبه الموريتاني الزنجي أكثر من حبه لأي بلد إفريقي آخر، حتى ولو كان مليئا بأقربائه. و نريد وطنا يحبه الموريتاني العربي أكثر من حبه لأي بلد عربي آخر، إننا نريد وطنا يكون لمواطنيه اهتمامات مشتركة، بغض النظر عن الشريحة أو القومية. إننا نريد وطنا يدافع فيه الموريتاني العربي عن كل القضايا التي تهم الموريتانيون الزنوج. ونريد وطنا نري فيه الموريتانيون الزنوج في الصفوف الأمامية في كل تظاهرة تنظم لصالح إخوتهم في الدين، من المظلومين في فلسطين، أو في العراق، أو في أفغانستان.. إننا نريد وطنا يكون فيه الموريتاني الذي لم يعاني من العبودية هو من أشد الموريتانيين تحمسا لمواجهة مخلفاتها.إننا نريد وطنا لا يسمح فيه الموريتانيون العرب لأي كان بأن يكون عربيا قبل أن يكون موريتانيا. ولا يسمح فيه الموريتانيون الزنوج لأي كان بأن يكون إفريقيا قبل أن يكون موريتانيا.
إننا ببساطة شديدة ـ يا سادة يا كرام ـ نريد أن يكون الولاء للوطن على رأس قائمة ولاءاتنا، ثم يأتي بعد ذلك فراغ كبير يرتب بعده كل واحد منا ولاءاته الأخرى وفق ما يحلو له.
فهل ستحققوا لنا ذلك ؟ أم أنه علينا أن نستجلب ذرية صالحة من أمة أخرى تعمر هذه الأرض الطيبة؟ كما كان يقترح الكاتب الكبير أستاذي للفرنسية في ثانوية لعيون حبيب محفوظ رحمه الله.
ثانيا أزمة النخبة : إننا نحن البلد الوحيد الذي تُوَجِّه فيه العامة نخبها ، فبعد أن فشلت النخبة خلال العقود الماضية في التأثير على العامة لأسباب لا يتسع المقام لبسطها، أصبحت العامة هي التي تؤثر وتوجه وتحدد سلوك النخبة. واكتفت النخبة بلعب الدور الذي حدده له المجتمع، على طريقة الفن الهابط " الجمهور عايز كدة ". فأصبح "المثقف" عبارة عن معول لهدم ما بقي من قيم وأخلاق. فهو يسرق المال العام لأن الزوجة عايزة كدة، والقبيلة عايزة كدة، والمجتمع عايز كدة، وهو ينافق ويكذب ويصفق بأياديه وبأرجله لأن الجمهورـ عفوا السلطة ـ عايزة كدة.
ورغم أن الحديث عن أزمة النخبة يحتاج إلى ورقة كاملة، فإنني مع ذلك سأكتفي هنا بملاحظات سريعة عن جزئية واحدة دار حولها جدل كبير ألا وهي ضرورة تجديد النخبة.
الملاحظة الأولى : إن تجديد النخبة ـ خاصة السياسية منها ـ ليست عملية آلية تتم من خلال استقالة النخبة القديمة لتحل محلها نخبة جديدة.
الملاحظة الثانية : لقد أثبتت أغلبية النخب الشابة بأنها قصيرة النفس، عكس النخب القديمة، التي أثبت بعضها نفسا طويلا في النضال وفي الكفاح ، وتلك إيجابية كبيرة تحسب لشيوخ المعارضة.
الملاحظة الثالثة : إن ما يمكن عمله هنا هو إتاحة الفرصة للنخب الشابة لكي تظهر وتثبت وجودها، حتى تصبح بعد ذلك قادرة على سد الفراغ الذي ستخلفه النخب القديمة.
الملاحظة الرابعة : من المضحك المبكي أن بعض النخب الإعلامية القديمة والتي عُرِفَت بالتطبيل لكل الأنظمة السابقة هي التي تطالب ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ بضرورة تجديد النخب السياسية.
فالحكومة ـ يا سادة الإعلام الرسمي ـ لا تستطيع أن تجدد النخبة السياسية خاصة المُعَارِضة منها، والتي هي المستهدفة بخطاب التجديد. ولكن الحكومة في المقابل بإمكانها أن تجدد نخب الإعلام الرسمي التي تضرها أكثر مما تنفعها . كما أنه على المعارضة أن تطالب ـ وتلح على ذلك ـ بضرورة تجديد تلك النخبة الإعلامية التي شوهت في الماضي سمعة المعارضة، وذلك ـ بالتأكيد ـ سيكون أفضل بكثير من مقاطعة البرامج التلفزيونية.
ثالثا أزمة الأفكار: يمكن لنا أن نُعَرِّفَ الموريتاني بأنه هو الكائن البشري الوحيد الذي لا يستطيع أن يفكر لمدة خمس دقائق متواصلة في مشكلة عامة تهم بلده . كما يمكن تقديم تعريف آخر أكثر دقة وهو أن الموريتاني هو الكائن البشري الوحيد الذي يفكر بدماغه عندما يتعلق الأمر بمصلحة خاصة . ويفكر بأمعائه عندما يتعلق الأمر بمصلحة عامة. لذلك فقد أصبح من الضروري سَنُّ قانون يجرم التفكير بالأمعاء أثناء أوقات الدوام الرسمي.
إن لدينا في الحقيقة أزمة في الأفكار لأنه لا أحد يفكر في مصلحة هذا البلد . ولو أن كل واحد منا خصص خمس دقائق يوميا للتفكير وللبحث عن حلول لهموم هذا البلد ، لكان حالنا غير هذا الحال. يقول واحد من الأذكياء وهو " أينشتاين " بأنه من السذاجة أن نتوقع نتائج مغايرة إذا ما استخدمنا نفس أساليبنا القديمة. ولقد كان واحد من أغنياء هذا العالم وهو " بيل كيت" الذي يملك ثروة تعادل ميزانية خمس دول من "نمور آسيا" يُجَرِّدُ ـ قد لا يكون ذلك في يوم الخميس ـ كل عامل يكرر نفس الفكرة مرتين!
أما نحن فإننا نكرر نفس الفكرة الغبية أكثر من خمس مرات متوالية .
فالتعليم ـ كمثال ـ فشل فشلا كبيرا، وهو فشل انعكس سلبا على كل شيء، ولكننا بدلا من أن نفكر في إصلاحه فقد اكتفينا بدمج وتقسيم وزارة التعليم بشكل عبثي وصبياني حتى أصبحت هي الوزارة الأكثر انشطارا في العالم.
أتدرون كم من مرة انشطرت وزارة التعليم خلال السنوات الخمس الأخيرة ؟ لقد كانت وزارة واحدة قبل 3 أغسطس، ثم تحولت إلى وزارتين في المرحلة الانتقالية الأولى، ثم توحدت من جديد بعد تنصيب الرئيس السابق ، ثم انشطرت من جديد مع حكومة أستاذي الأولى، ثم توحدت في حكومته الثانية، ثم انشطرت من جديد مع الحكومة الحالية ، وربما تتوحد للمرة الرابعة بعد أن انشطرت ثلاث مرات في أقل من خمس سنوات!!!
أليس من السذاجة الكبيرة أن نتوقع إصلاحا للتعليم بهذه الطريقة ؟؟؟ وكيف يصلح التعليم ونحن منذ خمس سنوات مشغولون ومنشغلون بالإجراءات المصاحبة للدمج و للانشطار؟؟
ألا تسمعون... فما لكم إذاً لا تجيبون ؟؟؟
رابعا الأزمة الأخلاقية :
نحن كنا دولة بلا بنية تحتية، فلم تكن فينا مدارس ،ولا شوارع،ولا مستشفيات، لذلك فإن الواقع السيء لبنيتنا التحتية والتي تعتبر أسوأ بنية تحتية في المنطقة، ليس هو أسوأ ما نعاني منه .
إن أعظم مصائبنا هي أننا كنا بلدا له بنية أخلاقية، تشكل نظام وقاية لنا ضد كل الأخطار.
وهذه البنية انهارت تماما، وبسرعة مخيفة، فأصبحنا اليوم نعيش أزمة قيم ،وأزمة أخلاق، وأزمة نخبة، وأزمة مواطن، وأزمة مجتمع، وأزمة إدارة ...
لقد انعكست تلك الأزمة الأخلاقية على الإدارة، فالتعيين والاكتتاب أصبح يعتمد أساسا على مدى الاستعداد للتزلف والنفاق للسلطات الحاكمة. وبالطبع فإن من هو أقل كفاءة ،وأقل أخلاقا، هو الأكثر استعدادا للنفاق والتزلف. أما الأكفاء الذين يمتلكون شيئا من الأخلاق، فيصعب عليهم القيام بتلك التصرفات المشينة، الشيء الذي جعل الإدارة تستقطب الأسوأ وتطرد الأفضل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
ومنذ سنوات استوقفتني ظاهرة غريبة أثناء إعداد دراسة عن الأمية تحت عنوان " الأمية في موريتانيا مشاكل وحلول". لقد استغربت حينها أن نسبة محو الأمية كانت أعلى قبل إنشاء وزارة خاصة بمحاربة الأمية ،هناك إحصائيات رسمية تؤكد ذلك، أي أن القضاء على الأمية كان أفضل قبل أن تخصص موارد ضخمة ووزارة لمحاربة الأمية. هذا ما لم يكن الرئيس الأسبق معاوية يحب سماعه. (لقد أرسلت له ـ إبراء للذمة ـ نسخة من تلك الدراسة عن طريق البريد المضمون، وسلمت نسخة أخرى لعمال القصر لكي يوصلوها إليه).
نفس الشيء حدث بعد ذلك مع التعليم عندما خُصِصَّت له ولأول مرة وزارتان في المرحلة الانتقالية الأولى . ولقد اعترف الوزير الأول بعد انتهاء مأموريته بأن حكومته فشلت تماما في التعليم.
الظاهرة تكررت أيضا مع الرئيس السابق الذي انصب اهتمامه على محاربة الفقر، وأطلق برنامج التدخل الخاص، ومع ذلك فقد شهد عهده أول ثورة جياع ماتت فيها نفس بريئة.
وقبل محاربة الأمية حدث نفس الشيء مع الزراعة التي أعطت أسوأ النتائج في الأعوام التي خُصِصت فيها الموارد الضخمة للزراعة. وقبل الزراعة حدث نفس الشيء مع الصيد البحري.
فلماذا يزداد انهيار القطاع كلما زاد اهتمام الدولة به، من خلال تخصيص الموارد الضخمة لإصلاحه ؟ ثم أليس من الأفضل أن تحجب الدولة الموارد المالية عن القطاعات التي تريد إصلاحها، إذا كان ضخ الأموال لا يؤدي إلا لمزيد من الانهيار ؟؟
إن أزمتنا الأخلاقية هي التي يمكن لها أن تقدم تفسيرا منطقيا لتلك الظاهرة الغريبة ، فضخ الأموال في قطاع ما، سيجعله قبلة لكبار المفسدين واللصوص والمنافقين والمتزلفين في الإدارة، الشيء الذي يجعل ضخ الأموال في قطاع ما نقمة عليه لا نعمة .
خلاصة : إننا نعيش أزمات عميقة في كل المناحي ، أزمات عن اليمين ، وأزمات عن الشمال ، أزمات من فوق ، وأزمات من تحت، أزمات تأتي فرادى، وأخري تأتي مثني مثني، وأزمات أخرى لا تأتي إلا بالجملة.
وإنه لن يكون بإمكاننا أن نواجه تلك الأزمات ، إلا إذا استحضرنا مقولة لأينشتاين أيضا تقول : " إن الأزمات العميقة لا يمكن مواجهتها بنفس العقليات والأساليب التي أنتجتها".
وهذه المقولة سنكتشف أهميتها عندما نحصد ـ إن شاء الله ـ النتائج المثمرة للحوار مع السجناء السلفيين، والذي شكل بالفعل أسلوبا جديدا وطريقة جديدة تختلف عن أساليبنا التقليدية التي كانت تتسبب في المزيد من التطرف والإرهاب.
تصبحون وأنتم موريتانيون ........

الأحد، 17 يناير 2010

الكرامة العربية بأحرف معتدلة


ربما يكون البعض قد اعتقد سذاجة بأن حكام العرب سيعيشون صحوة تعيد إليهم شيئا يسيرا من كرامتهم الضائعة. وقد يكون السبب في ذلك الاعتقاد هو الصعود الحاد والمفاجئ الذي عرفته "كرامتنا الكروية " خلال مباريات مصر والجزائر في إطار تصفيات كأس العالم (من المؤسف أن كرة القدم لم تظهر في العصر الأموي أو العصر العباسي حتى تكون لنا كؤوس تراثية نفاخر بها الأمم الأخرى التي لها كؤوس وألقاب كروية معاصرة).
ربما يكون البعض قد اعتقد بأن تلك الطفرة التي عرفتها كرامتنا الكروية سيصاحبها صعود موازي في جوانب الكرامة الأخرى . وربما يكون البعض قد اعتقد ـ ولو للحظة ـ بأن الجدار المصري إنما جاء ليشكل ثورة على تلك الكرامة المعتدلة أو "المعدلة وراثيا" والتي أذلتنا كثيرا .. فربما يكون الجدار الفولاذي قد تم تشييده من أجل وقف تهريب الغذاء والدواء الذي كان يتم من خلال أنفاق تحت الأرض، لأن الكرامة العربية ـ قبل أن تعتدل و تُعَدَّل ـ لم تكن تسمح للعربي بأن يخفي الطعام والدواء الذي يساعد به جاره وابن عمه المحاصر.
وربما تكون فتوى الأزهر قد جاءت في هذا الإطار لتؤكد تلك الحقيقة. فعلماء الأزهر يعلمون بأن آلاف القطط قد تموت في " غزة " بفعل الجدار، وهم يعلمون كذلك بأن هناك امرأة دخلت في النار لأنها حبست هرة واحدة عن الطعام.
ولأنهم يعلمون ذلك، فربما تكون فتواهم قد جاءت من أجل إجبار النظام المصري على تقديم الغذاء والدواء والسلاح للأخوة في الدين والدم والجوار، بشكل علني، يتناسب مع عزة و كرامة العربي المسلم. تلك الكرامة التي تم تعديلها وتحريفها كثيرا في العقود الأخيرة حتى لا تتعارض مع " كرامة العدو" التي يدافع عنها الحكام العرب أكثر من دفاع العدو عنها (لاحظوا أن العدو قد اضطر لبناء جدار إلكتروني ولم يستطع ـ عكس مصر ـ أن يبنيه من الفولاذ "رأفة" بأهلنا في غزة).
من سمع الرئيس المصري ـ ذات يوم ـ يتحدث عن حرب تموز ويصفها بأنها " لعب عيال" ربما يعتقد بأنه قد شيد الجدار لكي يقدم المؤونة لأخوته في وضح النهار، وأمام الملأ، كما يفعل الرجال عادة، عكس ما كان يقوم به "عيال" حزب الله، الذين يحاكمهم القضاء المصري لأنهم كانوا يتخفون وهم يمدون يد العون لإخوتهم في "غزة". وهو تخفي لا يتلاءم مع الكرامة والشهامة العربية والإسلامية الأصيلة.
فالنظام المصري الذي يقوده "رجال " يختلفون تماما عن " عيال" حزب الله، ربما يكون قد قرر ـ ولو في وقت متأخرـ أن يقود صحوة عربية للدفاع عن الكرامة العربية المسلوبة.
والنظام المصري "الحساس جدا " ربما يكون قد استاء من صعود مؤشرات " الكرامة الفارسية " و " الكرامة العثمانية " و " الكرامة الفنزويلية " التي أذلت كثيرا الزعماء العرب بدفاعها عن قضاياهم في وقت اشتغلوا هم فيه بحروب كروية طاحنة.
وقد يكون الرئيس المصري قد أغاظه كثيرا أن يخرج " تركي " غاضبا من منتدى "دافوس" انتصارا للعرب، في الوقت الذي عجز فيه مصري، وهو "الأمين العام للكرامة العربية المعتدلة"، عن أن يتحرك من مكانه، وبقي "معتدلا" في جلسته، كأنه تمثال تم تحنيطه منذ آلاف السنين قبل تأسيس دولة الصهاينة وقبل أن تعيش مصر ومن ورائها العرب كلهم هذا الذل والهوان الذي يعيشونه اليوم.
وربما يكون الرئيس المصري قد أغضبه كثيرا ذلك الاعتذار المكتوب الذي قدمته إسرائيل وهي ذليلة، حقيرة، للحكومة التركية. في وقت يضطر فيه هو أن يعتذر بالغمز، وباللمز، وبالهمز، وبصريح القول للعدو في كل صباح ومساء، لأنه لم يزل في شعبه من يتألم بقلبه لما يحدث في فلسطين، ولأنه لم يزل في شعبه من يتجرأ على الدفاع عن الكرامة العربية حتى ولو تم ذلك من خلال لقطات من فيلم "أولاد العم".
وبالمناسبة فأولاد العم الذين تخلى عنهم الأقرباء سخر الله لهم أبناء عمومة جدد من تركيا، ومن إيران، ومن فنزويلا، وحتى من الإنجليز يناصرونهم بكل ما هو متاح.
وربما يكون الرئيس المصري قد أغضبته تلك العزة التي يتفاوض بها الرئيس الإيراني مع " الشيطان الأكبر" رغم أن إيران ليس لها امتداد قومي في المنطقة. أما أسن الزعماء العرب والذي يقود أكبر دولة عربية فإنه لا يُسْمَحُ له بالتفاوض، وإنما تأتيه أوامر شيطانية عليا، يجب عليه أن ينفذها فورا وبطريقة مذلة ومشينة ومخزية وحقيرة.
فربما يكون إذاً الرئيس المصري قد أغضبه كل ذلك، وقرر فجأة أن يستعيد لمصر دورها ومكانتها التي تليق بها، وهي قيادة العرب إلى العز والكرامة، بعد أن قادتهم في العقود الماضية باتفاقية "كامب ديفد" إلى الكرامة المعتدلة التي تمثل الدرك الأسفل من درجات الذل والهوان..
تلكم كانت مجرد أوهام وأمنيات لن تتحقق، فالرئيس المصري لم يعد يغضب بعد أن تفرغ لأمرين أساسيين اثنين : أولهما الدفاع عن التوريث، وثانيهما الدفاع عن الكرامة الرياضية المصرية التي يحاول الأشقاء ـ كل الأشقاء ـ النيل منها .
سيعمل العدو كل ما في وسعه من أجل تحذير العرب المعتدلين من خطورة المد التركي القادم، وسينبش منظرو الاعتدال تاريخ العثمانيين، وسيختارون أسوأ ما في ذلك التاريخ لتأكيد مزاعم العدو، وسيقود الرئيس المصري حلفا جديدا من المعتدلين العرب لمواجهة الخطر العثماني الزاحف الذي سيتحول في المستقبل القريب إلى تهديد أخطر من التهديد اليهودي ..
للرئيس المصري ولمنظري الاعتدال نقول : لو خيرنا بين أن نكون عربا معتدلين أو أتراكا لاخترنا أن نكون أتراكا أو إيرانيين أو حتى فنزوليين بالتجنس.
بل وفوق ذلك فإننا نقول بأننا أصبحنا نحتاج لأن نتعلم التركية أو الفارسية أو "التشافيزية "حتى، لكي نفهم كلمات من قبيل " الكرامة " أو " السيادة " أو " الأخوة" التي لم تعد لها أي شحنة دلالية إذا كتبت بأحرف عربية. اللهم إذا استثنينا تلك الكلمات التي يكتبها أطفال غزة أو " عيال" حزب الله.
تصبحون على كرامة عربية غير معتدلة ..

الاثنين، 11 يناير 2010

سري للغاية ...إلى رئيس الجمهورية ، كيف أصبحت إرهابيا !؟


سيدي الرئيس، أجدني مجبرا وملزما في نفس الوقت بأن أقول لكم وبوضوح شديد في بداية هذه الرسالة المفتوحة بأنه لو كانت القاعدة تمنح الأوسمة والتوشيحات لوشحت والي نواكشوط بأعلى وسام لديها على جهوده الجبارة التي يقوم بها من خلال سد كل الأبواب أمام الشباب للمشاركة الإيجابية في تنمية بلدهم، الشيء الذي قد يدفع بعضهم ـ لا قدر الله ـ إلى ردود أفعال طائشة وإلى طرق أبواب التنظيمات الإرهابية.
وفي هذه الرسالة المختصرة جدا ـ عكس الرسائل السابقة ـ سأحدثكم عن بعض تلك "الجهود الجبارة" التي كنت شاهدا عليها مع مجموعة من خيرة شباب هذا البلد.
لقد حاول بعض الشباب المنخرط في بعض الأندية والجمعيات الشبابية أن يقدم بعض الأنشطة الشبابية ضد الفساد، وذلك من أجل فتح قنوات للعمل الشبابي للمشاركة ميدانيا في الحرب المعلنة ضد الفساد.
ولقد كان من المفترض أن تبدأ تلك الأنشطة بتنظيم وقفة شبابية ضد الفساد مع بداية العام الجديد وذلك لتقديم نشاطين اثنين :
أولهما : تكريم الشرطي المعروف بشرطي نادي الضباط والذي يشهد له الجميع بالاستقامة وبالتفاني والإخلاص في العمل والذي لم يحصل ـ حتى الآن ـ على أي تكريم رغم أنه سيحال إلى التقاعد مع مطلع العام القادم.
ثانيهما : توزيع كميات كبيرة من شعار الحملة ووضع ملصقات الشعار في الإدارات التي تكثر فيها ممارسة الرشوة . ولقد تم اختيار " أنا مسلم .. أنا لا أرشي ولا أرتشي" كشعار للحملة وذلك للتذكير بأن المسلم الحقيقي لا يتعاطى الرشوة ولا يتعبد بسرقة أموال الفقراء والأيتام والمستضعفين.ولقد تم اختيار ذلك الشعار لمواجهة بعض المفاهيم الخاطئة التي ظهرت في السنوات الأخيرة والتي أفرزت بعض " العباد " الجدد الذين يصلون في المساجد، ويحجون ،ويصومون، ويتصدقون، ومع ذلك فهم لا يتورعون عن سرقة المال العام المخصص للأيتام وللمعوقين وللفقراء بصفة عامة .
ولقد قررت تلك الأندية أن تعتمد في كل أنشطتها على مواردها الذاتية المتواضعة، وعلى مشاركة أعضائها. ولقد استطاعت ـ بعد جهد كبيرـ أن توفر الأقمصة والقبعات واللافتات والملصقات الضرورية لتنظيم تلك الوقفة الشبابية، الشيء الذي جعلها ـ بعد أن جهزت كل شيء ـ تتقدم إلى الوالي بطلب الترخيص لتلك الوقفة.
وبعد أسبوع من التردد على مكتب الوالي، وبعد كثير من الإهانة ،و من الوعود الكاذبة، ومن الطرد في بعض الأحيان ـ بشكل غير لائق ـ من مكاتب الولاية، تم إبلاغ المجموعة بأن الوالي قد رفض الترخيص لتلك الأنشطة.
كان قرار الرفض مفاجئا رغم كل الإشارات السلبية التي سبقته، كان مفاجئا لأن محاربة الفساد هي العنوان الأبرز للعمل الحكومي .وكان مفاجئا لأنه جاء بعد أيام قليلة من رعايتكم لمنتدى الشباب. وكان مفاجئا لأنه جاء في وقت كان من المفترض أن نتعاون فيه جميعا ـ حكومة وشعباـ حتى لا نسمح للإرهابيين باكتتاب إرهابيين جدد.
ورغم ذلك فلم نيأس وحاولنا مرة أخرى من خلال تقديم نداء تم نشره في بعض المواقع والصحف الوطنية، طالبنا فيه السيد الوالي بأن يراجع قراره، وأن يسمح لنا بالقيام بتلك الوقفة الشبابية.
أصر الوالي على رفض الترخيص، الشيء الذي شكل صدمة كبيرة للشباب المطالب بتلك الوقفة، وهي صدمة جعلت بعضهم يسألني بصوت حائر، غاضب ، مخيف : لماذا لم يرخصوا لنا ؟ ولأني أخشى من أن يتحول الحماس الزائد، والوطنية العالية، والقدرات الكبيرة لبعض أولئك الشباب إلى كراهية وأفعال انتقامية ضد هذا المجتمع الذي يرفض أن يفتح لهم قنوات للمشاركة الإيجابية في تنمية البلد ، فلأني أخشى ذلك، ولأني لا أملك جوابا على السؤال، فقد قررت أن أطرحه أنا بدوري في ختام هذه الرسالة المفتوحة ، فلماذا لم يرخصوا لنا؟؟؟
وإلى الرسالة المفتوحة السادسة إن شاء الله، وفقكم الله لما فيه خيرالبلد...

الأحد، 3 يناير 2010

كلفة التغيير البناء




سيحاول هذا المقال أن يتحدث عن فرص نجاح التغيير البناء من منطلق علمي بحت واعتمادا على القانون الرياضي الشهير الذي يعتبر آخر ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا المجال:
C = A x B x D > X
إن هذا القانون هو الذي يحدد فرص نجاح أي تغيير سواء كان ذلك التغيير تغييرا بناء أو مؤتمنا أو هادئا أو صادقا أو حتى تغييرا في ظل الاستقرار.
وللاختصار فإننا سنقتصر هنا على مظهر واحد من مظاهر التغيير البناء، وهو المظهر الأكثر إثارة والأكثر تشويقا في ذلك التغيير كله، أي الحرب على الفساد التي أثارت جدلا كبيرا، خاصة في الأسابيع الماضية، بعد أن تم توقيف رجال الأعمال الثلاثة.
يقول القانون بأن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بــ "سي" تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة في معامل وضوح الرؤية في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى. ويقول القانون بأن هذا الناتج يجب أن يكون أكبر من "الإكس" والتي ترمز لكلفة التغيير.
وقبل الحديث بشكل مفصل عن عناصر معادلة التغيير فإنه من المهم جدا أن نتحدث قليلا عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقانونه، وهي مفاهيم قد تغيب عن كثير من المحللين والكتاب والدارسين.
1ـ سنختلف لا محالة في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في التغيير نفسه. بخلاف عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفتها إلا بشكل مؤجل ( وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون مواقف سلبية منه ).
فالحرب على الفساد لا بد أن تصاحبها ـ مع أول رصاصة تطلق ـ كلفة قد تترك آثارا مؤلمة ومؤلمة جدا. أما في حالة ترك الفساد على حاله فإن ذلك قد لا تكون له انعكاسات مؤلمة في الوقت الحالي، رغم أنه سيؤدي إلى نتائج كارثية في المستقبل المنظور.
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير إلى خصوم وأعداء لذلك التغيير. و يمكن هنا ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم في نجاح التغيير. كما أن هناك فئة الخاملين التي تعمل من أجل أن تبقى الأمور خاملة.
4 ـ إن هذا القانون يصلح لكل أشكال التغيير، سواء كان ذلك التغيير فرديا يخص الأفراد، أو كان تغييرا داخل مؤسسة، أو منظمة، أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (دي) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير . فهو يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
5ـ إنه عندما يكون أي عنصر من عناصر التغيير الثلاثة يساوي صفرا، فإن مستوى التغيير سيكون صفرا، لأنه حاصل عملية ضرب بين العناصر الثلاثة.
6 ـ إن من الأخطاء التي يقع فيها أغلب الكتاب هي النظر إلى نصف الكأس، وسواء منهم من ينظر إلى نصفها الفارغ، أو من ينظر إلى نصفها المملوء. علينا أن ننظر إلى الكأس بنصفيها الفارغ والمملوء. وهذا بالضبط هو ما تحاول معادلة التغيير أن تتحدث عنه بطريقة رياضية رائعة. فالبعض لسبب أو لآخر لا يرى من الحرب على الفساد إلا كلفتها، وهو بذلك ينتقدها انتقادا فظيعا. وأما البعض الآخر فهو لا يتحدث إلا عن إيجابيات تلك الحرب، وهو بالتالي يمدحها مدحا عظيما. أما من يحاول أن يتحدث عن الكلفة وعن النتائج في آن واحد ويقارن بينهما فإنه لا محالة سيقترب من الحقيقة. وإن كان ذلك الاقتراب سيسبب له متاعب كثيرة مع كلا الفريقين، وعلى حد سواء. قديما قالوا بأن قول الحقيقة يزيد عدد الأعداء.
7ـ إنه ليس من الممكن أن نغرق في تحليلات رياضية في مقال مكتوب لقراء من مستويات شتى، لذلك فسأكتفي هنا بتقديم معادلة التغيير. والمهم أن يعلم القراء أن لكل تغيير عناصر ثلاثة لا يمكن أن يحدث دونها، وأن حاصل ضرب تلك العناصر الثلاثة يجب أن يكون أكبر بكثير من كلفة التغيير.
العنصر الأول : مستوى درجة الاستياء من الظاهرة المراد تغييرها، وكلما ارتفع ذلك المستوى كلما أدى ذلك إلى نتيجة أكبر. وفي موضوعنا الذي نتحدث عنه فإنه يمكن القول بأن مستوى الاستياء من الفساد مرتفع جدا، فمجمل الأحاديث والكتابات والخطابات تتنافس كلها في تبيان خطورة تلك الظاهرة، لذلك فلن أتوقف كثيرا عند هذا العنصر.
والخلاصة بالنسبة لدرجة الاستياء هي أنها مرتفعة جدا.
العنصر الثاني : وضوح الرؤية والذي ترمز له المعادلة بحرف (بي ) وهو يستحق وقفة ليست بالقصيرة.
فقد تكون الرؤية واضحة بالنسبة لرئيس الجمهورية في حربه على الفساد. وقد يكون جادا، صادقا، في حربه تلك. ولكن هناك حقيقة في أدبيات التغيير لا يمكن تجاوزها هنا : ليس المهم أن يكون القائد على حق، ولكن المهم هو أن يستطيع أن يقنع أغلبية من يقود بأنه على حق.
إن هناك بعض المآخذ التي تشوش كثيرا على رؤية المواطن العادي لجدية هذه الحرب. وهي مآخذ يجب أن تصحح فورا، إذا ما أريد لهذا المواطن أن يشارك بجدية في الحرب على الفساد، ومن هذه المآخذ أذكر:
أولا : من المؤكد أن القضاء على الفساد يحتاج إلى ترغيب وترهيب، أي إلى عصا وجزرة. وإذا كنا ننقسم حول الأسلوب الذي استخدمت به العصا، حيث أن البعض يرى بأنها استخدمت بفظاعة ضد مجموعة دون أخرى، في حين أن البعض الآخر يرى أنها استخدمت بشكل مناسب، وبطريقة مناسبة لم تميز بين مجموعة ومجموعة. فإذا كنا نختلف على طريقة استخدام العصا، فإنه لا يحق لنا أن نختلف على طريقة استخدام الجزرة التي كانت سيئة جدا. فقد أعطيت الجزرة لمن لا يستحقها، هذا إذا ما تتبعنا كل التعيينات والتوشيحات التي تمت بعد التنصيب. بل أن هذه الجزرة قد تم إعطاؤها في بعض الحالات لبعض رموز الفساد، من خلال تعيينهم في وظائف حساسة. والخلاصة هنا أن نصف سلاح الحرب على الفساد، أي مبدأ المكافأة قد تم استخدامه بشكل سيء. أما النصف الآخر أي العصا أو العقوبة فهو محل خلاف كبير.
ثانيا : لقد شوشت كثيرا قضية رجال الأعمال الثلاثة على رؤية المواطن العادي لشفافية الحرب على الفساد. والغريب أن الدولة كادت أن تغلق هذا الملف بطريقة رائعة جدا، وبانتصار كبير، ولكنها ـ وهذا ما تفعله دائما ـ اختارت أن تشوش على ذلك العمل الرائع بقرارات غريبة جدا. فالراجح حسب ما يقال بأن البنك المركزي كان قد وقع اتفاقا مع رجال الأعمال، لاستعادة المبالغ المنهوبة. وهو ما يعني أن رجال الأعمال قد اعترفوا ضمنا بالتهمة الموجهة إليهم . كما يعني أيضا بأن الدولة كانت ستستعيد تلك المبالغ المنهوبة، ولو خلال فترة طويلة بلا كلفة تذكر. وهو ما كان سيعيد للدولة شيئا من هيبتها المفقودة. ولكن الحكومة اختارت ـ لسبب لا أفهمه ـ أن تفسد ذلك كله. واختارت أن تجعل لذلك الملف كلفة كبيرة على الحرب على الفساد. فبغض النظر عن الطريقة التي سيغلق بها ذلك الملف مستقبلا، فإنه لم يعد من الممكن إغلاقه إلا بكلفة كبيرة وكبيرة جدا كنا في غنى عن دفعها.
ونفس الشيء تمارسه الحكومة الآن. فبعد لقاء رئيس الجمهورية بنقابة الصحفيين، وبعد محاولة فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام الجميع، وبعد أن أصبح الكل يتوقع بأن الأشياء ربما تتحسن في هذا المجال مستقبلا. بعد ذلك كله، اتخذت الحكومة قرارات لا معنى لها للتشويش على تلك الصورة الجيدة التي بدأت تتشكل. ومن تلك القرارات إطالة الحبس التحكمي لحنفي و زيادة تكاليف الطباعة على الجرائد المستقلة. إنه "الإبداع " في صناعة الخصوم وهو الشيء الذي يبدو أن حكومتنا تتقنه بشكل جيد.
على الحكومة أن تعلم بأن حنفي لا بد أن يخرج من السجن. فهناك رأي عام يقف في صفه، وهناك نقابة للصحافة ستكون قضية حنفي هي قضيتها الأولى، فهي أول تحد تواجهه تلك النقابة بعد تأسيسها. لذلك فإن من مصلحة الحكومة أن تطلق سراح حنفي فورا قبل أن تزيد عليها المتاعب، وقبل أن تزيد من الكلفة التي سيسببها لها سجن حنفي. فكل يوم سيمر دون إطلاق سراح حنفي لابد أنه سيزيد من شك المواطن العادي في استقلالية القضاء.
وعلى من يهمه الأمر، أن يعلم بأن حنفي من طينة من البشر لا ينفع معها ما ينفع مع غيرها، أي الترغيب بالمال أو الترهيب بالسجن . حنفي تنفع معه طريقة واحدة، وواحدة فقط، ورغم أنها ليست بالطريقة السهلة إلا أنها هي المتاحة: مبارزة الكلمة للكلمة والفكرة للفكرة والمقال للمقال.
ثالثا : من الأشياء التي تركت غيوما كثيفة على الرؤية العامة يمكن ذكر ارتباك الحكومة، وارتباك خطابها الساذج في أغلب الأحيان. فالتغيير يحتاج لخطاب قوي جدا، وواضح جدا، يساعد في اكتتاب جنود جدد من خلال إقناع الخاملين والمثبطين، بدلا من خطاب مشوش قد يؤدي إلى انسحاب الكثير من أنصار الحرب، في بداية مشوارها، وفي وقت تحتاج فيه كثيرا إلى أولئك الأنصار.
وحتى لا يبقى هذا الحديث نظريا، فإن من المهم بمكان إسقاطه على ملف رجال الأعمال. وذلك لتسجيل ثلاث ملاحظات أضرت بذلك الخطاب كثيرا.
الملاحظة الأولى : لقد فشلت الحكومة في إقناع المواطنين بأن ملف رجال الأعمال ليس ملفا انتقائيا. وإذا كان هناك من يتهم بالانتقائية في هذا الملف فسيكون الرئيس الأسبق "معاوية". الشيء الذي يثير الضحك ، على الأقل في هذا الملف . وإذا كان هناك من يتهم بأنه اختار مجموعة أغلبها من قبيلة واحدة أو من جهة سياسية واحدة فهو الرئيس الأسبق "معاوية " الذي اختار تلك الأسماء واتهمها. أما الحكومة الحالية فقد وجدت أمامها ملفا كبيرا لم يغلق بعد. وهي لم تضف إليه اسما جديدا، ولم تحذف منه كذلك اسما.
الملاحظة الثانية : فشلت الحكومة في أن تقنع المواطن العادي بأنها كانت مجبرة على فتح ذلك الملف، ولم يكن أمامها خيار آخر. فهي التي وعدت ـ في وقت سابق ـ ذلك المواطن بالمحاربة الجادة للفساد. ثم وجدت أمامها ملفا لعشرات المليارات المنهوبة لم يتم إغلاقه. فما الذي كان بإمكانها أن تفعل؟ وهل هناك طريقة أخرى تنسجم مع برنامجها للتعامل مع ذلك الملف؟
الملاحظة الثالثة : فشلت الحكومة في الرد على من يقول بأن رجال الأعمال يملكون أدلة تبرئهم من تلك المليارات المنهوبة. وعجزت عن طرح سؤال بديهي جدا، ووجيه جدا : فإذا كان رجال الأعمال يملكون أدلة، فلِمَ لم يظهروها في الوقت المناسب، عندما تم فتح ذلك الملف؟؟؟ ولماذا لم يقدموا تلك الأدلة يوم كان الشهود يزاولون مهامهم، ويوم كان من يتهمهم لم يزل يزاول مهامه؟ ولِمَ لم يقدموها يوم كان فيه القضاء رحيما بمن ينهب الأموال الكبيرة وقاسيا مع من يسرق القليل ؟؟؟ لو فعلوها لأغلق ذلك الملف نهائيا، ولو فعلوها لاستراحوا هم وأراحوا غيرهم.
رابعا : من الأمور التي تساهم في عدم وضوح الرؤية عدم فتح قنوات للمشاركة الشعبية في هذه الحرب. لقد ذكرت سابقا وبشكل مفصل في مقال تحت عنوان " إعلان حرب " بأن الحرب على الفساد، لن يكتب لها النجاح، إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضده. واليوم لن أضيف جديدا لما قد قلت في السابق، سوى أن هناك كلمة تحت الشمس سيقولها بعض الشباب، أرجو أن تكون بداية لإطلاق الشرارة الأولى لتلك الانتفاضة.
الخلاصة : إن مستوى وضوح الرؤية لم يزل ـ حتى الآن ـ منخفضا جدا.
العنصر الثالث: مستوى الانجاز في الفترة الأولى: إن هناك وضعية سيئة نعيشها الآن، وهناك وضعية أفضل نحلم بها، ومن المفترض أن تكون هناك خطة حكومية، تنقلنا من الوضعية السيئة التي نتخبط فيها إلى الوضعية الأفضل التي نحلم بها، في مدة زمنية تقدر بخمس سنوات.
ويقول الخبراء بأن ما نقوم به في الأشهر الأولى أوفي السنة الأولى هو الذي سيتحكم في طريقة سيرنا في السنوات الخمس القادمة. فالحرب على الفساد تتطلب أولا أن نعرف مستوى الفساد الذي نعيشه اليوم ( إننا من أسوأ الدول العربية تقريبا، أما عالميا فإننا في الرتبة 130 ) . كما تتطلب منا أيضا تحديد موقع نطمح للوصول إليه في السنوات الخمس القادمة، وهو الشيء الذي لم تفعله الحكومة حتى الآن، وربما يكون السبب في ذلك هو أنها لا تريد تحديد هدف يمكن قياسه ويمكن أن تحاسب عليه. ولتلافي ذلك الخطأ فإني سأفترض جدلا بأن الحكومة تسعى خلال الخمس سنوات القادمة لأن يكون بلدنا هو الأول عربيا من حيث مستوى الشفافية، وأن يحتل ـ على المستوى العالمي ـ الرتبة رقم 35.
الخلاصة : علينا أن ننتظر حتى تنشر لائحة العام الحالي فإذا استطعنا بعد عام من الحرب على الفساد أن نقفز إلى الرتبة 100 مثلا فذلك يعني أن هذا العنصر مرتفع جدا. أما إذا حافظنا على نفس المستوى فإن ذلك سيعني أن مستوى الانجاز في العام الأول يساوي صفرا مما يعني أن درجة التغيير كانت صفرا.
تصبحون تحت الشمس مع " شباب ضد الفساد" ...