الاثنين، 22 فبراير 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية ... وللقصة بقية


سيدي الرئيس، لنستمع معا في بداية هذه الرسالة المفتوحة إلى أنين مهندس زراعي عاطل عن العمل : " أنا مهندس زراعي حاصل على شهادة مهندس منذ ثلاث سنوات، ولي ثلاث أخوة كل واحد منهم يحمل شهادة جامعية. نحن الأربعة لم نجد عملا مما جعلني أضطر لأن أهاجر إلى "غامبيا" لمزاولة أعمال لا أحب الحديث عنها. لم أكن أحب أن أهاجر لأني لا أحب الغربة عن الوطن. سنوات الدراسة التي هي أحلى سنوات العمر لم تكن بالنسبة لي كذلك، لأني كنت مرغما فيها على السفر طلبا للعلم. لقد أنفق والدي كل ما يملك - وهو قليل أصلا- من أجل أن أحصل أنا وإخوتي على شهادات جامعية. واليوم لم تعد أسرتنا تملك شيئا سوى أربعة من العاطلين عن العمل، لهم شهادات عالية، تحول بينهم وبين مزاولة الأعمال اليدوية. لقد اضطررت للخروج من هذا البلد - حتى لا أقول طردت- وذلك بعد أن أصبحت غير قادر على البقاء في أسرة فيها شيخ كبير، أصيب بمرض مزمن لا يجد من بين أولاده الأربعة من يستطيع أن يوفر له ثمن الدواء. لقد تركت البلد مرغما لأني أنا الأكبر، ولأنه كان لابد لهذا الشيخ الكبير من الدواء......
سيدي الرئيس، أنا لا اطلب منكم سوى أن تجمعوا بيني وبين أبي الشيخ الكبير، ولا سبيل إلى ذلك سوى بتوفير وظيفة واحدة لي أو لواحد من إخوتي الثلاثة.
فهل سأعود إلى أبي الشيخ، أم أنه سيرحل عن هذه الدنيا دون أن أراه؟" كان هذا مقطع من رسالتي السابعة من سلسلة الرسائل الثلاثين التي كتبتها للرئيس السابق، وهو مقطع وجدت أنه من المناسب أن أبدأ به رسالتي السادسة إليكم.
رحل الشيخ عن الدنيا، ورحل آباء آخرون، ولم يعد المهندس إلى الوطن، وهاجر حملة شهادات آخرون، هاجروا من بلد نصيب الفرد فيه من الثروة الطبيعية يفوق بكثير نصيب الفرد في تلك الدول المهاجر إليها. مات الشيخ، ولم يعد الابن، ولم تكتمل القصة التي لابد أن تفتح من جديد، على صعيد آخر، في عالم آخر، وفي يوم عصيب، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس. لن تكون هناك مكيفات، وسيلجم العرق كثيرا من الخلق، وسيتمنى أهل النار أن يلقى بهم في النار نظرا لهول ذلك اليوم.أجارنا الله وإياكم من النار وأظلنا تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
كثيرة هي قصص المعاناة التي ستفتح في ذلك اليوم العصيب، وكثير هم الموريتانيون الذين سيطالبون بحقوقهم كاملة غير منقوصة، لن تكون هناك أغلبية تطبل لكم، يا سيادة الرئيس، كما طبلت لمن قبلكم، وكما ستطبل لمن يأتي من بعدكم. ولن تكون الصحافة الرسمية قادرة ـ في ذلك اليوم ـ على تزييف الحقائق، كما زيفتها لمن سبقكم، وكما ستزيفها لمن سيأتي بعدكم. لن يكون هناك حرس، وسيكون التسديد بالحسنات، وسيأخذ كل ذي حق حقه.
ومن بين من ستقابلهم في ذلك اليوم العصيب ـ يا سيادة الرئيس ـ عشرات الآلاف من حملة الشهادات العاطلين العمل الذين عانوا كثيرا، وظُلِموا كثيرا، وتجاهل همومهم الجميع. وستكون لكل واحد منهم قصة لم تكتمل.
وبعيدا عن تزييف الإعلام الرسمي، وبوصفي واحدا من أصحاب "الخبرة" الطويلة في البطالة، فقد وجدت من اللازم أن أحدثكم بصراحة وبصدق عن معاناة و مآسي العاطلين عن العمل، مع تقديم بعض الاقتراحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية للتخفيف من تلك المعاناة.
في البداية أشكركم على تمديد سن الاكتتاب الذي كان مطلبا ملحا للعاطلين عن العمل، كما أشكركم على اكتتاب المئات من حملة الشهادات. تلك هي الأشياء الإيجابية التي تحققت في عهدكم لصالح العاطلين عن العمل. ولكن في المقابل حدث تراجع كبير لدور وكالة تشغيل الشباب التي أصبحت غائبة تماما منذ السادس من أغسطس، ولم يسجل لها أي عمل ميداني، خاصة في مجال تمويل المشاريع.
ومن المفارقات التي يمكن تسجيلها هنا أن هذه الوكالة قد استطاعت أن تقدم تمويلات هامة للكثير من العاطلين عن العمل، وبمبالغ معتبرة، وبطرق شفافة، قبل الثالث من أغسطس من عام 2005. وقد كان المعيار وقتها الذي يتم عليه الاختيار هو أقدمية التخرج. كما أن ذلك العهد شهد عمليات اكتتاب واسعة لحملة الشهادات، في محو الأمية ودور الكتاب وفي السياحة وفي المخابز وفي أنشطة خاصة أخرى. ولقد وفرت تلك الفرص متوسط دخل يقدر ب 30.000 أوقية للشهر، استفاد منه المئات إن لم أقل الآلاف من حملة الشهادات. أما بعد الثالث من أغسطس فقد تراجع كثيرا حجم التمويلات، وتراجعت الشفافية في اختيار المشاريع، كما تراجع عدد المكتتبين من حملة الشهادات وتم فصل المئات منهم.
بعد السادس من أغسطس غابت الوكالة تماما، ولم تعد تقوم بأي نشاط ميداني للحد من معاناة العاطلين عن العمل، ولتلافي ذلك النقص الكبير فإنني أقترح ما يلي:
1 ـ بما أن خزينة الدولة كانت توفر ما يزيد على خمسة آلاف راتب لموظفين أشباح، أغلبهم لا يحتاج لتلك الرواتب، فإني أقترح أن تُحول تلك المبالغ إلى إعانات اجتماعية لصالح أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، بحيث يقسم كل راتب إلى إعانتين، أو ثلاث،على المتخرجين الذين لم يحصلوا على وظيفة وذلك للتخفيف من معاناتهم كما يحدث في بعض البلدان.
2 ـ بما أن الحكومة قد قررت تأسيس شركة للنقل العمومي، وبما أن جمهورية إيران الإسلامية قد وعدت ب500 سيارة و250 حافلة، فإني أقترح بأن تخصص تلك السيارات لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، بمعدل سيارة لكل حامل شهادة، وحافلة لكل عشرة عاطلين، وهو ما سيسمح بدمج 3000 حامل شهادة. يؤسس المستفيدون شركة للنقل ينتخب لها مجلس إدارة من حملة الشهادات وتقدم لها الدولة الدعم اللازم في مقابل أن تلتزم الشركة بتنفيذ سياسة الدولة في مجال النقل العمومي. يمكن تعميق هذا الاقتراح من خلال إشراك الخبراء في دراسة هذه الفكرة . أما إنشاء شركة للنقل تابعة للحكومة فلن يكون بالفكرة السليمة، لأنها ستنهار سريعا نظرا لصعوبة تسيير شركة من هذا النوع، وهي في النهاية ستشكل عبئا إضافيا على الدولة، كما هو حال شركة الكهرباء و شركة الماء و شركة الغاز أو كما هو الحال بالنسبة للخطوط الجوية الموريتانية.
ويجب أن تعطى الأولوية للأسر التي تضم أكثر من عاطل عن العمل، كما هو حال أسرة المهندس الزراعي الذي سمعنا شيئا من أنينه في بداية هذه الرسالة. فقد أدت أساليب الاكتتاب المعتمدة على الرشوة والوساطة والمحسوبية إلى تركيز البطالة في الأسر الفقيرة، وذلك بعد أن احتكرت الأسر الغنية الوظائف القليلة المتاحة. وهذا الإجراء يمكن تنفيذه عمليا من خلال العودة للمسجلين في الوكالة.
3 ـ لقد شكلت استقبالاتكم في القصر الرئاسي لممثلي الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية ولممثلي الصحافة والأئمة وغيرهم، سابقة تذكر فتشكر. ولقد كان الغائب الأكبر عن تلك الاستقبالات هم حملة الشهادات العاطلين، رغم أن معاناتهم أشد من معاناة غيرهم. ورغم أنهم أولى من غيرهم بتلك اللقاءات، حتى يسمع شيء من أنينهم بشكل مباشر، وهم خير من يعبر عنه. لقد تم تجاهل معاناة العاطلين عن العمل من طرف الجميع ( حكومة، أحزابا، صحافة، مجتمعا مدنيا ...) كما أن الظروف المادية والنفسية الصعبة التي يعاني منها حملة الشهادات، وقلة الوسائل المتاحة لهم، وسلبية البعض منهم، كل ذلك ساهم في تجاهل همومهم.
وفيما يخص فئة المتقاعدين، فإني سأكتفي في هذه الرسالة بالتذكير باقتراح هام تم تقديمه في البرلمان، ولم يطبق حتى الآن، وهو اقتراح يطالب بإلزام شركات الحراسة العاملة في البلد بضرورة اكتتاب المتقاعدين من الجيش كحراس، بدلا من اكتتاب الأجانب.
أما فيما يخص محاربة الفقر، وتشغيل العاطلين عن العمل من غير ذوي الشهادات، فإنه يمكن أن أتحدث هنا عن اقتراحين هامين في هذا المجال: أولهما تم تقديمه سابقا، وبشكل تفصيلي، في الرسالة المفتوحة الثالثة، وهو يتعلق باستخدام القمامة كمصدر للدخل في الأوساط الأكثر فقرا. وهذا الاقتراح قد أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل، بعد الفشل البين للشركة الفرنسية في تنظيف العاصمة التي أصبحت نظافتها مسألة هامة، بعد أن تم اختيارها لتكون بمشاركة غيرها، عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011.
أما الاقتراح الثاني فهو يتعلق بعمل ميداني قدمه مركز "الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية لكل الوزارات والقطاعات ذات الصلة. ولقد اطلع على ذلك الاقتراح وبشكل ميداني، مدير الشؤون الاجتماعية بمفوضية حقوق الإنسان، ومدير التكوين بوكالة تشغيل الشباب، ومديرة الأسرة ...إلخ
لقد حاول المركز وبعد سلسلة من الدراسات أن يساهم في محاربة الفقر من خلال برنامج تدريبي رائد، يسعى لأن يتغلب على بعض نواقص التكوين المهني والحرفي المعتمد في البلاد.
لقد قام المركز بتصنيف بعض المهن والحرف الصغيرة جدا والتي لا زال يحتكرها الأجانب، ثم بعد ذلك أطلق برنامجا مجانيا للتثقيف الحرفي في تلك المهن، ويمتاز ذلك البرنامج بالخصائص التالية:
1ـ أن تكون مدة التدريب قصيرة جدا لا تتجاوز الشهر، وأن تكون كلفته زهيدة حتى يمكن للمركز أن يدرب أكبر عدد ممكن.
2 ـ أن يتم التدريب بوسائل وبآلات بسيطة جدا، يمكن للمتدرب أن يوفرها بعد انتهاء فترة التدريب. فمن أخطاء التكوين المهني المعتمد أنه يدرب على آلات معقدة وباهظة لا يمكن للمتدرب أن يوفرها.
3ـ يستفيد المتدرب من دورة مبسطة في تسيير المشاريع الصغيرة، فتعلم حرفة لا يكفي وحده لإطلاق مشروع ناجح.
4 ـ تم التركيز على المنتسبين لصناديق الادخار وذلك لأنهم أحوج من غيرهم للتدريب على مهنة مربحة يمكن لهم أن يمارسوها إذا ما حصلوا على قروض صغيرة.
5 ـ تم التركيز على المشاريع الصغيرة جدا والتي يمكن إطلاقها من المنزل " مشاريع من المنزل".
لقد استطاع المركز بوسائل ذاتية متواضعة جدا، وبتضحيات كبيرة، أن يقدم دورات متميزة في صناعة الحلويات. ولقد تم التدريب على أفران قادرة على إنتاج كميات تجارية، وبجودة عالية جدا، وهي أفران مصنعة محليا، ومتوفرة في السوق بأسعار تتراوح بين 50000 أوقية إلى 60000 أوقية.
لقد حاولنا في المركز أن يتم تقديم تلك الدورات عن طريق التلفزيون حتى تعم الاستفادة على أكبر قدر ممكن. كما حاولنا بعد ذلك ومع وزير الإعلام الحالي أن يسمح لنا التلفزيون أن نقدم برنامجا على شكل دورات في التنمية البشرية وهو ما فشلنا أيضا فيه.
وللقصة بقية.. وإلى الرسالة السابعة إن شاء الله.. وفقكم الله لما فيه خير البلد.

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 فبراير 2010

أسئلة على الطاولة


يبدو أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن كبير في هذا البلد، ويبدو أننا سنشاهد كثيرا تلك الطاولة في بيت الشعوذة المرئي (التلفزيون). وسنسمع عنها كثيرا في بيت الشعوذة المسموع (الإذاعة). وسنقرأ عنها في بيت الشعوذة المقروء (يومية الشعب). وربما نسمع قريبا من يدعو إلى إبدال النجمة في العلم الوطني بطاولة مدرسية، أو إبدال الهلال بمقعد دراسي (مذكر الطاولة). وربما يبدع أحد شعرائنا قصيدة رائعة عن الطاولة تكون بديلا لكلمات نشيدنا الوطني الذي يبدو أن كلماته ـ بالنسبة للبعض ـ قد شاخت كثيرا.
ومن يدري فربما تتفتق مواهب فنانينا عن أغنية للطاولة؟ كما تفتقت مواهبهم ذات يوم عن أغنية الكتاب، في زمن عز الكتاب، الذي بزغ نجمه على حساب أفران المصلحة بعد أن تآمر الجميع عليها، ولم يعد أحد يتحدث عنها، رغم أنها كانت في يوم من الأيام هي الشغل الشاغل لكثير من أهل هذا البلد بنخبهم وعامتهم.
ولأن عاصمتنا التي تم اختيارها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، لا تحوي من المعالم الثقافية إلا معلمة الكتاب، التي تم تشييدها في وسط "كارفور مدريد". ولأننا لم نعد نعيش في العهد البائد، عهد الكتاب، فإننا اليوم بحاجة ماسة لأن يتطوع أحد رجال أعمالنا بهدم تلك المعلمة، وإبدالها بصفوف متراصة من الطاولات المدرسية الكبيرة التي يمكن رؤيتها من مكان بعيد، وذلك لكي تكون الطاولة المدرسية هي أول شيء يشاهده زائر عاصمة الثقافية الإسلامية لعام 2011.
ونحن اليوم بحاجة ماسة لجمع التبرعات، من أجل تصنيع الطاولات، كما تبرعنا في الماضي للكتاب. ونحن بحاجة لأن نُحَوِّل المخابز ـ لا أتحدث إلا عن المخابز ـ إلى معامل لتصنيع الطاولات. ونحن بحاجة أيضا إلى تحويل وزارة التكوين المهني إلى وزارة للطاولة المدرسية، حتى نحقق وعد الرئيس، ونوفر مقعدا دراسيا لكل تلميذ، ثم بعد ذلك نفكر في توفير طاولة لكل موريتاني، ثم بعد ذلك يمكن لنا أن نفكر في توفير ثلاث طاولات لكل موريتاني، طاولة يولد عليها، وثانية يعيش عليها، وثالثة يموت عليها.
وسيتحول بيت الشعوذة المرئي في الأيام القادمة إلى طاولة منوعة، وستنظم طاولات مستديرة وأخرى مستطيلة عن الطاولة المدرسية. سنتعرف على آخر أخبار الطاولات والمقاعد في الأعماق، وسنسمع الرأي الطبي عن خطورة عدم الجلوس على الطاولة المدرسية، وستنظم لقاءات خاصة ومنتديات عن الطاولة، وسيتمتع المشاهد بعناصر وتقارير عجيبة وغريبة عن الطاولة المدرسية وعن المقعد الدراسي.
إنه عهد الطاولة المدرسية الذي ستستعيد فيه كل طاولات البلد ومقاعده المدرسية المكانة اللائقة ، وهو عهد يمكن التأريخ له مع الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية للثانوية التجارية، مباشرة بعد عودته من إيران. لا أدري ما العلاقة بين إيران والطاولة ؟ وإذا كان فيكم من يعرف شيئا في التراث الفارسي يمجد الطاولة المدرسية المصنعة في الثانوية التجارية الإيرانية فليغثنا به.
لقد كانت الضربة القاضية التي شكلت السقوط الحقيقي لدولة الكتاب، هي قرار الحكومة بإغلاق جميع دور الكتاب، ودفن كل الكتب الموجودة في البلد ـ بطريقة استفزازية ـ في مخازن الحالة المدنية.
لم يكن الكتاب محظوظا في هذا البلد، لقد ولد في وزارة الداخلية، وعاش في دور الكتاب السيئة الصيت، ومات عندما تم اختيار نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية، ثم دفن في مخازن الحالة المدنية.
بالمختصر المفيد، لقد انهارت دولة الكتاب، كما انهارت قبل ذلك دولة أفران المصلحة، وهانحن اليوم نشهد ميلاد دولة الطاولة المدرسية والتي من أبرز سماتها أنها دولة ذات ثلاثة أوجه : وجه يُشَرِّع نقدها للمعارضة، ووجه ثان يشرع مدحها للموالاة، ووجه ثالث يربك كل الموريتانيين الذين ليسوا من المعارضة ولا من الموالاة ، لأنهم في حيرة من أمرهم. فهم لا يعرفون إن كان عليهم أن ينتقدوا هذه الدولة التي حدثت فيها أخطاء شنيعة، لم يعرفوها من قبل، أم يمدحوها لأنها تحققت فيها أشياء لم تكن تخطر لهم على بال؟
فمن حق المعارضة أن تصف دولة الطاولة بأنها دولة دكتاتورية لأنها ترفض محاورة شريكها الأساسي أي المعارضة، ولأنها تسجن وتغرم الصحافة المستقلة. ومن حق الموالاة أن تصفها بأنها جمهورية حوار وتشاور، فهي تحاورت مع الشباب ومع الناقلين، ومع العلماء، وحتى مع السجناء الذي لم يكن أحد يتخيل أن تتم محاورتهم.
ومن حق الفئة الثالثة أن تحتار لأنها لا تستطيع أن تجزم بدكتاتورية الحكم، ولا تستطيع أن تجزم كذلك برغبته بشكل جدي في الحوار والتشاور.
ومن حق المعارضة أن تصف هذا الحكم بأنه لا يشجع العلم، لأنه تعامل مع الكتاب بشكل غير لائق. ومن حق الأغلبية أن تدعي بأن هذه الحكومة تشجع العلم، لأنها أول حكومة تلتزم بمقعد لكل تلميذ. ومن حقنا نحن أهل الفئة الثالثة أن نحتار لأننا لا نعرف إن كان هذا النظام يشجع العلم أم لا؟
ومن حق المعارضة أن تقول بأننا نعيش في فساد كبير بعد أن تم تعيين كبار المفسدين، في وظائف حساسة. وبعد أن تمت تعيينات، وترقيات، وتوشيحات كثيرة، لا يمكن القول بأنه قد تمت فيها مراعاة الاستقامة والنزاهة . ومن حق الأغلبية أن تقول بأننا نعيش أول حرب جدية ضد الفساد. والدليل هو تجريد الكثير من المفسدين، وتجفيف الكثير من منابع الفساد، من خلال تحديد علاوات السكن، والنقل، وعدم تحمل تسديد فواتير الكهرباء، والماء، والبنزين، وإيقاف السيارات الحكومية. ومن حق الرأي الثالث أن يحتار لأنه لا يستطيع أن يجزم بأن الحكومة جادة في محاربتها للفساد، ولا يستطيع كذلك أن يقول بأنها ليست جادة في حربها على الفساد.
ومن حق المعارضة أن تقول بأن علاقاتنا الخارجية ليست بخير، وبأن دبلوماسيتنا وقعت في أخطاء كثيرة، من بينها ترك الحياد في قضية شائكة. ومن حق الموالاة أن تقول بأن البلد قد حقق انتصارا كبيرا بطرده لسفير العدو الصهيوني، وباستعادته لعلاقات طبيعية مع كل المحاور، مما سينعكس على البلد إيجابيا. ومن حق أهل الفريق الثالث أن يحتاروا من هذه الخلطة العجيبة التي جمعتها دبلوماسيتنا، وهل ستتمكن من استخدامها في مصلحة البلد؟ أم أن تلك الخلطة لن يكون بالإمكان ابتلاعها بشكل سلس وستنعكس سلبا علينا.
الشيء المؤكد ـ وهذه ليست نبوءة ـ هو أن أمور هذا البلد ستتحسن كثيرا في المستقبل القريب، أو تسوء كثيرا، لن تكون هناك حالة وسطى، وهذا هو الجديد في جمهورية الطاولة المدرسية. وسيكون عمر تلك الحيرة ـ التي نعاني منها الآن ـ قصيرا جدا. فمن خصال رئيسنا الحالي أن له قدرة كبيرة على تجسيد أفكاره ميدانيا. وتلك الميزة رفع بها قادة دولا كثيرة، ودمر بها قادة آخرون دولا كثيرة أخرى، والأمثلة لا حصر لها. والمشكلة هنا هي أننا لا نعرف ـ بالضبط ـ ما يفكر به الرئيس. ويتساوى الجميع في ذلك، يتساوى البعيد مع القريب، والأمي مع المتعلم، ويتساوى المعارض مع الموالي، ويتساوى العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال، مع كل مستشاري رئيس الجمهورية ومقربيه. فنحن جميعا حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية، نخبا وعامة، لم نكن نعلم أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن مذكور إلا بعد أن علمنا وفي وقت واحد بزيارة الرئيس للثانوية التجارية.
والدليل على هذا الكلام، هو أنه لو علم أي واحد من الموريتانيين، أو الموريتانيات، بأن الرئيس سيرفع من شأن الطاولة المدرسية لشهدتم رجالا يتحولون إلى مقاعد مدرسية أمام الثانوية التجارية، ولشهدتم ـ كذلك ـ نساء يتحولن إلى طاولات مدرسية.
والرئيس ـ وهذه معضلة قديمة جديدة ـ ليست لديه أغلبية تفكر معه وتوجهه وتنصحه، وتحول بينه وبين أخطاء القرار الفردي. إن الأغلبية الداعمة للرئيس الحالي لا تختلف عن الأغلبية الداعمة للرؤساء السابقين، إنها أغلبية تصفق إلى أبعد الحدود لمن يحكم، وتدير ظهرها له بشكل عنيف عندما يفقد الحكم. لقد فشلت وساطة الأغلبية في ملف رجال الأعمال. كما أنها فشلت في إطلاق سراح حنفي، رغم توصيتها بذلك في الأيام التشاورية للحكامة. وبالعربي الصريح والفصيح : إن الأغلبية غائبة ميدانيا ـ لا يعني ذلك حضور المعارضة ـ ولا تؤثر على الرئيس إلا كما يؤثر عليه العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال.والرئيس يعلم بأن الأغلبية ليست جادة في وساطتها، و لا في مطلبها بإطلاق سراح الصحفي حنفي. وهو يعلم كذلك بأنه عندما يرفض طلبا أجمعت عليه أغلبيته، فإن ذلك لن يتسبب في أي شيء، أقول أي شيء.
وهنا سأطرح أسئلة على الطاولة وسأترك الإجابة عليها لكل من يريد الإجابة، وخطوط الاتصال ستبقى مفتوحة لكل من يريد أن يقول كلاما ينسجم مع التوجهات النيرة والتعليمات السامية.
هل من الأفضل أن نحاسب الصحافة المستقلة على "صغائرها" أم نحاسب الصحافة الرسمية على " كبائرها"؟ ألم تتوقف خدمة التعليقات التي كان ينتقد بها البعض موقع تقدمي؟ وفي المقابل ألم تتراجع بيوت الشعوذة كثيرا إلى الوراء؟ أليس التلفزيون أسوأ اليوم من التلفزيون في العهد المؤتمن والذي كان فيه التلفزيون أسوأ مما كان عليه في المرحلة الانتقالية الأولى؟ ألم يطرد التلفزيون كل أوجهه المتميزة؟ ألا تتحكم فيه اليوم وفي كل برامجه الأساسية نفس الأوجه التي عرفناها وهي تشغل الناس ببرامج السمنة وأفران المصلحة وكتب الطبخ؟ وهل أن حنفي هو الصحفي الذي أضر بأخلاق هذا البلد؟ وهل أنه هو الذي علمنا النفاق والتزلف لكل حكام هذا البلد؟ وهل هو من كان يمارس الشعوذة ليقنعنا بأن الجحيم الذي عشناه كان جنانا عظيمة ؟ أم أنه هو الذي كان يكتب حروفا من النار تحرق جنان بيوت الشعوذة، سواء المرئي منها أم المسموع أو المقروء؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يأتينا بعجائز يقلن بأن الرئيس حقق كل أحلامهن الدنيوية ولم يعد لديهن ما يطلبنه إلا أمور الآخرة. وأستغفر الله من هذا الكلام ؟ وهل أن حنفي هو الذي بشر الموريتانيين بأن الأمية سيقضى عليها في ستة أشهر؟ وهل أنه هو الذي استضاف صاحب منظمة غير حكومية وعدت بتنفيذ تلك البشرى ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا أن يكذب كذبة تمتد في الآفاق وأن يقول بأن دفتر ولده هو دفتره؟ وأن يقول بأن كل ما في ذلك الدفتر من كلمات قد خطها بيمينه في فصل محو الأمية الذي لا يعرف أين يقع ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول لنا بأن النساء الأميات المنخرطات في تعاونيات ريفية نائية يسوقن منتجاتهن عن طريق الانترنت ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يبشر الجوعى بأنه لن يجوع جائع في غرب إفريقيا بعد حصاد العشب الذي أنبته الله على هذه الأرض وصوره وقدمه بيت الشعوذة المرئي على أنه أرز؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن الانجازات الكبرى في العهود "المباركة" حتى يخيل لكل فقير في غرب إفريقيا بأنه سيصبح غنيا، وحتى يخيل لكل حالم في شمال إفريقيا بأن كل أحلامه ستتحقق؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من حامل الشهادة الذي يشتغل في مؤسسة كبيرة أن يكذب ويدعي بأنه مالك تلك المؤسسة وأنه أنشأها بمبادرة شخصية بعد تخرجه من الجامعة؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن القمامة نعمة كبرى لأنها مؤشر على الطفرة الاستهلاكية التي عرفها البلد في العهد "المبارك" ؟ وهل أن حنفي هو الذي شغل الجوعى بالحديث عن السمنة حتى يتناسوا الجوع والفقر والجهل والمرض؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يعتبر كل عهد عهدا مباركا ما دام يحكم، ويعتبره عهدا مشؤوما بعد الدقيقة الأولى من إذاعة البيان الأول؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن عمال البلد هم أكثر عمال العالم حظوظا لأن أجورهم تزداد دون أن يحتاجوا للإضرابات ؟ وهل أن حنفي هو الذي لم يستطع أن يكتشف خطأ واحدا لمعاوية خلال عقدين من الحكم مليئة بالأخطاء ؟ وهل أن حنفي هو الذي حُجبَت عنه كل أخطاء معاوية حتى صبيحة الثالث من أغسطس ؟ وهل أن حنفي لم يتحدث عن " الموبقات " الكبرى للرئيس المؤتمن إلا بعد الدقيقة السادسة من الساعة السادسة من صبيحة السادس من أغسطس؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يشجع الناس على الكذب والنفاق والتزلف والتصفيق بالأيادي والأرجل لكل سلاطين البد؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي وهو يمدح الرئيس معاوية بنفس الكلمات التي مدح بها الرئيس أعل والرئيس سيدي ؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده يصف الرئيس السابق سيدي بأقبح الأوصاف بعد سقوطه، تماما كما فعل قبل ذلك مع الرئيس أعل وكما فعل مع الرئيس معاوية؟ وهل أن حنفي هو ذلك الشخص الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي في عهد ولد الطايع ولا نزال نشاهده حتى أيامنا هذه، يتكلم بنفس اللغة وبنفس الأسلوب وبنفس العقلية التي أضرت كثيرا بهذا البلد ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن كل معارض وكأنه خطر كبير ومخلوق عجيب ليس في قلبه مثقال ذرة من وطنية ؟ وهل أن حنفي هو الذي أهان زعيم المعارضة الدستورية منذ أشهر قليلة ؟ لا أدري لماذا لا تكون المعارضة ذكية ولو لمرة واحدة وتشكو بدورها ممن أهانها وأساء إليها من باب إزعاج القضاء وإحراجه على الأقل.
إذا كان حنفي قد فعل تلك الأشياء فإنه قد أضر كثيرا بأخلاق البلد، ولذلك فإننا نستنكر ونشجب ونندد ونستغرب ذلك الحكم المخفف الذي حكم عليه به القاضي، ونطالب بمحاكمته للمرة الثالثة والحكم عليه بالمؤبد مع الأعمال الشاقة..
أما إذا كان حنفي قد وهب قلمه المبدع لمواجهة من كان يقوم بذلك، فإنه يستحق شيئا آخر غير سجن كان قدره أن لا يزوره ـ ولو بشكل عابر ـ من أفسد أخلاق هذا البلد حقا.
تصبحون على قليل من الحياء...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.comwww .autodev.org

الأحد، 7 فبراير 2010

الانقلاب "الأسمر"


في البداية أعتذر للقراء عن استخدام كلمات من قبيل " البيظان" و" لحراطين " و" لكور".. إنها كلمات لا أحب استخدامها ولكن فرضتها طبيعة المقال.
لقد تزايدت وبشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة المقالات والتصريحات والمواقف الصادرة عن جهات عديدة من " الجيل الثاني والثالث" لحركة الحر. وهي مواقف وتصريحات قد تشكل تمهيدا لصياغة البيان الأول للانقلاب الذي أصبحت كل الدلائل تشير إلى تفكير البعض في القيام به. وسواء نجح ذلك الانقلاب على القادة المؤسسين للحركة أو فشل فإنه قد أصبح من الضروري أن يتم توسيع النقاش الدائر حول هموم الشريحة المظلومة ليشارك فيه الجميع، باعتبار أن معاناة تلك الشريحة هي معاناة وطن بكامله بكل شرائحه وأعراقه، أو هكذا يجب أن تكون.
ومن المؤسف حقا أن كل ما يطفو على السطح حتى الآن من مقالات ومقالات مضادة، أو من تصريحات وتصريحات مضادة، لا يخدم إطلاقا معاناة تلك الشريحة. فالبعض للأسف الشديد لا يزال يتجاهل ويرفض أن يسمع أنين المستضعفين من تلك الشريحة، أما البعض الآخر فإنه يعمل جاهدا لكي يُحَوِّل ذلك الأنين إلى سلعة يمكن تسويقها في الدوائر الغربية وفق مواصفات ومقاييس الجودة الأوروبية، مقابل عائد مادي لا يستفيد منه إلا مُصَدِّر تلك السلعة..
لقد صرح أحد "المناضلين الجدد" في لحظة "صفاء" لصديق له بأن القسوة التي يتحدث بها عن " البيظان " إنما هي قسوة من أجل كسب قوته، وأنه في أعماقه يحب " البيظان " خاصة منهم أولئك الذين لم يتخلوا عن ممارسة الرق لأنهم يوفرون له مصدر رزق لا ينفد !!! هكذا رد ذلك "المناضل" عندما انتقده صديقه على قسوته على" البيظان".
وتلك واحدة من مآسي هذا البلد، فغالبية نخبنا مجرد سماسرة وتجار. والأمر هنا لا يقتصر على شريحة دون أخرى، وإن كانت المتاجرة بهموم " لحراطين " أكثر رواجا من المتاجرة بهموم الشرائح الأخرى، لأن معاناتهم أشد عمقا من معاناة غيرهم.
إن من يهتم حقا بهذه الشريحة المظلومة عليه ـ حسب اعتقادي ـ أن يأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
1ـ إن الزعيم "مسعود" سيبقى أعظم هبة قدمتها موريتانيا لحركة الحر، كما أنه سيبقى ـ في المقابل ـ أعظم هبة قدمتها حركة الحر لموريتانيا .. لذلك فإنه لا يجوز لحركة الحر أن تحتكره وتحرم موريتانيا منه . كما أنه لا يجوز لموريتانيا أن تحتكره وتحرم الحركة من زعيمها المؤسس.
2ـ إن خبرة الزعيم "مسعود" وتضحياته الكبيرة التي قدمها في وقت كانت تصعب فيه التضحية تؤهله أكثر من غيره لأن يحدد متطلبات المرحلة ويرسم مسار النضال الذي يجب أن يُسْلَكَ من أجل تجاوز مخلفات الاسترقاق. وعندما يحدد الزعيم "مسعود" رؤية معينة فإنه لا يجوز للغير أن يشكك في تلك الرؤية ويبدلها بمشروع تصادمي ستكون نتائجه مدمرة وكارثية على الوطن كله.
3 ـ لقد استطاع الزعيم "مسعود" بحكمته المعهودة، أن يشكل تحالفا بين الحر والناصريين. وهو تحالف استفادت منه حركة الحر، كما استفاد منه الناصريون، بل أن ذلك التحالف تعدت آثاره الإيجابية حزب التحالف.
وبالرغم من أننا كنا نتوقع أن ذلك التحالف سيمتد ليشمل حركات وتنظيمات وأحزاب أخرى، خدمة للشريحة، وخدمة للوطن كله، فإذا بنا نفاجأ بخطابات وبيانات تصادمية تأتي من متطرفي التنظيمين المكونين للتحالف الشعبي التقدمي.
4 ـ إن مغازلة اليهود والتقرب من الغرب ونعت الرئيس السوداني بأشنع الأوصاف لا يخدم " لحراطين " في أي شيء. ولقد أثبتت سنوات التطبيع البائسة بأن أبناء هذه الشريحة كانوا هم الأكثر نفورا وبعدا من اليهود. لذلك فإن هذه الشريحة لن يستطيع أن يقودها إلا من كان يعتز بدينه وبكرامته وبهويته.. ولقد أثبت التاريخ بأن " لحراطين " حتى ولو تعرضوا للظلم من الأخوة فذلك لن يكون سببا في أن تتولد لديهم عقدة من هويتهم وانتمائهم لهذا البلد.
5ـ إن التهجم على الشرائح الأخرى، وعلى العلماء، وعلى رموز هذا البلد، لا يخدم إلا أعداء هذا البلد. وعلينا أن نتذكر دائما بأن من علماء هذا البلد من قدم خدمات جليلة في تعليم أبناء شريحة لحراطين التي يعتبر الجهل و الفقر من أعظم التحديات التي تواجهها.
ولقد استطاع الأستاذ الجليل "محمد ولد سيدي يحي" أن يلعب دورا كبيرا في مجال تعزيز الوحدة الوطنية، من خلال دروسه ومحاضراته التي استفاد منها الكثير من أبناء هذه الشريحة. لدرجة أنه أصبح من بين تلاميذه من ينشر العلم داخل أوساط الشريحة، ويؤم المصلين، ويعظ بشكل رائع جدا، كما هو حال إمامنا في مسجد الحي.
ومن المؤسف أنه لا أحد يعترف بشكل رسمي أو شعبي لذلك الداعية بجهده الكبير الذي يقوم به. وهنا لا أتحدث عن دوره الدعوي والوعظي ، بل عن دوره في تقليص الفوارق بين الشرائح في مجال العلم.
6 ـ في المقابل لا أحد يستطيع أن ينكر بأن هناك عدم تحمس لدى البعض في محاربة بقايا ومخلفات الاسترقاق، كما أنه لا يمكن للمُنْصِف إلا أن يستغرب بأنه رغم كثرة الأحزاب والمنظمات فلم يزل اكتشاف حالات الاسترقاق في هذا البلد والتنديد بها يقتصر على منظمات قليلة يقودها مناضلون من " لحراطين". لقد أصبح من اللازم والضروري أن تشارك الشرائح الأخرى في التنقيب عن حالات الاسترقاق وكشفها.
7 ـ لقد حاول البعض أن يشكك في جدية دعم " البيظان" للمرشح " مسعود" في الانتخابات الرئاسية الماضية. ورغم قناعتي بأن المرشح " مسعود" يستحق ـ لنضاله ـ أكثر من 16% التي حصل عليها، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأن تلك النسبة كانت تشكل مؤشرا مهما خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة هامة وهي أن المرشح " محمد ولد عبد العزيز" قد اخترق الشعبية التقليدية للمعارضة بخطابه الانتخابي، خاصة في الأوساط الفقيرة، وبالأخص في التجمعات التي يكثر فيها "لحراطين". لذلك فإن وصف "البيظان" الذين شكلوا غالبية شعبية "مسعود" وبذلوا كل ما في وسعهم من أجل نجاحه بالبرابرة والإقطاعيين لا يخدم "لحراطين" بصفة خاصة، ولا يخدم موريتانيا بصفة عامة.
إن من تهمه محاربة الرق ومخلفاته، عليه أن يعمل على تماسك 16% وتوسيعها وتوجيهها في مشاريع سياسية وتنموية لمحاربة الرق، بدلا من تفكيكها من خلال التصريحات المتطرفة، والتصريحات المتطرفة المضادة.
8 ـ لا أحد يستطيع أن ينكر بأن نسبة توظيف لحراطين لا يتناسب ـ إطلاقا ـ مع حجم الشريحة، ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسير ذلك تفسيرا عنصريا لأن نسبة التعلم تلعب دورا هاما وهناك قبائل كثيرة تعاني من نفس الشيء، بالمقارنة مع قبائل أخرى أقل عددا. كما أن عدم تناسب الوظائف مع الحجم العددي يمتد ليشمل شرائح الزنوج فيما بينها، حيث أن هناك شرائح زنجية تحتكر وظائف أكثر من شرائح أخرى هي أكثر عددا.
9 ـ يتحدث البعض عن عنصرية الدولة ويحتج بعدم تطبيق القوانين التي تم وضعها لمحاربة الرق. والحقيقة أن الدولة عاجزة عن تطبيق أي قانون في أي مجال من مجال تدخلاتها، لذلك فالمسألة ليست عنصرية في تطبيق القانون، وإنما هي عجز بنيوي في تطبيق أي قانون.
10ـ ليس من حق أي واحد منا أن يتهجم على شريحة كاملة ويصفها بأبشع الأوصاف. وليس لأي أحد منا الحق في بث الكره والحقد بين مكونات هذا الشعب الطيب بكل أعراقه.
وعلى القائمين على بعض الجرائد والمواقع التي تشارك في نشر ثقافة الكره والحقد ـ والتي كنا نعتقد أنها أكثر مهنية من ذلك ـ أن يعلموا بأن عليهم وزر كل كلمة سوء يبثونها في الآفاق.
11 ـ إن ترسيخ قيم الديمقراطية واستغلال ما تتيحه من هوامش واسعة للعمل السياسي والتنموي سيبقى أفضل وسيلة لمحاربة الرق. أما استغلال ذلك الهامش ـ بشكل سلبي ـ في بث روح التفرقة والتباغض وفي الاستجداء بالخارج فستكون آثاره وخيمة على الجميع، وقد يؤدي ـ لا قدر الله ـ إلى غرق السفينة بكاملها وبما فيها من "حراطين" و"بيظان" و"اكور".
12 ـ إن تنمية الديمقراطية في هذا البلد هي التي ستمكننا من تفكيك بعض العلاقات والروابط التقليدية الجائرة، وإبدالها بمؤسسات مدنية وسياسية قادرة على توجيه الأكثرية الفقيرة لاختيار من يخدم مصالحها، مما سينعكس إيجابا على فقراء هذا البلد ومهمشيه والذين يشكل "لحراطين" ـ بطبيعة الحال ـ غالبيتهم.
13 ـ إن هناك فجوة كبيرة بين الأداء السياسي والأداء التنموي، فالخطاب السياسي بلغ مراحل متقدمة أما الأداء التنموي فهو في انحطاط متنامي. ونحن مجتمع يتقن الكلام والصراخ، وبإمكان كل واحد منا أن يُسِيل وديانا "بعرق لسانه" ولكنه في المقابل لا يستطيع أن يُسيل قطرة عرق واحدة من جبينه في عمل تنموي هادف.
فأين هي الأحزاب وأين هو المجتمع المدني في آدوابة ؟ ولماذا الكل يصرخ ويصرخ بهموم لحراطين ومع ذلك فلا أحد يفكر في أن يفتح فصلا واحدا لمحو الأمية، أو مركزا لمحاربة الفقر لهؤلاء المهمشين والمظلومين؟ فعلينا أن نعلم بأن فتح فصل واحد لمحو الأمية في آدوابة خير من كثير من البيانات ومن الصراخ الذي يصم الآذان. والعبء الأكبر في هذا المجال يقع على أولئك الذين يفتح لهم الغرب خزائنه، ومع ذلك يبخلون على آدوابة بفصل واحد لمحو الأمية.
إن من يهتم بهذه الشريحة حقا عليه أن يهتم أولا بتعليمها وبتوعيتها وبتثقيفها المهني والحرفي وهناك تصور جاهز أعده مركز " الخطوة الأولى " يمكن تقديمه لكل من يهمه الأمر .
تصبحون على وطن لا فوارق فيه ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 23 يناير 2010

بطاقة لاغية / ورقة خاصة بندوة الحكامة


تخيلت أنه قد وصلتني ـ عن طريق الخطأ ـ بطاقة دعوة من بين البطاقات الثمانمائة التي تكفل أمين عام وزارة الإسكان ـ بصفته الحزبية ـ بتوزيعها على كل من يهمه مستقبل هذا البلد. تخيلت ذلك، لأني موقن بأنه لا يوجد عمل بشري كامل، فقد يخطئ الأمين العام لوزارة الإسكان وتضيع عليه ـ على الأقل ـ بطاقة دعوة، وقد تقع تلك البطاقة الضائعة في يدي.
ثم تخيلت بعد ذلك بأني ألقيت كلمة ـ بوصفي مدعوا عن طريق الخطأ ـ في ندوة " أية حكامة نريد بعد خمسين سنة؟"
وتخيلت أني قلت :
أيها الحاضرون بأجسادهم والغائبون بعقولهم ... أيتها الحاضرات الغائبات ( هذه الفئة تمثل نسبة هامة من الحضور).
أيها الحاضرون بأجسادهم والحاضرون بعقولهم ... أيتها الحاضرات الحاضرات (هذه الفئة تمثل أقلية في القاعة).
أيها الغائبون بأجسادهم الحاضرون بعقولهم ... أيتها الغائبات الحاضرات (هذه تمثل نسبة ليست بالقليلة من الغائبين).
أيها الغائبون بأجسادهم الغائبون بعقولهم ... أيتها الغائبات الغائبات ( هذه الفئة تمثل أغلبية الغائبين).
حدث هرج ومرج كبير بعد تلك الكلمات، وتخيلت أني سمعت أكثر من في القاعة يطالب بإخراجي أو إسكاتي على الأقل. ثم تخيلت بعد ذلك أن أستاذي الذي أقدره كثيرا ( رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ) تدخل عندما تذكرني ـ رغم مرور ما يزيد على عقدين من الزمن على آخر لقاء ـ و طلب من الحضور أن يسمحوا لي بالمواصلة، ثم طلب مني في المقابل أن أكون أكثر جدية في حديثي.
من حسن حظي أن رئيس الحزب الحاكم الحالي هو أستاذي للاقتصاد المالي في جامعة نواكشوط ، كما أن رئيس الحزب الحاكم السابق (عادل ) هو أستاذي للتخطيط ، وربما يكون رئيس الحزب الذي سيحكم مستقبلا هو أستاذي أيضا.
استجبت لأستاذي رغم أني كنت أود من خلال تلك التصنيفات التي أغضبت بعض المدعوين أن أثير نقطة هامة وأساسية، تتمثل في أن هناك أصنافا من الناس يتكرر حضورها الجسدي لكل ندوة أو نقاش دون أن تكون لها القدرة على تقديم أي شيء مفيد. في الوقت الذي تحرم فيه مجموعات أخرى من الحضور كان بإمكانها أن تثري النقاش، لذلك فأنا أعتقد بأن أول ما علينا فعله، هو أن لا نجامل في الدعوات عندما يتعلق الأمر بنقاش قضايا هامة ومعقدة كما هو الحال بموضوع ندوة الأغلبية.
المهم أني بدأت في قراءة الورقة التخيلية التي أعددتها بشكل سريع بسبب تأخري في تخيل إمكانية المشاركة. كانت الورقة مملوءة بالكلام المر الذي وجدت من الضروري أن يشاركني المؤتمرون في تجرع مرارته.
أولا عن أزمة مواطنة : هناك سؤال يؤرقني دائما سأطرحه على المؤتمرين عسى أن أجد فيهم من يجيبني : فمن نحن؟ وما هو الموريتاني؟ فهل نحن مجموعات من القبائل المتصارعة والتي كان قدرها أن تعيش على أرض واحدة ؟ أم نحن مجموعة من العبيد التي يحق لها أن تتحالف مع الشيطان لكي يحررها من البربر الظالمين المتوحشين ؟ أم هل نحن مجموعة من الزنوج التي تسعى لتأسيس دولة زنجية على الضفة الثانية من النهر ؟ أم هل نحن عرب عاربة أو مستعربة ؟ هل نحن صحراويون ثوار؟ أم نحن مغاربة ملكيون ؟ أم ليبيون أمميون ؟ أم مصريون ناصريون ؟ أم بعثيون عراقيون أو سوريون ؟ أم أننا لسنا عبيدا، ولسنا زنوجا، ولسنا عربا، وإنما نحن لاتينيون كوبيون وثوار جيفاريون ؟ أم أننا على النقيض من ذلك كله، فنحن إسلاميون تبليغيون لا يهمنا ما يدور في البلد من أحداث سياسية ؟ أم أننا عكس ذلك، إسلاميون غارقون في السياسة حتى التراقي ؟ يهتم بعضنا بما يدور في أطراف العالم الإسلامي أكثر من اهتمامه بما يدور على هذه الأرض المسلمة. ولماذا نحن نقبل ـ وهذا هو السؤال الذي يحيرني دائما ـ أن نكون كل شيء ولا نرفض إلا شيئا واحدا، وهو أن نكون موريتانيين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هذه ليست دعوة للقطرية الضيقة، وإنما هي دعوة لإعادة صياغة ترتيب الولاءات مع تخيل وجود بلد يستحق علينا واجبات ـ على الأقل ـ مقابل الإقامة فيه.
فمن المؤسف حقا أن أزمة الهوية والمواطنة في هذا البلد، هي أزمة نخبة، قبل أن تكون أزمة عامة. فهناك من النخبة من لا يهمه ـ إطلاقا ـ ما يحدث في هذا البلد الغارق في الأزمات، والذي لا تتركه مصيبة إلا لتسلمه لمصيبة أكبر. ولا تنقشع عنه أزمة إلا بعد أن تكون نذر أزمة أكبر قد بدأت تلوح في الأفق.
وهناك في هذا البلد من لا يكتب ـ رغم شوق القراء لما يكتب ـ إلا إذا أسيء إلى شقيق مجاور، وهناك من لا يكتب ولا يهتم إلا بذكرى ميلاد الزعيم ،أو بذكرى وفاة الزعيم الآخر، أو بذكرى استشهاد الزعيم الثالث، أو بذكرى ثورة الزعيم الرابع، أما غير ذلك من الأحداث فهو تافه لا يهم. ولا يستحق أن نكتب أو نتحدث عنه. حتى ولو تعلق الأمر بأحداث جسام تكاد تعصف "بالبلد الثاني" الذي يحمل ذلك "الموريتاني" جنسيته.
وكثيرا ما يساء إلى هذا البلد دون أن يجد من أبنائه من يرد على تلك الإساءة (هذا إذا ما استثنينا قلة قلية جدا من أبنائه ) وذلك في الوقت الذي توجد فيه كتائب، وطوائف، وميليشيات جاهزة، أو مجهزة، لكل منها خط أحمر، لا يمكن التحدث عنه . فتارة يكون ذلك الخط الأحمر أشقاء يطالبون بالاستقلال ، وتارة يكون زعيما عربيا توفي منذ عقود من الزمن، وتارة يكون رئيسا شهيدا، وتارة يكون زعيما عربيا لم يزل يحكم، وتارة يكون ذلك الخط الأحمر رمزا محليا لشريحة ما، أو لحزب ما، أو لحركة ما.
شيء واحد مستباح ولا توضع أمامه الخطوط الحمراء ولا حتى الصفراء: إنه موريتانيا وسيادتها ورموزها.
فمن المؤسف أنه في هذا البلد يوجد من يقدس بعض الرؤساء العرب، ولا يسمح بالتحدث عنهم، ومع ذلك فهو يصف رئيس موريتانيا بالحاكم العسكري ويصفه بألفاظ لا تليق. إن رئيس موريتانيا ـ للتذكير ـ هو أكثر الرؤساء العرب على الإطلاق شرعية منذ الانتخابات الرئاسية الماضية، شئنا ذلك أم أبينا. وهو الرئيس العربي الوحيد ـ أقول الوحيد، ثم أكرر الوحيد ـ الذي يمكن للمواطن أن ينتقده ـ سرا وعلانية ـ وينام بعد ذلك قرير العين . (مأساة حنفي التي كانت تشكل استثناء قد تعرف فرجا قريبا، فالرئيس تعهد بأنه سيأخذ بعين الاعتبار توصيات الندوة). وهذا الكلام لا يعني بأي حال من الأحوال أن لا ننتقد الرئيس، بل يجب علينا أن ننتقده، ولكن بوصفه رئيسا للجمهورية، إن كنا حقا نحترم هذا البلد الذي نعيش فيه .والذي يعتبر الرئيس رمزا من رموزه . ولمن سيزايد هنا فليقرأ : " الرئيس على الخط " أو "جحيم خمس نجوم" أو " تأملات في اللاشيء " .....ثم بعد ذلك فليزايد كما شاء. وهنا أغلق القوس الذي فتحته دون إشعار.
ومشكلتنا التي يجب علينا أن نتحدث عنها بشكل صريح هي أننا وطن يتشكل من عدة أوطان وعدة أعراق وعدة وإيدولجيات ...ومشكلتنا هي أننا من أقل بلدان العالم وطنية ( ولو كان هناك مقياس دولي للوطنية لكنا في أسفل اللائحة كما هو حالنا مع القضاء على الفقر والأمية والرشوة) ومشكلتنا أنه يوجد في هذا البلد ما يزيد على ثلاثة ملايين مواطن موريتاني بالبطاقة ، ولا يوجد فيه إلا قلة ممن هم موريتانيون بالشعور وبالانتماء وممن هم قادرون أن يجعلوا ولاءهم للوطن فوق أي ولاء آخر، سواء كان ذلك الولاء للقبيلة، أو للشريحة، أو للايدولوجيا، أو للحزب السياسي .
مشكلتنا في هذه البقعة من الأرض أننا نحن هم البلد الوحيد الذي يُهَمَّش فيه المواطن الصالح الذي يحب وطنه، يهمش لأنه لا يرضى أن يستنفر قبيلة، أو شريحة ،أو حزبا، من أجل أن يحصل على أبسط حقوق المواطنة. فالشهادات العالية لا تكفي للحصول على وظيفة إن لم "تزين" بوساطة وجهاء القبيلة أو الشريحة أو الحزب. الشيء الذي يساهم في تعميق الولاء للقبيلة على حساب الولاء للوطن .وما يحدث في التوظيف يحدث في كل الخدمات الأخرى التي يفترض أن تقدمها الدولة لمواطنيها.
مشكلتنا في هذا البلد هي أن المواطن الصالح يولد مهمشا، ويعيش مهمشا، ويموت مهمشا. ونسأل الله أن لا يبعث مهمشا. في حين أن ابن القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، يولد معززا، ويعيش معززا، ويموت معززا، بشكل يتناسب طرديا مع علاقة السلطات الحاكمة بقبيلته أو بشريحته أو بحزبه أو حتى بامتداده وولائه الخارجي.
فأي حكامة نريد بعد خمسين عاما ؟ إننا نريد وطنا نعيش فيه، لأننا لم نعد نطيق العيش بين مجموعة من القبائل التي تتنافس، أو بين مجموعة من الشرائح التي تتصارع ، أو بين مجموعة من الايدولجيوت التي تتباغض.. لقد سئمنا تلك الحياة .. سئمناها ..سئمناها .. أتسمعون يا مؤتمرون ؟؟ أتسمعون أيها الحاضرون ؟؟ أتسمعون أيها الغائبون؟؟
إننا نريد وطنا يحبه الموريتاني الزنجي أكثر من حبه لأي بلد إفريقي آخر، حتى ولو كان مليئا بأقربائه. و نريد وطنا يحبه الموريتاني العربي أكثر من حبه لأي بلد عربي آخر، إننا نريد وطنا يكون لمواطنيه اهتمامات مشتركة، بغض النظر عن الشريحة أو القومية. إننا نريد وطنا يدافع فيه الموريتاني العربي عن كل القضايا التي تهم الموريتانيون الزنوج. ونريد وطنا نري فيه الموريتانيون الزنوج في الصفوف الأمامية في كل تظاهرة تنظم لصالح إخوتهم في الدين، من المظلومين في فلسطين، أو في العراق، أو في أفغانستان.. إننا نريد وطنا يكون فيه الموريتاني الذي لم يعاني من العبودية هو من أشد الموريتانيين تحمسا لمواجهة مخلفاتها.إننا نريد وطنا لا يسمح فيه الموريتانيون العرب لأي كان بأن يكون عربيا قبل أن يكون موريتانيا. ولا يسمح فيه الموريتانيون الزنوج لأي كان بأن يكون إفريقيا قبل أن يكون موريتانيا.
إننا ببساطة شديدة ـ يا سادة يا كرام ـ نريد أن يكون الولاء للوطن على رأس قائمة ولاءاتنا، ثم يأتي بعد ذلك فراغ كبير يرتب بعده كل واحد منا ولاءاته الأخرى وفق ما يحلو له.
فهل ستحققوا لنا ذلك ؟ أم أنه علينا أن نستجلب ذرية صالحة من أمة أخرى تعمر هذه الأرض الطيبة؟ كما كان يقترح الكاتب الكبير أستاذي للفرنسية في ثانوية لعيون حبيب محفوظ رحمه الله.
ثانيا أزمة النخبة : إننا نحن البلد الوحيد الذي تُوَجِّه فيه العامة نخبها ، فبعد أن فشلت النخبة خلال العقود الماضية في التأثير على العامة لأسباب لا يتسع المقام لبسطها، أصبحت العامة هي التي تؤثر وتوجه وتحدد سلوك النخبة. واكتفت النخبة بلعب الدور الذي حدده له المجتمع، على طريقة الفن الهابط " الجمهور عايز كدة ". فأصبح "المثقف" عبارة عن معول لهدم ما بقي من قيم وأخلاق. فهو يسرق المال العام لأن الزوجة عايزة كدة، والقبيلة عايزة كدة، والمجتمع عايز كدة، وهو ينافق ويكذب ويصفق بأياديه وبأرجله لأن الجمهورـ عفوا السلطة ـ عايزة كدة.
ورغم أن الحديث عن أزمة النخبة يحتاج إلى ورقة كاملة، فإنني مع ذلك سأكتفي هنا بملاحظات سريعة عن جزئية واحدة دار حولها جدل كبير ألا وهي ضرورة تجديد النخبة.
الملاحظة الأولى : إن تجديد النخبة ـ خاصة السياسية منها ـ ليست عملية آلية تتم من خلال استقالة النخبة القديمة لتحل محلها نخبة جديدة.
الملاحظة الثانية : لقد أثبتت أغلبية النخب الشابة بأنها قصيرة النفس، عكس النخب القديمة، التي أثبت بعضها نفسا طويلا في النضال وفي الكفاح ، وتلك إيجابية كبيرة تحسب لشيوخ المعارضة.
الملاحظة الثالثة : إن ما يمكن عمله هنا هو إتاحة الفرصة للنخب الشابة لكي تظهر وتثبت وجودها، حتى تصبح بعد ذلك قادرة على سد الفراغ الذي ستخلفه النخب القديمة.
الملاحظة الرابعة : من المضحك المبكي أن بعض النخب الإعلامية القديمة والتي عُرِفَت بالتطبيل لكل الأنظمة السابقة هي التي تطالب ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ بضرورة تجديد النخب السياسية.
فالحكومة ـ يا سادة الإعلام الرسمي ـ لا تستطيع أن تجدد النخبة السياسية خاصة المُعَارِضة منها، والتي هي المستهدفة بخطاب التجديد. ولكن الحكومة في المقابل بإمكانها أن تجدد نخب الإعلام الرسمي التي تضرها أكثر مما تنفعها . كما أنه على المعارضة أن تطالب ـ وتلح على ذلك ـ بضرورة تجديد تلك النخبة الإعلامية التي شوهت في الماضي سمعة المعارضة، وذلك ـ بالتأكيد ـ سيكون أفضل بكثير من مقاطعة البرامج التلفزيونية.
ثالثا أزمة الأفكار: يمكن لنا أن نُعَرِّفَ الموريتاني بأنه هو الكائن البشري الوحيد الذي لا يستطيع أن يفكر لمدة خمس دقائق متواصلة في مشكلة عامة تهم بلده . كما يمكن تقديم تعريف آخر أكثر دقة وهو أن الموريتاني هو الكائن البشري الوحيد الذي يفكر بدماغه عندما يتعلق الأمر بمصلحة خاصة . ويفكر بأمعائه عندما يتعلق الأمر بمصلحة عامة. لذلك فقد أصبح من الضروري سَنُّ قانون يجرم التفكير بالأمعاء أثناء أوقات الدوام الرسمي.
إن لدينا في الحقيقة أزمة في الأفكار لأنه لا أحد يفكر في مصلحة هذا البلد . ولو أن كل واحد منا خصص خمس دقائق يوميا للتفكير وللبحث عن حلول لهموم هذا البلد ، لكان حالنا غير هذا الحال. يقول واحد من الأذكياء وهو " أينشتاين " بأنه من السذاجة أن نتوقع نتائج مغايرة إذا ما استخدمنا نفس أساليبنا القديمة. ولقد كان واحد من أغنياء هذا العالم وهو " بيل كيت" الذي يملك ثروة تعادل ميزانية خمس دول من "نمور آسيا" يُجَرِّدُ ـ قد لا يكون ذلك في يوم الخميس ـ كل عامل يكرر نفس الفكرة مرتين!
أما نحن فإننا نكرر نفس الفكرة الغبية أكثر من خمس مرات متوالية .
فالتعليم ـ كمثال ـ فشل فشلا كبيرا، وهو فشل انعكس سلبا على كل شيء، ولكننا بدلا من أن نفكر في إصلاحه فقد اكتفينا بدمج وتقسيم وزارة التعليم بشكل عبثي وصبياني حتى أصبحت هي الوزارة الأكثر انشطارا في العالم.
أتدرون كم من مرة انشطرت وزارة التعليم خلال السنوات الخمس الأخيرة ؟ لقد كانت وزارة واحدة قبل 3 أغسطس، ثم تحولت إلى وزارتين في المرحلة الانتقالية الأولى، ثم توحدت من جديد بعد تنصيب الرئيس السابق ، ثم انشطرت من جديد مع حكومة أستاذي الأولى، ثم توحدت في حكومته الثانية، ثم انشطرت من جديد مع الحكومة الحالية ، وربما تتوحد للمرة الرابعة بعد أن انشطرت ثلاث مرات في أقل من خمس سنوات!!!
أليس من السذاجة الكبيرة أن نتوقع إصلاحا للتعليم بهذه الطريقة ؟؟؟ وكيف يصلح التعليم ونحن منذ خمس سنوات مشغولون ومنشغلون بالإجراءات المصاحبة للدمج و للانشطار؟؟
ألا تسمعون... فما لكم إذاً لا تجيبون ؟؟؟
رابعا الأزمة الأخلاقية :
نحن كنا دولة بلا بنية تحتية، فلم تكن فينا مدارس ،ولا شوارع،ولا مستشفيات، لذلك فإن الواقع السيء لبنيتنا التحتية والتي تعتبر أسوأ بنية تحتية في المنطقة، ليس هو أسوأ ما نعاني منه .
إن أعظم مصائبنا هي أننا كنا بلدا له بنية أخلاقية، تشكل نظام وقاية لنا ضد كل الأخطار.
وهذه البنية انهارت تماما، وبسرعة مخيفة، فأصبحنا اليوم نعيش أزمة قيم ،وأزمة أخلاق، وأزمة نخبة، وأزمة مواطن، وأزمة مجتمع، وأزمة إدارة ...
لقد انعكست تلك الأزمة الأخلاقية على الإدارة، فالتعيين والاكتتاب أصبح يعتمد أساسا على مدى الاستعداد للتزلف والنفاق للسلطات الحاكمة. وبالطبع فإن من هو أقل كفاءة ،وأقل أخلاقا، هو الأكثر استعدادا للنفاق والتزلف. أما الأكفاء الذين يمتلكون شيئا من الأخلاق، فيصعب عليهم القيام بتلك التصرفات المشينة، الشيء الذي جعل الإدارة تستقطب الأسوأ وتطرد الأفضل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
ومنذ سنوات استوقفتني ظاهرة غريبة أثناء إعداد دراسة عن الأمية تحت عنوان " الأمية في موريتانيا مشاكل وحلول". لقد استغربت حينها أن نسبة محو الأمية كانت أعلى قبل إنشاء وزارة خاصة بمحاربة الأمية ،هناك إحصائيات رسمية تؤكد ذلك، أي أن القضاء على الأمية كان أفضل قبل أن تخصص موارد ضخمة ووزارة لمحاربة الأمية. هذا ما لم يكن الرئيس الأسبق معاوية يحب سماعه. (لقد أرسلت له ـ إبراء للذمة ـ نسخة من تلك الدراسة عن طريق البريد المضمون، وسلمت نسخة أخرى لعمال القصر لكي يوصلوها إليه).
نفس الشيء حدث بعد ذلك مع التعليم عندما خُصِصَّت له ولأول مرة وزارتان في المرحلة الانتقالية الأولى . ولقد اعترف الوزير الأول بعد انتهاء مأموريته بأن حكومته فشلت تماما في التعليم.
الظاهرة تكررت أيضا مع الرئيس السابق الذي انصب اهتمامه على محاربة الفقر، وأطلق برنامج التدخل الخاص، ومع ذلك فقد شهد عهده أول ثورة جياع ماتت فيها نفس بريئة.
وقبل محاربة الأمية حدث نفس الشيء مع الزراعة التي أعطت أسوأ النتائج في الأعوام التي خُصِصت فيها الموارد الضخمة للزراعة. وقبل الزراعة حدث نفس الشيء مع الصيد البحري.
فلماذا يزداد انهيار القطاع كلما زاد اهتمام الدولة به، من خلال تخصيص الموارد الضخمة لإصلاحه ؟ ثم أليس من الأفضل أن تحجب الدولة الموارد المالية عن القطاعات التي تريد إصلاحها، إذا كان ضخ الأموال لا يؤدي إلا لمزيد من الانهيار ؟؟
إن أزمتنا الأخلاقية هي التي يمكن لها أن تقدم تفسيرا منطقيا لتلك الظاهرة الغريبة ، فضخ الأموال في قطاع ما، سيجعله قبلة لكبار المفسدين واللصوص والمنافقين والمتزلفين في الإدارة، الشيء الذي يجعل ضخ الأموال في قطاع ما نقمة عليه لا نعمة .
خلاصة : إننا نعيش أزمات عميقة في كل المناحي ، أزمات عن اليمين ، وأزمات عن الشمال ، أزمات من فوق ، وأزمات من تحت، أزمات تأتي فرادى، وأخري تأتي مثني مثني، وأزمات أخرى لا تأتي إلا بالجملة.
وإنه لن يكون بإمكاننا أن نواجه تلك الأزمات ، إلا إذا استحضرنا مقولة لأينشتاين أيضا تقول : " إن الأزمات العميقة لا يمكن مواجهتها بنفس العقليات والأساليب التي أنتجتها".
وهذه المقولة سنكتشف أهميتها عندما نحصد ـ إن شاء الله ـ النتائج المثمرة للحوار مع السجناء السلفيين، والذي شكل بالفعل أسلوبا جديدا وطريقة جديدة تختلف عن أساليبنا التقليدية التي كانت تتسبب في المزيد من التطرف والإرهاب.
تصبحون وأنتم موريتانيون ........

الأحد، 17 يناير 2010

الكرامة العربية بأحرف معتدلة


ربما يكون البعض قد اعتقد سذاجة بأن حكام العرب سيعيشون صحوة تعيد إليهم شيئا يسيرا من كرامتهم الضائعة. وقد يكون السبب في ذلك الاعتقاد هو الصعود الحاد والمفاجئ الذي عرفته "كرامتنا الكروية " خلال مباريات مصر والجزائر في إطار تصفيات كأس العالم (من المؤسف أن كرة القدم لم تظهر في العصر الأموي أو العصر العباسي حتى تكون لنا كؤوس تراثية نفاخر بها الأمم الأخرى التي لها كؤوس وألقاب كروية معاصرة).
ربما يكون البعض قد اعتقد بأن تلك الطفرة التي عرفتها كرامتنا الكروية سيصاحبها صعود موازي في جوانب الكرامة الأخرى . وربما يكون البعض قد اعتقد ـ ولو للحظة ـ بأن الجدار المصري إنما جاء ليشكل ثورة على تلك الكرامة المعتدلة أو "المعدلة وراثيا" والتي أذلتنا كثيرا .. فربما يكون الجدار الفولاذي قد تم تشييده من أجل وقف تهريب الغذاء والدواء الذي كان يتم من خلال أنفاق تحت الأرض، لأن الكرامة العربية ـ قبل أن تعتدل و تُعَدَّل ـ لم تكن تسمح للعربي بأن يخفي الطعام والدواء الذي يساعد به جاره وابن عمه المحاصر.
وربما تكون فتوى الأزهر قد جاءت في هذا الإطار لتؤكد تلك الحقيقة. فعلماء الأزهر يعلمون بأن آلاف القطط قد تموت في " غزة " بفعل الجدار، وهم يعلمون كذلك بأن هناك امرأة دخلت في النار لأنها حبست هرة واحدة عن الطعام.
ولأنهم يعلمون ذلك، فربما تكون فتواهم قد جاءت من أجل إجبار النظام المصري على تقديم الغذاء والدواء والسلاح للأخوة في الدين والدم والجوار، بشكل علني، يتناسب مع عزة و كرامة العربي المسلم. تلك الكرامة التي تم تعديلها وتحريفها كثيرا في العقود الأخيرة حتى لا تتعارض مع " كرامة العدو" التي يدافع عنها الحكام العرب أكثر من دفاع العدو عنها (لاحظوا أن العدو قد اضطر لبناء جدار إلكتروني ولم يستطع ـ عكس مصر ـ أن يبنيه من الفولاذ "رأفة" بأهلنا في غزة).
من سمع الرئيس المصري ـ ذات يوم ـ يتحدث عن حرب تموز ويصفها بأنها " لعب عيال" ربما يعتقد بأنه قد شيد الجدار لكي يقدم المؤونة لأخوته في وضح النهار، وأمام الملأ، كما يفعل الرجال عادة، عكس ما كان يقوم به "عيال" حزب الله، الذين يحاكمهم القضاء المصري لأنهم كانوا يتخفون وهم يمدون يد العون لإخوتهم في "غزة". وهو تخفي لا يتلاءم مع الكرامة والشهامة العربية والإسلامية الأصيلة.
فالنظام المصري الذي يقوده "رجال " يختلفون تماما عن " عيال" حزب الله، ربما يكون قد قرر ـ ولو في وقت متأخرـ أن يقود صحوة عربية للدفاع عن الكرامة العربية المسلوبة.
والنظام المصري "الحساس جدا " ربما يكون قد استاء من صعود مؤشرات " الكرامة الفارسية " و " الكرامة العثمانية " و " الكرامة الفنزويلية " التي أذلت كثيرا الزعماء العرب بدفاعها عن قضاياهم في وقت اشتغلوا هم فيه بحروب كروية طاحنة.
وقد يكون الرئيس المصري قد أغاظه كثيرا أن يخرج " تركي " غاضبا من منتدى "دافوس" انتصارا للعرب، في الوقت الذي عجز فيه مصري، وهو "الأمين العام للكرامة العربية المعتدلة"، عن أن يتحرك من مكانه، وبقي "معتدلا" في جلسته، كأنه تمثال تم تحنيطه منذ آلاف السنين قبل تأسيس دولة الصهاينة وقبل أن تعيش مصر ومن ورائها العرب كلهم هذا الذل والهوان الذي يعيشونه اليوم.
وربما يكون الرئيس المصري قد أغضبه كثيرا ذلك الاعتذار المكتوب الذي قدمته إسرائيل وهي ذليلة، حقيرة، للحكومة التركية. في وقت يضطر فيه هو أن يعتذر بالغمز، وباللمز، وبالهمز، وبصريح القول للعدو في كل صباح ومساء، لأنه لم يزل في شعبه من يتألم بقلبه لما يحدث في فلسطين، ولأنه لم يزل في شعبه من يتجرأ على الدفاع عن الكرامة العربية حتى ولو تم ذلك من خلال لقطات من فيلم "أولاد العم".
وبالمناسبة فأولاد العم الذين تخلى عنهم الأقرباء سخر الله لهم أبناء عمومة جدد من تركيا، ومن إيران، ومن فنزويلا، وحتى من الإنجليز يناصرونهم بكل ما هو متاح.
وربما يكون الرئيس المصري قد أغضبته تلك العزة التي يتفاوض بها الرئيس الإيراني مع " الشيطان الأكبر" رغم أن إيران ليس لها امتداد قومي في المنطقة. أما أسن الزعماء العرب والذي يقود أكبر دولة عربية فإنه لا يُسْمَحُ له بالتفاوض، وإنما تأتيه أوامر شيطانية عليا، يجب عليه أن ينفذها فورا وبطريقة مذلة ومشينة ومخزية وحقيرة.
فربما يكون إذاً الرئيس المصري قد أغضبه كل ذلك، وقرر فجأة أن يستعيد لمصر دورها ومكانتها التي تليق بها، وهي قيادة العرب إلى العز والكرامة، بعد أن قادتهم في العقود الماضية باتفاقية "كامب ديفد" إلى الكرامة المعتدلة التي تمثل الدرك الأسفل من درجات الذل والهوان..
تلكم كانت مجرد أوهام وأمنيات لن تتحقق، فالرئيس المصري لم يعد يغضب بعد أن تفرغ لأمرين أساسيين اثنين : أولهما الدفاع عن التوريث، وثانيهما الدفاع عن الكرامة الرياضية المصرية التي يحاول الأشقاء ـ كل الأشقاء ـ النيل منها .
سيعمل العدو كل ما في وسعه من أجل تحذير العرب المعتدلين من خطورة المد التركي القادم، وسينبش منظرو الاعتدال تاريخ العثمانيين، وسيختارون أسوأ ما في ذلك التاريخ لتأكيد مزاعم العدو، وسيقود الرئيس المصري حلفا جديدا من المعتدلين العرب لمواجهة الخطر العثماني الزاحف الذي سيتحول في المستقبل القريب إلى تهديد أخطر من التهديد اليهودي ..
للرئيس المصري ولمنظري الاعتدال نقول : لو خيرنا بين أن نكون عربا معتدلين أو أتراكا لاخترنا أن نكون أتراكا أو إيرانيين أو حتى فنزوليين بالتجنس.
بل وفوق ذلك فإننا نقول بأننا أصبحنا نحتاج لأن نتعلم التركية أو الفارسية أو "التشافيزية "حتى، لكي نفهم كلمات من قبيل " الكرامة " أو " السيادة " أو " الأخوة" التي لم تعد لها أي شحنة دلالية إذا كتبت بأحرف عربية. اللهم إذا استثنينا تلك الكلمات التي يكتبها أطفال غزة أو " عيال" حزب الله.
تصبحون على كرامة عربية غير معتدلة ..

الاثنين، 11 يناير 2010

سري للغاية ...إلى رئيس الجمهورية ، كيف أصبحت إرهابيا !؟


سيدي الرئيس، أجدني مجبرا وملزما في نفس الوقت بأن أقول لكم وبوضوح شديد في بداية هذه الرسالة المفتوحة بأنه لو كانت القاعدة تمنح الأوسمة والتوشيحات لوشحت والي نواكشوط بأعلى وسام لديها على جهوده الجبارة التي يقوم بها من خلال سد كل الأبواب أمام الشباب للمشاركة الإيجابية في تنمية بلدهم، الشيء الذي قد يدفع بعضهم ـ لا قدر الله ـ إلى ردود أفعال طائشة وإلى طرق أبواب التنظيمات الإرهابية.
وفي هذه الرسالة المختصرة جدا ـ عكس الرسائل السابقة ـ سأحدثكم عن بعض تلك "الجهود الجبارة" التي كنت شاهدا عليها مع مجموعة من خيرة شباب هذا البلد.
لقد حاول بعض الشباب المنخرط في بعض الأندية والجمعيات الشبابية أن يقدم بعض الأنشطة الشبابية ضد الفساد، وذلك من أجل فتح قنوات للعمل الشبابي للمشاركة ميدانيا في الحرب المعلنة ضد الفساد.
ولقد كان من المفترض أن تبدأ تلك الأنشطة بتنظيم وقفة شبابية ضد الفساد مع بداية العام الجديد وذلك لتقديم نشاطين اثنين :
أولهما : تكريم الشرطي المعروف بشرطي نادي الضباط والذي يشهد له الجميع بالاستقامة وبالتفاني والإخلاص في العمل والذي لم يحصل ـ حتى الآن ـ على أي تكريم رغم أنه سيحال إلى التقاعد مع مطلع العام القادم.
ثانيهما : توزيع كميات كبيرة من شعار الحملة ووضع ملصقات الشعار في الإدارات التي تكثر فيها ممارسة الرشوة . ولقد تم اختيار " أنا مسلم .. أنا لا أرشي ولا أرتشي" كشعار للحملة وذلك للتذكير بأن المسلم الحقيقي لا يتعاطى الرشوة ولا يتعبد بسرقة أموال الفقراء والأيتام والمستضعفين.ولقد تم اختيار ذلك الشعار لمواجهة بعض المفاهيم الخاطئة التي ظهرت في السنوات الأخيرة والتي أفرزت بعض " العباد " الجدد الذين يصلون في المساجد، ويحجون ،ويصومون، ويتصدقون، ومع ذلك فهم لا يتورعون عن سرقة المال العام المخصص للأيتام وللمعوقين وللفقراء بصفة عامة .
ولقد قررت تلك الأندية أن تعتمد في كل أنشطتها على مواردها الذاتية المتواضعة، وعلى مشاركة أعضائها. ولقد استطاعت ـ بعد جهد كبيرـ أن توفر الأقمصة والقبعات واللافتات والملصقات الضرورية لتنظيم تلك الوقفة الشبابية، الشيء الذي جعلها ـ بعد أن جهزت كل شيء ـ تتقدم إلى الوالي بطلب الترخيص لتلك الوقفة.
وبعد أسبوع من التردد على مكتب الوالي، وبعد كثير من الإهانة ،و من الوعود الكاذبة، ومن الطرد في بعض الأحيان ـ بشكل غير لائق ـ من مكاتب الولاية، تم إبلاغ المجموعة بأن الوالي قد رفض الترخيص لتلك الأنشطة.
كان قرار الرفض مفاجئا رغم كل الإشارات السلبية التي سبقته، كان مفاجئا لأن محاربة الفساد هي العنوان الأبرز للعمل الحكومي .وكان مفاجئا لأنه جاء بعد أيام قليلة من رعايتكم لمنتدى الشباب. وكان مفاجئا لأنه جاء في وقت كان من المفترض أن نتعاون فيه جميعا ـ حكومة وشعباـ حتى لا نسمح للإرهابيين باكتتاب إرهابيين جدد.
ورغم ذلك فلم نيأس وحاولنا مرة أخرى من خلال تقديم نداء تم نشره في بعض المواقع والصحف الوطنية، طالبنا فيه السيد الوالي بأن يراجع قراره، وأن يسمح لنا بالقيام بتلك الوقفة الشبابية.
أصر الوالي على رفض الترخيص، الشيء الذي شكل صدمة كبيرة للشباب المطالب بتلك الوقفة، وهي صدمة جعلت بعضهم يسألني بصوت حائر، غاضب ، مخيف : لماذا لم يرخصوا لنا ؟ ولأني أخشى من أن يتحول الحماس الزائد، والوطنية العالية، والقدرات الكبيرة لبعض أولئك الشباب إلى كراهية وأفعال انتقامية ضد هذا المجتمع الذي يرفض أن يفتح لهم قنوات للمشاركة الإيجابية في تنمية البلد ، فلأني أخشى ذلك، ولأني لا أملك جوابا على السؤال، فقد قررت أن أطرحه أنا بدوري في ختام هذه الرسالة المفتوحة ، فلماذا لم يرخصوا لنا؟؟؟
وإلى الرسالة المفتوحة السادسة إن شاء الله، وفقكم الله لما فيه خيرالبلد...

الأحد، 3 يناير 2010

كلفة التغيير البناء




سيحاول هذا المقال أن يتحدث عن فرص نجاح التغيير البناء من منطلق علمي بحت واعتمادا على القانون الرياضي الشهير الذي يعتبر آخر ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا المجال:
C = A x B x D > X
إن هذا القانون هو الذي يحدد فرص نجاح أي تغيير سواء كان ذلك التغيير تغييرا بناء أو مؤتمنا أو هادئا أو صادقا أو حتى تغييرا في ظل الاستقرار.
وللاختصار فإننا سنقتصر هنا على مظهر واحد من مظاهر التغيير البناء، وهو المظهر الأكثر إثارة والأكثر تشويقا في ذلك التغيير كله، أي الحرب على الفساد التي أثارت جدلا كبيرا، خاصة في الأسابيع الماضية، بعد أن تم توقيف رجال الأعمال الثلاثة.
يقول القانون بأن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بــ "سي" تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة في معامل وضوح الرؤية في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى. ويقول القانون بأن هذا الناتج يجب أن يكون أكبر من "الإكس" والتي ترمز لكلفة التغيير.
وقبل الحديث بشكل مفصل عن عناصر معادلة التغيير فإنه من المهم جدا أن نتحدث قليلا عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقانونه، وهي مفاهيم قد تغيب عن كثير من المحللين والكتاب والدارسين.
1ـ سنختلف لا محالة في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في التغيير نفسه. بخلاف عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفتها إلا بشكل مؤجل ( وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون مواقف سلبية منه ).
فالحرب على الفساد لا بد أن تصاحبها ـ مع أول رصاصة تطلق ـ كلفة قد تترك آثارا مؤلمة ومؤلمة جدا. أما في حالة ترك الفساد على حاله فإن ذلك قد لا تكون له انعكاسات مؤلمة في الوقت الحالي، رغم أنه سيؤدي إلى نتائج كارثية في المستقبل المنظور.
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير إلى خصوم وأعداء لذلك التغيير. و يمكن هنا ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم في نجاح التغيير. كما أن هناك فئة الخاملين التي تعمل من أجل أن تبقى الأمور خاملة.
4 ـ إن هذا القانون يصلح لكل أشكال التغيير، سواء كان ذلك التغيير فرديا يخص الأفراد، أو كان تغييرا داخل مؤسسة، أو منظمة، أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (دي) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير . فهو يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
5ـ إنه عندما يكون أي عنصر من عناصر التغيير الثلاثة يساوي صفرا، فإن مستوى التغيير سيكون صفرا، لأنه حاصل عملية ضرب بين العناصر الثلاثة.
6 ـ إن من الأخطاء التي يقع فيها أغلب الكتاب هي النظر إلى نصف الكأس، وسواء منهم من ينظر إلى نصفها الفارغ، أو من ينظر إلى نصفها المملوء. علينا أن ننظر إلى الكأس بنصفيها الفارغ والمملوء. وهذا بالضبط هو ما تحاول معادلة التغيير أن تتحدث عنه بطريقة رياضية رائعة. فالبعض لسبب أو لآخر لا يرى من الحرب على الفساد إلا كلفتها، وهو بذلك ينتقدها انتقادا فظيعا. وأما البعض الآخر فهو لا يتحدث إلا عن إيجابيات تلك الحرب، وهو بالتالي يمدحها مدحا عظيما. أما من يحاول أن يتحدث عن الكلفة وعن النتائج في آن واحد ويقارن بينهما فإنه لا محالة سيقترب من الحقيقة. وإن كان ذلك الاقتراب سيسبب له متاعب كثيرة مع كلا الفريقين، وعلى حد سواء. قديما قالوا بأن قول الحقيقة يزيد عدد الأعداء.
7ـ إنه ليس من الممكن أن نغرق في تحليلات رياضية في مقال مكتوب لقراء من مستويات شتى، لذلك فسأكتفي هنا بتقديم معادلة التغيير. والمهم أن يعلم القراء أن لكل تغيير عناصر ثلاثة لا يمكن أن يحدث دونها، وأن حاصل ضرب تلك العناصر الثلاثة يجب أن يكون أكبر بكثير من كلفة التغيير.
العنصر الأول : مستوى درجة الاستياء من الظاهرة المراد تغييرها، وكلما ارتفع ذلك المستوى كلما أدى ذلك إلى نتيجة أكبر. وفي موضوعنا الذي نتحدث عنه فإنه يمكن القول بأن مستوى الاستياء من الفساد مرتفع جدا، فمجمل الأحاديث والكتابات والخطابات تتنافس كلها في تبيان خطورة تلك الظاهرة، لذلك فلن أتوقف كثيرا عند هذا العنصر.
والخلاصة بالنسبة لدرجة الاستياء هي أنها مرتفعة جدا.
العنصر الثاني : وضوح الرؤية والذي ترمز له المعادلة بحرف (بي ) وهو يستحق وقفة ليست بالقصيرة.
فقد تكون الرؤية واضحة بالنسبة لرئيس الجمهورية في حربه على الفساد. وقد يكون جادا، صادقا، في حربه تلك. ولكن هناك حقيقة في أدبيات التغيير لا يمكن تجاوزها هنا : ليس المهم أن يكون القائد على حق، ولكن المهم هو أن يستطيع أن يقنع أغلبية من يقود بأنه على حق.
إن هناك بعض المآخذ التي تشوش كثيرا على رؤية المواطن العادي لجدية هذه الحرب. وهي مآخذ يجب أن تصحح فورا، إذا ما أريد لهذا المواطن أن يشارك بجدية في الحرب على الفساد، ومن هذه المآخذ أذكر:
أولا : من المؤكد أن القضاء على الفساد يحتاج إلى ترغيب وترهيب، أي إلى عصا وجزرة. وإذا كنا ننقسم حول الأسلوب الذي استخدمت به العصا، حيث أن البعض يرى بأنها استخدمت بفظاعة ضد مجموعة دون أخرى، في حين أن البعض الآخر يرى أنها استخدمت بشكل مناسب، وبطريقة مناسبة لم تميز بين مجموعة ومجموعة. فإذا كنا نختلف على طريقة استخدام العصا، فإنه لا يحق لنا أن نختلف على طريقة استخدام الجزرة التي كانت سيئة جدا. فقد أعطيت الجزرة لمن لا يستحقها، هذا إذا ما تتبعنا كل التعيينات والتوشيحات التي تمت بعد التنصيب. بل أن هذه الجزرة قد تم إعطاؤها في بعض الحالات لبعض رموز الفساد، من خلال تعيينهم في وظائف حساسة. والخلاصة هنا أن نصف سلاح الحرب على الفساد، أي مبدأ المكافأة قد تم استخدامه بشكل سيء. أما النصف الآخر أي العصا أو العقوبة فهو محل خلاف كبير.
ثانيا : لقد شوشت كثيرا قضية رجال الأعمال الثلاثة على رؤية المواطن العادي لشفافية الحرب على الفساد. والغريب أن الدولة كادت أن تغلق هذا الملف بطريقة رائعة جدا، وبانتصار كبير، ولكنها ـ وهذا ما تفعله دائما ـ اختارت أن تشوش على ذلك العمل الرائع بقرارات غريبة جدا. فالراجح حسب ما يقال بأن البنك المركزي كان قد وقع اتفاقا مع رجال الأعمال، لاستعادة المبالغ المنهوبة. وهو ما يعني أن رجال الأعمال قد اعترفوا ضمنا بالتهمة الموجهة إليهم . كما يعني أيضا بأن الدولة كانت ستستعيد تلك المبالغ المنهوبة، ولو خلال فترة طويلة بلا كلفة تذكر. وهو ما كان سيعيد للدولة شيئا من هيبتها المفقودة. ولكن الحكومة اختارت ـ لسبب لا أفهمه ـ أن تفسد ذلك كله. واختارت أن تجعل لذلك الملف كلفة كبيرة على الحرب على الفساد. فبغض النظر عن الطريقة التي سيغلق بها ذلك الملف مستقبلا، فإنه لم يعد من الممكن إغلاقه إلا بكلفة كبيرة وكبيرة جدا كنا في غنى عن دفعها.
ونفس الشيء تمارسه الحكومة الآن. فبعد لقاء رئيس الجمهورية بنقابة الصحفيين، وبعد محاولة فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام الجميع، وبعد أن أصبح الكل يتوقع بأن الأشياء ربما تتحسن في هذا المجال مستقبلا. بعد ذلك كله، اتخذت الحكومة قرارات لا معنى لها للتشويش على تلك الصورة الجيدة التي بدأت تتشكل. ومن تلك القرارات إطالة الحبس التحكمي لحنفي و زيادة تكاليف الطباعة على الجرائد المستقلة. إنه "الإبداع " في صناعة الخصوم وهو الشيء الذي يبدو أن حكومتنا تتقنه بشكل جيد.
على الحكومة أن تعلم بأن حنفي لا بد أن يخرج من السجن. فهناك رأي عام يقف في صفه، وهناك نقابة للصحافة ستكون قضية حنفي هي قضيتها الأولى، فهي أول تحد تواجهه تلك النقابة بعد تأسيسها. لذلك فإن من مصلحة الحكومة أن تطلق سراح حنفي فورا قبل أن تزيد عليها المتاعب، وقبل أن تزيد من الكلفة التي سيسببها لها سجن حنفي. فكل يوم سيمر دون إطلاق سراح حنفي لابد أنه سيزيد من شك المواطن العادي في استقلالية القضاء.
وعلى من يهمه الأمر، أن يعلم بأن حنفي من طينة من البشر لا ينفع معها ما ينفع مع غيرها، أي الترغيب بالمال أو الترهيب بالسجن . حنفي تنفع معه طريقة واحدة، وواحدة فقط، ورغم أنها ليست بالطريقة السهلة إلا أنها هي المتاحة: مبارزة الكلمة للكلمة والفكرة للفكرة والمقال للمقال.
ثالثا : من الأشياء التي تركت غيوما كثيفة على الرؤية العامة يمكن ذكر ارتباك الحكومة، وارتباك خطابها الساذج في أغلب الأحيان. فالتغيير يحتاج لخطاب قوي جدا، وواضح جدا، يساعد في اكتتاب جنود جدد من خلال إقناع الخاملين والمثبطين، بدلا من خطاب مشوش قد يؤدي إلى انسحاب الكثير من أنصار الحرب، في بداية مشوارها، وفي وقت تحتاج فيه كثيرا إلى أولئك الأنصار.
وحتى لا يبقى هذا الحديث نظريا، فإن من المهم بمكان إسقاطه على ملف رجال الأعمال. وذلك لتسجيل ثلاث ملاحظات أضرت بذلك الخطاب كثيرا.
الملاحظة الأولى : لقد فشلت الحكومة في إقناع المواطنين بأن ملف رجال الأعمال ليس ملفا انتقائيا. وإذا كان هناك من يتهم بالانتقائية في هذا الملف فسيكون الرئيس الأسبق "معاوية". الشيء الذي يثير الضحك ، على الأقل في هذا الملف . وإذا كان هناك من يتهم بأنه اختار مجموعة أغلبها من قبيلة واحدة أو من جهة سياسية واحدة فهو الرئيس الأسبق "معاوية " الذي اختار تلك الأسماء واتهمها. أما الحكومة الحالية فقد وجدت أمامها ملفا كبيرا لم يغلق بعد. وهي لم تضف إليه اسما جديدا، ولم تحذف منه كذلك اسما.
الملاحظة الثانية : فشلت الحكومة في أن تقنع المواطن العادي بأنها كانت مجبرة على فتح ذلك الملف، ولم يكن أمامها خيار آخر. فهي التي وعدت ـ في وقت سابق ـ ذلك المواطن بالمحاربة الجادة للفساد. ثم وجدت أمامها ملفا لعشرات المليارات المنهوبة لم يتم إغلاقه. فما الذي كان بإمكانها أن تفعل؟ وهل هناك طريقة أخرى تنسجم مع برنامجها للتعامل مع ذلك الملف؟
الملاحظة الثالثة : فشلت الحكومة في الرد على من يقول بأن رجال الأعمال يملكون أدلة تبرئهم من تلك المليارات المنهوبة. وعجزت عن طرح سؤال بديهي جدا، ووجيه جدا : فإذا كان رجال الأعمال يملكون أدلة، فلِمَ لم يظهروها في الوقت المناسب، عندما تم فتح ذلك الملف؟؟؟ ولماذا لم يقدموا تلك الأدلة يوم كان الشهود يزاولون مهامهم، ويوم كان من يتهمهم لم يزل يزاول مهامه؟ ولِمَ لم يقدموها يوم كان فيه القضاء رحيما بمن ينهب الأموال الكبيرة وقاسيا مع من يسرق القليل ؟؟؟ لو فعلوها لأغلق ذلك الملف نهائيا، ولو فعلوها لاستراحوا هم وأراحوا غيرهم.
رابعا : من الأمور التي تساهم في عدم وضوح الرؤية عدم فتح قنوات للمشاركة الشعبية في هذه الحرب. لقد ذكرت سابقا وبشكل مفصل في مقال تحت عنوان " إعلان حرب " بأن الحرب على الفساد، لن يكتب لها النجاح، إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضده. واليوم لن أضيف جديدا لما قد قلت في السابق، سوى أن هناك كلمة تحت الشمس سيقولها بعض الشباب، أرجو أن تكون بداية لإطلاق الشرارة الأولى لتلك الانتفاضة.
الخلاصة : إن مستوى وضوح الرؤية لم يزل ـ حتى الآن ـ منخفضا جدا.
العنصر الثالث: مستوى الانجاز في الفترة الأولى: إن هناك وضعية سيئة نعيشها الآن، وهناك وضعية أفضل نحلم بها، ومن المفترض أن تكون هناك خطة حكومية، تنقلنا من الوضعية السيئة التي نتخبط فيها إلى الوضعية الأفضل التي نحلم بها، في مدة زمنية تقدر بخمس سنوات.
ويقول الخبراء بأن ما نقوم به في الأشهر الأولى أوفي السنة الأولى هو الذي سيتحكم في طريقة سيرنا في السنوات الخمس القادمة. فالحرب على الفساد تتطلب أولا أن نعرف مستوى الفساد الذي نعيشه اليوم ( إننا من أسوأ الدول العربية تقريبا، أما عالميا فإننا في الرتبة 130 ) . كما تتطلب منا أيضا تحديد موقع نطمح للوصول إليه في السنوات الخمس القادمة، وهو الشيء الذي لم تفعله الحكومة حتى الآن، وربما يكون السبب في ذلك هو أنها لا تريد تحديد هدف يمكن قياسه ويمكن أن تحاسب عليه. ولتلافي ذلك الخطأ فإني سأفترض جدلا بأن الحكومة تسعى خلال الخمس سنوات القادمة لأن يكون بلدنا هو الأول عربيا من حيث مستوى الشفافية، وأن يحتل ـ على المستوى العالمي ـ الرتبة رقم 35.
الخلاصة : علينا أن ننتظر حتى تنشر لائحة العام الحالي فإذا استطعنا بعد عام من الحرب على الفساد أن نقفز إلى الرتبة 100 مثلا فذلك يعني أن هذا العنصر مرتفع جدا. أما إذا حافظنا على نفس المستوى فإن ذلك سيعني أن مستوى الانجاز في العام الأول يساوي صفرا مما يعني أن درجة التغيير كانت صفرا.
تصبحون تحت الشمس مع " شباب ضد الفساد" ...

السبت، 26 ديسمبر 2009

تأملات في اللاشيء


إذا أردت أن تفهم كل شيء في هذا البلد..أو أن لا تفهم أي شيء عن هذا البلد .. فما عليك إلا أن تفكر في اللاشيء.. وإذا أردت أن تفهم حقيقة اللاشيء.. الذي يطرأ على موريتانيا مع كل طبعة جديدة.. فما عليك إلا أن تعود إلى كل الأشياء.. أو كل اللاأشياء .. التي كانت تحكمها في طبعاتها القديمة..
والشيء الثابت في هذا البلد.. هو أن كل شيء.. قد يتحول إلى اللاشيء.. وأنَّ اللاشيء قد يصبح بين عشية وضحاها شيئا مذكورا.. فكثير وكثير جدا من اللاأشياء في هذا البلد تحولت إلى أشياء كبيرة .. وكثير من الأشياء التي كان يعول عليها ظلت تصغر و تصغر حتى تحولت إلى اللاشيء.. ولكل شيء في هذا البلد وجهان : وجه قد يوحي بأنه شيئا.. ووجه آخر يوحي بأنه ليس شيئا ..
وفي هذا البلد هناك وزارة لشيء يسمونه الاتصال.. تتبع لها عدة أشياء لا اتصال ولا تواصل ولا تحالف ولا تكتل ولا اتحاد ولا منسقية بينها: شيء مرئي.. وشيء مسموع.. وشيء مقروء.. هذه الأشياء الثلاثة كان من المفترض أن يكون لها نفس الخطاب الإعلامي.. ومع ذلك فكل شيء من تلك الأشياء الثلاثة يسير وفق المزاج الشخصي للشيء الذي يديره ..وتلك الأشياء الثلاثة أثبتت أنها عمليا لا تتبع للوزير .. فالشيء المسموع ـ مثلا ـ لم يزل يرفض أن يبث مداولات البرلمان.. رغم أن الشيء المرئي والذي كان معروفا بتحجره يقدم تلك المداولات بطريقة ممتازة جدا ( هذا أول شيء إيجابي.. أكتبه عن الشيء المرئي.. والذي لا أستطيع رغم ذلك إلا أن أنتقده خلال تأملاتي للاشيء ).
المحير في الأمر أن وزير الشيء الذي يسمونه الاتصال.. قد قال في الملأ: بأن كل الأشياء التابعة لوزارته ستفتح أمام جميع الموريتانيين.. فهل البرلمانيون ليسوا موريتانيين ؟؟؟ ذلك شيء لا يجوز التحدث فيه ..
والشيء المحير أكثر.. هو أن فتح تلك الأشياء أمام الجميع كانت أوامر عليا صادرة من رئيس الجمهورية.. فكيف لا تنفذ أوامر الرئيس ؟؟ وهل الشيء المسموع له حكم ذاتي .. وهل هو شيء مستقل عن الدولة.. له قيادة أركان خاصة لا تتبع لأي شيء؟؟ ذلك شيء لا أملك الإجابة عليه .. وهو ليس ـ بالقطع ـ الشيء الوحيد الذي لا أملك له إجابة..في بلد الأشياء و اللاأشياء..
وفي بلد الأشياء و اللاأشياء قد تعتقد للحظة بأن الشيء المرئي لا يفوته أي شيء.. فهو يتحدث في كل ليلة عن أشياء تافهة.. حدثت في أدغال إفريقيا أو في أطراف آسيا أو فيما بين الأمريكيتين .. يتحدث عن أشياء فاتت "الجزيرة" ولم تذكرها ل"بي بي سي" .. ومع ذلك فالشيء المرئي أبله تماما ولا يعلم أي شيء.. حتى تلك الأشياء الخطيرة التي تحدث في هذا البلد .. وهو يبدو أنه لم يعلم ـ حتى الآن ـ بأن القاعدة قد اختطفت ثلاثة أسبان في الثالث من دجمبر ..اختطفتهم بين أهم شيئين في هذا البلد : شيء نسميه عاصمة سياسية ..وشيء آخر نسميه عاصمة اقتصادية..
وفي الشيء المرئي لا شيء يميز بين شيئين .. فمثلا لا فرق بين النشرة الغبية التي أعقبت اختطاف الأسبان.. أو تلك الصامتة التي أعقبت اختطاف الإيطاليين..ولا فرق بين مَشَاهِد من البادية الموريتانية وبين أي برنامج حواري ناطق أو صامت ..ولا فرق بين مؤتمر صحفي وبين مداولات البرلمان .. فقد تشاهد شيئا من المؤتمر .. وتشاهد أشياء من المداولات .. في مشهد واحد.. أما في الشيء المسموع .. فقد يختلط شيء من الترويج ..بشيء من خطاب الرئيس .. وذلك شيء لا يحدث إلا في بلد الأشياء و اللاأشياء ..
وفي الشيء المرئي قد يُطِلُّ عليك اللاشيء بشحمه ولحمه .. يتحدث عن لاشيء .. ويستضيف ضيوفا لا يفهمون أي شيء .. يتحدثون عن كل شيء .. دون أن يتحدثوا عن أي شيء .. يتحدثون عن السمنة كما يتحدثون عن الإرهاب .. ويتحدثون عن الفساد كما يتحدثون عن الكتاب.. يتحدثون عن الشيء القديم ..كما يتحدثون عن الشيء الجديد .. ويتحدثون عن الشيء المهم.. كما يتحدثون عن الشيء التافه ..يُظهرون شيئا كبيرا من النفاق للسلطان .. و شيئا قليلا من الحياء للمشاهد..
وشيء من الأمن في هذا البلد يأخذ كل شيء .. من أي شيء يسوق شيئا .. وهو يعرف كل شيء.. عن أي شيء.. يمارس أي شيء.. بشرط أن يكون ذلك الشيء الممارس لا صلة له بالجريمة .. وهو ـ في المقابل ـ لا يهتم بأي شيء له صلة بالأمن .. و لم يعد قادرا على فعل أي شيء.. لمواجهة الانفلات الأمني الذي هز كل شيء.. وتضرر منه كل شيء.. وأصبح المواطن فيه لا يأمن على أي شيء.. لا نفسه ..ولا ماله..ولا عرضه ..
وللجيش في هذا البلد وجهان : وجه يوحي بأنه كل شيء .. فهو يتحكم في كل شيء .. ويستطيع أن ينصب أي شيء .. وينقلب على كل شيء .. وتتدخل أشياؤه الكبيرة في كل شاردة وواردة .. أما الأشياء الصغرى فهي مشغولة بالبحث عن لقمة العيش .. ووجهه الآخر فيه شيء من الفساد حسب "مصدر شديد الإطلاع" .. وفيه شيء من لاشيء .. يكبله أثناء مطاردة شيء من الإرهابيين.. اختطفوا شيئا من الأسبان.. وجابوا بهم البلاد.. دون أن يعترضهم أي شيء.. أو يزعجهم أي شيء.. أو يقلقهم أي شيء .. حتى أوصلوا أشياءهم الثمينة التي اختطفوها إلى شيئهم الكبير.
و القانون في بلدنا هو كل شيء .. ويطبق على أي شيء .. حتى على المريض الضعيف ..فالطبيب ـ بشكوى بسيطة ـ يستطيع أن يُخْرِج مريضا في حالة صعبة من شيء يسمونه مجازا حالات مستعجلة.. إلى شيء آخر يسمونه اصطلاحا مخفر الشرطة..
وفي المقابل فإن القانون في هذا البلد ليس بالشيء .. وخيرة أطباء البلد يتنابزون بالألقاب.. ويتعاركون بالأيادي.. ويدهس بعضهم بعضا.. وكأنهم يعيشون في غابة..يُسْمَحُ فيها بكل شيء .. ولا يُحَرَّمُ فيها إلا شيئان : شيء تتميز به الكائنات الناطقة عن غيرها : الحوار .. وشيء آخر تلجأ إليه تلك الكائنات عندما تفشل في الحوار: القانون..
وبلدنا له قانون غريب .. فعندما يسرق فينا شيء صغير شيئا صغيرا..نتسابق في معاقبته قبل أن يعاقبه القضاء.. تنهال عليه الأيادي الصغرى والكبرى بشيء من الضرب المبرح .. أما عندما يسرق شيء كبير أشياء كبرى.. فإن نفس تلك الأيادي تصفق ـ وبلا خجل ـ لذلك اللاشيء " المحترم " الذي سرق شيئا " محترما " وبذره بشكل " محترم " على كل لا شيء "محترم " ..يظن أنه شيئا " محترما " ويعامله المجتمع بشكل "محترم" رغم أنه مجرد لا شيء من اللاأشياء الكثيرة ..لقد طغت تلك اللاأشياء كثيرا ..وقلبت المفاهيم كثيرا .. وعلت علوا كبيرا ..
وفي بلدنا قد تجد ثلاثة أشخاص يوصفون بعدة أشياء .. فهم عند المعارضة في طبعتها القديمة شريرون جدا .. وعند المعارضة في طبعتها الجديدة خيرون .. ونفس الأشخاص الثلاثة عند الأغلبية في طبعتها القديمة خيرون .. وعند الأغلبية في طبعتها الجديدة مفسدون يستحقون أقسى عقاب..
ففي بلدنا قد يتحول الشيء الواحد إلى أربعة أشياء.. حسب التوقيت وحسب التخندق.. تلك واحدة من أشيائنا المخجلة والمقززة ..
لقد أخطأت المعارضة مرة .. وأصابت مرة .. و أخطأت الأغلبية مرة .. وأصابت مرة ..ذلك شيء نتفق عليه .. وإن كنا نختلف على شيء آخر.. هو متى أخطأت المعارضة ؟؟؟؟ ومتى أصابت الأغلبية ؟؟؟؟
أما الشيء الذي لا يقال فهو: إن المعارضة اختارت أن تدافع عن أغنيائها بدلا من فقرائها..وهي منذ صدمة الانتخابات لم تتحرك وتندد وتنسق وتتظاهر إلا بعد سجن رجال الأعمال.. والموالاة لا تدافع بطبعها إلا عن رجال أعمال السلطة.. فهي التي رفضت تعديلات في الميزانية حتى لا تغضب أولئك الأغنياء .. الذين يمارسون الآن أشياء و أشياء .. قد مارسها من قبلهم إخوة لهم..يعانون الآن من شيء .. قد يعانون هم منه مستقبلا ..ذلك شيء يتكرر مع كل طبعة جديدة ..وتلك حقيقة يتمسك كل طرف بشيء منها .. ويحاول أن يخفي منها شيئا آخر ..
فيا معارضة كفى حديثا عن الفقراء .. ويا أغلبية كفى حديثا عن الفقراء.. فلا أنتم تهتمون حقا بالفقراء .. ولا هم يهتمون بهم حقا ..
وفي بلدنا لدينا نخبة .. تنهب كل شيء بما في ذلك الزراعة وآلياتها .. وتبتلع كل شيء بما في ذلك النفط ومشتقاته .. وترشف كل شيء بما في ذلك المحيط وحيتانه.. ولا ترضى بأي شيء ..و تصفق لكل شيء .. وترتحل مع أي شيء ..لا تشبع من أي شيء .. ولا تضحي بأي شيء..تتمالأ وقت النهب مع كل شيء .. وتتبرأ ساعة الحساب من كل شيء..
وفي بلدنا فإن المواطن شيء تافه .. ولا يكون شيئا مهما إلا في يوم واحد من كل خمس سنوات.. ثم يعود إلى شيء تافه مع غروب شمس يوم التصويت ..هذا إذا لم يحدث شيء ما.. يستوجب شيئا ما ..قد يفضي إلى شيء ما ..
وفي بلدنا يستطيع الحزب الحاكم أن يجمع أشياء كبيرة.. وأشياء صغيرة..أشياء طويلة .. وأشياء قصيرة ..أشياء سمينة .. وأشياء هزيلة .. أشياء عاقلة.. وأشياء ليست كذلك .. أشياء تفهم كل شيء.. وأشياء لا تفهم أي شيء .. ولكن هذا الحزب قد يتحول إلى اللاشيء .. تماما كما حدث مع "عادل" الذي كان يجمع أشياء وأشياء.. وكما حدث قبل ذلك للجمهوري ..وكما حدث قبل قبل ذلك مع هياكل تهذيب الجماهير..
وفي بلدنا كان هناك شيء مفقود .. شيء لا يستقيم أي شيء في ظل غيابه ..شغل البلاد والعباد ..قامت له أشياء كثيرة ولم تقعد .. حتى تم تأسيس ذلك الشيء .. ثم تحول ذلك الشيء إلى اللاشيء .. أو تحول على الأقل إلى شيء لا رائحة له ..ولا طعم .. ولا لون.. ولا صوت ..فغريبة هي المحكمة السامية يوم أغضب فقدانها الأغلبية.. وغريبة يوم شرع غيابها للانقلاب.. وغريبة أكثر يوم اختفت تماما عن الأنظار..
وغريب برلمان يتظاهر بحب الفقراء ..ويتشاغل بهموم الفقراء .. ويصوت رغم ذلك على زيادة الضرائب على شيء يأكله الفقراء .. وعلى شيء آخر يستخدم لنقل الغذاء لفقراء الأعماق .. وفي الوقت نفسه يرفض زيادتها على شيء من الدخان .. وغريب رئيس فريق مكافحة التدخين في البرلمان الذي جاهد وناضل حتى لا ترفع الضرائب على السجائر ..
وغريب أمر رئيس فريق الصحة الإنجابية الذي يجاور سكنه مركزا صحيا مغلقا منذ ستة أشهر ومع ذلك لم يتحدث عنه ولو لمرة واحدة..
وأغرب من كل أولئك وزير الصحة الذي يقول الشيء الجميل .. ولا يفعل الشيء القليل .. من أجل رفع الهم الثقيل ..تصبحون على أشياء جميلة ...!!!

الأحد، 13 ديسمبر 2009

عاجل إلى رئيس الجمهورية ... رسالة رقم (4)

سيدي الرئيس،
في هذه الرسالة سأحدثكم عن ثلاثة مواضيع هامة، تتناقض ـ بشكل أو بآخر ـ مع العهد الجديد : عهد محاربة الفساد والتركيز على تحسين مناحي الحياة للمواطنين البسطاء.
الموضوع الأول : عاصمة نظيفة ... على الأثير فقط : اسمحوا لي ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أعود قليلا إلى الرسالة المفتوحة الثالثة، والتي كنت قد خصصتها لتقديم مقترح لتنظيف العاصمة، وذلك لأسجل الملاحظات التالية:
1ـ لقد كنت حريصا ـ أشد الحرص ـ على نجاح حملة تنظيف العاصمة لسببين رئيسيين : أولهما أني كأي مواطن أحلم بعاصمة نظيفة. وثانيهما أني كنت أتمنى كثيرا أن يتم تنفيذ أول أوامركم المباشرة، فقد كان تنظيف العاصمة هو أول أمر تصدرونه في مجلس الوزراء. وكان من المفترض أن يتم تنفيذه بجدية حتى تتعود الإدارة على تنفيذ أوامر الرئيس بشكل ميداني و فوري. فمن مصائبنا في هذا البلد أن أوامر الرؤساء لم تكن تنفذ إلا على شاشة التلفزيون، أو عبر أمواج الإذاعة، أو في صفحات يومية الشعب.
2ـ لقد أصبح من الواضح جدا بأن حملة تنظيف العاصمة لم تحقق النتائج التي كانت مرجوة منها، رغم نجاحها ـ كالعادة ـ في مؤسسات الإعلام الرسمي. ويكفي لتأكيد ذلك، إلقاء نظرة على أكوام القمامة المجاورة لمبنى بلدية لكصر، التي كانت ـ و للمفارقة ـ هي أول بلدية تركز عليها الحملة، وتعد بتنظيفها بشكل نهائي.
3ـ لقد فشلت الحملة لأسباب عديدة، سأذكر منها ما هو عام، وذلك لكي نتجنب الوقوع فيه مستقبلا عندما نفكر في مواجهة مشكلة أخرى من مشاكلنا العديدة والمعقدة.
فلا يمكن ـ وهذا ما يتفق عليه أهل الاختصاص ـ أن نحل المشكلة بنفس الأساليب التي أدت إليها. وعندما نعالج مشكلة ما، بنفس الأسلوب، فعلينا أن ننتظر نفس النتائج.
لقد استخدمنا أسلوبنا السابق لتنظيف العاصمة : أوامر عليا تصدر، تتبعها حملة رسمية ارتجالية لم يخطط لها، يصاحبها تطبيل كبير للإعلام الرسمي ، ينتج عنها تشريد الآلاف من الباعة والتجار الصغار، ثم يتبع ذلك فتور شديد، تكون خاتمته نسيان كامل للمشكلة، حتى تمر فترة من الزمن، تأتي بعدها أوامر جديدة قديمة، تتبعها حملة جديدة قديمة، فتطبيل، فتشريد، ففتور، فنسيان مطلق حتى إشعار آخر.
لقد استخدمنا لتنظيف العاصمة نفس أساليبنا السابقة، لذلك فقد كان من المستحيل أن نحقق نتائج أفضل من نتائج الحملات السابقة.
4 ـ لمواجهة مشكلة ما، يجب علينا أولا أن نخلق استياء عاما منها، وكلما ارتفع مستوى الاستياء، كلما سهل ذلك كثيرا في مواجهتها.وهنا تبرز واحدة من أعظم سلبيات إعلامنا الرسمي، فهو لم يتحدث عن مشكلة القمامة إلا بعد أوامركم في مجلس الوزراء. و لم يتحدث عن الأزمة الأخلاقية إلا بعد خطابكم في العيد. وكأن العاصمة كانت نظيفة إلى أن غزتها ـ وبشكل مفاجئ ـ القمامة في يوم الخميس الذي تحدثتم فيه عن النظافة، أو كأن البلاد لم تعرف أزمة أخلاقية خطيرة إلا عند الساعة الثامنة من ليلة عيد الفطر المبارك.
5 ـ إن كل ساعة نقضيها في إعداد التصورات والخطط ستوفر لنا ثلاث ساعات عند التنفيذ. لذلك فإنه من المهم جدا أن لا نصدر القرارات إلا بعد إعداد التصورات والخطط اللازمة للتنفيذ حتى لا يتكرر ما حدث في حملة تنظيف العاصمة.
6 ـ إن الأشهر الستة الأولى هي التي ستحدد مسارنا في السنوات الخمس القادمة، لذلك فقد كان من الضروري أن نتعامل مع تنظيف العاصمة بطريقة أخرى، تضمن لنا تحقيق نتائج إيجابية. فكل أمر تصدرونه في هذه الأشهر، ويتم تنفيذه بشكل ناجح، سيخلق لدينا ثقة أكبر في المستقبل وسيقربنا بشكل أكثر من "موريتانيا الجديدة" التي نحلم بها. أما العكس فإنه لن يأتي إلا بالعكس.
الموضوع الثاني: قصر يتحول إلى مستشفى... ومركز صحي يتحول إلى محل لبيع اللحوم والخضروات!
رغم اهتمامكم الكبير بصحة المواطن. ورغم قراركم الشجاع بتحويل سكن الوزير الأول إلى مستشفى صحي للأمومة والطفولة. رغم ذلك كله فهناك مركز صحي يكاد أن يتحول ـ من جديد ـ إلى محل لبيع اللحوم والخضروات .
لقد مر على إغلاق المركز الصحي للعرقوب بمدينة لعيون العتروس ما يزيد على ستة أشهر دون سبب واضح . مما جعل الأهالي هناك يخافون من أن يعود مركزهم الصحي إلى قصة فساد قديمة، كان ضحية لها، جعلته يتحول من مركز صحي إلى محل لبيع اللحوم والخضروات لمدة ثلاث سنوات كاملة.
وفي هذا الإطار، وبعد إلحاح من بعض المتضررين قدمنا في " مبادرة ضحايا ضد الفساد " نداء باسمهم، لإعادة فتح المركز. وهو نداء تم نشره في بعض المواقع والجرائد الوطنية، كما تم توزيعه وبشكل مباشر على بعض البرلمانيين والموظفين الحكوميين المشاركين في مسيرة "الاتحاد من أجل الجمهورية" التي نظمها بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد.
ولأن ذلك النداء لم ينتج عنه حتى كتابة هذه الرسالة أي رد فعل ايجابي، فقد وجدت أنه من الضروري أن أحدثكم عن ذلك المركز، الذي يعاني من إهمال كبير رغم حربكم التي تخوضون ضد الفساد. ورغم اهتمامكم الميداني بصحة المواطن البسيط.
الموضوع الثالث: حامل شهادة بثلاث وظائف ... وثلاثة حملة شهادات بلا وظيفة واحدة
لقد شكل رفع سن الاكتتاب في الوظيفة العمومية إلى الأربعين بشرى سارة لحملة الشهادات العاطلين عن العمل . وهي بشرى تشجع على إثارة بعض الهموم الأخرى التي يعاني منها حملة الشهادات خاصة منهم من ينحدر من أسر فقيرة.
لقد تسبب تضاعف أعداد الخريجين و نقص الاكتتاب في السنوات الأخيرة، في تنافس شديد على الفرص القليلة المتاحة مما شجع كثيرا على تفشي الوساطة واستخدام المال من أجل ضمان وظيفة للمتخرج المنحدر من أسر متوسطة أو ميسورة الحال. وقد أدى ذلك بفعل التقادم و التراكم إلى تركيز البطالة في الأسر الأكثر فقرا. حيث أصبح الكثير من هذه الأسر يضم أكثر من خريج عاطل عن العمل. في حين أن الأسر الميسورة ظلت تتقاسم الوظائف المتاحة مما مكن بعضها من أن يضمن وظائف لأبنائه حتى قبل التخرج. ومكن البعض الآخر من ضمان أكثر من وظيفة للمتخرج الواحد. في حين استطاعت غالبية هذه الأسر أن تضمن وظيفة لكل متخرج.
وفي المقابل ففي أوساط الفقراء فلم يكن هناك من يملك وساطة، أو يملك مالا لتقديمه كرشوة للمُكْتَتِب. مما جعل الأخ الأصغر يتخرج بعد الأخ الأوسط والأكبر دون أن يتمكن أي واحد منهم من الحصول على وظيفة. ولقد كان الحل الوحيد المتاح لمواجهة البطالة في الأوساط الفقيرة هو التسرب المبكر من الدراسة، وذلك حتى لا يكون الصغار عالة على أسرهم الفقيرة كإخوتهم الكبار الذين خلقت لديهم شهاداتهم حاجزا نفسيا حرمهم من مزاولة بعض الأعمال التي "لا تليق" بحملة الشهادات دون أن تمنح لهم تلك الشهادات بصيص أمل في الحصول على وظيفة مناسبة.
ومع أنه لا تتوفر إحصائيات في هذا المجال، إلا أني أستطيع القول بأن أغلب العاطلين عن العمل هم من الأوساط الفقيرة وكثير منهم له أكثر من أخ ينافسه في البحث عن وظيفة. لذلك فقد أصبح من الضروري والملح إيجاد حل لتلك الظاهرة بطريقة تساعد في إعادة توزيع نسب البطالة بشكل عادل على مختلف الشرائح الاجتماعية وتمكن من تحقيق عدالة اجتماعية في التوظيف، مما سيكون له أثر إيجابي في محاربة الفقر، وفي الحد من التسرب المدرسي في الأوساط الفقيرة. كما أنه سيعزز من الشعور للانتماء لهذا الوطن لدى العاطلين عن العمل في الأوساط الأكثر فقرا، والذين عانوا كثيرا ولمدة طويلة من ظلم تنوء عن حمله الجبال. (هناك مقترح في هذا المجال سيتم تقديمه في وقت لاحق).
وفقكم الله لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الخامسة إن شاء الله.

الأربعاء، 2 ديسمبر 2009

نداء

لقد مر ما يزيد على ستة أشهر وأبواب "المركز الصحي للعرقوب" مغلقة دون تقديم تبريرات لذلك، حتى ولو كانت مجرد تبريرات واهية. الشيء الذي تسبب في حرمان الآلاف من المستضعفين من سكان الأحياء الجنوبية من مدينة لعيون بولاية الحوض الغربي من الخدمات الصحية التي كان من المفترض أن يقدمها ذلك المركز الصحي.
إن هذا المركز الصحي الذي عانى بالأمس القريب من قصة فساد بشعة وغريبة جعلته يتحول ولمدة ثلاث سنوات إلى محل لبيع اللحوم والخضروات، ها هو اليوم يعود إلى نفس الحالة بسبب إهمال الإدارة ولا مبالاتها رغم النداءات المتكررة للأهالي ورغم الشكاوي التي قُدِّمَتْ للسلطات الجهوية والوصية.
ولأننا في مبادرة " ضحايا ضد الفساد" نركز بالأساس على قضايا الفساد التي لا تجد من يتحدث عنها فإننا لنعلن هنا استغرابنا الشديد لذلك الإهمال الذي يتعرض له ذلك المرفق الصحي الهام، خاصة في هذا العهد الذي تشهد فيه البلاد حربا ضد الفساد يرافقها اهتمام ميداني بصحة المواطن البسيط. وإننا بهذه المناسبة لنناشد رئيس الجمهورية من أجل التدخل لإعادة فتح "المركز الصحي للعرقوب" الذي سيستفيد من خدماته الآلاف من الفقراء الذين يجدون صعوبة شديدة ومشقة كبيرة في التنقل إلى المراكز الأخرى البعيدة من أجل العلاج.

الجمعة، 20 نوفمبر 2009

رسالة مفتوحة من السماء السابعة


لقد قررت اليوم أن أنشر رسالة أبينا التي أرسلها لنا بعد وفاته بزمن بعيد وهذه الرسالة هي رسالة استثنائية تختلف عن كل الرسائل العادية التي عرفها الناس ، فالمرسل هو أعظم محب عرفه التاريخ الإنساني لأنه قد أحبنا من قبل أن نولد وشهادة هذا الحب خالدة في القرآن الكريم .
ولقد كان همه الأكبر في حياته هو الدعاء لنا ونحن اليوم ننعم ببركة ذلك الدعاء ، وأما بعد موته فقد أرسل لنا هذه الرسالة الرائعة والتي قررت اليوم أن أضعها بين أيديكم. وحب أبينا لنا لا تتجرأ لغتي المتواضعة عن التعبير عنه ، فالعبارات تعلم أنها ليست أهلا لذلك مهما صيغت ومهما أعيدت صياغتها. أمام هذا الحب الكبير لا أملك ما أقوله لأبي سوى أني أحبه، أحبه، أحبه ، وأن أسأل الله تعالي أن يجمعني أنا ـ وإخوتي ـ معه .
وهي رسالة استثنائية لأنها أرسلت من السماء السابعة أرسلها لنا أبونا ليصف لنا فيها وبكلمات مختصرة وجامعة بعض أوصاف وطننا الأم الذي كتب على والدنا الأول أن يخرج منه ليعيش كل أبنائه وبلا استثناء في عالم الغربة. ولقد استوطن الكثير من هؤلاء الأبناء بلاد الغربة بل أن الكثير منهم أصبح يعتقد أن بلاد الغربة هي وطنه الأم مما جعله يبني ويعمر ويستثمر في هذا الوطن الجديد غافلا عن ادخار ما يلزم لنفقات العودة إلى الوطن الأم، والكارثة التي ستحل بهذا الغافل أنه سيطرد يوما من بلاد الغربة وحيدا ذليلا مهانا وسيترك خلفه كل ممتلكاته، سيطرد وهو لا يملك شيئا تماما على تلك الهيئة التي دخل بها هذه البلاد لأول مرة. أما أنا وإخوتي فقد خصنا أبونا برسالته ، ونحن لم نزل نحلم بالعودة يوما إلى وطننا الأصلي ولم نزل حتى الآن رغم السنين الطويلة والإغراءات الكثيرة ندخر ـ بمستويات مختلفة طبعا - للإعداد لرحلة العودة وللخروج من هذه البلاد التي نعلم ـ يقينا ـ بأنها ليست وطننا الحقيقي وأننا سنغادرها يوما- إن شاء الله- إلى وطننا الأصلي. سنترك هوياتنا وكل أوراقنا الثبوتية بل سنترك كل ممتلكاتنا غير آسفين لأننا نؤمن بأن ما ينتظرنا في وطننا
الأم لا يقاس بهذه الممتلكات التافهة التي نملكها في بلاد المهجر. وهذه الرسالة استثنائية كذلك لأنها تصف لنا أرض الوطن وتصف لنا عذوبة مائه وروعة نباتاته بل أنها ترشدنا إلى طريقة زرع أراضيه الواسعة والمبسطة وهذه الطريقة تعتبر بحق طريقة متميزة جدا نظرا لبساطتها وسهولتها فعملية غرس النباتات في أرض الوطن لا تحتاج إلا لتحريك اللسان وهو ما أسميته "بالزراعة باللسان" ولا يتطلب منا غرس ألف نخلة إلا ربع ساعة مع أن نخلة واحدة من هذا النخيل خير من كل نخيل الأرض. فوطننا شجره ليس كالشجر، فظل شجرة واحدة يسير الفارس المسرع مائة سنة دون أن يقطعه . وترابه ليست كالتراب ،فحصاها من أنفس المعادن وأغلاها، وقصوره ليست كالقصور، ونساؤه لسن كالنساء فابتسامة واحدة منهن تبعث من النور ما لا تستطيع كل مولدات الكهرباء في العالم بعثه حتى ولو شغلت في وقت واحد وبكامل طاقتها. وطننا جميل لا يمكن وصفه ، فيه ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وطننا لا توجد فيه أية قيود على حرياتنا ولا يوجد فيه شراب حرام ولا أكل حرام فكل ما تشتهيه أنفسنا حلال علينا حرام على غيرنا ويقدمه لنا خدم كاللؤلؤ المنثور في صحاف من ذهب. أما أولئك الذين اختاروا بلاد الغربة وطنا دائما لهم فلن يعرفوا لهذه الحرية طعما بل سيقيدون في السلاسل -عقابا لهم وسيعيشون في عذاب دائم ونكال وهوان .
وطننا لو منح أتعس الناس تأشيرة دخول إليه لنسي كل آلامه وأحزانه بل أنه لو سئل إن كان قد عرف مكروها طول حياته لأجاب بأنه لم يعرف إلا السعادة ومع ذلك فإن التأشيرات إليه توزع في بلاد الغربة دون أي يكون عليها إقبالا مناسبا .وهذه الرسالة استثنائية كذلك لأنها أرسلت- وهذا يكفيها شرفا- مع سيد ولد آدم والذي سيكون أول من تفتح له أبواب هذا الوطن ليعتلي فيه أرفع الدرجات وأعلى المنازل على الإطلاق. ولقد أرسلت معه هذه الرسالة خلال رحلة عظيمة ومشوقة قام بها في جزء من الليل وهي رحلة لم تشهد لها البشرية ولن تشهد لها مثيلا. رحلة طويت فيها المسافات وتوقف فيها الزمن ولم تعد للكواكب ولا للمجرات أي دلالة بل أن الموت لم يعد فيها قادرا على أن يفرق بين عالمين اتفقنا على تسمية أحدهما بعالم الأموات والآخر بعالم الأحياء ، فقد سلم الميت على الحي في تلك الليلة وتحدث الحي مع الميت فيها بل أنهما اجتمعا فيها معا في صلاة واحدة حضرها كل الأنبياء وأمهم فيها خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولقد أحببت كثيرا هذه الرسالة التي كتبها أبونا الذي لم يجمعنا به "عالم الغربة" وإن كنا نؤمن بأنه قد جمعنا به "عالم الذر" والذي شهدنا فيه جميعا حينما أخرجنا ربنا من صلب أبينا الأول " آدم " عليه السلام بأن ربنا هو الله ، وهي شهادة عاش أبونا في عالم الغربة يدعو الناس إليها ولقد رحل إلى عالم الخلود وهو يؤمن بها إيمانا منح على إثره أوصافا من رب العالمين لم تمنح لغيره. ونحن اليوم أنا وإخوتي نؤمن بأن ربنا هو الله كما شهدنا بذلك في عالم الذر وهي شهادة نسأل الله أن يميتنا عليها حتى نلتقي بأبينا في الجنة أي في وطننا الأصلي . كلما قرأت هذه الرسالة رحلت بي الخواطر بعيدا إلى زمن بعيد عاش فيه أبونا ابتلاء عظيما وامتحانا صعبا وهو خارج أرض الوطن الأم. ولقد اتخذ هذا الامتحان والابتلاء عدة أشكال وألوان ويكفي أخفها لأن يزلزل قلب أعتي الرجال. وقد خرج أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام من كل هذه الامتحانات بأعلى الدرجات وأرفع الشهادات وأسمى "الأوسمة " وأعلى "الميداليات". لقد ألقي به في أعظم نيران الدنيا ومع ذلك فقد رفض أن يشكو حاله لأمين السماء إيمانا وتوكلا منه على رب السماء الذي جعل من أيامه في النار بردا وسلاما فكانت أسعد أيام إبراهيم عليه السلام في الأرض. وقد أمره الله أن يترك زوجته وولدها الصغير في صحراء جرداء قاحلة لا يسكنها ساكن ثم طلب منه بعد ذلك أن يذبح ابنه الوحيد الذي رزق به بعد أن أصبح شيخا كبيرا. إنها مواقف صعبة ومشاهد عظيمة فيها من الدروس الكثير والكثير ونحن بأمس الحاجة لأن نستلهم منها دروسا من الإيمان و الصبر و التوكل و الاستقامة نتسلح بها في هذا العصر المليء بالفتن. لقد كانت هذه الأسرة أسرة مؤمنة صابرة يحق لنا أن نعتز بالانتساب لها ولقد خلد ربنا ذكراها بما لم يخلد به ذكرى أسرة أخرى. الملايين من المسلمين تجتمع كل عام في أشرف الأيام واشرف الأمكنة لتتبع نفس الخطوات التي خطتها أمنا منذ آلاف السنين وهي تبحث عن جرعة ماء لابنها الصغير الذي كان يصرخ عطشا. ومئات الملايين من المسلمين تذبح الأضحية في يوم النحر من كل عام وهي سنة أبينا حين فدى الله ولده بذبح عظيم. ومئات الملايين من المسلمين تتوق أنفسهم كل عام إلى تأدية هذه الشعائر العظيمة إلا أن ظروفهم تحول بينهم وبين ذلك.
وفي الأخير إليكم نص الرسالة التي أرسلها إلينا أبونا إبراهيم عليه السلام ليلة الإسراء: عن ابن مسعود رضي الله نه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر]. رواه الترمذي وقال حديث حسن .
نشرت سابقا في بعض الصحف المحلية وفي بعض المواقع مع شيء من التصرف .

الاثنين، 16 نوفمبر 2009

هكذا حدثني الرئيس


لقد خطرت ببالي فكرة عابرة، بشكل عابر، في وقت عابر، من ليلة عابرة، تماما كتلك الأفكار الكثيرة التي تومض فجأة، ثم تنطفئ فجأة، ودون أن يكون لها أثر في حياتنا. يقول الخبراء ـ والخبراء هنا هم خبراء التنمية البشرية ـ إن تدوين الأفكار مسألة هامة كادخار النقود في حساب بنكي، فالأفكار الهامة تظهر فجأة في أوقات غريبة جدا، وإن لم يتم تدوينها فإنها تضيع إلي الأبد.

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

الطريق إلى الانتحار!


النسر لا يموت بشكل طبيعي وإنما يموت بسبب الانتحار. لقد تذكرت تلك المعلومة عندما قررت أن أكتب ـ من جديد ـ عن المعارضة التي يبدو أنها قد اختارت أن تنتحر بدلا من أن تعالج المرض، تماما كما يفعل النسر عندما يمرض.
لقد خسرت المعارضة في الانتخابات الأخيرة ولم تحصل على نتائج تتناسب مع حجم التضحيات التي قدمتها، لأسباب تحدثت قصة " الباء الهاربة " عن بعضها، و أعرضت عن بعضها الآخر.
أما اليوم وبعد أن مرت فترة زمنية كافية لتجاوز حالة الذهول، ولامتصاص الآثار النفسية لتلك الصدمة، التي أعقبت تلك الخسارة المفاجئة، فلم يعد من المناسب الإعراض عن بعض تلك الأسباب، كما أنه لم يعد من المناسب التحدث بلغة " الباء الهاربة " عما ترتكبه المعارضة من أخطاء قاتلة.
فمن المؤسف جدا أن ثلاثة من الأحزاب الكبيرة المكونة للمعارضة التقليدية : ( التكتل، التحالف، اتحاد قوى التقدم ) قد تعاملت مع نتائج الانتخابات بطريقة سطحية جدا جعلتها ترفض نتائج تلك الانتخابات رغم عجزها عن تقديم أدلة صريحة وواضحة تثبت أن الطرف الآخر قد قام بعمليات تزوير واسعة.
ومن المؤسف كذلك أن هذه الأحزاب لم يعد لديها ما تفعله سوى تكرار مطلبها العبثي الذي رفعته قبل أن يكتمل إعلان النتائج، وهي لم تزل ترفعه حتى الآن رغم أنها لا تمتلك وسائل ضغط لا داخلية ولا خارجية تمكنها من فرض التحقيق في تلك النتائج.
والظاهر من خلال ما يصرح به أقطاب هذه المعارضة من حين لآخر، أن الغرض من رفع ذلك المطلب ليس تنظيم انتخابات رئاسية أخرى، وإنما الغرض منه إجبار الرئيس المنتخب على حل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة. وكأن تلك المشاركة هي السبيل الوحيد لجعل تلك الانتخابات انتخابات نزيهة، أو كأن تلك المشاركة هي الحل الأمثل لتصحيح عمليات التزوير الواسعة إذا كانت قد حدثت في الانتخابات الرئاسية الماضية.
ومن المؤسف أيضا أن حزب المعارضة الوحيد الذي امتلك من الشجاعة ما مكنه من أن يعترف بنتائج الانتخابات، لم تسعفه شجاعته في أن يعلن بأنه سيبقى يمارس حقه الطبيعي في المعارضة الدستورية في انتظار أن يعود شركاؤه السابقون إلى رشدهم لممارسة معارضة دستورية راشدة وعاقلة وناضجة ، يحتاجها البلد اليوم أكثر من أي وقت مضى. وهم سيعودون حتما للمعارضة الدستورية لأنه لن يكون بالإمكان الاستمرار في رفض النتائج وعدم الاعتراف بالرئيس المنتخب لوقت طويل.
لقد أخطأ " تواصل " في سعيه الحثيث للتقرب من الحزب الحاكم رغم الرسالة الصريحة جدا التي وجهها رئيس الجمهورية لخصوم الأمس بما فيهم " تواصل " عندما قال بأنه لن يُشْرِكَ في الحكومة أي حزب صوت ضده في الانتخابات الماضية، ولقد نصح تلك الأحزاب ـ وله الحق في ذلك ـ في أن تبقى في مكانها الطبيعي لتمارس حقها الطبيعي في المعارضة الدستورية.
و" تواصل " الذي يعمل جاهدا ـ حسب التواصليين ـ من أجل إضفاء بعد أخلاقي على العمل السياسي، قد كَثُرَ ترحاله في الأشهر الأخيرة لدرجة أنه أصبح هو أول حزب في تاريخ البلد يتحالف مع الأغلبية في دائرة انتخابية، ويتحالف مع المعارضة في دائرة أخرى !
فأي بعد أخلاقي لهذه التحالفات ؟ إن إضفاء الأخلاق على العمل السياسي يتطلب قبل أي شيء آخر أن يَحُدَّ الحزب من ترحاله السياسي، فالترحال هو من أخطر الظواهر اللاأخلاقية التي تعاني منها الممارسة السياسية في هذا البلد.
إن هذه المعارضة التائهة ( بشقيها المعترف بالنتائج والرافض لها ) لن تستطيع أن تفعل شيئا يذكر من أجل ترسيخ القيم الديمقراطية الذي يجب أن يكون شعار المرحلة، كما كان إفشال الانقلاب هو شعار المرحلة السابقة، وإسقاط نظام "معاوية " هو شعار المرحلة الأسبق.
لقد أصبحت المعارضة ـ وبشقيها ـ عاجزة تماما عن التعبير بشكل واضح عما تريد أن تفعله، مما يعني ـ ببساطة شديدة ـ أنها لا تعرف ما الذي تريد أن تفعل.
فعندما تكون الأهداف غير واضحة فلن يكون الخطاب السياسي واضحا، وعندما لا تكون هناك أهداف يراد الوصول إليها في فترة زمنية محددة، فلن يكون بالإمكان إعداد خطة عملية تقلل من الجهد اللازم بذله للوصول لتلك الأهداف.
لقد كان من المفترض أن تتحالف أحزاب المعارضة التقليدية من جديد لتشكيل حلف جديد يناضل من أجل تحقيق أربعة أهداف كبرى في المرحلة القادمة، وهي أهداف يمكن تحقيقها بتضحيات قد تكون أقل مما بذلته المعارضة من تضحيات في المراحل السابقة، وهذه الأهداف هي:
1ـ العمل الدؤوب والمتواصل من أجل أن تُفْتَحَ وسائل الإعلام الرسمية أمام جميع الموريتانيين، فالإعلام الرسمي هو الذي قَدَّمَ المعارضة في الفترة السابقة على أنها شلة من الانتهازيين على استعداد كامل للتعامل مع الأجنبي ضد المصالح العليا للبلد، وهو ما انعكس سلبا وبشكل واضح على نتائج المعارضة في الانتخابات الأخيرة.
لذلك فعلى المعارضة أن تناضل دستوريا من أجل استقلالية الإعلام الرسمي حتى يتحول إلى إعلام دولة بدلا من أن يبقى إعلام نظام.
2ـ العمل من أجل الاستقلال الفعلي للقضاء حتى تكون لديه مناعة تحميه من أن يتم استخدامه في الصراعات السياسية بين النظام الحاكم ومعارضيه.
3 ـ العمل من أجل أن تبقى وظائف القطاع العام مفتوحة لكل الكفاءات والخبرات بغض النظر عن الانتماء السياسي، أما الوظائف السياسية فللأغلبية الحاكمة الحق في احتكارها.
4 ـ العمل من أجل إصلاح البيت الداخلي للمعارضة من خلال إصلاح الأحزاب المكونة لهذه المعارضة ، وهذا الإصلاح يمكن أن يتم من خلال :
1ـ تجديد القيادات السياسية: لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير والرائد الذي لعبه رئيسا التكتل والتحالف فيما تحقق من ديمقراطية في هذا البلد.
ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن معظم شعبية وقوة التكتل والتحالف إنما يستمدها الحزبان وبشكل مباشر من زعيميهما التاريخين.
لا أحد يستطيع أن ينكر شيئا من ذلك ، ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو : وماذا بعد ؟
إن أي انسحاب مفاجئ بغض النظر عن السبب لأي من الزعيمين الكبيرين سيشكل خسارة كبيرة لهذين الحزبين إن لم يكن ذلك يعني نهايتهما، وهو ما سيشكل خسارة كبيرة للديمقراطية في هذا البلد.
لذلك فقد أصبح من الضروري تحضير قيادات بديلة تتمتع بدماء سياسية جديدة، الشيء الذي يستوجب أن يفكر الزعيمان ـ من الآن ـ بانسحاب تدريجي يمنحان من خلاله الخبرة والتجربة لزعامات جديدة قادرة على إرساء سفينة النضال السياسي إلى بر الأمان.
2ـ الإصلاح الداخلي الثاني يمكن أن يتم من خلال إبعاد وجوه الفساد التي التحقت بهذه الأحزاب من الواجهة الأمامية لتلك الأحزاب، فظهور تلك الوجوه في الصفوف الأمامية لأحزاب المعارضة قد أضر كثيرا تلك الأحزاب، وقد انعكس سلبا على نتائجها في الانتخابات الأخيرة.
لقد استقبلت المعارضة المفسدين بحفاوة أضرت كثيرا بسمعتها رغم أنهم لم يلتحقوا بها إلا بعد أن أصبح ضرهم أكثر من نفعهم.

ومن المهم هنا تحذير المعارضة من خطورة تكرار تلك الأخطاء الفادحة، حيث أن بعض الموظفين الذين قد تم تجريدهم في الآونة الأخيرة من وظائفهم بسبب ضلوعهم في قضايا فساد، قد يفكر بعضهم في الالتحاق بصفوف المعارضة التي أصبحت تُعْرَفُ بحسن ضيافتها لكل مفسد لفظته الأغلبية وطردته من صفوفها، تلك الأغلبية التي كانت تجمع وإلى وقت قريب كل المفسدين في عهد "عز" الفساد، وهي اليوم تريد أن تلفظهم فرادى وجماعات في عهد " ذله " و "هوانه ".
إن المعارضة تعيش اليوم مرحلة حرجة من تاريخها عليها أن تتعامل معها بشكل جدي من خلال تأسيس قوة سياسية جديدة قادرة على أن تكون ندا للحزب الحاكم بكل ملحقاته ، وهو ما يتطلب الجمع بين الاعتراف بالنتائج مع الاستمرار على خط المعارضة الدستورية ، الشيء الذي لم يوفق إليه لحد الآن أي حزب من أحزاب المعارضة التقليدية . تصبحون على معارضة دستورية قوية.

السبت، 7 نوفمبر 2009

تفاديا للالتفاتة القاتلة


الالتفات إلى الوراء قد يكون ثمنه الحياة بكاملها. فالغزال المعروف بسرعته يصطاده الأسد بسبب الالتفات إلى الوراء. يلتفت الغزال المطارد إلى الوراء ليرى أين أصبح الأسد، دون أن يعلم ذلك الغزال المسكين بأن تلك الالتفاتة وتكرارها هو ما سيخفف من سرعته، وهو ما سيمكن بالتالي الأسد من اللحاق به واصطياده.
لو لم يلتفت الغزال إلى الوراء لما تمكن الأسد إطلاقا من اصطياده.
ينصح خبراء التنمية البشرية من حدد هدفا ما بأن لا يكون كالغزال، وأن لا يكثر من الالتفات إلى الوراء. وإنما عليه أن يكون مثل الأسد الذي يظل يركز بنظره إلى الأمام حتى يحقق هدفه.
وهذه النصيحة بالذات هي أفضل ما يمكن تقديمه لرئيس الجمهورية : واصلوا حربكم على الفساد، ولا تلفتوا إطلاقا إلى الوراء، فالتفاتة واحدة خلال هذه الحرب المصيرية التي وصلت إلى مرحلة حساسة ستكلف كثيرا وستكون قاتلة بالنسبة لكم ولنا.
لقد كنت واحدا من أقلية من فقراء البلد صوتت ضد "رئيس الفقراء". ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلت غير ذلك. إلا أنني مع ذلك لا أستطيع أن أخفي بأن أكثر ما يعجبني في "رئيس الفقراء" هو جرأته على مواجهة الفساد والمفسدين، حتى أثناء الحملة، وفي تلك الأوقات الصعبة التي كان يحتاج فيها لأصواتهم. وأكثر شيء أبغضه في المعارضة، هو تزلفها للفساد والمفسدين، حتى في الأوقات التي ليست فيها حملة، ولا تحتاج فيها لمال أو لأصوات المفسدين.
لقد قرر الرئيس أن يبدأ حربه على الفساد التي كان قد وعد بها في حملته الانتخابية مما جعله يواجه حربا معلنة من طرف المعارضة، لدوافع لا صلة لها بالصالح العام، وحربا صامتة في بعض الأحيان، وقذرة في أحيان أخرى، من طرف بعض أغلبيته، لأسباب لا أجد ضرورة لذكرها. في الوقت الذي يمكن القول بأنه حصل على دعم كل الشعب الموريتاني تقريبا، بمعارضيه ومواليه، والذي يعتبر كله ضحية للفساد. وإن كان ذلك الدعم لا يجد قنوات تنظمه وتعبر عنه، وتلك واحدة من نواقص هذه الحرب المعلنة ضد الفساد.
والحقيقة أن هناك فريقان كبيران كل واحد منهما يعمل جاهدا من أجل انتكاسة هذه الحرب، أحدهما في الموالاة وهو يريد الرئيس أن يلتفت إلى الوراء التفاتة قاتلة وأن يستخدم أسلحة فاسدة في حربه كما كان يحدث سابقا. ويظهر ذلك جليا في إلغاء الاتفاق الذي حصل بين رجال الأعمال والبنك المركزي من أجل استعادة الأموال. فلا يعقل ـ ونحن ندعي بأننا نحارب الفساد ـ أن نوقع اتفاقا وأن نلغيه من طرف واحد، في الوقت الذي بدأ فيه الطرف الآخر في تنفيذ بنود الاتفاق حسب ما يقال.
إن إلغاء ذلك الاتفاق إنما يؤكد الشكوك والأسئلة الحائرة التي تطرح حول هذا الملف. وهو يتناقض مع مطلبنا في " مبادرة ضحايا ضد الفساد " الذي يشجع كل الحلول التوافقية فيما يخص كل الملفات الكبيرة المتعلقة بالعهود السابقة.
أما الطرف الثاني فأغلبه في المعارضة، وهو يريد لهذه الحرب أن تتوقف بشكل نهائي. وقد ارتفعت أصوات كثيرة من الفريق تشكك في هذه الحرب. و حاولت أصوات أخرى أن تثبط عزيمة الرئيس، بينما لجأ البعض الآخر إلى العمل في الخفاء من أجل إيقاف تلك الحرب أو تحريفها. أي أنه في المحصلة النهائية، هناك أطراف عديدة، من اتجاهات شتى، ولدوافع كثيرة ومتنوعة، تعمل جاهدة بحسن نية أو بسوئها، من أجل أن يلتفت الرئيس إلى الوراء التفاتة قاتلة.
بعض أولئك يقول بأنه لا يجوز نبش الماضي لأن المجتمع بكامله كان يسبح في بحر من الفساد، وإن بدرجات متفاوتة. فهناك من ابتلت قدماه، وهناك من كان غارقا حتى حقويه. ويقول هؤلاء بأنه من أجل فتح ملفات الماضي علينا أن نستورد ـ وعلى وجه السرعة ـ شرطة وقضاة للتحقيق وسجانين غير مفسدين.
ويقول البعض الآخر بأن الملفات التي تم فتحها حتى الآن لم تكن ملفات بريئة، لأنها تدين رجال أعمال من حزب سياسي واحد، بل ومن قبيلة واحدة. وذلك لتحقيق أطماع حزب سياسي آخر، وقبيلة أخري ، ويقول هؤلاء بأن فتح مثل هذه الملفات قد يهدد السلم الاجتماعي الهش.
وهناك فئة ثالثة، وهي أكثر ذكاء، لأنها تعترف ـ عكس غيرها ـ بأن الرئيس قد استهدف في حربه على الفساد حلفاءه أكثر من خصومه. فهناك شخصيات سياسية لا يمكن لأحد أن يشكك في ولائها للرئيس تم إقصاؤها. كما أن هناك موظفين كبارا تم تجريدهم من وظائفهم ولم يشفع لهم أنهم بالغوا ـ أكثر من اللازم ـ في التعبير عن ولائهم للرئيس الحالي.
هذه الفئة تعترف بتلك الحقائق التي لم يعد من الممكن إنكارها. ولكنها تقول بأن كل تلك "الرصاصات الذكية" التي أطلقها الرئيس على بعض أنصاره، إنما كانت تهدف للتمويه و لتشريع الضربة القاضية التي تم توجيهها لكبار رجال الأعمال الذين عارضوه.
تلك إذاً هي أهم حجج الفريق الثاني، الذي يريد للرئيس أن يلتفت إلى الوراء ، وهي حجج يجدر بنا أن نتخذ منها موقفا صريحا من وجهة نظر لا أنكر بأنها منحازة بطبيعتها للشرائح الأكثر فقرا التي عانت كثيرا من الفساد.
في اعتقادي أنه لنجاح أي حرب على الفساد علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية :
1ـ إن عدم محاربة الفساد بشكل جاد هي التي تمثل أكبر تهديد للسلم الاجتماعي. وعلينا أن نعلم جميعا بأن يومنا لم يعد كأمسنا. فقد ولدت هذه الحرب أحلاما كبيرة في نفوس المستضعفين وخصوصا بعد تلك النقاشات الصريحة والأحاديث الرسمية عن خطورة الفساد. ولم يعد بالإمكان الآن التوقف في بداية المسار، لأن ذلك قد يجعل الأمور تخرج عن السيطرة مما قد يتسبب في انفلات الأوضاع وانتفاض الجوعى والعُطَشْ والعاطلين والمتسولين والمعوقين وأطفال الشوارع وشباب الشوارع وشباب الأعماق والفقراء بصفة عامة.
2ـ إن على القبائل أن تعود إلى رشدها، وإلى أدوارها الاجتماعية النبيلة. فقد أصبحت قبائلنا اليوم تتنكر لعلمائها ولمصلحيها إذا ما سجنوا ظلما وعدوانا، في الوقت الذي تعلن فيه حالات طوارئ واستنفار إذا ما تمت معاقبة أحد مفسديها.
3ـ علينا أن نختارـ بعد أن مر نصف قرن على تأسيس الدولة الموريتانية ـ بين الاندماج في دولة واحدة ذات كيان مشترك أو البقاء مشرذمين في كيانات مبعثرة تمثلها القبائل والتكتلات الجهوية.
4ـ إذا ما قررت مجموعة ما، من قبيلة ما، أو من جهة سياسية ما، أن تنهب ثروة ما، دون أن تشرك غيرها، في نهب تلك الثروة، فعليها أن تقبل ـ في المقابل ـ بأن تحاسب وتعاقب لوحدها، دون أن يشرك معها في العقوبة من لم يشارك في ذلك النهب.
وبالمختصر المفيد، فإذا كان من اشترك في ملف البنك المركزي هم نفس الأشخاص الذين تم التحقيق معهم ، فإنه لا يجوز أن تتحرك قبيلة أو مدينة أو جهة سياسية ضد العدالة. أما إذا كان قد شارك البعض الآخر في ذلك النهب، وتم إبعاده من التحقيق، لأسباب قبلية أو سياسية، فإنه ساعتها لا يجوز أن تبقى قضية رجال الأعمال الثلاثة، قضية قبيلة واحدة، أو مدينة واحدة، أو جهة سياسية واحدة، بل يجب أن تتحول إلى قضية رأي عام وقضية بلد بكامله، حتى تتم معاقبة الجميع أو العفو عن الجميع.
وإذا ما حدث أن تمالأت مجموعة ما، من قبيلة الرئيس الحالي، أو من حزبه، وقررت أن تنهب لوحدها ثروة من ثروات هذا الشعب الضعيف، فإنه لن يكون من الجائز إطلاقا إذا ما جاء رئيس آخر وقرر أن يحاسبها أن نقف ضده بحجة أن ذلك يمكن اعتباره استهدافا لمجموعة معينة.
5ـ صحيح أنه لا يمكن أن نفتح كل ملفات الفساد، لأن الكل تقريبا قد شارك بدرجة أو بأخرى في الفساد في "عصره الذهبي". ولكنه صحيح أيضا بأن ملفات الفساد ليست متجانسة، فهناك ملفات كبيرة تخص عشرات المليارات من الأوقية، كملف القرض الزراعي، أو ملف البنك المركزي، أو ملف عقود النفط وملحقاته، وملحقات ملحقاته، فتلك ملفات يجب أن لا تظل مغلقة، بل أن فتحها هو مطلب شعبي.
6 ـ على المعارضة إذا ما أرادت أن تقنعنا بأن الحرب الحالية على الفساد إنما هي حرب تستهدف أنصارها، أن تقدم لنا ملفات فساد لرجال أعمال أو لموظفين كبار يدعمون الرئيس وترفع ضدهم قضايا، وتقول لنا هذه حجتنا. وللمعارضة القدرة على ذلك إذا ما أرادت، وهي بالمناسبة كانت أول من أثار ملف البنك المركزي الذي تعارض فتحه الآن.
مشكلة المعارضة هي أنها أصبحت تجامل المفسدين كثيرا، ولا تريد أن تستفزهم حتى أولئك المفسدين الذين ليسوا معها في خندق سياسي واحد!!!
7ـ يحذر البعض من معاقبة رجال الأعمال لأن ذلك سيكون له الأثر البالغ على الاقتصاد الوطني الهش. والحقيقة أن استشراء الفساد هو أشد خطورة على الاقتصاد حيث أن غالبية مشاريع رجال الأعمال لا تعدو كونها مشاريع تجارية عائلية محدودة الفائدة على المستوى الوطني.
أما فيما يخص الخوف من اختفاء بعض المواد الاستهلاكية التي كان يستوردها بعض رجال الأعمال، فلا مبرر لذلك فهناك العديد من رجال الأعمال أو على الأصح من التجار الذين يملكون أموالا ضخمة، ولا يعرفون كيف يستثمرونها ، لذلك فعندما يتوقف مستورد ما عن الاستيراد فسيظهر مكانه عشرات المستوردين.
8ـ إنه على الرئيس وبشكل فوري أن يبعد عن الحرب على الفساد كل الأوجه الإعلامية التي كانت تروج في الماضي القريب للحرب ضد السمنة وللحرب ضد الأمية وللحرب ضد الإرهاب. فهذه الحرب يجب أن تختلف عن حروبنا السابقة ويجب أن تخاض بأسلحة شفافة لا يعرف أولئك "الفرسان" استخدامها، لأنهم قد تعودوا على تلك البرامج الغبية والسطحية التي تضر أكثر مما تنفع.
كما أنه يجب فتح الإعلام الرسمي وبشكل فوري أمام كل الموريتانيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
9ـ إن الحرب على الفساد لن يكون بالإمكان حسمها إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضده. كما أنها يجب أن لا تقتصر على العقوبة فقط بل يجب أن تكون فيها مكافآت، وتلك المكافآت يجب أن يكون فيها لأنصار المعارضة نصيبا كما كان لهم نصيب كبير في العقوبات.تصبحون على حرب على الفساد بأسلحة غير فاسدة...