السبت، 23 يناير 2010

بطاقة لاغية / ورقة خاصة بندوة الحكامة


تخيلت أنه قد وصلتني ـ عن طريق الخطأ ـ بطاقة دعوة من بين البطاقات الثمانمائة التي تكفل أمين عام وزارة الإسكان ـ بصفته الحزبية ـ بتوزيعها على كل من يهمه مستقبل هذا البلد. تخيلت ذلك، لأني موقن بأنه لا يوجد عمل بشري كامل، فقد يخطئ الأمين العام لوزارة الإسكان وتضيع عليه ـ على الأقل ـ بطاقة دعوة، وقد تقع تلك البطاقة الضائعة في يدي.
ثم تخيلت بعد ذلك بأني ألقيت كلمة ـ بوصفي مدعوا عن طريق الخطأ ـ في ندوة " أية حكامة نريد بعد خمسين سنة؟"
وتخيلت أني قلت :
أيها الحاضرون بأجسادهم والغائبون بعقولهم ... أيتها الحاضرات الغائبات ( هذه الفئة تمثل نسبة هامة من الحضور).
أيها الحاضرون بأجسادهم والحاضرون بعقولهم ... أيتها الحاضرات الحاضرات (هذه الفئة تمثل أقلية في القاعة).
أيها الغائبون بأجسادهم الحاضرون بعقولهم ... أيتها الغائبات الحاضرات (هذه تمثل نسبة ليست بالقليلة من الغائبين).
أيها الغائبون بأجسادهم الغائبون بعقولهم ... أيتها الغائبات الغائبات ( هذه الفئة تمثل أغلبية الغائبين).
حدث هرج ومرج كبير بعد تلك الكلمات، وتخيلت أني سمعت أكثر من في القاعة يطالب بإخراجي أو إسكاتي على الأقل. ثم تخيلت بعد ذلك أن أستاذي الذي أقدره كثيرا ( رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ) تدخل عندما تذكرني ـ رغم مرور ما يزيد على عقدين من الزمن على آخر لقاء ـ و طلب من الحضور أن يسمحوا لي بالمواصلة، ثم طلب مني في المقابل أن أكون أكثر جدية في حديثي.
من حسن حظي أن رئيس الحزب الحاكم الحالي هو أستاذي للاقتصاد المالي في جامعة نواكشوط ، كما أن رئيس الحزب الحاكم السابق (عادل ) هو أستاذي للتخطيط ، وربما يكون رئيس الحزب الذي سيحكم مستقبلا هو أستاذي أيضا.
استجبت لأستاذي رغم أني كنت أود من خلال تلك التصنيفات التي أغضبت بعض المدعوين أن أثير نقطة هامة وأساسية، تتمثل في أن هناك أصنافا من الناس يتكرر حضورها الجسدي لكل ندوة أو نقاش دون أن تكون لها القدرة على تقديم أي شيء مفيد. في الوقت الذي تحرم فيه مجموعات أخرى من الحضور كان بإمكانها أن تثري النقاش، لذلك فأنا أعتقد بأن أول ما علينا فعله، هو أن لا نجامل في الدعوات عندما يتعلق الأمر بنقاش قضايا هامة ومعقدة كما هو الحال بموضوع ندوة الأغلبية.
المهم أني بدأت في قراءة الورقة التخيلية التي أعددتها بشكل سريع بسبب تأخري في تخيل إمكانية المشاركة. كانت الورقة مملوءة بالكلام المر الذي وجدت من الضروري أن يشاركني المؤتمرون في تجرع مرارته.
أولا عن أزمة مواطنة : هناك سؤال يؤرقني دائما سأطرحه على المؤتمرين عسى أن أجد فيهم من يجيبني : فمن نحن؟ وما هو الموريتاني؟ فهل نحن مجموعات من القبائل المتصارعة والتي كان قدرها أن تعيش على أرض واحدة ؟ أم نحن مجموعة من العبيد التي يحق لها أن تتحالف مع الشيطان لكي يحررها من البربر الظالمين المتوحشين ؟ أم هل نحن مجموعة من الزنوج التي تسعى لتأسيس دولة زنجية على الضفة الثانية من النهر ؟ أم هل نحن عرب عاربة أو مستعربة ؟ هل نحن صحراويون ثوار؟ أم نحن مغاربة ملكيون ؟ أم ليبيون أمميون ؟ أم مصريون ناصريون ؟ أم بعثيون عراقيون أو سوريون ؟ أم أننا لسنا عبيدا، ولسنا زنوجا، ولسنا عربا، وإنما نحن لاتينيون كوبيون وثوار جيفاريون ؟ أم أننا على النقيض من ذلك كله، فنحن إسلاميون تبليغيون لا يهمنا ما يدور في البلد من أحداث سياسية ؟ أم أننا عكس ذلك، إسلاميون غارقون في السياسة حتى التراقي ؟ يهتم بعضنا بما يدور في أطراف العالم الإسلامي أكثر من اهتمامه بما يدور على هذه الأرض المسلمة. ولماذا نحن نقبل ـ وهذا هو السؤال الذي يحيرني دائما ـ أن نكون كل شيء ولا نرفض إلا شيئا واحدا، وهو أن نكون موريتانيين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هذه ليست دعوة للقطرية الضيقة، وإنما هي دعوة لإعادة صياغة ترتيب الولاءات مع تخيل وجود بلد يستحق علينا واجبات ـ على الأقل ـ مقابل الإقامة فيه.
فمن المؤسف حقا أن أزمة الهوية والمواطنة في هذا البلد، هي أزمة نخبة، قبل أن تكون أزمة عامة. فهناك من النخبة من لا يهمه ـ إطلاقا ـ ما يحدث في هذا البلد الغارق في الأزمات، والذي لا تتركه مصيبة إلا لتسلمه لمصيبة أكبر. ولا تنقشع عنه أزمة إلا بعد أن تكون نذر أزمة أكبر قد بدأت تلوح في الأفق.
وهناك في هذا البلد من لا يكتب ـ رغم شوق القراء لما يكتب ـ إلا إذا أسيء إلى شقيق مجاور، وهناك من لا يكتب ولا يهتم إلا بذكرى ميلاد الزعيم ،أو بذكرى وفاة الزعيم الآخر، أو بذكرى استشهاد الزعيم الثالث، أو بذكرى ثورة الزعيم الرابع، أما غير ذلك من الأحداث فهو تافه لا يهم. ولا يستحق أن نكتب أو نتحدث عنه. حتى ولو تعلق الأمر بأحداث جسام تكاد تعصف "بالبلد الثاني" الذي يحمل ذلك "الموريتاني" جنسيته.
وكثيرا ما يساء إلى هذا البلد دون أن يجد من أبنائه من يرد على تلك الإساءة (هذا إذا ما استثنينا قلة قلية جدا من أبنائه ) وذلك في الوقت الذي توجد فيه كتائب، وطوائف، وميليشيات جاهزة، أو مجهزة، لكل منها خط أحمر، لا يمكن التحدث عنه . فتارة يكون ذلك الخط الأحمر أشقاء يطالبون بالاستقلال ، وتارة يكون زعيما عربيا توفي منذ عقود من الزمن، وتارة يكون رئيسا شهيدا، وتارة يكون زعيما عربيا لم يزل يحكم، وتارة يكون ذلك الخط الأحمر رمزا محليا لشريحة ما، أو لحزب ما، أو لحركة ما.
شيء واحد مستباح ولا توضع أمامه الخطوط الحمراء ولا حتى الصفراء: إنه موريتانيا وسيادتها ورموزها.
فمن المؤسف أنه في هذا البلد يوجد من يقدس بعض الرؤساء العرب، ولا يسمح بالتحدث عنهم، ومع ذلك فهو يصف رئيس موريتانيا بالحاكم العسكري ويصفه بألفاظ لا تليق. إن رئيس موريتانيا ـ للتذكير ـ هو أكثر الرؤساء العرب على الإطلاق شرعية منذ الانتخابات الرئاسية الماضية، شئنا ذلك أم أبينا. وهو الرئيس العربي الوحيد ـ أقول الوحيد، ثم أكرر الوحيد ـ الذي يمكن للمواطن أن ينتقده ـ سرا وعلانية ـ وينام بعد ذلك قرير العين . (مأساة حنفي التي كانت تشكل استثناء قد تعرف فرجا قريبا، فالرئيس تعهد بأنه سيأخذ بعين الاعتبار توصيات الندوة). وهذا الكلام لا يعني بأي حال من الأحوال أن لا ننتقد الرئيس، بل يجب علينا أن ننتقده، ولكن بوصفه رئيسا للجمهورية، إن كنا حقا نحترم هذا البلد الذي نعيش فيه .والذي يعتبر الرئيس رمزا من رموزه . ولمن سيزايد هنا فليقرأ : " الرئيس على الخط " أو "جحيم خمس نجوم" أو " تأملات في اللاشيء " .....ثم بعد ذلك فليزايد كما شاء. وهنا أغلق القوس الذي فتحته دون إشعار.
ومشكلتنا التي يجب علينا أن نتحدث عنها بشكل صريح هي أننا وطن يتشكل من عدة أوطان وعدة أعراق وعدة وإيدولجيات ...ومشكلتنا هي أننا من أقل بلدان العالم وطنية ( ولو كان هناك مقياس دولي للوطنية لكنا في أسفل اللائحة كما هو حالنا مع القضاء على الفقر والأمية والرشوة) ومشكلتنا أنه يوجد في هذا البلد ما يزيد على ثلاثة ملايين مواطن موريتاني بالبطاقة ، ولا يوجد فيه إلا قلة ممن هم موريتانيون بالشعور وبالانتماء وممن هم قادرون أن يجعلوا ولاءهم للوطن فوق أي ولاء آخر، سواء كان ذلك الولاء للقبيلة، أو للشريحة، أو للايدولوجيا، أو للحزب السياسي .
مشكلتنا في هذه البقعة من الأرض أننا نحن هم البلد الوحيد الذي يُهَمَّش فيه المواطن الصالح الذي يحب وطنه، يهمش لأنه لا يرضى أن يستنفر قبيلة، أو شريحة ،أو حزبا، من أجل أن يحصل على أبسط حقوق المواطنة. فالشهادات العالية لا تكفي للحصول على وظيفة إن لم "تزين" بوساطة وجهاء القبيلة أو الشريحة أو الحزب. الشيء الذي يساهم في تعميق الولاء للقبيلة على حساب الولاء للوطن .وما يحدث في التوظيف يحدث في كل الخدمات الأخرى التي يفترض أن تقدمها الدولة لمواطنيها.
مشكلتنا في هذا البلد هي أن المواطن الصالح يولد مهمشا، ويعيش مهمشا، ويموت مهمشا. ونسأل الله أن لا يبعث مهمشا. في حين أن ابن القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، يولد معززا، ويعيش معززا، ويموت معززا، بشكل يتناسب طرديا مع علاقة السلطات الحاكمة بقبيلته أو بشريحته أو بحزبه أو حتى بامتداده وولائه الخارجي.
فأي حكامة نريد بعد خمسين عاما ؟ إننا نريد وطنا نعيش فيه، لأننا لم نعد نطيق العيش بين مجموعة من القبائل التي تتنافس، أو بين مجموعة من الشرائح التي تتصارع ، أو بين مجموعة من الايدولجيوت التي تتباغض.. لقد سئمنا تلك الحياة .. سئمناها ..سئمناها .. أتسمعون يا مؤتمرون ؟؟ أتسمعون أيها الحاضرون ؟؟ أتسمعون أيها الغائبون؟؟
إننا نريد وطنا يحبه الموريتاني الزنجي أكثر من حبه لأي بلد إفريقي آخر، حتى ولو كان مليئا بأقربائه. و نريد وطنا يحبه الموريتاني العربي أكثر من حبه لأي بلد عربي آخر، إننا نريد وطنا يكون لمواطنيه اهتمامات مشتركة، بغض النظر عن الشريحة أو القومية. إننا نريد وطنا يدافع فيه الموريتاني العربي عن كل القضايا التي تهم الموريتانيون الزنوج. ونريد وطنا نري فيه الموريتانيون الزنوج في الصفوف الأمامية في كل تظاهرة تنظم لصالح إخوتهم في الدين، من المظلومين في فلسطين، أو في العراق، أو في أفغانستان.. إننا نريد وطنا يكون فيه الموريتاني الذي لم يعاني من العبودية هو من أشد الموريتانيين تحمسا لمواجهة مخلفاتها.إننا نريد وطنا لا يسمح فيه الموريتانيون العرب لأي كان بأن يكون عربيا قبل أن يكون موريتانيا. ولا يسمح فيه الموريتانيون الزنوج لأي كان بأن يكون إفريقيا قبل أن يكون موريتانيا.
إننا ببساطة شديدة ـ يا سادة يا كرام ـ نريد أن يكون الولاء للوطن على رأس قائمة ولاءاتنا، ثم يأتي بعد ذلك فراغ كبير يرتب بعده كل واحد منا ولاءاته الأخرى وفق ما يحلو له.
فهل ستحققوا لنا ذلك ؟ أم أنه علينا أن نستجلب ذرية صالحة من أمة أخرى تعمر هذه الأرض الطيبة؟ كما كان يقترح الكاتب الكبير أستاذي للفرنسية في ثانوية لعيون حبيب محفوظ رحمه الله.
ثانيا أزمة النخبة : إننا نحن البلد الوحيد الذي تُوَجِّه فيه العامة نخبها ، فبعد أن فشلت النخبة خلال العقود الماضية في التأثير على العامة لأسباب لا يتسع المقام لبسطها، أصبحت العامة هي التي تؤثر وتوجه وتحدد سلوك النخبة. واكتفت النخبة بلعب الدور الذي حدده له المجتمع، على طريقة الفن الهابط " الجمهور عايز كدة ". فأصبح "المثقف" عبارة عن معول لهدم ما بقي من قيم وأخلاق. فهو يسرق المال العام لأن الزوجة عايزة كدة، والقبيلة عايزة كدة، والمجتمع عايز كدة، وهو ينافق ويكذب ويصفق بأياديه وبأرجله لأن الجمهورـ عفوا السلطة ـ عايزة كدة.
ورغم أن الحديث عن أزمة النخبة يحتاج إلى ورقة كاملة، فإنني مع ذلك سأكتفي هنا بملاحظات سريعة عن جزئية واحدة دار حولها جدل كبير ألا وهي ضرورة تجديد النخبة.
الملاحظة الأولى : إن تجديد النخبة ـ خاصة السياسية منها ـ ليست عملية آلية تتم من خلال استقالة النخبة القديمة لتحل محلها نخبة جديدة.
الملاحظة الثانية : لقد أثبتت أغلبية النخب الشابة بأنها قصيرة النفس، عكس النخب القديمة، التي أثبت بعضها نفسا طويلا في النضال وفي الكفاح ، وتلك إيجابية كبيرة تحسب لشيوخ المعارضة.
الملاحظة الثالثة : إن ما يمكن عمله هنا هو إتاحة الفرصة للنخب الشابة لكي تظهر وتثبت وجودها، حتى تصبح بعد ذلك قادرة على سد الفراغ الذي ستخلفه النخب القديمة.
الملاحظة الرابعة : من المضحك المبكي أن بعض النخب الإعلامية القديمة والتي عُرِفَت بالتطبيل لكل الأنظمة السابقة هي التي تطالب ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ بضرورة تجديد النخب السياسية.
فالحكومة ـ يا سادة الإعلام الرسمي ـ لا تستطيع أن تجدد النخبة السياسية خاصة المُعَارِضة منها، والتي هي المستهدفة بخطاب التجديد. ولكن الحكومة في المقابل بإمكانها أن تجدد نخب الإعلام الرسمي التي تضرها أكثر مما تنفعها . كما أنه على المعارضة أن تطالب ـ وتلح على ذلك ـ بضرورة تجديد تلك النخبة الإعلامية التي شوهت في الماضي سمعة المعارضة، وذلك ـ بالتأكيد ـ سيكون أفضل بكثير من مقاطعة البرامج التلفزيونية.
ثالثا أزمة الأفكار: يمكن لنا أن نُعَرِّفَ الموريتاني بأنه هو الكائن البشري الوحيد الذي لا يستطيع أن يفكر لمدة خمس دقائق متواصلة في مشكلة عامة تهم بلده . كما يمكن تقديم تعريف آخر أكثر دقة وهو أن الموريتاني هو الكائن البشري الوحيد الذي يفكر بدماغه عندما يتعلق الأمر بمصلحة خاصة . ويفكر بأمعائه عندما يتعلق الأمر بمصلحة عامة. لذلك فقد أصبح من الضروري سَنُّ قانون يجرم التفكير بالأمعاء أثناء أوقات الدوام الرسمي.
إن لدينا في الحقيقة أزمة في الأفكار لأنه لا أحد يفكر في مصلحة هذا البلد . ولو أن كل واحد منا خصص خمس دقائق يوميا للتفكير وللبحث عن حلول لهموم هذا البلد ، لكان حالنا غير هذا الحال. يقول واحد من الأذكياء وهو " أينشتاين " بأنه من السذاجة أن نتوقع نتائج مغايرة إذا ما استخدمنا نفس أساليبنا القديمة. ولقد كان واحد من أغنياء هذا العالم وهو " بيل كيت" الذي يملك ثروة تعادل ميزانية خمس دول من "نمور آسيا" يُجَرِّدُ ـ قد لا يكون ذلك في يوم الخميس ـ كل عامل يكرر نفس الفكرة مرتين!
أما نحن فإننا نكرر نفس الفكرة الغبية أكثر من خمس مرات متوالية .
فالتعليم ـ كمثال ـ فشل فشلا كبيرا، وهو فشل انعكس سلبا على كل شيء، ولكننا بدلا من أن نفكر في إصلاحه فقد اكتفينا بدمج وتقسيم وزارة التعليم بشكل عبثي وصبياني حتى أصبحت هي الوزارة الأكثر انشطارا في العالم.
أتدرون كم من مرة انشطرت وزارة التعليم خلال السنوات الخمس الأخيرة ؟ لقد كانت وزارة واحدة قبل 3 أغسطس، ثم تحولت إلى وزارتين في المرحلة الانتقالية الأولى، ثم توحدت من جديد بعد تنصيب الرئيس السابق ، ثم انشطرت من جديد مع حكومة أستاذي الأولى، ثم توحدت في حكومته الثانية، ثم انشطرت من جديد مع الحكومة الحالية ، وربما تتوحد للمرة الرابعة بعد أن انشطرت ثلاث مرات في أقل من خمس سنوات!!!
أليس من السذاجة الكبيرة أن نتوقع إصلاحا للتعليم بهذه الطريقة ؟؟؟ وكيف يصلح التعليم ونحن منذ خمس سنوات مشغولون ومنشغلون بالإجراءات المصاحبة للدمج و للانشطار؟؟
ألا تسمعون... فما لكم إذاً لا تجيبون ؟؟؟
رابعا الأزمة الأخلاقية :
نحن كنا دولة بلا بنية تحتية، فلم تكن فينا مدارس ،ولا شوارع،ولا مستشفيات، لذلك فإن الواقع السيء لبنيتنا التحتية والتي تعتبر أسوأ بنية تحتية في المنطقة، ليس هو أسوأ ما نعاني منه .
إن أعظم مصائبنا هي أننا كنا بلدا له بنية أخلاقية، تشكل نظام وقاية لنا ضد كل الأخطار.
وهذه البنية انهارت تماما، وبسرعة مخيفة، فأصبحنا اليوم نعيش أزمة قيم ،وأزمة أخلاق، وأزمة نخبة، وأزمة مواطن، وأزمة مجتمع، وأزمة إدارة ...
لقد انعكست تلك الأزمة الأخلاقية على الإدارة، فالتعيين والاكتتاب أصبح يعتمد أساسا على مدى الاستعداد للتزلف والنفاق للسلطات الحاكمة. وبالطبع فإن من هو أقل كفاءة ،وأقل أخلاقا، هو الأكثر استعدادا للنفاق والتزلف. أما الأكفاء الذين يمتلكون شيئا من الأخلاق، فيصعب عليهم القيام بتلك التصرفات المشينة، الشيء الذي جعل الإدارة تستقطب الأسوأ وتطرد الأفضل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
ومنذ سنوات استوقفتني ظاهرة غريبة أثناء إعداد دراسة عن الأمية تحت عنوان " الأمية في موريتانيا مشاكل وحلول". لقد استغربت حينها أن نسبة محو الأمية كانت أعلى قبل إنشاء وزارة خاصة بمحاربة الأمية ،هناك إحصائيات رسمية تؤكد ذلك، أي أن القضاء على الأمية كان أفضل قبل أن تخصص موارد ضخمة ووزارة لمحاربة الأمية. هذا ما لم يكن الرئيس الأسبق معاوية يحب سماعه. (لقد أرسلت له ـ إبراء للذمة ـ نسخة من تلك الدراسة عن طريق البريد المضمون، وسلمت نسخة أخرى لعمال القصر لكي يوصلوها إليه).
نفس الشيء حدث بعد ذلك مع التعليم عندما خُصِصَّت له ولأول مرة وزارتان في المرحلة الانتقالية الأولى . ولقد اعترف الوزير الأول بعد انتهاء مأموريته بأن حكومته فشلت تماما في التعليم.
الظاهرة تكررت أيضا مع الرئيس السابق الذي انصب اهتمامه على محاربة الفقر، وأطلق برنامج التدخل الخاص، ومع ذلك فقد شهد عهده أول ثورة جياع ماتت فيها نفس بريئة.
وقبل محاربة الأمية حدث نفس الشيء مع الزراعة التي أعطت أسوأ النتائج في الأعوام التي خُصِصت فيها الموارد الضخمة للزراعة. وقبل الزراعة حدث نفس الشيء مع الصيد البحري.
فلماذا يزداد انهيار القطاع كلما زاد اهتمام الدولة به، من خلال تخصيص الموارد الضخمة لإصلاحه ؟ ثم أليس من الأفضل أن تحجب الدولة الموارد المالية عن القطاعات التي تريد إصلاحها، إذا كان ضخ الأموال لا يؤدي إلا لمزيد من الانهيار ؟؟
إن أزمتنا الأخلاقية هي التي يمكن لها أن تقدم تفسيرا منطقيا لتلك الظاهرة الغريبة ، فضخ الأموال في قطاع ما، سيجعله قبلة لكبار المفسدين واللصوص والمنافقين والمتزلفين في الإدارة، الشيء الذي يجعل ضخ الأموال في قطاع ما نقمة عليه لا نعمة .
خلاصة : إننا نعيش أزمات عميقة في كل المناحي ، أزمات عن اليمين ، وأزمات عن الشمال ، أزمات من فوق ، وأزمات من تحت، أزمات تأتي فرادى، وأخري تأتي مثني مثني، وأزمات أخرى لا تأتي إلا بالجملة.
وإنه لن يكون بإمكاننا أن نواجه تلك الأزمات ، إلا إذا استحضرنا مقولة لأينشتاين أيضا تقول : " إن الأزمات العميقة لا يمكن مواجهتها بنفس العقليات والأساليب التي أنتجتها".
وهذه المقولة سنكتشف أهميتها عندما نحصد ـ إن شاء الله ـ النتائج المثمرة للحوار مع السجناء السلفيين، والذي شكل بالفعل أسلوبا جديدا وطريقة جديدة تختلف عن أساليبنا التقليدية التي كانت تتسبب في المزيد من التطرف والإرهاب.
تصبحون وأنتم موريتانيون ........

الأحد، 17 يناير 2010

الكرامة العربية بأحرف معتدلة


ربما يكون البعض قد اعتقد سذاجة بأن حكام العرب سيعيشون صحوة تعيد إليهم شيئا يسيرا من كرامتهم الضائعة. وقد يكون السبب في ذلك الاعتقاد هو الصعود الحاد والمفاجئ الذي عرفته "كرامتنا الكروية " خلال مباريات مصر والجزائر في إطار تصفيات كأس العالم (من المؤسف أن كرة القدم لم تظهر في العصر الأموي أو العصر العباسي حتى تكون لنا كؤوس تراثية نفاخر بها الأمم الأخرى التي لها كؤوس وألقاب كروية معاصرة).
ربما يكون البعض قد اعتقد بأن تلك الطفرة التي عرفتها كرامتنا الكروية سيصاحبها صعود موازي في جوانب الكرامة الأخرى . وربما يكون البعض قد اعتقد ـ ولو للحظة ـ بأن الجدار المصري إنما جاء ليشكل ثورة على تلك الكرامة المعتدلة أو "المعدلة وراثيا" والتي أذلتنا كثيرا .. فربما يكون الجدار الفولاذي قد تم تشييده من أجل وقف تهريب الغذاء والدواء الذي كان يتم من خلال أنفاق تحت الأرض، لأن الكرامة العربية ـ قبل أن تعتدل و تُعَدَّل ـ لم تكن تسمح للعربي بأن يخفي الطعام والدواء الذي يساعد به جاره وابن عمه المحاصر.
وربما تكون فتوى الأزهر قد جاءت في هذا الإطار لتؤكد تلك الحقيقة. فعلماء الأزهر يعلمون بأن آلاف القطط قد تموت في " غزة " بفعل الجدار، وهم يعلمون كذلك بأن هناك امرأة دخلت في النار لأنها حبست هرة واحدة عن الطعام.
ولأنهم يعلمون ذلك، فربما تكون فتواهم قد جاءت من أجل إجبار النظام المصري على تقديم الغذاء والدواء والسلاح للأخوة في الدين والدم والجوار، بشكل علني، يتناسب مع عزة و كرامة العربي المسلم. تلك الكرامة التي تم تعديلها وتحريفها كثيرا في العقود الأخيرة حتى لا تتعارض مع " كرامة العدو" التي يدافع عنها الحكام العرب أكثر من دفاع العدو عنها (لاحظوا أن العدو قد اضطر لبناء جدار إلكتروني ولم يستطع ـ عكس مصر ـ أن يبنيه من الفولاذ "رأفة" بأهلنا في غزة).
من سمع الرئيس المصري ـ ذات يوم ـ يتحدث عن حرب تموز ويصفها بأنها " لعب عيال" ربما يعتقد بأنه قد شيد الجدار لكي يقدم المؤونة لأخوته في وضح النهار، وأمام الملأ، كما يفعل الرجال عادة، عكس ما كان يقوم به "عيال" حزب الله، الذين يحاكمهم القضاء المصري لأنهم كانوا يتخفون وهم يمدون يد العون لإخوتهم في "غزة". وهو تخفي لا يتلاءم مع الكرامة والشهامة العربية والإسلامية الأصيلة.
فالنظام المصري الذي يقوده "رجال " يختلفون تماما عن " عيال" حزب الله، ربما يكون قد قرر ـ ولو في وقت متأخرـ أن يقود صحوة عربية للدفاع عن الكرامة العربية المسلوبة.
والنظام المصري "الحساس جدا " ربما يكون قد استاء من صعود مؤشرات " الكرامة الفارسية " و " الكرامة العثمانية " و " الكرامة الفنزويلية " التي أذلت كثيرا الزعماء العرب بدفاعها عن قضاياهم في وقت اشتغلوا هم فيه بحروب كروية طاحنة.
وقد يكون الرئيس المصري قد أغاظه كثيرا أن يخرج " تركي " غاضبا من منتدى "دافوس" انتصارا للعرب، في الوقت الذي عجز فيه مصري، وهو "الأمين العام للكرامة العربية المعتدلة"، عن أن يتحرك من مكانه، وبقي "معتدلا" في جلسته، كأنه تمثال تم تحنيطه منذ آلاف السنين قبل تأسيس دولة الصهاينة وقبل أن تعيش مصر ومن ورائها العرب كلهم هذا الذل والهوان الذي يعيشونه اليوم.
وربما يكون الرئيس المصري قد أغضبه كثيرا ذلك الاعتذار المكتوب الذي قدمته إسرائيل وهي ذليلة، حقيرة، للحكومة التركية. في وقت يضطر فيه هو أن يعتذر بالغمز، وباللمز، وبالهمز، وبصريح القول للعدو في كل صباح ومساء، لأنه لم يزل في شعبه من يتألم بقلبه لما يحدث في فلسطين، ولأنه لم يزل في شعبه من يتجرأ على الدفاع عن الكرامة العربية حتى ولو تم ذلك من خلال لقطات من فيلم "أولاد العم".
وبالمناسبة فأولاد العم الذين تخلى عنهم الأقرباء سخر الله لهم أبناء عمومة جدد من تركيا، ومن إيران، ومن فنزويلا، وحتى من الإنجليز يناصرونهم بكل ما هو متاح.
وربما يكون الرئيس المصري قد أغضبته تلك العزة التي يتفاوض بها الرئيس الإيراني مع " الشيطان الأكبر" رغم أن إيران ليس لها امتداد قومي في المنطقة. أما أسن الزعماء العرب والذي يقود أكبر دولة عربية فإنه لا يُسْمَحُ له بالتفاوض، وإنما تأتيه أوامر شيطانية عليا، يجب عليه أن ينفذها فورا وبطريقة مذلة ومشينة ومخزية وحقيرة.
فربما يكون إذاً الرئيس المصري قد أغضبه كل ذلك، وقرر فجأة أن يستعيد لمصر دورها ومكانتها التي تليق بها، وهي قيادة العرب إلى العز والكرامة، بعد أن قادتهم في العقود الماضية باتفاقية "كامب ديفد" إلى الكرامة المعتدلة التي تمثل الدرك الأسفل من درجات الذل والهوان..
تلكم كانت مجرد أوهام وأمنيات لن تتحقق، فالرئيس المصري لم يعد يغضب بعد أن تفرغ لأمرين أساسيين اثنين : أولهما الدفاع عن التوريث، وثانيهما الدفاع عن الكرامة الرياضية المصرية التي يحاول الأشقاء ـ كل الأشقاء ـ النيل منها .
سيعمل العدو كل ما في وسعه من أجل تحذير العرب المعتدلين من خطورة المد التركي القادم، وسينبش منظرو الاعتدال تاريخ العثمانيين، وسيختارون أسوأ ما في ذلك التاريخ لتأكيد مزاعم العدو، وسيقود الرئيس المصري حلفا جديدا من المعتدلين العرب لمواجهة الخطر العثماني الزاحف الذي سيتحول في المستقبل القريب إلى تهديد أخطر من التهديد اليهودي ..
للرئيس المصري ولمنظري الاعتدال نقول : لو خيرنا بين أن نكون عربا معتدلين أو أتراكا لاخترنا أن نكون أتراكا أو إيرانيين أو حتى فنزوليين بالتجنس.
بل وفوق ذلك فإننا نقول بأننا أصبحنا نحتاج لأن نتعلم التركية أو الفارسية أو "التشافيزية "حتى، لكي نفهم كلمات من قبيل " الكرامة " أو " السيادة " أو " الأخوة" التي لم تعد لها أي شحنة دلالية إذا كتبت بأحرف عربية. اللهم إذا استثنينا تلك الكلمات التي يكتبها أطفال غزة أو " عيال" حزب الله.
تصبحون على كرامة عربية غير معتدلة ..

الاثنين، 11 يناير 2010

سري للغاية ...إلى رئيس الجمهورية ، كيف أصبحت إرهابيا !؟


سيدي الرئيس، أجدني مجبرا وملزما في نفس الوقت بأن أقول لكم وبوضوح شديد في بداية هذه الرسالة المفتوحة بأنه لو كانت القاعدة تمنح الأوسمة والتوشيحات لوشحت والي نواكشوط بأعلى وسام لديها على جهوده الجبارة التي يقوم بها من خلال سد كل الأبواب أمام الشباب للمشاركة الإيجابية في تنمية بلدهم، الشيء الذي قد يدفع بعضهم ـ لا قدر الله ـ إلى ردود أفعال طائشة وإلى طرق أبواب التنظيمات الإرهابية.
وفي هذه الرسالة المختصرة جدا ـ عكس الرسائل السابقة ـ سأحدثكم عن بعض تلك "الجهود الجبارة" التي كنت شاهدا عليها مع مجموعة من خيرة شباب هذا البلد.
لقد حاول بعض الشباب المنخرط في بعض الأندية والجمعيات الشبابية أن يقدم بعض الأنشطة الشبابية ضد الفساد، وذلك من أجل فتح قنوات للعمل الشبابي للمشاركة ميدانيا في الحرب المعلنة ضد الفساد.
ولقد كان من المفترض أن تبدأ تلك الأنشطة بتنظيم وقفة شبابية ضد الفساد مع بداية العام الجديد وذلك لتقديم نشاطين اثنين :
أولهما : تكريم الشرطي المعروف بشرطي نادي الضباط والذي يشهد له الجميع بالاستقامة وبالتفاني والإخلاص في العمل والذي لم يحصل ـ حتى الآن ـ على أي تكريم رغم أنه سيحال إلى التقاعد مع مطلع العام القادم.
ثانيهما : توزيع كميات كبيرة من شعار الحملة ووضع ملصقات الشعار في الإدارات التي تكثر فيها ممارسة الرشوة . ولقد تم اختيار " أنا مسلم .. أنا لا أرشي ولا أرتشي" كشعار للحملة وذلك للتذكير بأن المسلم الحقيقي لا يتعاطى الرشوة ولا يتعبد بسرقة أموال الفقراء والأيتام والمستضعفين.ولقد تم اختيار ذلك الشعار لمواجهة بعض المفاهيم الخاطئة التي ظهرت في السنوات الأخيرة والتي أفرزت بعض " العباد " الجدد الذين يصلون في المساجد، ويحجون ،ويصومون، ويتصدقون، ومع ذلك فهم لا يتورعون عن سرقة المال العام المخصص للأيتام وللمعوقين وللفقراء بصفة عامة .
ولقد قررت تلك الأندية أن تعتمد في كل أنشطتها على مواردها الذاتية المتواضعة، وعلى مشاركة أعضائها. ولقد استطاعت ـ بعد جهد كبيرـ أن توفر الأقمصة والقبعات واللافتات والملصقات الضرورية لتنظيم تلك الوقفة الشبابية، الشيء الذي جعلها ـ بعد أن جهزت كل شيء ـ تتقدم إلى الوالي بطلب الترخيص لتلك الوقفة.
وبعد أسبوع من التردد على مكتب الوالي، وبعد كثير من الإهانة ،و من الوعود الكاذبة، ومن الطرد في بعض الأحيان ـ بشكل غير لائق ـ من مكاتب الولاية، تم إبلاغ المجموعة بأن الوالي قد رفض الترخيص لتلك الأنشطة.
كان قرار الرفض مفاجئا رغم كل الإشارات السلبية التي سبقته، كان مفاجئا لأن محاربة الفساد هي العنوان الأبرز للعمل الحكومي .وكان مفاجئا لأنه جاء بعد أيام قليلة من رعايتكم لمنتدى الشباب. وكان مفاجئا لأنه جاء في وقت كان من المفترض أن نتعاون فيه جميعا ـ حكومة وشعباـ حتى لا نسمح للإرهابيين باكتتاب إرهابيين جدد.
ورغم ذلك فلم نيأس وحاولنا مرة أخرى من خلال تقديم نداء تم نشره في بعض المواقع والصحف الوطنية، طالبنا فيه السيد الوالي بأن يراجع قراره، وأن يسمح لنا بالقيام بتلك الوقفة الشبابية.
أصر الوالي على رفض الترخيص، الشيء الذي شكل صدمة كبيرة للشباب المطالب بتلك الوقفة، وهي صدمة جعلت بعضهم يسألني بصوت حائر، غاضب ، مخيف : لماذا لم يرخصوا لنا ؟ ولأني أخشى من أن يتحول الحماس الزائد، والوطنية العالية، والقدرات الكبيرة لبعض أولئك الشباب إلى كراهية وأفعال انتقامية ضد هذا المجتمع الذي يرفض أن يفتح لهم قنوات للمشاركة الإيجابية في تنمية البلد ، فلأني أخشى ذلك، ولأني لا أملك جوابا على السؤال، فقد قررت أن أطرحه أنا بدوري في ختام هذه الرسالة المفتوحة ، فلماذا لم يرخصوا لنا؟؟؟
وإلى الرسالة المفتوحة السادسة إن شاء الله، وفقكم الله لما فيه خيرالبلد...

الأحد، 3 يناير 2010

كلفة التغيير البناء




سيحاول هذا المقال أن يتحدث عن فرص نجاح التغيير البناء من منطلق علمي بحت واعتمادا على القانون الرياضي الشهير الذي يعتبر آخر ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا المجال:
C = A x B x D > X
إن هذا القانون هو الذي يحدد فرص نجاح أي تغيير سواء كان ذلك التغيير تغييرا بناء أو مؤتمنا أو هادئا أو صادقا أو حتى تغييرا في ظل الاستقرار.
وللاختصار فإننا سنقتصر هنا على مظهر واحد من مظاهر التغيير البناء، وهو المظهر الأكثر إثارة والأكثر تشويقا في ذلك التغيير كله، أي الحرب على الفساد التي أثارت جدلا كبيرا، خاصة في الأسابيع الماضية، بعد أن تم توقيف رجال الأعمال الثلاثة.
يقول القانون بأن فرص نجاح التغييرـ أي تغييرـ التي يرمز لها بــ "سي" تساوي حاصل ضرب درجة الاستياء من الظاهرة في معامل وضوح الرؤية في معامل مستوى الانجاز في الأشهر الأولى. ويقول القانون بأن هذا الناتج يجب أن يكون أكبر من "الإكس" والتي ترمز لكلفة التغيير.
وقبل الحديث بشكل مفصل عن عناصر معادلة التغيير فإنه من المهم جدا أن نتحدث قليلا عن بعض المفاهيم المرتبطة بالتغيير وبقانونه، وهي مفاهيم قد تغيب عن كثير من المحللين والكتاب والدارسين.
1ـ سنختلف لا محالة في قياس بعض الظواهر الإنسانية لأن تلك الظواهر لا يمكن حسابها بشكل دقيق بالأرقام إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية معادلة التغيير.
2ـ لكل تغيير كلفة لا بد أن يتم دفعها مع البدء في التغيير نفسه. بخلاف عدم التغيير الذي لا يدفع الناس كلفتها إلا بشكل مؤجل ( وهذا سبب من أسباب عديدة تجعل الكثير من المستهدفين بالتغيير يتخذون مواقف سلبية منه ).
فالحرب على الفساد لا بد أن تصاحبها ـ مع أول رصاصة تطلق ـ كلفة قد تترك آثارا مؤلمة ومؤلمة جدا. أما في حالة ترك الفساد على حاله فإن ذلك قد لا تكون له انعكاسات مؤلمة في الوقت الحالي، رغم أنه سيؤدي إلى نتائج كارثية في المستقبل المنظور.
3 ـ كثيرا ما يتحول بعض المستفيدين من التغيير إلى خصوم وأعداء لذلك التغيير. و يمكن هنا ذكر المثبطين الذين يحاولون التشكيك في استحالة أي تغيير، رغم أن مصلحتهم في نجاح التغيير. كما أن هناك فئة الخاملين التي تعمل من أجل أن تبقى الأمور خاملة.
4 ـ إن هذا القانون يصلح لكل أشكال التغيير، سواء كان ذلك التغيير فرديا يخص الأفراد، أو كان تغييرا داخل مؤسسة، أو منظمة، أو دولة. والشيء الذي يتغير في الأساس هو حرف (دي) الذي يرمز لمستوى الانجاز في الفترة الأولى للتغيير . فهو يجب أن تكون مدته قصيرة جدا بالنسبة للأفراد، ومتوسطة بالنسبة للمنظمات والمؤسسات، وطويلة نسبيا بالنسبة للدول.
5ـ إنه عندما يكون أي عنصر من عناصر التغيير الثلاثة يساوي صفرا، فإن مستوى التغيير سيكون صفرا، لأنه حاصل عملية ضرب بين العناصر الثلاثة.
6 ـ إن من الأخطاء التي يقع فيها أغلب الكتاب هي النظر إلى نصف الكأس، وسواء منهم من ينظر إلى نصفها الفارغ، أو من ينظر إلى نصفها المملوء. علينا أن ننظر إلى الكأس بنصفيها الفارغ والمملوء. وهذا بالضبط هو ما تحاول معادلة التغيير أن تتحدث عنه بطريقة رياضية رائعة. فالبعض لسبب أو لآخر لا يرى من الحرب على الفساد إلا كلفتها، وهو بذلك ينتقدها انتقادا فظيعا. وأما البعض الآخر فهو لا يتحدث إلا عن إيجابيات تلك الحرب، وهو بالتالي يمدحها مدحا عظيما. أما من يحاول أن يتحدث عن الكلفة وعن النتائج في آن واحد ويقارن بينهما فإنه لا محالة سيقترب من الحقيقة. وإن كان ذلك الاقتراب سيسبب له متاعب كثيرة مع كلا الفريقين، وعلى حد سواء. قديما قالوا بأن قول الحقيقة يزيد عدد الأعداء.
7ـ إنه ليس من الممكن أن نغرق في تحليلات رياضية في مقال مكتوب لقراء من مستويات شتى، لذلك فسأكتفي هنا بتقديم معادلة التغيير. والمهم أن يعلم القراء أن لكل تغيير عناصر ثلاثة لا يمكن أن يحدث دونها، وأن حاصل ضرب تلك العناصر الثلاثة يجب أن يكون أكبر بكثير من كلفة التغيير.
العنصر الأول : مستوى درجة الاستياء من الظاهرة المراد تغييرها، وكلما ارتفع ذلك المستوى كلما أدى ذلك إلى نتيجة أكبر. وفي موضوعنا الذي نتحدث عنه فإنه يمكن القول بأن مستوى الاستياء من الفساد مرتفع جدا، فمجمل الأحاديث والكتابات والخطابات تتنافس كلها في تبيان خطورة تلك الظاهرة، لذلك فلن أتوقف كثيرا عند هذا العنصر.
والخلاصة بالنسبة لدرجة الاستياء هي أنها مرتفعة جدا.
العنصر الثاني : وضوح الرؤية والذي ترمز له المعادلة بحرف (بي ) وهو يستحق وقفة ليست بالقصيرة.
فقد تكون الرؤية واضحة بالنسبة لرئيس الجمهورية في حربه على الفساد. وقد يكون جادا، صادقا، في حربه تلك. ولكن هناك حقيقة في أدبيات التغيير لا يمكن تجاوزها هنا : ليس المهم أن يكون القائد على حق، ولكن المهم هو أن يستطيع أن يقنع أغلبية من يقود بأنه على حق.
إن هناك بعض المآخذ التي تشوش كثيرا على رؤية المواطن العادي لجدية هذه الحرب. وهي مآخذ يجب أن تصحح فورا، إذا ما أريد لهذا المواطن أن يشارك بجدية في الحرب على الفساد، ومن هذه المآخذ أذكر:
أولا : من المؤكد أن القضاء على الفساد يحتاج إلى ترغيب وترهيب، أي إلى عصا وجزرة. وإذا كنا ننقسم حول الأسلوب الذي استخدمت به العصا، حيث أن البعض يرى بأنها استخدمت بفظاعة ضد مجموعة دون أخرى، في حين أن البعض الآخر يرى أنها استخدمت بشكل مناسب، وبطريقة مناسبة لم تميز بين مجموعة ومجموعة. فإذا كنا نختلف على طريقة استخدام العصا، فإنه لا يحق لنا أن نختلف على طريقة استخدام الجزرة التي كانت سيئة جدا. فقد أعطيت الجزرة لمن لا يستحقها، هذا إذا ما تتبعنا كل التعيينات والتوشيحات التي تمت بعد التنصيب. بل أن هذه الجزرة قد تم إعطاؤها في بعض الحالات لبعض رموز الفساد، من خلال تعيينهم في وظائف حساسة. والخلاصة هنا أن نصف سلاح الحرب على الفساد، أي مبدأ المكافأة قد تم استخدامه بشكل سيء. أما النصف الآخر أي العصا أو العقوبة فهو محل خلاف كبير.
ثانيا : لقد شوشت كثيرا قضية رجال الأعمال الثلاثة على رؤية المواطن العادي لشفافية الحرب على الفساد. والغريب أن الدولة كادت أن تغلق هذا الملف بطريقة رائعة جدا، وبانتصار كبير، ولكنها ـ وهذا ما تفعله دائما ـ اختارت أن تشوش على ذلك العمل الرائع بقرارات غريبة جدا. فالراجح حسب ما يقال بأن البنك المركزي كان قد وقع اتفاقا مع رجال الأعمال، لاستعادة المبالغ المنهوبة. وهو ما يعني أن رجال الأعمال قد اعترفوا ضمنا بالتهمة الموجهة إليهم . كما يعني أيضا بأن الدولة كانت ستستعيد تلك المبالغ المنهوبة، ولو خلال فترة طويلة بلا كلفة تذكر. وهو ما كان سيعيد للدولة شيئا من هيبتها المفقودة. ولكن الحكومة اختارت ـ لسبب لا أفهمه ـ أن تفسد ذلك كله. واختارت أن تجعل لذلك الملف كلفة كبيرة على الحرب على الفساد. فبغض النظر عن الطريقة التي سيغلق بها ذلك الملف مستقبلا، فإنه لم يعد من الممكن إغلاقه إلا بكلفة كبيرة وكبيرة جدا كنا في غنى عن دفعها.
ونفس الشيء تمارسه الحكومة الآن. فبعد لقاء رئيس الجمهورية بنقابة الصحفيين، وبعد محاولة فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام الجميع، وبعد أن أصبح الكل يتوقع بأن الأشياء ربما تتحسن في هذا المجال مستقبلا. بعد ذلك كله، اتخذت الحكومة قرارات لا معنى لها للتشويش على تلك الصورة الجيدة التي بدأت تتشكل. ومن تلك القرارات إطالة الحبس التحكمي لحنفي و زيادة تكاليف الطباعة على الجرائد المستقلة. إنه "الإبداع " في صناعة الخصوم وهو الشيء الذي يبدو أن حكومتنا تتقنه بشكل جيد.
على الحكومة أن تعلم بأن حنفي لا بد أن يخرج من السجن. فهناك رأي عام يقف في صفه، وهناك نقابة للصحافة ستكون قضية حنفي هي قضيتها الأولى، فهي أول تحد تواجهه تلك النقابة بعد تأسيسها. لذلك فإن من مصلحة الحكومة أن تطلق سراح حنفي فورا قبل أن تزيد عليها المتاعب، وقبل أن تزيد من الكلفة التي سيسببها لها سجن حنفي. فكل يوم سيمر دون إطلاق سراح حنفي لابد أنه سيزيد من شك المواطن العادي في استقلالية القضاء.
وعلى من يهمه الأمر، أن يعلم بأن حنفي من طينة من البشر لا ينفع معها ما ينفع مع غيرها، أي الترغيب بالمال أو الترهيب بالسجن . حنفي تنفع معه طريقة واحدة، وواحدة فقط، ورغم أنها ليست بالطريقة السهلة إلا أنها هي المتاحة: مبارزة الكلمة للكلمة والفكرة للفكرة والمقال للمقال.
ثالثا : من الأشياء التي تركت غيوما كثيفة على الرؤية العامة يمكن ذكر ارتباك الحكومة، وارتباك خطابها الساذج في أغلب الأحيان. فالتغيير يحتاج لخطاب قوي جدا، وواضح جدا، يساعد في اكتتاب جنود جدد من خلال إقناع الخاملين والمثبطين، بدلا من خطاب مشوش قد يؤدي إلى انسحاب الكثير من أنصار الحرب، في بداية مشوارها، وفي وقت تحتاج فيه كثيرا إلى أولئك الأنصار.
وحتى لا يبقى هذا الحديث نظريا، فإن من المهم بمكان إسقاطه على ملف رجال الأعمال. وذلك لتسجيل ثلاث ملاحظات أضرت بذلك الخطاب كثيرا.
الملاحظة الأولى : لقد فشلت الحكومة في إقناع المواطنين بأن ملف رجال الأعمال ليس ملفا انتقائيا. وإذا كان هناك من يتهم بالانتقائية في هذا الملف فسيكون الرئيس الأسبق "معاوية". الشيء الذي يثير الضحك ، على الأقل في هذا الملف . وإذا كان هناك من يتهم بأنه اختار مجموعة أغلبها من قبيلة واحدة أو من جهة سياسية واحدة فهو الرئيس الأسبق "معاوية " الذي اختار تلك الأسماء واتهمها. أما الحكومة الحالية فقد وجدت أمامها ملفا كبيرا لم يغلق بعد. وهي لم تضف إليه اسما جديدا، ولم تحذف منه كذلك اسما.
الملاحظة الثانية : فشلت الحكومة في أن تقنع المواطن العادي بأنها كانت مجبرة على فتح ذلك الملف، ولم يكن أمامها خيار آخر. فهي التي وعدت ـ في وقت سابق ـ ذلك المواطن بالمحاربة الجادة للفساد. ثم وجدت أمامها ملفا لعشرات المليارات المنهوبة لم يتم إغلاقه. فما الذي كان بإمكانها أن تفعل؟ وهل هناك طريقة أخرى تنسجم مع برنامجها للتعامل مع ذلك الملف؟
الملاحظة الثالثة : فشلت الحكومة في الرد على من يقول بأن رجال الأعمال يملكون أدلة تبرئهم من تلك المليارات المنهوبة. وعجزت عن طرح سؤال بديهي جدا، ووجيه جدا : فإذا كان رجال الأعمال يملكون أدلة، فلِمَ لم يظهروها في الوقت المناسب، عندما تم فتح ذلك الملف؟؟؟ ولماذا لم يقدموا تلك الأدلة يوم كان الشهود يزاولون مهامهم، ويوم كان من يتهمهم لم يزل يزاول مهامه؟ ولِمَ لم يقدموها يوم كان فيه القضاء رحيما بمن ينهب الأموال الكبيرة وقاسيا مع من يسرق القليل ؟؟؟ لو فعلوها لأغلق ذلك الملف نهائيا، ولو فعلوها لاستراحوا هم وأراحوا غيرهم.
رابعا : من الأمور التي تساهم في عدم وضوح الرؤية عدم فتح قنوات للمشاركة الشعبية في هذه الحرب. لقد ذكرت سابقا وبشكل مفصل في مقال تحت عنوان " إعلان حرب " بأن الحرب على الفساد، لن يكتب لها النجاح، إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضده. واليوم لن أضيف جديدا لما قد قلت في السابق، سوى أن هناك كلمة تحت الشمس سيقولها بعض الشباب، أرجو أن تكون بداية لإطلاق الشرارة الأولى لتلك الانتفاضة.
الخلاصة : إن مستوى وضوح الرؤية لم يزل ـ حتى الآن ـ منخفضا جدا.
العنصر الثالث: مستوى الانجاز في الفترة الأولى: إن هناك وضعية سيئة نعيشها الآن، وهناك وضعية أفضل نحلم بها، ومن المفترض أن تكون هناك خطة حكومية، تنقلنا من الوضعية السيئة التي نتخبط فيها إلى الوضعية الأفضل التي نحلم بها، في مدة زمنية تقدر بخمس سنوات.
ويقول الخبراء بأن ما نقوم به في الأشهر الأولى أوفي السنة الأولى هو الذي سيتحكم في طريقة سيرنا في السنوات الخمس القادمة. فالحرب على الفساد تتطلب أولا أن نعرف مستوى الفساد الذي نعيشه اليوم ( إننا من أسوأ الدول العربية تقريبا، أما عالميا فإننا في الرتبة 130 ) . كما تتطلب منا أيضا تحديد موقع نطمح للوصول إليه في السنوات الخمس القادمة، وهو الشيء الذي لم تفعله الحكومة حتى الآن، وربما يكون السبب في ذلك هو أنها لا تريد تحديد هدف يمكن قياسه ويمكن أن تحاسب عليه. ولتلافي ذلك الخطأ فإني سأفترض جدلا بأن الحكومة تسعى خلال الخمس سنوات القادمة لأن يكون بلدنا هو الأول عربيا من حيث مستوى الشفافية، وأن يحتل ـ على المستوى العالمي ـ الرتبة رقم 35.
الخلاصة : علينا أن ننتظر حتى تنشر لائحة العام الحالي فإذا استطعنا بعد عام من الحرب على الفساد أن نقفز إلى الرتبة 100 مثلا فذلك يعني أن هذا العنصر مرتفع جدا. أما إذا حافظنا على نفس المستوى فإن ذلك سيعني أن مستوى الانجاز في العام الأول يساوي صفرا مما يعني أن درجة التغيير كانت صفرا.
تصبحون تحت الشمس مع " شباب ضد الفساد" ...

السبت، 26 ديسمبر 2009

تأملات في اللاشيء


إذا أردت أن تفهم كل شيء في هذا البلد..أو أن لا تفهم أي شيء عن هذا البلد .. فما عليك إلا أن تفكر في اللاشيء.. وإذا أردت أن تفهم حقيقة اللاشيء.. الذي يطرأ على موريتانيا مع كل طبعة جديدة.. فما عليك إلا أن تعود إلى كل الأشياء.. أو كل اللاأشياء .. التي كانت تحكمها في طبعاتها القديمة..
والشيء الثابت في هذا البلد.. هو أن كل شيء.. قد يتحول إلى اللاشيء.. وأنَّ اللاشيء قد يصبح بين عشية وضحاها شيئا مذكورا.. فكثير وكثير جدا من اللاأشياء في هذا البلد تحولت إلى أشياء كبيرة .. وكثير من الأشياء التي كان يعول عليها ظلت تصغر و تصغر حتى تحولت إلى اللاشيء.. ولكل شيء في هذا البلد وجهان : وجه قد يوحي بأنه شيئا.. ووجه آخر يوحي بأنه ليس شيئا ..
وفي هذا البلد هناك وزارة لشيء يسمونه الاتصال.. تتبع لها عدة أشياء لا اتصال ولا تواصل ولا تحالف ولا تكتل ولا اتحاد ولا منسقية بينها: شيء مرئي.. وشيء مسموع.. وشيء مقروء.. هذه الأشياء الثلاثة كان من المفترض أن يكون لها نفس الخطاب الإعلامي.. ومع ذلك فكل شيء من تلك الأشياء الثلاثة يسير وفق المزاج الشخصي للشيء الذي يديره ..وتلك الأشياء الثلاثة أثبتت أنها عمليا لا تتبع للوزير .. فالشيء المسموع ـ مثلا ـ لم يزل يرفض أن يبث مداولات البرلمان.. رغم أن الشيء المرئي والذي كان معروفا بتحجره يقدم تلك المداولات بطريقة ممتازة جدا ( هذا أول شيء إيجابي.. أكتبه عن الشيء المرئي.. والذي لا أستطيع رغم ذلك إلا أن أنتقده خلال تأملاتي للاشيء ).
المحير في الأمر أن وزير الشيء الذي يسمونه الاتصال.. قد قال في الملأ: بأن كل الأشياء التابعة لوزارته ستفتح أمام جميع الموريتانيين.. فهل البرلمانيون ليسوا موريتانيين ؟؟؟ ذلك شيء لا يجوز التحدث فيه ..
والشيء المحير أكثر.. هو أن فتح تلك الأشياء أمام الجميع كانت أوامر عليا صادرة من رئيس الجمهورية.. فكيف لا تنفذ أوامر الرئيس ؟؟ وهل الشيء المسموع له حكم ذاتي .. وهل هو شيء مستقل عن الدولة.. له قيادة أركان خاصة لا تتبع لأي شيء؟؟ ذلك شيء لا أملك الإجابة عليه .. وهو ليس ـ بالقطع ـ الشيء الوحيد الذي لا أملك له إجابة..في بلد الأشياء و اللاأشياء..
وفي بلد الأشياء و اللاأشياء قد تعتقد للحظة بأن الشيء المرئي لا يفوته أي شيء.. فهو يتحدث في كل ليلة عن أشياء تافهة.. حدثت في أدغال إفريقيا أو في أطراف آسيا أو فيما بين الأمريكيتين .. يتحدث عن أشياء فاتت "الجزيرة" ولم تذكرها ل"بي بي سي" .. ومع ذلك فالشيء المرئي أبله تماما ولا يعلم أي شيء.. حتى تلك الأشياء الخطيرة التي تحدث في هذا البلد .. وهو يبدو أنه لم يعلم ـ حتى الآن ـ بأن القاعدة قد اختطفت ثلاثة أسبان في الثالث من دجمبر ..اختطفتهم بين أهم شيئين في هذا البلد : شيء نسميه عاصمة سياسية ..وشيء آخر نسميه عاصمة اقتصادية..
وفي الشيء المرئي لا شيء يميز بين شيئين .. فمثلا لا فرق بين النشرة الغبية التي أعقبت اختطاف الأسبان.. أو تلك الصامتة التي أعقبت اختطاف الإيطاليين..ولا فرق بين مَشَاهِد من البادية الموريتانية وبين أي برنامج حواري ناطق أو صامت ..ولا فرق بين مؤتمر صحفي وبين مداولات البرلمان .. فقد تشاهد شيئا من المؤتمر .. وتشاهد أشياء من المداولات .. في مشهد واحد.. أما في الشيء المسموع .. فقد يختلط شيء من الترويج ..بشيء من خطاب الرئيس .. وذلك شيء لا يحدث إلا في بلد الأشياء و اللاأشياء ..
وفي الشيء المرئي قد يُطِلُّ عليك اللاشيء بشحمه ولحمه .. يتحدث عن لاشيء .. ويستضيف ضيوفا لا يفهمون أي شيء .. يتحدثون عن كل شيء .. دون أن يتحدثوا عن أي شيء .. يتحدثون عن السمنة كما يتحدثون عن الإرهاب .. ويتحدثون عن الفساد كما يتحدثون عن الكتاب.. يتحدثون عن الشيء القديم ..كما يتحدثون عن الشيء الجديد .. ويتحدثون عن الشيء المهم.. كما يتحدثون عن الشيء التافه ..يُظهرون شيئا كبيرا من النفاق للسلطان .. و شيئا قليلا من الحياء للمشاهد..
وشيء من الأمن في هذا البلد يأخذ كل شيء .. من أي شيء يسوق شيئا .. وهو يعرف كل شيء.. عن أي شيء.. يمارس أي شيء.. بشرط أن يكون ذلك الشيء الممارس لا صلة له بالجريمة .. وهو ـ في المقابل ـ لا يهتم بأي شيء له صلة بالأمن .. و لم يعد قادرا على فعل أي شيء.. لمواجهة الانفلات الأمني الذي هز كل شيء.. وتضرر منه كل شيء.. وأصبح المواطن فيه لا يأمن على أي شيء.. لا نفسه ..ولا ماله..ولا عرضه ..
وللجيش في هذا البلد وجهان : وجه يوحي بأنه كل شيء .. فهو يتحكم في كل شيء .. ويستطيع أن ينصب أي شيء .. وينقلب على كل شيء .. وتتدخل أشياؤه الكبيرة في كل شاردة وواردة .. أما الأشياء الصغرى فهي مشغولة بالبحث عن لقمة العيش .. ووجهه الآخر فيه شيء من الفساد حسب "مصدر شديد الإطلاع" .. وفيه شيء من لاشيء .. يكبله أثناء مطاردة شيء من الإرهابيين.. اختطفوا شيئا من الأسبان.. وجابوا بهم البلاد.. دون أن يعترضهم أي شيء.. أو يزعجهم أي شيء.. أو يقلقهم أي شيء .. حتى أوصلوا أشياءهم الثمينة التي اختطفوها إلى شيئهم الكبير.
و القانون في بلدنا هو كل شيء .. ويطبق على أي شيء .. حتى على المريض الضعيف ..فالطبيب ـ بشكوى بسيطة ـ يستطيع أن يُخْرِج مريضا في حالة صعبة من شيء يسمونه مجازا حالات مستعجلة.. إلى شيء آخر يسمونه اصطلاحا مخفر الشرطة..
وفي المقابل فإن القانون في هذا البلد ليس بالشيء .. وخيرة أطباء البلد يتنابزون بالألقاب.. ويتعاركون بالأيادي.. ويدهس بعضهم بعضا.. وكأنهم يعيشون في غابة..يُسْمَحُ فيها بكل شيء .. ولا يُحَرَّمُ فيها إلا شيئان : شيء تتميز به الكائنات الناطقة عن غيرها : الحوار .. وشيء آخر تلجأ إليه تلك الكائنات عندما تفشل في الحوار: القانون..
وبلدنا له قانون غريب .. فعندما يسرق فينا شيء صغير شيئا صغيرا..نتسابق في معاقبته قبل أن يعاقبه القضاء.. تنهال عليه الأيادي الصغرى والكبرى بشيء من الضرب المبرح .. أما عندما يسرق شيء كبير أشياء كبرى.. فإن نفس تلك الأيادي تصفق ـ وبلا خجل ـ لذلك اللاشيء " المحترم " الذي سرق شيئا " محترما " وبذره بشكل " محترم " على كل لا شيء "محترم " ..يظن أنه شيئا " محترما " ويعامله المجتمع بشكل "محترم" رغم أنه مجرد لا شيء من اللاأشياء الكثيرة ..لقد طغت تلك اللاأشياء كثيرا ..وقلبت المفاهيم كثيرا .. وعلت علوا كبيرا ..
وفي بلدنا قد تجد ثلاثة أشخاص يوصفون بعدة أشياء .. فهم عند المعارضة في طبعتها القديمة شريرون جدا .. وعند المعارضة في طبعتها الجديدة خيرون .. ونفس الأشخاص الثلاثة عند الأغلبية في طبعتها القديمة خيرون .. وعند الأغلبية في طبعتها الجديدة مفسدون يستحقون أقسى عقاب..
ففي بلدنا قد يتحول الشيء الواحد إلى أربعة أشياء.. حسب التوقيت وحسب التخندق.. تلك واحدة من أشيائنا المخجلة والمقززة ..
لقد أخطأت المعارضة مرة .. وأصابت مرة .. و أخطأت الأغلبية مرة .. وأصابت مرة ..ذلك شيء نتفق عليه .. وإن كنا نختلف على شيء آخر.. هو متى أخطأت المعارضة ؟؟؟؟ ومتى أصابت الأغلبية ؟؟؟؟
أما الشيء الذي لا يقال فهو: إن المعارضة اختارت أن تدافع عن أغنيائها بدلا من فقرائها..وهي منذ صدمة الانتخابات لم تتحرك وتندد وتنسق وتتظاهر إلا بعد سجن رجال الأعمال.. والموالاة لا تدافع بطبعها إلا عن رجال أعمال السلطة.. فهي التي رفضت تعديلات في الميزانية حتى لا تغضب أولئك الأغنياء .. الذين يمارسون الآن أشياء و أشياء .. قد مارسها من قبلهم إخوة لهم..يعانون الآن من شيء .. قد يعانون هم منه مستقبلا ..ذلك شيء يتكرر مع كل طبعة جديدة ..وتلك حقيقة يتمسك كل طرف بشيء منها .. ويحاول أن يخفي منها شيئا آخر ..
فيا معارضة كفى حديثا عن الفقراء .. ويا أغلبية كفى حديثا عن الفقراء.. فلا أنتم تهتمون حقا بالفقراء .. ولا هم يهتمون بهم حقا ..
وفي بلدنا لدينا نخبة .. تنهب كل شيء بما في ذلك الزراعة وآلياتها .. وتبتلع كل شيء بما في ذلك النفط ومشتقاته .. وترشف كل شيء بما في ذلك المحيط وحيتانه.. ولا ترضى بأي شيء ..و تصفق لكل شيء .. وترتحل مع أي شيء ..لا تشبع من أي شيء .. ولا تضحي بأي شيء..تتمالأ وقت النهب مع كل شيء .. وتتبرأ ساعة الحساب من كل شيء..
وفي بلدنا فإن المواطن شيء تافه .. ولا يكون شيئا مهما إلا في يوم واحد من كل خمس سنوات.. ثم يعود إلى شيء تافه مع غروب شمس يوم التصويت ..هذا إذا لم يحدث شيء ما.. يستوجب شيئا ما ..قد يفضي إلى شيء ما ..
وفي بلدنا يستطيع الحزب الحاكم أن يجمع أشياء كبيرة.. وأشياء صغيرة..أشياء طويلة .. وأشياء قصيرة ..أشياء سمينة .. وأشياء هزيلة .. أشياء عاقلة.. وأشياء ليست كذلك .. أشياء تفهم كل شيء.. وأشياء لا تفهم أي شيء .. ولكن هذا الحزب قد يتحول إلى اللاشيء .. تماما كما حدث مع "عادل" الذي كان يجمع أشياء وأشياء.. وكما حدث قبل ذلك للجمهوري ..وكما حدث قبل قبل ذلك مع هياكل تهذيب الجماهير..
وفي بلدنا كان هناك شيء مفقود .. شيء لا يستقيم أي شيء في ظل غيابه ..شغل البلاد والعباد ..قامت له أشياء كثيرة ولم تقعد .. حتى تم تأسيس ذلك الشيء .. ثم تحول ذلك الشيء إلى اللاشيء .. أو تحول على الأقل إلى شيء لا رائحة له ..ولا طعم .. ولا لون.. ولا صوت ..فغريبة هي المحكمة السامية يوم أغضب فقدانها الأغلبية.. وغريبة يوم شرع غيابها للانقلاب.. وغريبة أكثر يوم اختفت تماما عن الأنظار..
وغريب برلمان يتظاهر بحب الفقراء ..ويتشاغل بهموم الفقراء .. ويصوت رغم ذلك على زيادة الضرائب على شيء يأكله الفقراء .. وعلى شيء آخر يستخدم لنقل الغذاء لفقراء الأعماق .. وفي الوقت نفسه يرفض زيادتها على شيء من الدخان .. وغريب رئيس فريق مكافحة التدخين في البرلمان الذي جاهد وناضل حتى لا ترفع الضرائب على السجائر ..
وغريب أمر رئيس فريق الصحة الإنجابية الذي يجاور سكنه مركزا صحيا مغلقا منذ ستة أشهر ومع ذلك لم يتحدث عنه ولو لمرة واحدة..
وأغرب من كل أولئك وزير الصحة الذي يقول الشيء الجميل .. ولا يفعل الشيء القليل .. من أجل رفع الهم الثقيل ..تصبحون على أشياء جميلة ...!!!

الأحد، 13 ديسمبر 2009

عاجل إلى رئيس الجمهورية ... رسالة رقم (4)

سيدي الرئيس،
في هذه الرسالة سأحدثكم عن ثلاثة مواضيع هامة، تتناقض ـ بشكل أو بآخر ـ مع العهد الجديد : عهد محاربة الفساد والتركيز على تحسين مناحي الحياة للمواطنين البسطاء.
الموضوع الأول : عاصمة نظيفة ... على الأثير فقط : اسمحوا لي ـ يا سيادة الرئيس ـ أن أعود قليلا إلى الرسالة المفتوحة الثالثة، والتي كنت قد خصصتها لتقديم مقترح لتنظيف العاصمة، وذلك لأسجل الملاحظات التالية:
1ـ لقد كنت حريصا ـ أشد الحرص ـ على نجاح حملة تنظيف العاصمة لسببين رئيسيين : أولهما أني كأي مواطن أحلم بعاصمة نظيفة. وثانيهما أني كنت أتمنى كثيرا أن يتم تنفيذ أول أوامركم المباشرة، فقد كان تنظيف العاصمة هو أول أمر تصدرونه في مجلس الوزراء. وكان من المفترض أن يتم تنفيذه بجدية حتى تتعود الإدارة على تنفيذ أوامر الرئيس بشكل ميداني و فوري. فمن مصائبنا في هذا البلد أن أوامر الرؤساء لم تكن تنفذ إلا على شاشة التلفزيون، أو عبر أمواج الإذاعة، أو في صفحات يومية الشعب.
2ـ لقد أصبح من الواضح جدا بأن حملة تنظيف العاصمة لم تحقق النتائج التي كانت مرجوة منها، رغم نجاحها ـ كالعادة ـ في مؤسسات الإعلام الرسمي. ويكفي لتأكيد ذلك، إلقاء نظرة على أكوام القمامة المجاورة لمبنى بلدية لكصر، التي كانت ـ و للمفارقة ـ هي أول بلدية تركز عليها الحملة، وتعد بتنظيفها بشكل نهائي.
3ـ لقد فشلت الحملة لأسباب عديدة، سأذكر منها ما هو عام، وذلك لكي نتجنب الوقوع فيه مستقبلا عندما نفكر في مواجهة مشكلة أخرى من مشاكلنا العديدة والمعقدة.
فلا يمكن ـ وهذا ما يتفق عليه أهل الاختصاص ـ أن نحل المشكلة بنفس الأساليب التي أدت إليها. وعندما نعالج مشكلة ما، بنفس الأسلوب، فعلينا أن ننتظر نفس النتائج.
لقد استخدمنا أسلوبنا السابق لتنظيف العاصمة : أوامر عليا تصدر، تتبعها حملة رسمية ارتجالية لم يخطط لها، يصاحبها تطبيل كبير للإعلام الرسمي ، ينتج عنها تشريد الآلاف من الباعة والتجار الصغار، ثم يتبع ذلك فتور شديد، تكون خاتمته نسيان كامل للمشكلة، حتى تمر فترة من الزمن، تأتي بعدها أوامر جديدة قديمة، تتبعها حملة جديدة قديمة، فتطبيل، فتشريد، ففتور، فنسيان مطلق حتى إشعار آخر.
لقد استخدمنا لتنظيف العاصمة نفس أساليبنا السابقة، لذلك فقد كان من المستحيل أن نحقق نتائج أفضل من نتائج الحملات السابقة.
4 ـ لمواجهة مشكلة ما، يجب علينا أولا أن نخلق استياء عاما منها، وكلما ارتفع مستوى الاستياء، كلما سهل ذلك كثيرا في مواجهتها.وهنا تبرز واحدة من أعظم سلبيات إعلامنا الرسمي، فهو لم يتحدث عن مشكلة القمامة إلا بعد أوامركم في مجلس الوزراء. و لم يتحدث عن الأزمة الأخلاقية إلا بعد خطابكم في العيد. وكأن العاصمة كانت نظيفة إلى أن غزتها ـ وبشكل مفاجئ ـ القمامة في يوم الخميس الذي تحدثتم فيه عن النظافة، أو كأن البلاد لم تعرف أزمة أخلاقية خطيرة إلا عند الساعة الثامنة من ليلة عيد الفطر المبارك.
5 ـ إن كل ساعة نقضيها في إعداد التصورات والخطط ستوفر لنا ثلاث ساعات عند التنفيذ. لذلك فإنه من المهم جدا أن لا نصدر القرارات إلا بعد إعداد التصورات والخطط اللازمة للتنفيذ حتى لا يتكرر ما حدث في حملة تنظيف العاصمة.
6 ـ إن الأشهر الستة الأولى هي التي ستحدد مسارنا في السنوات الخمس القادمة، لذلك فقد كان من الضروري أن نتعامل مع تنظيف العاصمة بطريقة أخرى، تضمن لنا تحقيق نتائج إيجابية. فكل أمر تصدرونه في هذه الأشهر، ويتم تنفيذه بشكل ناجح، سيخلق لدينا ثقة أكبر في المستقبل وسيقربنا بشكل أكثر من "موريتانيا الجديدة" التي نحلم بها. أما العكس فإنه لن يأتي إلا بالعكس.
الموضوع الثاني: قصر يتحول إلى مستشفى... ومركز صحي يتحول إلى محل لبيع اللحوم والخضروات!
رغم اهتمامكم الكبير بصحة المواطن. ورغم قراركم الشجاع بتحويل سكن الوزير الأول إلى مستشفى صحي للأمومة والطفولة. رغم ذلك كله فهناك مركز صحي يكاد أن يتحول ـ من جديد ـ إلى محل لبيع اللحوم والخضروات .
لقد مر على إغلاق المركز الصحي للعرقوب بمدينة لعيون العتروس ما يزيد على ستة أشهر دون سبب واضح . مما جعل الأهالي هناك يخافون من أن يعود مركزهم الصحي إلى قصة فساد قديمة، كان ضحية لها، جعلته يتحول من مركز صحي إلى محل لبيع اللحوم والخضروات لمدة ثلاث سنوات كاملة.
وفي هذا الإطار، وبعد إلحاح من بعض المتضررين قدمنا في " مبادرة ضحايا ضد الفساد " نداء باسمهم، لإعادة فتح المركز. وهو نداء تم نشره في بعض المواقع والجرائد الوطنية، كما تم توزيعه وبشكل مباشر على بعض البرلمانيين والموظفين الحكوميين المشاركين في مسيرة "الاتحاد من أجل الجمهورية" التي نظمها بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد.
ولأن ذلك النداء لم ينتج عنه حتى كتابة هذه الرسالة أي رد فعل ايجابي، فقد وجدت أنه من الضروري أن أحدثكم عن ذلك المركز، الذي يعاني من إهمال كبير رغم حربكم التي تخوضون ضد الفساد. ورغم اهتمامكم الميداني بصحة المواطن البسيط.
الموضوع الثالث: حامل شهادة بثلاث وظائف ... وثلاثة حملة شهادات بلا وظيفة واحدة
لقد شكل رفع سن الاكتتاب في الوظيفة العمومية إلى الأربعين بشرى سارة لحملة الشهادات العاطلين عن العمل . وهي بشرى تشجع على إثارة بعض الهموم الأخرى التي يعاني منها حملة الشهادات خاصة منهم من ينحدر من أسر فقيرة.
لقد تسبب تضاعف أعداد الخريجين و نقص الاكتتاب في السنوات الأخيرة، في تنافس شديد على الفرص القليلة المتاحة مما شجع كثيرا على تفشي الوساطة واستخدام المال من أجل ضمان وظيفة للمتخرج المنحدر من أسر متوسطة أو ميسورة الحال. وقد أدى ذلك بفعل التقادم و التراكم إلى تركيز البطالة في الأسر الأكثر فقرا. حيث أصبح الكثير من هذه الأسر يضم أكثر من خريج عاطل عن العمل. في حين أن الأسر الميسورة ظلت تتقاسم الوظائف المتاحة مما مكن بعضها من أن يضمن وظائف لأبنائه حتى قبل التخرج. ومكن البعض الآخر من ضمان أكثر من وظيفة للمتخرج الواحد. في حين استطاعت غالبية هذه الأسر أن تضمن وظيفة لكل متخرج.
وفي المقابل ففي أوساط الفقراء فلم يكن هناك من يملك وساطة، أو يملك مالا لتقديمه كرشوة للمُكْتَتِب. مما جعل الأخ الأصغر يتخرج بعد الأخ الأوسط والأكبر دون أن يتمكن أي واحد منهم من الحصول على وظيفة. ولقد كان الحل الوحيد المتاح لمواجهة البطالة في الأوساط الفقيرة هو التسرب المبكر من الدراسة، وذلك حتى لا يكون الصغار عالة على أسرهم الفقيرة كإخوتهم الكبار الذين خلقت لديهم شهاداتهم حاجزا نفسيا حرمهم من مزاولة بعض الأعمال التي "لا تليق" بحملة الشهادات دون أن تمنح لهم تلك الشهادات بصيص أمل في الحصول على وظيفة مناسبة.
ومع أنه لا تتوفر إحصائيات في هذا المجال، إلا أني أستطيع القول بأن أغلب العاطلين عن العمل هم من الأوساط الفقيرة وكثير منهم له أكثر من أخ ينافسه في البحث عن وظيفة. لذلك فقد أصبح من الضروري والملح إيجاد حل لتلك الظاهرة بطريقة تساعد في إعادة توزيع نسب البطالة بشكل عادل على مختلف الشرائح الاجتماعية وتمكن من تحقيق عدالة اجتماعية في التوظيف، مما سيكون له أثر إيجابي في محاربة الفقر، وفي الحد من التسرب المدرسي في الأوساط الفقيرة. كما أنه سيعزز من الشعور للانتماء لهذا الوطن لدى العاطلين عن العمل في الأوساط الأكثر فقرا، والذين عانوا كثيرا ولمدة طويلة من ظلم تنوء عن حمله الجبال. (هناك مقترح في هذا المجال سيتم تقديمه في وقت لاحق).
وفقكم الله لما فيه خير البلد ، وإلى الرسالة الخامسة إن شاء الله.

الأربعاء، 2 ديسمبر 2009

نداء

لقد مر ما يزيد على ستة أشهر وأبواب "المركز الصحي للعرقوب" مغلقة دون تقديم تبريرات لذلك، حتى ولو كانت مجرد تبريرات واهية. الشيء الذي تسبب في حرمان الآلاف من المستضعفين من سكان الأحياء الجنوبية من مدينة لعيون بولاية الحوض الغربي من الخدمات الصحية التي كان من المفترض أن يقدمها ذلك المركز الصحي.
إن هذا المركز الصحي الذي عانى بالأمس القريب من قصة فساد بشعة وغريبة جعلته يتحول ولمدة ثلاث سنوات إلى محل لبيع اللحوم والخضروات، ها هو اليوم يعود إلى نفس الحالة بسبب إهمال الإدارة ولا مبالاتها رغم النداءات المتكررة للأهالي ورغم الشكاوي التي قُدِّمَتْ للسلطات الجهوية والوصية.
ولأننا في مبادرة " ضحايا ضد الفساد" نركز بالأساس على قضايا الفساد التي لا تجد من يتحدث عنها فإننا لنعلن هنا استغرابنا الشديد لذلك الإهمال الذي يتعرض له ذلك المرفق الصحي الهام، خاصة في هذا العهد الذي تشهد فيه البلاد حربا ضد الفساد يرافقها اهتمام ميداني بصحة المواطن البسيط. وإننا بهذه المناسبة لنناشد رئيس الجمهورية من أجل التدخل لإعادة فتح "المركز الصحي للعرقوب" الذي سيستفيد من خدماته الآلاف من الفقراء الذين يجدون صعوبة شديدة ومشقة كبيرة في التنقل إلى المراكز الأخرى البعيدة من أجل العلاج.

الجمعة، 20 نوفمبر 2009

رسالة مفتوحة من السماء السابعة


لقد قررت اليوم أن أنشر رسالة أبينا التي أرسلها لنا بعد وفاته بزمن بعيد وهذه الرسالة هي رسالة استثنائية تختلف عن كل الرسائل العادية التي عرفها الناس ، فالمرسل هو أعظم محب عرفه التاريخ الإنساني لأنه قد أحبنا من قبل أن نولد وشهادة هذا الحب خالدة في القرآن الكريم .
ولقد كان همه الأكبر في حياته هو الدعاء لنا ونحن اليوم ننعم ببركة ذلك الدعاء ، وأما بعد موته فقد أرسل لنا هذه الرسالة الرائعة والتي قررت اليوم أن أضعها بين أيديكم. وحب أبينا لنا لا تتجرأ لغتي المتواضعة عن التعبير عنه ، فالعبارات تعلم أنها ليست أهلا لذلك مهما صيغت ومهما أعيدت صياغتها. أمام هذا الحب الكبير لا أملك ما أقوله لأبي سوى أني أحبه، أحبه، أحبه ، وأن أسأل الله تعالي أن يجمعني أنا ـ وإخوتي ـ معه .
وهي رسالة استثنائية لأنها أرسلت من السماء السابعة أرسلها لنا أبونا ليصف لنا فيها وبكلمات مختصرة وجامعة بعض أوصاف وطننا الأم الذي كتب على والدنا الأول أن يخرج منه ليعيش كل أبنائه وبلا استثناء في عالم الغربة. ولقد استوطن الكثير من هؤلاء الأبناء بلاد الغربة بل أن الكثير منهم أصبح يعتقد أن بلاد الغربة هي وطنه الأم مما جعله يبني ويعمر ويستثمر في هذا الوطن الجديد غافلا عن ادخار ما يلزم لنفقات العودة إلى الوطن الأم، والكارثة التي ستحل بهذا الغافل أنه سيطرد يوما من بلاد الغربة وحيدا ذليلا مهانا وسيترك خلفه كل ممتلكاته، سيطرد وهو لا يملك شيئا تماما على تلك الهيئة التي دخل بها هذه البلاد لأول مرة. أما أنا وإخوتي فقد خصنا أبونا برسالته ، ونحن لم نزل نحلم بالعودة يوما إلى وطننا الأصلي ولم نزل حتى الآن رغم السنين الطويلة والإغراءات الكثيرة ندخر ـ بمستويات مختلفة طبعا - للإعداد لرحلة العودة وللخروج من هذه البلاد التي نعلم ـ يقينا ـ بأنها ليست وطننا الحقيقي وأننا سنغادرها يوما- إن شاء الله- إلى وطننا الأصلي. سنترك هوياتنا وكل أوراقنا الثبوتية بل سنترك كل ممتلكاتنا غير آسفين لأننا نؤمن بأن ما ينتظرنا في وطننا
الأم لا يقاس بهذه الممتلكات التافهة التي نملكها في بلاد المهجر. وهذه الرسالة استثنائية كذلك لأنها تصف لنا أرض الوطن وتصف لنا عذوبة مائه وروعة نباتاته بل أنها ترشدنا إلى طريقة زرع أراضيه الواسعة والمبسطة وهذه الطريقة تعتبر بحق طريقة متميزة جدا نظرا لبساطتها وسهولتها فعملية غرس النباتات في أرض الوطن لا تحتاج إلا لتحريك اللسان وهو ما أسميته "بالزراعة باللسان" ولا يتطلب منا غرس ألف نخلة إلا ربع ساعة مع أن نخلة واحدة من هذا النخيل خير من كل نخيل الأرض. فوطننا شجره ليس كالشجر، فظل شجرة واحدة يسير الفارس المسرع مائة سنة دون أن يقطعه . وترابه ليست كالتراب ،فحصاها من أنفس المعادن وأغلاها، وقصوره ليست كالقصور، ونساؤه لسن كالنساء فابتسامة واحدة منهن تبعث من النور ما لا تستطيع كل مولدات الكهرباء في العالم بعثه حتى ولو شغلت في وقت واحد وبكامل طاقتها. وطننا جميل لا يمكن وصفه ، فيه ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وطننا لا توجد فيه أية قيود على حرياتنا ولا يوجد فيه شراب حرام ولا أكل حرام فكل ما تشتهيه أنفسنا حلال علينا حرام على غيرنا ويقدمه لنا خدم كاللؤلؤ المنثور في صحاف من ذهب. أما أولئك الذين اختاروا بلاد الغربة وطنا دائما لهم فلن يعرفوا لهذه الحرية طعما بل سيقيدون في السلاسل -عقابا لهم وسيعيشون في عذاب دائم ونكال وهوان .
وطننا لو منح أتعس الناس تأشيرة دخول إليه لنسي كل آلامه وأحزانه بل أنه لو سئل إن كان قد عرف مكروها طول حياته لأجاب بأنه لم يعرف إلا السعادة ومع ذلك فإن التأشيرات إليه توزع في بلاد الغربة دون أي يكون عليها إقبالا مناسبا .وهذه الرسالة استثنائية كذلك لأنها أرسلت- وهذا يكفيها شرفا- مع سيد ولد آدم والذي سيكون أول من تفتح له أبواب هذا الوطن ليعتلي فيه أرفع الدرجات وأعلى المنازل على الإطلاق. ولقد أرسلت معه هذه الرسالة خلال رحلة عظيمة ومشوقة قام بها في جزء من الليل وهي رحلة لم تشهد لها البشرية ولن تشهد لها مثيلا. رحلة طويت فيها المسافات وتوقف فيها الزمن ولم تعد للكواكب ولا للمجرات أي دلالة بل أن الموت لم يعد فيها قادرا على أن يفرق بين عالمين اتفقنا على تسمية أحدهما بعالم الأموات والآخر بعالم الأحياء ، فقد سلم الميت على الحي في تلك الليلة وتحدث الحي مع الميت فيها بل أنهما اجتمعا فيها معا في صلاة واحدة حضرها كل الأنبياء وأمهم فيها خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولقد أحببت كثيرا هذه الرسالة التي كتبها أبونا الذي لم يجمعنا به "عالم الغربة" وإن كنا نؤمن بأنه قد جمعنا به "عالم الذر" والذي شهدنا فيه جميعا حينما أخرجنا ربنا من صلب أبينا الأول " آدم " عليه السلام بأن ربنا هو الله ، وهي شهادة عاش أبونا في عالم الغربة يدعو الناس إليها ولقد رحل إلى عالم الخلود وهو يؤمن بها إيمانا منح على إثره أوصافا من رب العالمين لم تمنح لغيره. ونحن اليوم أنا وإخوتي نؤمن بأن ربنا هو الله كما شهدنا بذلك في عالم الذر وهي شهادة نسأل الله أن يميتنا عليها حتى نلتقي بأبينا في الجنة أي في وطننا الأصلي . كلما قرأت هذه الرسالة رحلت بي الخواطر بعيدا إلى زمن بعيد عاش فيه أبونا ابتلاء عظيما وامتحانا صعبا وهو خارج أرض الوطن الأم. ولقد اتخذ هذا الامتحان والابتلاء عدة أشكال وألوان ويكفي أخفها لأن يزلزل قلب أعتي الرجال. وقد خرج أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام من كل هذه الامتحانات بأعلى الدرجات وأرفع الشهادات وأسمى "الأوسمة " وأعلى "الميداليات". لقد ألقي به في أعظم نيران الدنيا ومع ذلك فقد رفض أن يشكو حاله لأمين السماء إيمانا وتوكلا منه على رب السماء الذي جعل من أيامه في النار بردا وسلاما فكانت أسعد أيام إبراهيم عليه السلام في الأرض. وقد أمره الله أن يترك زوجته وولدها الصغير في صحراء جرداء قاحلة لا يسكنها ساكن ثم طلب منه بعد ذلك أن يذبح ابنه الوحيد الذي رزق به بعد أن أصبح شيخا كبيرا. إنها مواقف صعبة ومشاهد عظيمة فيها من الدروس الكثير والكثير ونحن بأمس الحاجة لأن نستلهم منها دروسا من الإيمان و الصبر و التوكل و الاستقامة نتسلح بها في هذا العصر المليء بالفتن. لقد كانت هذه الأسرة أسرة مؤمنة صابرة يحق لنا أن نعتز بالانتساب لها ولقد خلد ربنا ذكراها بما لم يخلد به ذكرى أسرة أخرى. الملايين من المسلمين تجتمع كل عام في أشرف الأيام واشرف الأمكنة لتتبع نفس الخطوات التي خطتها أمنا منذ آلاف السنين وهي تبحث عن جرعة ماء لابنها الصغير الذي كان يصرخ عطشا. ومئات الملايين من المسلمين تذبح الأضحية في يوم النحر من كل عام وهي سنة أبينا حين فدى الله ولده بذبح عظيم. ومئات الملايين من المسلمين تتوق أنفسهم كل عام إلى تأدية هذه الشعائر العظيمة إلا أن ظروفهم تحول بينهم وبين ذلك.
وفي الأخير إليكم نص الرسالة التي أرسلها إلينا أبونا إبراهيم عليه السلام ليلة الإسراء: عن ابن مسعود رضي الله نه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر]. رواه الترمذي وقال حديث حسن .
نشرت سابقا في بعض الصحف المحلية وفي بعض المواقع مع شيء من التصرف .

الاثنين، 16 نوفمبر 2009

هكذا حدثني الرئيس


لقد خطرت ببالي فكرة عابرة، بشكل عابر، في وقت عابر، من ليلة عابرة، تماما كتلك الأفكار الكثيرة التي تومض فجأة، ثم تنطفئ فجأة، ودون أن يكون لها أثر في حياتنا. يقول الخبراء ـ والخبراء هنا هم خبراء التنمية البشرية ـ إن تدوين الأفكار مسألة هامة كادخار النقود في حساب بنكي، فالأفكار الهامة تظهر فجأة في أوقات غريبة جدا، وإن لم يتم تدوينها فإنها تضيع إلي الأبد.

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

الطريق إلى الانتحار!


النسر لا يموت بشكل طبيعي وإنما يموت بسبب الانتحار. لقد تذكرت تلك المعلومة عندما قررت أن أكتب ـ من جديد ـ عن المعارضة التي يبدو أنها قد اختارت أن تنتحر بدلا من أن تعالج المرض، تماما كما يفعل النسر عندما يمرض.
لقد خسرت المعارضة في الانتخابات الأخيرة ولم تحصل على نتائج تتناسب مع حجم التضحيات التي قدمتها، لأسباب تحدثت قصة " الباء الهاربة " عن بعضها، و أعرضت عن بعضها الآخر.
أما اليوم وبعد أن مرت فترة زمنية كافية لتجاوز حالة الذهول، ولامتصاص الآثار النفسية لتلك الصدمة، التي أعقبت تلك الخسارة المفاجئة، فلم يعد من المناسب الإعراض عن بعض تلك الأسباب، كما أنه لم يعد من المناسب التحدث بلغة " الباء الهاربة " عما ترتكبه المعارضة من أخطاء قاتلة.
فمن المؤسف جدا أن ثلاثة من الأحزاب الكبيرة المكونة للمعارضة التقليدية : ( التكتل، التحالف، اتحاد قوى التقدم ) قد تعاملت مع نتائج الانتخابات بطريقة سطحية جدا جعلتها ترفض نتائج تلك الانتخابات رغم عجزها عن تقديم أدلة صريحة وواضحة تثبت أن الطرف الآخر قد قام بعمليات تزوير واسعة.
ومن المؤسف كذلك أن هذه الأحزاب لم يعد لديها ما تفعله سوى تكرار مطلبها العبثي الذي رفعته قبل أن يكتمل إعلان النتائج، وهي لم تزل ترفعه حتى الآن رغم أنها لا تمتلك وسائل ضغط لا داخلية ولا خارجية تمكنها من فرض التحقيق في تلك النتائج.
والظاهر من خلال ما يصرح به أقطاب هذه المعارضة من حين لآخر، أن الغرض من رفع ذلك المطلب ليس تنظيم انتخابات رئاسية أخرى، وإنما الغرض منه إجبار الرئيس المنتخب على حل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة. وكأن تلك المشاركة هي السبيل الوحيد لجعل تلك الانتخابات انتخابات نزيهة، أو كأن تلك المشاركة هي الحل الأمثل لتصحيح عمليات التزوير الواسعة إذا كانت قد حدثت في الانتخابات الرئاسية الماضية.
ومن المؤسف أيضا أن حزب المعارضة الوحيد الذي امتلك من الشجاعة ما مكنه من أن يعترف بنتائج الانتخابات، لم تسعفه شجاعته في أن يعلن بأنه سيبقى يمارس حقه الطبيعي في المعارضة الدستورية في انتظار أن يعود شركاؤه السابقون إلى رشدهم لممارسة معارضة دستورية راشدة وعاقلة وناضجة ، يحتاجها البلد اليوم أكثر من أي وقت مضى. وهم سيعودون حتما للمعارضة الدستورية لأنه لن يكون بالإمكان الاستمرار في رفض النتائج وعدم الاعتراف بالرئيس المنتخب لوقت طويل.
لقد أخطأ " تواصل " في سعيه الحثيث للتقرب من الحزب الحاكم رغم الرسالة الصريحة جدا التي وجهها رئيس الجمهورية لخصوم الأمس بما فيهم " تواصل " عندما قال بأنه لن يُشْرِكَ في الحكومة أي حزب صوت ضده في الانتخابات الماضية، ولقد نصح تلك الأحزاب ـ وله الحق في ذلك ـ في أن تبقى في مكانها الطبيعي لتمارس حقها الطبيعي في المعارضة الدستورية.
و" تواصل " الذي يعمل جاهدا ـ حسب التواصليين ـ من أجل إضفاء بعد أخلاقي على العمل السياسي، قد كَثُرَ ترحاله في الأشهر الأخيرة لدرجة أنه أصبح هو أول حزب في تاريخ البلد يتحالف مع الأغلبية في دائرة انتخابية، ويتحالف مع المعارضة في دائرة أخرى !
فأي بعد أخلاقي لهذه التحالفات ؟ إن إضفاء الأخلاق على العمل السياسي يتطلب قبل أي شيء آخر أن يَحُدَّ الحزب من ترحاله السياسي، فالترحال هو من أخطر الظواهر اللاأخلاقية التي تعاني منها الممارسة السياسية في هذا البلد.
إن هذه المعارضة التائهة ( بشقيها المعترف بالنتائج والرافض لها ) لن تستطيع أن تفعل شيئا يذكر من أجل ترسيخ القيم الديمقراطية الذي يجب أن يكون شعار المرحلة، كما كان إفشال الانقلاب هو شعار المرحلة السابقة، وإسقاط نظام "معاوية " هو شعار المرحلة الأسبق.
لقد أصبحت المعارضة ـ وبشقيها ـ عاجزة تماما عن التعبير بشكل واضح عما تريد أن تفعله، مما يعني ـ ببساطة شديدة ـ أنها لا تعرف ما الذي تريد أن تفعل.
فعندما تكون الأهداف غير واضحة فلن يكون الخطاب السياسي واضحا، وعندما لا تكون هناك أهداف يراد الوصول إليها في فترة زمنية محددة، فلن يكون بالإمكان إعداد خطة عملية تقلل من الجهد اللازم بذله للوصول لتلك الأهداف.
لقد كان من المفترض أن تتحالف أحزاب المعارضة التقليدية من جديد لتشكيل حلف جديد يناضل من أجل تحقيق أربعة أهداف كبرى في المرحلة القادمة، وهي أهداف يمكن تحقيقها بتضحيات قد تكون أقل مما بذلته المعارضة من تضحيات في المراحل السابقة، وهذه الأهداف هي:
1ـ العمل الدؤوب والمتواصل من أجل أن تُفْتَحَ وسائل الإعلام الرسمية أمام جميع الموريتانيين، فالإعلام الرسمي هو الذي قَدَّمَ المعارضة في الفترة السابقة على أنها شلة من الانتهازيين على استعداد كامل للتعامل مع الأجنبي ضد المصالح العليا للبلد، وهو ما انعكس سلبا وبشكل واضح على نتائج المعارضة في الانتخابات الأخيرة.
لذلك فعلى المعارضة أن تناضل دستوريا من أجل استقلالية الإعلام الرسمي حتى يتحول إلى إعلام دولة بدلا من أن يبقى إعلام نظام.
2ـ العمل من أجل الاستقلال الفعلي للقضاء حتى تكون لديه مناعة تحميه من أن يتم استخدامه في الصراعات السياسية بين النظام الحاكم ومعارضيه.
3 ـ العمل من أجل أن تبقى وظائف القطاع العام مفتوحة لكل الكفاءات والخبرات بغض النظر عن الانتماء السياسي، أما الوظائف السياسية فللأغلبية الحاكمة الحق في احتكارها.
4 ـ العمل من أجل إصلاح البيت الداخلي للمعارضة من خلال إصلاح الأحزاب المكونة لهذه المعارضة ، وهذا الإصلاح يمكن أن يتم من خلال :
1ـ تجديد القيادات السياسية: لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير والرائد الذي لعبه رئيسا التكتل والتحالف فيما تحقق من ديمقراطية في هذا البلد.
ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن معظم شعبية وقوة التكتل والتحالف إنما يستمدها الحزبان وبشكل مباشر من زعيميهما التاريخين.
لا أحد يستطيع أن ينكر شيئا من ذلك ، ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو : وماذا بعد ؟
إن أي انسحاب مفاجئ بغض النظر عن السبب لأي من الزعيمين الكبيرين سيشكل خسارة كبيرة لهذين الحزبين إن لم يكن ذلك يعني نهايتهما، وهو ما سيشكل خسارة كبيرة للديمقراطية في هذا البلد.
لذلك فقد أصبح من الضروري تحضير قيادات بديلة تتمتع بدماء سياسية جديدة، الشيء الذي يستوجب أن يفكر الزعيمان ـ من الآن ـ بانسحاب تدريجي يمنحان من خلاله الخبرة والتجربة لزعامات جديدة قادرة على إرساء سفينة النضال السياسي إلى بر الأمان.
2ـ الإصلاح الداخلي الثاني يمكن أن يتم من خلال إبعاد وجوه الفساد التي التحقت بهذه الأحزاب من الواجهة الأمامية لتلك الأحزاب، فظهور تلك الوجوه في الصفوف الأمامية لأحزاب المعارضة قد أضر كثيرا تلك الأحزاب، وقد انعكس سلبا على نتائجها في الانتخابات الأخيرة.
لقد استقبلت المعارضة المفسدين بحفاوة أضرت كثيرا بسمعتها رغم أنهم لم يلتحقوا بها إلا بعد أن أصبح ضرهم أكثر من نفعهم.

ومن المهم هنا تحذير المعارضة من خطورة تكرار تلك الأخطاء الفادحة، حيث أن بعض الموظفين الذين قد تم تجريدهم في الآونة الأخيرة من وظائفهم بسبب ضلوعهم في قضايا فساد، قد يفكر بعضهم في الالتحاق بصفوف المعارضة التي أصبحت تُعْرَفُ بحسن ضيافتها لكل مفسد لفظته الأغلبية وطردته من صفوفها، تلك الأغلبية التي كانت تجمع وإلى وقت قريب كل المفسدين في عهد "عز" الفساد، وهي اليوم تريد أن تلفظهم فرادى وجماعات في عهد " ذله " و "هوانه ".
إن المعارضة تعيش اليوم مرحلة حرجة من تاريخها عليها أن تتعامل معها بشكل جدي من خلال تأسيس قوة سياسية جديدة قادرة على أن تكون ندا للحزب الحاكم بكل ملحقاته ، وهو ما يتطلب الجمع بين الاعتراف بالنتائج مع الاستمرار على خط المعارضة الدستورية ، الشيء الذي لم يوفق إليه لحد الآن أي حزب من أحزاب المعارضة التقليدية . تصبحون على معارضة دستورية قوية.

السبت، 7 نوفمبر 2009

تفاديا للالتفاتة القاتلة


الالتفات إلى الوراء قد يكون ثمنه الحياة بكاملها. فالغزال المعروف بسرعته يصطاده الأسد بسبب الالتفات إلى الوراء. يلتفت الغزال المطارد إلى الوراء ليرى أين أصبح الأسد، دون أن يعلم ذلك الغزال المسكين بأن تلك الالتفاتة وتكرارها هو ما سيخفف من سرعته، وهو ما سيمكن بالتالي الأسد من اللحاق به واصطياده.
لو لم يلتفت الغزال إلى الوراء لما تمكن الأسد إطلاقا من اصطياده.
ينصح خبراء التنمية البشرية من حدد هدفا ما بأن لا يكون كالغزال، وأن لا يكثر من الالتفات إلى الوراء. وإنما عليه أن يكون مثل الأسد الذي يظل يركز بنظره إلى الأمام حتى يحقق هدفه.
وهذه النصيحة بالذات هي أفضل ما يمكن تقديمه لرئيس الجمهورية : واصلوا حربكم على الفساد، ولا تلفتوا إطلاقا إلى الوراء، فالتفاتة واحدة خلال هذه الحرب المصيرية التي وصلت إلى مرحلة حساسة ستكلف كثيرا وستكون قاتلة بالنسبة لكم ولنا.
لقد كنت واحدا من أقلية من فقراء البلد صوتت ضد "رئيس الفقراء". ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلت غير ذلك. إلا أنني مع ذلك لا أستطيع أن أخفي بأن أكثر ما يعجبني في "رئيس الفقراء" هو جرأته على مواجهة الفساد والمفسدين، حتى أثناء الحملة، وفي تلك الأوقات الصعبة التي كان يحتاج فيها لأصواتهم. وأكثر شيء أبغضه في المعارضة، هو تزلفها للفساد والمفسدين، حتى في الأوقات التي ليست فيها حملة، ولا تحتاج فيها لمال أو لأصوات المفسدين.
لقد قرر الرئيس أن يبدأ حربه على الفساد التي كان قد وعد بها في حملته الانتخابية مما جعله يواجه حربا معلنة من طرف المعارضة، لدوافع لا صلة لها بالصالح العام، وحربا صامتة في بعض الأحيان، وقذرة في أحيان أخرى، من طرف بعض أغلبيته، لأسباب لا أجد ضرورة لذكرها. في الوقت الذي يمكن القول بأنه حصل على دعم كل الشعب الموريتاني تقريبا، بمعارضيه ومواليه، والذي يعتبر كله ضحية للفساد. وإن كان ذلك الدعم لا يجد قنوات تنظمه وتعبر عنه، وتلك واحدة من نواقص هذه الحرب المعلنة ضد الفساد.
والحقيقة أن هناك فريقان كبيران كل واحد منهما يعمل جاهدا من أجل انتكاسة هذه الحرب، أحدهما في الموالاة وهو يريد الرئيس أن يلتفت إلى الوراء التفاتة قاتلة وأن يستخدم أسلحة فاسدة في حربه كما كان يحدث سابقا. ويظهر ذلك جليا في إلغاء الاتفاق الذي حصل بين رجال الأعمال والبنك المركزي من أجل استعادة الأموال. فلا يعقل ـ ونحن ندعي بأننا نحارب الفساد ـ أن نوقع اتفاقا وأن نلغيه من طرف واحد، في الوقت الذي بدأ فيه الطرف الآخر في تنفيذ بنود الاتفاق حسب ما يقال.
إن إلغاء ذلك الاتفاق إنما يؤكد الشكوك والأسئلة الحائرة التي تطرح حول هذا الملف. وهو يتناقض مع مطلبنا في " مبادرة ضحايا ضد الفساد " الذي يشجع كل الحلول التوافقية فيما يخص كل الملفات الكبيرة المتعلقة بالعهود السابقة.
أما الطرف الثاني فأغلبه في المعارضة، وهو يريد لهذه الحرب أن تتوقف بشكل نهائي. وقد ارتفعت أصوات كثيرة من الفريق تشكك في هذه الحرب. و حاولت أصوات أخرى أن تثبط عزيمة الرئيس، بينما لجأ البعض الآخر إلى العمل في الخفاء من أجل إيقاف تلك الحرب أو تحريفها. أي أنه في المحصلة النهائية، هناك أطراف عديدة، من اتجاهات شتى، ولدوافع كثيرة ومتنوعة، تعمل جاهدة بحسن نية أو بسوئها، من أجل أن يلتفت الرئيس إلى الوراء التفاتة قاتلة.
بعض أولئك يقول بأنه لا يجوز نبش الماضي لأن المجتمع بكامله كان يسبح في بحر من الفساد، وإن بدرجات متفاوتة. فهناك من ابتلت قدماه، وهناك من كان غارقا حتى حقويه. ويقول هؤلاء بأنه من أجل فتح ملفات الماضي علينا أن نستورد ـ وعلى وجه السرعة ـ شرطة وقضاة للتحقيق وسجانين غير مفسدين.
ويقول البعض الآخر بأن الملفات التي تم فتحها حتى الآن لم تكن ملفات بريئة، لأنها تدين رجال أعمال من حزب سياسي واحد، بل ومن قبيلة واحدة. وذلك لتحقيق أطماع حزب سياسي آخر، وقبيلة أخري ، ويقول هؤلاء بأن فتح مثل هذه الملفات قد يهدد السلم الاجتماعي الهش.
وهناك فئة ثالثة، وهي أكثر ذكاء، لأنها تعترف ـ عكس غيرها ـ بأن الرئيس قد استهدف في حربه على الفساد حلفاءه أكثر من خصومه. فهناك شخصيات سياسية لا يمكن لأحد أن يشكك في ولائها للرئيس تم إقصاؤها. كما أن هناك موظفين كبارا تم تجريدهم من وظائفهم ولم يشفع لهم أنهم بالغوا ـ أكثر من اللازم ـ في التعبير عن ولائهم للرئيس الحالي.
هذه الفئة تعترف بتلك الحقائق التي لم يعد من الممكن إنكارها. ولكنها تقول بأن كل تلك "الرصاصات الذكية" التي أطلقها الرئيس على بعض أنصاره، إنما كانت تهدف للتمويه و لتشريع الضربة القاضية التي تم توجيهها لكبار رجال الأعمال الذين عارضوه.
تلك إذاً هي أهم حجج الفريق الثاني، الذي يريد للرئيس أن يلتفت إلى الوراء ، وهي حجج يجدر بنا أن نتخذ منها موقفا صريحا من وجهة نظر لا أنكر بأنها منحازة بطبيعتها للشرائح الأكثر فقرا التي عانت كثيرا من الفساد.
في اعتقادي أنه لنجاح أي حرب على الفساد علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية :
1ـ إن عدم محاربة الفساد بشكل جاد هي التي تمثل أكبر تهديد للسلم الاجتماعي. وعلينا أن نعلم جميعا بأن يومنا لم يعد كأمسنا. فقد ولدت هذه الحرب أحلاما كبيرة في نفوس المستضعفين وخصوصا بعد تلك النقاشات الصريحة والأحاديث الرسمية عن خطورة الفساد. ولم يعد بالإمكان الآن التوقف في بداية المسار، لأن ذلك قد يجعل الأمور تخرج عن السيطرة مما قد يتسبب في انفلات الأوضاع وانتفاض الجوعى والعُطَشْ والعاطلين والمتسولين والمعوقين وأطفال الشوارع وشباب الشوارع وشباب الأعماق والفقراء بصفة عامة.
2ـ إن على القبائل أن تعود إلى رشدها، وإلى أدوارها الاجتماعية النبيلة. فقد أصبحت قبائلنا اليوم تتنكر لعلمائها ولمصلحيها إذا ما سجنوا ظلما وعدوانا، في الوقت الذي تعلن فيه حالات طوارئ واستنفار إذا ما تمت معاقبة أحد مفسديها.
3ـ علينا أن نختارـ بعد أن مر نصف قرن على تأسيس الدولة الموريتانية ـ بين الاندماج في دولة واحدة ذات كيان مشترك أو البقاء مشرذمين في كيانات مبعثرة تمثلها القبائل والتكتلات الجهوية.
4ـ إذا ما قررت مجموعة ما، من قبيلة ما، أو من جهة سياسية ما، أن تنهب ثروة ما، دون أن تشرك غيرها، في نهب تلك الثروة، فعليها أن تقبل ـ في المقابل ـ بأن تحاسب وتعاقب لوحدها، دون أن يشرك معها في العقوبة من لم يشارك في ذلك النهب.
وبالمختصر المفيد، فإذا كان من اشترك في ملف البنك المركزي هم نفس الأشخاص الذين تم التحقيق معهم ، فإنه لا يجوز أن تتحرك قبيلة أو مدينة أو جهة سياسية ضد العدالة. أما إذا كان قد شارك البعض الآخر في ذلك النهب، وتم إبعاده من التحقيق، لأسباب قبلية أو سياسية، فإنه ساعتها لا يجوز أن تبقى قضية رجال الأعمال الثلاثة، قضية قبيلة واحدة، أو مدينة واحدة، أو جهة سياسية واحدة، بل يجب أن تتحول إلى قضية رأي عام وقضية بلد بكامله، حتى تتم معاقبة الجميع أو العفو عن الجميع.
وإذا ما حدث أن تمالأت مجموعة ما، من قبيلة الرئيس الحالي، أو من حزبه، وقررت أن تنهب لوحدها ثروة من ثروات هذا الشعب الضعيف، فإنه لن يكون من الجائز إطلاقا إذا ما جاء رئيس آخر وقرر أن يحاسبها أن نقف ضده بحجة أن ذلك يمكن اعتباره استهدافا لمجموعة معينة.
5ـ صحيح أنه لا يمكن أن نفتح كل ملفات الفساد، لأن الكل تقريبا قد شارك بدرجة أو بأخرى في الفساد في "عصره الذهبي". ولكنه صحيح أيضا بأن ملفات الفساد ليست متجانسة، فهناك ملفات كبيرة تخص عشرات المليارات من الأوقية، كملف القرض الزراعي، أو ملف البنك المركزي، أو ملف عقود النفط وملحقاته، وملحقات ملحقاته، فتلك ملفات يجب أن لا تظل مغلقة، بل أن فتحها هو مطلب شعبي.
6 ـ على المعارضة إذا ما أرادت أن تقنعنا بأن الحرب الحالية على الفساد إنما هي حرب تستهدف أنصارها، أن تقدم لنا ملفات فساد لرجال أعمال أو لموظفين كبار يدعمون الرئيس وترفع ضدهم قضايا، وتقول لنا هذه حجتنا. وللمعارضة القدرة على ذلك إذا ما أرادت، وهي بالمناسبة كانت أول من أثار ملف البنك المركزي الذي تعارض فتحه الآن.
مشكلة المعارضة هي أنها أصبحت تجامل المفسدين كثيرا، ولا تريد أن تستفزهم حتى أولئك المفسدين الذين ليسوا معها في خندق سياسي واحد!!!
7ـ يحذر البعض من معاقبة رجال الأعمال لأن ذلك سيكون له الأثر البالغ على الاقتصاد الوطني الهش. والحقيقة أن استشراء الفساد هو أشد خطورة على الاقتصاد حيث أن غالبية مشاريع رجال الأعمال لا تعدو كونها مشاريع تجارية عائلية محدودة الفائدة على المستوى الوطني.
أما فيما يخص الخوف من اختفاء بعض المواد الاستهلاكية التي كان يستوردها بعض رجال الأعمال، فلا مبرر لذلك فهناك العديد من رجال الأعمال أو على الأصح من التجار الذين يملكون أموالا ضخمة، ولا يعرفون كيف يستثمرونها ، لذلك فعندما يتوقف مستورد ما عن الاستيراد فسيظهر مكانه عشرات المستوردين.
8ـ إنه على الرئيس وبشكل فوري أن يبعد عن الحرب على الفساد كل الأوجه الإعلامية التي كانت تروج في الماضي القريب للحرب ضد السمنة وللحرب ضد الأمية وللحرب ضد الإرهاب. فهذه الحرب يجب أن تختلف عن حروبنا السابقة ويجب أن تخاض بأسلحة شفافة لا يعرف أولئك "الفرسان" استخدامها، لأنهم قد تعودوا على تلك البرامج الغبية والسطحية التي تضر أكثر مما تنفع.
كما أنه يجب فتح الإعلام الرسمي وبشكل فوري أمام كل الموريتانيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
9ـ إن الحرب على الفساد لن يكون بالإمكان حسمها إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضده. كما أنها يجب أن لا تقتصر على العقوبة فقط بل يجب أن تكون فيها مكافآت، وتلك المكافآت يجب أن يكون فيها لأنصار المعارضة نصيبا كما كان لهم نصيب كبير في العقوبات.تصبحون على حرب على الفساد بأسلحة غير فاسدة...

السبت، 31 أكتوبر 2009

خبر عاجل / قصة قصيرة


فجأة ظهرت حركة غير عادية في الطابق العاشر من مبنى القناة الأولى، وهو الطابق المخصص للأخبار العاجلة في تلك القناة، التي تعتبر واحدة من أهم قنوات التلفزيون الرسمي الموريتاني.
ومع أن العاملين في قسم الأخبار العاجلة في تلك القناة لا يتوقفون عادة عن الحركة، فهم في حالة استنفار دائم ، إلا أنهم في تلك الليلة رفعوا درجة الاستنفار إلى حدها الأقصى، بسبب الخبر العاجل الذي ورد للتو، فهو خبر غير عادي، يتعلق بجريمة غير عادية، كان الكل يعتقد بأنها تنتمي إلى جيل من الجرائم اختفى منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن.
ونظرا لخطورة الجريمة فلم يكن من الممكن أن يُعْلَنَ الخبر قبل اتخاذ بعض الإجراءات المصاحبة، لذلك فقد أرسل مدير الصحة النفسية برقية عاجلة لقسم الأخبار العاجلة، يؤكد فيها أن إدارته قد أرسلت طبيبا نفسيا إلى المدرسة التي يدرس فيها الابن الأصغر للمجرم لكي يوفر له الرعاية النفسية اللازمة لحظة إذاعة الخبر، وهو ما يعني أن إدارة الصحة النفسية لم تعد تمانع في نشر الخبر.
وقبل ذلك بثوان معدودة استقبل مدير القسم برقية أخرى عاجلة من نفس الإدارة، تثبت أن المجرم لم يكن يشكو من أي مرض نفسي أثناء ارتكابه للجريمة، وذلك وفق شهادة طاقم من أكبر الأطباء قام بتحليل السجل الصحي للمجرم، كما أشرف على جلسات وفحوصات طارئة تم إجراؤها بعد خمس دقائق من وقوع الجريمة.
لقد كان مصدر ذلك الخبر العاجل هو زوجة المجرم التي لم تترد ـ ولو للحظة ـ في إبلاغ إدارة الأمن بالجريمة التي ارتكبها زوجها، كما أنها أبلغت ابنها الأكبر الذي تم نقله إلى قسم الحالات المستعجلة بمستشفى جامعة "أمبود " التي يدرس بها بعد غيبوبة أصابته بفعل صدمة الخبر، ثم إنها أبلغت بعد ذلك بعض أعضاء الحزب الذي كان ينتسب له زوجها، وهو ما جعل المكتب التنفيذي للحزب يرسل برقية عاجلة يطلب فيها وبإلحاح من قسم الأخبار العاجلة أن يعلن تبرؤ الحزب من المجرم عندما يتم الإعلان عن الجريمة كخبر عاجل، وذلك في محاولة من الحزب للتقليل من الآثار السلبية التي سيجلبها ذلك الخبر العار للحزب الذي لا بد أن يتأثر سلبا بفعل تلك الفضيحة المدوية إن لم تقض عليه بشكل نهائي .
ـ وماذا في تلك البرقية الأخرى ؟
انزعج الموظف المسؤول عن استقبال البرقيات من تلك الكلمات الصارخة والمتوترة والمرتبكة التي صاغها مديره على شكل سؤال، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يشاهد فيها العمال مديرهم وهو عاجز عن إخفاء توتره وارتكابه وغضبه أمام العمال.
ـ إنها برقية من وزارة الشؤون الإسلامية تطلب فيها من القناة أن تُطَمْئِنَ الشعب الموريتاني بأن الوزارة في حالة طوارئ منذ وقوع الجريمة، كما أنها وفي خطوة عاجلة قررت أن تخصص كل خطب الجمعة القادمة للتحذير من ذلك النوع من الجرائم الغريب على ديننا وعلى تقاليدنا، رغم أن الوزارة على قناعة تامة بأن تلك الجريمة إنما هي مجرد جريمة معزولة، ولن تتكرر مرة أخرى، نظرا لحصانة المجتمع ضد ذلك النوع البشع من الجرائم.
ـ سيدي المدير.. أرجو المعذرة .. هناك برقيتان جديدتان ..
ألقى الموظف نظرة خاطفة على وجه مديره وكأنه يطلب إذنا بعينيه لقراءة البرقيتين، أجاب المدير بنظرة خاطفة أيضا، فهم منها الموظف أن المدير يأمره بأن يقرأ البرقيتين وعلى وجه السرعة.
ـ البرقية الأولى قادمة من إدارة السجن، وتقول بأن المجرم قد انتحر منذ ثانية ونصف، وأنه قد خطط مسبقا لهذا الانتحار في حالة تم كشف جريمته ، وهو ما جعله يجلب معه قرصا ساما لا يرى بالعين المجردة، ويستطيع أن يوقف دقات القلب بعد نصف دقيقة فقط من ابتلاعه.
ـ هل سيتم تغسيله والصلاة عليه أم سيرسلون جثته إلى حاويات القمامة ؟
ـ سيدي المدير أنا لست فقيها حتى أجيب على هذا السؤال.
ـ وهل طلبت منك الإجابة ؟ عليك أن تواصل قراءة البرقيات، هذا هو بالضبط ما أطلبه منك.
ـ البرقية الثانية أرسلها وزير الإعلام وهي على شكل تعميم موجه لكل القنوات والإذاعات والصحف الرسمية بما في ذلك طبعا قناتنا، والبرقية تطلب تخصيص كل البرامج والزوايا لهذا الأسبوع للحديث عن تلك الجريمة النكراء.
والوزير يطلب بشكل خاص من نجوم الإعلام الرسمي الذين أبدعوا في العهود الماضية، والذين استطاعوا أن يقضوا على السمنة وعلى الأمية وعلى الفساد من خلال برامجهم الرائدة، أن يخصصوا برامجهم لهذا الأسبوع لمحاربة تلك الظاهرة الغريبة التي أفرزت تلك الجريمة النكراء .
ولقد خص الوزير أصحاب البرامج التالية : " على الطاولة " ، "الميزان " ، "العيادة الطبية"، "موريتانيا الأعماق " ، " باناروما ".
لم يكد الموظف ينهي قراءة البرقية حتى شعر المدير برغبة جامحة للتقيؤ، لذلك خرج مسرعا إلى الحمام.
بعد ذلك بلحظات عاد المدير وهو يكرر: عن أي برامج يتحدث الوزير !؟
أجاب الموظف: لا أدري لماذا تأتي دائما خططي بنتائج عكسية، رغم أني شاركت في ثلاث دورات في التخطيط ؟ فتلك البرامج قد أضفتها أنا إلى البرقية، كنت أريد أن أضحك سيادة المدير بعد هذا الخبر البائس، فإذا بسيادته يتقيأ!
ـ أبشرك لقد نجحت خطتك هذه المرة، فقد ضحكت كثيرا أثناء التقيؤ، كما أني شعرت بشيء من الإشفاق على أولئك "النجوم " وعلى مشاهدي برامجهم.
سكت المدير قليلا ثم أردف قائلا : لم يحدث أن تقيأت وضحكت وشعرت في الوقت نفسه بالإشفاق على من جعلني أضحك وأتقيأ قبل إضافتك هذه.
ـ إذًا بعد أن ضحكت سيادتكم، أستطيع الآن أن أقول لكم بأن هناك برقية ثالثة.
ولم لم تقرأها مع البرقيات السابقة ؟
ـ الحقيقة أنه ... الحقيقة أنه ... الحقيقة أنه ..
ـ الحقيقة أنه سيتم فصلك من العمل إذا لم تقرأ البرقية فورا.
ـ إنها برقية من العاملين في قسم الأخبار.
ـ ومنذ متى ونحن في القسم نتواصل عن طريق البرقيات ؟
ـ لقد قرروا وبشكل جماعي رفض تقديم الخبر، بحجة أنهم يخجلون من تقديم هذا النوع من الأخبار المشينة، وبحجة أن من سيقدم ذلك الخبر قد يتحول إلى نذير شؤم عند الكثير من المشاهدين.
ـ لا بأس.. عد إلى مكتبك .. فسأتولى أنا شخصيا تقديم ذلك الخبر المشؤوم.
عاد الموظف إلى مكتبه بعد أن ودع مديره بنظرة احترام ، وهو احترام يشاركه فيه كل العاملين في القناة بل وغالبية مشاهديها.
أما المدير فقد توجه مباشرة إلى استديو الأخبار لإذاعة الخبر العاجل، مواصلا بذلك عادته المعروفة لدي العمال، فهو دائما يتولى بنفسه كل الأعمال التي يرفض الآخرون لسبب أو لآخر القيام بتنفيذها.
ألقى المدير نظرة عاجلة على الساعة الرقمية الكبيرة التي تكاد تغطي الجدار بكامله والتي كانت تشير إلى الساعة الخامسة وثلاث دقائق وخمس ثوان من يوم الثلاثاء العاشر من نوفمبر من عام 2044 ميلادي.
لقد مر نصف ساعة وخُمْسُ دقيقة على تلك الجريمة المشؤومة.
قالها المدير بصوت خافت وكأنه يخاف من أن يسمعه أحد العمال، فهو من جهة يحب دائما أن يتحدث بلغة الأرقام، ومن جهة ثانية فهو يكره لقب الصحفي الرقمي الذي يطلقه عليه زملاؤه في القناة لقدرته الخارقة على حفظ الأرقام.
أخذ المدير مكانه في الاستديو خلف طاولة غريبة يتبدل شكلها الهندسي في كل ثانية فهي لحظة تكون على شكل حرف العين والألف، ولحظة أخرى تكون على شكل حرف الجيم واللام .
إنها الطاولة المثيرة والغريبة التي اختارها المدير بنفسه لتكون هي الطاولة الرئيسية في استديو الأخبار العاجلة.
في تلك اللحظة لم تكن الطاولة تعني شيئا بالنسبة له ، فقد أحس وكأن حنجرته قد اختفت تماما،وهو لم يعد قادرا على النطق، رفع يده اليمنى قليلا ليتأكد أن رقبته لم تزل في مكانها الطبيعي، ثم حاول النطق مرة أخرى ولكنه فشل أيضا.
ظهر المدير على الشاشة بوجه شديد البياض، وبفم مفتوح، وبعينين زائغتين، وبيد يتحسس بها مكان رقبته.
لابد أن المشاهدين يضحكون الآن، ويسخرون، ويعلقون، ويحللون، ولابد أن المدير العام للقناة يسب، ويشتم، ويتوعد، ومن المؤكد أن وزير الإعلام لا يبتسم في هذه اللحظات.
لا يهم، أسرها المدير في نفسه، المهم أن أقول شيئا، فذلك هو التحدي الأكبر لمديرالأخبار في تلك اللحظة، نزع يده من فوق رقبته، خف بياض وجهه، حرك شفتيه قليلا، ثم نطق بكلمات بطيئة، متقطعة كأنها قادمة من كوكب آخر.
أعزائي مشاهدي القناة الأولى، لقد ورد إلينا منذ ثلاثة وثلاثون دقيقة وخمس ثوان خبر مخيف، عن جريمة نكراء، بطلها أحد المترشحين في انتخابات تجديد ثلث مجلس الشيوخ التي تجري اليوم .
لقد حاول هذا المجرم الخطير المتنكر في زي سياسي أن يُقَدِّمَ رشوة لمستشار بلدي لكي يصوت له، ولقد حاول المجرم الوقح أن يستعين بزوجته التي تعمل في نفس البلدية لكي تقدم نيابة عنه تلك الرشوة التي بلغت عشرة ملايين أوقية.
ولقد انتحر المجرم بعد أن تم القبض عليه.تصبحون وأنتم قادرون على أن تحلموا بوطن جميل ...

السبت، 17 أكتوبر 2009

عاجل إلى رئيس الجمهورية (3)



في هذه الرسالة الثالثة سأقدم لكم واحدا من المقترحات الثورية التي كنت قد وعدتكم بها في الرسالة الأولى من هذه الرسائل المفتوحة.
ولقد ارتأيت أن أقدم لكم هذا المقترح مباشرة بعد أن استمعت إلى البيان الصادر عن الاجتماع الماضي لمجلس الوزراء، والذي أصدرتم فيها تعليماتكم إلى الحكومة، مطالبين بالقيام وعلى وجه السرعة بحملة جدية وصارمة لضمان نظافة مدينة نواكشوط .
هذا المقترح الذي ستقدمه هذه الرسالة قد يُمَكِّنُ ـ لو تم اعتماده ـ من تنظيف مدينة نواكشوط في أشهر قليلة جدا، وقد يحولها إلى عاصمة نظيفة وصحية خالية تماما من الأوساخ والقمامة!!!
ولكن قبل تقديم المقترح لابد أن أقول هنا بأن الفكرة الإبداعية قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها فكرة مجنونة، ولكنه سرعان ما يثبت عكس ذلك ، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، فعلى سبيل المثال لما طالب "محمد يونس " في منتصف السبعينات بضرورة تأسيس بنك خاص بالفقراء يقدم قروضا متناهية في الصغر لفقراء لا يملكون أي ضمان،وُصِفَ وقتها ومن طرف كل الاقتصاديين في العالم بأنه مجنونا وبأن أفكاره سطحية وساذجة لأنه لم يكن حينها يمكن لأي عاقل أن يتصور أنه يمكن لبنك أن يستمر وهو يقدم قروضا لفقراء دون أن يأخذ منهم ضمانا لتلك القروض.
بعد ذلك بثلاثين سنة حصل " محمد يونس " على جائزة نوبل على نفس تلك الفكرة التي كانت توصف بأنها سطحية وساذجة ، وذلك بعد أن أحدثت فكرته تلك ثورة في مجال محاربة الفقر من خلال التمويلات الصغيرة التي قدمها بنكه بنك غرامين (بنك القرية ) و الذي كانت بدايته ب27 دولارا فقط وهو اليوم يقدم قروضا تزيد على 5.7 مليار دولار، وموجود فيما يزيد على 40 دولة، وقد استفاد منه حتى الآن ما يزيد على 7 ملايين فقير.
أيضا هناك بعض الأفكار الأخرى التي لا يتسع المقام هنا للتحدث عنها والتي قد تبدو مضحكة و ساخرة بالنسبة للبعض، إلا أنها مع ذلك تحقق الآن نجاحات كبيرة ، ففي مجال محاربة التسول يمكن تقديم فكرة رائدة تم اعتمادها في بعض دول آسيا ، وأما في مجال مكافحة الجريمة فيمكن التحدث عن فكرة أخرى حققت نتائج مشجعة في إحدى دول أمريكا الجنوبية.
أقول هذا الكلام لأن هذا المقترح الذي سأقدم لكم في هذه الرسالة كان قد تعرض لنقد سطحي من طرف البعض ، وذلك عندما تم تقديمه لأول مرة منذ ما يقترب من ثلاث سنوات، أي قبل قدوم الشركة الفرنسية التي تكفلت بتنظيف العاصمة.
ولقد حاول هذا المقترح أن يستخدم مشكلة القمامة للتخفيف من مشكلة أخري أكبر، وهذه من أكثر الطرق إبداعا في التعامل مع المشكلات حيث يتم حل مشكلة ما من خلال حل مشكلة أخرى.
ولقد حاول هذا المقترح أن يحقق ثلاث مطالب أساسية :
1ـ أن يجعل المواطن العادي يأتي للشارع لجمع القمامة بدلا من رميها فيه.2ـ أن يجعل من القمامة مصدرا للدخل خاصة بالنسبة للفئات الأكثر فقرا.3ـ أن يفتح مجالا لتشغيل الفقراء يصعب أن ينافسهم فيهم الأغنياء نظرا لطبيعة العمل، وهذه نقطة هامة جدا، لأن التجارب أثبتت أن الأغنياء دائما ينافسون الفقراء في كل الفرص التي كان من المفترض أن تكون خاصة بالفقراء.
ولقد وجدت أن هذه المطالب الثلاثة يمكن أن تتحقق لو أسست الدولة شركة لشراء القمامة من عند المواطنين.تلك الشركة لو تم تأسيسها لكنا اليوم نعيش في مدينة نظيفة فعلا، بدلا من اقتصار نظافتها علي شعار ترفعه شركة فرنسية ، و تنفيذ هذا الاقتراح كان سيخلق 2400 فرصة عمل على الأقل ، براتب شهري قدره 75.000 أوقية بدلا من تشغيل 700 عامل برواتب متدنية والذي يعتبره مدير الشركة الفرنسية إنجازا ضخما.يقول مدير تلك الشركة في أول تصريح له بعد مجيئها ، بأنهم يعالجون يوميا 600 طن من القمامة، ولو أن الدولة خصصت المليارين أوقية التي تُدْفَعُ للشركة الفرنسية لشراء القمامة لكان بالإمكان شراء كل كلغ من 216000 طن التي تنتجها العاصمة سنويا ب 10 أواقي للكلغ، مما يعني أن 600 طن التي ينتجها نواكشوط يوميا من القمامة لا تحتاج إلا ل2400 صاحب عربة من العربات التي تجرها الحمير، وذلك بمعدل 250 كلغ لكل عربة، يتم نقلها يوميا خارج العاصمة ، بتعويض قدره 2500 أوقية يوميا مما سيوفر لصاحب العربة دخلا شهريا قدره 75.000 أوقية .وذلك يعني أن القمامة كان من الممكن أن توفر نفس العدد من فرص العمل الذي يوفره قطاع الصناعة تقريبا وبمتوسط دخل يفوق كثيرا أي متوسط دخل في أي قطاع آخر .
لقد أصبح من الواضح جدا ـ خاصة بعد تعليماتكم في مجلس الوزراء الماضي ـ أن الشركة الفرنسية عجزت تماما عن تنظيف العاصمة، والعيب قد لا يكون كله في تلك الشركة التي ربما يكون قد فاتها أن سلوك المواطن الموريتاني ليس بالطبع نسخة طبق الأصل من سلوك المواطن الفرنسي.
وربما يكون قد فاجأها ذلك السلوك الغريب الذي يقوم به ذلك الإنسان الموريتاني الْمُحَيِّر الذي يحمل قمامته إلى الحاوية الخاوية المخصصة للقمامة ، ولكنه عندما يصل إلى الحاوية يقرر فجأة رمي القمامة خارج تلك الحاوية ، ثم يأتي بعده إنسان آخر يتصرف نفس التصرف الغريب ، ثم يأتي ثالث ورابع حتى يتشكل سور عظيم من القمامة حول الحاوية الفارغة والتي يصبح الوصول إليها أمر صعب حتى بالنسبة لمن يريد وبشكل جاد أن يرمي قمامته داخلها.
وربما يكون قد فاجأها ذلك المتوسط المرتفع جدا من القمامة الذي ينتجه الموريتاني رغم تدني مستوى دخله ومستوى استهلاكه، وربما تكون تلك الشركة لم تكن تتوقع أن تتعرض الحاويات المخصصة للقمامة للسرقة والنهب.
حقيقة هناك أشياء كثيرة لا تتحكم فيها الشركة قد تكون من الأسباب التي أدت إلى فشل تلك الشركة في مهمتها الصعبة، وأنا لا أكتب لكم هنا لأحمل تلك الشركة كامل المسؤولية، وإنما أكتب لأقول لكم بأن توقيع اتفاق مع تلك الشركة كان غلطة كبيرة ، كما أن استمرار وجودها هو أيضا غلطة حتى ولو تمكنت من تنظيف العاصمة الشيء الذي يصعب توقعه.
السيد الرئيس،
لقد حان الوقت لأن نعتمد علي أنفسنا في مواجهة بعض همومنا، فنحن عندما نحتاج للغير في تنظيف عاصمتنا فهذا يعني أننا سنظل عاجزين عن حل المشاكل الأخرى الأكثر تعقيدا.
ونحن إن لم ننجح وبالاعتماد على أنفسنا في تنظيف عاصمتنا فإننا قطعا لن ننجح في الزراعة ولا في الصيد ولا في التعليم ولا في الصحة ولا في أي واحد من تلك التحديات الكثيرة التي تحتاج فعلا ـ عكس تنظيف العاصمة ـ لمساعدة الغير، ولتدخل الغير، ولإبرام معاهدات واتفاقات مع أجانب.
علينا أن نعتمد على أنفسنا ـ على الأقل ـ في تنظيف العاصمة من خلال تأسيس شركة وطنية لشراء القمامة أو من خلال تدخل الجيش الذي حقق نجاحا لا بأس فيه في تجربة سابقة ، رغم أنه لم يُمْنَحْ عشر هذا المبلغ الذي يمنح لتلك الشركة الفرنسية.
ولن يكون من الصعب على الجيش أن يُنظف العاصمة لو مُنِحَ سنويا مليارين أوقية هو في أمس الحاجة إليها ، يتم تخصيص نسبة كبيرة منها لزيادة دخل الجنود الذين سيتفرغون لتنظيف العاصمة.
فكفى توكلا على الغير، لأنه لو استمر المواطن في توكله على الدولة ، واستمرت الدولة في توكلها على الغير، فربما يأتي يوم نضطر فيه لأن نبرم اتفاقا مع شركة أجنبية أخرى لتنظيف مساجد العاصمة.وإلى الرسالة الرابعة، وفقكم الله لما فيه خير البلد.

الاثنين، 12 أكتوبر 2009

أُقَبِّلُ رأسك ... يا " الشيخ صار"



في مرات عديدة كنت أكتفي بالتعبير بشكل خجول عن تقديري للشرطي "الشيخ صار" تماما كما يفعل الآلاف من المعجبين بذلك الشرطي المميز.
أما في هذه المرة فقد قررت أن أعبر عن ذلك التقدير بشكل صريح جدا ، وإيجابي جدا، وذلك من خلال توجيه نداء لكل المعجبين بذلك الشرطي المثالي من أجل التعاون معا لتقديم لمسة تقدير ووفاء له مقابل تفانيه العجيب في عمله الشاق ، رغم الحرارة القاسية في الصيف ، والبرد القارس في الشتاء ، الشيء الذي جعله يستحق وبجدارة أن يحمل وسام " الموظف المثالي للعام 2009 ".

السبت، 26 سبتمبر 2009

الرئيس على الخط !!! / حكاية قصيرة


يحكى أنه في قريب الأزمان ..وحديث العصر والأوان .. كان يوجد كوخان .. يفصل بينهما حاجزان .. حاجز من قمامة .. وحاجز من مياه راكدة .. وفي الكوخين كان يسكن فقيران .. أحدهما كان حلمه جنتان .. بشرت بهما الستتان .. ووعدت بهما الحملتان .. وأقسم عليهما مرشح كل فقير جائع وظمآن .. وبصم عليهما ما يزيد على نصف المصوتين من السكان ..
أما الفقير الثان .. فلم يعد يثق في أي حكومة من إنس كانت أو من جان .. لأنه لم يشاهد في الميدان ..منذ سالف العصر والأوان .. إلا ظلما وجوعا وفقرا كان ضحيته ثلثا السكان .. رغم الوعود المتكررة لكل رئيس مُنصب أو مُنقلب و مُصحح في آن .. بأنه سيحول الصحاري إلى جنان ..وسيشيد القصور الشامخات فوق الكثبان ..ولن يترك على هذه الأرض مفسدا واحدا خارج القضبان .. وذلك حتى لا يبقي على أرض شنقيط جائع أو عطشان ..
و بعد انقضاء شهر رمضان .. اجتمع الفقيران .. ودار بينهما حوار ساخن ..نقدمه للقارئ بلا زيادة ولا نقصان ..إلا لضرورة السجع والأوزان ..
سأل الفقير الحالم .. الفقير المتشائم ..هل أتممت الصيام ؟
أجاب الفقير المتشائم : نعم لقد أكملت الصيام .. وكنت أكاد أصل الليل بالنهار والناس نيام .. لنقص في المؤونة و الطعام .. وعلى الكرام الذين ماتوا ألف سلام ..
قال الفقير الحالم : أبشر يا جار ..بما تناقلته الأخبار.. عن الخير ابن الأخيار ..قائد الجنرالات الأحرار .. الذي وعد بموريتانيا جديدة .. وقال بأنها لم تعد منا ببعيدة .. وأنها سيسعد فيها عامة الفقراء.. قبل خاصة الأغنياء ..
أفلا يكفيك يا سليل الفقراء .. بأن الرئيس تجاهل الكبراء .. وعَرَّجَ على من يفترش الأرض ويلتحف السماء .. وخصه بالسلام والولاء .. وذكره في خطاب التنصيب .. الذي سمعه البعيد والقريب ..وفي ذلك إشارة لكل لبيب ..بأن القادم من الأيام .. نعيم و برد وسلام ..على المعوقين والأيتام .. وعلى كل فقراء المدن والخيام ..
ثم سكت الفقير الحالم .. برهة من الزمان .. ليواصل بعد ذلك الحديث بامتنان .. وبمزيج من الغرور والافتنان ..
وأبشر يا صاح.. بأيام مليئة بالأفراح ..وبليال ملاح .. ستنسيك كل الأحزان والأتراح .. التي عشتها بعد كل تصحيح سابق وإصحاح..
وهل تصدق يا صاح ..بأن كل مالك قصر مرتاح .. سيتمنى أن يتحول قصره إلى كوخ من صفيح وألواح ..حتى تخدمه حكومة الفقراء كلما غدا أو راح ..وحتى ينعم فوق ذلك بما لاح .. لفقراء الأعماق ..ومساكين الآفاق ..ولكل متسول على حافة شارع أو زقاق ..
نزلت تلك الكلمات المطرزة .. على الفقير المتشائم وكأنها شحنة مكهربة.. وقال بعد أن نفد صبره .. وترك مضجعه .. ورشف من الماء رشفة .. وهدد صاحبه بصفعة .. هذا مجرد كلام .. سمعناه ذات يوم من الأيام .. وسئمنا من تكراره عاما بعد عام ..
ثم أردف قائلا : نحن نريد أفعالا ملموسة .. لا تحتاج لصحافة كذوبة .. ولا لبرامج مغشوشة ..أو تقارير مبتورة ..
وهنا كادت أن تزل بالفقير الحالم قدماه ..بعد أن استشاط غضبا وعبس حاجباه .. ولم يكن منه إلا أن تحركت شفتاه .. بصراخ يفهم من فحواه : ألم تشاهد متاجر رمضان .. قد تناثرت في كل مكان .. تبيع الأرز والسكر والزيت وكل أصناف الألبان .. لكل فقير إنسي كان أو جان ..
رد المتشائم بابتسامة ساخره .. وبحركات فيها كثير من الإشاره .. وشيء غير قليل من الإثاره .. أليس من الخسران .. أن تمر من العمر ساعتان .. أمام متجر أو دكان .. تباع فيه من الأرز حفنتان .. ومن الزيت جرعتان .. ومن اللبن المجفف صرتان ..
وما أهمية متاجر رمضان ..في مدينة أغرقها الفيضان ..واختفى فيها الضوء والنيران ..وأفلس فيها صاحب كل ورشة صغيرة .. وكل ممتهن لحرفة قديمة .. أو مهنة جديدة..
قال الفقير المتفائل .. لصاحبه المتحامل .. أنت ناكر للجميل عنيد .. ولا تريد أن تعترف بالعهد الجديد ..الذي وعد فيه الرئيس بمولد كهربائي يوم العيد .. للمشفى الوطني التليد.. وذلك حتى لا يموت شيخ أو وليد ..إذا ما انقطع عنه التيار كالعادة وهو في الإنعاش قعيد..
رد الفقير العنيد .. ذلك فعل سديد .. وأنا عليه شاهد عتيد.. ولن أنقص من أهميته أو أزيد ..ومع ذلك فقد سبقته سيئات .. وأزمات بلا مقدمات .. وليل مظلم كئيب .. ونهار بائس عصيب .. وصمت لرئيس الفقراء رهيب .. حير كل عاقل ولبيب ..وأخرس كل مناصر وحبيب ..بصم بحبر لاصق .. أو خط باءً بقلم رائق .. لإهداء فوز ساحق ..على التغيير الهادئ و الصادق..
قاطع الفقير الصبور .. صاحبه الجسور .. وقال : لقد كشفت المستور .. وتحدثت عن المحظور .. فلم يزل في قلبك شيء من الانتخاب السابق .. كزعيمك رافع شعار التغيير الصادق ..
قال الفقير المعارض .. دعك من الكلام العارض .. ومن تلفيق التهم زورا لبنى معارض ..فما نعيشه اليوم من حضيض .. ومن بؤس طويل عريض .. لا ينكره إلا صاحب عقل مريض .. أو إعلام رسمي بغيض ..
دعك من التحريض .. قالها الفقير الحالم بحروف تبرق كالوميض .. والسجع من صوته يفيض .. كأنه ينشد بيتا من القريض ..
أنت يا حالم .. تعلم أني فقير مسالم .. وما أنا على صاحبك بناقم .. ولكني أخاف مما هو قادم .. أخاف من أن يخرج الجياع .. وأن يسوقهم اليأس والضياع .. إلى ثورة ثانية يتجاهلها التلفزيون والمذياع .. حتى ولو أطلقت فيها الذخيرة .. ومات فيها شاب برصاصة رخيصة .. في مقاطعة مسالمة وديعة ..
لا قدر الله .. لا قدر الله .. لا قدر الله .. قالها الفقير الحالم ثلاثا .. ثم سكت طويلا .. وتذكر صراخا وعويلا .. ويوما عبوسا ثقيلا .. لم تشهد له البلاد مثيلا ..
خيم صمت مريع .. وسكون فظيع .. أعقبه حوار لطيف وديع .. بدأه الفقير الحالم بسؤال أذاب الصقيع .. وأعاد الصحبة إلى مستواها الرفيع ...
ماذا يمكن للرئيس أن يعمل الآن .. قبل أن يفوت الأوان .. وتذكر يا صاحبي بأن الموارد شحيحة ..وبأن عاما من الحصار له آثار وخيمة .. على بلد يعيش من عطايا الدول الصديقة والشقيقة ..
لقد أحسنت بطرح هذا السؤال .. وأنا لن أطلب من صاحبك المحال .. وإن كان من اللازم أن أذكره بمقال .. برروا به سابقا إزاحة الشيخ المقال ..
لقد مر عامان .. على غرق أهل الطينطان .. ولم تحقق لهم ثورة الشجعان .. حبة خردل توضع في ميزان .. ..ولقد غرقت مدن أخرى عديدة ..وقرى وأحياء جديدة .. مما زاد من حجم المصيبة ..وما أكثر أشباه حليمة ..التي تفشت فينا عادتها القديمة ..
أما عن الإرهاب .. وجرائم القتل والاغتصاب ..والتي كان يُبَرَرُ بها الانقلاب ..فقد خَلَّفَت في العهد الجديد .. فاجعة في كل صعيد .. وما حزام البصري منا ببعيد ..
وعن الأسعار .. فقد عانى من ارتفاعها سكان البوادي والأمصار .. وليس في ذلك إفشاء للأسرار ..وقد تجاوزت أسعار الخضروات .. والأسماك ولحوم الحيوانات ..كل المقاييس
والمستويات .. رغم أنها ليست من الواردات .. ولا تنقلها السفن ولا الطائرات .. ولا تُدفع عنها للجمارك ضرائب وإتاوات ..
وفيما يخص الفساد .. الذي أضاع البلاد .. وأهلك العباد .. وجُنِّدَ لمحاربته خطباء وفرق إنشاد .. فقد عرفت سوقه الكساد .. ولم يعد يتحدث عنه هازل أو جاد .. في محاولة لتقليد حاكم البلاد ..الذي لم يعد ينطق بكلمة فساد .. ولا برموزه الأقوياء الشداد .. منذ أن تم انتخابه رئيسا للبلاد ..
ولماذا لم نعد نسمع حديثا ذا شجون .. كل فقير به مفتون .. ثم أين ما وعد به من سجون .. وهل رحل عن البلاد المفسدون ..وهل ترانا عن ذلك غافلون .. و لماذا لا يحاكم أولئك المجردون المقالون .. إن ثبت أنهم سارقون ومجرمون ..
ثم أليست الحكومة ..عاجزة مشلولة .. ومريضة وموبوءة .. وأسوأ من كل الحكومات السابقة المعروفة ..
وهنا قال الفقير الذي هو بالجنرال متيم مجنون .. إنا للمعارضة لمنقلبون .. وللإتحاد من أجل الجمهورية لكارهون .. وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
لقد أصابنا فعلا كثير من الإحباط .. في الساكن الجديد للبلاط .. ويشهد على ذلك كل حلاق أو خياط ..لم يحصل قبل العيد على قيراط .. وهو الآن يمشي على صراط .. وبالدائنين محاط .. فطوبى لمن حصل على عمل لا يحتاج من الكهرباء لكيلوواط ..
لقد أصبحنا نعيش بلا أمان ..بين المطرقة والسندان .. بعد أن تَخَلَّى عن السفينة القبطان .. وأصبح على غرار الشيخ المقال من هواة الطيران .. فهو اليوم في كاراكاس وغدا قد يكون في طهران ..
فهلا اقتدي القبطان .. بزعيم فنزويلا وقائد إيران ..لتستنسخ منهما في شنقيط خصلتان ..
فرئيس إيران .. له موقع على الانترنت يتصل به الفقراء بالمجان .. ولثائر كاراكاس .. لقاء مع كل الناس .. في برنامج إذاعي مفتوح لكل حيران .. يعاني من مشكلة في أي مكان ..ومدته ساعتان ..
قلت : يا ليت رئيسنا يكون على الخط .. حتى يحدثه كل فقير لم يحدث رئيسا قط .. بهمومه التي أَنَّ منها وأَط .. في برنامج إذاعي بلا قيد أو شرط ..
تصبحون والرئيس على الخط ...