السبت، 26 أبريل، 2014

قبل أن يتحرك "المجهول"!!


من الطبيعي جدا أن نسمع من حين لآخر عن جريمة ما يتم تسجيلها ضد "مجهول"، بل إنه يمكننا القول بأن الجرائم التي يتم تسجيلها ضد "مجهول" في بلدنا هي أكثر بكثير من تلك الجرائم التي يتم تسجيلها ضد مجرم معلوم.
لا غرابة إذاُ في أن نسمع في بلدنا، والذي يعيش انفلاتا أمنيا غير مسبوق، عن جريمة ما يتم تسجيلها ضد "مجهول"، ولكن الغريب حقا، هو أن نستيقظ ذات يوم على انقلاب أو على  ثورة ضد السلطة القائمة، وأن يتم تسجيل ذلك الانقلاب أو تلك الثورة ضد "مجهول".

قطعا سيكون الأمر في غاية الإثارة عندما نستيقظ في يوم من الأيام، فإذا بوكالات الأخبار الدولية والمحلية تقول بأنه قد حدث انقلاب في موريتانيا أو ثورة، ولكن تم تسجيله ـ أو تسجيلها ـ ضد "مجهول".
ذلكم هو ما بشر به، أو على الأصح،  هو ما أنذر به "البيان السياسي" الذي وُقع باسم "مجهول"، ربما تناغما مع نظرية "التغيير بفعل مجهول" التي بشر بها البيان المذكور، حتى وإن كان  الموقع على البيان ليس بالمجهول في حقيقة أمره، وإنما هو الكاتب الأشهر، خصوصا في الفترات التي تكون فيها الغالبية من الناس تتوقع حدوث تغيير ما، ودون أن تعرف من أين سيأتي ذلك التغيير.
نحن إذاً أمام بيان سياسي لم يتم توقيعه باسم محدد، أي أنه يحمل توقيع "مجهول"، ولكن أغلب المهتمين بالشأن العام، إن لم أقل كلهم، يعرفون ذلك "المجهول" جيدا، ويعرفون فوق ذلك بأن بعض كتابات ذلك "المجهول" كثيرا ما ترتبط بشيء ما، لا داعيََ لذكره الآن.
يقول  الكاتب"المجهول" في جوابه على السؤال المتعلق بإمكانية بقاء النظام القائم :
"والجواب الموضوعي، هو - بلا شك - أن النظام الحالي لا يمكنه البقاء، إذا استمرت نفس الصيغ ونفس العلاجات الفوقية والتهديئية."
ولكن من الذي يهدد فعلا النظام القائم؟
يجيب "المجهول" في بيانه السياسي بأن "المجهول" (وهو هنا العنصر الثالث الذي ليس بالمعارضة ولا بالسلطة) هو الذي سيسقط النظام القائم.
وإليكم بعض صفات "المجهول" الذي سيسقط النظام، إنه: " غُولٌ مفترسٌ مُخْتَفٍ وانتهازيٌّ، لا يتوقف نمُوُّه، ولا يمكن صَدُّه حين يُخرج رأسه. "
لقد أراد الكاتب "المجهول"، وربما لحاجة في نفسه، أن يربط التغيير القادم بمجهول، وهو مجهول لا صلة له إطلاقا بالمعارضة التي وصفها البيان بأنها ضعيفة ولا قدرة لها على إحداث التغيير. وربما لا تكون له أيضا صلة بالمؤسسة العسكرية التي مجدها البيان، والتي لا يمكن أن تتحول إلى "غُولٌ مفترسٌ مُخْتَفٍ وانتهازيٌّ، لا يتوقف نمُوُّه، ولا يمكن صَدُّه حين يُخرج رأسه. "
فلماذا ربط الكاتب "المجهول" التغيير القادم بمجهول مخيف لا يمكن تحديد ملامحه إلا بتشبيهه بالغول المفترس؟
إن في ذلك الربط لحكمة بالغة..
فمن المهم جدا أن نخيف من يمسك بالسلطة، حتى يستمع إلينا، ولا شيء يخيف الأطفال و السلاطين أكثر من "غُولٌ مفترسٌ مُخْتَفٍ وانتهازيٌّ، لا يتوقف نمُوُّه، ولا يمكن صَدُّه حين يُخرج رأسه. "
ثم إنه من المهم جدا لمن فقد التأثير على أرض الواقع، لأسباب كثيرة، ولا مجال لبسطها هنا، من المهم جدا له أن يقلل من شأن من يحاول أن يؤثر ميدانيا (المعارضة)، حتى وإن ارتكبت تلك المعارضة أخطاء كبيرة، ومن المهم له كذلك، أن يربط ذلك التغيير القادم بمجهول، وأن ينصب نفسه ناطقا رسميا باسم ذلك المجهول، بل ومفاوضا باسمه. فإن قبلت السلطة بالكاتب "المجهول" ناطقا رسميا و مفاوضا باسم المجهول (الغول المفترس والمخيف)، واستجابت بالتالي لمطالبه أو لبعضها، فإنه في تلك الحالة سيتصل بالغول المفترس، وسيطلب منه أن لا يخرج رأسه، وإن لم تهتم السلطة به، ولا وبنصائحه، فإنه في هذه الحالة سيطلب من الغول، بأن يسارع في إخراج رأسه المخيف، وبأن لا يخذله هذه المرة، كما خذله ذات مرة.
بعد حادثة "الرصاصات الصديقة"، وتحديدا في يوم 14 نوفمبر 2012، أطلق كاتب البيان السياسي مبادرة سماها بمبادرة 14 نوفمبر، وكان معه الكثير من صحبه، ويبدو أنهم حينها توقعوا ـ كما توقع الكثير من الموريتانيين ـ بأن الغول سيخرج رأسه المخيف، وذلك بعد أن طال مرض الرئيس، وبعد أن شحت الأخبار المطمئنة القادمة من مستشفى "برسي" بباريس. ولكن الغول لم يخرج يومها رأسه، وإنما خرج الرئيس، بعد طول اختفاء، وظهر في قصر الإليزيه وهو بصحة معقولة، فما كان من مبادرة 14 نوفمبر إلا أن أعلنت عن حلها لنفسها، وذلك من قبل أن تُكمل أسبوعها الأول، رغم أنها كانت قد أعلنت بعد تأسيسها بأربعة أيام، أي في يوم 18 نوفمبر عن تشكيل لجنة متابعة وتنسيق و اتصال.
كان ميلاد المبادرة مثيرا، وكان حلها من قبل أن تكمل أسبوعها الأول أكثر إثارة، ورغم ذلك فلم يتوقف المهتمون بالشأن العام عند ذلك نظرا لانشغالهم جميعا بحادثة الرصاصات الصديقة وبصحة الرئيس.
لم يتخذ الرئيس يومها أية ردة فعل مباشرة ضد أصحاب المبادرة، بل إنه لم يتخذ أية ردة فعل ضد أي من الذين خذلوه أو ناصروه خلال فترة إصابته ( وهذا تصرف غريب من شخص الرئيس المعروف بسرعة ردود أفعاله) . كما أن أصحاب المبادرة لم يظهروا علنا من خلال أي موقف بعد حل تلك المبادرة، ويبدو أنهم انتظروا حتى أيامنا هذه ليصدروا بيانهم السياسي.
ومهما يكن من أمر فإن هذا البيان السياسي لابد أن يكون له الأثر السلبي على السلطة الحاكمة، على الأقل نفسيا. وفي المجمل فيمكن القول بأن البيان قد وفق في قراءته للمشهد السياسي، وكذلك في تعداد الكثير من نقاط ضعف السلطة القائمة، وهي نقاط ضعف ستؤدي إلى السقوط النظام إن لم يسارع في تصحيحها.

حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق